← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ١، ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٢، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ ٣، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ ٤. فإن وقع قبل النون ساكن لم تدغم مطلقا سواء كان ذلك الساكن ألفا، أو غيرها وسواء كانت النون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٥، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ٦، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ٧. ولهذا قال مسجلا أي يشترط التحريك قبلها مطلقا في جميع أحوال النون وليس الأمر فيها كما سبق في اللام والراء من أنه لم يستثن من ذلك إلا المفتوح بعد ساكن. ثم قال الشيخ الشاطبي ﵀ سوى نحن أي استثنى مما قبل النون فيه ساكن كلمة نحن فأدغمت في اللام بعدها حيث أتت نحو: ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ ٨، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ﴾ ٩. وهو عشرة مواضع ومسجلا حال من فاعل تدغم العائد على النون أو هو نعت مصدر محذوف أي إدغاما مطلقا ويجوز أن يكون حالا من نحن أي في جميع القرآن والأول أولى والله أعلم. ١٥٢- وَتُسْكُنُ عَنْهُ الْمِيمُ مِنْ قَبْلِ بَائِهَا ... عَلَى إِثْرِ تَحْرِيكٍ فَتَخْفَى تَنَزُّلا عنه يعني عن أبي عمرو والهاء في بائها تعود على الحروف السابقة أو على الميم وتخفي عطف على تسكن غير أن تاء تخفي مفتوحة وتاء تسكن مضمومة وتنزلا تمييز، وقوله: على إثر تحريك أي تكون الميم بعد محرك نحو: ﴿آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ١٠، ﴿أَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ١١، ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ١٢، ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ ١٣. والمصنفون في التعبير عن هذا مختلفون فمنهم من يعبر عنه بالإدغام كما يطلق على ما يفعل بالنون الساكنة والتنوين عند الواو والياء أنه إدغام وإن بقي لكل واحد منهما غنة، كما يبقى الإطباق في الحرف المطبق إذا أدغم، ومنهم من يعبر عنه بالإخفاء؛ لوجود الغنة وهي صفة لازمة للميم الساكنة فلم يكن إدغامًا محضا فإن سكن ما قبل الميم أظهرت نحو: ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ١٤، ﴿الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾ ١٥، ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ﴾ ١٦ وقيل في ذلك خلاف. ١٥٣- وَفي مَنْ يَشَاءُ با يُعَذِّبُ حَيْثُمَا ... أَتَى مُدْغَمٌ فَادْرِ الأُصُولَ لِتَأْصُلاَ أي وإدغام الباء من كلمة:

стр. 107

﴿يُعَذِّبُ﴾ ١ في: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ حيث أتى في القرآن: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. بضم الباء وهو خمسة مواضع سوى الذي في البقرة فإنه ساكن الباء في قراءة أبي عمرو فهو واجب الإدغام عنده من جهة الإدغام الصغير لا الإدغام الكبير، ولهذا وافقه عليه جماعة على ما سنذكره، فقوله: "با" مبتدأ وقصره ضرورة، ومدغم خبره، وما عدا كلمة يعذب لا يدغم باؤها في الميم نحو "ضرب مثل". ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ٤. لأنه اقترن بكلمة يعذب ما يجب إدغامه في أصله وهو "يرحم من": ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ﴾ ٥. إما قبلها أو بعدها فطرد الإدغام فيه موافقة لما جاورها فهذا آخر ذكر إدغام الحروف الستة عشر ولهذا ختم ذلك بقوله فادر الأصول أي قف على أصول الإدغام وحصلها لتأصلا أي لتشرف، يقال: رجل أصيل الرأي أي محكم الرأي، وقد أصلَ أصالةً. ثم لما فرغ من تفصيل الحروف المدغمة في باب المتقاربين ذكر بعد ذلك ثلاث قواعد تتعلق بجميع باب الإدغام الكبير مثليا كان أو متقاربيا كل قاعدة في بيت، فقال في القاعدة الأولى: ١٥٤- وَلاَ يَمْنَعُ الإِدْغامُ إِذْ هُوَ عَارِضٌ ... إِمَالَةَ كَالأَبْرَارِ وَالنَّارِ أُثْقِلا أثقلا: أي ثقيلا وهو حال من الإدغام يريد بالثقل التشديد الحاصل بالإدغام ولم يرد أنه أثقل لفظا من الإظهار؛ لأنه ما أدغم إلا طلبا للخفة، وإذ هو عارض ظرف خرج مخرج التعليل، وقد سبق تحقيق القول فيه في شرح قوله: إذ م نسوه فيمحلا، وإمالة مفعول يمنع، وسقط التنوين منه؛ لإضافته إلى كالأبرار، وهو مشكل فإنه ليس في القرآن كالأبرار بالكاف، فالوجه أن يقال: هو مضاف إلى الكاف وحدها وهي هنا اسم بمعنى مثل كقول الراجز: يضحكن عن كالبرد المثهم أي إمالة مثل الأبرار، ويجوز أن تكون الكاف ضمير المخاطب والأبرار مفعول إمالة أي إمالتك الأبرار فهو مثل قوله: وإضجاعك التوراة ... والناظم ﵀ كان ضريرا فأملى هذا اللفظ فسبق إلى ذهن الكاتب السامع منه أنها كاف التشبيه فكتبها متصلة بالأبرار والله أعلم أي لا يمنع الإدغام في حال ثقله إمالة الألف في نحو: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا﴾ ٦، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ٧. لزوال الكسر الموجب للإمالة بالإدغام، وعلة ذلك أن الإدغام عارض، فكأن الكسرة موجودة، وهو كالوقف الذي تحذف الحركة فيه أيضا فهي وإن حذفت مرادة منوية، وهذه مسألة من مسائل الإمالة فبابها أليق

стр. 108

من باب الإدغام. وقد ذكر في باب الإمالة أن عروض الوقف لا يمنع الإمالة فالإدغام معه كذلك، وكان يغنيه عن البيتين هنا، وثم أن يقول: ولا يمنع الإدغام والوقف ساكنا ... إمالة ما للكسر في الوصل ميلا فيستغنى عن بيتين مفرقين في بابين بهذا البيت الواحد في باب الإمالة. ثم ذكر القاعدة الثانية فقال: ١٥٥- وَأَشْمِمْ وَرُمْ فِي غَيْرِ بَاءٍ وَمِيمِهَا ... مَعَ الْبَاءِ أَوْ مِيمٍ وَكُنْ مُتَأَمِّلا يعني بالإشمام والروم ما يأتي تحقيقه في باب الوقف على أواخر الكلم أي لك أن تشم وتروم في جميع الحروف المدغمة في المثلين والمتقاربين سوى أربع صور: - وهي أن يلتقي الباء مع مثلها نحو: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ ١. - أو مع الميم نحو ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. - أو يلتقي الميم مع مثلها نحو: ﴿يَعْلَمُ مَا﴾ ٣. - أو مع الباء نحو ﴿أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا﴾ ٤. فهذا معنى قوله: مع الباء أو ميم أي كل واحد من الباء والميم مع الباء أو ميم والهاء في ميمها تعود إلى الباء؛ لأنها مصاحبتها، ومن مخرجها أو تعود على الحروف السابقة. والإشمام يقع في الحروف المضمومة، والروم يدخل في المضمومة والمكسورة ولا يقعان في المفتوحة، ويمتنع الإدغام الصحيح مع الروم ون الإشمام، فالروم هنا عبارة عن الإخفاء والنطق ببعض الحركة فيكون مذهبا آخر غير الإدغام وغير الإظهار، وهذان المذهبان المحكيان عن أبي عمرو من الإشمام والروم في الحروف المدغمة سيأتيان لجميع القراء في مسألة: ﴿لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ ٥. ووجه دخولهما في الحروف المدغمة وهما من أحكام الوقف أن الحرف المدغم يسكن للإدغام فشابه إسكانه إسكانه للوقف فجرت أحكام الوقف فيه، واستثناء هذه الصور الأربع، إنما يتجه بعض الاتجاه على مذهب الإشمام للعلة التي ذكرها صاحب التيسير، وهو قوله: لأن الإشارة تتعذر في ذلك من أجل انطباق الشفتين أي تتعسر؛ لأن الإشارة بالشفة والباء والميم من حروف الشفة، والإشارة غير النطق بالحرف فيتعذر فعلهما معا في الإدغام؛ لأنه وصل، ولا يتعذران في الوقف؛ لأن الإشمام فيه هو ضم الشفتين بعد سكون الحرف فلا يقعان معا، ومنهم من استثنى الفاء أيضا، ومنهم من لم يستثن شيئا من ذلك، أما الروم فلا يتعذر؛ لأنه نطق ببعض حركة الحرف فهي تابعة لمخرجه فكما ينطق بالباء والميم بكل حركتهما كذلك ينطق بهما بعض حركتهما، وأظن الناظم ﵀ أشار إلى هذه الأشياء ونحوها بقوله: وكن متأملا أي تأمل ما قد أطلقه المصنفون في التعبير عن ذلك بفهمك

стр. 109

وتدبره بعقلك وعلمك ونزل كل شيء في منزلته ولا تزله عن مرتبته، وقد نقلت في الشرح الكبير، من كلام المصنفين في ذلك عبارات كثيرة مختلفة ولله الحمد. ثم ذكر القاعدة الثالثة فقال: ١٥٦- وَإِدْغَامُ حَرْفٍ قَبْلَهُ صَحَّ سَاكِنٌ ... عَسِيرٌ وَبِالإِخْفَاءِ طَبَّقَ مَفْصِلا أي إدغام الحرف الذي قبله حرف صحيح ساكن عسير: أي يعسر النطق به وتعسر الدلالة على صحته؛ لأنه يؤدي إلى الجمع بين الساكنين؛ لأن الحرف المدغم لا بد من تسكينه وقوله: عسير خبر المبتدأ الذي هو إدغام حرف، وقوله: قبله صح ساكن جملة في موضع الصفة لحرف. واحترز بقوله: صح ساكن عما قبله ساكن ليس بحرف صحيح بل هو حرف مد؛ فإن الإدغام يصح معه نحو: ﴿فِيهِ هُدىً﴾ ١، ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾ ٢، و ﴿يَقُولُ رَبَّنَا﴾ ، وكذا إذا انفتح ما قبل الواو والياء نحو: ﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ ٣. كيف فعل فإن في ذلك من المد ما يفصل بين الساكنين، وأما ما قبله ساكن صحيح فلا يتأتى إدغامه إلا بتحريك ما قبله وإن خفيت الحركة فإن لم يحرك انحذف الحرف الذي تسكنه للإدغام، وأنت تظن أنه مدغم، ودليل ذلك أن العرب إذا أدغمت نحو ذلك في الكلمة الواحدة حركت الساكن نحو: استعد واستعف، ولذلك لما أجمع على إدغام الميم في مثلها في: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٤ كسرت العين وهي ساكنة في غير هذا الموضع نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٥. فإذا ثبت أن ذلك ممتنع الإدغام لم يبق فيه إلا الإظهار أو الروم السابق ذكره، وهو النطق ببعض الحركة ويعبر عنه بالاختلاس وبالإخفاء فهذه العبارات كلها صحيحة، والتعبير عنه بالإدغام تجوز، قال الجوهري في: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ ٦ إنما هو بحركة مختلسة ولا يجوز أن تكون الراء الأولى ساكنة؛ لأن الهاء قبلها ساكنة فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين في الوصل من غير أن يكون قبلها حرف لين، وهذا غير موجود في شيء من لغات العرب وكذا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ٧ و: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ٨ و: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ ٩.

стр. 110

وأشباه ذلك قال: ولا معتبر بقول القراء: إن هذا ونحوه مدغم؛ لأنهم لا يحصلون هذا الباب والضمير في طبق للقارئ أي إذا أخفاه القارئ أصاب وإن رام إدغامه امتنع عليه، ويجوز أن يكون الضمير للتعبير وإن لم يجر له ذكر؛ لأنه مفهوم من سياق الكلام أي العبارة عنه بالإخفاء هي العبارة الصحيحة أو طبق من عبر عنه بالإخفاء مفصلا، وقيل الضمير في طبق للحرف وليس بشيء، ومعنى مفصلا أصاب وهو من قولهم طبق السيف إذا أصاب المفصل وكذا طبق الجزار المفصل ويقال للرجل إذا أصاب الحجة أنه يطبق المفصل ثم مثل ما قبله ساكن فقال: ١٥٧- خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ ... وَفي المَهْدِ ثُمَّ الخُلْدِ وَالْعِلْمِ فَاشْمُلا ذكر أمثلة من المثلين والمتقاربين فذكر من المثلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ١، ﴿مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ﴾ ٢ ومن المتقاربين ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ٣ و ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٤، ﴿دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً﴾ ٥. وقوله: فاشملا أراد فاشملن ثم أبدل من النون الخفيفة المؤكدة ألفا يقال شملهم الأمر إذا عمهم بكسر الميم في الماضي وفتحها في المضارع، وفيه لغة أخرى وهي فتحها في الماضي وضمها في المضارع أي فاشمل الجميع من البابين بالحفظ والفهم أي اجمعه فالأمر من ذلك بفتح الميم على اللغة الفصيحة وبضمها على اللغة الأخرى، وقال ابن دريد: شمل الرجل وانشمل: أسرع؛ أي: أسرع في حفظ ذلك وفهمه وتعليمه ولا تتباطئ في ذلك ولا تتخلف عنه والله أعلم.

стр. 111

باب: هاء الكناية هذا الباب غير متعلق بسورة الفاتحة، بل هو وما بعده من الأبواب إلى آخر الأصول مما يتعلق بسورة البقرة فما بعدها، وقد تقدمت ترجمة سورة الفاتحة وذكر ما فيها من الحروف فرشا وأصولا، فكان القياس بعد الفراغ من الإدغام أن يقول سورة البقرة، ثم يبوب لما فيها من الأصول، ثم يذكر الفرش وكذا فعل صاحب التيسير. فإن قلت: لم قدم حروف الفرش في الفاتحة على الأصول وعكس ذلك في البقرة: قلت: لتقدم حروف الفرش في نظم آياتها، وهو "مالك، والصراط، ثم عليهم" وقد سبق الاعتذار عن تأخر باب الإدغام عن ذلك. وأما في البقرة فأول ما تجد فيها من الحروف قوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدىً﴾ ١. ويتعلق به أمران: أحدهما الإدغام وقد سبق. والثاني صلة هاء الكناية، فيتعين الابتداء ببابها، وبعده باب المد والقصر؛ لأجل قوله تعالى:

стр. 112

﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ١. وأبواب الهمزة؛ لأجل قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ . وباب نقل الحركة وترقيق الراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٢. وباب الإظهار والإدغام الصغير؛ لقوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ ، ﴿غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ﴾ ٣. ولو كان وصل ذلك بباب الإدغام الكبير لكان حسنا. وقد فعل ذلك جماعة من المصنفين. وباب الإمالة؛ لقوله: ﴿هدى﴾ ، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ . وباب اللامات؛ لقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ . وأما باب الوقف على أواخر الكلم فظاهر، وكان حقه أن يتقدم على هذه الأبواب؛ لأنه محتاج إليه في كلمات الفاتحة وغيرها، وأتبع ذلك بالوقف على مرسوم الخط إتباعا للوقف بالوقف. فقد اتضح أن المقتضي لذكر هذه الأبواب مقدم على كلمة: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ ٤. وتلك أول كلمات الفرش، فلزم من ذلك ذكر تلك الأبواب قبلها، وألحق بها ياءات الإضافة والزوائد؛ لأنها أيضا موجودة في سورة البقرة وإن تقدم عليها بعض كلمات الفرش إلحاقا لأبواب الأصول بعضها ببعض. ثم اعلم أن ما أضيف من هذه الأبواب إلى المصادر التي هي أفعال القراء فهو الجاري على حقيقة الكلام، نحو: باب الاستعاذة والبسملة والإدغام والمد والقصر، ونقل الحركة والوقف والإمالة، وما أضيف إلى محل هذه الأفعال فهو على حذف مضاف، نحو: باب هاء الكناية وباب الهمزتين والهمز المفرد: أي باب أحكام ذلك كما صرح بذلك في أول باب أحكام النون الساكنة والتنوين، أو يقدر المحذوف في كل باب بما يناسبه: أي باب صلة الهاء، وباب تسهيل الهمز، ونحو ذلك. وهاء الكناية في عرف القراء عبارة عن هاء الضمير التي يكنى بها عن الواحد المذكر الغائب وحقها الضم، إلا أن يقع قبلها كسر أو ياء ساكنة فحينئذ تكسر، ويجوز الضم كما قرئ به في: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ ٥، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾ ٦، ﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ ٧.

стр. 113

في سورة الفتح: والخلاف بين القراء في هاء الكناية في صلتها بواو إن كانت مضمومة وبياء إن كانت مكسورة، وفي تحريكها بذلك من غير صلة ويسمى قصرا، وفي إسكانها في مواضع مخصوصة، وسيأتي جميع ذلك إن شاء الله تعالى: ١٥٨- وَلَمْ يَصِلُوا هَا مُضْمَرٍ قَبْلَ سَاكِنٍ ... وَمَا قَبْلَهُ التَّحْرِيكُ لِلْكُلِّ وُصِّلاَ قصر لفظ ها ضرورة أي هاء الضمير إذا لقيها ساكن لم توصل لجميع القراء؛ لأن الصلة تؤدي إلى الجمع بين ساكنين بل تبقى الهاء على حركتها ضمة كانت أو كسرة ومثاله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ﴾ ١، ﴿وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٢. وكذا إذا كانت الصلة ألفا وذلك في ضمير المؤنث المجمع على صلته بها مطلقا فإن صلتها تحذف للساكن بعدها نحو: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٣، ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ٤. فقوله: ولم يصلوا "ها" مضمر عام يشمل ضمير المذكر والمؤنث وإن كان خلاف القراء واقعا في المذكر فحسب، فأمكن حمل اللفظ فيه على عمومه. ولا يرد على هذا الإطلاق إلا موضع واحد في قراءة البزي فإنه يقرأ في سورة عبس: "عنهو تلهى" بالصلة وتشديد التاء بعدها فقد وصل قبل ساكن في قراءته، وأما قنبل فوصل قبل متحرك وهذا كما أنه يصل ميم الجميع في قوله تعالى: "ولقد كنتمو تمنون"٥، "ظلتمو تفكهون"٦. على رواية تشديد التاء بعدها، ووجهه أن الجمع بين الساكنين في مثل هذا جائز فصيح من حيث اللغة؛ لأن الأول حرف مد والثاني مدغم، فهو من باب "دابة"، "والضالين". فإن قلت: فلم لا يوصل نحو: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ﴾ ٧ فهو كذلك. قلت: لأن الإدغام في "الذين" متأصل لازم بخلاف تلك المواضع، وقد سبق هذا الفرق في ترك صلة ميم الجمع قبل الساكن. ثم قال: وما قبله التحريك أي والذي تحرك ما قبله من هاءات المضمر المذكر التي ليس بعدها ساكن فكل القراء يصلها بواو إن كانت مضمومة وبياء إن كانت مكسورة والضمير في وصل يرجع إلى "ما"؛ لأنها بمعنى الذي، وشدد وصل للتكثير؛ لكثرة المواضع نحو كسر وقطع، ومثال ذلك:

стр. 114

﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ١، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ ٢. ووجه أصل الصلة أن الهاء حرف خفي فقوي بالصلة بحرف من جنس حركته إلا أن هذه الصلة تفعل في الهاء التي تكون من نفس الكلمة نحو: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾ ٣، ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ ٤، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ . لأن صلة مثل ذلك قد توهم تثنية وجمعا بخلاف هاء الضمير ولأن هاء الضمير اسم على حرف واحد فناسب أن تقوى وما أجروه مجرى هاء الضمير الهاء في اسم الإشارة إلى المؤنث نحو: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ ٥. فهي موصولة للكل لتحرك ما قبلها وتحذف عند الساكن نحو: ﴿هَذِهِ النَّارُ﴾ ٦. ثم إن الصلة تسقط في الوقف كما ذكرنا في صلة ميم الجمع إلا الألف في ضمير المؤنث، وذلك لأن الصلة زيادة في الآخر لتتميم وتكميل فشابهت التنوين فحذفت كما تحذف مع الضم والكسر وتثبت مع الفتح كما تبدل من التنوين ألفا في الوصل. ١٥٩- وَمَا قَبْلَهُ التَّسْكِينُ لاِبُنِ كَثِيرِهِمْ ... وَفِيهِ مُهَاناً مَعْهُ حَفْصٌ أَخُو وِلاَ أي وصل ما قبله ساكن لابن كثيرهم وحده نحو: "فيه-وعليه-وإليه-ومنه-واجتباه-وعقلوه" فإن لقي الهاء ساكنا لم يصل على ما سبق تقريره نحو: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٧، ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ﴾ ٨، ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٩. وقراءة الباقين بترك الصلة في كل ما قبله ساكن وعلم ذلك من الضد؛ لأن ضد الصلة تركها. ووافق ابن كثير هشام على صلة "أرجئه" بواو على ما سنذكره ووافقه حفص على صلة: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ ١٠. في سورة الفرقان بياء فهذا معنى قوله: وفيه مهانا معه حفص ... أي مع ابن كثير والولاء بكسر الواو والمد بمعنى المتابعة مصدر والاه ولاء مثل راماه رماء وهذه اللفظة قد كثر ورودها في قافية هذه القصيدة وهذا معناها حيث جاءت، ولوقوفه عليها سقط همزها ومدها على ما سبق تقريره في أجذم العلا فقوله: وفيه مهانا ... مبتدأ وما بعده الخبر والعائد إلى المتبدأ محذوف للعلم به أي وهذه الكلمة حفص أخو متابعة لابن كثير فيها فقوله: حفص مبتدأ ثانٍ وخبره "أخو وِلا" أي: ذو متابعة لابن كثير في مذهبه؛ لأن الموافقة كالمتابعة،

стр. 115

أو هو صاحب متابعة السنة في قراءته وكل من أكثر من شيء ولازمه جاز أن يدعى أخاه كقوله: قل لابن قيس أخي الرقيات١ فإن قلت: هل يجوز أن تعود الهاء في معه إلى لفظ: "فيه مهانا" كما يقال: زيد معه المال. قلت: هو جائز من حيث اللفظ، ولكنه ممتنع من جهة أنه يوهم أن حفصا وحده يصله دون ابن كثير، وإن رجع الضمير في معه إلى ابن كثير زال هذا الوهم، فمن قرأ بالصلة فعلى الأصل، والأكثر على ترك الصلة تخفيفا، وهشام وحفص جمعا بين اللغتين، وقيل: قصدا بالصلة تطويل اللفظ تشنيعا على "ملإ فرعون، ما أمروا به" وإسماعا للخلق ما أوعد به العاصي. ١٦٠- وَسَكِّنْ يُؤَدِّهْ مَعْ نُوَلِّهْ وَنُصْلِهْ ... وَنُؤْتِهِ مِنْهَا "فَ"اعَتَبِرْ "صَ"افِياً "حَ"لاَ شرع يذكر ما وقع فيه الخلاف بين القراء في إسكان هاء الكناية منه وهو عشرة ألفاظ جاءت في خمسة عشر موضعا وهي: "نوله"، "ونصله"، "ويأته"، "ويرضه"، "وألقه"، "ويتقه" فهذه ستة لم يكرر شيء منها "ويؤده"، "وأرجه"، "ويره" كل واحد جاء مرتين فهي ستة أيضا "ونؤته" في ثلاثة مواضع وعدها أبو بكر بن مجاهد ستة عشر موضعا فزاد: ﴿لَمْ يَرَهُ﴾ ٢، في سورة البلد وكلها هاءات كناية اتصلن بأفعال حذفت أواخرها للجزم بالشرط أو جوابه أو للأمر، ولم يذكرها صاحب التيسير إلا مفرقة في أماكنها في القرآن وكلها غير أرجئه كان واجب الصلة للكل؛ لتحرك ما قبل الهاء ولكن عرض فيه أمر آخر اقتضى جواز الإسكان فيه وجواز القصر على ما سيأتي فصار فيها ثلاثة أوجه، ولقد لفظ الناظم ﵀ بالكلمات المذكورة في هذا البيت على الوجوه الثلاثة فسكن يؤده ونوله ووصل نصله وقصر: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ٣. وهذا من عجيب ما اتفق أي أن حمزة وأبا بكر عن عاصم وأبا عمرو سكنوا هاء الكناية في هذه الكلمات الأربع من بين العشر المذكورة وهي في سبعة مواضع: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ٤. موضعان في آل عمران، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ﴾ ٥ في سورة النساء، ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ موضع في ﴿حم، عسق﴾ ٦ وموضعان في آل عمران. فإن قلت: من أين يعلم أنه أراد تكرير يؤده ونؤته وعادته في مثل ذلك أن يقول معا أو جميعا أو حيث أتى أو نحو ذلك:

стр. 116

قلت: إطلاقه وعدم تقييده دل على ذلك؛ لأنه ليس بعضه أولى به من بعض فإن ما يذكره في أبواب الأصول لنسبته إلى المواضع كلها سواء، ولهذا قال: "أرجئه" ولم يبين أنه في سورتين، وإنما يحتاج إلى قوله: معا وجميعا في فرش الحروف؛ لئلا يظن أن ذلك مختص بما في تلك السورة دون غيرها، هذا هو الغالب من أمره، وقد جاء في بعض المواضع مقيدا في الأصول كقوله: "تسؤ، ونشأ" ست وعشر، "يشأ، ونبى" بأربع "وأرجى" معا "وأقرأ" ثلاثا، ولم يستوعب التقييد في هذه المواضع المستثناة فقال بعد ذلك: "ومؤصدة"، ولم يقل معا فأطلق على الأصل، وجاء الإطلاق في الفرش في مواضع مع عموم الحكم كالتوراة، وكائن: على ما يأتي، وإسكان هاء الكناية لغة محكية سواء اتصلت بمجزوم أو غيره كقوله: وأنشده ابن مجاهد: وأشرب الماء مائي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها ولم يسكنها القراء إلا في المجزوم كالكلمات المذكورة ووجه الإسكان تشبيه هاء الضمير بألف وواوه ويائه فأسكنت أو اسنثقلت صلتها فأسكنت كما فعل في ميم الجميع أو وصلت بنية الوقف وهذه الوجوه الثلاثة تعم المجزوم وغيره. وفي المجزوم وجهان آخران: أحدهما أنها سكنت تنبيها على الحرف المحذوف قبلها للجزم. والثاني أنها سكنت لحلولها محله، ونبه بقوله صافيا حلا على صحة هذه القراءة وحسن وجهها في العربية وإن كانت قد جاءت على خلاف المعهود في هاءات الكناية من التحريك والصلة وصافيا نعت المفعول المحذوف أي لفظا صافيا حلوا أو يكون حالا من فاعل فاعتبر: أي اعتبر المذكور في حال صفاء ذهنك وباطنك من النفرة منه وحلاوة عبارتك في ذكر دليله أو يكون حالا من مفعول فاعتبر المحذوف إن قدرته معرفة أي فاعتبر المذكور في حا صفائه وحلاوته فيعود المعنى إلى ما ذكرناه في الوجه الأول أو أراد فاعتبر نظما صافيا حلوا. ووجهه ما ذكرناه من أنه لفظ في هذا البيت بوجوه الاختلاف الثلاثة في هذه الكلمات ونحوه والله أعلم وأحكم. ١٦١- وَعَنْهُمْ وَعَنْ حَفْصٍ فَأَلْقِهْ وَيَتَّقِهْ ... [حَ] مى [صَ] فْوَهُ [قَ] وْمٌ بِخُلْفٍ وَأَنْهَلاَ أي وعن من تقدم ذكرهم وعن حفص إسكان قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ١. في سورة النمل، والتقدير: وسكن فألقه عنهم وعن حفص فيكون عطفا على قوله وسكن يؤده وقد تقدم في شرح الخطبة أن ضمير من تقدم رمزه نازل منزلة المسمى بصريح لفظه لا منزلة الرمز فلهذا جمع بين الضمير في وعنهم وبين قوله وعن حفص فصار على إسكان فألقه عاصم بكماله وأبو عمرو وحمزة وقوله ويتقه مبتدأ وليس عطفا على فألقه والواو من نفس التلاوة أراد قوله تعالى في سورة النور:

стр. 117

﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ ١. وخبر المبتدأ حمى صفوه إلى آخر البيت، وتقدير الكلام فيه وإسكان ويتقه على حذف مضاف أي أسكن هاءه أبو بكر وأبو عمرو وخلاد عن حمزة بخلاف عنه، فنقص من الرمز المذكور في البيت السابق راوٍ وهو خلف، وزاد في فألقه راوٍ وهو حفص. ومعنى حمى صفوه: أي صفو إسكانه قوم بخلف: أي حماه جماعة بحجج مختلفة وهي خمسة أوجه سبق ذكرها، ومعنى أنهل سقاه: النهل وهو الشرب الأول، وحسن استعارة النهل بعد ذكر الصفو أشار بذلك إلى أنهم قاموا في نصرة الإسكان بما انشرحت له الصدور، فهذا معنى ظاهر هذا الكلام، والمراد بباطنه رمز القراء، وقوله: بخلف ليس رمزا، وكذلك كل ما جاء منه نحو بخلفه بخلفهما بخلفهم؛ لأن المراد منه أن القارئ المذكور قبلها اختلفت الرواية عنه فكأنه من تتمة ذكره، وأفرد الضمير في أنهل ردا على لفظ قوم، ويجوز أن يكون الضمير فيه ليتقه، أي روى هذا الحرف القوم الذين حموه لما استنبطوا من المعاني والفوائد أو يعود على الصفو وهو أليق أي حموه مما يكدره؛ حفظا له بحاجتهم إليه فأنهلهم ورواهم، ثم بين قراءة حفص لهذه الكلمة فقال: ١٦٢- وَقُلْ بسُكُونِ الْقَافِ وَالْقَصْرِ حَفْصُهُمْ ... وَيَأْتِهْ لَدَى طه بِالِاِسْكَانِ [يُـ]ـجْتَلا أي قراءة حفصهم، فحذف المضاف؛ يعني أن حفصا يسكن القاف ويحرك الهاء بالكسر من غير صلة، وهذا معنى القصر وهو ترك الصلة؛ لأنها مد، وأسكن القاف؛ لأنها صارت آخر الفعل بعد حذف الياء للجزم، وقيل: أجرى "يتقه" مجرى "كتف" فأسن الوسط تخفيفا، وأنشد: فبات منتصبا وما تكردسا فلما سكنت القاف ذهبت صلة الهاء؛ لأن أصل حفص أن لا يصل الهاء التي قبلها ساكن إلا في قوله تعالى: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ ، وبقيت كسرة الهاء أمارة على عروض الإسكان في القاف والأصل كسرها، ولولا هذا المعنى لوجب ضم الهاء؛ لأن الساكن قبلها غير ياء فهو مثل: منه وعنه، وقيل: كانت الهاء ساكنة في قراءة حفص، كما أسكنها في "فألقه" فلما أسكن القاف كسر الهاء لالتقاء الساكنين، وهذا ضعيف؛ إذ لا مقتضى لإسكان القاف على تقدير سكون الهاء، ولأن كسر القاف وسكون الهاء أخف من العكس فلا معنى للعدول عنه: وأما قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ٢ في سورة طه؛ فلم يذكر الإسكان فيه إلا عن السوسي تبعا لصاحب التيسير، وذكره الأهوازي عن ابن عامر وعاصم وأبي عمرو وحمزة رحمهم الله تعالى، ومعنى يجتلا ينظر إليه بارزا غير مستتر من قولهم: اجتليت العروس يشير إلى أن الإسكان محكي مسطور في الكتب فلا ينفى لعدم ذكر بعض المصنفين له كابن الفحام في تجريده وغيره، وقوله: لدى طه أي عندها، وفي أثناء آياتها وسمى سورة هذا الحرف زيادة في البيان لا للتمييز إذ ليس غيره.

стр. 118

١٦٣- وَفي الْكُلِّ قَصْرُ الْهَاءِ "كـ"ـانَ "لِـ"سَانَهُ ... بخُلْفٍ وَفي طه بِوَجْهَيْنِ "بُـ"ـجِّلا يعني بالكل جميع الألفاظ المجزومة من قوله: وسكن يؤده إلى يتقه، وقصر الهاء عبارة عن ترك الصلة ويسمى أيضا الاختلاس، وقوله: بأن لسانه رمز لقالون وهشام، ومعناه في الظاهر: اتضحت لغته وظهر نقله؛ لأن قصر الهاء لغة فصيحة سواء اتصلت بمجزوم أو غيره، أنشد الداني للأعشى جمعا بين اللغتين القصر والصلة قوله: وما له من مجد تليد وما له ... من الريح حظ لا الجنوب ولا الصَّبَا ووجه لغة القصر في المجزوم النظر إلى الحرف المحذوف قبل الهاء للجزم؛ لأن حذفه عارض ولو كان موجودًا لم توصل الهاء لوجود الساكن قبلها على ما تقرر، فهذا توجيه حسن؛ لما جاءت القراءة به من القصر في المجزوم، ولم تأت في غيره؛ لفقد هذه العلة فيه، وقوله: بخلف يعني عن هشام؛ لأنه الذي يليه ولو كان الخلاف عنه وعن قالون لقال بخلفهما، ولو كان عن ثلاثة لقال: بخلفهم، وكل هذا قد استعمله في نظمه كما سيأتي. والخلف الذي عن هشام وجهان: أحدهما القصر وقد ذكره، والثاني الصلة كسائر القراء، ولا يجوز أن يكون الإسكان؛ لأنه قد ذكر الإسكان عن الذين قرءوا به، ولم يذكر هشاما معهم. وأما حرف طه فوصله هشام كسائر القراء غير السوسي. ولقالون وجهان: القصر والصلة، ولا يكون الإسكان؛ لما ذكرنا، ووجه الصلة تحرك الحرف الذي قبل الهاء ولا نظر إلى الحرف المحذوف، وقوله: بوجهين متعلق بمحذوف أي يقرأ حرفه بوجهين بجلا أي وقرأ كلاهما يشير إلى أن القصر أفشى من الإسكان في لغة العرب كما تقدم بيانه، ولأنه ضمير على حرف واحد صحيح فكان محركا كالتاء والكاف، ووجه أسكانها تشبيهها بالألف والواو. وفي ياء الإضافة وجهان: الفتح والإسكان وسيأتيان، ويجوز أن يكون التقدير والحرف الذي في طه بجل بوجهين. ١٦٤- وَإِسْكَانُ يَرْضَهُ "يُـ"ـمْنُهُ "لُـ"ـبْسُ "طَ"ـيِّبٍ ... بِخُلْفِهِمِاَ وَالْقَصُرُ "فَـ"ـاذْكُرْهُ "نَـ"ـوْفَلا أراد قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ١. أسكنه السوسي بلا خلاف وهشام والدوري عن أبي عمرو وبخلفهما وأخبر بظاهر لفظه عن الإسكان بأن يمنه لبس طيب تقريرا له وإزالة للنفرة عنه، ويجوز في قوله: والقصر وجهان الرفع على الابتداء وخبره ما بعده أو محذوف أي والقصر كذلك يمنه ليس طيب، أو والقصر مقروء به فهو قريب من قوله تعالى:

стр. 119

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٢. والنصب بفعل مضمر فسره ما بعده والفاء في فاذكره زائدة كقوله: وإذا هلكْت فعند ذلك فاجزعي٣ والخلف الذي للدوري هو الإسكان والصلة، والذي لهشام الإسكان والقصر وعلم ذلك من جهة أنه ذكر هشاما مع أصحاب القصر في أول البيت الآتي، ولم يذكر الدوري معهم، فكان مع المسكوت عنهم وهم أصحاب الصلة ونوفلا حال، والنوفل الكثير العطاء. ١٦٥- "لَـ"ـهُ "ا"لرُّحّبُ وَالزِّلْزَالُ خَيْراً يَرَهْ بِهَا ... وَشَرًّا يَرَهْ حَرْفَيْهِ سَكِّنْ "لِـ"ـيَسْهُلا الرحب: السعة أشار إلى شهرته وصحته أي يجد المتصدي لنصرة القصر رحبا وسعة ومجالا من نقل ذلك لغة وقوة تعليلية، فالذين قصروا "يرضه" حمزة وعاصم وهشام -بخلافٍ عنه- ونافع، ثم قال: والزلزال أي وسورة الزلزال يعني: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ٤. وهو مبتدأ وسكن خبره والعائد إلى المبتدأ الضمير في بها وأنثه؛ لأنه ضمير السورة: ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ ٥ و ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ ٦. مفعول سكن وحرفيه صفة لهما يفيد التأكيد. وإنما أكثر من هذا البيان ولم يكتف بقوله "يره" كما نص على ألقه ويتقه ويؤده وغير ذلك حذرا من التي في سورة البلد قوله: ﴿لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ٧. فتلك لم يذكر في التيسير فيها خلافا، وذكره في غيره، والهاء في حرفيه تعود على لفظ الزلزال، ويجوز أن يكون بدلا من "خيرا يره" و"شرا يره" بدل البعض من الكل، ويعني بحرفيه هاءي الكناية في هذا اللفظ، وكأن الوجه على هذا أن يقول حرفيهما وإنما وحد ردا على "يره"؛ لأنه لفظ واحد تكرر والألف في ليسهلا للتثنية أي ليسهل الحرفان بالإسكان ويجوز أن يكون خبر الزلزال قوله خيرا يره بها وشرا يره، ثم قال سكن حرفي هذا اللفظ كما تقول الدار بها زيد وعمرو أكرمهما، وقيل أشار بقوله ليسهلا إلى ثقل الصلة هنا من جهة أن بعد كل هاء منهما واو، فيلتقي واوان في قوله يرهو ومن يعمل يرهو والعاديات؛ لأن هذه الصلة إنما اعتبارها

стр. 120

في الوصل: وأما الوقف فبالإسكان لا صلة فيه لجميع القراء في جميع الهاءات، وقد تقدم ذكره. فإن قلت: هذه المواضع التي نص لبعض القراء على إسكانها من أين تعلم قراءة الباقين. قلت: قد سبق الإعلام بها في قوله: وما قبله التحريك للكل وصلًا، وهذه المواضع المسكنة كلها قبل هاءاتها متحركات فكأنه قال القراء كلهم على صلة الهاء إذا تحرك ما قبلها، واستثنى هؤلاء هذه المواضع فأسكنوها والله أعلم. ١٦٦- وَعى "نَفَرٌ" أَرْجِئْهُ بِالْهَمْزِ سَاكِناً ... وَفي الْهَاءِ ضَمٌّ "لَـ"ـفَّ "دَ"عْوَاهُ "حَـ"ـرْمَلا أرجئه موضعان في الأعراف والشعراء، ومعنى وعى حفظ: أي حفظ مدلول نفر وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أرجئه بهمزة ساكنة وحفظ الباقون بلا همز وهما لغتان فصيحتان قرئ بهما قوله تعالى: "وآخرون مرجئون"١، "وترجئ من تشاء"٢. ونفر همزوا الجميع يقال أرجأت الأمر إذا أخرته وبعض العرب يقول: أرجيت كما يقول أخطيت وتوضيت فلا يهمز حكاه الجوهري وقوله: بالهمز يؤخذ منه أن قراءة الباقين بلا همز ولم تكن له حاجة إلى قوله: ساكنا فإنه قد لفظ به كذلك. فإن قلت: فيه زيادة بيان. قلت: صدقت ولكنه يلبس الضد؛ إذ يلزم من ذلك أن يكون الضد فتح الهمز كقوله: "ويطهرن" في الطاء السكون "والأيكة" اللام ساكن "منسأته" سكون همزته ماضٍ، فإنه ضد السكون فيها فتح الطاء واللام والهمزة، وعذره في ذلك أن الهمز هو صاحب الضد فضده لا همز كما ذكر ذلك في "الصابئين" و"الأيكة"، ولم يقدح في ذلك وصفه الهمز بالسكون وهذا كما أن الحركة ضدها السكون ولا يقدح في ذلك ذكره الكسر والضم والفتح معها على ما مهدناه في شرح الخطبة وساكنا حال من الهمز، ولو قال مكانه فيهما لكان جيدًا، وارتفع الإيهام المذكور أي في الموضعين. ثم ذكر أن جميع من همز أرجئه ضم الهاء إلا ابن ذكوان فإنه كسرها، واستبعدت قراءته وتكلم فيها من جهة أن الهاء إنما تكسر بعد كسر أو ياء ساكنة وحقها الضم في غير ذلك فأرجئه مثل منه وزنه وأهبه، وقد اعتذر له بأن الهمز لم يعتد به حاجزًا؛ لقبوله الإبدال فكأن الهاء وَلِيَتِ الجيم المكسورة أو كأنها بعد ياء ساكنة في التقدير لو أبدلت الهمزة ياء، ويضعف هذا الاعتذار وجوه. الأول: أن الهمز معتدٌّ به حاجزًا بإجماع في "أنبئهم ونبئهم" والحكم واحد في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكسر والضم. الثاني: أنه كان يلزمه صلة الهاء؛ إذ هي في حكمه كأنها قد ولِيَت الجيم. الثالث: أن الهمز لو قلب ياء لكان الوجه المختار ضم الهاء مع صريح الياء؛ نظرا إلى أن أصلها همزة فما الظن بمن يكسر الهاء مع صريح الهمزة، وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقف حمزة فضم الهاء مع الهمز هو الوجه

стр. 121

فلهذا قال فيه: لف دعواه حرملا، والهاء في دعواه للضم، والحرمل: نبت معروف له في الأدوية مدخل، أشار بذلك إلى ظهور وجه الضم مع الهمز، أي في طي الدعوى به ما يبين حسنه وجودة القراءة به، وذكر ابن جني في كتابه المحتسب قال: وروي عن ابن عامر "أنبئهم" بهمزة وكسر الهاء، قال ابن مجاهد: وهذا لا يجوز، قال ابن جنى طريقه أن هذه الهمزة ساكنة والساكن ليس بحاجز حصين عندهم فكأن لا همز هناك أصلا، ثم قرر ذلك بنحو مما تقدم والله أعلم قال: ١٦٧- وَأَسْكِنْ "نَـ"ـصِيراً "فَـ"ـازَ وَاكْسِرْ لِغَيْرِهِمْ ... وَصِلْهَا "جـ"ـوَاداً "دُ"ونَ "رَ"يْبٍ "لِـ"ـتُوصَلا نصيرا حال من فاعل أسكن: أي ناصرا فائزا بظهور الحجة، وقد تقدم وجه الإسكان، وقرأ به هنا عاصم وحمزة ولا همز في قراءتهما، فصار "أرجه" كـ "ألقه"، وهما يسكنانهما وأبو عمرو وافقهما على ألقه ولم يمكنه الإسكان في "أرجه"؛ لأنه يهمز ففي الإسكان جمع بين ساكنين، ثم قال: واكسر لغيرهم أي لغير الذين ضموا والذين سكنوا، وهم نافع والكسائي وابن ذكوان، وقد مضى الكلام في قراءة ابن ذكوان ونافع والكسائي كسرا الهاء؛ لكسرة الجيم قبلها؛ إذ ليسا من أصحاب الهمز. ثم ذكر الذين وصلوا الهاء وهم أربعة: اثنان من أصحاب الضم والهمز، وهما ابن كثير وهشام، واثنان من أصحاب الكسر بلا همز، وهما الكسائي وورش، وصلاها بياء على أصلهما في صلة ما قبله متحرك وابن كثير وصلها بواو على أصله في صلة ما قبله ساكن وهشام وافقه وخالف أصله في ترك صلة ما قبله ساكن فقد وافق ابن كثير على مذهبه في الصلة راويان كل واحد منهما في حرف واحد أحدهما في صلة الضم بواو وهو هشام في هذا الحرف، والآخر في صلة الكسر بياء وهو حفص في: ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾ ١. وقد تقدم وأبو عمرو ضم من غير صلة على أصله، وقالون قصر الهاء، فكسرها من غير صلة على أصله في المواضع المجزومة كلها. فالحاصل أن في كلمة أرجه ست قراءات؛ ثلاث لأصحاب الهمز لابن كثير وهشام وجه ولأبي عمرو وجه ولابن ذكوان وجه، وثلاث لمن لم يهمز لعاصم وحمزة وجه، وللكسائي وورش وجه ولقالون وجه، وقد جمعت هذه القراءات الست في بيت واحد في النصف الأول قراءات الهمز الثلاث وفي النصف لآخر قراءات من لم يهمز الثلاث فقلت: وأرجئه مل والضم خر صله دع لنا ... وأرجه ف نل صل جي رضي قصره بلا فابتدأت بقراءة ابن ذكوان ولم أخف تصحيفها بغيرها؛ إذ لا يمكن في موضعها من جهة الوزن شيء من القراءات الست إلا قراءة أبي عمرو وهي مبينة بعدها، وقراءة قالون على زحاف في البيت، وقراءة قالون سنبين في آخر البيت مع أن صورة الكتابة مختلفة فتعين ما ابتدأ به لابن ذكوان والله أعلم.

стр. 122

وجميع الكلمات المجزومة الخمسة عشر توصل بالياء إلا كلمتين يرضه ويره فإنهما يوصلان بالواو، وفي أرجئه الوجهان من وصل هامزا فبالواو وغير الهامز يصل بالياء، وقوله: جوادا حال من فاعل صلها، والريب الشك، وقوله: لتوصل من محاسن الكلام.

стр. 123

باب المد والقصر: المد في الباب: عبارة عن زيادة المد في حروف المد لأجل همزة أو ساكن. والقصر: ترك الزيادة من المد، وقد يستعمل المد في إثبات حرف المد والقصر في حذفه، وذلك يأتي في فرش الحروف نحو: ومد أنا في الوصل، وفي "حاذرون" المد، وقصر: ﴿آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ ١. وآتاكم فقصر حفيظا، ومعنى القصر: المنع؛ من قولهم قصرت فلانا عن حاجته: أي منعته منها؛ ومنه: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ٢. فلهذا سمي منع المد قصرا، والله أعلم. ١٦٨- إِذَا أَلِفٌ أَوْ يَاؤُهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ ... أَوِ الْوَاوُ عَنْ ضَمّ لَقِي الْهَمْزَ طُوِّلا ألف فاعل فعل مضمر فسره قوله لقي الهمز أي إذا لقيت الألف الهمز والهاء في ياؤها تعود على الألف لأنها أختها في المد أو تعود على حروف الهجاء للعلم بها، وقوله: عن ضم أي بعد ضم؛ لأن عن للمجاوزة، وأسكن الياء في لقي ضرورة والضمير في طول الحرف المد مطلقا أي الذي لقي الهمز، ومعنى طول مد؛ لأن حرف المد كلما طول ازداد مدا، وقد تقدم أن حروف الهجاء يجوز تأنيثها وتذكيرها فلهذا أنث في قوله ياؤها وذكر في قوله لقي الهمز طول وذكر في هذا البيت حروف المد الثلاثة، وهن: الألف والياء والواو، ولم يقيد الألف؛ لأنها لا تقع إلا بعد فتحه وقيد الياء بكسرة قبلا والواو بضمة قبلها؛ لأن كل واحدة منهما يجوز أن يقع قبلها فتحة "كهيئة-وسوأة" ولذلك حكم سيأتي وشرط الياء والواو أيضا أن يكونا ساكنين وأما الألف فلا تكون إلا ساكنة، فالألف لا يزال حرف مد. وأما أختاها فبشرطين: أحدهما السكون، والثاني أن يكون حركة ما قبلهما من جنسهما قبل الياء كسرة وقبل الواو ضمة، فحينئذ يكونان حرفي مد نحو قال وقيل ويقول ينطق في هذه الثلاثة بعد القاف بمدة ثم لام. فإذا اتفق وجود همز بعد أحد هذه الحروف طول ذلك المد استعانة على النطق بالهمز محققا وبيانا لحرف المد خوفا من سقوطه عند الإسراع؛ لخفائه وصعوبة الهمز بعده وهذا عام لجميع القراء إذا كان ذلك في كلمة واحدة نص على ذلك جماعة من العلماء المصنفين في علم القراءات من المغاربة والمشارقة.

стр. 124

ومنهم من أجرى فيه الخلاف المذكور في كلمتين على ما سيأتي، وبعضهم اختار تفضيل الألف على أختيها في المد وتفضيل الياء على الواو والله أعلم وأحكم. ١٦٩- فَإِنْ يَنْفَصِلْ فَالْقَصْرُ "يَـ"ـادّرْهُ "طَ"ـالِباً ... بِخُلْفِهِما "يُـ"ـرْوِيكَ "دَ"رًّا وَمُخْضَلا أي فإن ينفصل المذكور بعضه من بعض والمذكور هو أن يلقى حرف المد همزا، وهو في اصطلاح القراء على ضربين: متصل ومنفصل، فالمتصل أن يلتقيا في كلمة واحدة وقد سبق ذكره، والمنفصل أن يلتقيا وحروف المد آخر كلمة والهمز أول كلمة أخرى، ويسمى مد حرف لحرف، وهذا هو المذكور في هذا البيت، فالقراء فيه على قسمين منهم من جرى على المد كما في المتصل، ومنهم من لم يطول المد بل اقتصر على ما في حرف المد من المد الذي فيه إذا لم يصادف همزة، فهذا هو الذي عبر عنه بالقصر، وسواء في ذلك حرف المد المرسوم في المصحف والذي لم يرسم له صورة نحو "هاأنتم، ويا آدم" لم يرسم في كل كلمة غير ألف واحدة هو صورة الهمزة، وألف هاويا محذوفة، ونحو صلة هاء الكناية وميم الجمع نحو: ﴿بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ١، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ٢، يجري الأمر فيه كغيره من المد والقصر على ما تقتضيه مذاهب القراء، فالذين قصروا هم ابن كثير والسوسي وكذا قالون والدوري عن أبي عمرو بخلاف عنهما، والباقون على المد٣، ولم يذكر صاحب التيسير القصر عن الدوري فهو من زادات القصيدة، وقد ذكره غيره على ما نقلناه في الشرح الكبير. ومنهم من نقل الخلاف عن أبي عمرو نفسه، ووجه القصر الانفصال؛ لأن لكل كلمة حكم الاستقلال فلم يقو الالتقاء قوته إذا كان في كلمة واحدة، ومنهم٤ من حكى عن ابن كثير المد في كلمة الشهادة. وقد ذكر جماعة من المصنفين تفصيلا بين أصحاب المد فجعل بعضهم أطول مدا من بعض، ولم يتعرض الشيخ الشاطبي ﵀ في نظمه لذلك. وحكى عنه الشيخ أبو الحسن ﵀ في شرحه أنه كان يرى في المنفصل مدتين طولى لورش وحمزة ووسطى لمن بقي. ويجوز في قوله: فالقصر الرفع والنصب أجود، ويرويك جملة مستأنفة أو حال من الهاء في بادره أي بادره طالبا مرويا فيكون طالبا حالا من الفاعل، ومرويا حالا من المفعول نحو: لقيته مصعدا منحدرًا. ويجوز أن يكون يرويك جوابا للأمر في بادره ولم يجزمه ضرورة ودرّا مصدر في موضع الحال: أي دارا ومخضلا عطف عليه، وهما حالان من فاعل يرويك العائد على القصر يقال: درت الناقة ودر الضرع باللبن يدر ويدر درورا ودرا، والدر: اللبن نفسه أيضا، ودرت السماء: كثر مطرها، وأخضلت الشيء فهو مخضل إذا بللته وشيء خضل أي رطب، والخضل: النبات الناعم، وكل هذا ثناء على القصر: أي بادره يثلج له

стр. 125

صدرك بما يدر من فوائده وينسكب من معاني استحسانه، وهو اختيار المبرد، ثم مثل القسمين فقال: ١٧٠- كَجِيءَ وَعَنْ سُوءٍ وَشَاءَ اتِّصَالُهُ ... وَمَفْصُولُهُ في أُمِّهَا أَمْرُهُ إِلَى أي اتصال الهمز بحرف المد في كلمة واحدة مثل "جيء" في قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ١. فهذا مثال الياء ومثله ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ، والواو كقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ ٢. و ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، الألف في نحو "شاء" و"جاء"، ثم مثل المفصول، وهو الالتقاء في كلمتين بقوله سبحانه: ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ٣. فهذا مثال الياء ومثله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ ٤، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ٥ والواو نحو: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٦، ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ٧. ومثل الشاطبي ﵀ بقوله: "أمره إلى" إعلاما بأن واو الصلة التي لا رسم لها في المصحف كغيرها، ومثله على قراءة ورش وغيره: "إنهمو أناس"، "عليهمو آياتنا". ومثال الألف: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٨، ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾ ٩، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ١٠. وضا على الناظم تمثيل الألف من القرآن في هذا البيت، وإن كان حاصلا من جمعه بين المثالين في قوله أمها أمره؛ لأن الغرض تصوير المثال كما أنه في بيت آخر سيأتي مثل بـ "أوهلا" في آخر باب الهمز المفرد، فقال كآدم أوهلا، وليس أوهل في القرآن والهاء في اتصاله ومفصوله لحرف المد ومفصوله مبتدأ، وما بعده الخبر على حذف مضاف أي مثل هذا اللفظ وغلط من قال: الخبر في الجار والمجرور أي مستقر في المذكور؛ لأن في أمها لم يقصد به في البيت إلا حكاية ما في القرآن، وفي نحو قوله تعالى: ﴿هَؤُلاء﴾ مدان مد ألف "ها" من المنفصل، ومد الألف الأخيرة من المتصل فاعلم ذلك والله أعلم. ١٧١- وَمَا بَعْدَ هَمْزٍ ثَابِتٍ أَوْ مُغَيَّرٍ ... فَقَصْرٌ وَقَدْ يُرْوَى لِوَرْش مُطَوَّلا أي والذي وقع من حروف المد بعد همز سواء كان ذلك الهمز ثابتا أو مغيرا ويعني بالثابت الباقي على لفظه وصورته وبالمغير ما لحقه نقل أو تسهيل أو إبدال على ما نبينه، وتقدير الكلام فإن انعكس ما ذكرناه فوقع حرف المد بعد الهمز، وهذا لا يكون إلا في المتصل؛ لأن حرف المد لا يقع أول كلمة؛ لاستحالة ذلك من أجل سكونه، فقوله: "وما" مبتدأ وخبره قوله: فقصر، أي فهو ذو قصر أو فحكمه قصر، ودخلت الفاء لما

стр. 126

في المبتدأ من معنى الشرط وهذا القصر لجميع القراء ورش وغيره، ولم يذكر ابن مجاهد عن أحد خلاف ذلك، ولا عامة كتب العراقيين، ثم قال: أو قد يروى ذلك لورش مطولا أي ممدودا مدا طويلا قياسا على ما إذا تقدم حرف المد على الهمز، ونص على المذكور ابن شريح وابن الفحام وصاحب العنوان ومكي والمهدوي وغيرهم من المغاربة والمصريين في مصنفاتهم، ووجه القصر عدم المعنى الذي لأجله مد حرف المد إذا تقدم على الهمز والله أعلم. ١٧٢- وَوَسَّطَهُ قَوْمٌ كَآمَنَ هؤُلاَءِ ... آلِهَةً آتى لِلِاِيمَانِ مُثِّلا أراد وسط المد لورش في ذلك جماعة؛ ليكون المد في هذا النوع أقل منه فيما إذا تقدم حرف المد على الهمز؛ لظهور الفارق بينهما ولم يذكر صاحب التيسير غيره، وذكره أيضا أبو علي الأهوازي وغيره ولا مانع من أن يكون لفظ قوم في بيت الشاطبي ﵀ رمزًا لخلاد على اصطلاحه كما قال فيما مضى: حمى صفوه قوم، فكان ينبغي له أن يأتي بلفظ يزيل هذا الاحتمال نحو أن يقول: وبالمدة الوسطى أو يقول: ووسطه أيضا كآمن فقد صار لورش ثلاثة أوجه في هذا النوع القصر كسائر القراء والمد المتوسط والمد الطويل، ثم مثل ما فيه هذه الأوجه بأربعة أمثلة اثنان فيهما الهمز ثابت، وهما آمن وأتى، وبعد الهمز ألف ومثال ما بعده واو أوحى وأوتي، ومثال ما بعده ياء: ﴿إِيلافِهِمْ﴾ ١، ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٢. وإن كان الهمز في بعض ذلك يجوز أن تلقى حركته على الساكن قبله، فيصير من باب الهمز المغير نحو: ﴿قُلْ أُوحِي﴾ ٣، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ٤. واثنان من أمثلة الناظم فيهما الهمز مغير أحدهما: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ ٥. فقراءة ورش بإبدال همزة آلهة ياء في الوصل بعدها ألف فهي حرف مد بعد همز مغير ولثاني للإيمان بنقل حركة همزة إيمان إلى اللام ونحو: ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ﴾ ٦. يسهل ورش همزة آل بين بين فالياء من إيمان والألف من آل بعد همز مغير، وبعض٧ من يرى المد لم يذكره بعد الهمز المغير، ووجهه عدم الهمز، ووجه المد ترك الاعتداد بالعارض فالوجهان جائزان في قصر حرف المد قبل الهمز المغير على ما يأتي في باب الهمزتين من كلمتين، فقصر حرف المد بعد الهمز المغير أولى. ثم إن بعض القائلين بالمد في هذا النوع قد استثنوا له مواضع فلم يمدوها، وقد ذكرها الناظم فقال:

стр. 127

١٧٣- سِوى يَاءِ إِسْرَائِيلَ أَوْ بَعْدَ سَاكِنٍ ... صَحِيحٍ كَقُرْآنٍ وَمَسْئُولًا اسْأَلا في كلمة إسرائيل حرفا مد الألف قبل الهمزة والياء بعدها فمد الألف من باب المتصل ومد الياء من هذا النوع المختص لورش، وأكثر ما تجيء كلمة إسرائيل بعد كلمة بني فيجتمع ثلاث مدات مد يا بني من المنفصل، وفي إسرائيل مدتان مع طول الكلمة وكثرة دورها فاستثنى مد الياء تخفيفا فترك. فإن قلت: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ ١ فيه أيضا ثلاث مدات فمد الألف قبل الهمزة من المتصل ومد الواو لهمزة أباهم من المنفصل، ومدها للهمزة قبلها من النوع المختص لورش. قلت: مدها لما بعدها وما قبلها متَّحد، فتدخلا فلم يبق إلا مدتان و "أو" في قوله: أو بعد ساكن بمعنى الواو كما قال بعد ذلك وما بعد همز الوصل أراد: وما بعد ساكن، ثم حذف الموصول اكتفاء بصلته يعني واستثنوا من ذلك ما وقع من الهمز الذي بعده حرف مد بعد ساكن صحيح أي ليس بحرف علة مثل: "جاءوا" و"الموءودة" و"سوآت" و"النبيين"؛ فإن المد في كل هذا منصوص عليه، والذي قبله ساكن صحيح نحو: "قرآن" و"ظمآن" و"مسئولًا"، وعللوه بأن الهمزة معرضة للنقل إلى الساكن قبلها وهذه علة فاسدة من وجوه: الأول: أنه ليس من مذهب ورش النقل في كلمة واحدة. الثاني: أنه فيما تحقق فيه النقل يمد نحو للإيمان فما الظن بما يتوهم جواز نقله لغة. الثالث: أنه منقوض بالموءودة فإن النقل فيها سائغ كقرآن، وقد نص مكي، والداني في كتاب الإيجاز على مدها فعندي أن علة استثنائه مشكلة، وأن الناظم نبه على ذلك في قوله: اسألا، وهو فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا في الوقف كنظائر له سلفت أي اسألن عن علته وابحث عنها واكشفها ثم ذكر باقي المستثنى فقال: ١٧٤- وَمَا بَعْدَ هَمْزِ لْوَصْلِ إيتِ وَبَعْضُهُمْ ... يُؤَاخِذُكُمُ آلانَ مُسْتَفْهِمًا تَلا ما بمعنى الذي مجرورة المحل عطفا على إسرائيل وقوله "إيت" مثل: "إِيتِ بِقُرْآنٍ"٢، "إِيتُوا صَفًّا"٣، "إِيذَنْ لِي"٤، "أُوتُمِنَ"٥. إذا ابتدأت بهذه الكلمات ونحوها وقع حرف المد بعد همز الوصل وحرف المد في الجميع بدل من الهمزة التي هي فاء الكلمة من آتى وآذن وآمن، ولهذا إذا وصلت الكلمة بما قبلها ذهبت همزة الوصل ونطقت بفاء الكلمة همزة في موضع حرف العلة فوجه ترك المد ظاهر وهو أن أصل أحرف المد همزة ولأن همزة الوصل قبله عارضة. وذكر بعض المصنفين في مده وجهين، وعلة المد النظر إلى صورة الكلمة الآن والإعراض عن الأصل.

стр. 128

واتفقوا على منع المد في الألف المبدلة من التنوين بعد الهمزة نحو خطأ وملجأ وماء وغثاء وأما نحو: ﴿رَأى الْقَمَرَ﴾ ١، ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ ٢، ﴿تَبَوَّأُوا الدَّارَ﴾ ٣، مما حذف منه حرف العلة لساكن بعده في الوصل فإذا وقفت عليه وقفت على حرف العلة ومددته لأجل الهمزة قبله فهذا آخر ما استثنى بعد همز ثابت وهذا آخر باب المد والقصر في كتاب التيسير، وزاد صاحب القصيدة عليه في هذا الباب من قوله: وبعضهم يؤاخذكم إلى آخر قوله: وفي واو سوآت ... البيت إلا أن الداني ذكر مد نحو شيء وسوء في أول البقرة. ثم ذكر الناظم ما استثنى من هذا النوع بعد همز مغير فلم يمد لورش فقال: وبعضهم أي وبعض أهل الأداء استثنى لورش مواضع أخر ليست في كتاب التيسير كالمهدوي ومكي والحصري في قصيدته، ومحمد بن شريح في كتاب التذكير قال: ولم يمد: "يواخذكم"، ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ ٤، و"آلان"٥. في الموضعين في يونس أعني الألف التي بعد اللام، وقال أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز: أجمع أهل الأداء على ترك زيادة تمكين في قوله: "يُوَاخِذُكُمْ"٦، "لا تُوَاخِذْنَا"٧، "لا يُوَاخِذُكُمُ اللَّهُ"٨. حيث وقع، وكأن ذلك عندهم من واخذت غير مهموز. قلت: فقد نص الداني على أن استثناء يواخذكم مجمع عليه فكان يلزمه ذكره في كتاب التيسير، ثم قال: وزاد بعضهم ثلاثة أحرف في "آلان" في الموضعين في يونس، و"عادا الأولى" في النجم. قلت: فهذه الثلاثة هي التي جعلها الداني من استثناء بعضهم، فأدخل الشاطبي فيها "يؤاخذكم" لما رأى بعض المصنفين قد قرنها بهن ولم يذكر استثناء ما تصرف منها وكان يلزمه ذكره؛ لئلا يتوهم تخصيصها بذلك، ثم قال: آلان مستفهما أي هو من جملة ما استثنى بعضهم، وتلا خبر وبعضهم، ومستفهما حال من فاعل تلا: أي وبعضهم تلا يؤاخذكم كيف ما وقع وآلان في حال استفهامه به، و"عادا الأولى" بغير مد ودل على هذا التقدير كونه يعد في تعداد ما استثنى من الممدود، ويجوز أن يكون مستفهما حالا من الآن لما كان الاستفهام فيه، ويجوز على هذا أن تكون الهاء مفتوحة أي مستفهما به. وفيه مدتان لم يبين المستثنى منهما إحداهما بعد همزة الاستفهام، والثانية بعد اللام وهي المستثناة بين ذلك المهدوي وابن شريح كما نقلناه من كلامه، ووجه استثنائه استثقال الجمع بين مدتين من هذا النوع المختص بورش في كلمة واحدة، ولا نظير لذلك فمد بعد الهمزة الأولى الثابتة، وترك المد بعد الثانية المغيرة بالنقل، وأما: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ٩.

стр. 129

فليس فيه إلا مدة واحدة واحترز بقوله: مستفهما عن هذا ونحوه؛ لأن ما لفظ به في البيت يمكن قراءته باستفهام قبضًا لخبن "مفاعيلن"، ونظمت أنا بيتا نطقت فيه بما لا يحتمل غير الاستفهام وأدرجت يؤاخذ مع المجمع عليه في الاستثناء على ما ذكره الداني ولم أقيده بالضمير ليشمل المواضع كلها وأوضحت ما بعد همز الوصل بأن ذلك في حال الابتداء وصرحت بالتمثيل بـ "ايت" فقلت: وما بعد همز الوصل بدءا كـ "ايت" معيؤاخذ زاد البعض آلان قصر لا أي موضع الاستثناء في "آلان" قصر لفظها لامها وهو ترك المد بعد الهمزة الثانية المنقول حركتها إلى اللام، ففي البيت الذي نظمته خمسة أشياء فاتت بيت الشاطبي ﵀ وهي: تصريح التمثيل بـ "ايت"، وذكر البدء، وإدراج يؤاخذ مع المستثنى المتفق عليه، وتعريته من الضمير ليعم، وبيان موضع المستثنى من الآن. ثم تمم المستثنى فقال: ١٧٥- وَعَادًا الُاولى وَابْنُ غَلْبُونَ طَاهِرٌ ... بِقَصْرِ جَمِيعِ الْبَاب قَالَ وَقَوَّلا لم يسمح له النظم أن يلفظ بـ "عادا الأولى" على قراءة ورش، فلفظ بها على قراءة حمزة إذا وقف عليها في بعض الوجه، وأما قراءة ورش فبإدغام التنوين في اللام بعد نقل حركة الهمزة إليها فلم يمد واو "الاولى" هنا وإن كان يمدها في: "سِيرَتَهَا الْأُولَى"١؛ لأن الحركة هنا صارت كاللازمة من أجل التنوين فيها، فكأن لا همز في الكلمة لا ظاهرا ولا مقدرا، فإن وقفت لورش على "عادا" فتلك في ابتداء "الاولى" مذهبان؛ المد إن لم تعتد بالعارض وتركه ن اعتددت بها ذكرهما المهدوي، وقوله: وابن غلبون مبتدأ وطاهر عطف بيان ميزه بذلك من أبيه؛ كل واحد منهما يقال له ابن غلبون وكلاهما من علماء القراءات المصنفين فيها، فالأب مصنف كتاب "الإرشاد" وشيخ أبي محمد مكي بن أبي طالب وهو أبو الطيب عبد المنعم بن عبد الله بن غلبون الحلبي نزيل مصر، وابنه أبو الحسن طاهر بن عبد المنعم وهو مصنف كتاب التذكرة، وشيخ صاحب التيسير، وقوله: يقصر جميع الباب متعلق بـ "قال"، وقال هو خبر المبتدأ أتى بذلك وأخذ به وعنى بجميع الباب كل ما كان حرف المد فيه بعد همز ثابت أو مغير، وقولا: عطف على قال أي وقول ورشا بذلك أي جعله هو المذهب له وما سواه غلطا ووهما قد قرر ذلك في كتاب التذكرة فأحسن، وما قال به ابن غلبون هو الحق وهو اختيار ناظم القصيدة في ما أخبرني الشيخ أبو الحسن عنه -رحمهما الله تعالى- وغلبون اسم مشتق من الغلبة وهو في الزنة كحمدون من الحمد وسعدون من السعد، واستعمله الناظم هنا غير منصرف وفي باب الهمز المفرد منصرفا والنظم يحتمل الأمرين، وقد نقل ابن برهان في شرح "اللمع" عن أبي علي أن حمدون يمتنع صرفه، ووقع في نظم المتنبي حمدون مصروفا وغير مصروف في بيت واحد فقال ابن جني في شرحه: ترك صرف حمدون ضرورة، وقد أجازه الكوفيون فدل هذا الكلام على أن رأي ابن جني فيه الصرف، فتحصلنا على وجهين في حمدون وغلبون مثله فالصرف رأي أبي الفتح وتركه رأي شيخه أبي علي ﵀ والله أعلم.

стр. 130

١٧٦- وَعَنْ كُلِّهِمْ بِالْمَدِّ مَا قَبْلَ سَاكِنٍ ... وعِنْدَ سُكُونِ الْوَقْفِ وَجْهَانِ أُصِّلا أي وما وقع من حروف المد قبل ساكن فحكمه المد عن كل القراء فهذه الجملة معطوفة على قوله وما بعد همز ثابت أو مغير، فقوله: ما قبل ساكن ما فيه بمعنى الذي وهي مبتدأ خبره أحد الجارين قبله مع مجروره وبالمد وعن كلهم فأيهما قدرته خبرا علقت الآخر به، فإن جعلت الخبر بالمد كان التقدير: والذي قبل ساكن مقروء بالمد عن كلهم، وإن قلت: الخبر عن كلهم قدرت مرويّ عن كلهم بالمد ولولا الباء في بالمد لكان ما قبل ساكن مفعولا به. واعلم أن الساكن الواقع بعد حرف المد تارة يكون مدغما وتارة غير مدغم والمدغم على ضربين واجب الإدغام لغة وجائزه فالواجب نحو: ﴿دَابَّة﴾ ١، ﴿الصَّاخَّة﴾ ٢، ﴿الطَّامَّة﴾ ٣، ﴿الضَّالِّين﴾ ٤، ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ٥، ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ٦، ﴿اللَّهُ خَيْرُ﴾ ٧، والجائز نحو: ﴿الْكِتَابَ﴾ ٨، ﴿الْأَبْرَارَ لَفِي﴾ ٩، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ ١٠، على قراءة أبي عمرو ﴿وَلا تَعَاوَنُوا﴾ ١١، على قراءة البزي والساكن غير المدغم نحو ما يأتي في فواتح السور: ﴿آلْآنَ﴾ ١٢ في موضعي يونس، وكذا ﴿وَاللَّائِي﴾ ١٣، ﴿وَمَحْيَايَ﴾ ١٤. في قراءة من أسكن وكذا ما يأتي في قراءة ورش من الإبدال في نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ١٥، ﴿شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١٦. وشرط الإدغام المذكور: أن يكون في كلمة أو واقعا بعد التقاء الكلمتين كما مثلنا من قراءتي أبي عمرو والبزي فإن كان الإدغام في الكلمة الثانية سابقا لالتقائهما مستمرة حاله على ذلك فإن حروف المد تحذف حينئذ ولا يقنع بالمد فيها نحو: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ١٧، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ﴾ ١٨، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ١٩. وكذا الساكن غير المدغم نحو: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ﴾ ٢٠، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٢١، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ ٢٢.

стр. 131

فقوله: ما قبل ساكن ليس على إطلاقه بل يختص بما كان من ذلك في كل ما يعد كلمة واحدة، قوله: وعند سكون الوقف: يعني إذا كان الساكن بعد حرف المد إنما سكنه الوقف، وقد كان محركا فسكونه عارض فهل يمد لأجله؛ لأنه سكون في الجملة أو لا يمد نظرا إلى عروض السكون ويكتفي بما في حرف المد من المد فيه وجهان وذلك نحو: ﴿الْمَصِيرُ﴾ ١، ﴿وَيُؤْمِنُونَ﴾ ٢، ﴿الْأَلْبَابِ﴾ ٣. وذلك أيضا عام لجميع القراء وإنما قال سكون الوقف ولم يقل وعند الوقف احترازا من الروم فلا مد مع الروم ويمد مع الإشمام؛ لأنه ضم الشفتين بعد سكون الحرف. ثم إذا قيل بالمد فهل هو مد متوسط أو مشبع؟ فيه وجهان، وذكر الشيخ وغيره أن الناظم أشار إلى هذين الوجهين بقوله: وجهان أصلا أي جعلا أصلا يعتمد عليه، وأشار بقوله: أصلا إلى وجه ثالث، وهو الاختصار على ما في حرف المد من المد ولا يظهر لي أنه أراد بالوجهين إلا القصر والمد؛ لأنه ذكر المد لما قبل ساكن ولم يبين طوله ولا توسطه، وقال بعد ذلك: وعند سكون الوقف وجهان أصلا فعلم أنه المد وضده وهو القصر، ولو كان أشار إلى الطول والتوسط لكان ممدودا بلا خلاف وإنما الخلاف في المقدار، والمد لا يفهم من عبارته في نظمه فالظاهر ما ذكرته لكن ما ذكره الشيخ يقويه ما يأتي في شرح البيت الآتي وقوله: أصلا تنبيه على الوجوه الثلاثة، كأنه قال: اختلف في مده وقصره بالنظر إلى أصل الكلام في ذلك، ثم إذا قيل بالمد فهل هو مشبع أو متوسط فيه وجهان، ولا يمتنع أن يكون أصلا رمزا لنافع فهو لفظ موهم كما ذكرناه في: "ووسطه قوم" وقوله قبل ذلك: "وعن كلهم" لا يدفع هذا الإبهام؛ لاحتمال أن يقال الذي هو عن كلهم هو غير سكون الوقف ثم لا فرق في حرف المد بين أن يكون مرسوما نحو: ﴿قَالَ﴾ ٤ أو غير مرسوم نحو ﴿الرَّحْمَنَ﴾ ٥. أو كان بدلا من همزة نحو: ﴿الذِّئْبُ﴾ ٦، ﴿وَيُؤْتِ﴾ ٧ والرأس. واختار أبو الحسن الحصري وجه القصر في سكون الوقف؛ لأنه كسائر ما يوقف عليه مما قبله ساكن صحيح نحو: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ٨ و ﴿خُسْرٍ﴾ ٩ و ﴿الصَّبْرِ﴾ ١٠. فما الظن بما قبله حرف مد؟ فقال في قصيدته التي نظمها في قراءة نافع:

стр. 132

وإن يتطرف عند وقفك ساكن ... فقف دون مدٍّ ذاك رأيي بلا فخرِ فجمعك بين الساكنين يجوز إن ... وقفت وهذا من كلامهم الحرِّ ١٧٧- وَمُدَّ لَهُ عِنْدَ الْفَوَاتِحِ مُشْبِعاً ... وَفي عَيْن الْوَجْهَانِ وَالطُّولُ فُضِّلا له: أي للساكن؛ لأن كلامه في البيت السابق فيما يمد قبل الساكن فكأنه قال: ويمد لأجل الساكن أيضا في موضع آخر، وهو فواتح السور، ومشبعا: حال من فاعل مد، ويجوز بفتح الباء على معنى مدا مشبعا فيكون نعت مصدر محذوف، ويجوز في دال مد الحركات الثلاث، والفواتح جمع فاتحة وهي الأوائل، ومنه سميت فاتحة الكتاب، وعني بها أسماء حروف التهجي التي تبتدئ بها السور نحو كاف قاف نون لام ميم سين؛ إذ لا مد في فاتحة سورة لأجل ساكن إلا فيها وفي: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ١، ﴿الْحَاقَّة﴾ ٢. وذلك قد علم مما قبل، وقوله: عند الفواتح أي فيها وبحضرتها كما قال في الباب السابق: ويأته لدى طه ولا بعد في أن يتجوز بحضرة الشيء عن الشيء وهذا المد أيضا لجميع القراء، ولأن السكون لازم قال: مشبعا كمدًا دابة بخلاف المد؛ لسكون الوقف، ومنهم من اختار تفضيل مد المدغم على غيره ففضل مد لام من ألف لام على مد ميم، ومنهم من سوى فإن ترك الساكن نحو ميم أول آل عمران لجميع القراء وأول العنكبوت على قراءة ورش، ففي المد وجهان ظاهران، والأقيس عندهم المد وترك الاعتداد بالعارض، ثم قال: وفي عينٍ الوجهان يعني في لفظ عين من حروف الفواتح وذلك في: ﴿كهيعص﴾ ٣، ﴿عسق﴾ ٤. وإنما أعرب آخرها وكسر ونون وكان الوجه أن ينطق بها على لفظها ساكنة من أجل أن الشعر لا يجمع فيه بين ساكنين. ولما انتفى هذا المانع في ألف طه نطق بهن على لفظهن في البيت الذي يأتي، ولو قال في عينها الوجهان لكان أيضا جيدا أي في عين الفواتح. وظاهر كلامه أن الخلاف في مد عين لجميع القراء؛ لأن السابق كذلك وهو اختيار مكي، ونص المهدوي وابن شريح أن ذلك مختص بورش. ووجه الخلاف انفتاح ما قبل الياء فلم يقو المد فيها قوته في الياء لينكسر ما قبلها. وقوله: الوجهان الألف واللام فيه للعهد أي الوجهان المذكوران في المد لسكون الوقف في البيت قبله هما في عين مطلقا وصلا ووقفا. ثم قال: والطول فضلا يعني المد في عين؛ لأنه لاجتماع الساكنين مع أن الثاني ليس بعارض بخلاف سكون الوقف، ويحتمل أنه عني أن الطول فضل في عين وفي المد؛ لسكون الوقف؛ لشبه الجميع بباب دابة ولا نظر إلى عروض السكون في الوقف. والأولى أن يكون قوله: الوجهان إشارة إلى إشباع المد وهو المراد بالطول، وإلى عدم إشباع المد مع أنه لا بد من المد فلهذا قال: والطول فضلا يعني الإشباع، ولم يقل: والمد فضلا؛ لأن المد في الوجهين.

стр. 133

١٧٨- وَفي نَحْوِ "طهَ" الْقَصْرُ إِذْ لَيْسَ سَاكِنٌ ... وَمَا فِي أَلِفْ مِنْ حَرْفِ مَدٍ فَيُمْطَلا أي: إذ ليس فيه ساكن فيمد حرف المد لأجله، فوجب القصر في كل ما كان من حروف الهجاء على حرفين وذلك خمسة أحرف: حا. را. طا. يا. ها. وأما ألف فآخره ساكن، ولكن ليس فيه حرف مد وقوله: فيمطلا أي فيمد، وكل ممدود ممطول، يقال: مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا ضربتها بعد ما حميت في النار، ومددتها؛ لتطول، ومنه اشتقاق المطل بالدين؛ لأنه مد في المدة، ونصب فيمطلا في جواب النفي بالفاء. فقد تحرر من هذين البيتين أن حروف الفواتح على أربعة أقسام، الأول ما هو على ثلاثة أحرف، والتقى فيه حرف المد والساكن، وقبل حرف المد حركته المجانسة له فهو ممدود بلا خلاف، وذلك في سبعة أحرف للألف أربعة صاد قاف كاف لام، ولياء اثنان: سين ميم، وللواو واحد نون، القسم الثاني مثل ذلك إلا أنه عدم مجانسة الحركة للحرف ففي مده خلاف وهو حرف واحد وهو عين والثالث والرابع المذكوران في هذا البيت لا مد فيهما؛ لفقد الساكن في "حا" وأخواتها، ولفقد حرف المد في ألف والله أعلم. ١٧٩- وَإِنْ تَسْكُنِ الْـ "يَا" بَيْنَ فَتْحٍ وَهَمْزَةٍ ... بِكِلْمَةٍ اوْ "وَاوٌ" فَوَجْهَانِ جُمِّلا يعني إذا كان قبل الياء والواو فتح، وبعدهما همزة في كلمة واحدة نحو: "كهيئة، وسوأة" فلورش في مد ذلك وجهان جميلان، وهذا هو مد المتصل بعينه الذي تقدم في أول الباب لم يعدم من شرطه إلا كون حرف المد ليس حركة ما قبله من جنسه فصار هذا من الممدود لأجل الهمز بمنزلة: ﴿عِينٍ﴾ ١، ﴿وَجَرَيْنَ﴾ ٢، في الممدود لأجل الساكن والمتصل بمنزلة لام ميم. وكان الأولى وصل الكلام في هذا الفصل بالكلام في المتصل والمنفصل؛ لأنه كله من باب واحد، وهو مد حرف المد لهن بعده ثم يذكر مده لهمز قبله، ثم يذكر مده للساكن بعده، ويقسمه إلى مدغم وغير مدغم مبينا ما يحذف حرف المد لأجله مما يمد على ما سبق تفصيله إلى فواتح وغير فواتح، وإلى ما يمد وصلا ووقفا، وإلى ما يمد وقفا لا غير، ولكن لما لم يكن ذلك في التيسير في هذا الباب أخره إلى الفراغ من نظم ما في التيسير، والجيم من قوله: جملا يجوز أن تكون رمزا لورش، ولا يضر ذلك تسميته في البيت الآتي فهو كما يتكرر الرمز فهذا أولى، ويجوز أن يكون أتى به لمجرد الوصف، واستغنى بالتسمية عن الرمز، والتقدير: ففيه وجهان فحذف خبر المبتدإ للعلم به ثم بين الوجهين فقال: ١٨٠- بِطُولٍ وَقَصْرٍ وَصْلُ وَرْشٍ وَوَقْفُهُ ... وَعِنْدَ سُكُونِ الْوَقْفِ لِلْكُلِّ أُعْمِلا وصل ورش ووقفه مبتدأ وخبره بطول وقصر: أي الوجهان له في الوصل والوقف؛ لأنه لما مد ذلك وصلا كان ذلك من باب مد المتصل وكل من مد المتصل وصلا مده وقفا لوجود الهمز الموجب لذلك، والمراد بالوجهين: المد المشبع والمتوسط، نص على ذلك المهدوي وغيره، ونبه على ذلك بقوله: بطول أي بتطويل المد والقصر عدم تطويل المد مع بقاء أصل المد ولولا إرادته لهذا المعنى لقال: بمد وقصر فوجه الإشباع جعله كالمتصل، ووجه التوسط حطه عن تلك الرتبة قليلا؛ لضعفه عن ذلك بانفتاح ما قبله، وقد بين ذلك الحصري في قصيدته فقال:

стр. 134

وفي مد عين ثم شيء وسوءة ... خلاف جرى بين الأئمة في مصرِ فقال أناس مده متوسط ... وقال أناس مفرط وبه أُقْري فإن قلت: كيف عبر الناظم ﵀ عن المد المتوسط بلفظ القصر؟، وهلا كان المفهوم منه عدم المد مطلقا كما استعمله بهذا المعنى في قوله فيما تقدم: فإن ينفصل فالقصر ... وقوله: وفي نحو طه القصر ... ؟ قلت: كأنه قال بمد طويل ومد قصير. ووجه التعبير عنه بالتوسط أنه مذهب بين مذهبين؛ الإفراط في المد وعدمه الذي هو لسائر القراء؛ لأن الياء والواو متى ما انفتح ما قبلهما لم يكن فيهما مد، وإن كانا قابلين له لو فعل فيهما لأجل همز أو ساكن كما سيأتي، والدليل على أنهما لا مد فيهما له إجراؤهما مجرى الحروف الصحيحة في إدغامهما في مثلهما نحو: ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾ ١، ﴿آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ ٢. واخشي يا هند. وإذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما فلا إدغام لما فيهما من المد، فجاز أن يعبر عن ذلك المد بالقصر أي لا يزاد عليه، وهنا لما لم يكن فيهما مد كان القصر عبارة عن مد يسيرٍ يصيران به على لفظهما إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما. ووجه قراءة ورش أن العرب أعطتهما وإن انفتح ما قبلهما حكمَ ما لم ينفتح في إدغام ما هما قبله، نحو: ثوب بكر ودويبة، وفي اجتماع النوعين ردفا في الشعر، ولا يدغمان في مقاربهما، ولا ينقل إليهما حركة الحرف الموقوف عليه في نحو: زيد وعون من لغته النقل في بكر ونصر، وذلك للمد المقدر فيهما فينزل منزلة الحركة، ثم قال: وعند سكون الوقف أراد أن يبين حكم الياء والواو المفتوح ما قبلهما عند لقائهما للساكن بعد أن بيَّن حكمهما عند الهمز، وهذا كما ذكر حكم حروف المد واللين عند الهمز ثم ذكر حكمهما عند الساكن وقد تقدم. يعني إذا وقعت الياء والواو المفتوح ما قبلهما قبل حرف سكن للوقف همزة كان أو غيره فالوجهان المذكوران وهما المد المشبع والمتوسط أعملا لجميع القراء نحو شيء وسوء وميت وخوف، وأعملا بمعنى استعملا كقول نابغة بني شيبان: أمدح الكاس ومن أعملها ... وأهجُ قوما قتلونا بالعطش ١٨١- وَعَنْهُمْ سُقُوطُ الْمَدِّ فِيهِ وَوَرْشُهُمْ ... يُوَافِقُهُمْ فِي حَيْثُ لَا هَمْزَ مُدْخَلا ذكر وجها ثالثا عن القراء وهو عدم المد في حرف اللين قبل الساكن للوقف، فصار لهم فيه ثلاثة أوجه ووافقهم ورش عليها في الوقف على كل ما لا همز فيه نحو: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ٣، ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ ٤ و ﴿فَلا فَوْتَ﴾ ٥ و ﴿الْمَوْتَ﴾ ٦.

стр. 135

فيكون له أيضا ثلاثة أوجه. وأما ما كان ساكنة همزة نحو: شيء وسوء فله فيه الوجهان المقدمان وقفا ووصلا؛ لأن مد ورش هو لأجل الهمز لا لأجل سكون الوقف، وهذه الأوجه الثلاثة في الوقف هنا هي الأوجه التي سبقت في حروف المد واللين عند سكون الوقف، ولم ينص ثَم على وجه سقوط المد، وفي نصه عليه هنا تنبيه على ذلك، واحترز أيضا بقوله هنا وعند سكون الوقف عن الوقف بالروم فلا مد فيه كما سبق في حروف المد واللين إلا في روم الهمزة فالمد باق لورش وحده لأجل الهمز فقد بان لك أن حرف اللين وهو الياء والواو المفتوح ما قبلهما لا مد فيه إلا إذا كان بعده همز أو ساكن عند من رأى ذلك فإن خلا من واحد منهما لم يجز مده فمن مد عليهم وإليهم ولديهم، ونحو ذلك وقفا أو وصلا أو مد نحو: ﴿الصَّيْفِ﴾ ١ و ﴿الْبَيْتِ﴾ ٢ و ﴿الْمَوْتُ﴾ و ﴿الْخَوْفُ﴾ ٣، في الوصل فهو مخطئ، وقوله: مدخلا نعت لما قبله والألف فيه للإطلاق إن قدرناه مبنيا على الفتح كموصوفه وهي بدل من التنوين إن قدرناه منصوبا منونا، وكلاهما جائز في صفة اللفظ المفرد المبني بعد لا، وخبر لا محذوف تقديره: لا همز فيه أي يوافقهم في مكان عدم الهمز والله أعلم. ١٨٢- وَفِي وَاوِ سَوْآتٍ خِلاَفٌ لِوَرْشِهِمْ ... وَعَنْ كُلٍّ الْمَوْءُودَةُ اقْصُرْ وَمَوْئِلا هذا الخلاف هو سقوط المد والمد. فإن قلنا بالمد على الوجهين في طوله وتوسطه فوجه المد ظاهر، ووجه تركه النظر إلى أصل ما تستحقه هذه الواو وهو الفتح؛ لأن ما وزنه فعلة بسكون العين جمعه فعلات بفتحها كتمرات وجفنات وأسكن حرف العلة تخفيفا. ويقال ترك مدها؛ لئلا يجمع بين مدتين في كلمة واحدة مقتضيهما ضعيف؛ لأن مد ما قبله فتح ضعيف، ومد ما بعد الهمز ضعيف كما سبق، ولهذا جاء في الكل بخلاف اجتماع المدتين في نحو: ﴿جَاءُوا﴾ ٤، ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٥. فإن المد قبل الهمز مجمع عليه فلم يكن في الكلمة مد مقتضيه ضعيف غير واحد وهو ما بعد الهمز. فإن قلت: كيف يمد ما بعد الهمزة في سوآت، وقبل الهمز ساكن، وليس من أصل ورش مد ذلك كما تقدم. قلت: لأن الواو حرف علة والمانع هو الساكن الصحيح على أن الواو وإن كانت ساكنة لفظا فهي متحركة تقديرا على ما بيناه، فلوحظ الأصل في ترك مدها في نفسها، وفي مد ما بعد الهمزة فالعلة واحدة والحكم

стр. 136

مختلف فيهما ولهذا ألغز الحصري هذه الكلمة في أبيات له قد ذكرناها١، والجواب عنها من نظم جماعة من المشايخ في الشرح الكبير وأطلق لفظ سوءات؛ ليتناول ما أضيف إلى ضمير التثنية وإلى ضمير الجمع نحو: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ٢، ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ٣ وأما ﴿الْمَوْؤُودَةُ﴾ ٤. فأجمعوا على ترك المدة في واوها الأولى؛ لأن الثانية بعد الهمزة ممدودة فلم يجمع بين مدتين والتزم ذلك فيها خلاف "سوءات"؛ لثقل مد الواو والهمزة المضمومة بخلاف الهمزة المفتوحة، ومد الألف بعدها وأما موئلا فترك مده؛ مشاكلة لرءوس الآى؛ لأن بعده موعدا. وقد ذكر فيه في "الموءودة" علل أخر ضعيفة تركت ذكرها هنا اختصارا، وهي مذكورة في الشرح الكبير والله سبحانه أعلم وهو على كل شيء قدير.

стр. 137

باب الهمزتين من كلمة: أي باب حكم الهمزتين المعدودتين من كلمة، وكذا معنى باب الهمزتين من كلمتين، وبعض المصنفين يجعل موضع من في، وهي ظاهرة المعنى، والهمز أول حروف المعجم، والهمز: جمع همزة كتمرة وتمر، ومصدر همز همزًا، والهمز في أصل اللغة مثل الغمز والضغط، وسمى الحروف همزة؛ لأن الصوت بها يغمز ويدفع؛ لأن في النطق بها كلفة، ولذلك تجرأ على إبدالها وتسيهلها بجميع أنواع التسهيل على ما سيأتي في أبوابه. والكلام في الهمز على طريقة مذاهب القراء يأتي في خمسة أبواب سوى ما تأخر ذكره في فرش الحروف كالمذكور في سورة الرعد من لفظ الاستفهامين، وفي الزخرف:

стр. 138

﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ ١، ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ ٢. والهمز إما أن يأتي منفردا أو منضما إلى مثله، فالمفرد ذكره في ثلاثة أبواب متوالية ستأتي، والمنضم إلى همز آخر ينقسم إلى قسمين: إلى ما هو في كلمة، وإلى ما هو في كلمتين، فرسم لكل قسم منهما بابا. واعلم أن جميع ما ذكر أنه من كلمة فالهمزة الأولى منهما همزة استفهام منفصلة تقديرا من الكلمة إلى حرفا واحدا وهو: ﴿أَئِمَّةً﴾ ٣. وأخر عن هذا الباب ما كان ينبغي أن يذكر فيه، وهو إذا اجتمعت همزتان الثانية ساكنة، فتلك كانت أولى بهذا الباب؛ لأن الكلمة مبنية على تلك الزنة بالهمزتين معا، فذكر ذلك في آخر باب الهمز المفرد، وكان ينبغي أن يذكر هنا عند ذكر أئمة، فكلا اللفظين فيه همزتان الثانية أصلها السكون كما سيأتي بيانه، وباقي المذكور في هذا الباب الأولى منها مفتوحة أبدا لا يتعلق بها حكم إلا في كلمة: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ ٤. ومعظم الخلاف إنما هو في الثانية، وهي مفتوحة ومكسورة ومضمومة. قال رحمه الله تعالى: ١٨٣- وَتَسْهِيلُ أُخْرَى هَمْزَتَيْنِ بِكِلْمةٍ ... "سَمَا" وَبِذَاتِ الْفتْحِ خُلْفٌ "لِـ"تَجْمُلا لما كانت الهمزة حرفا جلدا على اللسان في النطق بها كلفة بعيد المخرج يشبه بالسعلة؛ لكونه نبرة من الصدور توصل إلى تخفيفه، فسهل النطق به كما تسهل الطرق الشاقة والعقبة المتكلف صعودها، فلهذا سمي تخفيفها تسهيلا، ثم تخفيفها يكون على ثلاثة أنواع: الإبدال والنقل وجعْلها بين بين، وتجتمع الأنواع الثلاثة في باب وقف حمزة وهشام، وللنقل باب مختص به، والإبدال له باب الهمز المفرد، وهو يقع في المتحركة والساكنة، وأما النقل وبين بين فلا يكونان إلا في المتحركة، وهذا الباب وما بعده مختصان بما يسهَّل بين بين، ويقع فيهما ذكر الإبدال قليلا ولفظ التسهيل وإن كان يشمل هذه الأنواع الثلاثة تسمية من حيث اللغة والمعنى إلا أنه قد صار في اصطلاح القراء وكثرة استعمالهم وتردده في كلامهم كالمختص ببين بين أي تكون الهمزة بينها وبين الحرف الذي منه حركتها، وقد بيَّن ذلك في آخر الباب الذي بعد هذا. ثم الهمزة الأولى في هذا الباب لا تكون إلا مفتوحة محققة إلا أن يأتي قبلها ساكن فتنقل حركتها إليه في مذهب من يرى ذلك بشرطه نحو: "قُلَ اؤُنَبِّئُكُمْ"٥، "قُلَ اأَنْتُمْ أَعْلَمُ"٦، "قُلَ اإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ"٧. وهذا سيأتي ذكره في بابه إن شاء الله تعالى، وأخرى: بمعنى أخيرة أي الهمزة الأخيرة من همزتين واقعتين بكلمة وهي الثانية والأصل الأخرى تأنيث آخر بفتح الخاء كقوله تعالى:

стр. 139

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ١، ثم استعملت أخرى بمعنى أخيرة كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ ٢. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ٣. فقابل بهما سبحانه لفظ الأولى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ ٤. وقال تعالى أيضا: "قالت أُخْرِيهم" و: ﴿قَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ ٥. أي الفرقة المتقدمة للفرقة المتأخرة، ومنه قوله: جاء بي في أخريات الناس أي أواخرهم ولا أفعله أخرى الليالي أي أبدا. فالهمزة الأخيرة من همزتين وهي الثانية تسهيلها بأن يجعل لفظها بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة وبين الهمزة والياء إن كانت مكسورة وبين الهمزة والواو إذا كانت مضمومة والذين فعلوا هذا التسهيل مدلول قوله: سما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وسما خبر قوله: وتسهيل أخرى همزتين وإنما صح الابتداء بلفظ: تسهيل وهو نكرة؛ لتخصيصه بإضافته إلى مضاف إلى موصوف إن جعلنا "بكلمة" صفة لهمزتين أي كائنتين بكلمة كقولك: بيت رجل ذي علم مقصود، ويجوز أن تجعل "بكلمة" صفة تسهيل أي: وتسهيل واقع بكلمة في همزة ثانية سما أي ارتفع شأنه وظهر وجهه وعليه أكثر العرب واختارته الأئمة من أهل العربية؛ لأنهم إذا كانوا يستثقلون الهمزة المفردة فيخففونها بجميع أنواع تخفيفها فما الظن بها إذا اجتمعت مع همزة أخرى وقراءة باقي القراء بتحقيق الهمزة الثانية كالأولى فضد التسهيل تركه وهو إبقاء الهمز على حاله، وهذا الخلاف مختص بالهمزة المتحركة؛ لأنها هي التي يمكن جعلها بين بين. أما إذا كانت ساكنة فإبدالها واجب على ما يأتي في موضعه. قوله: وبذات الفتح؛ أي وبالهمزة الأخيرة ذات الفتح على حذف الموصوف، أي وبالهمزة المفتوحة خلف لهشام في التسهيل والتحقيق واللام في لتجملا رمز لهشام، والضمير فيها يرجع إلى الهمز أو إلى الكلمة وهو متعلق بالتسهيل؛ لأنه مصدر: أي وسهلت الهمزة الأخيرة لتجمل؛ لأن تسهيلها يخفف النطق بها فهو جمال لها، ولا يتعلق بالاستقرار المتعلق به وبذات الفتح؛ لأنه ليس في الخلف جمال لها، والجمال: الحسن، وقد جمل الشيء بالضم فهو جميل، وسيأتي لهشام تسهيل موضع من المكسورة وموضعين من المضمومة بخلاف عنه فيهما كما أن الخلاف عنه في المفتوحة لكنه استوعبها بالتسهيل؛ لثقل اجتماع المثلين وليس في كتاب التيسير

стр. 140

والعنوان والمستنير غيره، وكذا ذكر ابنا غلبون ومكي والمهدي وابن شريح، وذكر له التحقيق ابن مجاهد والنقاش وصاحب الروضة، وممن لم يذكر له إلا التحقيق أبو معشر وابن مريم والشيخ أبو محمد البغدادي وهو رواية إبراهيم بن عباد عن هشام، وذكر الوجهين أبو علي الأهوازي وابن رضوان وابن الفحام والحافظ أبو العلا الهمداني والله أعلم. ١٨٤- وَقُلْ أَلِفاً عَنْ أَهْلِ مِصْرَ تَبَدَّلَّتْ ... لِوَرْشٍ وَفي بَغْدَادَ يُرْوَى مُسَهَّلا ألفا: مفعول تبدلت أي تبدلت الهمزة الثانية المفتوحة ألفا لورش، قُلْ ذلك عن أهل مصر أي انقله عنهم وانسبه إليهم، والضمير في يروى عائد على المذكور وهي الهمزة بالصفة المتقدمة أي يروى ذلك مسهَّلًا أي بين بين كما سبق، وهي رواية العراقيين وغيرهم، وإنما ذكر يروى بعد تأنيث تبدلت والضمير فيهما للهمزة لأجل قوله: مسهلا، ثم رجع إلى التأنيث في البيت الآتي فقال: وحققها في فصلت فالتأنيث الأصل والتذكير على تأول يروى ذلك كما تقدم أو يروى الهمز والتسهيل هو الوجه المختار الجاري على القياس. وأما البدل في مثل هذا فلا يكون إلا سماعا؛ لأنه على خلاف قياس تخفيف الهمز على ما سيأتي بيانه في باب وقف حمزة. وقد قيل: إنه لغة لبعض العرب فعلى هذا إن كان بعد الهمز الثانية المبدلة ساكن طول المد لأجله نحو: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ١؛ أخذا من قوله: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن، وعلى رواية التسهيل لا مد؛ لأن المسهلة بزنة المحققة. وقيل: يمد؛ لأن المسهلة قريبة من الساكنة ولهذا لا تبتدأ بها، وليس في القرآن متحرك بعد الهمزتين في كلمة سوى موضعين الذي في هود، وهو قوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ٢ و ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ ٣ في تبارك. فهذه أصول مطردة لمن حقق أو سهل أو أبدل تأتي في جميع المواضع. ثم ذكر التي خرج فيها بعضهم عن أصله وكان الخلاف فيها غير الخلاف المقدم ذكره، وهي تسعة مواضع في طريقته وبعضهم زاد عليها، وإنما ذكرها صاحب التيسير في سورة فقال: ١٨٥- وَحَقَّقَهَا فِي فُصِّلَتْ "صُحْبَةٌ" ءأَعْـ ... ـجَمِيٌّ وَالُاولَى أَسْقِطَنَّ "لِـ"ـتُسْهِلا أي وحقق الهمزة الثانية التي هي ذات الفتح في حرف فصلت صحبة فقرءوا: ﴿أَأَعْجَمِيّ﴾ ٤. وخالف ابن ذكوان وحفص أصلها فسهلاها كما يقرؤها ابن كثير وأسقط هشام الأولى فقرأ على لفظ الخبر أي هو أعجمي وعربي أو والرسول عربي أو يكون معنى الاستفهام باقيا وإن سقطت همزته؛ للعلم بها من قرينة الحال كنظائر له فيتفق حينئذ معنى القراءتين والاستفهام هنا للإنكار.

стр. 141

ويجوز أن يكون قوله: أعجمي بدلا من حرف فصلت أو عطف بيان له، وفصل بينهما بفاعل حققها وهو صحبة وضرورة، ولك أن تجعله خبرا مبتدأ محذوف أي هو ءأعجمي، وقوله: لتسهلا أي لتركب الطريق السهل أو لتسهل اللفظ بإسقاطها، ثم إن الناظم ﵀ بعد ذكره لحرف فصلت أتبعه ما وقع فيه الخلاف بعده فلهذا ذكر ما في الأحقاف، ونون ثم ذكر ما قبل فصلت على الترتيب فقال: ١٨٦- وَهَمْزَة أَذْهَبْتُمْ فِي الأَحْقَافِ شُفِّعَتْ ... بِأُخْرَى "كَـ"مَا "دَ"امَتْ وِصَالاً مُوَصَّلا شفعت: أي جعلت شفعا بزيادة همزة التوبيخ عليها ابن كثير وابن عامر يقرآنها بهمزتين، وكل واحد منهما على أصله من التحقيق والتسهيل، وإدخال الألف بينهما على ما يأتي فالتحقيق لابن ذكوان، ولهشام التسهيل وإدخال الألف، ولابن كثيرٍ التسهيلُ من غير ألف، ولم أر في تصانيف من تقدم الناظم مَن ذَكَر لهشام التحقيق هنا فإن كان فالمد معه ولكن ليس هذا مما يؤخذ قياسا؛ ألا ترى أن ابن عامر بكماله شفع في نون مع التسهيل كما يأتي. وظاهر نظم الشاطبي أن وجه التحقيق لهشام يجري هنا لإطلاقه القول في ذلك وإجماله له مع أنه بين الذي في سورة ن وللحافظ أبي عمرو الداني ﵀ كتاب مستقل في إيضاح مذاهب القراء في الهمزتين الملتقيتين في كلمة أو كلمتين متفقتين أو مختلفتين فحكى فيه عن ابن ذكوان في: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ ١ وجهين: أحدهما تحقيق الهمزتين، والثاني بهمزة ومدة. قال: واختلف أصحاب هشام عنه فروى الحلواني عنه بهمزة مطولة قال: يعني أنه حقق همزة الاستفهام وسهل همزة القطع بعدها فجعلها بين بين وأدخل ألفا فاصلة بينهما؛ طردا لمذهبه في سائر الاستفهام، وقال أحمد بن يونس: حدثنا هشام عن أصحابه عن ابن عامر "أأذهبتم" بهمزتين ولم يذكر فصلا بينهما. قلت: ولم يذكر تحقيقا ولا تسهيلا والظاهر التسهيل؛ توفيقا ين الروايتين، ويصدق على ذلك إطلاق عبارة الهمزتين، قال الداني: وقياس رواية إبراهيم بن عباد عن هشام أن يحققها ويفصل بألف بينهما، وقوله: كما دامت نعت لمصدر محذوف أي شفعت تشفيعا دائما دواما كدوام همزة "أذهبتم" في نفسها: أي ثابتا ثباتا كثباتها. والمعنى أن ثبات التشفيع في قراءة ابن عامر وابن كثير كثبات همزة أذهبتم لا تبرح ولا تذهب أو شفعت بأخرى دائمة كدوامها فتواصلا وصالا موصلا ينقله بعض القراء إلى بعض، وقيل: كما دامت كذلك مشفعة بهمزة التوبيخ مواصلة لها في مواضع كثيرة نحو: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ٢. ويؤيده قوله في آخر السورة: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ٣.

стр. 142

ولا يمتنع الاستفهام بطريق التوبيخ عما وجد، وكان كقوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١، ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ ٢. ووجه القراءة على الخبر ظاهر والله أعلم. ١٨٧- وَفِي نُون فِي أَنْ كَانَ شَفعَ حَمْزَةٌ ... وَشُعْبَةُ أَيْضاً وَالدِّمَشْقِي مُسَهِّلا أي وفي حرف نون ثم أبدل منه قوله في أن كان بإعادة حرف الجر يريد قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٣. أي لا تطعه لأن كان ذا مال ومن زاد همزة الإنكار فمعناه ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه فحمزة وأبو بكر وهو شعبة عن عاصم زادا همزة وحققاهما على أصلهما والدمشقي وهو ابن عامر زاد همزة وسهل الثانية أي وشفع الدمشقي في حال تسهيله، خالف أصله فسهل هذا الموضع بلا خلاف وهشام يدخل ألفا بين الهمزتين على أصله كما يأتي وابن ذكوان يقرأ هنا كابن كثير في غير هذا الموضع. وذكر صاحب التيسير في سورة فصلت قال على أن بعض أهل الأداء من أصحابنا يأخذ لابن ذكوان بإشباع المد هنا يعني في -ءأعجمي- وفي ءأن كان ذا مال قياسيا على مذهب هشام قال وليس ذلك بمستقيم من طريق النظر ولا صحيح من جهة القياس وذلك أن ابن ذكوان لما لم يفصل بهذه الألف بين الهمزتين في حال تحقيقهما مع ثقل اجتماعهما علم أن فصله بها بينهما في حال تسهيله إحداهما مع خفة ذلك غير صحيح في مذهبه. ١٨٨- وَفِي آلِ عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ كَثِيرِهِمْ ... يُشَفَّعُ أَنْ يُؤْتَى إِلَى مَا تَسَهَّلاَ أي مضافا إلى ما تسهلا في مذهبه أي أنه وإن شفع: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ ٤. فهو يسهل الثانية على أصله وقراءة الباقين في هذه المواضع الثلاثة أذهبتم وأن كان وأن يؤتى بعدم التشفيع وهو الإتيان بهمزة واحدة وصاحب التيسير يعبر عن مذهب من سهل في هذه المواضع بهمزة ومدة ومراده بين بين والله أعلم. ١٨٩- وَطه وفِي الأَعْرَافِ وَالشُّعَرَا بِهَا ... ءَآمَنْتُمُ لِلكُلِّ ثَالِثًا ابْدِلاَ أي وطه بها وفي الأعراف والشعراء لفظ آمنتم وقيل بها أي بهذه السور الثلاث على زيادة في من قوله وفي الأعراف ووجه الكلام وطه والأعراف والشعراء بها ءآمنتم ولو قال مع الأعراف لما احتاج إلى هذا التكلف وثالثا نصب على التمييز وقد تقدم على عامله وفي جواز مثل ذلك خلاف النحويين ولو قال ثالثه أبدلا لخلص من ذلك وظهر المراد ولكن فيه وصل همزة القطع ومثل ذلك في التمييز قولك زيد ضربته ظهرا لأن الظهر بعضه وكذا ثالث حروف -أآمنتم- بعضها وقيل هو نصب على الحال: أي أبدل

стр. 143

همزة في حال كونه ثالثا، ولا دليل على هذا؛ بل الضمير في أبدل يعود إلى المذكور وهو أآمنتم، وأصل آمن أأمن بهمزة ثانية ساكنة ثم دخلت همزة الترفيع فاجتمعت ثلاث همزات، فأبدلت الثالثة ألفا بلا خلاف لسكونها وانفتاح ما قبلها، والثانية مختلف في تسهيلها على ما سنذكر، فعلى قراءة من سهلها يكون قد اجتمع همزتان مخففتان ليس بينهما حاجز، وقد جرى بمجلس أبي محمد مكي ذكر اجتماع همزتين مخففتين في القرآن ليس بينهما حاجز في قراءة ورش، فأجاب بأربعة أوجه؛ اثنان منها نقلت حركة الأولى إلى ساكن قبلها والثانية مسهلة بين بين أو مبدلة نحو: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ﴾ ١، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ٢. والثالث منها: الأولى بين بين والثانية مبدلة وهي: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ ٣، ﴿آلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ ٤. والرابع نحو: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ ٥، ﴿هَؤُلاءِ آلِهَةً﴾ ٦. الأولى من آية وآلهة مبدلة ياء وبعدها ألف منقلبة من همزة والله أعلم. ١٩٠- وَحَقَّقَ ثَانٍ "صُحْبَةٌ" وَلِقُنْبُلٍ ... بِإِسْقَاطِهِ الأُولى بِطَهَ تُقُبِّلا أي وحقق الهمزة الثانية من أآمنتم صحبة على أصولهم وسهلها الباقون بين بين ومن أبدل لورش الثانية في نحو "ءأنذرتهم" ألفا أبدلها أيضا ألفا ثم حذفها هنا لأجل الألف التي بعدها نص عليه أبو عمرو الداني في كتاب الإيجاز، فتبقى قراءة ورش على هذا على وزن قراءة حفص بإسقاطه الهمزة الأولى كما يأتي فلفظهما متحد ومأخذهما مختلف. واعلم أن كل من أسقط الهمزة الأولى حقق الثانية أيضا، وهو حفص في المواضع الثلاثة، وقنبل في طه كما يأتي، فليس تحقيق الثانية من خصائص صحبة إلا بتقدير اجتماعها مع الأولى، فإذا سقطت الأولى فالثانية في قراءة صحبة صارت أولى لمن أسقط الأولى، ومدلول صحبة هم حمزة والكسائي وأبو بكر، وقال ثانٍ؛ لأنه أراد الحرف ولم ينصبه ضرورة كما قال الآخر: لعلي أرى باقٍ على الحدثان ... وقنبل أسقط الأولى في طه وحقق الثانية فقرأ على لفظ الخبر. وفيه أيضا معنى التقريع والتوبيخ وإن انحذفت همزته كما يبقى معنى الاستفهام بعد حذف همزته؛ لأن قرينة الحال دالة عليها، والضمير في تقبلا للفظ: "أآمنتم" أي تقبل هذا الحرف لقنبل بسبب إسقاطه الأولى منه بسورة طه وقيل الضمير في تقبل يعود إلى الإسقاط وليس بشيء. ١٩١- وَفي كُلِّهَا حَفْصٌ وَأَبْدَلَ قُنْبُلٌ ... فِي الَاعْرَافِ مِنْهَا الْوَاوَ وَالْمُلْكِ مُوْصِلا أي وفي المواضع الثلاثة أسقط حفص الهمزة الأولى كما فعل قنبل في طه، وأبدل قنبل في سورة الأعراف منها أي من الأولى واوًا؛ لأن ما قبلها ضمة في: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ ٧.

стр. 144

والهمزة المفتوحة بعد الضمة إذا أريد تسهيلها قلبت واوًا، وفي سورة الملك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١. أبدل أيضا قنبل من همزتها الأولى واوًا كذلك؛ لأن قبلها: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٢. والهمزة الثانية في الموضعين يسهلها بين بين على أصله وهو في التي في الشعراء يقرأ كما يقرأ من يحقق الثانية، فقد غاير في قراءته بين المواضع الثلاثة في الهمزة الأولى فأسقطها في طه وأبدلها في الأعراف وأثبتها في الشعراء، وحكم ما في الملك حكم "ءأنذرتهم" وشبهه؛ لأن ليس فيها إلا همزتان، ولم يكن له حاجة بذكر التي في الملك هنا؛ فإنها ليست بلفظ هذه الكلمة ولأنه قد أفرد لها بيتا في سورتها، فلو قال هنا: في الَاعراف منها الواو في الوصل موصَلا بفتح الصاد من موصلا لكان أولى وأبين وقوله: موصلا بكسر الصاد حال من قنبل أي أبدل الأولى موصِلا لها إلى ما قبلها احترز بذلك من الوقف على فرعون أو النشور فإنه لو ابتدأ بما بعدهما لم يكن إبدال لانفصال الضمة من الهمزة، والناظم ﵀ يستعمل كثيرا في هذه القصيدة موصلا بمعنى واصلا كما يأتي في البقرة والنمل، وفيه نظر؛ فإن موصلا اسم فاعل من أوصله: إذا بلغه، ويقال: وصله به ومنه الواصلة للشعر، ويقرن لفظ الوصل بالإيصال. ووجه الاعتذار له أنهما يتلاقيان في المعنى؛ لأن الشيء إذا أوصلته إلى الشيء فقد وصلته به، وكان يمكنه من جهة وزن الشعر أن يقول: واصلا، ولكنه عدل عنه تجنُّبا للسناد الذي هو عيب من عيوب القوافي وهو تأسيس بعضها دون بعض. ١٩٢- وَإِنْ هَمْزُ وَصْلٍ بَيْنَ لاَمٍ مُسَكِّنٍ ... وَهَمْزَةِ الاِسْتِفْهَامِ فَامْدُدْهُ مُبْدِلا هذه مسألة ليست في كتاب التيسير في هذا الباب، وإنما ذكرها في سورة يونس تبعا لذكر نقل الحركة لنافع في: "آلْآنَ"٣. ولم يجعل هذه المسألة أصلا فلم يذكرها هنا ولا في سورة الأنعام؛ لأنها مما أجمع القراء عليه ولم توضع كتب القراءات إلا لبيان الحروف المختلف فيها لا المتفق عليها، ولكن جرت عادة أكثر المصنفين أن يذكروا في بعض المواضع من المتفق عليه ما يشتد إلباسه بالمختلف فيه؛ ليحصل التمييز بينهما، وهذا الموضع من ذلك القبيل، ومنه ما ذكر في آخر باب الهمز المفرد والإدغام الصغير ومسألة: ﴿لا تَأْمَنَّا﴾ ٤ في يوسف وغير ذلك، قوله: وإن همز وصل ... يعني وإن وقع همز وصل فحذف الفعل ولم يذكر له مفسرا ظاهرا، وكذا في قوله في الباب الذي بعد هذا: وإن حرف مد قبل همز مغير ... ولا بد بعد إن الشرطية من وقوع صريح أو مقدر بمفسر ظاهر نحو:

стр. 145

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١. ومن العجز من شعر الحماسة٢: ... ... إن ذو لُوثَة لاثا ووجه ما ذكره أن الظرف في البيتين دال على المفسر وهو ما يتعلق الظرف به فالتقدير: وإن همز وصل وقع بعد لام إلى آخره وإن حرف مد وقع قبل همز مغير، وأراد أن همزة الوصل التي دخلت على لام التعريف إذا دخل عليها همزة الاستفهام أبدلت ألفا ومدت لأجل سكون اللام بعدها، وكان القياس أن تحذف همزة الوصل؛ لأنه استغني عنها بدخول همزة الاستفهام عليها كما في قوله: ﴿أفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٣ في سورة سبأ. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ٤. ولكن في لغة العرب الفرق بينهما؛ لأنها لو حذفت مع لام التعريف لاقتبس الاستفهام بالخبر؛ لأن همزة الوصل فيه مفتوحة كهمزة الاستفهام، وهي في: "أفترى، وأصطفى" مكسورة ففتح همزتها دليل على أنها للاستفهام لا للخبر فأعرضت العرب عن حذف همزة الوصل مع لام التعريف إذا دخل الاستفهام عليها وأبدلتها ألفا والهاء في قوله: فامدده لهمز الوصل، وكذا في قوله: ويقصره ... في البيت الآتي وهو مجاز؛ فإن الهمزة لا تقبل المد ولا القصر كسائر الحروف غير حروف العلة الثلاثة، ولكن أطلق عليه صفة ما يبدل منه وهو الألف ومبدلا حال ولو كان بفتح الدال لقوي هذا المعنى، ويجوز أن يكون من باب القلب؛ لأمن الإلباس كأنه أراد: فأبدله مادا أي حرف مد، وهذا هو حقيقة المعنى المراد، وجملة ما وقع في القرآن من ذلك ستة مواضع متفق عليها وهي: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ٥ موضعان في الأنعام: ﴿آلْآنَ﴾ ٦ موضعان في يونس وفيها: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ٧. وفي النمل: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ ٨. وفي يونس موضع سابع مختلف فيه وهو: "آلسِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ"٩. فهو في قراءة أبي عمرو من هذا الباب وهو في قراءة الباقين خبر والله أعلم.
следующие страницы →