← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال في باب الإمالة: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين فعبر في البابين بعبارة واحدة فدل على اتحاد الحقيقة فيهما وكذا ذكر في كتاب الإمالة هو وأبو الطيب ابن غلبون قبله. ومعنى قوله وذو الراء ورش أي يقرؤه ورش بين بين. ومعنى قولهم بين بين وبين اللفظين واحد. واللفظان هما الفتح والإمالة؛ أي بين هذا وبين هذا، وهو معنى قول مكي: هو صوت بين صوتين، وحكى ابن مهران عن خلف قال: سمعت الفراء النحوي "يحيى ابن زياد" يقول: أفرط عاصم في الفتح، وأفرط حمزة في الكسر. قال: وأحَبُّ إليَّ أن تكون القراءة بين ذلك. قال خلف: فقلت له: ومن يطيق هذا؟ قال: كذلك ينبغي أن تكون القراءة بين الفتح والكسر مثل قراءة أبي عمرو ﵀ وإنما يترك ذلك من يتركه لما لا يقدر عليه؛ لأنه أمر صعب شديد. قلت: صدق ولصعوبته غلب على ألسنة الناس جعله كالإمالة المحضة، وفرقوا بينهما برفع الصوت وخفضه وهو خطأ، وأسهل ما يظهر فيه إمالة بين بين: الراء فهو في نحو: "ذكرى" أشد بيانا فافهم ذلك وابْنِ عليه. وعني الناظم بقوله: وذو الراء ما كانت الألف الممالة المتطرفة فيه بعد الراء نحو: "قد نرى" و"القرى". وهو الذي وافق أبو عمرو وحمزة والكسائي في إمالته في قوله: وما بعد راءٍ شاع حكما، ولا يدخل في ذلك ما بعد راء: "تراءا الجمعان"١؛ فإنها ليست بمتطرفة ولكنها واردة على إطلاقه؛ فإنه لم يقيدها بالألف المتطرفة كما لم يقيد ألفات ذوات الياء في أول الباب، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ ٢ فعن ورش فيه وجهان: الفتح وبين بين، والفتح رواية المصريين؛ لبعد الألف عن الطرف؛ لكثرة الحروف المتصلة بها بعدها والوجهان جاريان له في ذوات الياء والصحيح وجه بين بين وعليه الأكثر. قال في التيسير: وهو الذي لا يوجد نص بخلافه عنه، وقال في موضع آخر: وهو الصحيح الذي يؤخذ به رواية وتلاوة. وليس يريد الناظم بقوله: "ذوات الياء" تخصيص الحكم بالألفات المنقلبات عن الياء؛ فإن إمالة ورش أعم

стр. 247

من ذلك فالأولى حمله على ذلك، وعلى المرسوم بالياء مطلقا مما أماله حمزة والكسائي أو تفرد به الكسائي أو الدوري عنه أو زاد مع حمزة والكسائي في إمالته غيرهما نحو: "رمى"، و"أعمى"، و"نأى"، و"إناه". ودخل في ذلك ما فيه ألف التأنيث من فعلى وفعالى كيف تحركت الفاء وكذلك: "ألَّ"، و"متى"، و"عسى"، و"بلى". وكل ثلاثي زائد: كـ "أزكى"، و"تدعى"، وكذا "خطايا"، "ومزجاة"، "وتقاة"، "وحق تقاته"، "والرءيا"، "كيف آسى"، و"مثواي"، و"محياي"، و"هداي". وقد نص على ذلك كله أبو عمرو الداني في كتاب الإمالة مفرقا في أبوابه، وكشفت الأبواب التي فيه ذوات الواو مما جازت إمالته لحمزة والكسائي أو الكسائي وحده، فوجدته لم يذكر لورش بين بين، في: "مشكاة، ولا "مرضاة" ولا "كلاهما" وأما "تلاها" و"دحاها" و"طحاها" فساقها في باب فعل المعتل اللام نحو: "أتى" و"سعى" و"قضى" و"سجى"، وقال في آخره: وقرأ نافع الباب كله على نحو ما تقدم من الاختلاف عنه في ذوات الياء، وأقرأني ابن غلبون لورش بفتح جميع ذلك إلا ما وقع منه رأس آية في سورة، أواخر آيها على ياء وليس بعد الياء كناية مؤنث فإنه بين اللفظين. قلت: فخرج من مذهب ابن غلبون أن ورشا يميل: "سجى" في سورة والضحى؛ لأنه رأس آية وليس في آخرها هاء ولا يميل: "دحاها" و"تلاها" و"طحاها" ويميل الجميع على الرواية الأولى وسنوضح ذلك أيضا في البيت الآتي، وأما ما كسر أوله أو ضم من ذوات الواو وهو الذي اتفق حمزة والكسائي على إمالته وهو: "ضحاها" و"الضحى" و"الربا" و"القوى" ففيه نظر؛ فإن الداني جمع في باب واحد من كتاب الإمالة ذكر الأسماء المقصورة في القرآن سواء انفتح أولها نحو: "الهوى" و"فتاها". أو انكسر نحو:

стр. 248

"الربا، والزنا"، أو انضم نحو: "الهدى، والضحى، والقوى". وقال في آخره: وقرأ نافع جميع ذلك على ما تقدم من الاختلاف عنه في باب فعل. واقرأني ابن غلبون لورش ما كان من ذلك فيه راء أو وقع رأس آية ولم يتصل بها ضمير مؤنث بين اللفظين وما عدا ذلك بإخلاص الفتح. قلت: فحصل لنا من ظاهر مجموع ذلك أن رءوس الآي مما لا هاء فيه تمال بلا خلاف، "كالضحى" و"القوى"، وما فيه الهاء من رءوس الآى كالذي لا هاء فيه من غير رءوس الآى ففيه الوجهان: كـ "ضحاها" و"تلاها" "وجلاها" و"بناها"، واستخراج ذلك من كتاب التيسير مشكل؛ فإنه ذكر ذوات الياء ثم قال: وقرأ ورش جميع ذلك بين اللفظين إلا ما كان من ذلك في سورة أواخر آيها على هاء؛ فإنه أخلص الفتح فيه على خلاف بين أهل الأداء في ذلك. هذا ما لم يكن في ذلك راء يعني فإنه يميله بلا خلاف بين بين نحو: "ذكراها"، كما يميل: "ذكرى" في غير رءوس الآي، وهو داخل في قوله: وذو الراء ورش بين بين، ثم ذكر صاحب التيسير ما تفرد الكسائي بإمالته وفيه أربع كلمات من ذوات الواو: "سجى" و"دحاها" و"تلاها" و"طحاها" "وفيه" "مرضاة"، وذكر في الفصل بعينه ما اتفقا عليه من إمالة: "الضحى" و"الربا"، و"كلاهما". ثم قال: وقد تقدم مذهب ورش في ذوات الياء، وهذه العبارة تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن يريد أنه فعل في هذا الفصل ما فعله في ذوات الياء فيلزم من ذلك أنه يميل: "مرضاة" و"كلاهما" كما يميل: "الربا" و"الضحى" و"سجى" و"دحاها"، ولم أره في كتاب الإمالة ذكر لورش إمالة فيهما. والثاني: أن يريد أنه أمال من هذا الفصل ما كان من ذوات الياء كما تقدم فيلزم من ذلك أن لا يميل ذوات الواو في رءوس الآي ولا الربا، وقد ذكرنا عبارته من كتاب الإمالة وهي تقتضي إمالة ذلك، ثم ذكر صاحب التيسير ما انفرد الدوري بإمالته، ثم قال: وفتح الباقون ذلك كله إلا قوله :

стр. 249

"رءياك"؛ فإن أبا عمرو وورشًا يقرآنه بين بين على أصلهما ولم يستثن: "مثواي" ولا "محياي" و"هداي"، وهي ممالة لورش بين بين؛ لأنها من ذوات الياء، فأعمل على ما ذكره في كتاب الإمالة؛ فإنه بين فيه مذهب ورش في كل فصل وباب وحرف، وأما: "الدنيا" و"العليا" فممالان؛ إذ إنهما من باب فعلى إلا أنهما من ذوات الواو ولم يرسما بالياء فلا يمكن إدخالهما في قوله: وذوات اليا؛ فإنهما ليسا من ذوات الياء أصلا ولا رسما، وإنما هما منها إلحاقا؛ فإن ألفهما ألف تأنيث ترجع ياء في التثنية والجمع والله أعلم. فهذا البيت والذي بعده من مشكلات هذه القصيدة، واستخراج مذهب ورش منهما صعب لا سيما إذا أريد ضبط مواضع الوفاق والخلاف، وقد تحيلنا في إدخال كثير مما أماله في قوله: ذوات اليا باعتبار الأصل والرسم والإلحاق، وأما كل ما أماله من ذوات الواو فهو رأس آية، سيأتي بيانه وشرحه في البيت الآتي إلا لفظ "الربا"؛ فإنه ليس برأس آية وفي إمالته نظر عن ورش على ما دل عليه كلام الداني في كتاب الإمالة، ولكنه نص في كتاب إيجاز البيان على أن جميع ما كان من ذوات الواو في الأسماء والأفعال نحو: "الصفا"، و"الربا"، و"عصاي"، و"سنا برقه"، و"شفا جرف"، و"مرضاة الله"، و"خلا"، و"عفا"، و"دعا"، و"بدا"، و"دنا"، و"علا"، و"ما زكى"؛ فورش يخلص الفتح في جميعه إلا ما وقع آخر آية نحو: "الضحى"، و"سجى"، وكذا: "وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحى"١ عند الوقف والله أعلم. ٣١٥- وَلكِنْ رُءُوسُ الآيِ قَدْ قَلَّ فَتْحُهَا ... لَهُ غَيْرَ مَا هَا فِيهِ فَاحْضُرْ مُكَمَّلا يعني: أن رءوس الآي لا يجري فيها الخلاف المذكور بل قراءته لها على وجه واحد وهو بين اللفظين، وعبر عن ذلك بقوله: قد قل فتحها؛ يعني: أنه قلله بشيء من الإمالة، وقد عبر عن إمالة بين بين بالتقليل في مواضع كقوله: وورش جميع الباب كان مقللا، و: التقليل جادل فيصلا، و: قلل في جود، و: عن عثمان في الكل قللا، وأراد برءوس الآي جميع ما في السور المذكورة الإحدى عشرة سواء كان من ذوات الواو أو من ذوات الياء، وقد نص الداني على ذلك في كتاب إيجاز البيان، وإنما لم يجيء وجه الفتح فيها إرادة أن تتفق ألفاظها ولا يختلف ما يقبل الإمالة منها، وذلك أن منها ما فيه راء نحو:

стр. 250

"الثرى" و"الكبرى"، وذاك ممال لورش بلا خلاف، فأجرى الباقي مجراه؛ ليأتي الجميع على نمط واحد، ثم استثنى من ذلك ما فيه هاء أي غير ما فيه لفظ هاء نحو: "ذكراها" و"بناها" و"طحاها"، وهذا التقدير أولى من أن يقول: تقديره غير ما هاء فيه أي ما فيه هاء بالمد؛ لما يلزم في ذلك من قصر الممدود والابتداء بالنكرة من غير ضرورة إلى ذلك، ولأنه يوهم أيضا استثناء ما فيه مطلق الهاء فيدخل في ذلك هاء المذكر نحو: "تقواهم" و"ذكراهم". وإنما المراد هاء ضمير المؤنث. قال الشيخ: وهو ينقسم على ثلاثة أقسام: ما لا خلاف عنه في إمالته نحو: "ذكراها". وذلك داخل في قوله: وذو الراء ورش بين بين. وما لا خلاف عنه في فتحه نحو: "ضحاها". وشبهه من ذوات الواو. وما فيه الوجهان: وهو: ما كان من ذوات الياء. قلت: وتبع الشيخ غيره في ذلك وعندي أنه سوى بين جميع ما فيه الهاء سواء كانت ألفه عن ياء أو واو، فيكون في الجميع وجهان، وقد تقدم ما دل على ذلك من كلام الداني في كتاب الإمالة، وقال أيضا في الكتاب المذكور: اختلف الرواة وأهل الأداء عن ورش في الفواصل إذا كن على كناية المؤنث نحو آي: "والشمس وضحاها"، وبعض آي: "والنازعات"، فأقرأني ذلك أبو الحسن عن قراءته بإخلاص الفتح، وكذلك رواه عن ورش أحمد بن صالح، وأقرأنيه أبو القاسم وأبو الفتح عن قراءتهما بإمالة بين بين، وذلك قياس رواية أبي الأزهر وأبي يعقوب وداود عن ورش. قلت: وجه المغايرة بين ما فيه ضمير المؤنث وغيره من رءوس الآى أن الألف في: "ضحاها"، ونحوه ليست طرفا للكلمة يحصل بإمالتها مشاكلة رءوس الآي بل المشاكلة حاصلة بضمير المؤنث فلم

стр. 251

تكن حاجة إلى إمالة الألف قبله فصارت الكلمة كغيرها مما ليس برأس آية فجرى فيها الخلاف ومن سوى في الإمالة بين: "ضحاها" و"الضحى" قصد قوة المشاكلة بالإمالة وضمير المؤنث، فتقع المشاكلة طرفا ووسطا، وقوله: فاحضر مكملا أي لا تغب عنه، فالمذكور مكمل البيان، فيكون مكملا مفعولا به أي احضر كلاما مكملا أو يكون التقدير احضر رجلا مكملا في هذا العلم يفهمك إياه؛ أي لا تقتد ولا تقلد إلا مكمل الأوصاف كمالا شرعيا معتادا، فالكمال المطلق إنما هو لله ويجوز أن يكون مكملا نعت مصدر محذوف أو حالا أي احضر حضورا مكملا أي لا تكن حاضرا ببدنك غائبا بذهنك وخاطرك، أو احضر في حال كونك مكملا أي بجملتك من القلب والقالب والله أعلم. وإنما قال ذلك على أي معنى قصده من هذه المعاني لصعوبة ضبط مذهب ورش هنا فأشار إلى تفهمه والبحث عنه وإلقاء السمع لما يقوله الخبير به، وقد تخلص من مجموع ما تقدم أن ورشا يميل بين اللفظين كل ألف بعد راء، ورءوس الآي غير المؤنثة بلا خلاف وفي المؤنثة الخالية من الراء وفي كلمة: "أراكهم". في ذوات الياء انقلابا أو رسما أو إلحاقا خلاف ولا يميل: "مرضاة" ولا "كلا" ولا "كمشكاة" ولا "الربا". من مجموع ما تقدم إمالته وباقي ما تقدم لورش على التفصيل المذكور ووقع لي في ضبط ذلك بيتان فقلت: وذو الراء ورش بين بين وفي رُءُو ... س الَاي سوى اللاتي تحصلا بها وأراكهم وذي اليا خلافهم ... كلا والربا مرضاة مشكاة أهملا فذكر أولا ما يميله بلا خلاف ثم ما فيه وجهان ثم ما امتنعت إمالته والله أعلم. ٣١٦- وَكَيْفَ أَتَتْ فَعْلَى وَآخِرُ آيِ مَا ... تَقَدَّمَ لِلبَصْرِي سِوى رَاهُمَا اعْتَلا أي وأميل لأبي عمرو بين بين فعلى كيف أتت بفتح الفاء، نحو: "تقوى" و"شتى" و"يحيي" أو بكسرها نحو: "إحدى" و"عيسى" أو بضمها نحو: "الحسنى" و"موسى"، وكذا أواخر الآي من السور المقدم ذكرها، وعطف ذلك على قراءة ورش، فعلم أنها بين اللفظين فلا يزال في ذلك إلى أن يذكر الإمالة لحمزة مثل ما أنه قال: وإدغام باء الجزم وعطف عليها مسائل أخر، ولم يذكر الإدغام، فحملت عليه إلى أن قال: ويس أظهر وعطف المسائل إلى آخر الباب وحمل الجميع على الإظهار وقوله: سوى راهما اعتلا أي سوى ما وقع من بابي فعلى ورءوس الآي بالراء قبل الألف نحو:

стр. 252

"ذكرى"، "وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ"١، "هُدىً وَبُشْرَى"٢، "رسلنا تترى"٣، ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ٤ و ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ٥، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ٦. فإنه يميله إمالة محضة على ما تقدم له من ذلك في قوله وما بعد راء شاع حكما فالضمير في راهما يعود على فعلى وعلى آخر آي ما تقدم وقصر لفظ الراء ضرورة كما قصر الياء من قوله وذوات الياله الخلف وفي جملا ضمير يعود على الخلف ويجوز أن تكون الألف فيه للتنبيه لأن معنى الخلف وجهان فكأنه قال وجهان جملا كما قال ذلك في باب المد والقصر وقوله اعتلا الضمير فيه عائد على الراء أي اعتلا في الإمالة أو يعود على الإضجاع أي اعتلت الإمالة فيه فكانت محضة، وقد اختلف في سبعة مواضع من تلك السور أهي رأس آية أم لا، فيبنى مذهب أبي عمرو وورش على ذلك الأول في طه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ ٧، عدها الشامي وحده. والثاني فيها أيضا: "هذا إلهكم وإله موسى"، عدها المدني الأول والكوفي. والثالث فيها أيضا: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ٨، لم يعدها الكوفي. والرابع في والنجم: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى﴾ ٩، عدها الشامي. والخامس في والنازعات: "فأما من طغى"، لم يعدها المدني. والسادس في والليل: "إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى"، لم يعدها بعض أهل العدد وهو غلط. والسابع في اقرأ: "أرأيت الذي ينهى". تركها الشامي. وليس قوله:

стр. 253

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ في سورة والليل برأس آية، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ، قيل هو أفعل وقيل هو فعلى، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً﴾ ، هو مفعل وليس فعلى. قال مكي: واختلف عنه في: "يحيى"؛ فمذهب الشيخ أنه بين اللفظين وغيره يقول بالفتح؛ لأنه يفعل. قلت: يعني "يحيى" اسم النبي ﵇، وأما نحو: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيّ﴾ ، فهو يفعل بلا خلاف كـ "يسعى" و"يخشى" ويصلى" فاعلم ذلك. ٣١٦- وَيَا وَيْلَتَى أَنَّى وَيَا حَسْرَتى "طَ"ـوَوْا ... وعَنْ غَيْرِهِ قِسْهَا وَيَا أَسَفَى العُلا يعني أن الدوري عن أبي عمرو أمال هذه الكلم الأربع بين بين وهذا الحكم منقول في التيسير وغيره عن أبي عمرو البصري نفسه لكنه قال من طريق أهل العراق وتلك طريق الدوري قال ومن طريق أهل الرقة بالفتح يعني طريق السوسي وروي عنه فتحها وروي فتح: ﴿يَا أَسَفَى﴾ . وإمالة الثلاثة الباقية، وهذه طريق أبي الحسن ابن غلبون، ووالده أبي الطيب فلهذا اختزل الناظم: ﴿يَا أَسَفَى﴾ عن أخواتها، وألحقها بها، أرادوا: يا أسفى كذلك، وكأنه أشار بقوله: طووا إلى ذلك أي طووه ولم يظهروه إظهار غيره فوقع فيه اختلاف كثير، ثم قال: وعن غير الدوري قسها على أصولهم فتميل لحمزة والكسائي؛ لأن الجميع من ذوات الياء رسما، وقد تقدم الكلام في: ﴿أَنَّى﴾ . والألف في: "ويلتى" و"حسرتى" و"أسفى" منقلبة عن ياء، والأصل إضافة هذه الكلمات إلى ياء المتكلم وتميل لورش بين اللفظين على أصله في ذوات

стр. 254

الياء بخلاف عنه وافتح للباقين، وإن كان ظاهر ما في التيسير أن ورشا لا يميلها؛ لأنه ذكر مذهب أبي عمرو، ثم قال: وأمال ذلك حمزة والكسائي على أصلهما، وقرأه الباقون بإخلاص الفتح في جميع ما تقدم. وقوله: العلا صفة لهذه الكلمات أي هي العلا، ولو قال: "ويا أسفى على" لكان أحسن؛ لأنه لفظ القرآن. فإن قلت: إنما عدل عنه؛ لئلا يلتبس ويوهم أن "على" من جملة الكلمات الممالة وأن التقدير: ويا أسفا وعلى، قلت: زال هذا الإلباس بنصه فيما سبق على أن على لا تمال سلمنا الإلباس لكنا نقول: الإلباس أيضا واقع في قوله: العلا؛ فإنه من ألفاظ القرآن أيضا، فيقال لعله أراد والعلا، ولفظ العلا لا يختص الدوري بإمالته بين اللفظين بل ذلك لأبي عمرو بكماله ولورش؛ لأنهما رأس آية ثم إنه يلتبس أيضا من وجه آخر؛ لأنه يوهم أنه رمز لنافع في ويا أسفى وتكون الواو في يا أسفى للفصل والله أعلم. ٣١٧- وَكَيْفَ الثُّلاَثِي غَيْرَ زَاغَتْ بِمَاضِيٍ ... أَمِلْ خَابَ خَافُوا طَابَ ضَاقَتْ فَتُجْمِلا أي: وكيف أتى اللفظ الذي على ثلاثة أحرف من هذه الأفعال العشرة التي يأتي ذكرها بشرط أن تكون أفعالا ماضية فأملها لحمزة، وكلها معتلة العين، والإمالة واقعة في وسطها بخلاف ما تقدم كله؛ فإن الإمالة كانت واقعة في الطرف وكلها من ذوات الياء إلا واحد وهو خاف أصله خوف فأميل لأجل الكسرة التي كانت في الواو، ولأن الخاء قد تنكسر في نحو: خفت إذا رددت للفعل إلى نفسك أو إلى مخاطبك كما تكسر أوائل أخواتها لذلك، ولأن الألف قد تنقلب ياء إذا بني الفعل لما لم يسم فاعله نحو: خيف زيد، و: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ . وزيد في المال، ورين على قلبه، ذكر في هذا البيت أربعة من العشرة وهي: خاب وخاف وطاب وضاق ومثل بالفعل المجرد في خاب وطاب والمتصل بالضمير في خافوا وبالملحق به تاء التأنيث في ضاقت واستثنى من هذا لفظا واحدا في موضعين وهو زاغت في الأحزاب وص، ومعنى قوله: وكيف الثلاثي أي سواء اتصل به ضمير أو لحقته تاء تأنيث أو تجرد عن ذلك أي أمله على أي حالة جاء بعد أن يكون ثلاثيا نحو: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ و ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ . واحترز بالثلاثي عن الرباعي فإنه لا يميله وهو: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ لا غير، والمراد بالثلاثي هنا أن يكون الفعل على ثلاثة أحرف أصول والرباعي ما زاد على الثلاثة همزة في أوله دون ما زاد في آخره ضمير أو علامة تأنيث فلهذا أمال نحو: ﴿خَافَتْ﴾ "ولم يمل" ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، وإن كانت عدة الحروف في كل كلمة أربعة، فإن الهمزة مقومة للفظ الفعل بخلاف التاء والواو في: ﴿خَافَتْ﴾ و ﴿خَافُوا﴾ . واحترز بقوله بماضي عن غير الفعل الماضي، فلا يميل:

стр. 255

﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ولا ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ ولا ﴿تَخَافُ﴾ ولا "ما تشاؤون". ونحوه ولا يتصور الألف في مضارع باقي الأفعال العشرة بل تنقلب فيها ياء نحو يخيب يطيب واستثنى من الماضي أيضا زاغت كما مضى جمعا بين اللغتين إلا أنه في التيسير قال زاغ في النجم، وزاغوا في الصف لا غير وكذا قال مكي وقال الداني في كتاب الإمالة أما زاغ فجملته ثلاثة مواضع في الأحزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ . وفي النجم والصف فأما في ص: ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ وفي الصف ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . فلا خلاف في فتحهما واستثنى ابن شريح في الجميع ما اتصل بتاء تأنيث ولم يستثن ابن الفحام ذلك وطاب في القرآن موضع واحد: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، "وإنما لم يمل" "أجاءها". وأزاغ تخفيفا لأن في إمالة ذلك ثقلا من جهة انحدار اللفظ بعد همزة ثم صعوده إلى مثلها وإلى حرف استعلاء فهو مشبه بنزول واد والصعود منه فاختير اتصال اللفظ على سنن واحد كما يختار السنن كذلك وإنما لم يمل: ﴿يَخَافُ﴾ و ﴿يَشَاءُ﴾ . لأن الألف في المضارع من هذين الفعلين مفتوح الأصل إذ التقدير. "يخيف ويشيأ". ولا ينكسر أوله إذا رد الفعل إلى المتكلم والمخاطب ولا تنقلب ألفه ياء إذا بنى لما لم يسم فاعله بخلاف الماضي في هذه الوجوه كلها فلهذا أمال الماضي دون المضارع. وقوله بماضي كسر الياء ونونها وهذا هو الأصل ولكنه متروك لا يأتي إلا في ضرورة الشعر قال جرير: فيوما يجازين الهوى غير ماضي ووجه الكلام ماض بحذف الياء وإبقاء التنوين على كسر الضاد في الرفع والجر. والفاء في فتجملا رمز لحمزة ونصب الفعل بإضمار أن بعدها في جواب الأمر في قوله أمل وهو من أجمل إذا فعل الجميل ثم ذكر باقي الأفعال العشرة فقال: ٣١٨- وَحَاقَ وَزَاغُوا جَاءَ شَاءَ وَزَارَ [فُـ]ـزْ ... وَجَاءَ ابْنُ ذَكْوَانٍ وَفِي شَاءَ مَيَّلاَ فهذه خمسة أفعال وتقدم أربعة والعاشر يأتي في البيت الآتي والفاء في فز: رمز حمزة أيضا ثم ذكر أن ابن ذكوان وافق حمزة في إمالة ألف جاء وشاء وزاد على ما يأتي في البيت الآتي ووجهه خلو هذه الأفعال الثلاثة من حروف الاستعلاء قبلها وبعدها بخلاف الستة الباقية فإن ثلاثة منها حرف الاستعلاء في أوائلها وهي: خاب، خاف، طاب، واثنان حرف الاستعلاء في آخرهما، وهما، حاق وزاغ، وواحد حرف الاستعلاء في أوله وآخره وهو ضاق، وحروف الاستعلاء تمنع الإمالة إذا وليت الألف قبلها أو بعدها في الأسماء فتجنبها ابن ذكوان أيضا في الأفعال.

стр. 256

وقوله: جاء مبتدأ وابن ذكوان خبره أي وجاء ممال ابن ذكوان على حذف مضاف وفي شاء ميلا أي وأوقع الإمالة في شاء، ولو قال: وجاء وفي شاء ابن ذكوان ميلا لكان جاء مفعول ميل، ومن لا يعرف مقاصد هذا الكتاب يعرب جاء ابن ذكوان فعلا وفاعلا ثم ذكر الفعل الثالث الذي أماله فقال: ٣١٩- فَزَادَهُمُ الأُولَى وَفِي الْغَيْرِ خُلْفُهُ ... وَقُلْ [صُحْبَةٌ] بَلْ رَانَ وَاصْحَبْ مُعَدَّلا يعني أول ما في القرآن من كلمة زاد وهي قوله تعالى في أول البقرة: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ، هذه يميلها ابن ذكوان بلا خلاف، وفي غير هذا الموضع له في إمالة لفظ: زاد كيف أتى خلاف، ولا يقع في القرآن إلا متصلا بالضمير إلا أنه على وجوه نحو: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ . وقول الناظم: فزادهم إما أن يكون معطوفا على ما قبله وحذف حرف العطف؛ فإن حذفه لضرورة الشعر جائز إذا دل عليه دليل وإما أنه مبتدأ وخبره محذوف أي فزادهم الأولى كذلك أي أماله ابن ذكوان وأما الفعل العاشر فقوله سبحانه: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ، وافق حمزة الكسائي على إمالته، وأبو بكر عن عاصم، ولم يملها ابن ذكوان؛ لأن الراء غير المكسورة إذا وليت الألف كان لها حكم حروف الاستعلاء، وقوله: واصحب معدلا مثل قوله فيما سبق: فاحضر مكملا على قولنا: أن المعنى رجلا مكملا كأنه لمح من لفظ صحبة ما يختار في نفس الصحبة فحث عليه ﵀. ٣٢٠- وَفِي أَلِفَاتٍ قَبْلَ رَا طَرَفٍ أَتَتْ ... بِكَسْر أَمِلْ "تُـ"ـدْعى "حَـ"ـمِيداً وَتُقْبَلا وهذا نوع آخر من الممالات وهي كل ألف متوسطة قبل راء مكسورة تلك الراء طرف الكلمة احترازا من نحو: ﴿نَمَارِقُ﴾ ، ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ ؛ لأن الراء فيهما عين الكلمة أما في: "نمارق" فظاهر، وأما في: "فلا تمار"؛ فلأن لام الفعل ياء وحذفت للجزم، واشترط صاحب التيسير ومكي وابن شريح في الراء أن تكون لام الفعل وهو منتقض بالحواريين؛ فإن الراء فيهما لام الكلمة، ولا تمال الألف قبلها فإن ياء النسبة حلت محل الطرف، فأزالت الراء عن الطرف بخلاف الضمائر المتصلة في نحو: "أبصارهم"؛ فإنها منفصلة تقديرا باعتبار مدلولها فلم تخرج الراء عن كونها طرف كلمة أيضا، وأما الياء في حواري فأزالت الراء عين الطرف ولهذا انتقل الإعراب إلى ياء النسبة وحرف الإعراب من كل معرب آخره والمسوغ للإمالة في هذه الألف كسرة الراء بعدها. وقوله: وفي ألفات مفعول أمل أي أوقع الإمالة فيها، وقوله: تدعى مجزوم تقديرا؛ لأنه جواب الأمر وإنما أجراه مجرى الصحيح فلم يحذف ألفه كما قرئ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ .

стр. 257

بإثبات الياء كما يأتي ونصب: وتقبلا؛ لأنه فعل مضارع بعد الواو في جواب الأمر كما تقول: زرني وأكرمك، وليس بمعطوف على تدعى بل على مصدره وسيأتي نظير هذا في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ بالنصب في سورة الشورى، وقد استعمل الناظم هذه العبارة أيضا في سورة الرحمن : فقال: "يطمث" في الأولى ضم تهدى وتقبلا، وقال الشيخ وغيره: أراد: وتقبلن أي ولتقبلن ثم حذف اللام وأبدل من النون ألفا: ٣٢١- كَأَبْصَارِهِمْ وَالدَّارِ ثُمَّ الحِمَارِ مَعْ ... حِمَارِكَ وَالكُفَّارِ وَاقْتَسْ لِتَنْضُلا مثل هذا النوع بأمثلة متعددة خاليا من الضمير ومتصلا به غائبا ومخاطبا، وهو يأتي في القرآن على عشرة أوزان ذكر الناظم منها أربعة: أفعال وفعل وفِعال وفُعَّال وبقي ستة: فَعَّال نحو كفار وسحار، وفَعَال نحو نهار وبوار، وفِعَّال نحو دينار أصله دنار فأبدلت النون الأولى ياء، وفعلال وهو قنطار، ومفعال وهو مقدار، وإفعال وهو إبكار، واقتس: أي قس على ما ذكرته ما لم أذكره فهو مثل قرأ واقترأ، وقوله: لتنضلا أي لتغلب يقال: ناضلهم فنضلهم إذا رماهم فغلبهم في الرمي، ويلزم أن يكون من هذا الباب: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ١، وهو الذي انفرد الدوري بإمالته كما يأتي فإن الراء طرف والياء ضمير كالضمير في: ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ و ﴿حِمَارِكَ﴾ . ٣٢٢- وَمَعْ كَافِرِينَ الكافِرِينَ بِيَائِهِ ... وَهَارٍ "رَ"وَى "مُـ"ـرْوٍ بِخُلْفٍ "صَـ"ـدٍ "حَـ"ـلا أي وأمالا الكافرين مع كافرين يعني معرفا ومنكرا وبيائه في موضع الحال أي أمالا هذا اللفظ في هذه الحالة وهي كونه بالياء التي هي علامة النصب والجر، احترز بذلك ن المرفوع نحو كافرون والكافرون فإن ذلك لا يمال؛ لأن الراء غير مكسورة ولا يميلان أيضا ما هو على وزن كافرين بالياء نحو صابرين، وقادرين، وبخارجين، والغارمين، وأما "هار" من قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ ، فأصله هاور أو هاير من هار يهور ويهير ثم قدمت اللام إلى موضع العين، وأخرت العين إلى موضع اللام، وفعل فيه ما فعل بقاضٍ فالراء على ما استقر عليه الأمر آخرا ليست بطرف، وبالنظر إلى الأصل هي طرف ولكن على هذا التقرير لا تكون الألف تلي الراء التي هي طرف بل بينهما حرف مقدر فصار مثل كافرين بين الألف والراء حرف محقق، وقوله مرو هو اسم فاعل من أروى غيره وهو فاعل روى

стр. 258

أي نقل رجل عالم معلم، وصد نعته ومعناه العطشان أي هو مرو لغيره بالعلم صد إلى تعلم ما لم يعلم كقوله ﷺ : "منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا"، أو يكون صد مفعولا ولم ينصبه ضرورة أي أمال "هار" الكسائي بكماله، وابن ذكوان بخلاف عنه، وأبو بكر وأبو عمرو، فإن قلت يظهر من نظم هذا البيت أن الذين أمالوا "هارٍ" أمالوا "كافرين"؛ لأنه قال: ومع كافرين، ولا مانع من أن تكون الواو في "ومع" فاصلة بعد واوٍ واقتس، وإذا كان الأمر كذلك، ولم يذكر بعده من أماله فيظهر أن قوله: "وهار" عطف عليه والرمز بعده لهما فيكون كقوله في آل عمران: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ ياء ضم البيت ذكر فيه ثلاث قراءات في ثلاث كلمات ثم رمز لهن رمزًا واحدًا قلت: لا مانع من توهم ذلك ويقويه أن كافرين وهار كلاهما ليس داخلا في الضابط المقدم لأبي عمرو والدوري على ما شرحناه فإنه فصل بين الألف والراء الفاء في كافرين وفي "هارٍ" حرف مقدر إما واو وإما ياء، وعلى الوجه الآخر لا تكون الراء طرفا، وإذا خرجا من ذلك الباب قوي الوهم في أن من أمال أحدهما أمال الآخر، ولو كان أسقط الواو من "ومع"، وقال مع الكافرين كافرين لزال الوهم أي أمالا هذا مع الكافرين، ولو قال: كذا كافرين الكافرين لحصل الغرض والله أعلم. ٣٢٣- "بَـ"ـدَارِ وَجَبَّارِينَ وَالجَارِ "تَـ"ـمَّمُوا ... وَوَرْشٌ جَمِيعَ البَابِ كَانَ مُقَلِّلا بدار رمز قالون؛ لأنه من جملة من أمال هارٍ ومعناه بادر، مثل قولهم: نزال أي: انزل أي بادر إلى أخذه ومعرفته وأمال الدوري وحده جبارين في المائدة والشعراء والجار في موضعين في النساء والشعراء فتمموا الباب بإمالة هذين له وورش قلل جميع هذا الباب أي أماله بين اللفظين من قوله: وفي ألفات قبل را طرف إلى هنا والله أعلم. ٣٢٤- وَهذَانِ عَنْهُ بِاخْتِلاَفٍ وَمَعَهُ في الـ ... ـبَوَارِ وَفي القَهَّارِ حَمْزَةُ قَلَّلا يعني جبارين والجار عن ورش خلاف في تقليلهما، ووافق حمزة ورشا في تقليل "البوار" و"القهار" فقط والله أعلم. ٣٢٥- وَإِضْجَاعُ ذِي رَاءَيْنِ "حَـ"ـجَّ "رُ"وَاتُه ... كَالأَبْرَارِ وَالتَّقْلِيلُ "جَـ"ـادَلَ "فَـ"ـيْصَلا الإضجاع الإمالة وحج رواته رمز، ومعناه غلبوا في الحجة أي إضجاع ذي راءين مما ذكرناه أي تكون الألف قبل راء مكسورة طرف ومثاله: ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ ، و: ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ ، و: ﴿كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ فقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ لا يمال؛ لأن الراء مفتوحة كما لا يمال "خلق الليل والنهار"، وفيصلا حال من الضمير في جادل العائد على التقليل؛ لأن التقليل متوسط بين الفتح والإمالة أي أمال ذلك أبو عمرو والكسائي بكماله وقرأه ورش وحمزة بين اللفظين والله أعلم.

стр. 259

٣٢٦- وَإِضْجَاعُ أَنْصَارِي "تَـ"ـمِيمٌ وَسَارِعُوا ... نُسَارِعُ وَالبَارِي وَبَارِئِكُمْ "تَـ"ـلا يريد قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ في آل عمران والصف: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، و ﴿الْبَارِئُ﴾ في الحشر، و ﴿بَارِئِكُمْ﴾ في موضعين في البقرة. انفرد بإمالة ما في هذا البيت والذي بعده الدوري عن الكسائي، والتاء في تميم وتلا رمز كل واحد منهما رمز لما سبقه من الألفاظ وكذا آخر البيت الآتي، وأشار بقوله: تميم إلى أن الإمالة هي لغة تميم على ما سبق نقله في أول الباب، وهو على حذف مضاف أي الإضجاع لغة تميم ولو قال: واضجع ﴿أَنْصَارِي﴾ تميم لكان حسنا ولم يحتج إلى حذف مضاف، والضمير في تلا فاعل يعود إلى المقصود بقوله: تميم، وهو القارئ كما قال في البيت الآتي عنه، ويجوز أن يريد تبع هذا المذكور ما قبله في الإمالة، ووجه إمالة الألف في هذه المواضع ما بعدها من الكسر على الراء مع أن الراء ظرف في أنصاري، ولو لم يذكر ههنا مع ما اختص بالدوري لكانت واجبة الإمالة في مذهب أبي عمرو أيضا على القاعدة السابقة. ٣٢٧- وَآذَانِهِمْ طُغْيَانِهِمْ وَيُسَارِعُو ... نَ آذَانِنَا عَنْهُ الجَوَارِي "تَـ"ـمَثَّلا وجميع ما في هذا البيت انفرد بإمالته الدوري عن الكسائي، والضمير في عنه له، والتاء في تمثلا رمزه لأجل لفظ الجواري، وقيل الرمز هو قوله تميم وما ذكرناه واضح وإنما أميلت هذه الألفاظ الخمسة للكسر المجاور للألف بعدها مع كون الكسرة على راء في "يسارعون" و"الجوار" ومع زيادة "في طغيانهم" وهي مجاورة الياء للألف من قبلها "وآذانهم" في القرآن في سبعة مواضع في البقرة والأنعام و"سبحان" والكهف في موضعين وفصلت ونوح، و"طغيانهم" في خمس سور في البقرة والأنعام والأعراف ويونس والمؤمنون ولا يمال طغيانا كبيرًا إلا في رواية شاذة عن الكسائي ويسارعون في سبعة مواضع في آل عمران موضعان وفي المائدة ثلاثة وفي الأنبياء المؤمنون و"آذاننا" في فصلت فقط والجوار في ثلاث سور في: "حم عسق"، والرحمن وكورت وصواب قراءته في النظم بغير ياء؛ لأن قراءة من أمالها كذلك في: "حم عسق"، وأجمعوا على حذفها في الرحمن و"كورت" للساكن بعدها ثم ذكر ما اختلف فيه عن الدوري فقال: ٣٢٨- يُوَارِي أُوَارِي فِي العُقُودِ بِخُلْفِهِ ... ضِعَافًا وَحَرْفَا النَّمْلِ آتِيكَ "قَـ"ـوَّلا العقود هي: سورة المائدة يريد قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ ١، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ ٢. ولم يذكر صاحب التيسير فيهما إمالة، وقال في كتاب الإمالة: اجتمعت القراءة على إخلاص الفتح فيهما،

стр. 260

إلا ما حدثنا به عبد العزيز بن جعفر بن محمد هو ابن أبي غسان الفارسي قال: حدثنا أبو طاهر بن أبي هاشم قال: قرأت على أبي عثمان الضرير عن أبي عمرو عن الكسائي: "يواري" "فأواري". بالإمالة قال: وقرأت على أبي بكر بالفتح ولم ترو الإمالة عن غيره: قال أبو عمرو: وقياس ذلك الموضع الذي في الأعراف وهو قوله: ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ١، ولم يذكره ثم ذكر ضعافا من قوله تعالى في النساء: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ . فوجه إمالة ألفها كسرة الضاد ولا اعتبار بالحاجز كما تميل العرب عمادا وفي النمل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ في موضعين أميلت ألف آتيك لكسرة التاء بعدها، واستضعف إمالتها قوم من جهة أن أصلها همزة؛ لأنه مضارع أتى ويمكن منع هذا ويقال هو اسم الفاعل منه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ﴾ ؛ أي أنا محضره لك فقوله: ضعافا مبتدأ، وحرفا النمل عطف عليه، وآتيك عطف بيان له، ووجه الكلام أن يقول: آتيك آتيك مرتين، وإنما استغني بأحدهما عن الآخر، وقولا خبر المتبدأ، وما عطف عليه، ونزل حرفي النمل منزلة حرف واحد؛ لأنهما كلمة واحدة تكررت وهي آتيك، وكأنه قال: ضعافا، وآتيك قولا فالألف في قولا للتثنية أي قيلا بالإمالة والقاف رمز خلاد ثم قال: ٣٢٩- بِخُلْفٍ "ضَـ"ـمَمْنَاهُ مَشَارِبُ "لا"مِعٌ ... وَآنِيَةٍ فِي هَلْ أَتَاكَ "لِـ"أَعْدِلا أي الخلف عن خلاد في إمالتها والضاد في ضممناه رمز خلف أمالهما من غير خلاف ثم قال مشارب لامع وهما مبتدأ وخبر أي ظاهر واضح كالشيء اللامع أراد أن هشاما أمال: ﴿مَشَارِبُ﴾ في سورة يس لكسرة الراء بعدها وألف: ﴿آنِيَةٍ﴾ في سورة الغاشية لكسرة النون بعدها وللياء التي بعد الكسرة، ووزنها فاعلة وهي قوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي حارة وأما:

стр. 261

﴿آنِيَةٍ﴾ التي في سورة هل أتى قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فوزنها أفعلة؛ لأنها جمع إناء ولم يمل ألفها أحد ولعل سببه أن ألفها بدل عن همزة فنظر إلى الأصل فلم تمل فقوله في هل أتيك أي في سورة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ احترازا من التي في: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ ، واللام في لأعدلا رمز لهشام أي لقارئ زائد العدل أي أماله من هذه صفته والألف للإطلاق والله أعلم. ٣٣٠- وَفِي الْكَافِرُونَ عَابِدُونَ وَعَابِدٌ ... وَخَلَفُهُمْ في النَّاسِ في الْجَرِّ "حُـ"ـصِّلا أي في سورة الكافرون أمال هشام: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ ، في موضعين ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ ؛ لكسرة الباء بعد الألف واحترز بذلك من قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ . ثم قال: وخلفهم أي خلف الناقلين من أهل الأداء في إمالة لفظ الناس إذا كان مجرورا نحو جميع الذي في سورة الناس، فروي عن أبي عمرو الوجهان، واختار الداني الإمالة في كتاب الإمالة، ووجهها كسرة السين بعد الألف وقيل إن ذلك لغة أهل الحجاز، قال الشيخ: وكان شيخنا يعني الشاطبي ﵀ يقرئ بالإمالة يعني لأبي عمرو من طريق الدوري، وبالفتح من طريق السوسي، وهو مسطور في كتب الأئمة كذلك. قلت: وكذلك أقرأنا شيخنا أبو الحسن ولم يذكر أبو الحسن ابن غلبون غيره ويتجه في هذا البيت من الإشكال ما اتجه فيما مضى في قوله: ومعْ كافرين الكافرين بيائه ... من أنه يحتمل أن تكون الواو في قوله وفي الكافرون فاصلة وإذا كان كذلك فلم يذكر لقارئها رمزا فيكون حصلا رمزا لها وللناس، وتكون الواو في وخلفهم عاطفة، ولو قال: وفي الكافرون عابدون وعابد له خلفهم في الناس لخلص من ذلك الإيهام، ولا يحتاج إلى واو فاصلة في خلفهم؛ لأن هذا من باب قوله: سوى أحرف لا ريبة في اتصالها كما قال بعد هذا: حمارك والمحراب إلى آخره، ولم يأت بواو فاصلة، فإن قلت فقد سنح إشكال آخر وهو أنه يحتمل أن يكون بعض ما في البيت الآتي لأبي عمرو إذا لم يأت بواو والباقي من عند الواو لابن ذكوان فمن أين يتمحض الجميع لابن ذكوان؟ قلت: من جهة استفتاحه ذلك بقوله: حمارك وهو مما قد علم أن أبا عمرو يميله دل

стр. 262

ذلك على أنه إنما ساقه مع ما عطف عليه لغير أبي عمرو فينتظر من يرمز له وليس إلا قوله مثلا والله أعلم. ٣٣١- حِمَارِكَ وَالمِحْرَابِ إِكْرَاهِهِنَّ وَالـ ... ـحِمَارِ وَفي الإِكْرَامِ عِمْرَانَ مُثِّلا أي أمال ابن ذكوان جميع ما في هذا البيت: ﴿حِمَارِكَ﴾ في البقرة و ﴿الْحِمَارِ﴾ في الجمعة، والمحراب، وعمران حيث وقعا، و"إكراههن" في النور، "والإكرام" في موضعين في سورة الرحمن ، ووجهه كسرة أوائل الجميع وما بعد الألف غير عمران والمحراب المنصوب، ووافق في حمارك والحمار مذهب أبي عمرو والدوري عن الكسائي في ذلك، فإن قلت: فما له لم يذكرهما معه عندما ذكر حمارك والحمار كما أعاد ذكر حمزة والكسائي مع من وافقهما في إمالة "رمى" و"نأى" و"إناه"؟، قلت:؛ لأنه نص على احمار وحمارك في إمالة أبي عمرو والدوري في قوله: كأبصارهم والدار ثم الحمار مع حمارك فلم يضره بعد ذلك أن يذكر مذهب ابن ذكوان وحده، ومثل ذلك قوله فيما مضى: وجاء ابن ذكوان وفي شاء ميلا وإن كان حمزة يقرأ كذلك؛ لأنه قد تقدم ذكره له معينا بخلاف "رمى" و"نأى" و"إناه" فإنه لم يتقدم النص عليها معينة، وإنما اندرجت في قاعدة ذوات الياء فلو لم يعد ذكر حمزة والكسائي، لظن أن ذلك مستنثى من الأصل المقدم كما تفرد الكسائي بإمالة مواضع من ذلك والله أعلم. ٣٣٢- وَكُلٌّ بِخُلْفٍ لاِبْنِ ذَكْوَانَ غَيْرَ مَا ... يُجَرُّ مِنَ الْمِحْرَابِ فَاعْلَمْ لِتَعْمَلا أي كل هذه الألفاظ الستة في إمالتها لابن ذكوان خلاف إلا المحراب المجرور فلم يختلف عنه إمالته، وهو موضعان في آل عمران ومريم فتفردا ابن ذكوان بإمالة هذه الكلم الأربع "المحراب" و"إكراههن" والإكرام وعمران، وباقي القراء على فتحها إلا ورشا فإنه يقرؤها بين اللفظين إلا عمران وهو المعبر عنه بترقيق الراء على ما يأتي في بابه ويتضح لك الفرق بين الإمالة وبين اللفظين بقراءة ورش وابن ذكوان في هذه الكلمات وهو عين ما نبهنا عليه في شرح قوله: وذو الراء ورش بين بين، وأكثر الناس يجهلون ذلك والله أعلم. ٣٣٣- وَلاَ يَمْنَعُ الإِسْكَانُ فِي الوَقْفِ عَارِضًا ... إِمَالَةَ مَا لِلكَسْرِ فِي الْوَصْلِ مُيِّلا في الوقف معمول عارضا ولو جعلناه معمول الإسكان لقلت فائدته؛ فإن إسكان الوقف لا يكون إلا عارضا ومعنى البيت كل ألف أميلت في الوصل لأجل كسرة بعدها نحو "النار" و"الناس" فتلك الكسرة تزول في الوقف وتوقف بالسكون فهذا السكون في الوقف لا يمنع إمالة الألف؛ لأنه عارض ولأن الإمالة سبقت الوقف ولم يذكر في التيسير غير هذا الوجه، وذهب قوم إلى منع الإمالة لزوال الكسر الموجب لها فإن رمت الحركة فالإمالة لا غير والله أعلم. ٣٣٤- وَقَبْلَ سُكُونٍ قِفْ بِمَا فِي أُصُولِهِمْ ... وَذُو الرَّاءِ فِيهِ الخُلْفُ في الْوَصْلِ "يُـ"ـجُتَلا أي كل ألف قبل ساكن لو لم يكن بعدها ساكن لجازت إمالتها ففي الوصل لا يمكن إمالتها؛ لذهابها، فإن وقف عليها كانت على ما تقرر من أصول القراء تمال لمن يميل، وتفتح لمن لم يمل، وتقرأ بين اللفظين لمن

стр. 263

مذهبه ذلك لكن الألف التي قبلها راء اختلف عن السوسي في إمالتها في الوصل ولا يظهر إلا كسر الراء ولم يذكر صاحب التيسير للسوسي إلا الإمالة وابن شريح وغيره من المصنفين لم يذكروا وجه الإمالة أصلا وشرط ما يميله السوسي من هذا الباب: أن لا يكون الساكن تنوينا فإن كان تنوينا لم يملْ بلا خلاف نحو "قرى" و"مفترى"، ثم مثل النوعين وهما ذو الراء وما ليس فيه راء والألف ظرف الكلمة فقال: ٣٣٥- كَمُوسَى الهُدى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ والْقُرَى الـ ... ـتِي مَعَ ذِكْرَى الدَّارِ فَافْهَمْ مُحَصِّلا إذا وقفت على موسى من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ أملت ألف موسى لحمزة والكسائي وجعلتها بين بين لأبي عمرو وورش وفتحت للباقين وكذا في: ﴿عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فهذا مثال ما ليس فيه راء ومنه: "إنا لما طغى الماء" نص مكي وغيره على أن الوقف على طغى بالإمالة لحمزة والكسائي ومثال ما فيه الراء: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ . في سبأ: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ في ص فإذا وقفت على القرى وذكرى أملت لأبي عمرو وحمزة والكسائي ولورش بين اللفظين وههنا أمر لم أر أحدا نبه عليه، وهو أن: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ، وإن امتنعت إمالة ألفها وصلا فلا يمتنع ترقيق رائها في مذهب ورش على أصله لوجود مقتضى ذلك وهو الكسر قبلها ولا يمنع ذلك حجز الساكن بينهما فيتخذ لفظ الترقيق وإمالته بين بين في هذا فكأنه أمال الألف وصلا وما ذكره الشيخ في شرح قوله وحيران بالتفخيم بعض تقبلا من قوله الترقيق في: ﴿ذِكْرَى﴾ ؛ من أجل الياء لا من أجل الكسر أراد بالترقيق الإمالة فهو من أسمائها والله أعلم. والسوسي في أحد الوجهين يكسر الراء في الوصل ومثله: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ و ﴿يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بخلاف قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ لأن ألف يرى قد ذهبت للجازم فإذا وقفت عليها قلت أو لم ير ثم ذكر ما حذفت فيه الألف لأجل التنوين لأنه ساكن فقال:

стр. 264

٣٣٦- وَقَدْ فَخَّمُوا التَّنْوِينَ وَقْفًا وَرَقَّقُوا ... وَتَفْخِيمُهُمْ في النَّصْبِ أَجْمَعُ أَشْمُلا هذا فرع من فروع المسألة المتقدمة داخل تحت قوله وقبل سكون قف بما في أصولهم وأفردها بالذكر لما فيها من الخلاف والأصح والأقوى أن حكمها حكم ما تقدم تمال لمن مذهبه الإمالة، وهو الذي لم يذكر صاحب التيسير غيره، وجعل للمنون ولما سبق ذكره حكما واحدا، فقال: كلما امتنعت الإمالة فيه في حال الوصل من أجل ساكن لقيه تنوين أو غيره نحو: "هدى" و"مصفى" و"مصلى" و"مسمى" و"ضحى" و"غزى" و"مولى" و"ربا" و"مفترى" و"الأقصا الذي" و"طغا الماء" و"النصارى المسيح" و"جنا الجنتين".... وشبهه، فالإمالة فيه سائغة في الوقف؛ لعدم ذلك الساكن، وذكر مكي في المنون وجهين أحدهما هذا وهو الذي اختاره، وقرأه على شيخه أبي الطيب ابن غلبون قال: ونص على: "مصلى" و"غزى" أن الوقف عليهما بالإمالة لحمزة والكسائي وكلاهما في موضع نصب، والوجه الثاني الفرق بين المنصوب وغيره فلا يمال المنصوب ويمال المرفوع والمجرور قال الشيخ: وقال قوم: يفتح ذلك كله فقد صار في المسألة ثلاثة أوجه وهي مبنية على أن الألف في الوقف على جميع الأسماء المقصورة المنونة هي الأصلية رجعت لما سقط الموجب لحذفها وهو التنوين أو يقال: هي مبدلة من التنوين إذا كانت منصوبة المحل، وهي الأصلية في الرفع والجر؛ لأنه قد ألف من اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن أن تبدل من التنوين ألفا في جميع الأحوال؛ لأن التنوين إنما يبدل ألفا في النصب؛ لانفتاح ما قبله، والانفتاح موجود في الأحوال كلها في الأسماء المعتلة المقصورة بخلاف الصحيحة، وهذه الأوجه الثلاثة معروفة عند النحويين فإن قلنا الوقف إنما هو على الألف المبدلة في جميع الأحوال أو في حال النصب فلا إمالة؛ لأن ألف التنوين لا حظ لها في الإمالة كما لو وقف على: "أمتا" و"همسا" و"علما". وقد سبق بيان ذلك فقد صار المنصوب مفخما على قلين وممالا على قول فلهذا قال: "وتفخيمهم في النصب أجمع أشملا" وليس ذلك منه اختيارا لهذا القول وإنما أشار إلى أن الوجهين اتفقا عليه، والأجود وجه الإمالة مطلقا والرسم دال عليه والنقل أيضا ومن وجهة المعنى: أن الوقف لا تنوين فيه وإنما كانت الألف الأصلية تحذف للتنوين في الوصل، فالنطق بالكلمة على أصلها إلى أن يلقاها ما يغيرها وأيضا فإن المبدل من التنوين إنما هو الألف والأصلية أيضا ألف فلا حاجة إلى حذف ما هو أصل وجلب ما هو مثله في موضعه، فترك اعتقاد الحذف فيه أولى، وقول الناظم: وقد فخموا التنوين فيه تجوز فإن التنوين لا يوصف بتفخيم ولا إمالة لعدم قبوله لهما فهو على حذف مضاف تقديره ذا التنوين، ولا تقول: التقدير ألف التنوين لما فيه من الإلباس بألف نحو: "أمتا" و"همسا".

стр. 265

مما لا يمال وسمى في هذا الموضع الفتح تفخيما والإمالة ترقيقا كما سمى ترقيق الراء إمالة على ما سيأتي، وأشملا جمع شمل ونصبه على التمييز أي اجتمع شمل الأصحاب على الوجهين فيه بخلاف المرفوع والمجرور فإن كل واحد منهما مفخم على قول واحد وهو أضعف الأقوال وممال على قولين فهما في الترقيق أجمع أشملا لاقي التفخيم ثم مثل ذلك فقال: ٣٣٧- مُسَمَّى وَمَوْلًى رَفْعُهُ مَعْ جَرِّهِ ... وَمَنْصُوبُهُ غُزَّى وَتَتْرًى تَزَيَّلا أي لفظ "مسمى، ومولى" وقع كل واحد منهما في القرآن مرفوعا ومجرورا كقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ ، "وأما" "غزى" و"تترى". فلم يقعا في القرآن إلا منصوبين في قوله تعالى في آل عمران: ﴿أَوْ كَانُوا غُزّىً﴾ ، ونصبه على أنه خبر كان وهو جمع غاز، ووزنه فعل مثل كافر وكفر، وأما: "تترى"، ففي سورة قد أفلح١ منصوب على الحال وإنما ينفع التمثيل به على قراءة أبي عمرو فهو الذي نونه وأما حمزة والكسائي فلا ينونانه فهو لهما ممال بلا خلاف في الوقف والوصل وكذا ورش يميله بين اللفظين وصلا؛ ووقفا لأنه غير منون في قراءته أيضا فلم يمنع فتح من نون إمالة من لم ينون وهذا مما يقوى ما ذكرناه من ترقيق ورش راء: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ في الوصل فلا يمنع ترك الإمالة لزوال محلها ترقيق الراء لوجود مقتضيه والله أعلم. وقوله: "تزيلا" أي تميز المذكور. وهو التنوين أي ظهرت أنواعه وتميز بعضها من بعض بالأمثلة المذكورة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢، ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ، والهاء في رفعه مع جره ومنصوبه راجعة إلى التنوين أيضا، والكل على تقدير ذي التنوين وهو المنون، وقال الشيخ: تميز المنصوب من غيره بالمثال فإن قلت الألف الممالة في: ﴿غُزّىً﴾ .

стр. 266

منقلبة عن واو؛ لأنه من غزا يغزو فكيف تمال قلت هو داخل في قوله: وكل ثلاثي يزيد فإنه ممال كـ "زكاها" ... والله أعلم.

стр. 267

باب: مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث في الوقف وهي الهاء التي تكون في الوصل تاء، نحو: ﴿رَحْمَةً﴾ ، و ﴿نِعْمَةَ﴾ ، أمالها بعض العرب كما تميل العرب الألف، وهي اللغة الغالبة على ألسنة الناس، وقيل للكسائي: إنك تميل ما قبل هاء التأنيث؟ فقال: هذا طباع العرصة، قال الداني: يعني بذلك أن الإمالة هنا لغة أهل الكوفة، وهي باقية فيهم إلى الآن، وهم بقية أبناء العرب، يقولون أخذت أخذه، وضربت ضربه، وحكى نحو ذلك عنهم الأخفش سعيد، وإنما أميلت لشبه الهاء بالألف؛ لخفائهما واتحاد مخرجهما، وخص هاء التأنيث بذلك حملا لها على ألف التأنيث لتآخيهما في ذلك، وكون ما قبلهما لا يكون إلا مفتوحا أو ألفا، ولم تقع الإمالة في الهاء الأصلية، نحو: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ . وإن كانت تقع في الألف الأصلية؛ لأن الألف أميلت؛ لأن أصلها الياء، والهاء لا أصل لها في ذلك، وكذا لا تقع في هاء الضمير نحو: ﴿مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ ؛ ليقع الفرق بين هاء التأنيث وغيرها، والهاء من "هذه" لا يحتاج إلى إمالة؛ لأن قبلها كسر، والله أعلم. وكذا لا تمال هاء السكت نحو: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ؛ لأن من ضرورة إمالتها كسر ما قبلها، وهي إنما أتي بها بيانا للفتحة قبلها، ففي إمالتها مخالفة للحكمة التي اجتلبت لأجلها، قال الداني في كتاب الإمالة: والنص عن الكسائي والسماع من العرب إنما ورد في هاء التأنيث خاصة، قال: وقد بلغني أن قوما من أهل الأداء منهم أبو مزاحم الخاقاني كانوا يجرونها مجرى هاء التأنيث في الإمالة، وبلغ ذلك ابن مجاهد فأنكره أشد النكير، وقال فيه أبلغ قول، وهو خطأ بين، والله أعلم. ٣٣٨- وَفِي هَاءِ تَأْنِيثِ الْوُقُوفِ وَقَبْلَهَا ... مُمَالُ الْكِسَائِي غَيْرَ عَشْرٍ لِيَعْدِلا احترز بقوله هاء تأنيث عن هاء السكت وهاء الضمير وقد تقدم بيان ذلك، والوقوف مصدر بمعنى الوقف وأضاف هاء التأنيث إليه احترازا من الهاء في: "هذه"؛ فإنها هاء تأنيث لكنها لا تزال هاء وقفا ووصلا، فأراد أن الإمالة واقعة في هاء التأنيث التي هي في الوقف

стр. 268

هاء وفي الوصل تاء سواء كانت مرسومة في المصحف بالتاء أو بالهاء؛ لأن من مذهب الكسائي الوقف على جميع ذلك بالهاء على ما يأتي بيانه، فإن قلت: ما وجه إضافة التأنيث إلى الوقوف؟ قلت: لم يضف التأنيث وحده فإن التأنيث من حيث هو التأنيث وقفا ووصلا وإنما أضاف إلى الوقوف ما يخصه وهو كون حرف التأنيث صار هاء، فيكون من باب قولهم: حب رماني لم يضف إلى الياء الرمان وحده وإنما أضاف حب الرمان وقد تقدم بيان ذلك في شرح قوله: أبو عمرهم، ويدخل تحت قوله هاء تأنيث ما جاء على لفظها وإن لم يكن المقصود بها الدلالة على التأنيث كهمزة: "لمزة" "كاشفة" "بصيرة". ولهذا قال صاحب التيسير: اعلم أن الكسائي كان يقف على هاء التأنيث وما ضارعها في اللفظ بالإمالة، ومثل المضارع بما ذكرناه وغيره فقوله: وما قبلها أي وفي الحروف التي قبلها، وممال بمعنى الإمالة كمقام بمعنى إقامة أي أن إمالة الكسائي واقعة في هاء التأنيث في الوقف وفي الحرف الذي قبلها؛ لقرب الهاء من الياء ولقرب ما قبلها من الكسرة كما يفعل مثل ذلك في إمالة الألف لا بد من تقريب ما قبلها من الكسر ويوصف ذلك بأنه إمالة له وعلى ذلك شرحنا قوله وراء: ﴿تَرَاءَى﴾ . فإن قلت: لما ذكر في الباب المتقدم إمالة الألفات لم ينص على إمالة ما قبلها من الحروف فلم نص هنا على إمالة الحرف الذي قبل هاء التأنيث؟ قلت: لأن الألف الممالة لم يستثن من الحروف الواقعة قبلها شيء وهنا بخلاف ذلك على ما ستراه. قوله: "غير عشر" مستثنى من موصوف قبلها المحذوف، والتقدير: وفي الحروف التي قبلها غير عشرة من تلك الحروف فإنه لم يملها، ومن ضرورة ذلك أن لا يميل الهاء، وإنما أنث لفظ عشر، وإن كان الوجه تذكيره؛ لأن معدوده حروف، وهي مذكرة؛ لأنها جمع حرف من أجل أن تلك الحروف عبارة عن حروف الهجاء وأسماء حروف الهجاء جاء فيها التذكير والتأنيث، فأجرى ذلك في العبارة عنها اعتبارا بالمدلول لا اعتبارا باللفظ والعرب تعتبر المدلول تارة والعبارة أخرى كقوله: وأن كلابا هذه عشر أبطن فأنث أبطنا وهو جمع مذكرٍ وهو بطن لما كان البطن بمعنى القبيلة ولهذا تم البيت بقوله: وأنت بريء من قبائلها العشر وأشار بقوله: ليعدلا إلى أن تلك الحروف تناسب الفتح دون الإمالة فلهذا استثناها، ثم بين تلك الحروف العشرة في كلمات جمعها فيها فقال: ٣٣٩- وَيَجْمَعُهَا "حَقٌ ضِغَاطٌ عَصٍ خَظَا" ... وَ"أَكْهَرُ" بَعْدَ اليَاءِ يَسْكُنُ مُيِّلا أي يجمع تلك الحروف هذه الكلمات الأربع، وضغاط جمع ضغطة، وعص بمعنى عاصٍ وخظا بمعنى سمن واكتنز لحمه يشير إلى ضغطة القبر وهي عصرته والضيق فيه والعاصي حقيق بذلك ولا سيما

стр. 269

إذا كان سمينا، وكأنه يشير بالسمن إلى كثرة ذنوبه كما يوصف من كثر ماله بذلك، والسمن الحقيقي مكروه في ذاته لأهل الدين والعلم؛ لأنه يشعر غالبا بقلة اهتمامه بالآخرة، وبالبلادة أيضا والهم يذيب الجسم وينحفه ولهذا جاء في الحديث: "أما علمت أن الله يبغض الحبر السمين". وقال النبي ﷺ في ذم قوم: "قليل فقه قلوبهم وكثير شحم بطونهم". قال العلماء: فيه تنبيه على أن الفطنة قل ما تكون مع كثرة اللحم والاتصاف بالسمن والشحم وفي أخبار الإمام الشافعي ﵁ أنه قال ما رأيت سمينا عاقلا قط إلا رجلا واحدا وفي رواية: ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن ﵁ ومثال ذلك: "النطيحة" و"الحاقة" و"قبضة" و"بالغة" و"حياة" و"بسطة" و"القارعة" و"خصاصة" و"الصاخة" و"موعظة"، وهذه الحروف العشرة سبعة منها هي حروف الاستعلاء تستعلى إلى الحنك الأعلى فتناسب الفتح، وهي تمنع إمالة الألف في الأسماء فكيف لا تمنع إمالة الهاء التي هي مشبهة بها فإن كان قبل حرف الاستعلاء كسرة فإن الإمالة جائزة في الألف نحو: ﴿ضِعَافًا﴾ ، ولم يقرأ الكسائي بها في هاء التأنيث نحو: ﴿الْقَارِعَةِ﴾ ، والبالغة طردا للباب، ولأن الإمالة في الهاء ضعيفة، فجاز أن يمنعها ما لا يمنع إمالة الألف فإن فصل بين حرف الاستعلاء وبين الهاء فاصل جازت الإمالة نحو: "رقبة" و"مسبغة" و"نحلة" و"بطشة" و"عصبة"، والأحرف الثلاثة الباقية هي من حروف الحلق الألف والحاء والعين أما الألف فلأنها ساكنة لا يمكن كسرها ولو كسر ما قبلها لكانت الإمالة للألف لا للهاء، وأما الحاء والعين، فلأنها أقرب حروف الحلق إلى حروف الاستعلاء، فأعطيا حكمها، ثم قال: "وأكهر" أي حروف أكهر، وهي أربعة: الهمزة والكاف والهاء والراء إذا وقعت قبل هاء التأنيث بعد ياء ساكنة أو كسرة أميلت، فذكر الباء في هذا البيت، والكسر في البيت الآتي، ويلزم من إمالة هذه الحروف إمالة الهاء بعدها، "والأكهر": الشديد العبوس، يقال كهره إذا استقبله بذلك، والكهر ارتفاع النهار مع شدة الحر، ويسكن في موضع الحال من الياء، والضمير في ميلا عائد على لفظ أكهر دون معناه، وهما مبتدأ وخبر وذكر ميلا معاملة للمضاف إليه بعد حذف المضاف لما أقيم مقامه فهو من باب قوله تعالى:

стр. 270

﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا﴾ ، وشبهه ولو عامل المضاف المحذوف لقال ميلت كما قال تعالى بعد ذلك: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ، وإنما اختار الناظم ذلك لأجل القافية فمثال الهمزة بعد الياء الساكنة: "خطيئة" "هيئة" وبعد الكسر "خاطئة". ومثال الكاف بعد الياء الساكنة: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ وبعد الكسر ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ . ومثال الهاء بعد الكسر: ﴿آلِهَةٌ﴾ و ﴿فَاكِهَةٌ﴾ . ولا مثال لها بعد الياء الساكنة في القرآن ومثال الراء بعد الياء: "الكبيرة" و"صغيرة" وبعد الكسر "تبصرة" "والآخرة". وقد ذكر الكسر قبل الأربعة في قوله: ٣٤٠- أَوِ الْكَسْرِ وَالإِسْكَانُ لَيْسَ بِحَاجِزٍ ... وَيَضْعُفُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ أَرْجُلا إذا وقع بين الكسر وبين الراء حرف ساكن لم يكن ذلك بحاجز أي بمانع للكسر من اقتضائه الإمالة، فكأنه قال: أو تقع هذه الحروف الأربعة بعد كسر يليها أو بعد ساكن يليه كسر، ولا مثال لهذا في الهمزة والكاف، وإنما مثاله في الهاء نحو وجهة، وفي الراء نحو: "عبرة" و"سدرة"، واختلف في "فطرة"؛ لأجل أن الساكن حرف الاستعلاء فقوى المانع وهذا وجه جيد ويقويه ما يأتي في الراءات فإنه اعتد به حاجزا، فمنع الترقيق فكذا يمنع الإمالة، ولكن هما بابان كل باب لقارئ فلا يلزم أحدهما مذهب الآخر، والكل جائز: الإمالة والترك في اللغة، ومثاله: ترك ورش ترقيق راء عمران للعجمة وابن ذكوان رققها تبعا لإمالة الألف بعدها ولم ينظر إلى العجمة ثم قال: ويضعف يعني أكهر ضعفت حروفه عن تحمل الإمالة إذا وقعت بعد الفتح والضم وأرجلا جمع رجل ونصبه على التمييز استعار ذلك لما كان يقال لكل مذهب ضعيف هذا لا يتمشى ونحوه لأن الرجل هي آلة المشي فمثال الهمزة بعد الفتح امرأة فإن فصل بين الفتح وبين الهمزة فاصل ساكن فإن كان ألفا منع أيضا نحو: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ . وإن كان غير ألف اختلف فيه نحو: ﴿سَوْءَةَ﴾ . وكهيئة والنشأة قال الداني: والقياس الفتح كأنه أراد القياس على الألف أو لأن الإسكان لما لم يحجز الكسر عن اقتضاء الإمالة في نحو:

стр. 271

﴿عِبْرَةٌ﴾ . فكذا لا يحجز الفتح عن منع الإمالة في نحو: ﴿سَوْءَةَ﴾ . مثال الكاف بعد الفتح نحو: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ و ﴿الشَّوْكَةِ﴾ . سواء في ذلك ما فيه فصل وما لا فصل فيه وبعد الضمة نحو: "التهلكة". ومثال الهاء بعد الفتح مع فصل الألف "سفاهة"، ولا يقع غير ذلك ومثال الراء بعد الفتح شجرة وثمرة وكذا مع فصل الألف وغيرها من الساكن نحو: "سيارة" و"نضرة"، وبعد الضم مع الحاجز نحو: "عسرة" و"محشورة"، ويجمع ذلك كله أن تقع حروف أكهر بعد فتح أو ضم بفصل ساكن وبغير فصل، فلهذا طلق قوله بعد الفتح والضم ووجه استثناء هذه الحروف الأربعة في بعض الصور أما الهمزة والهاء فمن حروف الحلق فألحقا بالألف والحاء والعين والخاء والغين وأما الكاف فقريبة من القاف فمنعت منعها وأما الراء فلما فيها من التكرير تشبه المستعلية فمنعت فأما إذا وقع قبل هذه الأحرف الأربعة كسرة أو ياء ساكنة؛ فإن أسباب الإمالة تقوى وتضعف المانع فتمال الهاء، ثم مثل ما قبله ساكن بعد كسر وما قبله كسر أو ياء ساكنة فقال: ٣٤١- لَعِبْرَهْ مِائَهْ وِجْهَهْ وَلَيْكَهْ وَبَعْضُهُمْ ... سِوى أَلِفٍ عِنْدَ الكِسَائي مَيَّلا أراد قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ ؛ فهذا مثال ما قبله ساكن بعد كسر ومثله "ولكل وجهة" ومثال ما قبله كسر: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ ١. ومثال ما قبله ياء: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ ٢. ووقع في نظم البيت: "ليكة" باللام وهذا وإن كان قرئ به في سورتي: الشعراء و"ص"٢ فليس صاحب الإمالة ممن قرأ هذه

стр. 272

القراءة، فالأولى أن يقع المثال بما هو قراءة له فيقال: وأيكة بهمزة قبل الياء ولا يضر حذف لام التعريف فإنها منفصلة من الكلمة تقديرًا، ووجه ثانٍ وهو أن الأيكة جاءت في القرآن في غير هاتين السورتين غير مقروءة باللام بإجماع على ما في التيسير ونظمه، فإذا وقع المثال بهمزة عم جميع المواضع مع موافقة القراءة بخلاف التمثيل بقراءة اللام ولعله أراد: "الأيكة" على قراءته وإنما نقل حركة الهمزة إلى اللام؛ لضرورة النظم كما يقرأ ورش، فالصواب كتابته على هذه الصورة في هذا البيت؛ ليشعر بذلك ولا يوهم أنه أراد تلك القراءة فهو كقوله في الأنعام: "وَالْآخِرَةِ" المرفوع بالخفض، و"كلا" والله أعلم. ثم قال: وبعضهم أي وبعض المشايخ من أهل الأداء ميل: للكسائي جميع الحروف قبل هاء التأنيث مطلقا من غير استثناء شيء إلا الألف، قال صاحب التيسير والنص عن الكسائي في استثناء ذلك معدوم، وبإطلاق القياس في ذلك قرأت على أبي الفتح عن قراءته، ثم قال: والأول أختار إلا ما كان قبل الهاء فيه ألف فلا تجوز الإمالة فيه، وقال في كتاب الإمالة: لم يستثن خلف عن الكسائي شيئا، وكذلك بلغني عن أبي مزاحم الخاقاني، وكان من أضبط الناس لحرف الكسائي وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري وجماعة من أهل الأداء والتحقيق، وبه قرأت على شيخنا أبي الفتح عن قراءته على أصحابه، قال: وكان أبو بكر بن مجاهد وأبو الحسين بن المنادى وأبو طاهر بن أبي هاشم وجميع أصحابهم يخصون من ذلك بالفتح ما كان فيه قبل هاء التأنيث أحد عشرة أحرف فذكرها، ثم قال: جعلوا للهمزة والراء والكاف إذا وقعت قبل هاء التأنيث أحوالا، فأمالوا بعضا وفتحوا بعضا، ثم شرح ذلك على نحو ما تقدم فأما الألف قبل هاء التأنيث فأتت في عشر كلم: "الصلاة"، و"الزكاة"، و"الحياة"، و"النجاة"، و"مناة"، و"هيهات هيهات"، و"ذات"، و"لات"، و"اللات"؛ لأن الكسائي يقف على هذه الكلم الخمس بالهاء، وهو وغيره يقفون على ما عداها كذلك فلا تمال الهاء في هذه الكلم العشر؛ لأنه يلزم من ذلك إمالة الألفات وهي لا تقبل الإمالة؛ لأنها من ذوات الواو في بعضها، ومجهولة في بعضها، ولا حظ للجميع في الإمالة فلو وقعت إمالة لظن أنها للألف لا للهاء؛ لأن الألف هي الأصل في الإمالة والهاء فرع لها ومشبهة بها ألا ترى أن: "تقاة"، و"مرضات"، و"مزجاة"، و"التوراة"، و"كمشكاة" معدودة في باب إمالة الأف لا في باب إمالة الهاء، وذكر مكي في "مناة" خلافا مبنيا على أصل الألف، واختار عدم الإمالة، وذكر الداني في ألف الحياة خلافا أنها منقلبة عن واو وعن ياء، وإنما لم تمل على هذا القول؛ لكونها مرسومة في المصحف بالواو والله أعلم.

стр. 273

باب: الراءات ... باب: مذاهبهم في الراءات أي باب حكم الراءات أو باب الإمالة الواقعة في الراءات، وقد سبق إمالة الألفات والهاءات، وقد عبر في هذا الباب عن الإمالة بالترقيق؛ تنبيها على أنها إمالة بين اللفظين، وقد عبر عنه الداني في التيسير بالإمالة، والترقيق من أسماء الإمالة، فلهذا قال الشاطبي: "وقد فخموا التنوين وقفا ورققوا"، وقد تقدم ذكر إمالة ورش لذوات الراء بين بين، وهذا الباب تتمة لمذهبه في إمالة الراء، حيث لا يميلها غيره، وهو إذا لم يكن بعدها ألف، أو كان، ولكنها ألف غير طرف أو ألف تثنية نحو: "فراش" و"ساحران". فقوله: "وما بعد راء شاع حكما" لا يدخل فيه هذان النوعان؛ لأن الإمالة المذكورة في ذلك البيت للألف لا الراء، وجاءت إمالة الراء تبعا لها، والمذكور في هذا الباب إمالة الراء لا الألف، فلم يضر وقوع ألف التثنية بعدها ولا غيرها، وإن كان قد خالف في بعض هذا مخالف، على ما سنذكره إن شاء الله سبحانه، والله أعلم. ٣٤٢- وَرَقَّقَ وَرْشٌ كُلَّ رَاءٍ وَقَبْلَهَا ... مُسَكَّنَةً يَاءٌ أَوِ الْكَسْرِ مُوصَلا رقق: أي أمال بين بين قال في التيسير: اعلم أن ورشا كان يميل فتحة الراء قليلا بين اللفظين، وكذا قال في باب الإمالة وقال مكي: كان ورش يرقق الراء، فيعلم من هذا الإطلاق أن الترقيق في هذا الباب عبارة عن إمالة بين بين ويستخرج من هذا أن إمالة الألفات بين بين على لفظ الترقيق في هذا الباب على ما ينطق به قراء هذا الزمان، وقد نبهنا على ذلك في شرح قوله: وذو الراء ورش بين بين فالمراد من ترقيق الراء تقريب فتحها من الكسرة، وقوله: كل راء يعني ساكنة كانت أو متحركة بأي حركة تحركت على الشروط المذكورة إلا ما يأتي استثناؤه، وقوله: مسكنة حال مقدمة لو تأخرت لكانت صفة للياء والواو في وقبلها للحال أي رققها في حال كون الياء السكنة قبلها نحو: "غير"، و"الخير"، و"لا ضير"، و"ميراث"، و"فقيرا"، و"المغيرات"، ولا يكون قبل الياء الساكنة إلا مفتوح أو مكسور وقد مثلنا بالنوعين ثم قال: أو الكسر أي أو أن يكون قبل الراء كسر نحو: "الآخرة" و"باسرة" و"المدبرات". ولا فرق في المكسور بين أن يكون حرف استعلاء أولا، وتقع حروف الاستعلاء قبلها إلا الغين نحو: ﴿نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، ﴿قَاصِرَاتُ﴾ ، ﴿قَطِرَانٍ﴾ ، ونحوه فهذه ستة ودخل ذلك كله تحت قوله: كل راء أي سواء توسطت أو تطرفت لحقها تنوين أو لم يلحقها كان المكسور قبلها حرف استعلاء أو غير حرف استعلاء فالراء مرققة محالة بين اللفظين لورش سواء وصل الكلمة أو وقف عليها وقوله: موصلا حال من الكسر أي يكون الكسر موصلا بالراء في كلمة واحدة احترازا مما يأتي ذكره وهو: الكسر العارض، والمفصل والغرض من الإمالة والترقيق مطلقا

стр. 274

اعتدال اللفظ، وتقريب بعضه من بعض بأسباب مخصوصة وأسباب ترقيق الراء هنا لورش: أن يكون قبلها ياء ساكنة أو كسرة لازمة متصلة لفظا أو تقديرا والله أعلم. ٣٤٣- وَلَمْ يَرَ فَصْلاً سَاكِنًا بَعْدَ كَسْرَةٍ ... سِوى حَرْفِ الاِسْتِعْلاَ سِوَى الخَا فَكَمَّلا أي لم يعتد بالحرف الساكن الذي وقع فصلا بين الكسرة اللازمة والراء فأعمل الكسرة ما تقتضيه من الترقيق كأنها قد وليت الراء وذلك نحو: "إكراه" و"إكرام" و"سدرة"، فرقق؛ لضعف الفاصل بسكونه؛ فإن كان الفاصل الساكن حرف استعلاء قوي المانع فإنه لقوته في منع الإمالة لا يضعف بكونه ساكنا كما يضعف غيره، ولا يقع كذلك من حروف الاستعلاء إلا الصاد والطاء والقاف نحو: "إصرا" و"قطرا" و"وقرا". واستثنى من حروف الاستعلاء الخاء فلم يعتد بها فاصلا نحو إخراجا؛ لأنها ضعفت عن أخواتها بالهمس والصاد وإن كانت مهموسة إلا أنها مطبقة ذات صفير فقويت فمنعت فإن قلت قوله: ولم ير من رؤية القلب فأين مفعولاه؟ قلت: فصلا هو المفعول الثاني وساكنا هو الأول أي لم ير الساكن فصلا وقوله: ساكنا نكرة في سياق النفي فهي للعموم فاستثنى من ذلك العموم حروف الاستعلاء فقوله: حرف بمعنى حروف اكتفى بالمفرد عن الجمع للدلالة على الجنس، ثم استثنى الخاء من هذا الجنس فهو استثناء من استثناء والاستثناء مغاير في الحكم للمستثنى منه؛ فحروف الاستعلاء فاصلة والخاء ليست فاصلة فهو كقولك: خرج القوم إلا العبيد إلا سالما فيكون سالم قد خرج، وقصر الناظم لفظي الاستعلاء والخاء ضرورة، والضمير في: ولم ير، وفي: فكملا لورش؛ أي كمل حسن اختياره بصحة نظره حين اختزل الخاء من حروف الاستعلاء فرقق بعدها: ٣٤٤- وَفَخَّمَهَا في الأَعْجَمِيِّ وَفِي إِرَمْ ... وَتَكْرِيرِهَا حَتَّى يُرى مُتَعَدِّلاَ ذكر في هذا البيت ما خالف فيه ورش أصله فلم يرققه مما كان يلزم ترقيقه على قياس ما تقدم والتفخيم ضد الترقيق أي وفخم ورش الراء في الاسم الأعجمي أي الذي أصله العجمة وتكلمت العرب به ومنعته الصرف بسببه والذي منه في القرآن ثلاثة: "إبراهيم"، و"إسرائيل"، و"عمران"، كان يلزمه ترقيق رائها؛ لأن قبلها ساكنا بعد كسرة وليس الساكن حرف استعلاء، ثم قال وفي إرم أي وفخم الراء في: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ١.

стр. 275

وكان يلزمه ترقيقها؛ لأنها بعد كسرة وإرم أيضا اسم أعجمي وقيل عربي فلأجل الخلاف فيه أفرده بالذكر، ووجه تفخيم ذلك كله التنبيه على العجمة، ورقق أبو الحسن بن غلبون: ﴿إِرَمَ﴾ ؛ لأن الكسرة وليت الراء بخلاف البواقي وأما: ﴿عَزِيزٌ﴾ ، فلم يتعرضوا له وهو أعجمي وقيل عربي على ما يبين في سورته فيتجه فيه خلاف مبني على ذلك ثم قال: وتكريرها أي، وفخم الراء أيضا في حال تكريرها، أو في ذي تكريرها أي في الكلمة التي تكررت الراء فيها يعني إذا كان في الكلمة راءان نحو: "فرارا" و"ضرارا" و"لن ينفعكم الفرار" و"إسرارا" و"مدرارا"، لم ترقق الأولى وإن كان قبلها كسرة؛ لأجل الراء التي بعدها فالراء المفتوحة والمضمومة تمنع الإمالة في الألف كما تمنع حروف الاستعلاء فكذا تمنع ترقيق الراء وقوله: حتى يرى متعدلا يعني اللفظ، وذلك أن الراء الثانية مفخمة؛ إذ لا موجب لترقيقها، فإذا فخمت الأولى اعتدل اللفظ، وانتقل اللسان من تفخيم إلى تفخيم فهو أسهل والله أعلم. ٣٤٥- وَتَفْخِيمُهُ ذِكْرًا وَسِتْرًا وَبَابَهُ ... لَدى جِلَّةِ الأَصْحَابِ أَعْمَرُ أَرْحُلا ذكر في هذا البيت ما اختلف فيه مما فصل فيه بين الكسر والراء ساكن غير حرف استعلاء فذكر مثالين على وزن واحد وهما: "ذكرا" و"سترا"، ثم قال: وبابه أي وما أشبه ذلك، قال الشيخ: وبابه يعني به كل راء مفتوحة لحقها التنوين، وقبلها ساكن قبله كسرة نحو: "حجرا" و"صهرا" و"شيئا إمرا" و"وزرا". فالتفخيم في هذا هو مذهب الأكثر، ثم علل ذلك بأن الراء قد اكتنفها الساكن والتنوين فقويت أسباب التفخيم، قلت: ولا يظهر لي فرق بين كون الراء في ذلك مفتوحة أو مضمومة بل المضمومة أولى بالتفخيم؛ لأن التنوين حاصل مع ثقل الضم، وذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ﴾ ١، فإن كان الساكن الذي قبل الراء قد أدغم فيها فالترقيق بلا خلاف نحو: "سرا" و"مستقرا".

стр. 276

باب: اللامات أي تغليظها: وهذا باب لم يذكره أكثر المصنفين في القراءات، إنما اعتنى به المغاربة والمصريون، دون البغداديين والشاميين، ولا شك أنه إن ثبت لغة فهو لغة ضعيفة مستثقلة؛ فإن العرب عرف من فصيح لغتها الفرار من الأثقل إلى الأخف، والتغليظ عكس ذلك، ثم هو على مخالفة المعروف من قراءة ورش، فإنها مشتملة على ترقيق الراءات وإمالة بين بين، وتخفيف الهمز نقلا وتسهيلاً وإبدالا، ولهذا أكثر الروايات عن ورش: ترك التغليظ، كقراء الجماعة، هذه رواية يونس بن عبد الأعلى وداود بن أبي طيبة وغيرهما. وقال مكي: اعلم أن هذا الباب قد اضطرب النقل فيه عن ورش، وقليل ما يوجد فيه النص عنه: ٣٥٨- وَغَلَّظَ وَرْشٌ فَتْحَ لاَمٍ لِصَادِهَا ... أَوِ الطَّاءِ أَوْ لِلظَّاءِ قَبْلُ تَنَزُّلا التغليظ في هذا الباب زيادة عمل في اللام إلى جهة الارتفاع، وضده ترك ذلك، ومنهم من يعبر عن تركه بالترقيق، وعن التغليظ بالتفخيم، ثم التغليظ إشباع الفتحة في اللام، فلهذا لم يجئ في المكسورة ولا المضمومة ولا الساكنة نحو: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ ، ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ ، ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ . وبعضهم غلظ اللام من: "صَلْصَالٍ"؛ لوقوعها بين حرفين مستعليين فالتغليظ عند الأكثر لا يقع إلا في اللام المفتوحة، ولا فرق بين أن تكون مخففة أو مشددة نحو: "أَوْ يُصَلَّبُوا"، "وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ".

стр. 277

وحكى مكي عن شيخه أبي الطيب ابن غلبون أنه رقق المشددة بعد الظاء دون الصاد، وقوله: لصادها أي لأجل الصاد الواقعة قبلها أو أضافها إليها؛ لاتصالها بها، أي إذا تنزل أحد هذه الأحرف الثلاثة قبل اللام المفتوحة غلظت اللام، ولم يعتبر أبو الطيب ابن غلبون الطاء المهملة، واعتبر قوم الضاد المعجمة أيضا نحو: ﴿أَضْلَلْتُمْ﴾ و ﴿ضَلَلْنَا﴾ . ومنهم من اعتبر أيضا كل لام مفتوحة بين حرفين مستعليين مطلقا نحو: "خَلَطُوا"، و"أَخْلَصُوا"، و"غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ"، "فَاسْتَغْلَظَ"، "مَاذَا خَلَقُوا"، وكل هذا قياس على رواية ضعيفة نقلا ولغة والله أعلم. ٣٥٩- إِذَا فُتِحَتْ أَوْ سُكِّنَتْ كَصَلاتِهِمْ ... وَمَطْلَعِ أَيْضًا ثمَّ ظَلَّ وَيُوصَلا أي شرط تأثير هذه الحروف الثلاثة وهي: الصاد والطاء والظاء في التغليظ في اللام المفتوحة أن تكون مفتوحة أو ساكنة فإن حرف الاستعلاء إذا فتح أو سكن عظم استعلاؤه بخلافة إذا انكسر أو انضم نحو: "فُصِّلَتْ"، و"عُطِّلَتْ"، و"ظِلالٍ"، و"فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ". فمثال الصاد المفتوحة: "الصَّلاةِ". ومثال الساكنة: "فَيُصْلَبُ" والطاء نحو "طَلَّقْتُمُ"، و"مَطْلَعِ"، والظاء نحو: "ظَلَمُوا"، و"إِذَا أَظْلَمَ". ومثل الشاطبي ﵀ بقوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ ، و ﴿يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ . وهذان وما أشبههما نحو: "بَطَلَ"، و"فَصْلَ"، وقعت اللام فيها طرفا؛ فالمتوسطة نحو: "صَلاتِهِمْ" و"مَطْلَعِ"مغلظة وصلا ووقفا، والمتطرفة مغلظة وصلا، وأما في الوقف فقال أبو عمرو الداني: يحتمل وجهين؛ الترقيق والتفخيم؛ فالترقيق نظرا إلى السكون العارض بالوقف والتفخيم نظرا إلى الأصل، قال: وهو أوجه: ٣٦٠- وَفي طَالَ خُلْفٌ مَعْ فِصَالًا وَعِنْدَماَ ... يُسَكَّنُ وَقْفًا وَالمُفَخَّمُ فُضِّلا أراد قوله تعالى:

стр. 278

﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ ١، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ ٢، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ ٣، وكذلك: "يصالحا" وشبهه مما بين اللام فيه وبين حرف الاستعلاء ألف فاصل وظاهر النظم يوهم اقتصار الخلاف على: "طَالَ"، و"فِصَالًا". ولو قال: وفي طال خلف مع فصالا ونحوه ... وساكن وقف والمفخم فضلا لزال الإيهام. قال الداني: في اللام وجهان: التفخيم؛ اعتدادا بقوة الحرف المستعلي، والترقيق؛ للفاصل الذي فصل بينهما. قال: والأوجه التفخيم؛ لأن ذلك الفاصل ألف والفتح منه. قلت: وأما اللام المشددة نحو: "ظل"، و"يُصَلَّبُوا"، فلا يقال فيها إنه فصَل بينها وبين حرف الاستعلاء فاصل، فينبغي أن يجري الوجهان؛ لأن ذلك الفاصل أيضا لام أدغمت في مثلها فصارا حرفا واحدا فلم تخرج اللام عن أن حرف الاستعلاء وليها وأما الذي سكن للوقف فنحو: "أَنْ يُوصَلَ" إذا وقفت عليه ففيه وجهان سبق ذكرهما أي وعند الذي يسكن في الوقف وقوله: وقفا مصدر في موضع الحال أي ذا وقف أي موقوفا عليه، وقوله: والمفخم فضلا يعني في المسألتين المذكورتين كما نقلناه من كلام الداني. فإن قلت: لم كان التفخيم أفضل فيما سكن للوقف؟ ولقائل أن يقول: ينبغي أن لا يجوز التفخيم أصلا كما سبق في الراء المكسورة أنها تفخم وقفا، ولا ترقق لذهاب الموجب للترقيق وهو الكسر وههنا قد ذهب الفتح الذي هو شرط في تغليظ اللام وكلا الذهابين عارض. قلت: سبب التغليظ هنا قائم وهو: وجود حرف الاستعلاء وإنما فتح اللام شرط فلم يؤثر فيه سكون الوقف لعروضه وقوة السبب، فعمل السبب عمله؛ لضعف المعارض وفي باب الوقف على الراء المكسورة زال السبب بالوقف وهو الكسر فافترقا. ٣٦١- وَحُكْمُ ذَوَاتِ الياَءِ مِنْهاَ كَهذِهِ ... وَعِنْدَ رُءُوسِ الآيِ تَرْقِيقُهَا اعْتَلا منها أي من هذه الألفاظ التي فيها اللام المستحقة للتفخيم، ويعني الكلمات المقصورة التي آخرها ألف منقلبة عن ياء، ولا يقع ذلك في القرآن إلا مع الصاد وحدها في خمسة مواضع في سبحان:

стр. 279

"يَصْلاهَا مَذْمُومًا"١، وفي الانشقاق: "وَيَصْلَى سَعِيرًا"٢، وفي الغاشية: "تَصْلَى نَارًا"٣، وفي الليل: "لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى"٤، وفي تبَّتْ: "سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ"٥، وكذا: "وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً"٦. في الوقف ففي تفخيم اللام وجهان كالوجهين فيما سكن في الوقف وذلك أنه قد تقدم أن له في إمالة ذوات الياء وجهين فإن أمال فلا تغليظ وإن لم يمل فالتغليظ فهما ذانك الوجهان، ويجوز أن يقال إن الخلاف على قول من يميل ذوات الياء؛ لأن اللام جاورها ما يقتضي تغليظها وما يقتضي ترقيقها لكن التغليظ يكون ههنا أولى من الإمالة؛ لأنه شبه الخلاف الذي هنا بالخلاف الذي فيما سكن للوقف، وقد ذكر أن المفخم ثَم: فضل، فكذا ينبغي أن يكون هنا، وقد نص عليه الداني في كتاب الإمالة فقال: والأوجَه هنا التفخيم، ولم يذكر مرجحا، وإنما فرق بين هذا وبين رءوس الآي على ما سنذكره. وأقول: سبب ترجيح التفخيم وجود سببه سابقا وتقدم اللام المغلظة على الألف الممالة فعمل السبب عمله قبل وجود ما تدخله الإمالة، ثم قال: وعند رءوس الآي أي إذا وجد مثل ذلك وهو ما يقتضي التغليظ والإمالة في كلمة هي رأس آية من السور الإحدى عشرة المتقدم ذكرها غلبت الإمالة التغليظ؛ لأن ورشا يميل رءوس الآي بلا خلاف؛ لمؤاخاة رءوس الآي، والتغليظ يخالف بينها، وقد روي التغليظ، قال الداني: كلا الوجهين حسن جميل غير أن الترقيق أقيس وأوجه. قلت: فلهذا قال: ترقيقها اعتلا أي اعتلى على التغليظ واستعمل الترقيق هنا بمعنى الإمالة وجملة ما وقع من ذلك في رءوس الآي ثلاثة مواضع في سورة القيامة: ﴿وَلا صَلَّى﴾ ٧، وفي سبح: ﴿فَصَلَّى﴾ ٨، وفي اقرأ: ﴿إِذَا صَلَّى﴾ ٩، وأما: "مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً" ففيه التغليظ في الوصل؛ لأنه منون، وفي الوقف الوجهان السابقان، ولا تترجح الإمالة وإن كان رأس آية؛ إذ لا مؤاخاة لآي قبلها ولا بعدها، قوله: كهذه أي كهذه المواضع المذكورات في البيت السابق وهي ما في باب طال والمسكن وقفا. ٣٦٢- وَكُلُّ لَدَى اسْمِ اللهِ مِنْ بَعْدِ كَسْرَةٍ ... يُرَقِّقُهَا حَتَّى يَرُوقَ مُرَتَّلا أي: وكل القراء وغيرهم أيضا اجتمعوا على أن اللام من اسم الله تعالى إذا كان قبلها حرف مكسور أنهم يرققونها والترقيق هنا ضد التغليظ، وليس المراد به الإمالة بخلاف قوله: وترقيقها اعتلا على ما سبق

стр. 280

واسم الله تعالى التزم فيه التغليظ؛ تفخيما له وتعظيما اختص بذلك اسمه سبحانه من غير وجود حرف استعلاء فيه، فإذا وقع بعد كسرة رققت اللام؛ تحسينا للفظ به، فهذا معنى قوله: حتى يروق مرتلا أي يروق في اللفظ به حال ترتيله؛ وذلك لكراهة التصعد بعد التسفل، وأما سائر اللامات فمرققة مطلقا كالليل واللبن واللحم. ٣٦٣- كَمَا فَخَّمُوهُ بَعْدَ فَتْحٍ وَضَمَّةٍ ... فَتَمَّ نِظَامُ الشَّمْلِ وَصْلاً وَفَيْصَلا الهاء في فخموه لاسم الله تعالى ولو قال: فخموها يعني اللام كما قال: ترقيقها لكان جيدًا وقوله: وصلا وفيصلا حالان من الهاء أي ذات وصل، و"فيصل" أي سواء كانت الحركات المذكورة على حروف متصلة بالاسم العظيم أو على حروف منفصلة منه في كلمة أخرى فلا يتغير الحكم بشيء من ذلك في الترقيق والتفخيم فمثال المتصل: "بِاللَّهِ" و"لِلَّهِ" ومثال المنفصل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ ﴿رُسُلُ اللَّهِ﴾ . وكذا يرقق بعد الكسر العارض نحو: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ ، وهذا بخلاف ما سبق في ترقيق الراء؛ فإنهم قالوا: لا يؤثر في ترقيقها كسرة مفصولة ولا عارضة، والفرق أن المراد من ترقيق الراء إمالتها، وذلك يستدعي سببا قويا للإمالة، وأما ترقيق اللام فهو الإتيان بها على ماهيتها وسجيتها من غير زيادة شيء فيها، وإنما التغليظ هو الزيادة فيها، ولا تكون الحركة قبل لام اسم الله تعالى إلا مفصولة لفظا أو تقديرا، وأما الحركة قبل الراء فتكون مفصولة وموصولة فأمكن اعتبار ذلك فيها بخلاف اللام هذا كله فيما إذا وصلت اسم الله تعالى بما قبله فإن ابتدأت به فخمته؛ لأن الهمزة قبل اللام مفتوحة فهذه حركة متصلة وذلك كأول آية الكرسي ونحوه والراء المرققة غير المكسورة كغير المرققة يجب بعدها التفخيم؛ لأن الترقيق لم يغير فتحها ولا ضمها، وأما إذا وقع اسم الله تعالى بعد إمالة نحو قراءة السوسي: "ترى الله". ففيه وجهان: التفخيم كالذي بعد الراء المرققة الغير المكسورة والترقيق؛ لأن في الراء بالإمالة شيئا من الكسر، وقال شيخنا أبو الحسن: التفخيم أولى، وحكاه عن شيخه الشاطبي، وقال لي الشيخ أبو عمرو: الترقيق أولى لأمرين؛ أحدهما: أن أصل هذه اللام الترقيق، وإنما فخمت للفتح والضم ولا فتح ولا ضم هنا فعدنا إلى الأصل، والثاني: اعتبار ذلك بترقيق الراء في الوقف بعد الإمالة على ما سبق في باب الراءات، وقوله تعالى: ﴿رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ﴾ . الاسم الأول: مفخم، والثاني: مرقق، وقوله تعالى في أول إبراهيم: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ . هو مرقق في الوصل ومفخم إذا ابتدئ به سواء قرئ برفع الهاء أو بجرها والله أعلم.

стр. 281

باب: الوقف على أواخر الكلم ... باب: الوقف على أوخر الكلم هذه ترجمة كان ينبغي أن يذكر في بابها جميع ما يتعلق في تلاوة القرآن، فإن قوله: أواخر الكلم يشمل آخر كل كلمة، ومن جملة الكلم المنصوب المنون يقف القراء عليه بألف مبدلة من التنوين والمرفوع المنون، والمجرور المنون يوقف عليها بالسكون من غير أن يبدل من تنوينهما واوًا أو ياءً، وهذه هي اللغة الفصيحة، ومن العرب من يبدل في الجميع، ومنهم من لا يبدل في الجميع، فترك بيان هذا وهو مهم، ولم يذكر في الباب إلا الكلام في الروم والإشمام، وهما أيضا وجهان للعرب في الوقف، فهذه خمس لغات، وفي الوقف أيضا لغتان: النقل والتضعيف، ولم يقرأ بهما أحد إلا قليلا. وحكى مجاهد عن أبي عمرو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . يشمّ الباء شيئًا من الجر، ولا يشبعه، قال: وهذا لا يجوز إلا في الوقف؛ لأنه ينقل كسرة الراء إلى الباء، وحكى الأهوازي عن الضبي عن حمزة: "دِفْءٌ"، و"جُزْء"، و"مِلْء" بالتشديد من غير همز في حال الوقف. قلت: وفي الطرق المشهورة أن القراءة إنما جاءت باللغة الأولى: الفصحى، وبالروم والإشمام، وهما أيضًا فصيحتان، فكان ينبغي أن تكون ترجمة هذا الباب: "باب الروم والإشمام"، ولكن تبع الناظم في هذا عبارة التيسير، والله أعلم. ٣٦٤- وَالِاسْكَانُ أَصْلُ الوَقْفِ وَهْوَ اشْتِقَاقُهُ ... مِنَ الوَقْفِ عَنْ تَحْرِيكِ حَرْفٍ تَعَزَّلا أي اشتقاق الوقف من قولك: وقفت عن كذا إذا لم تلابسه فلما كان هذا وقفا عن الإتيان بالحركة سمي وقفا؛ لأن لغة العرب أن لا يوقف على متحرك؛ فالأصل أن يكون الوقف بالإسكان؛ لهذا ولأنه أخف، والوقف موضع تخفيف وقوله: تعزلا يعني أن الحرف صار بمعزل عن الحركة يقال: اعتزله وتعزله، ومنه الأعزل الذي لا سلاح معه فيجوز أن يكون تعزلا صفة لحرف، وقد ذكرنا معناه، ويجوز أن يكون صفة لتحريك حرف أي لتحريك انعزل عن محله. فإن قلت في قوله: وهو اشتقاقه إشكال لأن المعنى يؤول إلى تقدير: والوقف اشتقاقه من الوقف، ولا يكون اللفظ مشتقا من نفسه، ووجه الكلام إنما يسمى وقفا من قولهم: وقفت عن كذا؛ لأنه وقف عن الحركة.

стр. 282

قلت: يجوز أن يكون وهو ضمير الشأن لا ضمير الوقف، فيلتئم الكلام ولا يتنافر، وهذا الذي ذكره تبرع منه وليس في كتاب التيسير الذي نظمه. ٣٦٥- وَعِنْدَ أَبِي عَمْرٍو وَكُوفِيِّهِمْ بِهِ ... مِنَ الرُّوْمِ وَالإِشْمَامِ سَمْتٌ تَجَمَّلا به أي فيه، والهاء ضمير الوقف والسمت الهيئة والسمت الطريق والسمت القصد نفسه، يقال: سمت يسمت إذا قصد، والسمت الناحية المقصودة، وكل ذلك محتمل هنا ووصفه بالتجمل أي عندهم من ذلك أمر جميل من الاحتفال به والاهتمام بشأنه والقصد له في التلاوة به، قال صاحب التيسير: وردت الرواية عن الكوفيين وأبي عمرو بالوقف بالإشارة إلى الحركة سواء كانت إعرابا أو بناء، والإشارة تكون روْمًا وإشمامًا والباقون لم يأت عنهم في ذلك شيء، واستحباب أكثر شيوخنا من أهل القرآن أن يوقف في مذاهبهم بالإشارة لما في ذلك من البيان. قلت: فهذا معنى قوله: ٣٦٦- وَأَكْثَرُ أَعْلاَمِ الْقُرَانِ يَرَاهُما ... لِسَائِرِهِمْ أَوْلَى العَلاَئِقِ مِطْوَلا أعلام: جمع علم يشير إلى المشايخ أهل أداء القراءة، وجعلهم أعلاما لحصول الهداية بهم كالأعلام في الطرق، وأضافهم إلى القرآن الذي هو اسم للكتاب العزيز؛ لأنهم أهله أو أراد به القراءة؛ لأنها صناعتهم وأتي به بغير همز كما في قراءة ابن كثير له كما يأتي، والقرآن بمعنى القراءة، وأراد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، وقوله: يراهما يعني الروم والإشمام لسائرهم أي لباقي القراء السبعة وهم نافع وابن كثير وابن عامر، والعلائق جمع علاقة والمطول الحبل ونصبه على التمييز، أي يراهما أولى حبل يتعلق به والحبل يكنى به عن السبب الموصل إلى المطلوب، فكأنه قال: أولى الأسباب سببا أو يكون العلائق البضائع، ومطولا حال من الضمير المستتر في يراهما الراجع على أكثر. قال الشيخ: لأنه يكون بذلك سببا للطول أو الطول. ٣٦٧- وَرَوْمُكَ إِسْمَاعُ المُحَرَّكِ وَاقِفًا ... بِصَوْتٍ خَفِيٍّ كُلَّ دَانٍ تَنَوَّلا أخذ يبين حقيقة الروم فقال هو أن تسمع الحرف المحرك احترازا من الساكن في الوصل نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، فهذا لا روم فيه إنما يكون الروم في المحرك في حالة الوصل فترومه في الوقف بأن تسمع كل قريب منك ذلك المحرك بصوت خفي قال في التيسير: هو تضعيفك الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها، فتسمع لها صوتا خفيًّا يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وقال الشيخ: هو الإشارة إلى الحركة مع صوت خفي وكلاهما واحد وهذا أخصر، فقول الناظم: كل دانٍ مفعول إسماع، والمفعول الأول أضيف إليه إسماع، وهو المحرك أراد إسماعك المحرك كل قريب منك كقولك: أسمعت زيدا كلاما.

стр. 283

وقوله: واقفا حال من فاعل إسماع، وتنولا صفة لدانٍ، وهو مطاوع نولته أي أعطيته نوالا كأنه يشير إلى السماع أي كل دانٍ سامع منصت لقراءتك، فهو المدرك لذلك بخلاف غيره من غافل أو أصم، وقال صاحب صحاح اللغة: روم الحركة الذي ذكره سيبويه هي حركة مختلسة مخفاة بضرب من التخفيف، وهي أكثر من الإشمام؛ لأنها تسمع وهي بزنة الحركة، وإن كانت مختلسة مثل همزة بين بين ثم أخذ يبين الإشمام فقال: ٣٦٨- وَالِاشْمَامُ إِطْبَاقُ الشِّفَاهِ بُعَيْدَ مَا ... يُسَكَّنُ لاَ صَوْتٌ هُنَاكَ فَيَصْحَلا أي بعد ما يسكن الحرف المحرك، والشفاه بالهاء جمع شفة، وإنما جمع اعتبارا بالقارئين أو هو من باب قولهم هو عريض الحواجب عظيم المناخر ويقال صحل صوته بكسر الحاء يصحل بفتحها إذا صار أبح أي كانت فيه بحوحة لا يرتفع الصوت معها فكأنه أشبه إضعاف الصوت في الروم بذلك فقال: ليس في الإشمام مثل ما في الروم، قال في التيسير: الإشمام ضمك شفتيك بعد سكون الحرف أصلا، ولا يدرك معرفة ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين لا غير؛ إذ هو إيماء بالعضو إلى الحركة وقال الشيخ: هو الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، وقال في موضع آخر: حقيقته أن تجعل شفتيك على صورتهما إذا لفظت بالضمة، وقال الجوهري: إشمام الحرف أن تشمه الضمة أو الكسرة وهو أقل من روم الحركة؛ لأنه لا يسمع وإنما يتبين بحركة الشفة العليا، ولا يعتد بها حركة؛ لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن. قلت: وهذا خلاف ما يقوله القراء والنحاة في حقيقة الإشمام، وفي محله أيضا لكن قال مكي: قد روي عن الكسائي الإشمام في المخفوض قال: وأراه يريد به الروم؛ لأن الكوفيين يلقبون ما سميناه روما إشماما وما سميناه إشماما روما. قلت: فعبر الجوهري بما لا يوافق المذهبين فكأنه كان في ذلك بين بين، وقال أبو علي في التكملة الإشمام هو أن تضم شفتيك بعد الإسكان وتهيئهما للفظ بالرفع أو الضم وليس بصوت يسمع وإنما يراه البصير دون الأعمى وذكر نصر بن علي الشيرازي في كتابه الموضح أن الكوفيين، ومن تابعهم ذهبوا إلى أن الإشمام هو الصوت وهو الذي يسمع؛ لأنه عندهم بعض حركة، والروم هو الذي لا يسمع؛ لأنه روم الحركة من غير تفوه به. قال: والأول هو المشهور عند أهل العربية. قلت: وزعم بعضهم أن ابن كيسان ومن وافقه من الكوفيين ترجموا عن الإشمام بالروم وعن الروم بالإشمام، وزعموا أن ذلك أقرب إلى استعمال اللفظين في وضع اللغة، ولا مشاحة في التسمية إذا عرفت الحقائق، ثم ذكر الناظم مواضع استعمال الروم والإشمام فقال: ٣٦٩- وَفِعْلُهُماَ في الضَّمِّ وَالرَّفْعِ وَارِدٌ ... وَرَوْمُكَ عِنْدَ الكَسْرِ وَالجَرِّ وُصِّلا أي فعل الروم والإشمام ورد عنهم في المضموم والمرفوع ويختص الروم بالمكسور والمجرور. ٣٧٠- وَلَمْ يَرَهُ في الفَتْحِ وَالنَّصْبِ قَارِئٌ ... وَعِنْدَ إِمَامِ النَّحْوِ في الكُلِّ أُعْمِلا الهاء في:

стр. 284

﴿يَرَهُ﴾ ، للروم أي مذهب القراء أن لا روم في المفتوح والمنصوب، قالوا: لأن الفتحة خفيفة فإذا خرج بعضها خرج سائرها؛ لأنها لا تقبل التبعيض كما تقبله الضمة والكسرة؛ لما فيهما من الثقل، ولأن المنصوب المنون لما تبينت فيه الفتحة؛ لإبدال التنوين فيه ألفا لم يرم الباقي؛ لأن لا يبقى ذلك على التقريب من لفظه وقال مكي يجوز فيه الروم غير أن عادة القراء أن لا يروموا فيه، وأن يقفوا بالسكون للجميع وقال: وقد اختلف لفظ أبي الطيب -رحمه الله تعالى- في ذلك وبالإسكان قرأت عليه في المنصوب لجميع القراء، وأما أهل النحو فأجازوا الروم في الفتح كما في الكسر والضم من غير فرق، فقوله: إمام النحو: يحتمل أن يريد به أئمة النحو فهو لفظ مفرد أريد به الجنس، ويجوز أن يريد به المشهور فيهم المقتدى به منهم وهو سيبويه الذي كتابه قدوة هذا العلم، والضمير في "أعملا" للروم، وليست الألف للتثنية إنما هي للإطلاق فالإشمام لا مدخل له في حركة الفتح كما لا مدخل له في الكسر، وإنما يختص بحركة الضم؛ لأن حقيقته ضم الشفتين، وذلك لا يحصل به إلا الدلالة على الضم فقط، وقوله: في الكل يعني في الحركات كلها ولم يتعرض صاحب التيسير لبيان مذهب النحويين، قال سيبويه في كتابه: أما ما كان في موضع نصب أو جر فإنك تروم فيه الحركة فأما الإشمام فليس إليه سبيل. ٣٧١- وَمَا نُوِّعَ التَّحْرِيكُ إِلاَّ لِلاَزِمٍ ... بِنَاءً وَإِعْرَابًا غَدَا مُتَنَقِّلا هذا اعتذار منه عن كونه لفظ بستة أسماء للحركات وهن ثلاث فخاف من إشعار ذلك بتعدد الحركات فقال: ما نوعت التحريك وقسمته هذه الأقسام إلا لأعبر عن حركات الإعراب وحركات البناء؛ ليعلم أن حكمهما واحد في دخول الروم والإشمام، وفي المنع منهما أو من أحدهما، ولو اقتصر على ألقاب أحدهما لخيف أن يظن أن الآخر غير داخل في ذلك وحركة البناء توصف باللزوم؛ لأنها لا تتغير ما دام اللفظ بحاله فلهذا قال: للازم بناء أي ما نوعته إلا لأجل أنه منقسم إلى لازم البناء وإلى ذي إعراب غدا بذلك متنقلا من رفع إلى نصب إلى جر باعتبار ما تقتضيه العوامل المسلطة عليه فألقاب الإعراب رفع ونصب وجر، وربما قيل: وخفض، وألقاب البناء ضم وفتح وكسر، وقد ذكرها سيبويه في أول باب من كتابه واعتذر عن تعدد الأسماء، واتحاد المسمى في اللفظ بنحو من ذلك؛ فإن الرفع والضم لفظهما واحد وكذا النصب والفتح والجر والكسر، وكذا الذي آخره ساكن للإعراب يسمى جزما، والذي للبناء يسمى وقفا والله أعلم. فمثال حركات البناء في القرآن: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ، و ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ ، و ﴿مَنْ عَادَ﴾ ، و ﴿هَؤُلاءِ﴾ . وحركات الإعراب نحو: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ ، و ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ ، و ﴿إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى﴾ . ونصب بناء في قوله للازم بناء على أنه مفعول للازم أو تمييز، والتقدير: وإن اختلفا فهما متفقان في المعنى؛ لأن الكلمة لزمت البناء والبناء لزم الكلمة إما مطلقا:

стр. 285

كـ "حيث"، و"أين"، و"هؤلاء". وإما في حالة من أحواله مطلقا نحو: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ و ﴿لا ظُلْمَ﴾ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والله أعلم. ٣٧٢- وَفي هَاءِ تَأْنِيثٍ وَمِيمَ الْجَمِيعِ قُلْ ... وَعَارِضِ شَكْلٍ لَمْ يَكُوناَ لِيَدْخُلا شرع يبين ما يمتنع فيه الروم والإشمام على رأي القراء فالألف في: "يَكُونَا". ليدخلا: ترجع إلى الروم والإشمام أي لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت الموضع الأول هاء التأنيث وهي التي تكون تاء في الوصل ويوقف عليها بالهاء نحو: "رَحْمَةً"، و"نِعْمَةَ" فلا يدخلان فيها؛ لأن الحركة إنما كانت للتاء والهاء بدل عنها في الحالة التي تعدم الحركات فيها وهي الوقف فلا حركة للهاء فترام وتشم، فأما ما وقف عليه بالتاء من هذا الباب لأجل رسمه فيدخله الروم والإشمام؛ لأن الحركات داخلة في التاء نص عليه مكي وقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أن الوقف عليها بالإسكان ولا يجوز الروم والإشمام فيها؛ لأن الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذي كان عليه الإعراب إلا أن تقف على شيء منه بالتاء اتباعا لخط المصحف؛ فإنك تروم وتشم إذا شئت لأنك تقف على الحرف الذي كانت الحركة لازمة له فيحسن فيه الروم والإشمام. الموضع الثاني: ميم الجمع أي الدالة على جماعة نحو: "عَلَيْهِمُ"، و"إِلَيْهِمْ"، و"مِنْهُمْ"، و"عَنْهُمْ". في المواضع التي توصل بواو على ما تقدم بيانه لم يدخلا فيها؛ لأنها ساكنة وتحريكها في حال صلتها على مذهب من وصلها إنما كان لأجل الصلة ولهذا إذا وقف عليها ترك الصلة، فيسكن الميم، وأجاز مكي رومها وإشمامها كهاء الضمير على ما يأتي ورد عليه الداني وقال: خالف في ذلك الإجماع، وأتى بخطأ من القول، قال مكي: ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذي يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والإشمام؛ لأنهم يقولون ل فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء في جواز الروم والإشمام فالذي يروم ويشم حركة الميم على النص غير مفارق له للإجماع، والذي لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، قال: وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والإشمام فهي مثل الهاء؛ لأنها توصل بحرف بعد حركتها كما توصل الهاء، ويحذف ذلك الحرف في الوقف كما يحذف مع الهاء فهي مثلها في هذا غير أن الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء عند القراء من الروم والإشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم؛ لأنها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الإشمام في:
следующие страницы →