← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويجوز أن يكون قوله: أعجمي بدلا من حرف فصلت أو عطف بيان له، وفصل بينهما بفاعل حققها وهو صحبة وضرورة، ولك أن تجعله خبرا مبتدأ محذوف أي هو ءأعجمي، وقوله: لتسهلا أي لتركب الطريق السهل أو لتسهل اللفظ بإسقاطها، ثم إن الناظم ﵀ بعد ذكره لحرف فصلت أتبعه ما وقع فيه الخلاف بعده فلهذا ذكر ما في الأحقاف، ونون ثم ذكر ما قبل فصلت على الترتيب فقال: ١٨٦- وَهَمْزَة أَذْهَبْتُمْ فِي الأَحْقَافِ شُفِّعَتْ ... بِأُخْرَى "كَـ"مَا "دَ"امَتْ وِصَالاً مُوَصَّلا شفعت: أي جعلت شفعا بزيادة همزة التوبيخ عليها ابن كثير وابن عامر يقرآنها بهمزتين، وكل واحد منهما على أصله من التحقيق والتسهيل، وإدخال الألف بينهما على ما يأتي فالتحقيق لابن ذكوان، ولهشام التسهيل وإدخال الألف، ولابن كثيرٍ التسهيلُ من غير ألف، ولم أر في تصانيف من تقدم الناظم مَن ذَكَر لهشام التحقيق هنا فإن كان فالمد معه ولكن ليس هذا مما يؤخذ قياسا؛ ألا ترى أن ابن عامر بكماله شفع في نون مع التسهيل كما يأتي. وظاهر نظم الشاطبي أن وجه التحقيق لهشام يجري هنا لإطلاقه القول في ذلك وإجماله له مع أنه بين الذي في سورة ن وللحافظ أبي عمرو الداني ﵀ كتاب مستقل في إيضاح مذاهب القراء في الهمزتين الملتقيتين في كلمة أو كلمتين متفقتين أو مختلفتين فحكى فيه عن ابن ذكوان في: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ ١ وجهين: أحدهما تحقيق الهمزتين، والثاني بهمزة ومدة. قال: واختلف أصحاب هشام عنه فروى الحلواني عنه بهمزة مطولة قال: يعني أنه حقق همزة الاستفهام وسهل همزة القطع بعدها فجعلها بين بين وأدخل ألفا فاصلة بينهما؛ طردا لمذهبه في سائر الاستفهام، وقال أحمد بن يونس: حدثنا هشام عن أصحابه عن ابن عامر "أأذهبتم" بهمزتين ولم يذكر فصلا بينهما. قلت: ولم يذكر تحقيقا ولا تسهيلا والظاهر التسهيل؛ توفيقا ين الروايتين، ويصدق على ذلك إطلاق عبارة الهمزتين، قال الداني: وقياس رواية إبراهيم بن عباد عن هشام أن يحققها ويفصل بألف بينهما، وقوله: كما دامت نعت لمصدر محذوف أي شفعت تشفيعا دائما دواما كدوام همزة "أذهبتم" في نفسها: أي ثابتا ثباتا كثباتها. والمعنى أن ثبات التشفيع في قراءة ابن عامر وابن كثير كثبات همزة أذهبتم لا تبرح ولا تذهب أو شفعت بأخرى دائمة كدوامها فتواصلا وصالا موصلا ينقله بعض القراء إلى بعض، وقيل: كما دامت كذلك مشفعة بهمزة التوبيخ مواصلة لها في مواضع كثيرة نحو: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ٢. ويؤيده قوله في آخر السورة: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ٣.

стр. 142

ولا يمتنع الاستفهام بطريق التوبيخ عما وجد، وكان كقوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١، ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ ٢. ووجه القراءة على الخبر ظاهر والله أعلم. ١٨٧- وَفِي نُون فِي أَنْ كَانَ شَفعَ حَمْزَةٌ ... وَشُعْبَةُ أَيْضاً وَالدِّمَشْقِي مُسَهِّلا أي وفي حرف نون ثم أبدل منه قوله في أن كان بإعادة حرف الجر يريد قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٣. أي لا تطعه لأن كان ذا مال ومن زاد همزة الإنكار فمعناه ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه فحمزة وأبو بكر وهو شعبة عن عاصم زادا همزة وحققاهما على أصلهما والدمشقي وهو ابن عامر زاد همزة وسهل الثانية أي وشفع الدمشقي في حال تسهيله، خالف أصله فسهل هذا الموضع بلا خلاف وهشام يدخل ألفا بين الهمزتين على أصله كما يأتي وابن ذكوان يقرأ هنا كابن كثير في غير هذا الموضع. وذكر صاحب التيسير في سورة فصلت قال على أن بعض أهل الأداء من أصحابنا يأخذ لابن ذكوان بإشباع المد هنا يعني في -ءأعجمي- وفي ءأن كان ذا مال قياسيا على مذهب هشام قال وليس ذلك بمستقيم من طريق النظر ولا صحيح من جهة القياس وذلك أن ابن ذكوان لما لم يفصل بهذه الألف بين الهمزتين في حال تحقيقهما مع ثقل اجتماعهما علم أن فصله بها بينهما في حال تسهيله إحداهما مع خفة ذلك غير صحيح في مذهبه. ١٨٨- وَفِي آلِ عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرِهِمْ ... يُشَفَّعُ أَنْ يُؤْتَى إِلَى مَا تَسَهَّلاَ أي مضافا إلى ما تسهلا في مذهبه أي أنه وإن شفع: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ ٤. فهو يسهل الثانية على أصله وقراءة الباقين في هذه المواضع الثلاثة أذهبتم وأن كان وأن يؤتى بعدم التشفيع وهو الإتيان بهمزة واحدة وصاحب التيسير يعبر عن مذهب من سهل في هذه المواضع بهمزة ومدة ومراده بين بين والله أعلم. ١٨٩- وَطه وفِي الأَعْرَافِ وَالشُّعَرَا بِهَا ... ءَآمَنْتُمُ لِلكُلِّ ثَالِثًا ابْدِلاَ أي وطه بها وفي الأعراف والشعراء لفظ آمنتم وقيل بها أي بهذه السور الثلاث على زيادة في من قوله وفي الأعراف ووجه الكلام وطه والأعراف والشعراء بها ءآمنتم ولو قال مع الأعراف لما احتاج إلى هذا التكلف وثالثا نصب على التمييز وقد تقدم على عامله وفي جواز مثل ذلك خلاف النحويين ولو قال ثالثه أبدلا لخلص من ذلك وظهر المراد ولكن فيه وصل همزة القطع ومثل ذلك في التمييز قولك زيد ضربته ظهرا لأن الظهر بعضه وكذا ثالث حروف -أآمنتم- بعضها وقيل هو نصب على الحال: أي أبدل

стр. 143

همزة في حال كونه ثالثا، ولا دليل على هذا؛ بل الضمير في أبدل يعود إلى المذكور وهو أآمنتم، وأصل آمن أأمن بهمزة ثانية ساكنة ثم دخلت همزة الترفيع فاجتمعت ثلاث همزات، فأبدلت الثالثة ألفا بلا خلاف لسكونها وانفتاح ما قبلها، والثانية مختلف في تسهيلها على ما سنذكر، فعلى قراءة من سهلها يكون قد اجتمع همزتان مخففتان ليس بينهما حاجز، وقد جرى بمجلس أبي محمد مكي ذكر اجتماع همزتين مخففتين في القرآن ليس بينهما حاجز في قراءة ورش، فأجاب بأربعة أوجه؛ اثنان منها نقلت حركة الأولى إلى ساكن قبلها والثانية مسهلة بين بين أو مبدلة نحو: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ﴾ ١، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ٢. والثالث منها: الأولى بين بين والثانية مبدلة وهي: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ ٣، ﴿آلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ ٤. والرابع نحو: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ ٥، ﴿هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ ٦. الأولى من آية وآلهة مبدلة ياء وبعدها ألف منقلبة من همزة والله أعلم. ١٩٠- وَحَقَّقَ ثَانٍ "صُحْبَةٌ" وَلِقُنْبُلٍ ... بِإِسْقَاطِهِ الأُولى بِطَهَ تُقُبِّلا أي وحقق الهمزة الثانية من أآمنتم صحبة على أصولهم وسهلها الباقون بين بين ومن أبدل لورش الثانية في نحو "ءأنذرتهم" ألفا أبدلها أيضا ألفا ثم حذفها هنا لأجل الألف التي بعدها نص عليه أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز، فتبقى قراءة ورش على هذا على وزن قراءة حفص بإسقاطه الهمزة الأولى كما يأتي فلفظهما متحد ومأخذهما مختلف. واعلم أن كل من أسقط الهمزة الأولى حقق الثانية أيضا، وهو حفص في المواضع الثلاثة، وقنبل في طه كما يأتي، فليس تحقيق الثانية من خصائص صحبة إلا بتقدير اجتماعها مع الأولى، فإذا سقطت الأولى فالثانية في قراءة صحبة صارت أولى لمن أسقط الأولى، ومدلول صحبة هم حمزة والكسائي وأبو بكر، وقال ثانٍ؛ لأنه أراد الحرف ولم ينصبه ضرورة كما قال الآخر: لعلي أرى باقٍ على الحدثان ... وقنبل أسقط الأولى في طه وحقق الثانية فقرأ على لفظ الخبر. وفيه أيضا معنى التقريع والتوبيخ وإن انحذفت همزته كما يبقى معنى الاستفهام بعد حذف همزته؛ لأن قرينة الحال دالة عليها، والضمير في تقبلا للفظ: "أآمنتم" أي تقبل هذا الحرف لقنبل بسبب إسقاطه الأولى منه بسورة طه وقيل الضمير في تقبل يعود إلى الإسقاط وليس بشيء. ١٩١- وَفي كُلِّهَا حَفْصٌ وَأَبْدَلَ قُنْبُلٌ ... فِي الَاعْرَافِ مِنْهَا الْوَاوَ وَالْمُلْكِ مُوْصِلا أي وفي المواضع الثلاثة أسقط حفص الهمزة الأولى كما فعل قنبل في طه، وأبدل قنبل في سورة الأعراف منها أي من الأولى واوًا؛ لأن ما قبلها ضمة في: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ ٧.

стр. 144

والهمزة المفتوحة بعد الضمة إذا أريد تسهيلها قلبت واوًا، وفي سورة الملك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١. أبدل أيضا قنبل من همزتها الأولى واوًا كذلك؛ لأن قبلها: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٢. والهمزة الثانية في الموضعين يسهلها بين بين على أصله وهو في التي في الشعراء يقرأ كما يقرأ من يحقق الثانية، فقد غاير في قراءته بين المواضع الثلاثة في الهمزة الأولى فأسقطها في طه وأبدلها في الأعراف وأثبتها في الشعراء، وحكم ما في الملك حكم "ءأنذرتهم" وشبهه؛ لأن ليس فيها إلا همزتان، ولم يكن له حاجة بذكر التي في الملك هنا؛ فإنها ليست بلفظ هذه الكلمة ولأنه قد أفرد لها بيتا في سورتها، فلو قال هنا: في الَاعراف منها الواو في الوصل موصَلا بفتح الصاد من موصلا لكان أولى وأبين وقوله: موصلا بكسر الصاد حال من قنبل أي أبدل الأولى موصِلا لها إلى ما قبلها احترز بذلك من الوقف على فرعون أو النشور فإنه لو ابتدأ بما بعدهما لم يكن إبدال لانفصال الضمة من الهمزة، والناظم ﵀ يستعمل كثيرا في هذه القصيدة موصلا بمعنى واصلا كما يأتي في البقرة والنمل، وفيه نظر؛ فإن موصلا اسم فاعل من أوصله: إذا بلغه، ويقال: وصله به ومنه الواصلة للشعر، ويقرن لفظ الوصل بالإيصال. ووجه الاعتذار له أنهما يتلاقيان في المعنى؛ لأن الشيء إذا أوصلته إلى الشيء فقد وصلته به، وكان يمكنه من جهة وزن الشعر أن يقول: واصلا، ولكنه عدل عنه تجنُّبا للسناد الذي هو عيب من عيوب القوافي وهو تأسيس بعضها دون بعض. ١٩٢- وَإِنْ هَمْزُ وَصْلٍ بَيْنَ لاَمٍ مُسَكِّنٍ ... وَهَمْزَةِ الاِسْتِفْهَامِ فَامْدُدْهُ مُبْدِلا هذه مسألة ليست في كتاب التيسير في هذا الباب، وإنما ذكرها في سورة يونس تبعا لذكر نقل الحركة لنافع في: "آلْآنَ"٣. ولم يجعل هذه المسألة أصلا فلم يذكرها هنا ولا في سورة الأنعام؛ لأنها مما أجمع القراء عليه ولم توضع كتب القراءات إلا لبيان الحروف المختلف فيها لا المتفق عليها، ولكن جرت عادة أكثر المصنفين أن يذكروا في بعض المواضع من المتفق عليه ما يشتد إلباسه بالمختلف فيه؛ ليحصل التمييز بينهما، وهذا الموضع من ذلك القبيل، ومنه ما ذكر في آخر باب الهمز المفرد والإدغام الصغير ومسألة: ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ ٤ في يوسف وغير ذلك، قوله: وإن همز وصل ... يعني وإن وقع همز وصل فحذف الفعل ولم يذكر له مفسرا ظاهرا، وكذا في قوله في الباب الذي بعد هذا: وإن حرف مد قبل همز مغير ... ولا بد بعد إن الشرطية من وقوع صريح أو مقدر بمفسر ظاهر نحو:

стр. 145

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١. ومن العجز من شعر الحماسة٢: ... ... إن ذو لُوثَة لاثا ووجه ما ذكره أن الظرف في البيتين دال على المفسر وهو ما يتعلق الظرف به فالتقدير: وإن همز وصل وقع بعد لام إلى آخره وإن حرف مد وقع قبل همز مغير، وأراد أن همزة الوصل التي دخلت على لام التعريف إذا دخل عليها همزة الاستفهام أبدلت ألفا ومدت لأجل سكون اللام بعدها، وكان القياس أن تحذف همزة الوصل؛ لأنه استغني عنها بدخول همزة الاستفهام عليها كما في قوله: ﴿أفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٣ في سورة سبأ. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ٤. ولكن في لغة العرب الفرق بينهما؛ لأنها لو حذفت مع لام التعريف لاقتبس الاستفهام بالخبر؛ لأن همزة الوصل فيه مفتوحة كهمزة الاستفهام، وهي في: "أفترى، وأصطفى" مكسورة ففتح همزتها دليل على أنها للاستفهام لا للخبر فأعرضت العرب عن حذف همزة الوصل مع لام التعريف إذا دخل الاستفهام عليها وأبدلتها ألفا والهاء في قوله: فامدده لهمز الوصل، وكذا في قوله: ويقصره ... في البيت الآتي وهو مجاز؛ فإن الهمزة لا تقبل المد ولا القصر كسائر الحروف غير حروف العلة الثلاثة، ولكن أطلق عليه صفة ما يبدل منه وهو الألف ومبدلا حال ولو كان بفتح الدال لقوي هذا المعنى، ويجوز أن يكون من باب القلب؛ لأمن الإلباس كأنه أراد: فأبدله مادا أي حرف مد، وهذا هو حقيقة المعنى المراد، وجملة ما وقع في القرآن من ذلك ستة مواضع متفق عليها وهي: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ٥ موضعان في الأنعام: ﴿آلْآنَ﴾ ٦ موضعان في يونس وفيها: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ٧. وفي النمل: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ ٨. وفي يونس موضع سابع مختلف فيه وهو: "آلسِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ"٩. فهو في قراءة أبي عمرو من هذا الباب وهو في قراءة الباقين خبر والله أعلم.

стр. 146

١٩٣- فَلِلْكُلِّ ذَا أَوْلى وَيَقْصُرُهُ الَّذِي ... يُسَهِّلُ عَنْ كُلِّ كَآلآنَ مُثِّلا أي فهذا الوجه أولى لكل القراء أي إبدال همزة الوصل هنا ألفا أولى من تسهيلها بين بين كما ذكر بعضهم عن كل القراء أيضا؛ لأن همزة الوصل لا قدم لها في الثبوت فتسهل والقائل بالتسهيل لا يمد؛ لأن المسهلة بزنة المحققة فلم يجتمع ساكنان بدليل اتزان الشعر في نحو قوله: أأن رأت رجلا أعشى أضر به١ سواء أنشدت الثانية محققة أو مسهلة بين بين مع أن بعدها نونا ساكنة. ويحتمل أن يقال بالمد على مذهب التسهيل تخريجا من الوجه المحكي في أول الباب على قراءة ورش وهذا في مد يكون فاصلا بين المسهلة والساكن بعدها أما المد الذي يفصل بين المحققة والمسهلة؛ لثقل اجتماعهما على ما سيأتي فلا جريان له هنا على مذهب التسهيل وقد بينه في البيت الآتي، وقوله: عن كل يتعلق بيسهل أو بيقصر، وقوله: كآلآن خبر مبتدأ محذوف أي وذلك كآلآن، ثم استأنف جملة خبرية بقوله: مثلا؛ أي حصل تمثيل ذلك بما ذكرناه ولو قال: بآلآن مثلا لكان المعنى ظاهرا، ولم يحتج إلى هذه التقديرات والله أعلم. ١٩٤- وَلاَ مَدَّ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ هُنَا وَلا ... بِحَيْثُ ثَلاَثٌ يَتَّفِقْنَ تَنَزُّلا هنا يعني في هذا الذي سهلت فيه همزة الوصل: أي من مذهبه المد بين اهمزتين على ما سيأتي لا يفعل ذلك هنا؛ لأن همزة الوصل لا قدم لها في الثقل؛ لأن ثبوتها عارض وحقها الحذف في الوصل وكذلك لا مد بين الهمزتين في كلمة اجتمع فيها ثلاث همزات وذلك لفظان: "أَآمِنْتُمْ" في الأعراف وطه والشعراء. ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ ٢ في الزخرف. فالهمزة الثالثة مبدلة ألفا بإجماع على ما تقدم بيانه وسيأتي أيضا في سورة الزخرف، والثانية مختلف في تحقيقها، وتسهيلها ولم يمد أحد بينهما وبين الأولى خوفا من ثقل الكلمة باجتماع همزتين بينهما همزة، وقيل: لئلا يجمعوا بين أربع ألفات، وليس في ذلك اللفظ أربع ألفات وإنما فيه همزتان وألفان نعم في الخط ألفان هما صورة الهمزتين، وقوله: بحيث ثلاث ... ثلاث مرفوع بالابتداء ولا يجوز جرها بإضافة حيث إليها؛ لأن حيث إنما تضاف إلى الجمل لا إلى المفردات، وقد شذ ما لا قياس عليه و"يتفقن" صفة ثلاث والخبر محذوف أي مجتمعة وقد كثر حذف الخبر بعد حيث؛ لدلالة الكلام عليه ولا يكون يتفقن خبرا لئلا يبقى الابتداء بنكرة من غير وجود شرطها وإدخال الباء على حيث كإدخال من عليها في نحو: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ٣. ونصب تنزلا على التمييز: أي اتفق نزولهن والله أعلم.

стр. 147

١٩٥- وَأَضْرُبُ جَمْعِ الْهَمْزَتَيْنِ ثَلاَثَةٌ ... ءأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ أَئِنَّا أَأُنْزِلا أي أن اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة يأتي في القرآن على ثلاثة أضرب ثم بينها بالأمثلة والهمزة الأولى مفتوحة في الأضرب الثلاثة، والثانية إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وكان الأولى تقديم هذا البيت في أول الباب، وإنما احتاج إلى ذكر هذا التقسيم؛ ليبني عليه الخلاف في المد بين الهمزتين كما سيأتي، وموضع قوله: ﴿أءنذرتهم﴾ وما بعده رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمثلتها كذا وكذا على حذف حرف العطف، و"أم لم" تتمة لقوله: "أأنذرتهم" احتاج إليها الوزن الشعر ولا مدخل لها في الأضرب الثلاثة فقوله أأنذرتهم في سورة البقرة ويس مثال المفتوحتين: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ ١. ونحوه مثال ما الثانية فيه مكسورة والأولى مفتوحة، وقوله: أأُنزل عليه الذكر مثال ما الثانية فيه مضمومة والأولى مفتوحة في الجميع، ولا تكون إلا همزة الاستفهام والله أعلم. ١٩٦- وَمَدُّكَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ "حُـ"ـجَّةٌ ... بِـ"ـهَا" "لُـ"ـذْ وَقَبْلَ الْكَسْرِ خُلْفٌ لَهُ وَلا أي قبل ذات الفتح وذات الكسر يعني أن أبا عمرو وقالون وهشاما مدوا قبل الهمزة الثانية المفتوحة وقبل المكسورة، وحجة خبر قوله: ومدك، على تقدير حذف مضاف أي ذو حجة وهي إرادة الفصل بين الهمزتين؛ لثقل اجتماعهما، ولأن الأولى ليست من بنية الكلمة ففصل بينهما ءايذانا بذلك، ولهذا ضعف المد في كلمة أئمة؛ لأن الأولى من بنية الكلمة وهي لغة فاشية، قال ذو الرمة: آأنت أم أم سالم٢ "بها لذْ" أي الجأ إليها وتمسك بها ثم قال: وقبل ذات الكسر خلف لهشام إلا فيما يأتي ذكره، والهاء في "له" يعود على الحلف، والولا النصر أي لكل وجه دليل ينصره والله أعلم. ١٩٧- وَفي سَبْعَةٍ لاَ خُلْفَ عَنْهُ بِمَرْيَمٍ ... وَفي حَرْفَيِ الأَعْرَافِ وَالشُّعَرَا الْعُلا لا خلف لهشام في مد هذه السبعة أو يكون التقدير: وفي مد سبعة لا خلف عنه ثم بينها بما بعدها أي هي بمريم أو يكون قوله: بمريم بدلا من قوله: وفي سبعة؛ لأن معنى مريم أي بمريم لا خلف عنه في المد وكذا في حرفي الأعراف وما بعد ذلك، والذي في مريم قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ ٣. وفي الأعراف موضعان:

стр. 148

"أئنكم لتأتون"١، "أئن لنا لأجرًا"٢، وفي الشعراء "أئن لنا لأجرًا"٣. والعلا نعت السور الثلاث فهذه أربعة مواضع من السبعة ثم قال: ١٩٨- أَئِنَّكَ آئِفْكاً مَعًا فَوْقَ صَادِهَا ... وَفي فُصِّلَتْ حَرْفٌ وَبِالخُلْفِ سُهِّلا يريد قوله تعالى في والصافات: "أئنك لمن المصدقين"٤، "أئفكا آلهة"٥؛ أي وفي: "أءنك" "أئفكاً" وقوله: معًا حال منهما كما تقول: جاء زيد وعمرو معا أي مصطحبين، أي إنهما في سورة واحدة فوق صادها وهي سورة الصافات، وفي قوله: "معا" يوهم أن أئفكا موضعان كقوله: "نِعِمَّا". معا فلو قال موضعها هما فوق صادها لزال الإيهام والضمير في صادها لسور القرآن وفوق ظرف للاصطحاب الذي دل عليه معا، أي اصطحبا فوق صادها أو ظرف الاستقرار أي ولا خلف في مد أئنك أئفكا اللذين فوق صادها وفي فصلت خلف وهو: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُون﴾ ٦. وبالخلف سهلا: أي روي عن هشام تسهيله ولم يسهل من المكسور وغيره، وفي جميع المفتوح خلف مقدم سوى حرف نون والأحقاف و"أأعجمي" و"أأمنتم"، ولم يذكر صاحب التيسير في حرف فصلت لهشام غير التسهيل ولم يذكر صاحب الروضة فيه لابن عامر بكماله غير التحقيق. فإن قلت: من أين يعلم أن لهشام المد في هذه المواضع السبعة بلا خلاف وكل واحد من الأمرين محتمل؛ لأنه ذكر الخلاف له في المد قبل المكسور، واستثنى هذه المواضع فمن أين تعلم المد دون القصر؟ قلت: هذا سؤال جيد، وجوابه أنه قد قدم أنه يمد قبل الفتح والكسر ثم استثنى الخلاف له قبل الكسر إلا في سبعة فلو لم يذكر الخلف في المكسورة لأخذنا له المد في الجمع عملا بما ذكر أولا فغايته أنه عين ما عدا السبعة للخلاف فنزل هذا منزلة استثناء من استثناء، فكأنه قال: يمد مطلقا إلا قبل الكسر فإنه لا يمد إلا في سبعة مواضع فمعناه أنه يمد فيها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات على أنه لو قال سوى سبعة فالمد حتم بمريم لزال هذا الإشكال والله أعلم. ١٩٩- وَآئِمَّةً بِالخُلْفِ قَدْ مَدَّ وَحْدَهُ ... وَسَهِّلْ "سَمَا" وَصْفاً وَفي النَّحْوِ أُبْدِلا لم يمد هنا بين الهمزتين غير هشام بخلاف عنه؛ لأن الأولى من بنية الكلمة كما سبق ذكره، ولأن الهمزة الثانية حركتها عارضة فلم يتحكم ثقلها إذا أصلها السكون، وذلك أن أئمة جمع إمام وأصله أئمة على وزن مثال

стр. 149

وأمثلة ثم نقلت حركة الميم إلى الهمزة فانكسرت وأدغم الميم في الميم فمن حقق فعلى هذا وهم الكوفيون وابن عامر على أصولهم، ومن سهل أيضا فهو على أصله، وهم مدلول سما؛ إذ قد اجتمع همزتان متحركتان الآن ولا نظر إلى كون الحركة عارضة فإن ذلك الأصل مرفوض، وقوله: أئمة مفعول مقدم بالخلف أي مدها مدًّا ملتبسا بالخلف، ووصفا تمييز أي سما وصف التسهيل، ثم قال: وفي النحو أبدلا أي رأى أهل النحو إبدال الهمزة ياء في أئمة نص على ذلك أبو علي في الحجة والزمخشري في مفصله، ووجهه النظر إلى أصل الهمزة وهو السكون وذلك يقتضي الإبدال مطلقا، وتعينت الياء هنا لانكسارها الآن فأبدلت ياء مكسورة ثم لم يوافق أبو القاسم الزمخشري أهل النحو في ذلك واختار مذهب القراء فقال في تفسيره في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ "١. فإن قلت كيف لفظ أئمة؟ قلت: همزة بعدها همزة بين بين أي بين مخرج الهمزة والياء وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة وإن لم تكن مقبولة عند البصريين. قال: وأما التصريح بالياء فليس بقراءة ولا يجوز أن تكون، ومن صرح بها فهو لاحِنٌ محرف. قلت: ولم يذكر صاحب التيسير إبدالهما ياء ولا ذكر مسألة أئمة في هذا الباب، وإنما ذكرها في سورة براءة، ولفظ الناظم بأئمة على قراءة هشام بالمد والضمير في قوله أبدلا للمسهل المفهوم من قوله وسهل وهو الهمز المكسور. وقال ابن جنى في باب شواذ الهمز من كتاب الخصائص: ومن شواذ الهمز عندنا قراءة الكسائي أئمة بالتحقيق فيهما، فالهمزتان لا تلتقيان في كلمة واحدة إلا أن تكونا عينين نحو: سأال وسأار وجأار، وأما التقاؤهما على التحقيق من كلمتين فضعيف عندنا وليس لحنا، وذلك نحو قرأ أبوك و: "السُّفَهَاءُ أَلا"٢، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ ٣، ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ ٤. فهذا كله جائز عندنا على ضعف لكن التقاؤهما في كلمة واحدة غير عينين لحن إلا ما شذ مما حكيناه في خطاء وبابه. ٢٠٠- وَمَدُّكَ قَبْلَ الضَّمِّ "لَـ"ـبَّى "حَـ"ـبِيبُهُ ... بِخُلْفهِمَا "بَـ"رَّا وَجَاءَ لِيَفْصِلا مضى الكلام في المد قبل الفتح والكسر ثم ذكر المد قبل الضم فنص على أن لهشام وأبي عمرو خلافا في ذلك، ولم يذكر عن قالون خلافا في المد، وقد ذكره ابن الفحام في تجريده، وأما أبو عمر فالمشهور عنه

стр. 150

ترك المد، ولم يذكر له صاحب التيسير غيره، وذكره غيره، وأما هشام فله ثلاثة أوجه اثنان كالوجهين عن أبي عمرو والثالث فصله في البيت الآتي والهاء في حبيبه تعود إلى المد: أي لباه حبيبه، ويكون الحبيب كناية عن القارئ كأن المد ناداه ليجعله في قراءته فأجابه بالتلبية والقبول له وبرا حال من حبيبه أي لباه في حال بره وشفقته عليه أو يكون برا مفعول لبى حبيبه قارئا بارا بالمد مختارا له والبر والبار، بمعنى واحد وهو ضد العاق المخالف والضمير في جاء للمد أي جاء المد للفصل بين الهمزتين. ٢٠١- وَفي آلِ عِمْرَانَ رَووْا لِهِشَامِهِمْ ... كَحَفْصٍ وَفي الْبَاقِي كَقَالُونَ وَاعْتَلا فصل في هذا البيت الوجه الثالث الذي لهشام، وشرحه أن يقال إن هذه الهمزة المضمومة بعد المفتوحة جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع، وجاءت لبعضهم في موضع رابع، أما الثلاثة ففي آل عمران: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ١ وفي ص: ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ٢ وفي القمر: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ ٣ والرابع في الزخرف: "أَءُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ"٤. على قراءة نافع وحده وسيأتي في سورته، والباقون بهمزة واحدة فلا مد فيه لغير نافع، ومذهب هشام في الثلاثة على ما في التيسير أنه في آل عمران بلا خلاف فإنه قال: وهشام من قراءتي على أبي الحسن بتحقيق الهمزتين من غير ألف بينهما في آل عمران، ويسهل الثانية ويدخل قبلها ألفا في الباقيتن كقالون والباقون يحققون الهمزتين في ذلك وهشام من قراءتي على أبي الفتح كذلك ويدخل بينهما ألفا. فقد اتفق الشيخان أبو الحسن وأبو الفتح على التحقيق في آل عمران وعلى المد في ص والقمر، واختلفا في المد في آل عمران والتسهيل في ص والقمر فتكون قراءة هشام في ص والقمر كقراءته: "أئنكم" في فصلت مد بلا خلاف وتسهيل بخلاف، فيكون قد فعل في المكسورة في بعض مواضعها، وجماعتنا أشكل عليهم تنزيل النظم على ما في التيسير، وصوابه أن يقال لهشام في هذه الثلاثة ثلاثة أوجه: القصر التحقيق في الجميع وهذا الوجه ذكره صاحب الروضة وغيره وهو من زيادات هذه القصيدة. والوجه الثاني المد في الجميع مع التحقيق وهذا الذي قرأه صاحب التيسير على أبي الفتح فارس بن أحمد وهو شيخه الذي ذكره في آخر باب التكبير. والوجه الثالث التفصيل، القصر والتحقيق في آل عمران والمد والتسهيل في الباقيين، وهذا الذي قرأه صاحب التيسير على أبي الحسن طاهر بن غلبون الذي سبق ذكره في باب المد والقصر فالوجهان الأولان لهشام يماثل فيهما أبا عمرو في أنه يمد في الجميع ولا يمد، فلهذا أدرجه الناظم معه، فقال في البيت الأول: بخلفهما، ثم ذكر لهشام الوجه الثالث في البيت الثاني، ولو أنه نظم مقتصرا على ما في التيسير لقال ما كنت قد نظمته قديما تسهيلا على الطلبة:

стр. 151

ومدك قبل الضم بر حبيبه ... بخلف هشام في الثلاثة أصلا ففي آل عمران يمد بخلفه ... وفي غيرها حتما وبالخلف سهلا أي مد حتما بلا خلاف والله أعلم.

стр. 152

بب: الهمزتين من كلمتين ... باب: الهمزتين في كلمتين يعني الهمزتين المجتمعتين من كلمتين، وذلك أن تكون أولاهما آخر كلمة والثانية أول كلمة آخرى، وذلك يأتي على ضربين. أحدهما: أن يتفقا في الفتح أو الكسر أو الضم. والآخر: أن لا يتفقا في شيء من ذلك بل يختلفا فيه، ولكل واحد من الضربين حكم يخصه، وقد بين كلاهما منها وبدأ بقسم الاتفاق فقال: ٢٠٢- وَأَسْقَطَ الُاولَى في اتِّفَاقِهِمَا مَعًا ... إِذَا كَانَتَا مِنْ كِلْمَتَيْنِ فَتَى الْعلا فتى العلا فاعل أسقط يعني ولد العلا وهو أبو عمرو بن العلاء أسقط الهمزة الأولى من المتفقتين بالفتح والكسر والضم وهذا نقل علماء القراءات عن قراءة أبي عمرو بإسقاط الهمزة. ثم منهم من يرى أن الساقطة هي الأولى؛ لأن أواخر الكلم محل التغيير غالبا ومنهم من يجعل الساقطة هي الثانية؛ لأن الثقل بها حصل. والذي نقله النحاة عن أبي عمرو أنه يخفف الأولى من المتفق والمختلف جميعا. قال أبو علي في التكملة: أهل التحقيق يحققون إحداهما فمنهم من يخفف الأولى ويحقق الثانية، ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الثانية، وهو الذي يختاره الخليل، ويحتج بأن التخفيف وقع على الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة نحو آدم وآخر فكذلك إذا كانتا من كلمتين. قال الخليل: رأيت أبا عمرو قد أخذ بهذا القول في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ ١. قال العبدي في شرحه: مذهب أبي عمرو تخفيف الأولى، ومذهب الخليل تخفيف الثانية، والقراء على خلاف ما حكاه النحويون عنه؛ وذلك أنهم يقولون: الهمزتان إذا التقيا بحركة واحدة حذفت إحداهما حذفا من غير أن تجعلها بين بين، وإذا اختلفت الحركة عادوا إلى ما قلناه، قال وقياس قول أبي عمرو المحذوفة هي الأولى؛ لأنه حكى مذهبه أن تكون الأولى بين بين. قلت: ومن فوائد هذا الاختلاف ما يظهر في نحو: ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ٢ من حكم المد فيه.

стр. 153

فإن قيل الساقطة هي الأولى كان المد فيه من قبيل المنفصل، وإن قيل هي الثانية كان المد من قبيل المتصل، وقد نص مكي في كتاب التبصرة على قول أن الساقطة هي الأولى. ثم إن القارئ لأبي عمرو إذا وقف على "جاء" فإنه يمد ويهمز فإن الحذف إنما يكون في الوصل؛ لأن الاجتماع إنما يحصل فيه. ولم أر أن النحويين ذكروا لغة الإسقاط. ووجهها على ما نقله القراء أن من مذهب أبي عمرو الإدغام في المثلين ولم يمكن هنا لثقل الهمز غير مدغم فكيف به مشددا مدغما فعدل الإسقاط واكتفى به، وقوله: معا حال من ضمير التثنية الذي أضيف إليه الاتفاق؛ لأنه بمنزلة قولك: اتفقا معا، ولا فائدة لقوله معا في هذا الموضع إلا مجرد التوكيد، كما لو قال: كليهما، وفي غير هذا الموضع معا يذكر لفائدة سننبه عليها في الباب الآتي، والهاء في اتفاقهما عائدة١ على الهمزتين في قوله في أول الباب السابق: وتسهيل أخرى همزتين، ثم مثل صورة الاتفاق فقال: ٢٠٣- كَجَا أَمْرُنَا مِنَ السَّماَ إِنَّ أَوْلِيَا ... أُولئِكَ أَنْوَاعُ اتِّفَاقٍ تَجَمَّلا فمثل المفتوحتين بقوله تعالى: ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ والمكسورتين بقوله في سبأ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ٢. والمضمومتين بقوله في الأحقاف: ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ ٣. وليس في القرآن العزيز غيره، ولفظ بالأمثلة الثلاثة على لفظ قراءة أبي عمرو فالهمزة المسموعة في جاء أمرنا هي أول أمرنا ومثله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٤. الهمزة أول "أنشره"؛ لأنها همزة قطع فإن اتفق بعد ما آخره همزة همزة وصل حذفت فتبقى الهمزة المسموعة هي آخر الكلمة الأولى لجميع القراء: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ﴾ ٥، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ ٦. الهمزة آخر شاء وآخر الماء. وقوله: أنواع خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي أنواع اتفاق تجمل أي تزين. ثم بين مذهب قالون والبزي فقال: ٢٠٤- وَقَالُونُ وَالْبَزِّيُّ في الْفَتْحِ وَافَقَا ... وَفي غَيْرِهِ كَـ "الْيا" وَكَالْوَاوِ سَهَّلا أي وافقا أبا عمرو في ذواتي الفتح، فأسقطا الأولى منهما وفي غير الفتح جعلا المكسورة كالياء والمضمومة كالواو أي سهلا كل واحدة منهما بين بين فجمعا بين اللغتين.

стр. 154

٢٠٥- وَبِالسُّوءِ إِلاَّ أَبْدَلا ثُمَّ أَدْغَمَا ... وَفِيهِ خِلاَفٌ عَنْهُمَا لَيْسَ مُقْفَلا يعني قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ١، خالفا فيها أصلهما فعدلا عن تسهيل همزة السوء بين بين؛ لأن لغة العرب في تخفيف همزة مثل ذلك على وجهين سيأتي ذكرهما في باب وقف حمزة وهشام. أحدهما: أن تُلقى حركة الهمزة على الواو وبحذف الهمز وهذا لم يقرأ به لهما، وهو الوجه المختار في تخفيف همز ذلك، وقد نبه عليه مكي ﵀ في التبصرة. والثاني: أن تبدل الهمزة واوا، وتدغم الواو التي قبل الهمزة فيها، وهذا الوجه هو المذكور لهما في هذا البيت أي أبدلا الهمز واوا ثم أدغما فيها الواو التي قبلها، وإنما اختارا هذا على وجه نقل الحركة؛ لأن النقل يؤدي هنا إلى أن تنكسر الواو بعد ضمة، فتصير مثل قول، وهو مرفوض في اللغة، وقول بالتشديد مستعمل وهو أخف من قول، ولعل سببه حجز الساكن بين الضمة والكسرة، وقد فعل قالون نحو ذلك في لفظ النبي في موضعين في سورة الأحزاب؛ لأنه يهمز لفظ النبي، وقبل الهمز ياء، فأبدل الهمزة ياء وأدغم فيها الياء التي قبلها وذلك متعين، ثم لا يجوز فيه نقل حركة الهمزة إلى الياء؛ لأنها زائدة بخلاف الواو هنا وهذا سيأتي ذكره ف سورة البقرة إن شاء الله تعالى، ثم قال: "وفيه" أي: وفي تخفيف بالسوء خلاف عن قالون والبزي ليس مقفلا أي ليس مغلقا أو ليس مقفلا عليه أي ممنوعا لا يوصل إليه بل هو مشهور معروف في كتب مصنفة منها التبصرة لمكي، وإن كان صاحب التيسير ما ذكره ولم يذكر هذه المسألة إلا في سورتها، والخلاف المشار إليه أنهما قرآها بين بين على أصلهما ولا يمنع من ذلك كون الواو ساكنة قبلها؛ فإنها لو كانت ألفا لما امتنع جعلها بين بين بعدها لغة على ما يأتي فالواو قريبة منها والله أعلم. قال مكي: ذكر عن قالون فيها أنه يجعل الأولى كالياء الساكنة، قال: والأحسن الجاري على الأصول إلقاء الحركة ولم يرو عنه، ويليه في الجواز الإبدال والإدغام وهو الأشهر عن قالون وهو الاختيار لأجل جوازه والرواية، قال: فأما البزي فقد روي عنه الوجهان أيضا والاختيار الإبدال والإدغام؛ لجريه على الأصول. قلت: فهذا آخر الكلام في مذهب من يخفف الهمزة الأولى إما بإسقاط وإما بتسهيل، وذلك في الوصل فلو وقف عليها لحققت الهمزة، وسنذكر ذلك أيضا في سورة البقرة بتوفيق الله تعالى. ٢٠٦- وَالُاخْرَى كَمَدٍّ عِنْدَ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍ ... وَقَدْ قِيلَ مَحْضُ المَدِّ عَنْهَا تَبَدَّلا مذهب أبي عمرو وقالون والبزي كان متعلقا بالهمزة الأولى ومذهب ورش وقنبل يتعلق بالثانية؛ لأن الثقل عندها حصل وهي المرادة بقوله: "والأخرى" وروي عنهما في تسهيلها وجهان؛ أحدهما: جعلها بين بين؛ لأنها همزة متحركة ما قبلها كذلك قياس تسهيلها وهو المراد بقوله: كمد، والوجه الثاني لم يذكر في التيسير، وهو أن تبدل حرفا ساكنا من جنس حركتها، وهو مذهب عامة المصريين كما فعلوا ذلك في المفتوحتين في كلمة

стр. 155

واحدة إلا أن البدل هنا عام في المفتوحة والمكسورة والمضمومة؛ لأنه أمكن إبدال المكسورة ياءا ساكنة والمضمومة واواً ساكنة؛ لأن حركة ما قبلهما من جنسهما، ولم يمكن ذلك في كلمة واحدة؛ لأن قبلهما فتحا وبعدهما ساكنا والهمز المتحرك: المتحرك ما قبله لا يبدل إلا سماعا وهذا المراد بقوله "محض المد" قالوا: وأما "جا آل"١ فالبدل فيه ممتنع والتسهيل متعين خوفا من اجتماع ألفين. قلت: وأي مانع في ذلك إذا اجتمع ألفان زيد في المد لهما لو حذف إحداهما كما ذُكر هذان الوجهان لحمزة في وقفه على مثل "يشاء" و"من السماء" وهو قوله فيما يأتي: ويقصر أو يمضي على المد أطولا إلا أنه اغتفر ذلك في وقف حمزة؛ لتعينه وأما "جاء آل" فلنا عنه مندوحة إلى جعل الهمزة بين بين فصير إليه. وقوله: محض المد مبتدأ وخبره قوله: عنها تبدلا أي تبدل المد المحض عن الهمزة. وقال بعض الشارحين محض المد منصوب بقوله: نبدل. قلت: فالمعنى حينئذ تبدل الهمز محض المد فيبقى قوله عنها لا معنى له، فنصب محض المد فاسد والله أعلم. ٢٠٧- وَفي هؤُلا إِنْ وَالْبِغَا إِنْ لِوَرْشِهِمْ ... بِيَاءِ خَفِيفِ الْكَسْرِ بَعْضُهُمْ تَلا قال صاحب التيسير٢: وأخذ على ابن خاقان لورش بجعل الثانية ياء مكسورة في البقرة في قوله: "هؤلاء إن كنتم"٣. وفي النور: "على البغاء يإن أردن"٤. فقط، قال: وذلك مشهور عن ورش في الأداء دون النص. قلت: وهذا الوجه مختص بورش في هذين الموضعين وفيهما له ولقنبل الوجهان السابقان: ٢٠٨- وَإِنْ حَرْفُ مَدِّ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ ... يَجُزْ قَصْرُهُ وَالْمَدُّ مَا زَالَ أَعْدَلا هذا الخلاف يجيء على مذهب أبي عمرو وقالون والبزي؛ لأنهم يغيرون الأولى إسقاطا أو تسهيلا فوجه القصر زوال الهمز أو تغيره ع لفظه المستثقل، والمد إنما كان لأجله ووجه المد النظر إلى الأصل، وهو الهمز وترك الاعتداد بما عرض من زواله، ونبه على ترجيح وجه المد بقوله: والمد ما زال أعدلا؛ لقول صاحب التيسير إنه أوجه فإنه قال: ومتى سهلت الهمزة الأولى من المتفقتين أو أسقطت فالألف التي قبلها ممكنة على حالها مع تخفيفها اعتدادا بها، ويجوز أن يقصر الألف؛ لعدم الهمزة لفظا والأول أوجه، ثم اعلم أن هذين الوجهين على قراءة الإسقاط إنما هما في مذهب من يقصر في المنفصل كبالزي والسوسي وقالون والدوري في أحد الروايتين عنهما فإنهم يمدون المتصل نحو: "جاء، السماء، أولياء".

стр. 156

فلما تغيرت الهمزة في قراءتهم اتجه الخلاف المذكور إما في قراءة من يمد المتصل والمنفصل جميعا فكل ذلك ممدود له بلا خلاف كالرواية الأخرى عن قالون والدوري؛ لأنه كيف ما فرض الأمر فهو إما متصل أو منفصل فليس لهم إلا المد وكذا على قول من زعم أن الهمزة الساقطة هي الثانية ليس إلا المد في قراءته؛ لأن الكلمة التي فيها المد المتصل بحالها ويجري الوجهان لحمزة في وقفه على نحو: "الملائكة، و: إسرائيل". وكل هذه تنبيهات حسنة والله أعلم، ومضى وجه قوله: وإن حرف مد بغير فعل مفسر في شرح قوله وإن همز وصل في الباب السابق. ٢٠٩- وَتَسْهِيلُ الُاخْرَى في اخْتِلاَفِهِماَ "سَمَا" ... تَفِيءَ إِلَى مَعْ جَاءَ أُمَّةً انْزِلاَ فرغ الكلام في أحكام المتفقتين ثم شرع في بيان حكم المختلفتين؛ إذ التقتا في كلمتين فالأولى محققة بلا خلاف عند القراء، وإن كان يجوز تسهيلها عند النحاة على ما سبق ذكره. ووجه ما اختاره القراء أن حركة الثانية مخالفة للأولى فلم يصح أن تكون خلفا منها، ودالة عليها بخلاف المتفقتين ثم إن الذين سهلوا في المتفقتين على اختلاف أنواع تسهيلهم وهم مدلول سما هم أيضا الذين سهلوا الثانية من المختلفتين متفقين على لفظ تسهيلها على ما يأتي بيانه. ثم شرع يعدد أنواع اختلافها، وهي خمسة أنواع، والسمة العقلية تقتضي ستة إلا أن النوع السادس لا يوجد في القرآن فلهذا لم يذكر. أما الخمسة الموجودة في القرآن فهي أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة أو مضمومة وأن تكون الثانية مفتوحة والأولى مضمومة أو مكسورة فهذه أربعة أنواع والخامس أن تكون الأولى مضمومة والثانية مكسورة والنوع السادس الساقط أن تكون الأولى مكسورة والثانية مضمومة نحو في الماء أمم فذكر في هذين البيتين النوعين الأولين من الخمسة المكسورة بعد المفتوحة بقوله: ﴿تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١. والمضمومة بعد المفتوحة بقوله: ﴿جَاءَ أُمَّةً﴾ ٢. في سورة "قد أفلح"، وليس في القرآن من هذا الضرب غيره، وأما -تفيء إلى- فمثله كثير نحو: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ﴾ ٣. وموضع قوله: ﴿تَفِيءَ إِلَى﴾ رفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هي نحو: ﴿تَفِيءَ إِلَى﴾ . وكذا وكذا، وقوله: أنزلا جملة معترضة:

стр. 157

٢١٠- نَشَاءُ أَصَبْنَا والسَّماءِ أَوِ ائْتِنَا ... فَنَوْعَانِ قُلْ كـ "الْيَا" وَكَالْوَاوِ سُهِّلا وهذان نوعان على العكس مما تقدم وهما مفتوحة بعد مضمومة كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ١، ومثله: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ"٣ في قراءة نافع ومفتوحة بعد مكسورة كقوله في الأنفال: "من السماء أو ائتنا٣ بعذاب أليم". فأما النوعان الأولان في البيت السابق فالثانية فيهما مسهلة بين بين وهو المراد بقوله: كالياء وكالواو؛ لأنها همزة متحركة بعد متحرك وأما النوعان اللذان في هذا البيت فأبدلت فيهما ياء وواوا كما قال: ٢١١- وَنَوْعَانِ مِنْهَا أُبْدِلا مِنْهُمَا وَقُلْ ... يَشَاءُ إِلى كـ "الْيَاءِ" أَقْيَسُ مَعْدِلا منها؛ أي: من الأنواع المتقدمة، والضمير في أبدلا عائد إلى الياء والواو في قوله: كالياء وكالواو، وفي منهما للهمزتين أي أبدل الياء والواو من همزهما، وهذا قياس تخفيف الهمزة المفتوحة بعد الضم أن تبدل واوا وبعد الكسرة أن تبدل ياء، وهذا مما استثني من تسهيل الهمز المتحرك بعد حرف متحرك بين بين لمعنى اقتضى ذلك على ما نبين في باب وقف حمزة إن شاء الله تعالى فأبدلت في: "نشاء أصبناهم" واوا، وفي: "السماء أو ائتنا" ياء. وا يضر كونه في البيت السابق قدم ذكر الياء على الواو قوله: كالياء وكالواو سهلا، ثم قال: ونوعان منهما أبدلا فعاد الضمير إليهما والواو في هذا البيت متقدمة على الياء من لفظ ما مثل به من الآيتين فإنا نرد كل شيء إلى ما يليق به، وله نظائر فقوله: ونوعان مبتدأ و"منها" صفته، وأبدلا خبره، ونوعان في البيت السابق أيضا مبتدأ وسهلا صفته وخبره محذوف قبله أي فمنها نوعان سهلا كالياء وكالواو ومنها نوعان أبدلا منهما، فلما ذكر منهما بعد نوعان صارت صفة له ثم ذكر النوع الخامس وهو مكسورة بعد مضمومة نحو: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤؛ فقياسها أن تجعل بين الهمزة والياء؛ لأنها مكسورة بعد متحرك أي جعلها كالياء أقيس من غيره لغة، ومعدلا تمييز أي أقيس عدول عن هذه الهمزة هذا العدول، ثم ذكر مذهب القراء فيها فقال: ٢١٢- وَعَنْ أَكْثَرِ القُرَّاءِ تُبْدَلُ وَاوُهَا ... وَكُلٌّ بِهَمْزِ الكُلِّ يَبْدَا مُفَصَّلا واوها ثاني مفعولي تبدل فلهذا نصبه والهاء عائدة على الهمزة؛ لأنها تبدل منها في مواضع أو على الحروف للعلم بها أي تبدل الهمزة واوا مكسورة. وقال صاحب التيسير: المكسورة المضموم ما قبلها تسهل على وجهين: تبدل واوا مكسورة على حركة

стр. 158

ما قبلها وتجعل بين الهمزة والياء على حركتها والأول مذهب القراء وهو آثر، والثاني مذهب النحويين وهو أقيس. قلت: ولم يذكر مكي في التبصرة ولا ابن الفحام في التجريد ولا صاحب الروضة غير الوجه الأقيس وذكر ابن شريح ثلاثة أوجه فذكر الوجه الأقيس. ثم قال: وبعضهم يجعلها بين الهمزة والواو ومنهم من يجعلها واوا والأول أحسن. قلت: فلهذا قال الشاطبي عن أكثر القراء تبدل واوها؛ لأن منهم من سهلها باعتبار حركة ما قبلها؛ لأنها أثقل من حركتها وهذا الوجه أقرب من وجه الإبدال الذي عليه الأكثر، وهذان الوجهان سيأتيان في باب وقف حمزة منسوبا الإبدال إلى الأخفش، ووجه التسهيل موصوف ثم بالإعضال، وسيأتي الكلام على ذلك. وقوله: وكل بهمز الكل يبدأ ... أي وكل من سهل الثانية من المتفقتين والمختلفتين، وإنما ذلك في حال وصلها بالكلمة قبلها؛ لأن الهمزتين حينئذ متصلتان وتلتقيان، فأما إذا وقف على الكلمة الأولى فقد انفصلت الهمزتان فإذا ابتدأ بالكلمة الثانية حقق همزتها، ولو أراد القارئ تسهيلها لما أمكنه؛ لقرب المسهلة من الساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقوله: يبدأ أبدل فيه الهمزة ألفا ضرورة أو يقدر أنه وقف عليه فسكنت الهمزة فجاز قلبها حينئذ ألفا ومفصلا أي مبينا لفظ الهمزة محققا له. فإن قلت: كما بين الابتداء للكل كان ينبغي أن يبين الوقف على الأولى للكل؛ لأن التسهيل قد وقع في الأولى وفي الثانية في حال الاتصال، فبقي بيان حالهما في الانفصال فلم تعرض لبيان حال الثانية دون الأولى؟ قلت: من حقق الهمزة الأولى وقف عليها ساكنة إلا من عرف من مذهبه أنه يبدلها كما يأتي في باب وقف حمزة وهشام ومن سهلها وقف أيضا بسكونها؛ إذ لا تسهيل مع السكون وللكل أن يقفوا بالروم والإشمام بشرطهما على ما سيأتي في بابه، فلما كان للوقف باب يتبين فيه هذا وغيره أعرض عنه وأما الابتداء فلا باب له فبين هنا ما دعت الحاجة إلى بيانه. والله أعلم وأحكم. ٢١٣- وَالِابْدَالُ مَحْضٌ وَالمُسَهَّلُ بَيْنَ مَا ... هُوَ الهَمْزُ وَالحَرْفُ الَّذِي مِنهُ أُشْكِلا لما كان يستعمل كثيرًا لفظي الإبدال والتسهيل احتاج إلى بيان المراد منهما في اصطلاح القراء فقال: الإبدال محض أي ذو حرف محض أي يبدل الهمز حرف مد محضا ليس يبقى فيه شائبة من لفظ الهمز بخلاف التسهيل فإنه عبارة عن جعل الهمز بينه وبين الحرف المجانس لحركة الهمزة فمن أبدل في موضع التسهيل أو سهل في موضع الإبدال فهو غالط فما في قوله: بين ما بمعنى الذي أي بين الذي هو الهمز وبين الحرف الذي منه أي من جنس لفظه أشكل الهمز أي ضبط بما يدل على حركته. قال الجوهري: يقال شكلت الكتاب: قيدته بالإعراب، قال: ويقال أشكلت الكتاب بالألف كأنك أزلت عنه الإشكال والالتباس ويقع في كثير من عبارات المصنفين غير ذلك، فيرى بعضهم يقول:

стр. 159

قرأ ورش وابن كثير بهمزة وبعدها مدة في تقدير ألف، وقرأ قالون وأبو عمرو وهشام بهمزة وبعدها مدة مطولة في تقدير ألفين فكملت هذه العبارة كثيرا من الناس على أن مدوا بعد الهمزة، وكان بعض أهل الأداء يقرب الهمزة المسهلة من مخرج الهاء. وسمعت أنا منهم من ينطق بذلك وليس بشيء والله أعلم.

стр. 160

باب الهمز المفرد: يعني بالمفرد الذي لم يجتمع مع همز آخر، وما مضى في البابين السابقين، فهو حكم الهمز المجتمع مع همز آخر في كلمة وكلمتين، ثم شرع في بيان الهمز المفرد فذكر حكمه في ثلاثة أبواب متوالية، هذا أولها. وتخفيف الهمز يقع على ثلاثة أضرب نقل، وإبدال، وبين بين. فالذي مضى في البابين تخفيفه في عموم الأحوال بين بين، وجاء منه شيء قليل بالإبدال والإسقاط. والذي في هذا الباب كله إبدال. والذي في الباب بعده كله نقل: وباب وقف حمز في جميع الأنواع، وإنما قدم الأبواب التي كثر مسهلوها، وأخر ما ينفرد به واحد أو اثنان، والله المستعان. ٢١٤- إِذَا سَكَنَتْ فَاءً مِنَ الفِعْلِ هَمْزَةٌ ... فَوَرْشٌ يُرِيهَا حَرْفَ مَدٍّ مُبَدَّلا أي إذا سكنت همزة في حال كونها فاء من الفعل؛ لأنه حال بمعنى متقدمة، ويجوز أن يكون ظرفا؛ لأنه بمعنى أولا ومعنى كونها فاء للفعل أن الكلمة التي تكون فيها همزة لو قدرتها فعلا لوقعت الهمزة موضع فائه أي أول حروفه الأصول وذلك نحو: ﴿مَأْتِيًّا﴾ ١؛ لأنك لو قدرت هذا فعلا لكان أتى ووزن أتى فعل فالهمزة موضع الفاء وتقريبه أن يقال هي كل همزة ساكنة بعد همزة وصل أو تاء أو فاء أو ميم أو نون أو واو أو ياء يجمعها قولك: فيتمنو، وهمزة الوصل نحو قوله: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ ٢، ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ ٣، ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ ٤؛ لأن وزنها أفعل، وافتعل يؤمنون، فأتوا، فائيا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ ٥، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ ٦، "وائتمروا بينكم"٧؛ لأن وزنهما أفعل وافتعلوا:

стр. 161

﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ١. ولا فرق بين أن تكون هذه الحروف أو الكلمة أول في وسطها نحو: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ ٢، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ﴾ ٣، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ ٤. فإذا علمت همزة فاء الفعل بالحد والعلامة فإذا وقعت ساكنة أبدلها ورش حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فـ "في يأتين" إبدالها ألفا، وفي "الذي أؤتمن" ياء، وفي "نؤمن لك" واوا، وقوله: يريها أي يريك إياها، وحرف مد مفعول ثالث إن كأن يرى بمعنى يعلم أي ورش ومن يقوم مقامه من المعلمين قراءته يعلمونك أيها الطالب بأنها في قراءته حرف مد ويجوز أن يكون يرى من رؤية البصر فيكون حرف مد حالا أي يبصرك إياها على هذه الصفة كقولك أرأيت زيدا فقيرا وأرأيته إياه غنيا أي بصرته به فأبصره في هاتين الحالتين وإنما خص ورش همزة فاء الفعل بالإبدال دون همزة عينه ولامه، وهي الواقعة في الوزن في موضع العين أو اللام؛ لأن همزة فاء الفعل كأنها مبتدأة وورش من أصله نقل حركة الهمزة المبتدأة كما يأتي فأجرى هذه مجرى تيك في التعبير؛ أو لأنه لما وجب إبدالها في نحو: ﴿آمَنَ﴾ ٥، ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ ٦. مما وقعت فيه بعد همزة طرد الباب، فأبدلها مطلقا كما فعلت العرب في مضارع أفعل حذفوا الهمزة؛ لأجل حذفها مع همزة المتكلم مع سائر حروف المضارعة، وأبدل ورش ثلاثة مواضع من همزات عين الفعل وهي: بئر، وبئس، والذئب وسيأتي. ومبدلا حال من ضمير ورش وهو فاعل يريها وبدل وأبدل لغتان قرئ بهما في مواضع وهما كنزل وأنزل وفي التشديد معنى التكثير ثم ذكر ما استثناه ورش من همز فاء الفعل فلم يبدله فقال: ٢١٥- سِوَى جُمْلَةِ الإِيوَاءِ وَالْوَاوُ عَنْهُ إِنْ ... تَفَتَّحَ إِثْرَ الضَّمِّ نَحْوُ مُؤَجَّلا أي سوى كل كلمة مشتقة من لفظ الإيواء نحو: تؤوي، وتؤويه، ومأواهم، ومأواكم، والمأوى، وفأووا إلى. وعلته أن الهمز في تؤوي أخف من إبداله فطرد جميع الباب لأجله، وجمع بين اللغتين ثم استأنف كلاما آخر بقوله: والواو عنه أي مبدلة نائبة عن همز فاء الفعل إن تفتح الهمز بعد ضم، وذلك قياس تخفيف كل همز مفتوح بعد ضم أن يبدل واوا ولم يخفف غير هذا من همز فاء الفعل نحو: "يتأخر، ومآرب، وتؤزهم"؛ لأنه كان يلزمه فيه التسهيل، وإنما مذهبه الإبدال في همز فاء الفعل فلم يخرج عنه، وقيل الهاء في عنه تعود على ورش والواو مروية عن ورش إن يفتح الهمز، والأول أولى؛ لأن فيه عود الضمير في عنه وتفتح إلى شيء واحد، وقد روي عن ورش تسهيل باقي الباب في فاء الفعل على ما يقتضيه القياس، والمشهور الأول. وإثر: ظرف، يقال إثْر وأَثَر ومؤجلا في موضع جر وإنما نصبه حكاية للفظه في القرآن العزيز وهو قوله تعالى:

стр. 162

﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ١، ومثاله: ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾ ٢، ﴿يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ ٣، ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ ٤، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾ ٥، ويؤيد ... وغير ذلك. وأما نحو: "فؤادك، وسؤال" فالهمزة فيه عين الفعل فلا يبدلها والله أعلم. ٢١٦- وَيُبْدَلُ لِلسُّوسِيِّ كُلُّ مُسَكَّنٍ ... مِنَ الهَمْزِ مَدًّا غَيْرَ مَجْزُومِ نُ اْهْمِلا وهذا الإبدال منسوب في كتاب التيسير وغيره إلى أبي عمرو نفسه لم يختص السوسي بذلك، وذكره في باب مستقل غير الباب الذي بين فيه مذهب ورش. وقال الشيخ في شرحه: أما قوله: ويبدل للسوسي فلأن القراءة به وقعت من طريقه لا من طريق الدوري وعن السوسي اشتهر ذلك اشتهارا عظيما دون غيره. قلت: وممن نسبه إلى السوسي من المصنفين: ابن شريح وابن الفحام وغيرهما. قوله: "كل مسكَّن" أي كل همزة ساكنة سواء كانت فاء أو عينا أولا ما يبدلها حرف مد من جنس حركة ما قبلها ففاء الفعل مضى تمثيله في مذهب ورش وعين الفعل مثل رأس وبأس وبئر وبئس ولام الفعل نحو: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٦، و"جئت"، و"شئت". فإن قلت: لم أبدلت الساكنة ولم تبدل المتحركة؟ قلت: لأن الساكنة أثقل؛ لاحتباس النفَس معها. والإجماع على إبدالها إذا اجتمعت مع المتحركة في كلمة وهذا مدرك بالحس وهو من خصائص الهمز وسائر الحروف ساكنها أخف من متحركها هذا قول جماعة ويرد عليه إسكان أبي عمرو بارئكم طلبا للتخفيف وقول النحويين إن سكون الوسط يقاوم أحد سببي منع الصرف ولم يفرقوا بين حروف وحرف، وقيل: إنما خص الساكنة بالتخفيف؛ لأن تسهيلها يجري مجرى واحدًا، وهو البدل والمتحركة تخفيفها أنواع، فآثر أن يجري اللسان على طريقة واحدة ومدا ثاني مفعول يبدل أي حرف مد وغير مجزوم استثناء من كل مسكن أي أهمل فلم يبدل: ثم ذكر المجزوم فقال: ٢١٧- تَسُؤْ وَنَشَأْ سِتٌّ وَعَشْرُ يَشَأ وَمَعْ ... يُهَيِّئْ وَنَنْسَأْهَا يُنَبَّأْ تَكَمَّلا أي: والمجزوم المهمل هو كذا وكذا وقوله: "ست" صفة "تسؤ ونشأ" أو خبر مبتدأ محذوف أي كلتاهما ست كلمات أي كل لفظة منهما في ثلاثة مواضع: "تسؤ" في آل عمران، وفي المائدة، وفي التوبة. و"نشأ" بالنون في الشعراء وسبأ، ويس، و"يشأ" بالياء عشر كلمات في النساء وإبراهيم وفاطر وفي الأنعام ثلاث وفي "سبحان" ثنتان، وفي الشورى ثنتان، وعشر في النظم مضاف إلى يشأ أي وعشر هذا اللفظ ولو نون لاستقام النظم ولكن كان يوهم عوده إلى ما قبله فيكون "تسؤ ونشأ" بالنون ست عشر أي، وتسؤ، ست و"نشأ"، عشر، فلهذا الخوف من الإيهام عدل إلى الإضافة، و ﴿يُهَيِّءْ لَكُمْ﴾ في الكهف، و"ننسأها"، في البقرة، و ﴿أَمْ

стр. 163

لَمْ يُنَبَّأْ﴾ ، في النجم تسع عشرة كلمة ولم يستوعب صاحب التيسير ذكر مواضعها كما حصرها الناظم ﵀ فالهمزة في جميع ذلك ساكنة للجزم، ولهذا قال تكملا أي تكمل المجزوم واستثناه لعروض السكون والأصل الحركة ولئلا يجمع على الهمز أمرين إسكانا ثم إبدالا ويرد على هاتين العلتين نحو: جئتم، وشئتم، والأولى أن يقال: حافظ على الهمز كراهة لصورة ثبوت حرف المد في موضع الجزم أو الوقف أو يقال حافظ على ما سكونه علامة الإعراب فلم يغيره، ويرد عليه ما روى من إسكانه علامتي الإعراب في الرفع والجر من نحو: يأمركم، وبارئكم، على ما يأتي. ولكن الأصح عنه أنه كان يختلس الحركة في ذلك فتوهم بعض الرواة أنها سكون. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ، يبدل همزه وليس من المستثنى؛ لأن سكون الهمز فيه لأجل ضمير الفاعل لا للجزم. ٢١٨- وَهَيِّئْ وَأَنْبِئْهُمْ وَنَبِّئْ بِأَرْبَعٍ ... وَأَرْجِئْ مَعًا وَاقْرَأْ ثَلاَثًا فَحَصِّلا وجميع ما في هذا البيت سكونه علامة للبناء فحافظ عليه فقوله: وهيئ عطف على "مجزوم" في قوله: غير مجزوم أهملا، أي وغير هيئ وما بعده ووقع تسؤ ونشأ بيانا للمجزوم، ويجوز أن يكون وهيئ مبتدأ وما بعده من البيتين عطف عليه، والخبر قوله: كله تخيره إلى آخر البيت وأراد: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٢، ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ٣. نبئ، بأربع أي بأربع كلمات: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ٤، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ ٥، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٦، ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ﴾ ٧. وأرجئه في الأعراف والشعراء، ولذلك قال: معا أي في موضعين، وحقيقة الكلام في السورتين معا، وكذا معنى هذا اللفظ وفائدته حيث جاء خصصه الناظم بذلك وهو في اللغة يستعمل للاثنين فما فوقها وقد استشهدت على ذلك بأبيات العرب في موضعين من شرح الشقراطسية، ووقع في قصيدة متمم بن نويرة الأمران فقال: إذا جنب الأولى شجعن لها معا فهي هنا حال من جماعة وقال في الاثنين: فلما تغربنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكذا تستعمل العرب جميعا قال مطيع بن إياس: كنت ويحيى كيدَيْ واحد ... نرمي جميعا ونرامي معا

стр. 164

فجميعا هنا حال من اثنين واصطلاح الناظم على أن معا للاثنين وجميعا لما فوقها. وقوله: واقرأ ثلاثا أراد اقرأ كتابك، اقرأ باسم ربك الذي، اقرأ وربك الأكرم: وقوله: ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ١. مبدل فجملة المبني المستثنى إحدى عشرة كلمة وقوله فحصلا الألف فيه بدل من نون التأكيد أراد فحصلن وقد سبق له نظائر ثم ذكر مواضع أخر مستثناة وعللها فقال: ٢١٩- وتُؤْوِي وَتُؤْوِيهِ أَخَفُّ بِهَمْزِهِ ... وَرِئْيًا بِتَرْكِ الْهَمْزِ يُشْبِهُ الامْتِلاَ يعني أنه استثنى أيضا: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ٢، ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ٣. فهمزها لثقل الإبدال فيهما ولم يطرد ذلك في جملة ما هو مشتق من لفظ الإيواء كما فعل ورش لزوال هذه العلة واستثنى أيضا: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا٤ وَرِئْيًا﴾ . لأنه لو أبدل الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها كما قرأ قالون وابن ذكوان فكان يشبه لفظ الري وهو الامتلاء بالماء ويقال أيضا رويت ألوانهم وجلودهم ريا أي امتلأت وحسنت ورءيا بالهمز من الرواء وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة وبترك الهمز يحتمل المعنيين فترك أبو عمرو الإبدال لذلك: وقول الناظم: وتؤوى وتؤويه معطوفان على ما تقدم باعتبار الوجهين المذكورين في هييء وقوله: أخف خبر مبتدأ محذوف أي ذلك بهمزة أخف منه بلا همز وكذا قوله ورءيا عطف على ما تقدم أيضا وما بعده جملة مستأنفة أي يشبه بترك الهمز الامتلاء وكذا قوله في البيت الآتي وهو مؤصدة أو صدت يشبه ويجوز أن يكون تؤوى ورءيا ومؤصدة-مبتدآت وما بعد كل واحد خبره والله أعلم. ٢٢٠- وَمُؤْصَدَةٌ أَوْصَدتُّ يُشْبِهُ كُلُّهُ ... تَخَيَّرَهُ أَهْلُ الأَدَاءِ مُعَلَّلاَ أي واستثنى أيضا مؤصدة فهمزها لأنها عنده من آصدت أي أطبقت فلو أبدل همزها لظن أنها من لغة أو صدت كما يقرأ غيره فلهذا قال أوصدت يشبه فأوصدت مفعول يشبه أي مؤصدة بترك الهمز يشبه لغة أوصدت ثم قال كله أي كل هذا المستثنى تخيره المشايخ وأهل أداء القراء معللا بهذه العلل المذكورة قيل إن ابن مجاهد اختار ذلك وروي عن أبي عمرو بعضه وقاس الباقي عليه وقيل الجميع مروي عن أبي عمرو ومؤصدة موضعان في آخر سورة البلد والهمزة فهذه خمس وثلاثون كلمة لم يقع فيها إبدال لأبي عمرو وإن كان حمزة في الوقف يبدل الجميع على أصله كما يأتي ولا ينظر إلى هذه العلل وهي على خمسة أقسام كما

стр. 165

تقدم ما سكونه علامة للجزم وما سكونه علامة للبناء في مثال الأمر، وما همزه أخف من إبداله، وما ترك همزه يلبسه بغيره وما يخرجه الإبدال من لغة إلى أخرى وقد اتضح ذلك ولله الحمد. وحكى ابن الفحام في التجريد أن منهم من زاد على هذا المستثنى، ومنهم من نقص، ومنهم من لم يستثن شيئا. ٢٢١- وَبَارِئِكُمْ بِالهَمْزِ حَالَ سُكُونِهِ ... وَقَالَ ابْنَ غَلْبُونٍ بِيَاءٍ تَبَدَّلا وبارئكم: عطف على المستثنى أي: وغير بارئكم المقروء للسوسي بهمزة ساكنة على ما يأتي في سورة البقرة أي المقروء بالهمز في حال سكونه، فنصب حال سكونه على الحال، وإن قدرنا وهيئ وما بعده مبتدآت كان قوله: وبارئكم على تقدير: وبارئكم كذلك، ويجوز قراءة: "وبارئكم" في البيت بكسر الهمزة وإسكان الميم وبسكون الهمزة وصلة الميم ولكلٍّ وجه. ولم يذكر صاحب التيسير بارئكم في المستثنى ولا نبه عليها في سورتها أنها تبدل، وذكر فيها مكي الوجهين الهمزة والإبدال واختار ترك الإبدال، ووجهه أن سكونها عارض للتخفيف فكأنها محركة فاستثناؤه أولى من المجزوم والذي سكونه لازم لأمر موجب له. قال مكي في كتاب التبصرة: اختلف المعقبون فيما أسكنه أبو عمرو استخفافا نحو بارئكم في رواية الرقيين عنه فمن القراء من يبدل منها ياء ويجريها مجرى ما سكونه لازم، ومنهم من يحققها؛ لأن سكونها عارض ولأنها قد تغيرت فلا نغيرها مرة أخرى قياسا على ما سكونه علم للجزم، وهو أحسن وأقيس؛ لأن سكونها ليس بلازم. وقال أبو الحسن طاهر بن غلبون في كتاب التذكرة: وكذا أيضا هو يعني السوسي بترك الهمزة من قوله تعالى: "بارئكم" في الموضعين في البقرة فيبدلها ياء ساكنة؛ لأنه يسكنها في هذه الرواية تخفيفا من أجل توالي الحركات، فلذلك تركها كما يترك همزة: "وإن أسأتم" ويبدلها ياء ساكنة كما يبدل همز الذئب وما أشبهه. قلت: والإبدال عندي أوجه من القراءة بهمزة ساكنة، وإليه مال محمد بن شريح في كتاب التذكير. والضمير في قوله: تبدلا للهمز ومما يقوي وجه البدل التزام أكثر القراء والعرب إبدال همزة البرية فأجرى ما هو مشتق من ذلك مجراه والله أعلم. ٢٢٢- وَوَالاَهُ في بِئْرٍ وَفي بِئْسَ وَرْشُهُمْ ... وَفي الذِّئْبِ وَرْشٌ وَالكِسَائِي فَأَبْدَلا أي: وتابع ورش السوسي في إبدال همزة: "بئر"، و"بئس" ياء وهو عين الفعل وتابعه في: "الذئب" ورش والكسائي معا فأبدلا همزه أيضا ياء وكل ذلك لغة فالذئب موضعان في يوسف وبئر في سورة الحج وبئس في مواضع، وسواء اتصلت به في آخره "ما" أو في أوله "واو" أو "فاء" أو "لام" أو تجرد عنها. فأما الذي في الأعراف: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ١، فنافع بكماله يقرؤه كذلك بالياء من غير همز، وهو غير هذا.

стр. 166

٢٢٣- وَفي لُؤْلُؤٍ في العُرْفِ وَالنُّكْرِ شُعْبَةٌ ... وَيَأْلِتْكُمُ الدُّورِي وَالِابْدَالُ "يُـ"ـجْتَلا أي وتابعه شعبة عن عاصم في إبدال همزة "لؤلؤ" الأولى واوا سواء كانت الكلمة معرفة باللام نحو: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا١ اللُّؤْلُؤُ﴾ . أو منكرة نحو: ﴿مِنْ ذَهَبٍ ٢ وَلُؤْلُؤًا﴾ . وذكر صاحب التيسير هذا الحكم في سورة الحج، ووجه اختيار شعبة تخفيف لؤلؤ دون غيره استثقال اجتماع الهمزتين فيه والساكنة أثقل فأبدلها. قوله: ويألتكم الدوري.. أي قراءة الدوري بهمزة ساكنة، وأبدلها السوسي على أصله فالياء من يجتلا رمزه وهذا مما استغنى فيه باللفظ عن القيد، فكأنه قال: بالهمز وقراءة الباقين بضد ذلك وهو ترك الهمز فإذا ترك صار يلتكم، وكذلك قرءوا وإنما تعين أن لفظ "يألتكم" بالهمز للدوري، والوزن مستقيم بالهمز وبالألف لأنه قال بعده والإبدال يجتلا فتعين أن قراءة الدوري بالهمز وهو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، وهما لغتان بمعنى نقص، وإنما كان موضع ذكر هذا الحرف سورته وهناك ذكره صاحب التيسير، قال: قرأ أبو عمرو: "ولا يألتكم" بهمزة ساكنة بعد الياء، وإذا خفف أبدلها ألفا والباقون بغير همز ولا ألف. ٢٢٤- وَوَرْشٌ لِئَلَّا والنَّسِىءُ بِيَائِهِ ... وَأَدْغَمَ في يَاءِ النَّسِيءِ فَثَقَّلا أي قرأ: "لئلا" حيث وقع بياء؛ لأن الهمزة مفتوحة بعد كسر فهو قياس تخفيفها، وأبدل أيضا من همزة النسيء في سورة التوبة ياء، وأدغم الياء التي قبلها فيها، وهذا أيضا قياس تخفيفها؛ لأن قبلها ياء ساكنة زائدة، وهكذا يفعل حمزة فيهما إذا وقف عليهما ورسما في المصحف بالياء فالهاء في بيانه للهمز الموجود في "لئلا" و"النسيء" أي بيائه التي رسم بها أو بياء هذا اللفظ التي رسم بها، أو أراد بياء الهمز المبدل؛ لأنه قد علم وألف. أن الهمزة تبدل تارة ألفا، وتارة واوا، ياء باعتبار حركة ما قبلها على الأوضاع المعروفة في ذلك فقال ورش يقرأ: "لئلا"، و"النسيء" بياء الهمزة المعروف إبدالها منه. وقوله: وأدغم في ياء -النسيء- أي أدغم في هذه الياء المبدلة من الهمزة ولم يذكر المدغم؛ لضيق النظم عنه، واكتفى بما يدل عليه؛ لأن المبدلة من الهمزة إذا كانت مدغما فيها علم أن المدغم ما كان قبلها وهو الياء التي بعد السين، وقوله: فثقِّلا أي فشدد؛ لأن الإدغام يحصل ذلك وقيل الهاء في بيائه لورش أضافها إليه؛ لأنه يبدلها من الهمزة.

стр. 167

ذكر صاحب التيسير "النسيء" في سورتها و"لئلا" في هذا الباب وأصلها "لأن لا" فأدغم. ٢٢٥- وَإِبْدَالُ أُخْرَى الهَمْزَتَيْنِ لِكُلِّهِمْ ... إِذَا سَكَنَتْ عَزْمٌ كَآدَمَ أُوهِلا هذه المسألة موضعا باب الهمزتين من كلمة لا هذا الباب فإنه للهمز المفرد. وأخرى بمعنى آخرة أي إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية ساكنة فإبدالها عزم أي واجب لا بد منه وفي الحديث فكانت عزمة والأصل ذو عزم أي إبدالها أمر معزوم عليه، وهو أن تبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها؛ لثقل الهمزة الساكنة ولا حركة لها، فتسهل بين بين فتعين البدل، ولا يكون ذلك إلا في كلمة واحدة، وقال أبو بكر الأنباري في كتاب الوقف والابتداء: وقد أجاز الكسائي أن يثبت الهمزتين في الابتداء فأجاز للمبتدئ أن يقول: "إئت بقرآن" بهمزتين، قال: وهذا قبيح؛ لأن العرب لا تجمع بين همزتين الثانية منهما ساكنة. ثم قال: وأجاز الكسائي أن تبتدئ "أؤتمن" بهمزتين. قلت: ثم مثل الناظم بمثالين فيهما نظر أحدهما -آدم- وأصله على هذا الرأي أأدم كأنه مشتق من أديم الأرض أو من الأدمة، فوزنه أفعل وقيل: إنما وزنه فاعل؛ لأن التسمية بهذا الوزن غالبة في الأسماء القديمة التي هي عمود النسب بين إبراهيم ونوح صلوات الله عليهما، وذكره الزمخشري في باب تخفيف الهمز من مفصله، وقال في تفسيره: أقرب أمره أن يكون على فاعل كعازر وعابر وشالح وفالغ. قلت: والوجهان محتملان أيضا في آزر وإنما تعين مثالا لذلك: آخر وآمن وآتى ونحوه. المثال الثاني قوله: أوهلا لفظ ليس في القرآن وهو من قولهم: "أوهل فلان، لكذا أي جعل له أهلا هكذا في شرح الشيخ ويشهد له قول صاحب المحكم: آهله لذلك الأمر، وءأهله، ويجوز أن يكون من قولهم: آهلك لله في الجنة إيهالا أي أدخلكها وزوجك فيها، حكاه الجوهري عن أبي زيد، وقد استعمل الناظم اسم المفعول من هذا في باب ياءات الإضافة في قوله: وافق موهلا، واستعمل اسم الفاعل من ثلاثي هذا لازما في قوله: فاهمز آهلا متأهلا على ما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى. فقوله: أوهل مثاله في القرآن: ﴿أُوتِيَ مُوسَى﴾ ١، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ﴾ ٢، "أوتمن أمانته"٣. إذا ابتدأت فهذه أمثلة قلبها ألفا وواوا ومثال قلبها ياء: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ﴾ ٤، "إيت بقرآن"٥. إذا ابتدأت به وهذا أمر مجمع عليه لغة ولا يختص بقراءة القرآن ولهذا صح تمثيله بأوهل، وهو بدل لازم لا يرتد تصغيرا ولا تكسيرا كأواخر وأويخر بخلاف قولهم: ميقات ومواقيت وموسر ومياسير ومويقت ومويسر فرد الجمع والتصغير ياء ميقات إلى أصلها وهو الواو؛ لأنه من الوقت وردا واو موسر

стр. 168

إلى أصلها وهو الياء؛ لأنه من اليسار وأما ما لا أصل له في الهمز، ويشبه في اللفظ ما هو مهموز، فيخفى على من لا خبرة له، فتعرض لبيانه بعض المتقدمين فقال: لا يجوز همز: "يوقنون" و"الموقنين"، و"يوفون" و"الموفون". و"تورون"، ولا همز، "يولي". و"يوقي". و"موهن"، مما لا أصل له في الهمز، قال الحصري: ولا تهمزنْ ما كانت الواو أصله ... كقولك في الإنسان يوفون بالنذر والله أعلم.

стр. 169

باب: نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ... باب: نقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها هذا نوع من أنواع تخفيف الهمز المفرد، وأدرج معه في الباب مذهب حمزة في السكت، وهو مذكور في كتاب التيسير بعد باب الوقف على مرسوم الخط في باب يخصه، وذكر في الباب أيضا مسألة: "آلَان، وعادا الُاولي" وهما في التيسير في سورتي يونس والنجم، وهكذا "ردءًا" ذكرها الداني في سورة القصص. وبالله التوفيق. ٢٢٦- وَحَرِّكْ لِوَرْشٍ كُلَّ سَاكِنِ آخِرٍ ... صَحِيحٍ بِشَكْلِ الْهَمْزِ واحْذِفْهُ مُسْهِلا وصف الساكن بوصفين: أحدهما أن يكون آخر الكلمة والهمز أول الكلمة التي بعدها؛ لأن الأطراف أنسب للتغيير من غيرها، والثاني أن يكون الساكن الآخر صحيحا أي ليس بحرف مد ولين نحو: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١، و ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ٢؛ لأن حرف المد لما فيه من المد بمنزلة المتحرك فلم ينقل إليه كما لم ينقل إلى المتحرك ويدخل في هذا ميم الجمع قبل الهمز؛ لأن ورشا يصلها بواو فلا ينقل حركة ذلك الهمز في نحو: "ومنهمو أميون"؛ لأن قبله حرف مد ولين وهو الواو التي هي صلة الميم فإن كان قبل الهمزة ياء أو واو ليسا بحرفي مد ولين وذلك بأن ينفتح ما قبلهما فإنه ينقل حركة الهمزة إليهما نحو: ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ ٣، ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ٤، ﴿خَلَوْا إِلَى﴾ ٥، ﴿تَعَالَوْا أَتْل﴾ ٦، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ ٧. ودخل في الضابط أنه ينقل حركة الهمزة في: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إلى الميم من ألف لام ميم في أول العنكبوت وينقل إلى تاء التأنيث نحو: ﴿قَالَتْ أُولاهُمْ﴾ ٨. وإلى التنوين نحو: "كفْؤا أحد"٩.

стр. 170

وإلى لام التعريف نحو: "الأرض"، و"الآخرة"؛ لأنها منفصلة مما بعدها فهي وهمزتها كلمة مستقلة نحو: قد وهل حرف دخل لمعنى، فكانت لذلك آخر كلمة وإن اتصلت خطا، والتنوين معدود حرفا؛ لأنه نون لفظا، وإن لم تثبت له صورة في الخط، وقد نص في التيسير على النقل إلى جميع ما ذكرناه من الأمثلة وليس هذان الشرطان بلازمين في اللغة فالنقل جائز في وسط الكلمة كما يجوز في آخرها، وهذا سيأتي في مذهب حمزة في الوقف ويجوز النقل إلى حرف المد غير الألف مثل: قاضو أبيك وابتغى أمره نص الزمخشري عليهما في المفصل، وفي كتاب سيبويه من ذلك أمثلة كثيرة، ولو كانت الألف تقبل الحركة لجاز النقل إليها وقيل: لا تنقل إلى الواو والياء حركة همزة مضمومة ولا مكسورة؛ لثقل ذلك، والغرض من النقل تخفيف اللفظ بتسهيل الهمز والنقل في ذلك أثقل من عدم النقل، فترك الهمز بحاله، وقد استعمل الناظم هنا قوله: ساكن صحيح باعتبار أنه ليس بحرف مد ولين، ولم يرد أنه ليس بحرف علة بدليل أنه ينقل بعد حرف اللين في نحو: "ابني آدم"، و"خلوا إلى" كما تقدم، وهذا بخلاف استعماله في باب المد والقصر حيث قال: أو بعد ساكن صحيح فإنه احترز بذلك عن حرف العلة مطلقا بدليل أنه لا يمد واو "الموؤودة" بعد الهمزة وقد تقدم بيان ذلك. وقوله: بشكل الهمز أي حرك ذلك الساكن الآخر بحركة الهمز الذي بعده أي حركة كانت. قوله: واحذفه يعني الهمز بعد نقل حركته؛ لأن بقاءه ساكنا أثقل منه متحركا وربما يكون بعده ساكن في مثل "قد أفلح" فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين، ومسهلا حال أي راكبا للطريق الأسهل. ٢٢٧- وَعَنْ حَمْزَةَ في الْوَقْفِ خُلْفٌ وَعِنْدَهُ ... رَوَى خَلَفٌ في الْوَقْفِ سَكْتًا مُقَلَّلا يعني حكي عن حمزة في الوقف على الكلمة التي نقل همزها لورش مثل قراءة ورش ومثل قراءة الجماعة، وهذا مطرد فيما نقل إليه ورش، وفيما لم ينقل إليه، ولكنه داخل في الضابط المذكور في البيت الأول نحو: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ١. فإن ورشا وصل الهاء بياء وفي ميم الجمع وجوه ستأتي، ولم يذكر صاحب التيسير النقل لحمزة في هذا كله، وذكره جماعة غيره، وسيأتي له في بابه أنه يخففه الهمز إذا كان وسطا أو آخرا، وهذا الباب الهمز أولا وسيأتي له في بابه خلاف في الهمز المتوسط بسبب دخول حروف زوائد عليه هل يخفيه أولا ثم ذكر صاحب التيسير من هذا نحو: "الأرض"، و"الآخرة"، دون: "قد أفلح" وشبهه. فإن قلنا: لا يخفف ذاك فهذا أولى؛ لأن هذا مبتدأ حقيقة وذاك مبتدأ تقديرا. وإن قلنا يخفف ذلك ففي هذا وجهان. ثم لا ينبغي أن يختص الخلاف بالهمزة المنقولة إلى الساكن قبلها بل يعطى لجميع الهمزات المبتدآت حكم المتوسط فيما يستحقه من وجوه التخفيف، فإن كانت المبتدأة ساكنة، وذلك لا يتصور إلا فيما دخل عليها همزة وصل وحذفت لاتصال الكلمة التي قبلها بها نحو:

стр. 171

﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ ١. فإذا وقف عليها أبدلها واوا وفي -لقاءنا ائت- يبدلها ألفا وفي: "الذي أؤتمن" يبدلها ياء، وصاحب التيسير ذكر ما كان من هذا القبيل في الهمز المتوسط، فقال: تفرد حمزة بتسهيل الهمزة المتوسطة نحو: "المؤمنون"، و"يأكلون"، و"الذئب". قال: وكذلك: ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ "٢، و: ﴿لِقَاءَنَا ائْتِ﴾ ٣ و: ﴿فِرْعَوْنُ ائْتُونِي﴾ ٤ وشبهه. قلت: ووجهه أن دخول همزة الوصل قبلها في الابتداء صيرها متوسطة، فإذا أبدل هذا الهمز حرف مد وكان قبله من جنسه وكان يحذف؛ لأجل سكون الهمزة اتجه وجهان؛ أحدهما: عود الحرف المحذوف؛ لزوال ما اقتضى حذفه وهو الهمزة الساكنة، فإن الجمع بين حرفي مد من جنس واحد ممكن بتطويل المد، والوجه الثاني: حذفه لوجود الساكن وهذان الوجهان هما المذكوران في باب وقف حمزة وهشام على الهمز في قوله: ويبدله مهما تطرف مثله ... ويقصر أو يمضي على المد أطولا وينبني على الوجهين جواز الإمالة في قوله تعالى: ﴿الْهُدَى ائْتِنَا﴾ لحمزة ولورش أيضا، فإن أثبتنا الألف الأصلية أملنا، وإن حذفناها فلا، ويلزم من الإمالة إمالة الألف المبدلة فالاختيار المنع والله أعلم. إن كانت همزة الابتداء متحركة وقبلها متحرك جعلت بين بين مطلقا نحو: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ٦، ﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ ٧، ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ ٨؛ إلا أن تقع مفتوحة بعد كسر أو ضم فتبدل ياء أو واوا نحو: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ٩، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ١٠. وإن كانت متحركة وقبلها ساكن صحيح أو حرف لين نقل الحركة إليه على ما يتبين في مذهب ورش، وإن كان حرف مد ولين امتنع النقل في الألف فتجعل الهمزة بين بين كما يفعل في المتوسطة وعلى قياس مذاهب القراء في الواو والياء يجوز قلب الهمزة والإدغام ويجوز النقل إلى الأصليتين نحو:

стр. 172

﴿يَدْعُو إِلَى﴾ ١، ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ . والزائدتان هما نحو: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ٢، ﴿نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ﴾ ٣. ويجوز النقل إليهما لغة، وأما إذا كان الساكن قبل الهمزة ميم الجمع نحو: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٤. فقال الشيخ في شرحه: لا خلاف في تحقيق مثل هذا في الوقف عندنا. قلت: قد ذكر أبو بكر بن مهران في كتاب له قصره على معرفة مذهب حمزة في الهمز فيه مذاهب أحدها -وهو الأحسن: نقل حركة الهمزة إليها مطلقا فتضم تارة وتفتح تارة وتكسر تارة نحو: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ٥، ﴿عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ﴾ ٦، ﴿ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ٧. الثاني: تضم مطلقا وإن كانت الهمزة مفتوحة أو مكسورة حذرا من تحرك الميم بغير حركتها الأصلية. الثالث: تنقل في الضم والكسر دون الفتح؛ لئلا يشبه لفظ التثنية، فإن كانت الهمزة قبلها همزة وهما متفقتان أو مختلفتان سهل الثانية بما تقتضيه؛ لأنها في الكلمة الموقوف عليها، وفي نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ٨. تنقل الأولى وتسهل الثانية ويكون تخفيف الثانية مخرجا على الخلاف فيما هو متوسط بزائد دخل عليه؛ لأن همزة الاستفهام زائدة على كلمة أنذر، فإن تحققت هذه القواعد انبنى عليها مسألة حسنة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ٩. فيها ثلاث همزات فنص ابن مهران فيها على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يخفف الثلاثة؛ الأولى تنقل حركتها إلى لام قل، والثانية والثالثة تجعلان بين الهمزة والواو؛ لأنهما مضمومتان بعد متحرك، أما تسهيل الثالثة فلا خلاف فيه؛ لأنها همزة متوسطة أو متطرفة إن لم يعتد بالضمير وفي ذلك بحث سيأتي في موضعه، وفي كيفية تخفيفها وجوه ستأتي، وأما الثانية فهي متوسطة بسبب الزائد ففي تخفيفها خلاف، وأما الأولى فمبتدأة ففي نقل حركتها الخلاف المذكور في هذا الباب. الوجه الثاني: تخفيف الثالثة فقط وذلك رأي من لا يرى تخفيف المبتدأة ولا يعتد بالزائد. الوجه الثالث: تخفيف الأخيرتين فقط إعتدادا بالزائد، وإعراضا عن المبتدأة، وكان يحتمل وجها رابعا وهو: أن يخفف الأولى والأخيرة دون الثانية لولا أن من خفف الأولى يلزمه تخفيف الثانية بطريق الأولى؛ لأنها متوسطة صورة فهي أحرى بذلك من المبتدأة، فهذا الكلام كله جره قوله: وعن حمزة في الوقف خلف ... فاحتجنا إلى استيعاب الكلام في وقفه على كل همزة مبتدأة، وفهمت كل ما ذكرته من كلام الأئمة مفرق في كتبهم حتى قال ابن مهران بتركها، وإن كانت في أول الكلمة، قال: وعلى هذا يدل كلام المتقدمين وبه كان يأخذ أبو بكر

стр. 173

ابن مقسم ويقول بتركها كيف ما وجد السبيل إليها إلا إذا ابتدأ بها؛ فإنه لا بد له منها ولا يجد السبيل إلى تركها، وقال مكي: ذكر ابن مجاهد أنه يسهل لحمزة في الوقف ما كان من كلمتين نحو: ﴿يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ١. قال: يلحقها بواو ونحو: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ ٢. قال يجعلها بين الهمزة والواو أجرى الباب كله على أصل واحد. فصل: قوله: وعنده أي وعند الساكن المذكور قيل، وهو كل آخر صحيح، وروى خلف عن سليم عن حمزة أنه يسكت عليه قبل النطق بالهمز سكتا مقللا، أي قليلا لطيفا، وهذا حكم آخر غير نقل الهمزة، وع معترضا في هذا الباب لتعلقه به. وغيره من المصنفين يقرر له بابا؛ وذكره صاحب التيسير بين مرسوم الخط وياءات الإضافة، والغرض بهذا السكت الاستعانة على إخراج الهمز وتحقيقه بالاستراحة قبله، ولهذا يسبق لسان كثير من الناس إلى نقل الحركة، والسكت مطرد في كل ما نقل فيه ورش الحركة، حتى في الميم من قوله تعالى: "الم، أَحَسِبَ النَّاسُ"٣. بقى عليه أن يسكت أيضا على ميم الجمع قبل الهمزة نحو: ﴿عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ﴾ ٤. وورش لا ينقل إليه الحركة، ولكنه ساكن آخر صحيح، فيدخل في عموم البيت، وإن كان مراده الخصوص في تبيين مذهب ورش. وإذا كان الساكن قبل الهمزة حرف مد استغنى بمده عن السكت. وقال أبو القاسم الهذلي: قال سليم في رواية خلف وغيره. المد يجزئ عن السكت عند الزيات. وقال في رواية غيره: الجمع بين المد والسكت أحسن. والهاء في قوله "وعنده" تعود عن الساكن كما تقدم، ولا تعود على حمزة؛ لنبو اللفظ عن ذلك وركته، ولأنه يبقي موضع السكت غير مبين، وإذا عادت الهاء على الساكن الموصوف بان موضع القراءة، وخلص من قبح العبارة، وقوله: "في الوصل" يريد به إذا وصلت الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها همزة؛ لأنك إذا وقفت على كلمة الساكن كنت ساكتا لجميع القراء، وإنما يظهر سكت خلف في الوصل، فنبه على ذلك. فإن قلت بتقدير أن يقف القارئ على كلمة الهمز يكون الناظم قد استعمل لفظ الوقف حيث استعمل لفظ

стр. 174

الوصل، لأنه قد سبق أن المراد من قوله "وعن حمزة في الوقف خلف" وهو وقوفه على كلمة الهمز، فهو واقف باعتبار نقل الحركة واصل باعتبار السكت، بيانه أن القارئ إذا قرأ "قد أفلح" ووقف فهو مأمور بشيئين: أحدهما السكت على الدال لأنه وصلها بهمزة أفلح، والثاني نقل حركة الهمزة إليها لأنه قد وقف فيوسف القارئ أنه واقف واصل والحاقة واحدة. قلت لا يعد في ذلك لأنهما باعتبارين فوضع الوصل غير موضع الوقف فإن الوقف على آخر الكلمة الثانية، والوصل وصل آخر الكلمة الأولى بأول الثانية، ثم يقال: لا يلزم من كونه يصل الساكن بالهمزة أن يقف على كلمة الهمز فقد يصلها بما بعدها، وإنما يتوجه الإشكال في بعض الصور، وذلك عند الوقف على كلمة الهمز، وجوابه ما تقدم، ومثاله: شخص له رحم يصل بعض أقاربه ويقطع بعضهم، فيصح أن يوسف ذلك الشخص بأنه واصل وأنه قاطع نظرًا إلى محل الوصل والقطع، والله أعلم. ولا يمكن حمل قوله في الوصل على وصل كلمة الهمزة بما بعدها كما توهمه بعضهم؛ لأن ذلك لم يشترطه أحد فكيف يشترط الناظم ما لم يشترط، وكلام صاحب التيسير دال على ما قاله الناظم ﵀؛ فإنه قال: كان يسكت سكتة لطيفة من غير قطع؛ بيانا للهمز، فقوله: من غير قطع هو قول الشاطبي في الوصل، أي من غير وقف، ثم قال: وقرأ الباقون بوصل الساكن مع الهمزة من غير سكت، وهذا نص فيما ذكرنا، والله أعلم. ٢٢٨- وَيَسْكُتُ في شَيْءٍ وَشَيْئًا وَبَعْضُهُمْ ... لَدَى الَّلامِ لِلتَّعْرِيفِ عَنْ حَمْزَةٍ تَلا أي وسكت خلف أيضا على الساكن قبل الهمزة في هاتين الكلمتين وهو الياء وهما كلمة واحدة وإنما غاير بينهما باعتبار لفظ النصب وغيره لاختلاف ذلك في خط المصحف فالمنصوب بألف دون المرفوع والمجرور، وهذه عبارة المصنفين من القراء فسلك سبيلهم في ذلك؛ وإنما فعلوا ذلك مبالغة في البيان؛ لئلا يتوهم من الاقتصار على لفظ أحدهما عدم جريان الحكم في الآخر، ومثله قوله: وجزأ وجزء ضم الإسكان صف. فإن قلت: لِم لم يفعل ذلك في "صراط"، و"بيوت" مع أنهما في القرآن بلفظ النصب وغيره نحو: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ١، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ ٢. قلت: كأنه لما ضبط ذلك؛ لخلوه عن لام التعريف استغنى عنه وإنما احتاج إلى ذكر شيء وشيئا؛ لأنهما لا يدخلان في الضابط السابق لورش؛ لأن ورشا لا ينقل فيهما الحركة لأن ساكنهما ليس بآخر كلمته فحاصله أن خلفا يسكت بين الكلمتين ولم يسكت في كلمة واحدة إلا في هاتين اللفظتين. وحكى صاحب التيسير هذا السكت عن حمزة في الكلمة الواحدة مطلقا نحو: ﴿قُرْآنٌ﴾ ٣، و: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾ ٤. كما في شيء وهو متجه؛ لأن المعنى الذي لأجله فعل السكت موجود في الجميع، والذي قرأه الداني على أبي الفتح لخلف هو ما ذكره الناظم، وكان لا يرى لخلاد سكتا في موضع ما، وقرأ الداني على طاهر بن غلبون

стр. 175

بالسكت لخلف وخلاد جميعا على لام التعريف وشيء وشيئا فقط وهو المراد بقوله، وبعضهم أي وبعض أهل الأداء تلا بالسكوت لحمزة عند لام التعريف كالأرض والآخرة وعنه سكوت شيء وشيئا وتمم ذلك بقوله: ٢٢٩- وَشَيْءٍ وَشَيْئًا لَمْ يَزِدْ وَلِنَافِعٍ ... لَدَى يُونُسٍ آلانَ بِالنَّقْلِ نُقِّلاَ أي لم يزد بعضهم على ذلك شيئا بل اقتصر على السكت وقال الشيخ المراد لم يزد المذكور فقد صار لخلف وجهان أحدهما السكوت عند كل ساكن بالشرط المقدم وفي "شيء" و"شيئا"، والثاني يختص السكت بلام المعرفة وشيء وشيئا فسكوته على لام التعريف وشيء وشيئا بلا خلاف عن خلف؛ لأن الطريقتين اجتمعتا عليه وفي غير ذلك له خلاف، وصار لخلاد وجهان؛ أحدهما: السكوت على لام التعريف وشيء وشيئا فقط, والوجه الثاني لخلف والآخر لا سكوت لخلاد في موضع أصلا، وهذا الموضع من مشكلات القصيدة فافهمه فإن وقفت لحمزة على الكلمة من ذلك فإن كانت لفظ شيء وشيئا وقفت بتخفيف الهمزة وله وجهان على ما يأتي، وإن كانت غيره نحو "قد أفلح" والأرض، فإن قلنا: إن حمزة ينقل الحركة في الوقف نقلت؛ لأن تخفيف الهمزة في الوقف هو مذهبه، فيقدم على غيره كما قلنا في وقفه على شيء وشيئا وإن قلنا لا ينقل وقفت لخلف بالسكت في "الأرض" وبالسكت وعدمه في "قد أفلح" ووقفت لخلاد بعدم السكت في "قد أفلح" وبالسكت وعدمه في "الأرض" فلهما ثلاثة أوجه لخلف، ولخلاد وجهان، النقل وعدمه، وفي نحو "الأرض" بالعكس لخلاد ثلاثة أوجه ولخلف وجهان النقل والسكوت وهذا من عجيب ما اتفق، وأما ميم الجمع فإن قلنا يجوز النقل إليها فهي مثل "قد أفلح" وإلا ففيها لخلف وجهان السكوت وعدمه وصلا ووقفا، وخلاد كغيره وصلا ووقفا. فصل: لما فرغ الناظم من بيان مذهب السكت الذي وقع معترضا في هذا الباب، رجع إلى تتمة باب نقل الحركة، فذكر مسألة الآن -في يونس- موضعين: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ﴾ ١، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ ٣. وافق قالون ورشًا في نقل الحركة إلى اللام لنقل هذه الكلمة وقد بهمزتين، وكون اللام قبلها ساكن فقوله: "آلآن" مبتدأ وخبره نقلا، أي الآن الذي في يونس نقل لنافع بالنقل، أي نقل عنه على هذه الصفة وشدد نقلا مبالغة وتكثيرًا لنقله؛ لأنه نقله قوم بعد قوم حتى وصل إلينا. ٢٣٠- وَقُلْ عَادًا الاُوْلَى بِإِسْكَانِ لامِهِ ... وَتَنْوِينِهِ بِالْكَسْرِ "كَـ"ـاسِيهِ "ظَ"ـلّلا يعني إسكان لام التعريف وكسر التنوين الذي في "عادًا"؛ لالتقاء الساكنين هو واللام، وهذه القراءة جاءت على الأصل كما تقول: رأيت زيدًا الطويل فلهذا أثنى عليها بقوله: كاسيه ظللا أي حجتها قوية بخلاف قراءة

стр. 176

الباقين ففيها كلام، وكنى بكاسيه عن قارئه؛ لأنه كساه تنوينا فظلله بذلك أي ستره عن اعتراض معترض تعرض للقراءة الأخرى، وإن كان لا يؤثر اعتراضه والحمد لله. وهذا الحرف في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ١. ٢٣١- وَأَدْغَمَ بَاقِيهِمْ وَبِالنَّقْلِ وَصْلُهُمْ ... وَبَدْؤُهُمْ وَالْبَدْءُ بِالأَصْلِ فُضِّلا يعني بالباقي نافعا وأبا عمرو؛ لأن القراءة الأولى عليها الكوفيون وابن كثير وابن عامر ويعني بالإدغام إدغام تنوين "عادًا" في لام التعريف من الأولى بعد ما نقل إلى اللام حركة الهمزة تخفيفا واعتدادا بالحركة وإن كانت عارضة؛ لأنهما لما نقلا والتنوين ساكن أدغماه في اللام المتحركة بناء على قاعدة إدغام التنوين في اللام على ما سيأتي في باب أحكام النون الساكنة والتنوين. وحكى أبو عمرو بن العلاء إدغام مثل ذلك في قولهم: رأيت زيادا لَعجم، في: "زيادا الأعجم" ووجه الاعتراض على هذه القراءة أن تحريك اللام عارض، فكأنها تعد ساكنة، ولا يصح في الساكن إدغام وجواب هذا أن الممتنع هو ما يدغم في ساكن حقيقي أما ما هو ساكن تقديراً فلا وليس كل عارض لا يعتد به ولا ذلك بمجمع عليه وقد تقدم له نظائر، فمن أدغم كان معتدا بالحركة كما يعتد بها من لغته لَحْمر، إذا ابتدأ بكلمة الأحمر بعد نقل الحركة على ما سيأتي، والهاء في وصلهم وبدؤهم تعود على مدلول باقيهم وجمع الضمير والباقي اثنان إما على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان وإما باعتبار رواتهما أي أن النقل إلى اللام ثابت وصلا وبدأً ويعني بالوصل وصل الأولى بـ "عادا"، فالنقل لهما فيه لازم؛ لأجل أنهما أدغما التنوين فيها فإن وقفا على "عادًا" ابتدأ الأولى بالنقل أيضا؛ ليبقى اللفظ حاكيا بحالة الوصل وفي كيفيته وجهان يأتيان؛ فأما ورش فيتعين النقل له على أصله في النقل إلى لام التعريف، وأما قالون وأبو عمرو فالأولى لهما أن يبتدئا بالأصل كما يقرأ الكوفيون وابن كثير وابن عامر؛ لأنهما ليس من أصلهما النقل وما نقلا هنا إلا لأجل الإدغام؛ لتخفيف الكلمة وقد زال الإدغام بالوقف فيرجع إلى الأصل وهو لأبي عمرو أولى منه لقالون؛ لأن قالون في الجملة قد نقل الحركة في "آلآن" في موضعي يونس، ونقل أيضا في ردءا كما سيأتي. ثم ذكر من فضل له البدء بالأصل، والبدء مصدر بدأ، فقال: ٢٣٢- لِقَالُونَ وَالْبَصْرِي وَتُهْمَزُ وَاوُهُ ... لِقَالُونَ حَالَ النَّقْلِ بَدْءًا وَمَوْصِلا أي أن قالون يهمز واو الُاولى إذا بدأ بالنقل وفي الوصل مطلقا أي حيث قلنا لقالون بالنقل سواء ابتدأ الأولى أو وصلها بـ "عادا" فواو الُاولى مهموز بهمزة ساكنة وإن قلنا يبتدئ بالأصل فلا همز؛ لئلا يجتمع همزتان فهذا معنى قوله حال النقل ووجه الهمز ضمة اللام قبلها فهمزت لمجاورة الضم كما همزت إذا كانت مضمومة في أجوه وأدور، وهي لغة لبعض العرب كقوله: أحب المؤقدين إليَّ موسى وهذا توجيه أبي علي في الحجة، وقيل: الأصل في الواو الهمز، وأبدل لسكونه بعد همز مضموم واوًا كأولى فلما حذفت الهمزة الأولى بعد نقل حركتها إلى لام الأولى زال اجتماع الهمزتين فرجعت تلك الهمزة، ذكر ذلك مكي وغيره، والله أعلم.

стр. 177

ومادة هذه الكلمة مختلف فيها وهي من المشكلات وسنتكلم عليها في شرح النظم إن شاء الله تعالى كلاما شافيا وبالله التوفيق. وقوله "بدءا وموصلا" مصدران في موضع الحال أي بادءاً وواصلاً. ثم ذكر كيفية البدء في حال النقل فقال: ٢٣٣- وَتَبْدَأْ بِهَمْزِ الْوَصْلِ في النَّقْلِ كُلِّهِ ... وَإِنْ كُنْتَ مُعْتَدًّا بِعَارِضِهِ فَلا أبدل من همز وتبدأ ألفا بعد إسكانها ضرورة. وقوله: بهمز الوصل يعني همزة الوصل التي تصحب لام التعريف تقول إذا ابتدأت كلمة دخل فيها لام التعريف على ما أوله همزة قطع نحو "الأرض" و"الآخرة" و"الإنسان" و"الإحسان" فنقلت حركة الهمزة إلى اللام ثم أردت الابتداء بتلك الكلمة بدأت بهمزة الوصل كما تبتدئ بها في صورة عدم النقل لأجل سكون اللام فاللام بعد النقل إليها كأنها بعد ساكنة؛ لأن حركة النقل عارضة فتبقى همزة الوصل على حالها لا تسقط إلا في الدرج، وهذا هو الوجه المختار لغة وقراءة على ما سيأتي تقريره، ثم ذكر وجها آخر وهو أن لا يحتاج إلى همزة لوصل؛ لأنها إنما اجتلبت لأجل سكون اللام وقد زال سكونها بحركة النقل العارضة فاستغنى عنها فهذا معنى قوله وإن كنت معتدا بعارضه أي منزلا لحركة النقل منزلة الحركة الأصلية فلا تبدأ بهمز الوصل؛ إذ لا حاجة إليه فتقول على الوجه الأول: ألَرض، ألِنسان، وعلى الثاني: لَرْض، لِنْسان، وعادة أهل النحو يمثلون في هذه المسألة بالأحمر فتقول على الوجه الأول الَحْمر وعلى الثاني لَحْمر. وقوله: في النقل كله؛ ليشمل جميع ما ينقل إليه ورش من لام المعرفة، ويدخل في ذلك الُأولى من "عادا الُاولى"، فيكون الوجهان لورش في جميع القرآن، ويكونان لأبي عمرو وقالون في هذا الموضع إن قلنا إنهما يبدآن بالنقل كما في الوصل، وإن قلنا يبدآن بالأصل من غير نقل فلا بد من همزة الوصل، فقد صار لكل واحد منهما ثلاثة أوجه في صوره؛ الإبتدا بقوله تعالى "الُاولى" من "عادا الُاولى" ولورش وجها. كما له في سائر القرآن على ما ذكرنا، هكذا ذكر صاحب التيسير وغيره من المصنفين في القراءات وتبعهم الشيخ الشاطبي ﵀ في نظمه هذا، وفيه إشكال وهو أن النحاة ذكروا وجهين في أن حركة النقل يعتد بها أولا، وأجروا على كل وجه ما يقتضي من الأحكام لم يخصوا بذلك دخول همزة الوصل وعدم دخولها بل قالوا: إن اعتدنا بالعارض فلا حاجة إلى تحريك النون في "من"؛ لأن "بل" تبقى على سكونها؛ إذ لم يلتق ساكنان، وإن لم نعتد بالعارض أبقينا فتحة النون على حالها قبل النقل فإذا اتضح ذلك وجب النظر في مواضع النقل في القرآن فما رأينا فيه أمارة الاعتداد بالعارض حذفنا همزة الوصل في الابتداء به، وما رأينا فيه أمارة عدم الاعتداد بالعارض أبقينا همزة الوصل فيه وما لا أمارة فيه على واحد منهما ففيه الوجهان وهذا تحقيق البحث في ذلك إن شاء الله تعالى، فنقول: في مسألة "عادًا الُاولى" ظهرت أمارة الاعتداد بالعارض في قراءة أبي عمرو ونافع معا وذلك أنهما أدغما في الوصل التنوين في اللام فهذه أمارة الاعتداد بحركة اللام فإذا ابتدأ القارئ لهما بالنقل لم يحتج إلى همزة الوصل؛ لأنا قد علمنا أن الحركة معتد بها عندهما وصلا فابتنى الابتداء عليه، وقد نص أبو محمد مكي في كتاب الكشف على أن ورشا لا يمد، الأولى، وإن كان من مذهبه مد حرف المد بعد الهمز المغير؛ لأن هذا وإن كان همزا مغيرا إلا أنه قد اعتد بحركة اللام فكان لا همز في الكلمة فلا مد.

стр. 178

قلت: هكذا ينبغي في القياس أن لا تعود همزة الوصل في الابتداء، والله أعلم. ونقول في جميع ما نقل فيه ورش الحركة إلى لام المعرفة في جميع القرآن غير "عادا الُاولى" هو على قسمين، أحدهما ما ظهرت فيه أمارة عدم الاعتداد بالعارض كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ ١، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ٢ فِي الْآخِرَةِ﴾ ، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ ٣، ﴿قَالُوا الْآنَ﴾ ٤، ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ ٥. ونحو ذلك ألا ترى أنه بعد نقل الحركة في هذه المواضع لم تردّ حروف المد التي حذفت لأجل سكون اللام ولم تسكن تاء التأنيث التي كسرت لسكون "الآزفة"، فعلمنا أنه ما اعتد بالحركة في مثل هذه المواضع فينبغي إذا ابتدأ القارئ له فيها أن يأتي بهمزة الوصل؛ لأن اللام وإن تحركت فكأنها بعد ساكنة، القسم الثاني ما لم تظهر فيه أمارة نحو: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ٦. فإذا ابتدأ القارئ لورش هنا اتجه الوجهان المذكوران والله أعلم: فصل: هذا الذي فعله نافع وأبو عمرو في عادًا الُاولى من النقل والإدغام، ومثله جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ ٧. لما نقل الحركة واعتد بها سكنت نون "من" فودب الإدغام، وكان يمكن في "عادا الُاولى" ثلاث قراءات صحيحات الوجوه غير ما تقدم، وهي: حذف التنوين من "عادا" سواء نقل الحركة في "الأولى" أو لم ينقل، ووجه حذفه التقاء الساكنين على لغة من قتل: ولا ذاكرة إلا قليلا، ويكون حذفه مع النقل على لغة من لم يعتد بالمعارض من نقل الحركة، والقراءة الثالثة على مذهب من نقل الحركة أن يكسر التنوين ولا يدغمه؛ لأن إدغام المتحرك ليس واجب، ولا يمكن القراءة بسكون التنوين مع الاعتداد بالحركة إلا بالإدغام، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، وقد سهل الله في هذا الباب مباحث حسنة، ولله الحمد: ٢٣٤- وَنقْلُ رِدًا عَنْ نَافِعٍ وَكِتَابِيهْ ... بِالِاسْكانِ عَنْ وَرْشٍ أَصَحُّ تَقَبُّلا لو أتى بهذا البيت قبل مسألة "عادا الُاولى" لكان أحسن؛ ليتصل مذهب نافع بكماله يتلو بعضه بعضا وليفرغ مما روي عن ورش الانفراد بنقله ثم يذكر من وافقه في شيء من مواضع النقل كما هي عادته غالبا في باقي الأبواب، وإنما أخر هذا البيت؛ لأن النقل في كتابيه ضعيف والنقل في ردا على خلاف أصل ورش

стр. 179

لأنه لا ينقل في كلمة وأراد قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ ١؛ أي معينا، قراءة نافع بغير همز كما يقف عليه حمزة بنقل حركة الهمزة إلى الدال الساكنة وقيل هو من أردى على كذا أي زاد فلا همز فيه أي أرسله معي زيادة، وأما قوله تعالى في الحاقة: ﴿كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْت﴾ ٢. فروي عن ورش نقل حركة همزة إني إلى هاء كتابيه؛ لأنه ساكن آخر صحيح فدخل في الضابط المذكور أول الباب، وروي ترك النقل وهو الصحيح في العربية؛ لأن هذه الهاء هاء سكت وحكمها السكون لا تحرك إلا في ضرورة الشعر على قبح وأيضا فإنها لا تثبت إلا في الوقف فإذا خولف الأصل فأثبتت في الوصل إجراءً له مجرى الوقف؛ لأجل ثباتها في خط المصحف فلا ينبغي أن يخالف الأصل من وجه آخر وهو تحريكها فتجتمع في حرف واحد مخالفتان وهذه المسألة من الزيادات لم يذكرها الداني ﵀ في التيسير وذكرها في غيره. قال مكي: أخذ قوم بنقل الحركة في هذا وتركه أحسن وأقوى. قلت: فلهذا قال الناظم: أصح تقبلا؛ أي "وكتابيهْ" بالإسكان أصح تقبلا منه بالتحريك، وذلك أن التحريك تقبله قوم وتقبل الإسكان قوم فالإسكان أصح تقبلا من حيث الدليل على ما سبق ونصبه على التمييز وبالإسكان حال أي وكتابيه ساكنا أصح تقبلا منه متحركا فهو مثل قولهم هذا بسرا أطيب منه رطبا والله أعلم.

стр. 180

باب: وقف حمزة وهشام على الهمز هذا الباب من أصعب الأبواب نظما ونثرا في تمهيد قواعده وفهم مقاصده، وقد أنقنه الناظم ﵀ ولكثرة تشعبه أفرد له أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ ﵀ تصنيفا حسنا جامعا، وذكر أنه قرأ على غير واحد من الأئمة فوجد أكثرهم لا يقومون به حسب الواجب فيه، إلا في الحرف بعد الحرف: ٢٣٥- وَحَمْزَةُ عِنْدَ الْوَقْفِ سَهَّلَ هَمْزَهُ ... إِذَا كَانَ وَسْطًا أَوْ تَطَرَّفَ مَنْزِلا سبق الكلام في مذهبه في الهمزة المبتدأة في شرح قوله في الباب السابق: وعن حمزة في الوقف خلف ... والكلام في هذا الباب في الهمزة المتوسطة والمتطرفة التي في آخر الكلمة، ويأتي فيهما إن شاء الله تعالى جميع أنواع تخفيف الهمز وهي إبداله وحذفه بعد إلقاء حركته على ساكن قبله وجعله بين بين. ولفظ التسهيل يشمل الجميع وقد يخص القراء لفظ التسهيل بين بين كما سبق، وهذه الأنواع هي التي نقلها أهل العربية في ذلك، وعند القراء نوع آخر وهو تخفيف الهمز باعتبار خط المصحف وسيأتي الكلام عليه وعلى تفاريع هذه الأنواع على ما تقتضيه أصول العربية والقراءات.
следующие страницы →