← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واثنان لهما معا، وهما التاء والنون نحو: "هل ترى"، "بل تأتيهم". "هل ننبئكم"، "بل نحن". فلو أن الناظم قال: ألا بل وهل تروي نوى هل ثوى وبل ... سرى ظل ضر زائد طال وابتلا لزال ذلك الإيهام أي لام هل وبل لهما التاء والنون وهل وحدها الثاء وليل الخمسة الباقية و"ألا" حرف تنبيه يستفتح به الكلام ثم قال: بل فأضرب عن الأول وهو الإخبار ثم استفهم، فقال: هل تروي أي هل تروي هذا الكلام الذي أقوله وهو ثنا ظعن زينب إلى آخره كأنه يستدعي منه أن يسمعه ذلك ومعنى ثنا كف وصرف، والظن: السير، والسمير والمسامر: هو المحدث ليلا، وأضافه إلى نواها لمخالطته إياه كأنه يسامره أي سير زينب صرف محبها عن حاجته، والطلح بكسر الطاء: الغي وأضافه إلى الضر؛ لأنه منه نشأ وهو منصوب على الحال من سمير نواها، ومبتلى عطف عليه أي صرفته في هذه الحال، ويجوز أن يكون ضمن ثنى: معنى صير، فيكون طلح ضر مفعولا ثانيا والله أعلم بالصواب. ٢٧١- فَأَدْغَمَهَا "رَ"اوٍ وَأَدْغَمَ فَاضِلٌ ... وَقُورٌ "ثـ"ـنَاهُ "سَـ"ـرّ "تـ"ـيْماً وَقَدْ حَلا أي فأدغم لامهما الكسائي عند جميع الحروف والباقون على إظهارها عند الجميع إلا حمزة وأبا عمرو وهشاما فإنهم فصلوا فأدغموا في بعض وأظهروا في بعض. أما حمزة فأدغم في ثلاثة أحرف: الثاء والسين والتاء وأظهر عند البواقي والواو في وقور، وفي وقد حلا فاصلة والوقور ذو الحلم والرزانة وتيم اسم قبيلة مستقلة من غير قريش وينسب حمزة إليها بالولاء أو بالنسب فقد وافق التضمين معنى لائقا بالقارئ أي ثناؤه سر قومه ومواليه والثناء ممدود وإنما قصره في قوله ثناء والله أعلم بالصواب. ٢٧٢- وَبَلْ فِي النِّسَا خَلاَّدُهُمْ بِخِلاَفِهِ ... وَفِي هَلْ تَرَى الإدْغَامُ حُبَّ وَحُمِّلا أي أن خلادا له خلاف في قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ ١؛ في سورة النساء، وأدغم أبو عمرو: "هل ترى" وهو في موضعين: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ ٢ فُطُورٍ﴾ ، ﴿هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ٣، وأظهر باقي جميع هذا الباب.

стр. 212

٢٧٣- وَأَظْهِرْ لَدى وَاعٍ "نَـ"ـبِيلٍ "ضَـ"ـماَتُهُ ... وَفِي الرَّعْدِ هَلْ وَاسْتَوْفِ لاَ زَاجِراً هَلا أي أظهر هشام عند النون والضاد مطلقا وعند التاء في الرعد في قوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ﴾ ١، وأدغم الباقي ولم يدغم أحد الذي في الرعد لأن حمزة والكسائي يقرآن: "يستوي" بالياء وهما أهل الإدغام أو هشام استثناه؛ لأنه يقرؤه بالتاء وباقي القراء أهل الإظهار والواو في واعٍ واستوفِ فاصلة أي واستوف جميع هذا الباب غير زاجر بهلا وهي كلمة يزجر بها الخيل فحذف الخافض والتقدير لا قائلا هلا؛ لأن الزجر قول فعداه تعديته، والمعنى خذه بغير كلفة ولا تعب؛ لأني قد أوضحته وقربته إلى فهم من أراده والله أعلم.

стр. 213

باب: اتفاقهم في إدغام "إذ" و"قد" وتاء التأنيث و"هل" و"بل" هذا الباب ليس في التيسير، وهو من عجيب التبويب في مثل هذا الباب؛ فإنه لم ينظم هذه القصيدة إلا لبيان مواضع خلاف القراء، لا لما أجمعوا عليه؛ فإن ما أجمعوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، فذكر ما أجمعوا عليه يطول، ولكن قد يعرض في بعض المواضع ما يختلفون فيه وما يجمعون عليه، والكل من باب واحد، فينص على الجمع عليه مبالغة في البيان، ولأن من هذا الباب ما أجمعوا على إظهاره في الأنواع كلها نحو: ﴿إِذْ قَالُوا﴾ ، ﴿قَدْ تَرَى﴾ ، و ﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ ، ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُم﴾ ، ﴿بَلْ قَالُوا﴾ ، ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ، "بل أدركه". وما أجمعوا على إدغامه وما اختلفوا فيه، فلما ذكر المختلف فيه بقي المجمع عليه، وهو منقسم إلى مدغم ومظهر، فنظم المدغم لقلته، فبقي ما عداه مظهرًا. ٢٧٤- وَلاَ خُلفَ فِي الإِدْغَامِ إِذْ "ذَ"لَّ "ظ"ـاَلِمٌ ... وَقَدْ "تـ"ـيَّمَتْ "دَ"عْدٌ وَسِيمًا تَبَتَّلا أي أدغموا ذال إذ في مثلها نحو: ﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ . وفي الظاء لأنها من مخرجها نحو: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ . وأدغموا دال قد في مثلها نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ .

стр. 214

وفي التاء لأنها من مخرجها نحو: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي﴾ . ولم يقع في القرآن إذ عند الثاء المثلثة ولا عند الطاء المهملة وإلا لوجب الإدغام للموافقة في المخرج، والوسيم الحسن الوجه، وتبتل أي انقطع، وكذلك لا خلاف في إظهار ذال إذ ودال قد عند خمسة أحرف يجمعها بل نفر. ٢٧٥- وَقَامَتْ "تُـ"ـرِيِه "دُ"مُيْةٌ "طـ"ـيبَ وَصْفِهَا ... وَقُلْ بَلْ وَهَلْ "ر"اهَا "لَـ"ـبَيبٌ وَيَعْقِلا أي ولا خلاف في إدغام تاء التأنيث في مثلها وفي الحرفين اللذين من مخرج التاء وهما الدال والطاء المهملتان نحو: ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ١، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ ٢، ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ﴾ ٣، ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ٤، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ ٥، ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ ٦. والواو في وصفها فاصلة وقد تكررت، والدمية الصورة من العاج ونحوه وتشبه بها المرأة وجمعها دمى، ثم ذكر أن اللام من "هل" و"بل" واجبة الإدغام في مثلها نحو: ﴿بَل لَا تُكْرِمُونَ﴾ ، ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ . وفي الراء؛ لقربها منها نحو: ﴿بَلْ رَانَ﴾ ، "هل رأيتم". واللام من -قل- مثلهما في ذلك نحو: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ ، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ﴾ . فيجوز أن يكون قصد ذلك في قوله: "وقل، بل، وهل" أي لام هذه الكلمات الثلاث تدغم في مثلها وفي الراء ويجوز أن يكون لم يقصد ذلك وإنما وقع منه كلمة "وقل" تتميم للنظم كما وقع مثل ذلك في كلم عديدة من هذه القصيدة، وهذا الوجه هو الظاهر؛ لأن الباب معقود فيما اتفق عليه من إدغام ما سبق الخلاف فيه، والذي سبق ذكره من اللامات المختلف فيها هو لام بل وهل ولم يجمع هذا الباب ذكر جميع ما اتفق عليه ولهذا لم يذكر "قل" في ترجمة الباب. فإن قلت: لم أدغم "هل ترى"، "بل تأتيهم"، ولم يدغم: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ ؟ قلت: لأن قل فعل قد أعل بحذف عينه فلم يجمع إلى ذلك حذف لامه بالإدغام من غير ضرورة و"بل" و"هل" كلمتان لم يحذف منهما شيء فأدغم لامهما، فإن قلت: فقد أجمعوا على إدغام "قل ربي" قلت لشدة القرب بين اللام والراء وبعد اللام من التاء والله أعلم.

стр. 215

وقوله: راها بألف بعد الراء أراد راءها بهمزة بعد الألف مقلوب رآها بألف بعد الهمزة وكلاهما لغة كقوله: ويلمه لو راءه مروان، فقصر الناظم الممدود من هذه اللغة، ونصب قوله: ويعقلا على جواب الاستفهام بالواو والله أعلم. ٢٧٦- وَمَا أَوْلُ المِثْلَينِ فِيهِ مُسَكَّنٌ ... فَلاَ بُدَّ مِنْ إِدْغَامِهِ مُتَمَثِّلا لما ذكر أن الذال من "إذ" والدال من "قد" وتاء التأنيث واللام من "بل" و"هل" تدغم كل واحدة في مثلها خاف أن يظن أن ذلك مختص بهذه الكلمات، فتدارك ذلك بأن عمم الحكم، وقال: كل مثلين التقيا وأولهما ساكن فواجب إدغامه في الثاني لغة وقراءة، وسواء كان ذلك في كلمة نحو: "يدرككم الموت" أو في كلمتين نحو: "ما تقدم"، ولا يخرج من هذا العموم إلا حرف المد نحو: ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ ١، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ . فإنه يمد عند القراء ولا يدغم، وقرأت في حاشية نسخة قرئت على المصنف ﵀ قوله متمثلا يريد متشخصًا لا هوائيًّا واحترز بهذا عن الياء والواو إذا كانتا حرفي مد. قلت: وهذا احتراز فيه بعد من جهة أن متمثلا غير مشعر بذلك إذا أطلق والله أعلم. وفي: ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٢. خلاف والمختار الوقف على ماليه فإن وصل لم يتأت الوصل إلا بالإدغام أو تحريك الساكن وقال مكي في التبصرة: يلزم من ألقى الحركة في: "كتابيهْ إني" أن يدغم: "ماليه هلك"؛ لأنه قد أجراها مجرى الأصلي حين ألقى الحركة وقدر ثبوتها في الوصل. قال: وبالإظهار قرأت، وعليه العمل، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. قلت: يعني بالإظهار أن يقف على "ماليه" وقفة لطيفة، وأما إن وصل فلا يمكن غير الإدغام أو التحريك وإن خلا اللفظ من أحدهما كان القارئ واقفا، وهو لا يدري بسرعة الوصل، وإن كان الحرفان في كلمة واحدة مختلفتين إلا أنهما من مخرج واحد نحو: "حصدتم"، و"وعدتم"، و"ألم نخلقكم"، و"إن طردتهم". فالإدغام لكونهما من مخرج واحد في كلمة واحدة ذكره الشيخ في شرحه، وهذا مما يدل على أن الساكن من المثلين والمتقاربين أثقل من المتحرك؛ حيث أجمع على إدغام الساكن واختلف في إدغام المتحرك ونظير هذا ما تقدم من اجتماع الهمزتين والثانية ساكنة؛ فإنهم أوجبوا إبدالها، وإن كانت متحركة جوزوا تسهيلها ولم

стр. 216

يوجبوه، وما ذكرناه من أن حرف المد لا يدغم قد ادعى فيه أبو علي الأهوازي الإجماع، فقال في كتابه الكبير المسمى بالإيضاح: المثلان إذا اجتمعا وكانا واوين قبل الأولى منهما ضمة أو ياءين قبل الأولى منهما كسرة فإنهم أجمعوا على أنهما يمدان قليلا ويظهران بلا تشديد ولا إفراط في التليين؛ بل بالتجويد والتبيين مثل: ﴿آمَنُوا وَكَانُوا﴾ ١، في يوسف: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ ٢. قال: وعلى هذا وجدت أئمة القراءة في كل الأمصار، ولا يجوز غير ذلك فمن خالف هذا فقد غلط في الرواية وأخطأ في الدراية. قال: فأما الواو إذا انفتح ما قبلها وأتى بعدها واو من كلمة أخرى فإن إدغامها حينئذ إجماع مثل: ﴿عَفَوْا وَقَالُوا﴾ ، ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾ ، ﴿آَوَوْا وَنَصَرُوا﴾ ، ﴿اتَّقَوْا وَآَمَنُوا﴾ ... ونحو ذلك وذكر أن بعض شيوخه خالف في هذا والله سبحانه أعلم.

стр. 217

باب: حروف قربت مخارجها هذه العبارة من الناظم، وسبقه إليها غيره، وإنما ذكر صاحب التيسير ما في هذا الباب في فصل وكذا الباب الذي بعده في فصل آخر، وفي هذه العبارة بحث، وذلك أن جميع ما سبق هو إدغام حروف قربت محارجها، فما وجه اختصاص ما في هذا الباب بهذه العبارة؟، ولو كان زادها لفظ "أخر" فقال: "باب حروف أخر قربت مخارجها" لكان حسنا، ووجه ما ذكره أن الذي سبق هو كما نبهنا عليه في أول الباب: إدغام حرف عند حروف متعددة من كلمات، والذي في هذا الباب هو إدغام حرف في حرف، كالباء في الفاء، وعكسه في عكسه، واللام في الذال؛ والذال في التاء، والراء في اللام، والباء في الميم، أو في حرفين كالثاء في التاء، والذال نحو: "أورثتموها"، "لبثتم"، "يلهث ذلك". والدال في الثاء والذال، نحو: "يرد ثواب"، "ص ذِكْر". والنون في الواو والميم، نحو: "يس والقرآن"، "ن والقلم"، "طسم". فكأنه نزل ما في هذا الباب منزلة فرش الحروف من أبواب الأصول، لقلة حروفه ودوره، أي باب حروف منشورة في مواضع مخصوصة، والله أعلم.

стр. 218

٢٧٧- وَإِدْغَامُ باءِ الجَزْمِ فِي الفَاءٍ "قَـ"ـدْ "ر"سَا ... "حَـ"ـمِيداً وَخَيِّرْ فِي يَتُبْ "قـ"ـاَصِداً وَلا أضاف الباء إلى الجزم الداخل عليها أراد الباء المجزومة وهي في خمسة مواضع أما ثلاثة منها فالباء فيها مجزومة بلا خلاف عند النحويين: ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ ١، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ ٢، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ ٣. والموضعان الآخران الباء فيهما مجزومة عند الكوفيين دون البصريين، وهما: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ﴾ ، ﴿اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ﴾ . فلأجل الاختصار سمي الكل جزما، واختار قول الكوفيين والبصريون يسمون نحو هذا وقفا فلو عبر عن الكل بالوقف لكان خطأ؛ لأن أحدا لم يقل في الثلاثة الأول إنها موقوفة والاختصار منعه أن ينص على كل ضرب باسمه وصفته أي ادغم الباء الموصوفة في الفاء خلاد والكسائي وأبو عمرو ولخلاد خلاف في قوله تعالى في الحجرات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ . وعبر عن الخلاف بلفظ التخيير؛ إذ لا مزية لأحد الوجهين على الآخر فأنت فيها مخير؛ لأن الكل صحيح ومثله ما تقدم في سورة الفاتحة وقالون بتخييره جلا، وهذه عبارة صاحب التيسير هنا، فإنه قال: وخير خلاد في: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ . وأظهر ذلك الباقون وأثنى على الإدغام بأنه قد رسا حميدا أي ثبت محمودا خلافا لمن ضعفه هنا وقاصدا حال والولاء بالفتح النصر أي قاصدا بالتخيير نصر الوجهين المخير فيهما. فإن قلت: لم قال وإدغام باء الجزم. قلت: لأن الباء غير مجزومة لم تدغم إلا في رواية شاذة عن أبي عمرو في الإدغام الكبير؛ لأنه إدغام متحرك لا ريب فيه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا﴾ ، ﴿مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ﴾ . ٢٧٨- وَمَعْ جَزْمِهِ يَفْعَلْ بِذلِكَ "سَـ"ـلَّمُوا ... وَنَخْسِفْ بِهِمْ "رَ"اعَوْا وَشَذَّا تَثَقُّلا الهاء في جزمه ليفعل؛ لأنه مؤخر في المعنى نحو: في بيته يؤتي الحكم، أي وإدغام لفظ يفعل مع جزمه أي حال كونه مجزوما وحرف العطف كما يجوز دخوله على الجملة يدخل أيضا على ما يتعلق بها نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ ٤؛ أي: وترى يوم، ومعناه أدغم أبو الحارث عن الكسائي اللام المجزومة من يفعل ذال "ذلك" وهو:

стр. 219

"ومن يفعل ذلك". في ستة مواضع في القرآن في البقرة وآل عمران وفي النساء موضعان وفي سورة المنافقين والفرقان فإن لم يكن يفعل مجزوما لم يدغم نحو: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ١. وقوله: سلموا أي سلموه من الطعن بما احتجوا له به: "ويخسف بهم" في سورة سبأ راعوا إدغامه أي راقبوه فقرءوا به ولم يلتفتوا إلى من رده أي أدغم الفاء المجزومة في الباء الكسائي وحده فإن تحركت لم تدغم نحو: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ﴾ ٢. والألف في قوله: وشذا ضمير يفعل ويخسف: أي شذ إدغام هذين الحرفين عند أهل النحو فهم يضعفونه وتثقلا أي إدغاما وهو تمييز: أي وشذ إدغامهما أو حال على تقدير ذوي تثقل: ٢٧٩- وَعُذْتُ عَلَى إِدْغَامِهِ وَنَبَذْتُهَا ... شَوَاهِدُ "حَـ"ـمَّادٍ وَأَورِثْتُوُا "حَـ"ـلا ٢٨٠- "لَـ"ـهُ "شَـ"ـرْعُهُ وَالرَّاءُ جَزْماً يِلاَمِهَا ... كَـ: وَاصِبرْ لِحُكْمِ "طـ"ـالَ بُالْخُلْفُ "يَـ"ـذْبُلا أي أدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو الذال في التاء في كلمتين وهما: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ﴾ ٣ في غافر الذنب والدخان وفي طه: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ ٤. وأدغم الثاء في التاء في: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ ٥ في الأعراف والزخرف هؤلاء مع هشام ونبذتها عطف على الهاء في إدغامه أي على إدغام "عذت" وإدغام "نبذتها" شواهد حماد أو التقدير: ونبذتها كذلك، والضمير في "له" لحماد؛ أي شواهد قارئ كثير الحمد وشواهد حماد وحلا له شرعه كلام حسن ظاهرا وباطنا ومعنى شرعه طريقه، والراء جزما أي مجزومة أي ذات جزم ونصبه على الحال أي أدغمت في حال جزمها بلامها أي في اللام المعهود إدغامها فيها كما سبق في الإدغام الكبير نحو: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ٦، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ ٧، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ٨.

стр. 220

أدغمها السوسي؛؛ لأنه يدغمها متحركة فساكنة أولى وعن الدوري خلاف؛ لأن الساكن يدغم منه ما لا يدغم من المحرك على ما سبق في الياء واللام والفاء ولم يذكر صاحب التيسير هذا التفصيل بل ذكر الإدغام عن أبي عمرو نفسه وقال بخلاف بين أهل العراق في ذلك ويذبل اسم جبل أي طال الإدغام في شهرته عن أبي عمرو يذبل أي علاء خلافا لما قاله النحاة. وإلى هنا تم كلام الناظم في الإدغام فيأخذ للباقين الإظهار في جميع ذلك، ثم عبر في المواضع الباقية من هذا الباب بالإظهار فيأخذ للمسكوت عنه الإدغام فقال: ٢٨١- وَيس اظْهِرْ "عَـ"ـنْ "فَـ"ـتى "حَـ"ـقُهُ "بَـ"ـدَا ... وَنُون وَفيهِ الْخِلْفُ عَنْ وَرْشِهمْ خَلا حرك النون من هيجاء ياسين و"ن" بالفتح، وحقها أن ينطق بها ساكنة على الحكاية، وإنما فعل ذلك لضرورة الشعر إذا الساكنان لا يلتقيان في حشو النظم وكذا نون من: "طس". كما يأتي ودال صاد مريم واختار حركة الفتح على حد قوله في أول آل عمران: "ألم الله". فإنه لما وجب تحريك الميم للساكن بعدها فتحت فكذا في هذه المواضع ولا يجوز أن يكون إعرابها ففتحها؛ لأنه مفعول به كما تعرب المبنيات من الحروف عند قصد الألفاظ كما يأتي في شرح قوله وكم لو وليت؛ لأنه لو قصد ذلك لنون؛ إذ لا مانع من الصرف على هذا التقدير؛ لأنه لم يرد اسم السورة وإنما أراد هذا اللفظ والوزن مستقيم له في "يس"، و"ن" فيقول: وياسينا أظهر بنقل حركة همزة أظهر إلى التنوين، ثم يقول: ونونا ثم هو على حذف مضاف أي ونون ياسين أظهر، وكذا نون "نون"، ودال "صاد"، ونون "طس"، وكان ينبغي أن يذكر النون من هذه الحروف في باب أحكام النون الساكنة والتنوين؛ لأنه منه وفرع من فروعه؛ وإنما ذكره هنا لأجل صاد مريم؛ لئلا يتفرق عليه ذكر هذه الحروف، ولم يذكرها صاحب التيسير إلا في مواضعها من السور أي أظهر النون من: "يس" و"ن" حفص وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وقالون، وأدغم الباقون، وعن ورش وجهان في نون: ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ خاصة. ومعنى خلا: مضى أي بق ذكر المتقدمين له ووجه الإدغام في ذلك ظاهر قياسا على كل نون ساكنة قبل واو على ما يأتي في الباب الآتي ووجه الإظهار: أن حروف الهجاء في فواتح السور وغيرها حقها أن يوقف عليها مبينا لفظها؛ لأنها ألفاظ مقطعة غير منتظمة ولا مركبة، ولذلك بنيت ولم تعرب: ٢٨٢- وَ"حِرْمِيُّ" "نَـ"ـصْرِ صَادَ مَرْيَمَ مَنْ يُرِدْ ... ثَوَابَ لَبِثْتَ الفَرْدَ وَالجَمْعُ وَصَّلا أي أظهر نافع وابن كثير وعاصم جميع ما في هذا البيت وهو ثلاثة أحرف: الدال من هجاء صاد في:

стр. 221

﴿كهيعص، ذِكْرُ﴾ ، ولا خلاف في إظهارها من: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ ١؛ فلهذا ميزها منها بقوله: صاد مريم وأظهروا الدال عند الثاء المثلثة من قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ﴾ ٢؛ حيث وقع وأظهروا الثاء عند التاء من "لبثت" كيفما وقع فردا وجمعا فالفرد "لبثت" بضم التاء وفتحها نحو: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ﴾ ٣، والجمع نحو قال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤ دون قوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ ٥. فهو وإن كان جمعا إلا أنه ليس فيه تاء والمدغم إنما هو الثاء عند التاء لأن المثال الذي ذكره كذلك وهو لبثت ثم قال الفرد والجمع يعني من هذا اللفظ دون غيره وقوله صاد مريم مفعول وصل في آخر البيت وكذا ما بعده ولهذا نصب نعت لبثت، وهو الفرد والجمع أي وصل هذا المجموع، ويجوز أن يكون ذلك مفعول فعل مضمر أي أظهر صاد مريم وما بعده؛ لأن الكلام في الإظهار ويقع في بعض النسخ للفرد والجمع بالضم. قال الشيخ ﵀: هو مثل: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ ٦ في قراءة ابن عامر، ولا حاجة إلى العدول عن النصب عطفا على صاد مريم؛ لأن حكم الكل واحد فلا معنى لقطع بعضه عن بعض والله أعلم. ثم قال: وصل أي وصل هذه الجملة إلينا بالإظهار والضمير في وصل عائد على لفظة حرمي نصر؛ لأنه مفرد دال على مثنى كما سبق تقريره في الرموز فهو كقوله في موضع آخر حرميه كلا ولا تكون الألف في وصلا ضمير تثنية؛ لأن القارئ ثلاثة لا إثنان فلم يبق إلا أن تكون الألف للإطلاق: ٢٨٣- وَطس عِنْدَ المِيم "فَـ"ـازَا اتَخَذْتُمْ ... أَخَذْتُمْ وَفِي الإِفْرَادِ "عَـ"ـاشَرَ "دَ"غْفَلا أي ونون "طس" فاز بالإظهار عند الميم يعني "طسم" في أول الشعراء، والقصص احترازا من الذي في أول النمل فإن نونه مظهرة بلا خلاف والفاء رمز حمزة وأظهر حفص وابن كثير الذال من نحو:

стр. 222

﴿اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ١، ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ٢. فهذا ضمير الجمع ثم قال: وفي الإفراد يعني نحو: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٣، ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ ٤، ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ٥، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ٦. وتقدير الكلام: إظهار اتخذتم في الجميع وفي الإفراد عاشر دغفلا، ويقال عيش دغفل أي واسع وعام دغفل أي مخصب يشير إلى ظهور الإظهار وسعة الاحتجاج له، ولا مانع من توهم أن إظهار اتخذتم وأخذتم لفاز ثم قال وفي الإفراد حفص وابن كثير والواو فصل. ٢٨٤- وَفِي ارْكَب "هُـ"ـدى "بَـ"ـرٍ "قَـ"ـرِيبٍ بِخُلْفِهِمْ ... "كَـ"ـمَا "ضـ"ـاَعَ "جـ"ـاَ يَلْهَثْ "لَـ"ـهُ "دَ"ارِ "جُـ"ـهَّلا أي والإظهار في اركب هدى قارئ ذي بر متواضع يعني قوله تعالى في سورة هود: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ ، أظهر الباء البزي وقالون وخلاد بخلف عنهم، وأظهرها ابن عامر وخلف وورش بلا خلاف وأظهر الثاء من: ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ ٧ هشام وابن كثير وورش ويلهث موضعان في الأعراف الخلاف في الثاني منهما والأول لا خلاف في إظهار ثائه فكان ينبغي أن يقيده كما قيد صاد مريم. فإن قلت: الثاء لا تدغم في الهمزة فهلا اغتفر أمرها؟ قلت: والدال لا تدغم في الواو فهلا اغتفر أمرها والبر بفتح الباء ذو البر وضاع أي انتشر واشتهر من ضاع الطيب إذا فاحت رائحته، ودار فعل أمر من دارى يداري وجهلا جمع جاهل وما أطبع اقتران هذه الكلمة في الظاهر كما ضاع جا يلهث: ٢٨٥- وَقَالُونُ ذُو خُلْفٍ وَفِي الْبَقَرَهْ فَقُلْ ... يُعَذِّبْ "دَ"نَا بالْخُلْفِ "جَـ"ـوْدًا وَمُوبِلا قد تقدم في شرح الخطبة أنه إنما سمى قالون هنا بعد الرمز؛ لأنه يذكر الخلف له كأنه مستأنف مسألة أخرى كقوله: وبصروهم أدري، ولهذا قال: ذو خلف بالرفع؛ لأنه خبر وقالون الذي هو مبتدأ، ولو عطف قالون على ما قبله لقال: ذا خلف نصبا على الحال يعني لقالون خلاف في الثاء من يلهث، وأما: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٨. في آخر البقرة فابن عامر وعاصم يضمان الباء كما سيأتي في موضعه والباقون من القراء يسكنونها ثم

стр. 223

ثم انقسموا فمنهم من أظهرها وهو ورش، وعن ابن كثير خلاف، وأدغم الباقون، وأسكن الناظم الهاء من البقرة ضرورة، وكذا ما يأتي مثله وهو جائز للشاعر في الضرورة، قال الراجز: لما رأى أن لا دعه ولا شبع والجود المطر الغزير ونصبه على الحال أي ذا جود وموبلا عطف عليه وهو اسم فاعل من أوبلا وقد استعمل فعله في سورة الأنعام فقال: حمى صوبه بالخلف در وأوبلا والمعروف: وبلت السماء فهي وابلة والوابل المطر الغزير، فيجوز أن يكون أوبلا مثل أغدوا جرب أي صار ذا وبل، وقيل: الموبل: الذي أتى بالوبل وهو المطر والله أعلم.

стр. 224

باب: أحكام النون الساكنة والتنوين التنوين: نون ساكنة أيضًا. وإنما جمع بينهما في الذكر؛ لأن التنوين اسمٌ لنون ساكنة مخصوصة، وهي التي تلحق الكلمة بعد كمال لفظها؛ لا للتأكيد، ولا ثبات لها في الوقف، ولا في الخط. وأحكامها أربعة، وهي: الإظهار، والإدغام، والقلب، والإخفاء. ثم الإدغام يكون بغنة في موضع؛ وبعدمها في موضع. ومختلف فيها في موضع، وسيأتي جميع ذلك. ولأجل هذه الأحكام الزائدة على ما مضى أفرد لهما بابا، والله أعلم. ٢٨٦- وَكُلُّهُمُ التَّنْوينَ وَالنُّونَ ادْغَمُوا ... بِلاَ غُنَّةٍ فِي الّلاَمِ وَالرَّا لِيَجْمُلا أي: كل القراء أدغموهما في اللام والراء للقلب، وأسقطوا غنة التنوين والنون منهما؛ لتنزلهما من اللام والراء منزلة المثل؛ لشدة القرب، والضمير في ليجملا للام والراء أو التنوين والنون، ولم يقيد النون في نظمه بالسكون؛ اجتزاء بذكر ذلك في ترجمة الباب ولو قال وقد أدغموا التنوين والنون ساكنا لحصل التقييد ولم يضر إسقاط لفظ كل؛ لأن الضمير في أدغموا يغني عنه. ٢٨٧- وَكُلٌّ بِـ: يَنْمُو أَدْغَمُوا مَعَ غُنَّةٍ ... وَفِي الوَاوِ وَاليَا دُونَهَا خَلَفٌ تَلا جرت عادة المصنفين أن يقولوا النون الساكنة تدغم في حروف كلمة يرملون فلما قدم الناظم في البيت السابق ذكر اللام والراء جمع الباقي من حروف يرملون في كلمة ينمو أي كل القراء أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو وهي أربعة: الياء والنون والميم والواو ولم يذهبوا غنتهما معها؛ لأن حروف ينمو ليست في القرب إليها كقرب اللام والراء. قال الشيخ ﵀: اعلم أن حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء لا إدغام وإنما يقولون له إدغام مجازا، وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبين الغنة؛ لأن ظهور الغنة يمنع تمحض الإدغام؛ لأنه لا بد من تشديد يسير فيهما وهو قول الأكابر، قالوا: الإخفاء ما بقيت معه الغنة، وأما عند النون والميم فهو إدغام محض؛ لأن في كل واحد من المدغم والمدغم فيه غنة وإذا ذهبت إحداهما بالإدغام بقيت الأخرى وخلف أدغمهما عند الواو والياء بلا غنة كما يفعل عند اللام والراء فهو إدغام محض على قراءته، وقوله: دونها أي دون الغنة

стр. 225

وفي اللغة: حذف الغنة وإبقاؤها جائز عند الحروف الستة، ويستثنى مما نسبه في هذا البيت إلى الكل وإلى خلف ما سبق ذكره من نوني: "يس"، و"ن والقلم". ٢٨٨- وَعِنْدَهُمَا لِلكُلِ أَظْهِرْ بِكِلْمَةٍ ... مَخَافَةَ إِشْبَاهِ المُضَاعَفِ أَثْقَلا أي وعند الواو والياء أظهر النون الساكنة إذا جاءت قبلهما في كلمة واحدة نحو صنوان وقنوان والدنيا وبنيانه؛ لأنك لو أدغمت لأشبه ما أصله التضعيف وهذا كاستثناء السوسي همزة: ﴿وَرِئْيًا﴾ ١. يبدلها خوفا من أن يشبه لفظه لفظ الري كما تقدم ولم تلتق النون الساكنة في كلمة بلام ولا راء ولا ميم في القرآن العزيز فلهذا لم يذكر من حروف يرملون غير الواو والياء وأما النون إذا لقيها فيجب الإدغام للمثلية وأما التنوين فلا مدخل له في وسط الكلمة ولا في أولها، وأثقلا حال من فاعل إشباه وهو الذي فيه الكلام وإشباه مصدر أشبه كإكرام مصدر أكرم وأضيف إلى المفعول وهو المضاعف أي مخافة إشباه هذا الذي ذكرناه وهو صنوان ونحوه في حال كونه ثقيلا أي مدغما المضاعف فالمضاعف هو المفعول أضيف إليه المصدر نحو عجبت من إكرام زيد أي من إكرام عمرو له، والمضاعف: هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان وحتان ورمان والله أعلم. ٢٨٩- وَعِنْدَ حُرُوفِ الْحَلْقِ لِلكُلِ أُظْهِرَا ... "أَ"لاَ "هـ"ـاَجَ "حُـ"ـكْمٌ "عَـ"ـمَّ "خـ"ـاَليهِ "غُـ"ـفَّلا يعني أظهر التنوين والنون الساكنة لكل القراء إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق؛ لبعدهما منها سواء كان ذلك في كلمة أو كلمتين ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات من ألا إلى آخر البيت وحروف الحلق سبعة ذكر منها ستة وبقي واحد وهو الألف وإنما لم يذكرها؛ لأنها لا تأتي أول كلمة ولا بعد ساكن أصلا؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة فمثالهما عند الهمزة: "كل آمن، وينأون، من أسلم". ولا توجد نون ساكنة قبل همزة في القرآن في كلمة غير ينأون ومثالهما عند الهاء: "جرف هار، منها، من هاجر إليهم". ومثالهما عند الحاء: "نار حامية"، "وانحر"، "من حاد الله"، و"عند العين" "حقيق على"، ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢. "من عمل". وعند الخاء، "يومئذ خاشعة"، و"المنخنقة" و"من خاف". و"إن خفتم" و"من خزي". وعند الغين: "من ماء غير آسن"، "فسينغضون" "من غل". وقوله: "خاليهِ" أي ماضيهِ، وغفلا جمع غافل، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى الموت أو إلى البعث ومجازاة كل بعمله فهذا حكم عظيم عم الغافلين عنه كقوله:

стр. 226

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ ١. وفي مواعظ الحسن البصري ﵀: أيها الناس إن هذا الموت قد فضح الدنيا فلم يبق لذي لب فرحا، وما أحسن قول بعضهم: يا غفلة شاملة للقوم ... كأنما يرونها في النوم ميت غد يحمل ميت اليوم وقوله: "ألا": استفتاح كلام، و"هاج" بمعنى هيج الغافل هذا الحكم أي حركه فلم يدع له قرارا ولا هناء بعيش أيقظنا الله تعالى بفضله من هذه الغفلة: ٢٩٠- وَقَلْبُهُمَا مِيماً لَدَى الْيَا وَأَخْفِيا ... عَلَى غُنَّةٍ عِنْدَ الْبَوَاقِي لِيَكْمُلاَ أي الموضع الذي تقلبان فيه ميما هو عند الباء يعني إذا التقت النون الساكنة مع الباء في كلمة نحو: "أنبئهم، أو في كلمتين نحو: "أن بورك". وإذا التقى التنوين مع الباء، ولا يكون ذلك إلا في كلمتين نحو: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ، قلبا ميما؛ ليخف النطق بهما؛ لأن الميم من مخرج الباء وفيها غنة كغنة النون فتوسطت بينهما، ولم يقع في القرآن ولا فيما دون من كلام العرب ميم ساكنة قبل ياء في كلمة واحدة فلم يخف إلباس في مثل عنبر ومنبر وعند باقي الحروف غير هذه الثلاثة عشر وغير الألف أخفي التنوين والنون مع بقاء غنتهما؛ لأنها لم يستحكم فيها البعد ولا القرب منهما فلما توسطت أعطيت حكما وسطا بين الإظهار والإدغام وهو الإخفاء، وسواء في ذلك ما كان في كلمة وما كان في كلمتين نحو: "أنتم، أنذر الناس، أنشأكم، أنفسكم، إن تتوبا، من جاء بالحسنة، إن كنتم، أن قالوا بخلق جديد، غفور شكور، على كل شيء قدير، أزواجا ثلاثة". وقوله: ليكملا؛ أي: ليكملا بوجوههما وهي لام العاقبة أي لتؤل عاقبتهما إلى كمال أحكامهما؛ لأن هذه الوجوه هي التي لهما في اللغة وهي الإدغام في حروف "يرملون" الستة، والإظهار في حروف الحلق الستة أيضا، والقلب عند الباء والإخفاء في البواقي، ثم الإدغام بغنة وبغير غنة، فكمل ذكرها في النظم من هذه الوجوه والله أعلم.

стр. 227

باب: الفتح والإمالة وبين اللفظين الفتح هنا ضد الإمالة؛ وهو منقسم إلى فتح شديد، وفتح متوسط؛ فالشديد هو نهاية فتح القارئ لفيه بلفظ الحرف الذي بعده ألف، ويسمى التفخيم، والقراء يعدلون عنه، ولا يستعملونه، وأكثر ما يوجد في ألفاظ أهل خراسان، ومن قرب منهم،؛ لأن طباعهم في العجمة جرت عليه، فاستعملوه كذلك في اللغة العربية، وهو

стр. 228

في القراءة مكروه معيب، هذا قول أبي عمرو الداني في كتاب "الموضح" قال: والفتح المتوسط هو ما بين الفتح الشديد والإمالة المتوسطة، وهذا الذي يستعمله أصحاب الفتح من القراء، قال: والإمالة أيضا على ضربين: إمالة متوسطة، وإمالة شديدة، والقراء يستعملونهما معًا؛ فالإمالة المتوسطة حقها أن يؤتى بالحرف بين الفتح المتوسط وبين الإمالة الشديدة، والإمالة الشديدة حقها أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء، من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ، قال: والإمالة والفتح لغتان مشهورتان فاشيتان على ألسنة الفصحاء من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فالفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامة أهل نجد، من تميم وقيس وأسد قال: وعلماؤنا مختلفون في أي هذه الأوجه الثلاثة أوجه وأولى، وأختار الإمالة الوسطى التي بين بين؛ لأن الغرض من الإمالة حاصل بها، وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في موضع، أو مشاكلتها للكسر المجاور لها أو الياء، ثم أسند حديثا عن حذيفة بن اليمان أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن بألحان العرب" وفي رواية: "بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين". قال: فالإمالة لا شك من الأحرف السبعة، ومن لحون العرب وأصواتها، وهي مذاهبها وطباعها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكع حدثنا الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء، قال: يعني بالألف والياء التفخيم والإمالة. قلت: وصنف كل واحد من أبي الطيب ابن غلبون، وأبي عمرو الداني في هذا الباب مجلدة، قصراها على حكم الإمالة وما يتعلق بها، وكتاب الداني متأخر عن كتاب ابن غلبون، فلذلك فوائده أكثر، وذكر الشيخ ﵀ في هذا الباب معظم ما تقع فيه الإمالة في القرآن من أصول مطردة، وحروف منفردة وأخر من ذلك قليلا فذكره في مواضعه من السور، تبعا لصاحب التيسير. كـ: "التوراة"، و"ناداه" في آل عمران، و"ناه"، و"استهواه"، و"رأى" في الأنعام، و"را"، و"طا"، و"ها"، و"يا" من فواتح السور، و"أدري"، في أول سورة يونس، "وبشراى" في يوسف وغيره، ذكر ذلك في الباب أو بعضه، ويجوز في قوله وبين اللفظين: فتح النون من بين على الظرفية، أي والحالة هي بين اللفظين، أي بين لفظي الفتح والإمالة، ويجوز كسر النون عطفا على الفتح والإمالة، ولفظ بين تارة يجري بوجوه الإعراب، كقوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ١، وتارة ينصب على الظرف والإعراب يجري على ما هي تابعة له، وقرئ بالوجهين قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ٢ بالرفع والنصب عاما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى والله أعلم.

стр. 229

٢٩١- وَحَمْزَةُ مِنْهُمْ وَالكِسَائِيُّ بَعْدَهُ ... أَمَالاَ ذَوَاتِ الْياَءِ حَيْثُ تأَصَّلا منهم أي: من القراء كقولهم: أنت منهم الفارس الشجاع أي من بينهم والكسائي بعده؛ لأنه أخذ عنه أمالا ذوات الياء يعني الألفات التي انقلبت عن الياء احترازا عن ذوات الواو وهي الألفات التي انقلبت عن الواو، فاجتزأ بالصفة لشهرتها عن الموصوف والإمالة تقع في الألف والهاء والراء وهذا الباب جميعه في إمالة الألف والذي بعده في إمالة الهاء والثالث في إمالة الراء على ما سيأتي بيانه ثم الألف تكون أصلية ومنقلبة وتارة زائدة، واعلم أن كل ألف منقلبة عن ياء فجائز إمالتها وهي أن تكون عينا أو لاما فالعين نحو باع وسار؛ لأنهما من البيع والسير وهذا النوع جائز الإمالة لغة مطلقا وقراءة في بعض المواضع الآتية نحو: "جاء"، و"شاء"، واللام نحو "هدى" و"رمى"١. فهذا هو الذي يمال مطلقا عند القراء لمن مذهبه الإمالة، وأطلق الناظم ذوات الياء، وهو لفظ يقع على الضربين ومراده الضرب الثاني، ولم يبين في نظمه الحرف الذي تقع فيه الإمالة، ولو أنه قال: أمال الكسائي بعد حمزة إن تطـ ... ـرفت ألفاتٌ حيث ياء تأصلا لذكر الحرف الممال وشرطيه وهما كونه عن ياء وكونه طرفا أي تكون لام الفعل وإنما خص لقراء الإمالة بذلك؛ لأنه طرف والأطراف محل التغيير غالبا والإمالة تغيير؛ فإنها إزالة الألف عن استقامتها وتحريف لها عن مخرجها إلى نحو مخرج الياء ولفظها، وأخذ لها هذا الاسم من أمالت الرمح ونحوه إذا عوجته عن استقامته أي أما لا ألفات الياء إن تطرفت احترازا من المتوسطة فقوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ ٢ يمال وكذا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ ٣؛ لتوسط الألف فيها والألف في أثاب عن واو في الأصل، وإنما يجوز إمالتها لغة؛ لأن الفعل قد زادت حروفه فرجع إلى ذوات الياء على ما سيأتي في شرح قوله وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال وقوله حيث تأصلا قال الشيخ: أي حيث كان الياء أصلا وهو أحد أسباب الإمالة وأكثر أنواعها استعمالا وإنما أميلت الألف؛ لتدل على الأصل. قلت: فكأن قوله حيث تأصلا خرج مخرج التعليل؛ فإن "حيث" من ظروف المكان، وإذ من ظروف الزمان تأتي كل واحدة منهما وفيها معنى التعليل نحو قولك: حيث جاء زيد فلا بد من إكرامه، وإذ خرج فلا بد من التزامه أي لأجل أن الياء أصلها أميلت ولم يخرج ذلك مخرج الاشتراط فإن هذا شرط مستغنى عنه بقوله: ذوات الياء كما قال صاحب التيسير: كان حمزة والكسائي يميلان كل ما كان من الأسماء والأفعال من ذوات الياء، ولم يرد على ذلك لكنه ما أراد بذوات الياء إلا كل ألف تنقلب ياء في تثنية أو جمع أو عند رد الفعل إلى المتكلم أو غيره فيدخل في ذلك ما الياء فيه أصل وما ليست بأصل، ولهذا مثل: "موسى" و"عيسى" و"إحدى" و"يتامى".

стр. 230

ونحوه ما ألفه للتأنيث ثم قال: وكذلك: "الهدى" و"العمى". ونحوه مما الألف فيه منقلبة عن ياء فجمع بين النوعين فعبر عنهما بذوات الياء فيجوز أن يكون الناظم سلك هذا المسلك وقسم ذوات الياء إلى ما الألف فيه أصل وإلى ما الألف فيه للتأنيث وسيأتي كل ذلك ويجوز أن يكون المراد تأكيد ما تقدم أي أن الإمالة لا تقع في قراءتهما إلا حيث كانت الياء التي انقلبت عنها الألف أصلا وهذا وإن كان معلوما من قوله: ذوات الياء فإن ذلك لا يقال إلا لما كانت الياء فيه أصلا فإنه غير معلوم من اللفظ بل من قاعدة علم التصريف فنص عليه لفظا وغرضه إعلام أن الإمالة لهما لا تقع في الألفات الزوائد كألف نائم ولاعب، وإنما تقع في ألف منقلبة عن ياء هي لام الكلمة، ويجوز أن يكون المعنى حيث تأصلا الياء أي تمكنت تمكنا تاما بحيث رسمت الكلمة بها لا بالواو، فأميلت الألف موافقة للرسم فهذه ثلاثة أوجه في معنى هذا الكلام إن كان فاعل تأصلا ضميرا عائدا على الياء والألف فيه للإطلاق، ويجوز أن تكون الألف للتثنية وهي ضمير عائد على حمزة والكسائي، وله وجهان من المعاني: أحدهما في المواضع التي تأصلاها أي أنهما أصلا لها أصلا فكل ما دخل في ذلك الأصل والضابط أمالاه ثم بين الأصل والضابط بالبيت الآتي. والثاني أن المعنى حيث تأصلا هما؛ أي: كانا أصلا في باب الإمالة؛ لاستيعابهما منهما ما لم يستوعب غيرهما فكل من أمال شيئا فهو تابع لهما أو لأحدهما في الغالب أي فعمما جميع ذوات الياء؛ لأنهما ليس من مذهبهما تخصيص أفراد من الكلم بالإمالة بخلاف ما فعل غيرهما كما ستراه ثم لا فرق في إمالة هذه الألف المنقلبة عن الياء لهما بين ما هي مرسومة في المصحف بالياء وما هي مرسومة بالألف فإن من ذوات الياء ما رسم في المصحف بالألف كما ترسم ذوات الواو نحو: "طغا" و"تولاه" و"أقصا المدينة" و"الأقصا" و"العليا" و"الدنيا" ... وغير ذلك. وأما الحياة فلم تمل، وإن كانت ألفها منقلبة عن ياء عند قوم؛ لأن ألفها رسمت واوا في المصحف، ولأن الخلاف قد وقع في أصل ألفها فوقع الشك في سبب لإمالة فتركت وعدل إلى الفتح فإنه الأصل، وكل ما أميل ففتحه جائز، وليس كل ما فتح إمالته جائزة، ثم من ضرورة إمالة الألف حيث تمال أن ينحى بالحرف الذي قبلها نحو الكسرة ثم إن حمزة والكسائي يميلان الألف الموصوفة بالأوصاف المذكورة حيث وجدت إلا في مواضع خالف فيها بعضهم أصله وفي مواضع زاد معهم غيرهم ثم بين ذات الياء فقال: ٢٩٢- وَتَثْنِيَةُ الأسْماءِ تَكْشِفَها وَإِنْ ... رَدَدْتَ إِلَيْكَ الْفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهلا الهاء في تكشفها لذوات الياء؛ أو الألف الممالة المفهومة من سياق الكلام أي تكشف لك أصلها إن كانت في اسم تثنية نحو: "قال لفتاه"؛ لأن هذا لو ثنى لانقلبت الألف ياء نحو:

стр. 231

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ ١ وكذا ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ ٢، لو ثنيته لقلت: عميان وهذا بخلاف: "الصفا" و ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ ٣، و ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ ، و ﴿عَصَاهُ﴾ ، و ﴿عَصَايَ﴾ ، و ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾ . فإن الألف في ذلك كله أصلها الواو، ويثني جميع ذلك بها، وأما الألف في الأفعال فيكشفها أن تنسب الفعل إلى نفسك وإلى مخاطبك فإن انقلبت فيه ياء أملتها نحو: "رمى" و"سعى"؛ لأنك تقول: رميت وسعيت بخلاف: دعا وعفا وخلا وبدا وعلا ونجا، فإنك تقول فيهما: دعوت وعفوت ... إلى آخرها، ويكشفها لك أيضا لفظ المضارع نحو يدعو ويعفو، ولحوق ضمير التثنية نحو: دعوا وعفوا، والاشتقاق يكشف الأمرين نحو الرمي والسعي والعفو والعلو، فإن قلت: من جملة الأسماء الممالة ما لا تظهر التثنية ياءه التي انقلبت الألف عنها نحو الحوايا جمع حاوية فالألف عن ياء كائنة في المفرد وفي تثنية المفرد ولكن اللفظ الممال في القرآن لا يثنى فلم يكشف هذا اللفظ تثنية فكيف قال: وتثنية الأسماء تكشفها؟ قلت: ذكر ذلك كالعلامة؛ والعلامة قد لا تعم ولكنها تضبط الأكثر والحد يشمل الجميع، وهو قوله: ذوات الياء والألف من آخر الحوايا من ذوت الياء وأصلها حواوي على حد ضوارب؛ لأنه جمع حاوية وهي المباعر، على أنك لو قدرت من هذا فعلا، ورددته إلى نفسك لظهرت الياء نحو حويت، وصاحب التيسير ذكر هذا الحرف مع يتامى وأيامى فجعل الجميع في باب فعالى الذي يأتي ذكره، وقوله: صادفت منهلا أي موردا للإمالة، وهذه استعارة حسنة؛ لأن طالب العلم يوصف بالعطش فحسن أن يعبر عن بغيته ومطلوبه بالمورد، كما يعبر عن كثرة تحصيله بالري فيقال هو ريان من العلم ثم مثل ذوات اليا من الأسماء والأفعال فقال: ٢٩٣- هَدى وَاشْتَرَاهُ وَالهَوى وَهُدَاهُمُ ... وَفِي أَلِفِ التَّأْنِيثِ فِي الكُلِّ مَيَّلا لأنك تقول: هديت واشتريت وهويان وهديان فمثل بفعلين واسمين، ثم ذكر أن حمزة والكسائي ميلا أيضا ألف التأنيث في كل موضع وقعت فيه فقوله: وفي ألف متعلق بميلا أي أوقعا الإمالة فيها فهو من باب قوله: ذي الرمة يجرح في عراقيبها نصلي، وقوله: في الكل بدل من ألف التأنيث أي: وفي كل ما فيه ألف التأنيث أوقعا الإمالة، وخالف حمزة أصله في الرؤيا على ما يأتي، وليست ألف التأنيث منقلبة عن ياء وإلا لاستغني عنها بما تقدم وإنما هي مشبهة بالمنقلبة عن الياء لأجل أنها تصير ياء في التثنية والجمع تقول حبليان وحبليات. فإن قلت: ظهرت فائدة قوله: فيما قبل حيث تأصلا فإن ألف التأنيث ليست أصلا فاحترز عنها. قلت: ولماذا يحترز عنها وهي ممالة لهما كما أن الأصلية ممالة لهما فلا وجه للاحتراز إن كانت ألف التأنيث داخلة في مطلق قوله: ذوات الياء وهو ممنوع، وإذا لم تكن داخلة فلا احتراز، ولم يبق فيه إلا التأكيد أو المعاني التي تقدم ذكرها، ثم ذكر الأمثلة التي توجد فيها ألف التأنيث المقصورة وهي الممالة فقال:

стр. 232

٢٩٤- وَكَيْفَ جَرَتْ فَعْلى فَفيهَا وُجُودُهَا ... وَإِنْ ضُمَّ أَوْ يُفْتَحْ فُعَالى فَحَصِّلا أي وجود ألف التأنيث في موزون فعلى كيف جرت بفتح الفاء أو بكسرها أو بضمها نحو "السلوى"" و"التقوى" و"الموتى" و"مرضى" و"إحدى" و"سيما" و"ذكرى" و"الدنيا" و"القربى" و"الأنثى" وكذلك في "فعالى" بضم الفاء وفتحها نحو كسالى ويتامى والتحق بهذا الباب موسى وعيسى ويحيى وهو مذهب القراء اعتمادا على أنها فعلى فعلى وفعلى والفاء في فحصلا ليس برمز لأن مراده بهذا البيت بيان محل ألف التأنيث ولأنه سيقول بعد هذا وعسى أيضا أمالا والضمير لحمزة والكسائي ولو كان فحصلا رمز اللزوم بعد ذلك إذا ذكر مسألة أن يرمز لها أو يصرح باسم القارئ ولا يأتي بضمير من تقدم إلا إذا كان الباب كله واحدا على أنه يشكل على هذا أنه سيذكر اختصاص الكسائي بإمالة مواضع ثم قال بعدها وأما ضحاها والضحى والربى مع القوى فأمالاها ويذكر أيضا ما تفرد به حفص عن الكسائي ثم قال: ومما أمالاه، وجوابه أنه صرح باسم الكسائي وحفص فلا إلباس، وأما بعد الرمز فلم يفعل مثل ذلك لما فيه من الإلباس وأراد فحصلا بالنون الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا في الوقف ثم ذكر أنهما أمالا أشياء أخر لم تدخل في الضابط المتقدم من ذوات اليء الأصلية ولا في ضابط ألف التأنيث ولكنها من المرسومات بالياء فقال: ٢٩٥- وَفِي اسْمٍ فِي الِاستِفْهَامِ أَنَّى وَفِي مَتى ... مَعاً وَعَسى أَيْضاً أَمَالاَ وَقُلْ بَلى أي وأوقع الإمالة في اسم استعمل في الاستفهام وهو أنى وإن كان قد استعمل غير استفهام وهو إذا وقع شرطا نحو: أنى تقم أقم معك إلا أنه في القرآن للاستفهام، ولهذا قال صاحب التيسير: أمالا "أنَّى" التي بمعنى كيف، نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١، ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ٢. قلت: وغرضهم من هذا القيد أن يفصلوها من أنا المركبة من أن واسمها نحو: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ٣. وهو احتراز بعيد؛ فإن أحدا لا يتوهم الإمالة في مثل ذلك، ثم قال: وفي "متى" أي وأوقعا الإمالة أيضا في "متى"، ومعا حال من حمزة والكسائي أي أوقعا معا الإمالة في ذلك أو حال من أتى ومتى، بمعنى أنهما اصطحبا في الإمالة والاستفهام. وقال الشيخ: مراده أن ألف التأنيث أيضا في اسم استعمل في الاستفهام، وهو أنى ومتى فأما أنى فكان ابن مجاهد يختار أن يكون فعلى فقال الداني وزنها فعلى وهو كقولهم قوم تلى أي صرعى وليلة غمى إذا كان على السماء غيم وألف متى مجهول فأشبهت ألف التأنيث في ذلك فأميلت، ونص النحاة على أنه لو سمي بها وبيلى لثنيا بالياء وهذا صحيح، ولكن من أين يلزم إذا كانت ألفها مجهولة أن تكون للتأنيث، وإنما وزنها فعل، والألف لام الكلمة على أن الحروف وما تضمن معناها من الأسماء لا يتصرف فيها بوزن ولا ينظر في ألفاتها فـ"متى" كإلى وبلى في ذلك.

стр. 233

ثم قال: وأمالا عسى وبلى أما عسى ففعل تقول فيه: عسيت فالألف منقلبة عن ياء فهو داخل في ما تقدم فلم يكن له حاجة إلى إفراده بالذكر، ولكنه تبع صاحب التيسير في ذلك فإنه قال بعد أنى: وكذلك متى وبلى وعسى حيث وقع ولعله إنما أفرده بالذكر؛ لأنه لا يتصرف، وقيل إن بعض النحاة زعم أنها حرف كما أطلق الزجاجي على كان وأخواتها أنها حروف بمعنى أنها أدوات للمعاني التي اكتسبتها الجمل معها، ولما كفت بلى في الجواب ضارعت بذلك الاسم والفعل فأميلت ألفها وقيل إن ألف بلى أيضا بل للتأنيث وهو حرف لحقه ألف التأنيث كما لحقت تاء التأنيث ثم ورب، وأصلها بل فيجوز على هذا أن يقال ألف أنى كذلك وأصلها أن، ثم خرج هذان الحرفان عن معناهما المعروف بلحوق ألف التأنيث لهما إلى معنى آخر فصار أنى على وزن شتى ورسمت أنى ومتى وبلى بالياء وكذا عسى وعيسى ويحيى وموسى وإلحاق الألف في شيء من ذلك بألف التأنيث بعيد بل هي قسم برأسها، فكأنه قال أمالا ذوات الياء الأصلية وغير الأصلية مما رسمت ألفه ياء وغير الأصلية على ضربين ألف تأنيث وملحق بها، ولو قال عوض هذا البيت: وموسى عسى عيسى ويحيى وفي متى ... وأنى للاستفهام تأتى وفي بلا لكان أحسن وأجمع للغرض، وتبعناه في ذكر عسى، وإن كانت داخلة في قسم الياء الأصلية وخلصنا من جزرفة العبارة في قوله: وفي اسم في الاستفهام أنى، والضمير في "تأتى" للإمالة وما أبعد دعوى أن الألف في موسى وعيسى ويحيى للتأنيث فموسى وعيسى معربان ويحيى إن كان عربيا فوزنه يفعل والكلام في النبي المسمى بيحيى ﵇، وأما نحو قوله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ١، وقوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢، فوزنه يفعل والله أعلم. ٢٩٦- وَمَا رَسَمُوا باليَاءِ غَيْرَ لَدى وَمَا ... زَكى وَإِلى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى أي وأمالا كل ما رسم في المصحف بالياء من الألفات وإن لم تكن الياء أصلية إتباعا للرسم، ولأنها قد تعود إلى الياء في صورة وذلك ضحى في الأعراف وطه: "وضحاها"، "ودحيها" في والنازعات، وفي والشمس وضحيها: "وتلاها"، "وطحاها"، "والضحى"، "وسجى". فهذا جميع ما رسم من ذوات الواو بالياء على ما ذكره في قصيدته الرائية لكن: "تلاها" "وطحاها" "وسجى"، لم يملها إلا الكسائي وحده كما يأتي، وإمالتهما "ضحى" في الأعراف وطه تبنى على خلاف يأتي في آخر الباب وأما:

стр. 234

"ويلتى" و"حسرتى" و"أسفى". فألفاتها مع كونها مرسومة بالياء منقلبة عن ياء بالإضافة فقويت الإمالة فيها وهذا البيت لا يظهر له فائدة إلا في هذه الألفاظ الثلاثة فإن الياء التي انقلبت عنها الألف ليست بأصل في الكلمة فلم تدخل في قوله: "حيث تأصلا" ويظهر أيضا فائدته في إمالة "ضحى" في الأعراف على قول من يقول إنه إذا وقف عليه كان الوقف على ألفه الأصلية وأما باقي الكلمات التي ذكرت أنها رسمت بالياء وهي من ذوات الواو فكانت تعرف من ذكره إمالة رءوس الآى وأما نحو: "أدنى" و"أزكى" و"يدعى" و"تتلى". فتعلم إمالته من البيت الآتي؛ فإنه من الثلاثي الزائد، ثم ذكر أنه استثنى مما رسم بالياء وليست الياء أصله خمس كلمات: فلم تمل وهي اسم وفعل وثلاثة أحرف فالاسم "لدى" لم يمل أنه رسم بالألف في يوسف وبالياء في غافر، وألفه مجهولة فلم يمل؛ ليجري مجرى واحدا والفعل: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ١. هو من ذوات الواو فلم يمل تنبيها على ذلك، والحروف إلى وحتى وعلى لم تمل؛ لأن فلا حظ لها في الإمالة بطريق الأصالة إنما هي للأفعال والأسماء فلم يؤثر فيها رسمها بالياء وكل ما أميل من الحروف بلى ويا في الندا ولا في أمالا لإغنائها عن الجمل فأشبهت الفعل والاسم وقول الناظم من بعد حتى الدال من بعد مجرورة وبعضهم اختار ضمها وقدر حذف واو العطف من قوله حتى، ومعنى الوجهين ظاهر، وإذا كسرنا الدال كان التقدير من بعد استثناء حتى، وكذا معنى قولي أنا فيما تقدم: أمال الكسائي بعد حمزة أي بعد إمالة حمزة: ٢٩٧- وَكُلُّ ثُلاَثِيٍّ يِزِيدُ فَإِنَّهُ ... مُمَالٌ كَزَكَّاهَا وَأنْجَى مَعَ ابْتَلى أي كل لفظ ثلاثي ألفه عن واو إذا زيد في حروفه الأصول حرف فأكثر فصار كلمة أخرى أميل؛ لأن واوه تصير ياء إذا اعتبرتها بالعلامات المقدم ذكرها، وذلك كالزيادة في الفعل بحروف المضارعة وآلة التعدية وغيرها نحو: "ترضى"٢، "وتدعى"٣ "وتتلى"٤ "ويدعى"٥، "وتبلى"٦، "ويزكى"٧، "وتزكى"٨، "وزكاها"٩، "ونجانا الله منها"١٠، ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ ١١، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ١٢، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ ١٣.

стр. 235

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ١، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ ٢، ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾ ٣. ومن ذلك أفعل في الأسماء نحو: "أدنى، وأرى، وأزكى، وأعلى"؛ لأن لفظ الماضي من ذلك كله تظهر فيه الياء إذا رددت الفعل إلى نفسك نحو: زكيت ورضيت وابتليت وأعليت، وأما فيما لم يسم فاعله نحو "تدعى" فلظهور الياء في دعيت ويدعيان، فقد بان أن الثلاثي المزيد يكون اسما نحو أدنى وفعلا ماضيا نحو أنجى وابتلى ومضارعا مبنيا للفاعل نحو يرضى وللمفعول نحو يدعى. ولو قال الناظم رحمه الله تعالى: وكل ثلاثيٍّ مزيد أمله مثـ ... ـل يرضى وتدعى ثم أدنى مع ابتلى لجمع أنواع ذلك، وقد نص صاحب التيسير وغيره على أن ذلك يمال، وجعل سببه الزيادة فقال: الإمالة شائعة في "تدعى" و"تتلى" و"اعتدى" و"استعلى" و"أنجى" و"نجى" وشبهه؛ لانتقاله بالزيادة إلى ذوات الياء، قلت: الزيادة في أوله إذا كانت مفتوحة ظهرت الواو نحو يدعو ويتلو، فإذا ضمت قلبت الواو ألفا؛ لانفتاح ما قبلها فمن أين تجيء الياء؟ وأين الزيادة التي اقتضت ذلك؟ لا جائز أن تكون حرف المضارعة فإنها موجودة في حالة الضم وجودها في حالة الفتح، والضم والفتح حركتان متقابلتان فليس إمالة هذا لأجل الزيادة وإنما لأجل أن الياء ظهرت في الماضي في قولك: دعى، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها والمضارع فرع عن الماضي فلهذا اعتقد في ألف تدعى أنها ياء وأميلت مع أن رسم المصحف الكريم فيها بالياء، وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ ٤ وارد على ما ذكره في هذا البيت فإنه ثلاثي زاد ولا يمال؛ لأن ألفه ليست طرفا وهو لم يشترط الطرف فلهذا ورد والله أعلم. ٢٩٨- وَلَكِنَّ أَحْيَا عَنْهُمَا بَعْدَ وَاوِهِ ... وَفِيمَا سَوَاهُ لِلكِسَائِي مُيِّلا أي إذا جاء أحيا أو يحيي بعد الواو فإنهما أمالاه، قال في التيسير: واتفقا يعني الكسائي مع حمزة على الإمالة في قوله: "ويحيى"، "ولا يحيى"، ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ٥ إذا كان منسوقا بالواو وتفرد الكسائي دون حمزة بإمالة: "أحياكم" و"فأحيا به" و"أحياها" حيث وقع، إذا نسق ذلك بالفاء أو لم ينسق لا غير، وإنما ذكر هذا البيت؛ ليبين ما انفرد به الكسائي، ولهذا أتى بحرف "لكن"

стр. 236

التي للاستدراك وإلا فما اجتمعا عليه من ذلك داخل في ذوات الياء فكأنه قال أمالا الجميع لكن كذا وكذا تفرد به الكسائي ثم استوفى جميع ما انفرد به الكسائي من ذلك وغيره فقال: ٢٩٩- وَرُءْيَايَ وَالرءُيَا وَمَرْضَاتِ كَيْفَمَا ... أَتَى وَخَطَايَا مِثْلُهُ مُتَقَبَّلا رؤيا: فعلى مستثناة مما فيه ألف التأنيث ومرضاة مفعلة من الرضوان ترجع ألفها إلى الياء في التثنية والجمع فهي كمغزى ومدعى؛ لأن ألفها ترجع إلى الياء في الماضي نحو رضيت، وذكر مكي في الثلاثي الزائد مرضاة وكمشكاة؛ لأن ضابطه ما كانت ألف الإمالة فيه رابعة فصاعدا، فمرضاة مستثناة من ذلك لحمزة بخلاف مزجاة فإنها ممالة لهما وقوله كيف ما أتى يعنى نحو مرضاة الله ومرضاتي بخلاف الرؤيا فإنه لم يملها كيف ما أتت؛ لأن رؤياك لم يملها إلا الدوري عنه كما يأتي فلهذا قال ورؤياي والرؤيا أي هاتان اللفظتان مع ما بعدهما ممال للكسائي وخطايا مثله أي مثل مرضاة يميلها كيف ما أتت نحو: "خطايانا، خطاياكم، وخطاياهم". والإمالة في ألفها الأخيرة لأجل الياء قبلها، ولأنها من ياء؛ لأنها جمع خطية بغير همز عند الفراء كهدية وهدايا وعند غيره أصلها خطايىء بياء بعدها همزة فمنهم من يقول همزت الياء كما تهمز في صحائف فاجتمع همزتان، فأبدلت الثانية ياء فاجتمع بعد ألف الجمع همزة عارضة في الجمع وياء فوجب قلب الهمزة ياء والياء ألفا على قياس قولهم مطايا ومنهم من يقول قدمت الهمزة وأخرت الياء ثم فعل ذلك "وأما الحوايا" فأمالها حمزة والكسائي وألفها عن ياء وهو على وزن خطايا، ومتقبلا حال من خطايا أو من ضمير مرضاة ويجوز أن يكون تمييزا على أن يكون متقبلا بمعنى قبولا مثل قولهم على التمرة مثلها زيدا ولا مانع من حيث اصطلاحه من أن يكون متقبلا رمزا وكذا ما بعده من قوله ليس أمرك مشكلا ويجتلا والذي أذعت به إلى آخره ويكون ما في كل بيت لمن رمز له. فإن قلت هو في باب إمالة حمزة والكسائي فجميعه لا يخلو عنهما أو عن أحدهما ولهذا يذكر ما انفرد به الكسائي ثم يذكر ما اتفقا عليه فيقول مع "القوى" فأمالاها ولو كان ما اعترض به رمزا لما صح له هذا الضمير إذ تقدم جماعة، فلا يتعين من يعود إليه الضمير وكذا يذكر ما تفرد به الدوري ثم يقول ومما أمالاه وذلك مما يدل على أن قوله: "قد انجلا" ليس برمز. قلت: كل هذا صحيح معلوم أنه ليس برمز في نفس الأمر ولكن من حيث اصطلاحه يوهم ذلك والله أعلم. ٣٠٠- وَمَحْيَاهُمُوا أَيْضًا وَحَقَّ تُقَاتِهِ ... وَفِي قَدْ هَدَانِي لَيْسَ أمْرُكَ مُشْكِلا أراد: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾ ١، في الجاثية: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٢ في آل عمران، ووافق حمزة الكسائي على إمالة الأول فيها وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣.

стр. 237

لأنه رسم بالياء في الأول وفي الثاني بالألف فاتبع الرسم فيهما وكلاهما من ذوات الياء والأصل تقية. ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ ١. في أول الأنعام وصوابه في البيت بغير ياء؛ لأن قراءة الكسائي كذلك والبيت متزن بالقبض وقيده بقد احترازًا من الذي في آخر السورة: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي﴾ ٢، وفي الزمر: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ ٣؛ فإن ذلك ممال لحمزة والكسائي معًا على أصلهما والياء فيهما ثابتة بإجماعهم. ٣٠١- وَفِي الْكَهْفِ أَنْسَاني وَمَنْ قَبْلُ جَاءَ مَنْ ... عَصَاني وَأَوْصَاني بِمَرْيَمَ يُجْتَلا أراد: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾ ، ومن قبل الكهف جاء في إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ٤، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ﴾ ٥. في مريم ويجتلا ليس برمز: ٣٠٢- وَفِيهَا وَفِي طس آتَانِيَ الَّذِي ... اذَعْتُ بِهِ حَتَّى تَضَوَّعَ مَنْدَلا أي وفي مريم والنمل لفظ: "آتاني، يريد"، ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ٦، ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ ٧؛ بخلاف الذي في هود فإنه ممال لهما، وقوله: أذعت به أي أفشيته من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ ٨؛ أي أفشوه، والمراد أني جهدت بالنص على إمالته ولم أسر ذلك، ولكن في اللفظ إشكال؛ لأنه إن كان فعل هذا قبل هذا الكلام فأين ذكره، وإن كان ما فعله إلا بهذا الكلام لم تصح هذه العبارة؛ لأن حق ما يوصل به الذي يكون معلوما للمخاطب، وهذا لم يعلمه بعد إلا من هذا العبارة فإن جاز ذلك فينبغي أن يجوز أن يقال: جاءني الذي أكرمته ويكون إكرامك له لم يعرف إلا من هذه اللفظ، وهذا لا يجوز فالوجه في هذا أن يقال "الذي" مفعول فعل مقدر وتضرع محذوف إحدى تائيه، وهو مضارع لا ماضٍ وتقدير الكلام خذ هذا الذي أعت به؛ لكي تتضوع أنت أي تفوح رائحة عملك مشبها مندلا، والمندل نوع من الطيب، وموضع في بلاد الهند ينسب إليه العطر، وقيل المندل: العود الهندي.

стр. 238

٣٠٣- وَحَرْفُ تَلاَهَا مَعْ طَحَاهَا وَفِي سَجى ... وَحَرْفُ دَحَاهَا وَهَي بِالْوَاوِ تُبْتَلا "تلاها، وطحاها" في سورة الشمس، "وسجى" في "والضحى"، و"دحاها" في والنازعات، وأشار بقوله: وهي بالواو إلى علة استثناء حمزة لها وهي كون ألفها عن واو وما تقدم كانت ألفه عن ياء ومعنى تبتلا تختبر وإنما حسن إمالتها للكسائي كونها رءوس آي، فأميلت تبعا لذوات الياء فهو من باب إمالة لإمالة، ولأنها رسمت في المصحف بالياء كأخواتها من ذوات الياء, فلما ألحقت بها كتابة طلبا للمشاكلة ألحقت بها إمالة لذلك والله أعلم. ٣٠٤- وَأَمَّا ضُحَاهَا وَالضُّحى وَالرِّبا مَعَ الْـ ... ـقُوى فَأَمَالاهَا وَبِالْوَاوِ تَخْتَلا تختلا أي تجتنى، وتحصل من قولهم: اختليت الخال وهو الحشيش إذا جززته وقطعته. أمال حمزة والكسائي هذه الأربعة وإن كانت من ذوات الواو؛ لأن أوائلها إما مضموم أو مكسور فالكسر في واحد وهو الربا والضم في الثلاثة البواقي وهي رءوس آي، ومن العرب من يثنى ما كان بهذه الصفة بالياء وإن كان من ذوات الواو فيقول: ربيان وضحيان فرار من الواو إلى الياء؛ لأنها أخف حيث ثقلت الحركتان بخلاف المفتوح الأول. قال مكي: مذهب الكوفيين أن يثنوا ما كان من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسوره بالياء، فأمالا على أصل مذهبهما؛ لأنهما كوفيان ولم يعتبر الأصل، وإنما أفرده الناظم بالذكر وإن كان داخلا تحت قوله: ومما أمالاه أواخر آي ما كما يأتي؛ لأن منه ما ليس برأس آية وهو الربا، وليبين أن الجميع من ذوات الواو والقوى جمع قوة وهو رأس آية في "والنجم"١، ولم يبق عليه إلا ذكر العلا ولكنه لما كان جمع عليا، وقد قلبت الواو في عليا ياء صار كأنه من ذوات الياء والله أعلم. وأما "الزنا" بالزاي والنون فمن ذوات الياء، فلم يحتج إلى ذكره؛ لأنه ممال لهما على أصلهما. ٣٠٥- وَرُؤيَاكَ مَعْ مَثْوَايَ عَنْهُ لِحَفْصِهِمْ ... وَمَحْيَايَ مِشْكَاةٍ هُدَايَ قَدِ انجَلا جميع ما في هذا البيت تفرد بإمالته الدوري عن الكسائي دون أبي الحارث، وحفص هو اسم أبي عمرو الدوري، والهاء في عنه تعود إلى الكسائي وأراد ورؤياك المضاف إلى الكاف وهي في أول يوسف دون المضاف إلى الياء والمعرف باللام فهما للكسائي بكماله كما تقدم، وذكر مكي وغيره أن أبا الحارث وافق الدوري في إمالة الرؤيا حيث وقعت، فلم يستثن المضاف إلى الكاف وأما مثواي ففي يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ ٢، فالذي تفرد به الدوري هو المضاف إلى الياء، دون قوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ ٣، ﴿وَمَثْوَاكُم﴾ ٤، و"مثواهم".

стр. 239

فأمال الثلاثة حمزة والكسائي على أصلهما في إمالة ذوات الياء: "ومحياي". المضاف إلى الياء في آخر الأنعام دون: "ومحياهم"، فذاك للكسائي بكماله كما سبق: و"مشكاة" في النور، ووجه إمالتها الكسرة بعد الألف الميم أيضا كما تميل العرب شملال وأما "هدى" ففي سورة البقرة وطه، أراد المضاف إلى الياء دون المضاف إلى غيرها نحو: "فبهداهم"، و"هداها"، و"الهدى". ونحوه فذلك ممال لحمزة والكسائي. ٣٠٦- وَممَّا أَمَالاَهُ أَوَاخِرُ آيٍ مَّا ... بـ: طَهَ وَآيِ الْنَّجْمِ كَيْ تَتَعَدَّلا أي أواخر آي القرآن الذي تراه بسورة طه مما أماله حمزة والكسائي على الأصول المتقدمة، وآي جمع آية كتمر وتمرة، وما بمعنى الذي وبـ "طه" صلتها كما تقول: عرفت ما بالدار أي الذي فيها، أراد الألِفَات التي هي أواخر الآيات مما جميعه لام الكلمة سواء فيها المنقلب عن الياء والمنقلب عن الواو إلا ما سبق استثناؤه من أن حمزة لا يمليه، فأما الألف المبدلة من التنوين في الوقف نحو "همسا" و"ضنكا" و"نسفا" و"علما" و"عزما" فلا تمال لأنها لا تصير ياء في موضع بخلاف لمنقلبة عن الواو فإن الفعل المبني للمفعول تنقلب فيه ألفات الواو ياء فألف التنوين كألف التثنية لا إمالة فيها نحو: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا﴾ ، ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ . وأما المنون من المقصور نحو: "هدى"، و"سوى"، و"سدى". ففي الألف الموقوف عليها خلاف يأتي ذكره في آخر الباب ثم قال: وآي النجم أي أواخر سورة "والنجم"، ثم بين حكمة ذلك فقال: كي تتعدلا يعني رءوس الآي، فتصير على منهاج واحد، وهذه حكمة ترك الإمالة أنسب لها منها؛ لأن الفتح يناسب في كل المواضع الممالة وغيرها، فإن في أواخر الآى من السور المذكورة ما لا يمال وليس فيها ما لا يفتح. فإن قلت: أراد بالتعديل إلحاق ذوات الواو بذوات الياء في الإمالة لم يتم له هذا؛ لأن حمزة استثنى أربعة مواضع من رءوس الآى فلم يملها فلم يكن في إمالة الباقي تعدل ولو لم يمل الجميع حصل التعدل على أني أقول: لم يكن له حاجة إلى ذكر إمالة أواخر الآي؛ لأن جميع ذلك قد علم مما تقدم من القواعد من ذوات الياء أصلا ورسما، وقد نص على ذوات الواو منها فلم يبق منها شيء، ولهذا لم يتعرض كثير من المصنفين لذكر هذه السور ولا ذكرها صاحب التيسير.

стр. 240

فإن قلت: فيها نحو: "وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحى"١، فمن أين تعلم إمالته؟ قلت: من قوله: وما رسموا بالياء، وقد نبهنا عليه ثَمَّ وكذلك العلى ثم ذكر باقي السور فقال: ٣٠٧- وَفِي الشَّمْسِ وَالأَعْلى وَفِي اللَّيْلِ والضُّحى ... وَفِي اقْرَأْ وَفِي وَالنَّازِعَاتِ تَمَيَّلا ٣٠٨- وَمِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ الْقِيَامَةِ ثُمَّ فِي الْـ ... ـمَعَارِجَ يا مِنْهَالُ أَفْلَحْتَ مُنْهِلا الضمير في تميلا للمذكور ومراده تميل أواخر أي هذه السور أيضا، والضمير في ومن تحتها للنازعات أراد سورة عبس والجار والمجرور صفة موصوف محذوف كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ، أي وفي سورة من تحت النازعات ثم في القيامة ثم في المعارج أي وفي سورة سأل سائل، ألا ترى كيف ذكر ما قبلها وما بعدها بحرف في فجملة هذه السور إحدى عشر منها أربع شملت الإمالة أواخر آياتها كلها لقبولها لذلك وهي: "والنجم إذا هوى"، "سبح اسم ربك الأعلى"، "والشمس وضحاها"، "والليل إذا يغشى". وسبع سور دخلت الإمالة في بعض آياتها وهي التي تقبل الإمالة وهي: طه والمعارج والقيامة والنازعات وعبس والضحى واقرأ باسم ربك، ثم الإمالة في الجميع ليس بعدها ضمير مؤنث إلا في سورتين: "والشمس"، و"النازعات"، أما "والشمس" فاستوعب ضمير المؤنث أواخر آيها وأما "النازعات" ففيها الأمران مرتين ولم يأت آيات في آخرهن ألف مقصورة نسقا إلا في هذه السور، والمنهال الكثير الإنهال والإنهال إيراد الإبل المنهل ومنهلا أي موردا أو معطيا إذ يقال: أنهلت الرجل إذا أعطيته، وانتصب على الحال فكأنه نادى نفسه أو جميع من يعلم العلم وحروف القرآن ورواياته الثابتة من ذلك، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". والله أعلم. ٣٠٩- رَمى "صُحْبَةٌ" أَعْمَى فِي الِاسْراءِ ثَانِيًا ... سِوًى وَسُدًى فِي الوَقْفِ عَنْهُمْ تَسَبُّلا جميع ما في هذا البيت إمالة صحبة وهو من ذوات الياء، وسدى من أسديت الشيء إذا أهملته ولا يمال "سوى وسدى".

стр. 241

في الوصل؛؛ لأنهما منونان وتبنى إمالتهما في الوقف على خلاف يأتي، والأرجح الإمالة على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى وأراد: "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى"١، "فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى"٢، "مَكَانًا سُوَىً"٣، "أَنْ يُتْرَكَ سُدىً"٤. وهذه الأربعة معلوم إمالتها لحمزة والكسائي من القواعد المقدمة، وإنما ذكرها بعد ذلك لموافقة أبي بكر عن عاصم لهما فيها وكان يمكنه أن يقول: رمى شعبة وإنما عدل عنه خوفا من وهم أن ذلك مختص بشعبة وهذه عادته في مثل ذلك على ما سيتضح فيما بعد. قال الشيخ: "وقوله: تسبلا" أي تحبس يشير إلى ثبوته. قلت: أظن معناه أبيحت إمالته عنهم من سبلت الماء فتسبل؛ لأن غيرهم لم يسبل إمالته وهو خبر أعمى فما بعده أي إضجاع ذلك نقل عنهم والإضجاع من أسماء الإمالة، وإنما قدرت المحذوف بها لتذكير الضمير فيه، وفي الإسراء في موضع الحال عاملها المضاف المحذوف أي إمالة أعمى في حال كونه في الإسراء ثانيا. "وسوى وسدى" عنهم تسبل ورمى صحبة أي أماله صحبة والله أعلم. ٣١٠- وَرَاءُ تَراءَى "فـ"ـَازَ فِي شُعَرَائِهِ ... حُـ"ـكْمُ "صُحْبَةٍ" أَوّلا وَأَعْمى فِي الِاسْرا " الهاء في شعرائه تعود على الراء أو لفظ تراءا؛ لأن كل واحد منهما في السورة المذكورة فهو كقولك غلام زيد في داره ولفظ تراءا وزنه تفاعل، ففيه ألفان بينهما همزة الأولى زائدة والثانية لام الكلمة منقلبة عن ياء فإذا وقف عليها أميلت الثانية لحمزة والكسائي على أصلهما في إمالة ما كان من الألفات من ذوات الياء طرفا غير أن حمزة يجعل الهمزة بين بين على أصله وأضاف إلى ذلك أن إمالة الألف الأولى لمجاورة الثانية فهو من باب إمالة الإمالة ولهذا لم يمل الراء من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ ٥ لما لم تكن فيها إمالة تسوغ ذلك، وليست الألف أصلية منقلبة عن ياء بل هي زائدة؛ لأنها ألف تفاعل، ولم يجاورها كسر فلا إمالة فيها ولا نظر إلى كونها بعد راء والعرب تستحسن إمالة الألف قبل الراء وبعدها نحو: "ترى" و"النار" ما لا تستحسنه في غير ذلك ولهذا أمالهما أبو عمرو؛ لأن الألف في كل ذلك إما منقلبة عن ياء أو هي ألف تأنيث أو مجاورة لكسر نحو: "ترى، وبشرى، وأبصارهم". والراء المفتوحة تمنع الإمالة إلا أن يوجد أحد أسباب الإمالة ثم من ضرورة إمالة الألفين في تراءا

стр. 242

إمالة الراء والهمزة قبلها، فبقيت الهمزة المسهلة بين ألفين ممالتين وهي في نفسها ممالة فتجاورت أربعة أحرف ممالة في الوقف فإذا وصلت سقطت الألف الثانية؛ لوجود الساكن بعدها فبطلت الإمالة في الهمزة وبقيت إمالة الألف الأولى والراء قبلها لحمزة وحده، فعبر الناظم عن ذلك بإمالة الراء؛ لأن من ضرورتها إمالة الألف بعدها وهي عبارة صاحب التيسير ولم يذكر ذلك في باب الإمالة بل في سورة الشعراء فقرا حمزة: "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ"١ بإمالة فتحة الراء، وإذا وقف أتبعها الهمزة فأمالها مع جعلها بين بين على أصله فتصير بين ألفين ممالتين الأولى أميلت لإمالة فتحة الراء والثانية أميلت لإمالة فتحة الهمزة ألا ترى كيف عبر عن إمالة الألفين بإمالة ما قبلهما مجازا وجعلهما أصلين في ذلك والحق عكس ذلك وهو أن ما قبل الألفين أميلا لإمالة الألفين تبعا لهما والتعبير بذلك في الراء أقرب منه في الهمزة؛ لأن الراء في الجملة قد أميلت حيث لا ألف مجاورة لها كما يأتي في باب ترقيق الراءات في: "رءا القمر" في الوصل وبه قرأ حمزة أمال الراء والألف بعدها وقد تجوز الناظم أيضا بهذه العبارة فيه هنا عن إمالة الألف الذي بعد الراء بإمالة الراء فقال: وراء تراءا، فاز أي إضجاعها أو فاء بالإمالة وعبر في سورة الأنعام في نحو: "رءا كوكبا"، "ورأى القمر". عن إمالة الألف بإمالة الهمزة، فقال: وفي همزه حسن، وقال وقل في الهمز خلف مع أن الهمز لو تجرد عن الألف لم تقع فيه إمالة أبدا وإنما أماله من أمال في الوصل في: "رءا القمر"؛ نظرا إلى الأصل ولم يعتد بعارض حذف الألف للساكن، وسيأتي الكلام في نحو هذا في آخر هذا الباب ولما لم يكن هذا المذهب في قراءة حمزة في: "رءا القمر"؛ بل اقتصر على إمالة الراء فعل مثل ذلك في: "تراءا الجمعان" في الوصل فأمال الراء دون الهمزة وأما: "أعمى" الأول في سورة الإسراء فأماله أبو عمرو موافقا لصحبة وخالفهم في الثاني كما سبق إما جمعا بين اللغتين

стр. 243

وإما لفرق ذكروه وهو: أن الثاني عنده أفعل التفضيل فكأن ألفه لم يقع طرفا؛ لافتقاره إلى من المقدرة وصاغ ذلك؛ لأنه من العمى المجازي وهو عمي القلب دون الحقيقي الذي هو عمى العين، فلهذا بنى أفعل منه أي من كان جاهلا للحق في الدنيا فهو في الآخرة أجهل وأضل ومن أمالهما أو فتحهما سوى بينهما وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الألف فيهما عن ياء ولهم أن يقولوا ليس الثاني أفعل تفضيل بل هو اسم فاعل من العمى كالأول؛ أي من كان أعمى في الدنيا عن الحق فهو أعمى أيضا في الآخرة، وعند هذا يجوز أن يكون من العمى المجازي كالأول، ويجوز أن يكون حقيقة كما في قوله تعالى في طه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ١، فهذا دليل على أنه عمى العين؛ إذ كان بصيرا بها قبل ذلك ولم يكن المذكور بصيرا بقلبه وقال سبحانه في آخر سورة الإسراء: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ٢. فقول الناظم "أولا" ليس برمز وإنما هو بيان لموضع أعمى فهو من تتمة بيان الحرف المختلف فيه وهو حال من أعمى؛ أي وإمالة أعمى أولا في الإسراء حكم صحبة، فهو من القبيل الذي جاء الرمز فيه متوسطا في أثناء التقييد كما نبهنا عليه في شرح الخطبة مثل قوله: دار واقصر مع مضعفة، وقد فصل الناظم بمسألة تراءا بين لفظي أعمى في الإسراء ولو اتصلا لكان أولى، فيقول: واعمى في الاسرا أوَّلا حكم صحبة ... وراء تراءا بالإمالة فصِّلا فيجئ الرمز لأعمى بعد كمال قيده بقوله: أولا، ولولا أن همزة تراءا لا تمال إلا في الوقف لقلت وراء تراءا فاز والهمز شمللا والله أعلم. ٣١١- وَمَا بَعْدَ رَاءٍ "شَـ"ـاعَ "حُـ"ـكْمًا وَحَفْصُهُمْ ... يُوَالِي بِمَجْرَاهَا وَفي هُودَ أُنْزِلا حكما تمييز، ي ما وقع من الألفات بعد راء فقل شاع حكمه في الإمالة؛ وذلك لما ذكرته من مجاورتها للراء، قال الكسائي: للعرب في كسر الراء رأي ليس لها في غيره، وروي عن أبي عمرو أنه قال: أدركت أصحاب ابن مجاهد وهم لا يكسرون شيئا من القرآن إلا نحو: "وما أدراك"، و"أفترى"، "وترى". أي أمال ذلك حمزة والكسائي وأبو عمرو ومثاله: "ذكرى"، و"اشترى"، و"النصارى"، و"القمر". وتابعهم حفص في إمالة: ﴿مَجْرَاهَا﴾ .

стр. 244

في سورة هود ولم يمل غيره وهو وحمزة والكسائي يقرءونها بفتح الميم كما يأتي في السورة وغيرهم بالضم وأما إمالة ألف مرساها فلحمزة والكسائي على أصلهما؛ لأنها عن ياء ولم تجاور راء، وقوله: يوالي أي يتابع، ووجه الكلام وحفص يواليهم، فنقل الضمير من يوالي إلى حفص، فقال: وحفصهم يوالي، والكل صواب، وجعل في هذا البيت الإمالة؛ لما بعد الراء وهو الألف على ما ذكرنا أن هذا هو الحق في التعبير عن ذلك وإمالة الراء قبل الألف تبع لها وما ذكره في إمالة: "تراءا" مجاز والله أعلم. ٣١٢- نَأَى "شَـ"ـرْعُ يُـ"مْنٍ" بِاخْتِلاَفٍ وَشُعْبَةٌ ... في الِاسْرَا وَهُمْ وَالنُّونُ "ضَـ"ـوْءُ "سَـ"ـنًا "تـ"ـلا أي إمالة ألف "نأى" شرع يمن؛ لأنها عن ياء، والمشهور عن السوسي الفتح، ووافقهم شعبة على إمالتها في سورة الإسراء دون فصلت، فلهذا قال: وهم، أي وهم وشعبة أمالوا التي في سبحان وإنما احتاج إلى قوله: وهم؛ لما ذكرناه في قوله: رمى صحبة، ولم يقل شعبة ثم قال: والنون يعني إمالة النون من نأى أمالها خلف والكسائي لأجل إمالة ما بعدها وهو سبب من أسباب الإمالة وأسباب الإمالة التي يذكرها أهل العربية هي انقلاب الألف عن الياء أو عن كسرة أو مجاورتها لواحدة منها أو لإمالة ولم يأت ذلك للقراء في غير هذا الحرف فلم يقرأ: "هدى"، ولا "رمى"، ولا "نهار". ولا نحو ذلك في هذه الطرق المشهورة وقوله: والنون مبتدأ وضوء سنا خبره أي وإمالة النون ضوء أي ذات ضوء أي لها وجه ظاهر مضيء وأضافه إلى السنا ومعناه الضوء؛ لاختلاف اللفظين نحو: كجلمود صخر خطه السيل من علِ وتلا: خبر بعد خبر ومعناه تبع أي أميل تبعا لما بعده لا بطريق الأصالة، ويجوز نصب ضوء سنا بقوله: تلا ويكون تلا وحده خبر المبتدأ، والثناء على هذا؛ لإمالة ما بعد النون والله أعلم. ٣١٣- إِنَاهُ "لَـ"ـهُ "شَـ"ـافٍ وَقُلْ أَوْ كِلاَهُمَا ... "شَـ"ـفَا وَلِكَسْرٍ أَوْ لِيَاءٍ تَميَّلا أي لإمالته دليل شاف، وهو أن ألفه منقلبة عن ياء من أنى يأنى بمعنى آن يئين آي حان يحين، ومنه قول الشاعر فجمع بين اللغتين: ألما يئن لي أن تقضَّى عمايتي ... وأُعرِض عن ليلى بلى قد أنا ليا

стр. 245

وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١. وأصل "أنا": "أني" تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فقال أنا الطعام يأني إناء إذا بلغ حال النضج، فمعنى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي غير متحينين وقت نضجه وإدراكه فأمال ألف إناه هشام مع حمزة والكسائي، وأما كلاهما في سبحان فوجه إمالة ألفه كسرة الكاف إن قلنا إن الألف منقلبة عن واو ولا يضرنا حجز اللام بينهما كما أمالت العرب عماد وإن قلنا ألفه عن ياء فظاهر فلهذا قال: ولكسر أولياء تميلا، وقياس هذا أن تمال كلتا إذا وقف عليها من قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ ٢، ولأنها على وزن فعلى عند قوم قال الداني في كتاب الإمالة يجوز إمالتها مشبعة وغير مشبعة في مذهب من تقدم وعامة القراء وأهل الأداء على القول الأول يعني عدم الإمالة والله أعلم. وذكر مكي أيضا فيها الوجهين وإنما احتاج الناظم إلى ذكر الإمالة في كلمة كلاهما خوفا من عدم دخولها في قاعدة ذوات الياء على قولنا إنها من ذوات الواو ولم ترسم بالياء فنص عليها لذلك وإلا فلم يوافق حمزة والكسائي على إمالتها غيرهما ولم يذكر من قوله رمى صحبة إلى هاهنا إلا المواضع التي وافقهما على الإمالة فيها غيرهما مما لو تركه لا ندرج فيما سبق وأما راء: "تراءا". فلا اندراج لها فيما تقدم فنص عليها لحمزة وحده والله أعلم. ٣١٤- وَذُوا الرَّاءِ وَرْشٌ بَيْنَ بَيْنَ وَفي أَرَا ... كَهُمْ وَذَوَاتِ اليَا لَهُ الخُلْفُ جُمِّلا شرَعَ يبين مذهب ورش عن نافع وجميع إمالته في القرآن بين بين إلا الهاء من: "طه"؛ فإنها إمالة محضة على ما سيأتي في أول سورة يونس وصفة إمالة بين بين أن يكون بين لفظي الفتح والإمالة المحضة كما تقول في همزة بين بين إنها بين لفظي الهمز وحرف المد فلا هي همزة ولا حرف مد، فكذا هنا لا هي فتح ولا إمالة وأكثر الناس ممن سمعنا قراءتهم أو بلغنا عنهم يلفظون بها على لفظ الإمالة المحضة ويجعلون الفرق بين المحضة وبين بين رفع الصوت بالمحضة وخفضه بين بين وهذا خطأ ظاهر فلا أثر لرفع الصوت وخفضه في ذلك ما دامت الحقيقة واحدة وإنما الغرض تمييز حقيقة المحضة من حقيقة بين بين وهو ما ذكرناه فلفظ الصوت بين بين يظهر على صورة اللفظ بترقيق الراءات وقد أطلق العلماء على ترقيق الراءات لفظ بين بين فدل على ما ذكرناه، وإن كان الأمر في اتضاحه لا يحتاج إلى شاهد. قال صاحب التيسير: اعلم أن ورشا كان يميل فتحة الراء قليلا بين اللفظين.

стр. 246

وقال في باب الإمالة: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين فعبر في البابين بعبارة واحدة فدل على اتحاد الحقيقة فيهما وكذا ذكر في كتاب الإمالة هو وأبو الطيب ابن غلبون قبله. ومعنى قوله وذو الراء ورش أي يقرؤه ورش بين بين. ومعنى قولهم بين بين وبين اللفظين واحد. واللفظان هما الفتح والإمالة؛ أي بين هذا وبين هذا، وهو معنى قول مكي: هو صوت بين صوتين، وحكى ابن مهران عن خلف قال: سمعت الفراء النحوي "يحيى ابن زياد" يقول: أفرط عاصم في الفتح، وأفرط حمزة في الكسر. قال: وأحَبُّ إليَّ أن تكون القراءة بين ذلك. قال خلف: فقلت له: ومن يطيق هذا؟ قال: كذلك ينبغي أن تكون القراءة بين الفتح والكسر مثل قراءة أبي عمرو ﵀ وإنما يترك ذلك من يتركه لما لا يقدر عليه؛ لأنه أمر صعب شديد. قلت: صدق ولصعوبته غلب على ألسنة الناس جعله كالإمالة المحضة، وفرقوا بينهما برفع الصوت وخفضه وهو خطأ، وأسهل ما يظهر فيه إمالة بين بين: الراء فهو في نحو: "ذكرى" أشد بيانا فافهم ذلك وابْنِ عليه. وعني الناظم بقوله: وذو الراء ما كانت الألف الممالة المتطرفة فيه بعد الراء نحو: "قد نرى" و"القرى". وهو الذي وافق أبو عمرو وحمزة والكسائي في إمالته في قوله: وما بعد راءٍ شاع حكما، ولا يدخل في ذلك ما بعد راء: "تراءا الجمعان"١؛ فإنها ليست بمتطرفة ولكنها واردة على إطلاقه؛ فإنه لم يقيدها بالألف المتطرفة كما لم يقيد ألفات ذوات الياء في أول الباب، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ ٢ فعن ورش فيه وجهان: الفتح وبين بين، والفتح رواية المصريين؛ لبعد الألف عن الطرف؛ لكثرة الحروف المتصلة بها بعدها والوجهان جاريان له في ذوات الياء والصحيح وجه بين بين وعليه الأكثر. قال في التيسير: وهو الذي لا يوجد نص بخلافه عنه، وقال في موضع آخر: وهو الصحيح الذي يؤخذ به رواية وتلاوة. وليس يريد الناظم بقوله: "ذوات الياء" تخصيص الحكم بالألفات المنقلبات عن الياء؛ فإن إمالة ورش أعم

стр. 247

من ذلك فالأولى حمله على ذلك، وعلى المرسوم بالياء مطلقا مما أماله حمزة والكسائي أو تفرد به الكسائي أو الدوري عنه أو زاد مع حمزة والكسائي في إمالته غيرهما نحو: "رمى"، و"أعمى"، و"نأى"، و"إناه". ودخل في ذلك ما فيه ألف التأنيث من فعلى وفعالى كيف تحركت الفاء وكذلك: "ألَّ"، و"متى"، و"عسى"، و"بلى". وكل ثلاثي زائد: كـ "أزكى"، و"تدعى"، وكذا "خطايا"، "ومزجاة"، "وتقاة"، "وحق تقاته"، "والرءيا"، "كيف آسى"، و"مثواي"، و"محياي"، و"هداي". وقد نص على ذلك كله أبو عمرو الداني في كتاب الإمالة مفرقا في أبوابه، وكشفت الأبواب التي فيه ذوات الواو مما جازت إمالته لحمزة والكسائي أو الكسائي وحده، فوجدته لم يذكر لورش بين بين، في: "مشكاة، ولا "مرضاة" ولا "كلاهما" وأما "تلاها" و"دحاها" و"طحاها" فساقها في باب فعل المعتل اللام نحو: "أتى" و"سعى" و"قضى" و"سجى"، وقال في آخره: وقرأ نافع الباب كله على نحو ما تقدم من الاختلاف عنه في ذوات الياء، وأقرأني ابن غلبون لورش بفتح جميع ذلك إلا ما وقع منه رأس آية في سورة، أواخر آيها على ياء وليس بعد الياء كناية مؤنث فإنه بين اللفظين. قلت: فخرج من مذهب ابن غلبون أن ورشا يميل: "سجى" في سورة والضحى؛ لأنه رأس آية وليس في آخرها هاء ولا يميل: "دحاها" و"تلاها" و"طحاها" ويميل الجميع على الرواية الأولى وسنوضح ذلك أيضا في البيت الآتي، وأما ما كسر أوله أو ضم من ذوات الواو وهو الذي اتفق حمزة والكسائي على إمالته وهو: "ضحاها" و"الضحى" و"الربا" و"القوى" ففيه نظر؛ فإن الداني جمع في باب واحد من كتاب الإمالة ذكر الأسماء المقصورة في القرآن سواء انفتح أولها نحو: "الهوى" و"فتاها". أو انكسر نحو:

стр. 248

"الربا، والزنا"، أو انضم نحو: "الهدى، والضحى، والقوى". وقال في آخره: وقرأ نافع جميع ذلك على ما تقدم من الاختلاف عنه في باب فعل. واقرأني ابن غلبون لورش ما كان من ذلك فيه راء أو وقع رأس آية ولم يتصل بها ضمير مؤنث بين اللفظين وما عدا ذلك بإخلاص الفتح. قلت: فحصل لنا من ظاهر مجموع ذلك أن رءوس الآي مما لا هاء فيه تمال بلا خلاف، "كالضحى" و"القوى"، وما فيه الهاء من رءوس الآى كالذي لا هاء فيه من غير رءوس الآى ففيه الوجهان: كـ "ضحاها" و"تلاها" "وجلاها" و"بناها"، واستخراج ذلك من كتاب التيسير مشكل؛ فإنه ذكر ذوات الياء ثم قال: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين إلا ما كان من ذلك في سورة أواخر آيها على هاء؛ فإنه أخلص الفتح فيه على خلاف بين أهل الأداء في ذلك. هذا ما لم يكن في ذلك راء يعني فإنه يميله بلا خلاف بين بين نحو: "ذكراها"، كما يميل: "ذكرى" في غير رءوس الآي، وهو داخل في قوله: وذو الراء ورش بين بين، ثم ذكر صاحب التيسير ما تفرد الكسائي بإمالته وفيه أربع كلمات من ذوات الواو: "سجى" و"دحاها" و"تلاها" و"طحاها" "وفيه" "مرضاة"، وذكر في الفصل بعينه ما اتفقا عليه من إمالة: "الضحى" و"الربا"، و"كلاهما". ثم قال: وقد تقدم مذهب ورش في ذوات الياء، وهذه العبارة تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يريد أنه فعل في هذا الفصل ما فعله في ذوات الياء فيلزم من ذلك أنه يميل: "مرضاة" و"كلاهما" كما يميل: "الربا" و"الضحى" و"سجى" و"دحاها"، ولم أره في كتاب الإمالة ذكر لورش إمالة فيهما. والثاني: أن يريد أنه أمال من هذا الفصل ما كان من ذوات الياء كما تقدم فيلزم من ذلك أن لا يميل ذوات الواو في رءوس الآي ولا الربا، وقد ذكرنا عبارته من كتاب الإمالة وهي تقتضي إمالة ذلك، ثم ذكر صاحب التيسير ما انفرد الدوري بإمالته، ثم قال: وفتح الباقون ذلك كله إلا قوله :

стр. 249

"رءياك"؛ فإن أبا عمرو وورشًا يقرآنه بين بين على أصلهما ولم يستثن: "مثواي" ولا "محياي" و"هداي"، وهي ممالة لورش بين بين؛ لأنها من ذوات الياء، فأعمل على ما ذكره في كتاب الإمالة؛ فإنه بين فيه مذهب ورش في كل فصل وباب وحرف، وأما: "الدنيا" و"العليا" فممالان؛ إذ إنهما من باب فعلى إلا أنهما من ذوات الواو ولم يرسما بالياء فلا يمكن إدخالهما في قوله: وذوات اليا؛ فإنهما ليسا من ذوات الياء أصلا ولا رسما، وإنما هما منها إلحاقا؛ فإن ألفهما ألف تأنيث ترجع ياء في التثنية والجمع والله أعلم. فهذا البيت والذي بعده من مشكلات هذه القصيدة، واستخراج مذهب ورش منهما صعب لا سيما إذا أريد ضبط مواضع الوفاق والخلاف، وقد تحيلنا في إدخال كثير مما أماله في قوله: ذوات اليا باعتبار الأصل والرسم والإلحاق، وأما كل ما أماله من ذوات الواو فهو رأس آية، سيأتي بيانه وشرحه في البيت الآتي إلا لفظ "الربا"؛ فإنه ليس برأس آية وفي إمالته نظر عن ورش على ما دل عليه كلام الداني في كتاب الإمالة، ولكنه نص في كتاب إيجاز البيان على أن جميع ما كان من ذوات الواو في الأسماء والأفعال نحو: "الصفا"، و"الربا"، و"عصاي"، و"سنا برقه"، و"شفا جرف"، و"مرضاة الله"، و"خلا"، و"عفا"، و"دعا"، و"بدا"، و"دنا"، و"علا"، و"ما زكى"؛ فورش يخلص الفتح في جميعه إلا ما وقع آخر آية نحو: "الضحى"، و"سجى"، وكذا: "وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحى"١ عند الوقف والله أعلم. ٣١٥- وَلكِنْ رُءُوسُ الآيِ قَدْ قَلَّ فَتْحُهَا ... لَهُ غَيْرَ مَا هَا فِيهِ فَاحْضُرْ مُكَمَّلا يعني: أن رءوس الآي لا يجري فيها الخلاف المذكور بل قراءته لها على وجه واحد وهو بين اللفظين، وعبر عن ذلك بقوله: قد قل فتحها؛ يعني: أنه قلله بشيء من الإمالة، وقد عبر عن إمالة بين بين بالتقليل في مواضع كقوله: وورش جميع الباب كان مقللا، و: التقليل جادل فيصلا، و: قلل في جود، و: عن عثمان في الكل قللا، وأراد برءوس الآي جميع ما في السور المذكورة الإحدى عشرة سواء كان من ذوات الواو أو من ذوات الياء، وقد نص الداني على ذلك في كتاب إيجاز البيان، وإنما لم يجيء وجه الفتح فيها إرادة أن تتفق ألفاظها ولا يختلف ما يقبل الإمالة منها، وذلك أن منها ما فيه راء نحو:

стр. 250

"الثرى" و"الكبرى"، وذاك ممال لورش بلا خلاف، فأجرى الباقي مجراه؛ ليأتي الجميع على نمط واحد، ثم استثنى من ذلك ما فيه هاء أي غير ما فيه لفظ هاء نحو: "ذكراها" و"بناها" و"طحاها"، وهذا التقدير أولى من أن يقول: تقديره غير ما هاء فيه أي ما فيه هاء بالمد؛ لما يلزم في ذلك من قصر الممدود والابتداء بالنكرة من غير ضرورة إلى ذلك، ولأنه يوهم أيضا استثناء ما فيه مطلق الهاء فيدخل في ذلك هاء المذكر نحو: "تقواهم" و"ذكراهم". وإنما المراد هاء ضمير المؤنث. قال الشيخ: وهو ينقسم على ثلاثة أقسام: ما لا خلاف عنه في إمالته نحو: "ذكراها". وذلك داخل في قوله: وذو الراء ورش بين بين. وما لا خلاف عنه في فتحه نحو: "ضحاها". وشبهه من ذوات الواو. وما فيه الوجهان: وهو: ما كان من ذوات الياء. قلت: وتبع الشيخ غيره في ذلك وعندي أنه سوى بين جميع ما فيه الهاء سواء كانت ألفه عن ياء أو واو، فيكون في الجميع وجهان، وقد تقدم ما دل على ذلك من كلام الداني في كتاب الإمالة، وقال أيضا في الكتاب المذكور: اختلف الرواة وأهل الأداء عن ورش في الفواصل إذا كن على كناية المؤنث نحو آي: "والشمس وضحاها"، وبعض آي: "والنازعات"، فأقرأني ذلك أبو الحسن عن قراءته بإخلاص الفتح، وكذلك رواه عن ورش أحمد بن صالح، وأقرأنيه أبو القاسم وأبو الفتح عن قراءتهما بإمالة بين بين، وذلك قياس رواية أبي الأزهر وأبي يعقوب وداود عن ورش. قلت: وجه المغايرة بين ما فيه ضمير المؤنث وغيره من رءوس الآى أن الألف في: "ضحاها"، ونحوه ليست طرفا للكلمة يحصل بإمالتها مشاكلة رءوس الآي بل المشاكلة حاصلة بضمير المؤنث فلم
следующие страницы →