باب: الوقف على أواخر الكلم
...
باب: الوقف على أوخر الكلم
هذه ترجمة كان ينبغي أن يذكر في بابها جميع ما يتعلق في تلاوة القرآن، فإن قوله: أواخر الكلم يشمل آخر كل كلمة، ومن جملة الكلم المنصوب المنون يقف القراء عليه بألف مبدلة من التنوين والمرفوع المنون، والمجرور المنون يوقف عليها بالسكون من غير أن يبدل من تنوينهما واوًا أو ياءً، وهذه هي اللغة الفصيحة، ومن العرب من يبدل في الجميع، ومنهم من لا يبدل في الجميع، فترك بيان هذا وهو مهم، ولم يذكر في الباب إلا الكلام في الروم والإشمام، وهما أيضا وجهان للعرب في الوقف، فهذه خمس لغات، وفي الوقف أيضا لغتان: النقل والتضعيف، ولم يقرأ بهما أحد إلا قليلا.
وحكى مجاهد عن أبي عمرو: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
يشمّ الباء شيئًا من الجر، ولا يشبعه، قال: وهذا لا يجوز إلا في الوقف؛ لأنه ينقل كسرة الراء إلى الباء، وحكى الأهوازي عن الضبي عن حمزة: "دِفْءٌ"، و"جُزْء"، و"مِلْء" بالتشديد من غير همز في حال الوقف.
قلت: وفي الطرق المشهورة أن القراءة إنما جاءت باللغة الأولى: الفصحى، وبالروم والإشمام، وهما أيضًا فصيحتان، فكان ينبغي أن تكون ترجمة هذا الباب: "باب الروم والإشمام"، ولكن تبع الناظم في هذا عبارة التيسير، والله أعلم.
٣٦٤-
وَالِاسْكَانُ أَصْلُ الوَقْفِ وَهْوَ اشْتِقَاقُهُ ... مِنَ الوَقْفِ عَنْ تَحْرِيكِ حَرْفٍ تَعَزَّلا
أي اشتقاق الوقف من قولك: وقفت عن كذا إذا لم تلابسه فلما كان هذا وقفا عن الإتيان بالحركة سمي وقفا؛ لأن لغة العرب أن لا يوقف على متحرك؛ فالأصل أن يكون الوقف بالإسكان؛ لهذا ولأنه أخف، والوقف موضع تخفيف وقوله: تعزلا يعني أن الحرف صار بمعزل عن الحركة يقال: اعتزله وتعزله، ومنه الأعزل الذي لا سلاح معه فيجوز أن يكون تعزلا صفة لحرف، وقد ذكرنا معناه، ويجوز أن يكون صفة لتحريك حرف أي لتحريك انعزل عن محله.
فإن قلت في قوله: وهو اشتقاقه إشكال لأن المعنى يؤول إلى تقدير: والوقف اشتقاقه من الوقف، ولا يكون اللفظ مشتقا من نفسه، ووجه الكلام إنما يسمى وقفا من قولهم: وقفت عن كذا؛ لأنه وقف عن الحركة.
стр. 282
قلت: يجوز أن يكون وهو ضمير الشأن لا ضمير الوقف، فيلتئم الكلام ولا يتنافر، وهذا الذي ذكره تبرع منه وليس في كتاب التيسير الذي نظمه.
٣٦٥-
وَعِنْدَ أَبِي عَمْرٍو وَكُوفِيِّهِمْ بِهِ ... مِنَ الرُّوْمِ وَالإِشْمَامِ سَمْتٌ تَجَمَّلا
به أي فيه، والهاء ضمير الوقف والسمت الهيئة والسمت الطريق والسمت القصد نفسه، يقال: سمت يسمت إذا قصد، والسمت الناحية المقصودة، وكل ذلك محتمل هنا ووصفه بالتجمل أي عندهم من ذلك أمر جميل من الاحتفال به والاهتمام بشأنه والقصد له في التلاوة به، قال صاحب التيسير: وردت الرواية عن الكوفيين وأبي عمرو بالوقف بالإشارة إلى الحركة سواء كانت إعرابا أو بناء، والإشارة تكون روْمًا وإشمامًا والباقون لم يأت عنهم في ذلك شيء، واستحباب أكثر شيوخنا من أهل القرآن أن يوقف في مذاهبهم بالإشارة لما في ذلك من البيان.
قلت: فهذا معنى قوله:
٣٦٦-
وَأَكْثَرُ أَعْلاَمِ الْقُرَانِ يَرَاهُما ... لِسَائِرِهِمْ أَوْلَى العَلاَئِقِ مِطْوَلا
أعلام: جمع علم يشير إلى المشايخ أهل أداء القراءة، وجعلهم أعلاما لحصول الهداية بهم كالأعلام في الطرق، وأضافهم إلى القرآن الذي هو اسم للكتاب العزيز؛ لأنهم أهله أو أراد به القراءة؛ لأنها صناعتهم وأتي به بغير همز كما في قراءة ابن كثير له كما يأتي، والقرآن بمعنى القراءة، وأراد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، وقوله: يراهما يعني الروم والإشمام لسائرهم أي لباقي القراء السبعة وهم نافع وابن كثير وابن عامر، والعلائق جمع علاقة والمطول الحبل ونصبه على التمييز، أي يراهما أولى حبل يتعلق به والحبل يكنى به عن السبب الموصل إلى المطلوب، فكأنه قال: أولى الأسباب سببا أو يكون العلائق البضائع، ومطولا حال من الضمير المستتر في يراهما الراجع على أكثر.
قال الشيخ: لأنه يكون بذلك سببا للطول أو الطول.
٣٦٧-
وَرَوْمُكَ إِسْمَاعُ المُحَرَّكِ وَاقِفًا ... بِصَوْتٍ خَفِيٍّ كُلَّ دَانٍ تَنَوَّلا
أخذ يبين حقيقة الروم فقال هو أن تسمع الحرف المحرك احترازا من الساكن في الوصل نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، فهذا لا روم فيه إنما يكون الروم في المحرك في حالة الوصل فترومه في الوقف بأن تسمع كل قريب منك ذلك المحرك بصوت خفي قال في التيسير: هو تضعيفك الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها، فتسمع لها صوتا خفيًّا يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وقال الشيخ: هو الإشارة إلى الحركة مع صوت خفي وكلاهما واحد وهذا أخصر، فقول الناظم: كل دانٍ مفعول إسماع، والمفعول الأول أضيف إليه إسماع، وهو المحرك أراد إسماعك المحرك كل قريب منك كقولك: أسمعت زيدا كلاما.
стр. 283
وقوله: واقفا حال من فاعل إسماع، وتنولا صفة لدانٍ، وهو مطاوع نولته أي أعطيته نوالا كأنه يشير إلى السماع أي كل دانٍ سامع منصت لقراءتك، فهو المدرك لذلك بخلاف غيره من غافل أو أصم، وقال صاحب صحاح اللغة: روم الحركة الذي ذكره سيبويه هي حركة مختلسة مخفاة بضرب من التخفيف، وهي أكثر من الإشمام؛ لأنها تسمع وهي بزنة الحركة، وإن كانت مختلسة مثل همزة بين بين ثم أخذ يبين الإشمام فقال:
٣٦٨-
وَالِاشْمَامُ إِطْبَاقُ الشِّفَاهِ بُعَيْدَ مَا ... يُسَكَّنُ لاَ صَوْتٌ هُنَاكَ فَيَصْحَلا
أي بعد ما يسكن الحرف المحرك، والشفاه بالهاء جمع شفة، وإنما جمع اعتبارا بالقارئين أو هو من باب قولهم هو عريض الحواجب عظيم المناخر ويقال صحل صوته بكسر الحاء يصحل بفتحها إذا صار أبح أي كانت فيه بحوحة لا يرتفع الصوت معها فكأنه أشبه إضعاف الصوت في الروم بذلك فقال: ليس في الإشمام مثل ما في الروم، قال في التيسير: الإشمام ضمك شفتيك بعد سكون الحرف أصلا، ولا يدرك معرفة ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين لا غير؛ إذ هو إيماء بالعضو إلى الحركة وقال الشيخ: هو الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، وقال في موضع آخر: حقيقته أن تجعل شفتيك على صورتهما إذا لفظت بالضمة، وقال الجوهري: إشمام الحرف أن تشمه الضمة أو الكسرة وهو أقل من روم الحركة؛ لأنه لا يسمع وإنما يتبين بحركة الشفة العليا، ولا يعتد بها حركة؛ لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن.
قلت: وهذا خلاف ما يقوله القراء والنحاة في حقيقة الإشمام، وفي محله أيضا لكن قال مكي: قد روي عن الكسائي الإشمام في المخفوض قال: وأراه يريد به الروم؛ لأن الكوفيين يلقبون ما سميناه روما إشماما وما سميناه إشماما روما.
قلت: فعبر الجوهري بما لا يوافق المذهبين فكأنه كان في ذلك بين بين، وقال أبو علي في التكملة الإشمام هو أن تضم شفتيك بعد الإسكان وتهيئهما للفظ بالرفع أو الضم وليس بصوت يسمع وإنما يراه البصير دون الأعمى وذكر نصر بن علي الشيرازي في كتابه الموضح أن الكوفيين، ومن تابعهم ذهبوا إلى أن الإشمام هو الصوت وهو الذي يسمع؛ لأنه عندهم بعض حركة، والروم هو الذي لا يسمع؛ لأنه روم الحركة من غير تفوه به.
قال: والأول هو المشهور عند أهل العربية.
قلت: وزعم بعضهم أن ابن كيسان ومن وافقه من الكوفيين ترجموا عن الإشمام بالروم وعن الروم بالإشمام، وزعموا أن ذلك أقرب إلى استعمال اللفظين في وضع اللغة، ولا مشاحة في التسمية إذا عرفت الحقائق، ثم ذكر الناظم مواضع استعمال الروم والإشمام فقال:
٣٦٩-
وَفِعْلُهُماَ في الضَّمِّ وَالرَّفْعِ وَارِدٌ ... وَرَوْمُكَ عِنْدَ الكَسْرِ وَالجَرِّ وُصِّلا
أي فعل الروم والإشمام ورد عنهم في المضموم والمرفوع ويختص الروم بالمكسور والمجرور.
٣٧٠-
وَلَمْ يَرَهُ في الفَتْحِ وَالنَّصْبِ قَارِئٌ ... وَعِنْدَ إِمَامِ النَّحْوِ في الكُلِّ أُعْمِلا
الهاء في:
стр. 284
﴿يَرَهُ﴾ ، للروم أي مذهب القراء أن لا روم في المفتوح والمنصوب، قالوا: لأن الفتحة خفيفة فإذا خرج بعضها خرج سائرها؛ لأنها لا تقبل التبعيض كما تقبله الضمة والكسرة؛ لما فيهما من الثقل، ولأن المنصوب المنون لما تبينت فيه الفتحة؛ لإبدال التنوين فيه ألفا لم يرم الباقي؛ لأن لا يبقى ذلك على التقريب من لفظه وقال مكي يجوز فيه الروم غير أن عادة القراء أن لا يروموا فيه، وأن يقفوا بالسكون للجميع وقال: وقد اختلف لفظ أبي الطيب -رحمه الله تعالى- في ذلك وبالإسكان قرأت عليه في المنصوب لجميع القراء، وأما أهل النحو فأجازوا الروم في الفتح كما في الكسر والضم من غير فرق، فقوله: إمام النحو: يحتمل أن يريد به أئمة النحو فهو لفظ مفرد أريد به الجنس، ويجوز أن يريد به المشهور فيهم المقتدى به منهم وهو سيبويه الذي كتابه قدوة هذا العلم، والضمير في "أعملا" للروم، وليست الألف للتثنية إنما هي للإطلاق فالإشمام لا مدخل له في حركة الفتح كما لا مدخل له في الكسر، وإنما يختص بحركة الضم؛ لأن حقيقته ضم الشفتين، وذلك لا يحصل به إلا الدلالة على الضم فقط، وقوله: في الكل يعني في الحركات كلها ولم يتعرض صاحب التيسير لبيان مذهب النحويين، قال سيبويه في كتابه: أما ما كان في موضع نصب أو جر فإنك تروم فيه الحركة فأما الإشمام فليس إليه سبيل.
٣٧١-
وَمَا نُوِّعَ التَّحْرِيكُ إِلاَّ لِلاَزِمٍ ... بِنَاءً وَإِعْرَابًا غَدَا مُتَنَقِّلا
هذا اعتذار منه عن كونه لفظ بستة أسماء للحركات وهن ثلاث فخاف من إشعار ذلك بتعدد الحركات فقال: ما نوعت التحريك وقسمته هذه الأقسام إلا لأعبر عن حركات الإعراب وحركات البناء؛ ليعلم أن حكمهما واحد في دخول الروم والإشمام، وفي المنع منهما أو من أحدهما، ولو اقتصر على ألقاب أحدهما لخيف أن يظن أن الآخر غير داخل في ذلك وحركة البناء توصف باللزوم؛ لأنها لا تتغير ما دام اللفظ بحاله فلهذا قال: للازم بناء أي ما نوعته إلا لأجل أنه منقسم إلى لازم البناء وإلى ذي إعراب غدا بذلك متنقلا من رفع إلى نصب إلى جر باعتبار ما تقتضيه العوامل المسلطة عليه فألقاب الإعراب رفع ونصب وجر، وربما قيل: وخفض، وألقاب البناء ضم وفتح وكسر، وقد ذكرها سيبويه في أول باب من كتابه واعتذر عن تعدد الأسماء، واتحاد المسمى في اللفظ بنحو من ذلك؛ فإن الرفع والضم لفظهما واحد وكذا النصب والفتح والجر والكسر، وكذا الذي آخره ساكن للإعراب يسمى جزما، والذي للبناء يسمى وقفا والله أعلم.
فمثال حركات البناء في القرآن: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ، و ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ ، و ﴿مَنْ عَادَ﴾ ، و ﴿هَؤُلاءِ﴾ .
وحركات الإعراب نحو: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ ، و ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ ، و ﴿إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى﴾ .
ونصب بناء في قوله للازم بناء على أنه مفعول للازم أو تمييز، والتقدير: وإن اختلفا فهما متفقان في المعنى؛ لأن الكلمة لزمت البناء والبناء لزم الكلمة إما مطلقا:
стр. 285
كـ "حيث"، و"أين"، و"هؤلاء".
وإما في حالة من أحواله مطلقا نحو: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ و ﴿لا ظُلْمَ﴾ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والله أعلم.
٣٧٢-
وَفي هَاءِ تَأْنِيثٍ وَمِيمَ الْجَمِيعِ قُلْ ... وَعَارِضِ شَكْلٍ لَمْ يَكُوناَ لِيَدْخُلا
شرع يبين ما يمتنع فيه الروم والإشمام على رأي القراء فالألف في: "يَكُونَا".
ليدخلا: ترجع إلى الروم والإشمام أي لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت الموضع الأول هاء التأنيث وهي التي تكون تاء في الوصل ويوقف عليها بالهاء نحو: "رَحْمَةً"، و"نِعْمَةَ" فلا يدخلان فيها؛ لأن الحركة إنما كانت للتاء والهاء بدل عنها في الحالة التي تعدم الحركات فيها وهي الوقف فلا حركة للهاء فترام وتشم، فأما ما وقف عليه بالتاء من هذا الباب لأجل رسمه فيدخله الروم والإشمام؛ لأن الحركات داخلة في التاء نص عليه مكي وقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أن الوقف عليها بالإسكان ولا يجوز الروم والإشمام فيها؛ لأن الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذي كان عليه الإعراب إلا أن تقف على شيء منه بالتاء اتباعا لخط المصحف؛ فإنك تروم وتشم إذا شئت لأنك تقف على الحرف الذي كانت الحركة لازمة له فيحسن فيه الروم والإشمام.
الموضع الثاني: ميم الجمع أي الدالة على جماعة نحو: "عَلَيْهِمُ"، و"إِلَيْهِمْ"، و"مِنْهُمْ"، و"عَنْهُمْ".
في المواضع التي توصل بواو على ما تقدم بيانه لم يدخلا فيها؛ لأنها ساكنة وتحريكها في حال صلتها على مذهب من وصلها إنما كان لأجل الصلة ولهذا إذا وقف عليها ترك الصلة، فيسكن الميم، وأجاز مكي رومها وإشمامها كهاء الضمير على ما يأتي ورد عليه الداني وقال: خالف في ذلك الإجماع، وأتى بخطأ من القول، قال مكي: ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذي يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والإشمام؛ لأنهم يقولون ل فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء في جواز الروم والإشمام فالذي يروم ويشم حركة الميم على النص غير مفارق له للإجماع، والذي لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، قال: وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والإشمام فهي مثل الهاء؛ لأنها توصل بحرف بعد حركتها كما توصل الهاء، ويحذف ذلك الحرف في الوقف كما يحذف مع الهاء فهي مثلها في هذا غير أن الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء عند القراء من الروم والإشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم؛ لأنها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الإشمام في:
стр. 286
"يَا قَوْمِ"، و"يَحْكُمَ".
وليس في جوازه اختلاف وليس قول من يمنع ذلك؛ لأجل أن الميم من الشفتين بشيء لإجماع الجميع على الروم والإشمام في الميم التي في أواخر الأفعال والأسماء التي ليست للجمع، ولو تم له منع الإشمام فيها لم يتم له منع الروم فقياس ميم الجمع لمن ضمها وهو يريد بالضم أصلها أن يقف عليها كغيرها من المتحركات والإسكان حسن فيها، فأما من حركها لالتقاء الساكنين فالوقف له بالسكون لا غير قلت: فنحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ حركة الميم بالضم أو الكسر هي لالتقاء الساكنين عند الأكثر فلا ترام ضما ولا كسرا ولا تشم ضما، وهي في مذهب من يرى الصلة ليست لالتقاء الساكنين، فيجوز فيها الروم والإشمام على مذهب ابن كثير على ما ذكره مكي، وفرق الداني بين ميم الجمع وهاء الكناية بأن الهاء محركة قبل الصلة بخلاف الميم يعني بدليل قراءة الجماعة، فعوملت حركة الهاء في الوقف معاملة سائر الحركات، ولم يكن للميم حركة، فعوملت بالسكون فهي كالتي تحرك لالتقاء الساكنين كما يأتي.
الموضع الثالث قوله: وعارض شكل الشكل عبارة عن الحركة هنا تجوزا على تجوز، وذلك أن استعماله في دلالة الخط على الحركات والسكون مجاز؛ لأنه تقييد كالشكل في الدواب، ثم استعماله مخصصا بالحركة تجوز آخر ودلت قرينة الكلام في الروم والإشمام على هذا التجوز؛ لأنهما لا يدخلان إلا في متحرك أي وفي شكل عارض أي حركة عارضة فهو من باب حسن وجه إلا أنه لا يجوز أن تقول: مررت بحسن وجه وأنت تريد بوجه حسن؛ لما فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف وإنما يجوز على تقدير مررت بشخص حسن وجه فعلى هذا يكون تقدير البيت: وفي لفظ عارض شكل لم يدخلا، وذلك حركة التقاء الساكنين، نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ ، ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ ، ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ ، ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ؛ لأنه ليس هنا حركة فتفتقر إلى دلالة والعلة الموجبة للتحريك في الوصل مفقودة في الوقف؛ لأن الساكن الذي من أجله تحرك الحرف الأول قد باينه وانفصل عنه، فأما حركة نحو القاف من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ فترام وإن كانت حركة التقاء الساكنين أيضا؛ لأن الأصل يشاقق فأدغم وحرك، وسببه دوام مصاحبة الساكن المدغم وقفا ووصلا ومما يمتنع رومه من الحركات العارضة حركة الهمزة المنقولة في قراءة ورش نحو: "مِنْ إِسْتَبْرَقٍ" و"قُلْ أُوحِيَ".
قال مكي: فأما إن كان الذي أوجب الحركة في الحرف لازما فالروم والإشمام جائزان فيه على ما قدمناه في الوقف على: "جزء" و"ملء" و"دفء".
стр. 287
إذا ألقيت حركة الهمزة على ما قبلها في قراءة حمزة وهشام؛ لأنها حركة الهمزة وهي تدل عليها فكأن الهمزة ملفوظ بها قال: فأما: "يَوْمَئِذٍ"، و"حِينَئِذٍ" فبالإسكان تقف عليه؛ لأن الذي من أجله تحركت الذال يسقط في الوقف فترجع الذال إلى أصلها وهو السكون فهو بمنزلة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ ، وشبهه. قال: وليس هذا بمنزلة: "غَوَاشٍ"، و"جَوَارِ"، وإن كان التنوين في جميعه دخل عوضا من محذوف؛ لأن التنوين دخل في هذا على متحرك فالحركة أصلية والوقف عليه بالروم حسن، والتنوين في "يومئذ" دخل على ساكن فكسر لالتقاء الساكنين على الأصل والله أعلم.
٣٧٣-
وَفي الهَاءِ لِلإِضْمَارِ قَوْمٌ أَبَوْهُمَا ... وَمِنْ قَبْلِهِ ضَمٌّ أَوِ الكَسْرُ مُثِّلا
٣٧٤-
أَوُ امَّاهُمَا وَاوٌ وَيَاءٌ وَبَعْضُهُمْ ... يُرى لَهُمَا فِي كُلِّ حَالٍ مُحَلِّلا
يعني هاء الضمير وهي هاء الكناية التي سبق لها باب: أبى قوم الروم والإشمام فيها إذا كان قبلها ضم أو كسر نحو: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ .
أو يكون قبلها، إما الضم أو الكسر وهما الواو والياء نحو: "فِيهِ"، و"عَقَلُوهُ".
وطلبوا بذلك التخفيف؛ لئلا يخرجوا من ضم أو واو إلى ضمة أو إشارة إليها ومن كسر أو ياء إلى كسرة، والهاء في قبله تعود إلى الإضمار أو إلى الهاء ولو قال قبلها لجاز على هذا وكان أحسن؛ لأنه أوضح والوزن مُواتٍ له، قوله: مثِّلا أي شخّص قبل الهاء والألف للإطلاق، ويجوز أن يكون ضمير التثنية على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ .
وليس هذا مثل قولك: زيد أو عمرو قائم فإنه لا يجوز قائما؛ لأنك لم ترد الإخبار عنهما بل عن أحدهما وههنا يريد الإخبار عنهما معا، وإنما حرف أو أفاد نفي اجتماعهما فلا يكون إلا أحدهما فلهذا عدل عن الواو إلى أو فهي قريبة الشبه من قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين فإن المعنى جالسهما، وعدل إلى لفظ "أو"؛ ليفيد أن لك أن تجالس واحدا منهما منفردا كما لك أن تجالسهما معا، ثم قال: أو أماهما فنقل حركة همزة
стр. 288
أم إلى الواو وجعل الواو "أُمًّا" للضم والياء "أُمًّا" للكسر أي أن الضم والكسر تولدا منهما، وهذه مسألة قد اختلف الناس فيها وهي أن الحركات الثلاث أصول حروف العلة أو حروف العلة أصول الحركات، وقد سبق الناظمَ إلى هذه العبارة أبو الحسن الحصري فقال في باب الكناية من قصيدته:
وأشمم ورم ما لم تقف بعد ضمة ... ولا كسرة أو بعد أُمَّيْهِما فادرِ
وقوله: واو وياء بدلان من "أُمًّا" ثم قال: وبعضهم أي وبعض الشيوخ يرى محللا لهما أي مجوزا للروم والإشمام في هاء الإضمار كيف كانت وعلى أي حال وجدت، ولم يستثن ما ذكره هؤلاء القوم فقوله: محللا اسم فاعل من التحليل الذي هو ضد التحريم، ونصبه على أنه مفعول ثانٍ لقوله يرى، وهذه المسألة لم تذكر في التيسير، وقد ذكرها مكي فقال: إذا وقفت على هاء الكناية وكانت مضمومة وقبلها ضمة أو واو ساكنة أو كانت مكسورة وقبلها كسرة أو ياء ساكنة وقفت بالإسكان لا غير عند القراء.
قال: وقد ذكر النحاس جواز الروم والإشمام في هذا، وليس هو مذهب القراء، ويقف عليها فيما عدا هذين الأصلين كسائر الحروف بالروم والإشمام على ما ذكرناه والله أعلم.
стр. 289
باب: الوقف على مرسوم الخط
يعني خط المصحف: على ما وضعته عليه الصحابة ﵃ لما كتبوا المصاحف في زمن عثمان ﵁ وأنفذها إلى الأمصار، ففيها مواضع وجدت الكتابة فيها على خلاف ما الناس عليه اليوم في الكتابة، وقد صنف في ضبط ذلك تصانيف، ولأبي عمرو الداني في ذلك الكتاب "المقنع"، وقد نظمه الشيخ الشاطبي أيضا في قصيدته الرائية، ولا يعرف ذلك إلا من وقف على تصنيف منها، وأصل الرسم: الأثر، فمعنى مرسوم الخط: ما أثره الخط.
٣٧٥-
وَكُوفِيُّهُمْ وَالمَازِنِيُّ وَنَافِعٌ ... عُنُوا بِاتَّبَاعِ الخَطِّ فِي وَقْفِ الاِبْتِلا
المازني هو: أبو عمرو، وعنوا أي اعتنوا باتباع خط المصحف، والابتلا الاختبار أي إذا اختبروا بالوقف على كلمات ليست بموضع وقف؛ ليعلم به معرفة القارئ بحقيقة تلك الكلمة أو إذا انقطع نفس القارئ فوقف على تلك الكلمة، فقد وردت الرواية عن هؤلاء الأئمة المذكورين باتباع الرسم فيها، فيوقف عليها على وفق رسمها في الهجاء، وذلك باعتبار الأواخر في تفكيك الكلمات بعضها من بعض وتقطيعها، فما كتب من كلمتين موصولتين لم يوقف إلا على الثانية منهما، وما كتب منهما مفصولا يجوز أن يوقف على كل واحدة منهما، وذلك نحو: "عن ما"؛ هما كتبتا بالقطع في موضع وبالوصل في آخر فيقفون في المقطوع على "عن"، وفي الموصول على "عما"، وفي الوصل لا يظهر لذلك أثر فلهذا خص الباب بالوقف.
٣٧٦-
وَلاِبْنِ كَثِيٍر يُرْتَضى وَابْنِ عَامِرٍ ... وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ حَرٍ أَنْ يُفَصَّلا
أي يرتضى لهما الوقف على المرسوم وإن لم يرد به عنهما رواية، وذلك لما فيه من التنبيه على الرسم قال في التيسير: اعلم أن الرواية ثبتت لدينا عن نافع وأبي عمرو والكوفيين أنهم كانوا يقفون على المرسوم، وليس
стр. 290
باب: مذاهبهم في ياءات الإضافة
ياء الإضافة هي: ياء المتكلم، بها تكون متصلة بالاسم والفعل والحرف، نحو:
"عذابي" و"ليبلوني"، و"إني"، و"ولي". فهي مجرورة المحل، وتارة منصوبة المحل، وقد أطلق الناظم وغيره من مصنفي كتب القراءات هذه التسمية عليها، وإن كانت منصوبة المحل غير مضاف إليها نحو: "إني"، و"آتاني" و"يحزنني" و"ذروني".
تجوُّزًا، وقد جاءت في المصحف على ضربين: محذوفة وثابتة، فالمحذوفة يأتي الكلام فيها في الباب الآتي، والثابتة فيها لغتان: الفتح والإسكان، فوجه الفتح: أنها ضمير على حرف واحد، قابل لحركة الفتح، واقع في موضع النصب والجر، فحرك، كالكاف والهاء، وقولنا: قابل لحركة الفتح؛ لأن الياء المكسور ما قبلها لا تحرك بغير الفتح إلا في ضرورة شعر، وقولنا: واقع في موضع النصب والجر، احترازًا من باب افعلي، في خطاب المرأة، ووجه الإسكان التخفيف؛ لأن حرف العلة تثقل عليه الحركة، وإن كانت فتحة، ولأن المد يخاف الحركة، فيصير الحرف بالمد كأنه محرك، وكلاهما لغة فصيحة، وقد جمعهما امرؤ القيس في بيت واحد، فقال:
ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بَلَّ دمعي محملي
فقال: مني، بالإسكان، ودمعي بالفتح، وعند هذا نقول: كل ضمير مفرد متصل: منصوب أو مجرور لا ينفك من أن يكون ياء المتكلم أو كاف الخطاب أو هاء الغائب، فالياء تسكن؛ لما فيها من المد، ولأنها حرف علة تثقل عليه الحركة، وإن كانت فتحة بدليل إجماعهم على إسكان الياء من معدي كرب، ولزموا الفتح في نحو القاضي لأجل الإعراب، والكاف حرف صحيح محرك، والهاء مع كونها حرفا صحيحا فيها ضعف، فقويت بالصلة إما بواو، أو ياء، على حسب ما قبلها من الحركة، على ما سبق في بابها، ثم ياء الإضافة الثابتة في المصحف منها ما أجمع القراء على تسكينه، وهو كثير، نحو: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ، ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ ، ﴿يُطْعِمُنِي﴾ ، ﴿يُمِيتُنِي﴾ ، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ ، ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ ، ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ .
стр. 291
ومنها ما أجمع على فتحه، وهو: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ، ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ﴾ ، ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ ونحوه، مما بعده لام التعريف، أو شبهها، غير ما يأتي الخلاف فيه، ومنه ما وقع فيه قبل ياء الإضافة ألف، نحو: ﴿هُدَايَ﴾ ، و ﴿عَصَايَ﴾ ، و"بشراي"، واختلف في: "مَحْيَاي" على ما يأتي، وإن وقع قبلها ياء ساكنة أدغمت فيها، وفتحت نحو: "لدي"، و"عَلَيَّ"، و"إِلَيَّ"، و"بِيَدَيَّ"، واختلف في "بِمُصْرِخِيّ"، و"يَا بُنَيَّ" في الفتح والكسر، ومنهم من أسكن: "يَا بُنَيَّ" "كما يأتي".
وقد صنف الإمام أبو بكر بن مجاهد ﵀ كتابا مستقلا في الياءات: إثباتا، وفتحا وإسكانا، وذكر المتفق عليه والمختلف فيه، على ترتيب القرآن، سورة سورة، وسيأتي في آخر كل سورة ذكر ما فيها من ياءات الإضافة.
وههنا بيان أحكامها، فابتدأ الناظم ببيان حقيقتها فقال:
٣٨٦-
وَلَيْسَتْ بِلاَمِ الفِعْلِ يَاءُ إِضَافَةٍ ... وَمَا هِيَ مِنْ نَفْسِ الأُصُولِ فَتُشْكِلا
أي تكون آخر كلمة ولكن ليست من حروف تلك الكلمة بل زائدة عليها، وشرح هذا الكلام أن تقول الكلمة إن كانت مما يوزن ووقع في آخرها ياء فزنها بالفاء والعين واللام فإن صادفت اللام مكان الباء فتعلم أنها لام الفعل مثاله: ﴿أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ ، ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ﴾ ، ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ ، ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ ، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقّ﴾ ، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ .
فحكم مثل هذه الياء في المضارع السكون في الرفع والفتح في النصب والحذف في الجذم وفي الماضي الفتح نحو: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ﴾ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ .
ومثاله في الأسماء نحو: "الدَّاعِيَ"، و"الْمُهْتَدِي"، و"الزَّانِي"، و"النَّوَاصِي".
فهذا وشبهه يقع الاختلاف فيه في الياء بالحذف والإثبات منا ما اتفق على إثباته "كالزاني" و"النواصي"، ومنها ما اختلف فيه "كالداعي" و"التلاق" على ما سيأتي بيانه في بابه وإن كانت الكلمة مما لا يوزن وذلك في الأسماء المبهمة نحو الذي والتي واللاتي، وفي الضمائر هي فالياء فيها ليست بياء إضافة؛ لأنها من
стр. 292
نفس أصول الكلمة ليست زائدة عليها وإن كان يجوز في ياء الذي وأخواته الحذف والتشديد ويجوز في ياء هي في الشعر الإسكان والتشديد فاحترز بقوله: وما هي من نفس الأصول من مثل ذلك، ولم يكتف بقوله: وليست بلام الفعل؛ لما ذكرت من الفرق بين الكلمات الموزونة وغيرها، وقوله: وما هي من نفس الأصول يشمل الجميع، ولكن أراد التنبيه على مثل هذه الفوائد وإذا تقرر أنها ليست من نفس الأصول لم تبق مشكلة، فلهذا قال: فتشكلا، ونصبه على الجواب بالفاء بعد النفي، وكان ينبغي أن يأتي بما يحترز به أيضا عن ياء ضمير المؤنث في نحو: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ ، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ .
وعن الياء في جميع السلامة نحو: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ﴾ ، و ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ ، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ، ﴿مُهْلِكِي الْقُرَى﴾ .
فهذا كله ليس من باب ياءات الإضافة وكان يكفيه في تعريفها أن يقول: هي ياء المتكلم أي ضميره المعبر عنه به في موضع النصب والجر متصلا ثم عرفها بالعلامة فقال:
٣٨٧-
وَلكِنَّهَا كالهَاءِ وَالكَافِ كُلُّ مَا ... تَلِيهِ يُرى لِلهَاءِ وَالكَافِ مَدْخَلا
أي أنها كهاء الضمير وكافه كل لفظ تليه ياء الإضافة أي كل موضع تدخل فيه فإنه يصح دخول الهاء والكاف فيه مكانها فتقول في: "ضَيْفِي"، و"يَحْزُنُنِي"، و"إِنِّي"، "ولى ضيفه"، و"يَحْزُنُه"، و"إِنَّهُ"، و"لَهُ"، و"ضيفك"، و"يَحْزُنْكَ"، و"إِنَّكَ"، و"لك"، و"لكن".
ههنا إشكال وهو: أن من المواضع مالا يصح دخول الكاف فيه نحو: "فَاذْكُرُونِي"، و"حَشَرْتَنِي".
فلا يبقى قوله: "كل ما" على عمومه، ولو قال: كل ما تليه يرى للها أو الكاف لزال هذا الإشكال بحرف أو وقصر الهاء، وقوله: "كل ما" مبتدأ وحق كلمة "ما" بعدها أن تكتب مفصولة منها؛ لأنها مضاف إليها وهي نكرة موصوفة أي كل شيء يليه ولا تكاد تراها في النسخ إلا متصلة بكل ومنهم من ينصب كل ما يعتقد أنه مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ، وذلك خطأ، ويرى خبر المبتدأ أي كل شيء يليه الياء يرى ذلك الشيء مدخلا للهاء والكاف أي موضع دخول لهما وقوله: تليه يجوز أن يكون من ولى هذا هذا أي تبعه وأتى بعده أي كل موضع اتصل به ياء الإضافة يرى موضعا لاتصال الهاء والكاف به مكان الياء، ويجوز أن تكون تليه من الولاية التي بمعنى الإمرة
стр. 293
أي كل موضع وليته الياء أي حكمت عليه بحلولها فيه فذلك الموضع يصح أن يكون مدخلا للضميرين الهاء والكاف ضميري الغائب والمخاطب، فيحكما حكمها فيه والله أعلم.
ووقع لي بيتان في تعريفها حدا وتمثيلا باتصالها بالاسم والفعل والحرف وتمثيل ما احترز عنه مما تقدم ذكره فقلت:
هي الياء في أني على متكلم ... تدل وضيفي فاذكروني مثلا
وليست كـ "يائي" وهي أوحي واسجدي ... وياء التي والمهتدي حاضري انجلا
فالحد أن تقول: هي الياء التي تدل على المتكلم وعند ذلك تتصل بالحروف الجارة والناصبة نحو: "لي" و"إني" وبالأسماء نحو ضيفي ودوني وتحتي وعندي وبالإفعال الماضية والمضارعة ومثال الأمر:
"حشرتني" و"يحزنني" "فاذكروني".
والبيت الثاني فيه أمثلة ما الياء فيه أصل لا عبارة عن متكلم والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى:
٣٨٨-
وَفي مِائَتَيْ ياَءٍ وَعَشْر مُنِيفَةٍ ... وَثِنْتَيْنِ خُلْفُ القَوْمِ أَحْكِيهِ مُجْمَلا
منيفة أي زائدة: يقال أناف على كذا: أي أشرف عليه، وأنافت الدراهم على مائة إذا زادت عليها وناف الشيء في نفسه ينوف: أي طال وارتفع ذكره أي جملة ياءات الإضافة هي العدة وهي: مائتان واثنتا عشرة ياء وعدها صاحب التيسير مائتين وأربع عشرة ياء فزاد ثنتين وهما: ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في سورة النمل١، وقوله في الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾ ، وذكرهما الناظم في باب الزوائد؛ لأن الياء حذفت منهما في الرسم وهذا حقيقة باب الزوائد ثم إن صاحب التيسير لما ذكر: ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في سورتها، عدها مع الزوائد ولم يعدها مع ياءات الإضافة وعد: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ في سورتها مع ياءات الإضافة ولا شك أنهما أخذا من كل باب من هذين البابين حكمه فإن الخلاف فيهما في فتح الياء وإسكانها وفي إثباتها وحذفها وأما:
﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ .
стр. 294
في الزخرف١ فذكرها الشيخ الشاطبي ﵀ في باب ياءات الإضافة وبين حكمها؛ لأن المصاحف لم تجتمع على حذف يائها كما يأتي بيانه بخلاف ياء: "آتَانِي" في النمل، و"عِبَادِي" في الزمر.
فإن المصاحف اجتمعت على حذف الياء منهما وذكر صاحب التيسير حكم الياء التي في الزخرف في باب الزوائد ولذلك عدها إحدى وستين ياء وأدرجها في باب ياءات الإضافة في العدد ولم ينص على حكمها فإنه عد الياءات التي ليس بعدها همز ثلاثين كما عدها الشاطبي، ولا يتم هذا العدد إلا بالتي بالزخرف وذكرها صاحب التيسير في سورتها مع ياءات الإضافة فقد عدها في البابين، وعذره في ذلك أنها حذفت في بعض الرسوم كما يأتي ذكره، وقوله: أحكيه مجملا يعني خلف القراء فيها بالفتح والإسكان، ولم يذكر في هذا الباب حذفا وإثباتا إلا في التي في الزخرف فإنه ذكر فيها الأمرين؛ فإن من أثبتها اختلفوا في فتحها وإسكانها وكذا فعل في باب الزوائد في اللتين في النمل والزمر، وقوله: مجملا حال من الهاء في أحكيه أو نعت مصدر محذوف أي ذكرا مجملا فهو مصدر قرن بغير فعله؛ لأنه بمعناه مثل قعدت جلوسا؛ لأن معنى أحكيه وأذكره واحد أي أذكره على الإجمال بضابط يشملها من غير بيان مواضع الخلاف كلها تنصيصا على أعيانها في سورها، وستأتي معينة في آخر كل سورة وإنما أحكامها تؤخذ من هذا الباب، وقيل هو من إجمال العدد وهو ما كان منه متفرقا ويجوز أن يكون من أجمل إذا أتى بالجميل من قولهم أحسن فلان وأجمل أي أذكره ذكرا جميلا سهلا، ويروى مجملا بكر الميم وهو حال من الفاعل بالمعاني السابقة.
٣٨٩-
فَتِسْعُونَ مَعْ هَمْزٍ بِفَتْحٍ وَتِسَعُها ... "سَمَا" فَتْحُهَا إَلاَّ مَوَاضِعَ هُمَّلا
أي فمن جملة المائتين والاثنتي عشرة ياء المذكورة تسع وتسعون ياء بعدها همزة مفتوحة نحو: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ ، ﴿نِّي أَرَى﴾ فتحها كلها مدلول سما وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو إلا مواضع خرجت عن هذا الأصل ففتحها بعضهم أو زاد معهم غيرهم جمعا بين اللغتين أو اختلف عن بعضهم في شيء من ذلك، ومعنى هملا متروكة وهو جمع هامل يقال بعير هامل من إبل هوامل وهمل وهمل وقد همل هذا إذا ترك بلا راعٍ، والشيء الهمل هو السدى المتروك، وقد رتب الناظم ذكر الياءات المختلف فيه ترتيبا حسنا وهو ترتيب صاحب التيسير وحاصل المختلف فيه منها ستة أنواع؛ فإن الياء لا تخلو إما أن يكون بعدها همزة أو لا، فالتي بعدها همزة لا تخلو من أن تكون همزة قطع أو همزة وصل، فهمزة القطع لا تخلو من أن تكون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وإن كانت همزة وصل فلا تخلو من أن يكون معها لام التعريف أو لا، فهذه ستة أنواع خمسة منها لما بعده همز، وواحد مع غير همز، فابتدأ بذكر ما بعده همزة قطع على الترتيب المذكور وبدأ بما بعده همزة مفتوحة؛ لكثرة ذلك، ولأن الفاتحين له من القراء ثلاثة عبر عنهم بسما وربما زادوا في بعض المواضع كما يأتي بيانه ثم ذكر ما بعده همزة مكسورة؛ لأنه دون ذلك في العدة وعلى فتحه من جملة مدلول سما اثنان
стр. 295
ثم ذكر ما بعده همزة مضمومة لقلته وعلى فتحه واحد من مدلول سما ثم ذكر ما بعده همزة وصل وقدم ما معه لام التعريف؛ لكثرته ثم ذكر النوع الآخر ثم ذكر ما لا همز بعده وهو آخر الأنواع الستة.
واعلم أن الغالب على ياء الإضافة في القرآن الإسكان وأكثر ما فتح منها ما بعده همزة قطع، وسببه الخلاص بالفتح من المد وقد ذكر ابن مجاهد في كتابه: قال الفراء: وقد زعم الكسائي أن العرب تستحب نصب الياء عند كل ألف مهموزة سوى الألف واللام، قال الفراء: ولم أر ذلك عند العرب، رأيتهم يرسلون الياء فيقولون: عندي أبواك، ولا يقولون: عنديَ أبواك إلا أن يتركوا الهمزة، فيحولوا الفتحة في الياء، قال ابن مجاهد: فأما قولهم: لِيَ ألفان وبِيَ أخواي كفيلان، فإنهم ينصبون في هذين؛ لقلتهما. قلت: يعني قلة حروف الكلمتين "لي" و"بي" فحيث تقل الحروف يحسن الفتح ما لا يحل في كثرتها، وقد أفادنا ما حكاه عن الفراء أن معظم العرب على الإسكان، وأن من فتح منهم فأكثر فتحه فيما بعده همزة قطع، وأما ما بعده همزة وصل فلا؛ لأنه يلزم من إسكان الياء المد في القطع دون الوصل، ومذهب أكثر القراء عكس ذلك وهو اختيار الفتح قبل لام التعريف؛ لتظهر الياء ولا تحذف لالتقاء الساكنين، وفيما بعده همزة وصل بغير لام التعريف من الخلاف نحو مما بعده همزة قطع ولعل سببه أن همزة لام التعريف مفتوحة فكأن فتحتها نقلت إلى الياء وهمزة الوصل في غيرها مكسورة أو مضمومة، وقد أشار أبو عبيد إلى قريب من هذا الفرق في سورة الصف والخلاف في هذا الباب جميعه في الفتح والإسكان، وليس أحدهما ضدا للآخر، فكان الواجب عليه في اصطلاحه أن ينص في كل ما يذكره على القراءتين معا، لكن كان يطول عليه فاكتفى بدلالة النظم في جميع الباب على ذلك فإنه تارة ينص على الفتح وتارة على الإسكان ففهم من ذلك الأمران والله أعلم.
٣٩٠-
فَأَرْنِي وَتَفْتِنِّي اتَّبِعْنِي سُكُونُهَا ... لِكُلٍ وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ وَلَقَدْ جَلا
يعني أن هذه الياءات الأربع وإن كان بعدها همزات مفتوحة فقد أجمعوا على إسكانها وليست من جملة التسع والتسعين التي ذكرها وأراد: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وأتى به على قراءة ابن كثير والسوسي، و ﴿لا تَفْتِنِّي أَلا﴾ ، ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ﴾ و ﴿إلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ﴾ .
وفائدة ذكره لهذه المواضع الأربعة من بين المجمع عليه أن لا يلتبس المختلف فيه بها؛ لأنها داخلة في الضابط المذكور وهو ما بعده همزة مفتوحة، فلولا تنصيصه عليها بالإسكان للكل لظن أنها من جملة العدة، فتفتح لمن يفتح تلك العدة، فعلم من ذكره لهذا المواضع أن المختلف فيه غيرها مما بعده همزة مفتوحة، وكذا يفعل فيما بعده مكسورة ومضمومة فلهذا قال: ولقد جلا أي كشف مواضع الخلاف وبينها، وفاعل جلا ضمير يرجع إلى الناظم أو إلى المذكور، وقيل يعود الضمير على السكون أي كشف فصاحة هذه اللغة وهي الإسكان بسبب الاتفاق عليه في هذه المواضع، وكذا فيما بعده همزة مكسورة أو مضمومة كما يأتي وقد ذكرنا فيم مضى أن أكثر الياءات في غير كلمات الخلاف مسكنة والمجمع على فتحه من ذلك ما قبله ساكن مدغم أو ألف نحو:
стр. 296
"لَدَيَّ"، و"هُدَايَ"؛ للضرورة أو كان بعده لام التعريف نحو: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ حرصا على بيان الياء، وقيل حسن الإسكان في: ﴿أَرِنِي﴾ أن بعده: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، و ﴿سَوْفَ تَرَانِي﴾ .
ساكن الياء وفي: "تَفْتِنِّي" أن قبله "إيذن لي" ساكن الياء وأنه محل الوقف. وفي: ﴿اتَّبَعَنِي﴾ أن قبله: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ ساكن الياء. وفي: ﴿تَرْحَمْنِي﴾ أن قبله ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ساكن الياء. والله أعلم.
٣٩١-
ذَرُونِي وَادْعُونِي اذْكُرُونِيَ فَتْحُهَا ... "دَ"وَاءٌ وَأَوْزِعْنِي مَعاً "جَـ"ـادَ "هُـ"ـطَّلا
أراد: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ ، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فتح هذه المواضع من مدلول سما ابن كثير وحده: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾ في النمل والأحقاف١، وهو معنى قوله: معا، وتقدير الكلام: وفتح ياءي كلمتي: أوزعني معا، وقد تقدم بيان اصطلاحه في ذلك في قوله: وأرجئ معا، وفتح ياءي أوزعني في الموضعين: ورش والبزي والضمير في جاد يرجع إلى الفتح وهطلا جمع هاطل، والهطل تتابع المطر ويقال: جاد المطر إذا غزر، وهطلا: حال أي ذا هطل أي سحائب هطل، قال الجوهري: سحائب هطل: جمع هاطل ويجوز أن يكون جاد من الجودة أي جاد في نفسه أو يكون من جاد بماله إذا سمح به ونصب هطلا على ما ذكرناه وقيل هطلا تمييز على حد تفقأ زيد شحما أي جاد هطله والله أعلم.
٣٩٢-
لِيَبْلُوَنِي مَعْهُ سَبِيلِي لِنَافِعٍ ... وَعَنْهُ وَلِلْبصْرِي ثَمَانٍ تُنُخِّلا
معه أي مع ليبلوني، سبيلي فتحهما لنافع أراد: "لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ"، "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو".
стр. 297
وعنه: يعني عن نافع، ولأبي عمرو فتح ثمانِ ياءات تنخل: أي اختير فتحها، ولو قال تنخلا: أي اختارا فتحها وتكون الألف ضمير التثنية كان أبين وأحسن، ثم بين مواضعها فقال:
٣٩٣-
بِيُوسُفَ إِنيِّ الأَوَّلاَنِ وَليِ بِهَا ... وَضَيْفِي وَيَسِّرْ لِي وَدُونِي تَمَثَّلا
أراد: "إِنِّي أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْرًا"، "إِنِّي أَرَانِيَ أَحْمِلُ" احترز بقوله: الأولون عن ثلاث ياءات أخر في يوسف بلفظ إني وبعدها همزة مفتوحة وهي:
"إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ"، "إِنِّيَ أَنَا أَخُوكَ"، "إِنِّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ".
فهذه الثلاث يفتحها سما على أصلهم ووجه الكلام ياء كلمتي إني الأولان أو إني إني الأولان ولكنه حذف أحدهما؛ لدلالة المراد من هذا الكلام على المحذوف، وكذا قوله: وأوزعني معا أي أوزعني أوزعني معا، وقوله: ولي بها أي بسورة يوسف أيضا أراد: "حَتَّى يَأْذَنَ لِيَ أَبِي"، و"ضَيْفِيَ أَلَيْسَ مِنْكُمْ" في هود١، و"يَسِّرْ لِيَ أَمْرِي" في طه٢، "مِنْ دُونِيَ أَوْلِيَاءَ".
في آخر الكهف٣ وقوله: تمثلا أي تشخّص ذلك وبان، فهذه ست ياءات، ثم ذكر الياءين الباقتين فقال:
٣٩٤-
وَيَاءَانِ في اجْعَلْ لِي وَأَرْبَعٌ "ا"ذْ حَمَتْ ... "هُـ"ـدَاهَا وَلكِنِّي بِهَا اثْناَنِ وُكِّلا
أراد: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ .
في آل عمران ومريم٤ فهذه آخر الياءات الثمانية لنافع وأبي عمرو فتحها ثم ذكر أربعا فتحها لهما، وللبزي فقال: وأربع أي وفتحت أربع؛ إذ حمت تلك الأربع هداها أي ذوي هداها أي المهتدي لفتحها وهم قراؤها حمتهم من أن يطعن عليهم في فتحهم لها لحسن الفتح فيها ثم أخذ يبينها فقال: ولكني والواو من نفس التلاوة وليست عطفا أراد قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ﴾ .
في هود والأحقاف٥ وهو معنى قوله: بها اثنان والهاء في بها عائدة على: ولكني أي وكل بهذا اللفظ موضعان ثم ذكر ما بقي فقال:
٣٩٥-
وتَحْتِي وَقُلْ في هُودَ إِنِّي أَرَاكُمُو ... وَقُلْ فَطَرَنْ في هُودَ "هَـ"ـادِيهِ "أَ"وْصَلا
стр. 298
أراد: "مِنْ تَحْتِيَ أَفَلا تُبْصِرُونَ" في الزخرف١، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ ٢. وفتح البزي ونافع:
"فطرنيَ أفلا تعقلون". وحذف الناظم الياء من فطرني وأسكن النون ضرورة؛ لأنه لا يستقيم الوزن في بحر الطويل بلفظ: فطرني لما فيه من توالي أربع حركات ويستقيم فيه اجتماع ثلاث حركات، ومعنى قوله: هاديه أوصلا أي أوصل فتحه وهاديه ناقله.
٣٩٦-
وَيَحْزُنُنِي "حِرْمِيُّـ"ـهُمْ تَعِدَانِنِي ... حَشَرْتَنِيَ اعْمى تَأْمُرُونِي وَصَّلا
وجميع ما في هذا البيت وصل الحرميان فتحه وليست الألف في وصلا للتثنية وإنما في وصل ضمير مستكن يرجع إلى لفظ حرمي؛ لأنه مفرد وإن كان مدلوله اثنين، ويجوز أن تكون الألف ضمير التثنية اعتبارا للمدلول أراد: ﴿لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ ٣، ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ ٤، ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ ٥ في طه، ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ ٦ في الزمر، فهذه أربع آيات لفظ بإثنتين منها ساكنتين وبإثنتين مفتوحتين على ما اتفق نظمه على أن فتحته ياء: ﴿حَشَرْتَنِي﴾ يحتمل أن تكون حركة ياء الإضافة ووصل همزة أعمى ضرورة ويحتمل أن تكون حركة الهمزة نقلت إليها وهو أولى، فهذا آخر ما أهمل فتحه بعض مدلول سما ثم ذكر ما زاد معهم على فتحة غيرهم فقال:
٣٩٧-
أَرَهْطِي "سَمَا مَـ"ـوْلًى وَمَالِي "سَمَا لِـ"وىً ... لَعَلِّي "سَمَا كُـ"ـفْؤًا مَعِي "نَفَرُ" العُلا
يريد قوله تعالى: "أَرَهْطِيَ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ".
стр. 299
زاد على فتحه ابن ذكوان:
"مَا لِيَ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ".
زاد على فتحه هشام لعلي زاد على فتحه ابن عامر بكماله وهو في ستة مواضع في القرآن:
"لَعَلِّي أَرْجِعُ" في يوسف١.
"لَعَلِّي آتِيكُمْ" في طه والقصص٢.
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا"٣ في قد أفلح.
"لَعَلِّي أَطَّلِعُ" في القصص٤.
"لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ" في غافر٥.
ونصب: مولى ولوا وكفؤا على التمييز أو على الحال، والمولى: الناصر ولوى مقصور لواء، ويكنى به عن الشهرة وسموه موافق لذلك أي ارتفع لواؤه؛ هذا إن نصبناه على التمييز، وإن كان حالا فالتقدير: ذا لواء والكفؤ: المماثل، وأما "معي" في قوله تعالى: ﴿مَعِيَ أَبَدًا﴾ في براءة٦، ﴿مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ في تبارك٧، فزاد على فتحه ابن عامر أيضا وحفص وهو المذكور في أول البيت الآتي، ومعي مبتدأ ونفر العلا خبره أي ذو نفر العلا أي نفر الأدلة العلا أو يكون نفر العلا مبتدأ ثانيا وخبره أول البيت الآتي وهو قوله:
٣٩٨-
"عِـ"مَادٌ وَتَحْتَ النَّمْلِ عِنْدِيَ "حُـ"سْنُهُ ... "إِ"لَى "دُ"رِّهِ بِالخُلْفِ وَافَقَ مُوهَلا
стр. 300
أي هم عماد له في فتحه فالجملة خبر معي، وقوله: عندي مبتدأ، وتحت النمل خبر أراد قوله تعالى في القصص: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ ١.
وهذا الموضع هو الذي اختلف فيه عن بعض مدلول سما وهو ابن كثير، ولولا الخلف لما كان له حاجة لذكره؛ فإنه داخل في عموم ما تقدم لهم، وقوله: حسنه: مبتدأ أيضا؛ أي: حسن الفتح إلى دره وافق موهلا، وقوله: وافق هو خبر المبتدأ، وموهلا حال أي مجعولا أهلا للموافقة للصواب من قولهم: أهلك الله لكذا أي: جعلك أهلا له أو هو مفعول به أي وافق قارئا هذه صفته أو ذا أهل يشير إلى أن له أدلة وبراهين. وهذا آخر الكلام فيما بعده همزة مفتوحة.
ثم ذكر النوع الثاني وهو ما بعده همزة مكسورة فقال:
٣٩٩-
وثِنْتَانِ مَعْ خَمْسِينَ مَعْ كَسْرِ هَمْزَةٍ ... بِفتْحِ "أُ"ولِي "حُـ"كْمٍ سِوى مَا تَعَزَّلا
أي استقرت بفتح أولى حكم أي بفتح جماعة أصحاب حكم وعدل وذلك نحو: ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ ، ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ﴾ ، ﴿رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ﴾ .
سوى ما تعزلا: أي ما انعزل عن هذا الأصل ففتحه بعض مدلول قوله: أولى حكم، أو زاد معهم غيرهم، ومن المواضع ما لم تزد فيه العدة، ولم تنقص، وخرج عن الأصل السابق، وهو موضعان: أحدهما خلف فيه قارئ عن قارئ وهو: "رُسُلِي" في سورة المجادلة٢؛ فتحه ابن عامر وأسكنه أبو عمرو وهو مذكور في البيت الآتي، والثاني: "رَبِّي" في حم السجدة٣؛ فتحه نافع وأبو عمرو على أصلهما لكن عن قالون فيه وجهان، وقد ذكر الخلاف فيه في سورته فهو نظير ما تقدم فيما بعده همزة مفتوحة من قوله: "عِنْدِي" في القصص٤، وتعزل واعتزل واحد. قال الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل
стр. 301
٤٠٠-
بَنَاتِي وَأَنْصَارِي عِبَادِي وَلَعْنَتِي ... وَمَا بَعْدَهُ بِالفَتْحِ إِنْ شَاءَ أُهْمِلا
جميع ما في هذا البيت فتحه نافع وحده، فأهمل، فلم يجر عليه الحكم المتقدم، وهو فتحه لمدلول قوله: أولى حكم بل فتح لبعضهم وأراد: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ﴾ ، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى﴾ في آل عمران والصف١، ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ﴾ في الشعراء٢، فحذف الباء ضرورة، وليس في القرآن لفظ "عبادي" بعده همزة مكسورة غير هذا فلا تلتبس هذه العبارة: ﴿لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، والذي بعده إن شاء هو قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ حيث جاء، وهو في الكهف والقصص والصافات٣، وإنما عبر عنه الناظم بهذه العبارة؛ لأن مثله لا يستقيم في وزن الشعر؛ لكثرة حركاته المتوالية، وليس في القرآن ياء إضافة بعدها إن شاء غير هذه اللفظة فتعينت، وعبر عنها في آخر الكهف بقوله: وما قبل إن شاء، وفي آخر القصص والصافات بقوله: وذو الثنيا أي الاستثناء والله أعلم.
٤٠١-
وَفِي إِخْوَتِي وَرْشٌ يَدِي "عَـ"نْ "أُ"ولِي "حِـ"ـمًى ... وَفِي رُسُلِي "أَ"صْلٌ "كَـ"ـسَا وَافِيَ الْمُلا
أراد: ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي﴾ فتحها ورش وحده وأما: ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ في المائدة٤، فزاد حفص في أصحاب الفتح، وهم نافع وأبو عمرو وأما: ﴿رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ، ففتحها نافع وابن عامر، والملا: جمع ملاءة، وهي الملحفة البيضاء أراد أنها كسوة سابغة وافية، وانتصاب وافي الملا على أنه مفعول ثانٍ لكسا أي كسا الفتح كسوة وافية، ويجوز أن يكون حالا أي هذا الأصل، الكاسي: حاله أنه وافي الملا أي سابغ الكسوة جيدها والله أعلم.
стр. 302
باب: مذاهبهم في الزوائد
أي في الياءات الزوائد على الرسم، وهي ياءات أواخر الكلم، يقع ذلك في الأسماء الأفعال، نحو: "الْوَادِ"، و"الْمُنَادِ"، و"التَّنَادِ"، و"يأت"، و"نبغ"، و"نرتع"، فهي في هذا ونحوه لام الكلمة، وقد تكون ياء إضافة في موضع الجر والنصب، نحو: "دعاءي" و"أخرتني"، وتنقسم إلى ما هو رأس آية نحو: "المتعالي"، وإلى غير ذلك، نحو: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ .
فما كان من هذه الياءات ثابتا رسما فلا خلاف في إثباته، وما كان منها محذوفا رسما؛ فمنه ما اتفق على حذفه وهو الأكثر، ومنه ما اختلف فيه، وهو ما يأتي ذكره في هذا الباب، وفي بعض السور، وضابط ما يذكر في هذا الباب أن تكون الياء مختلفا في إثباتها وحذفها في الوصل، أو في الوصل والوقف معا، وضابط في السور أن تكون الياء مختلفا في إثباتها وحذفها الوقف فقط، ومجمعا على حذفها في الوصل، وذلك نحو ما ذكره في: سورة الرعد، وسورة: ق: "مِنْ هَادٍ"، و"وَالٍ"، و"واف"، و"باق"، و"الْمُنَادِ".
وقد سبق التنبيه على:
стр. 303
﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ أنه كان ينبغي أن يكون من هذا، ثم بين ياءات الزوائد فقال:
٤١٩-
وَدُونَكَ يَاءَاتٍ تُسَمّى زَوَائِدًا ... لأَنْ كُنَّ عَنْ خَطِّ المَصَاحِفِ مَعْزِلا
أي: إنما سميت زوائد؛ لأنها زادت على رسم المصحف عند من أثبتها، والمعزل ههنا مصدر بمعنى العزل كالمرجع أي لأن كن ذوات عزل أي إنهن عزلن عن الرسم فلم تكتب لهن صورة، ثم بين حكمها فقال:
٤٢٠-
وَتَثْبُتُ في الحَالَيْنَ "دُ"رًّا "لَـ"ـوَامِعًا ... بِخُلْفٍ وَأُولَى النَّمْلِ حَمْزَةُ كَمَّلا
أي إن القراء مختلفون في هذه الياءات الموصوفة بأنها زوائد، فمنهم من أثبتها في حالي الوصل والوقف، وهم المذكورون في هذا البيت ومنهم من أثبتها في الوصل دون الوقف، وهم المذكورون في البيت الآتي وليس الأمران على العموم؛ هؤلاء أثبتوا الجميع في الحالين وأولئك في الوصل، بل معنى هذا الكلام أن كل من أذكر عنه أنه أثبت شيئا ولم أقيده فانظر فيه؛ فإن كان من المذكورين في هذا البيت فاعلم أنه يثبته في الحالين وإن كان من المذكورين في البيت الآتي، فاعلم أنه يثبته في الوصل فقط، فحصل من هذا أن ابن كثير من طريقيه أو من أحدهما، وهشاما يثبتان الياء في الحالين في المواضع التي يأتي ذكرها لهما لكن ابن كثير له مواضع كثيرة، وأما هشام فليس له إلا موضع واحد في الأعراف سيأتي ذكره وفيه خلاف عنه وقفا ووصلا، وأثبت حمزة في الحالين موضعا واحدا وهو: "أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ" وهو يقرؤه بتشديد النون على ما سيأتي في سورته، وهذا الموضع هو أول النمل؛ لأن فيها ياءين زائدتين على رأي الناظم، وكلتاهما في آية واحدة وهذه الياء هي الأولى وبعدها: "فما آتان الله"، فاحترز بقوله: وأولى النمل عن ياء "آتاني"، وقوله: كملا ليس برمز؛ لأن الرمز لا يجتمع مع المصرح به، وإنما معناه أن حمزة كمل عدة المثبتين في الحالين، ودرا لوامعا حالان من ضمير الياءات في وتثبت أي مشبهة ذلك؛ لأن هذه القراءة موافقة للأصل؛ لأن الياء إما لام الكلمة أو كناية عن المتكلم وأيًّا ما كان فالأصل إثباتها، وأما حذفها والاجتزاء بالكسرة عنها ففرع عن ذلك الأصل، وحكى ابن قتيبة أن إثباتها لغة أهل الحجاز ثم الإثبات في نحو: "الداعي" و"الجواري" مما الياء فيه لام الفعل وفيه الألف واللام أحسن عند أهل العربية من الحذف إلا في الفواصل والقوافي فالحذف أحسن، وكذا الياء التي هي لام الفعل نحو: "نَبْغِي"، و"يَأْتِيَ" إثباتها أحسن من حذفها، فإن قلتَ: بقي على الناظم ذكر جماعة لهم خلاف في الإثبات في الحالين في ثانية النمل:
стр. 304
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ ، وهم قالون وأبو عمرو وحفص كما يأتي وكذا قنبل: له خلاف في الوقف على: "بِالْوَادِ" في سورة الفجر١. قلتُ: هذا كله يجيء مفصلا مبينا، وإنما ذكر في هذا البيت ما يأتي مجملا مطلقا، فتعلم من إجماله وإطلاقه أن الإثبات في الحالين للمذكورين، وأما المبين فمتضح في نفسه فلا يحتاج إلى هذه المقدمة، ثم ذكر المثبتين في الأصل فقط في المواضع التي تذكر لهم فقال:
٤٢١-
وَفِي الوَصْلِ "حَـ"ـمَّادٌ "شَـ"ـكُورٌ "إِ"مَامُهُ ... وَجُمْلَتُهاَ سِتُونَ وَاثْنَانِ فَاعْقِلا
أي إمامه حماد شكور؛ لأن هؤلاء جمعوا في قراءتهم بين الأصل وموافقة الرسم، وخصوا الوقف بالحذف؛ لأنه الأليق بالتخفيف على ما مضى في تخفيف الهمز في الوقف فالمثبتون في الوصل وحده هم أبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع على ما رمز لهم في البيت، فأما الكسائي وورش، فاطرد لهما ذلك، فلم يثبتا في الوقف شيئا، وأما حمزة فقد تقدم أنه أثبت في الوقف والوصل: "أَتُمِدُّونَنِ" في النمل وحدها، وما٢ عدها مما سيذكر له أنه يثبته يختص بوصله دون وقفه وذلك موضع واحد: "وتقبل دعائي" في سورة إبراهيم٣، وأما أبو عمرو وقالون فلهما خلاف في الوقف على: "آتَانِيَ اللَّهُ" في النمل٤، كما يأتي، والباقون على حذف الجميع في الحالين اتباعا للرسم وهم عاصم وابن عامر فقط لكن لهشام خلاف في الموضع الواحد المقدم ذكره، وكذا لحفص موضع واحد وهو: ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في النمل على ما يأتي، فما يصفو من أهل الحذف على الإطلاق أحد غير أبي بكر وابن ذكوان، والحذف لغة هذيل، قال أبو عمرو: وأنشد الفراء:
كفاك كف ما تليق درهما ... وجود أخرى تعطِ بالسيف الدما
لقد تخف بشارتي قدر يوم ... ولقد تخف شيمتي إعساري
وقال آخر:
وأخو الغوانِ متى يشأن صرمنه
стр. 305
وأنشد سيبويه:
محمد تفدِ نفسَك كُلُّ نفسٍ ... إذا ما خفت من شيء تباني
وحمله هو والنحاة على حذف لام الأمر، وجعلوه لذلك شاذًّا والأولى جعله من هذا الباب ثم ذكر الناظم عدد الياءات التي اختلف القراء في إثباتها وحذفها وهي محذوفة في الرسم فقال: جملتها اثنان وستون ياء، وعدها صاحب التيسير إحدى وستين؛ لأنه أسقط: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في النمل، "فبشر عبادي" في الزمر١، وعدّهما في باب ياءات الإضافة.
فإن قلت: فينبغي أن يبقى ستون فما هي الواحدة الزائدة.
قلتُ هي: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ التي في الزخرف٢، ذكرها في البابين، وقد تقدم التنبيه على ذلك، وذكر الناظم في هذا الباب لفظ العدد، فقال: اثنان وأنثه في باب ياءات الإضافة في قوله: وعشر وتسعها وثنتان وأربع عشرة وسبع وأربع وثمان والكل في البابين عبارة عن الياءات وكلا اللفظين من التذكير والتأنيث سائغ في العبارة عن الياء؛ لأنها من حروف المعظم، وكلها يجوز فيها الأمران على ما قد ذكرناه مرارا، ثم شرع يذكر الزوائد مفصلة فقال:
٤٢٢-
فَيَسْرِي إِلى الدَّاعِ الجَوَارِ المُنَادِيَهْ ... دِيَنْ يُؤْتِينَ مَعْ أَنْ تُعَلِّمَنِي وِلا
وأراد: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ في سورة الشورى٣، دون اللتين في سورة الرحمن وكورت، ودلنا على ذلك أنهما لا يمكن إثبات الياء في الوصل لأجل الساكن بعدهما فتعينت التي في الشورى وهذا بخلاف إمالة الدوري للجواري فإنها في المواضع الثلاثة كما سبق: "والمنادي" في سورة ق٤ ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ، والثلاثة الباقية في الكهف: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ ، ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ ، ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ .
والولاء٥ المتابعة: يعني أن هذه الثلاثة تتابعت في سورة واحدة على هذا النسق ودلنا على أن مراده يهدين التي في الكهف أن التي في القصص مثبتة بإجماع وسيأتي ذلك وليس غيرهما فتعينت التي في الكهف والله أعلم.
стр. 306
٤٢٣-
وَأَخَّرْتَنِي الإِسْرَا وَتَتَّبِعَنْ "سَمَا" ... وَفي الكَهْفِ نَبْغِي يَأْتِ فِي هُودَ "رُ"فِّلا
أراد: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١، وأضافه إلى الإسراء احترازا من التي في سورة المنافقين: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ٢؛ فإنها مثبتة في الحالين بلا خلاف وأراد: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ﴾ في طه٣، أثبت هاتين الياءين مع اللآتي في البيت السابق جميعها مدلول قوله: سما فابن كثير أثبتها في الحالين ونافع وأبو عمرو في الوصل فقط وأما: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ و ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ﴾ ، فوافقهم فيهما الكسائي، فأثبتها في الوصل، وإنما قيد: ﴿نَبْغِي﴾ في الكهف احترازا من التي في يوسف: ﴿يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ٤؛ فإنها مثبتة بإجماع وقيد يأتي بهود احترازا مما أجمع أيضا على إثباته نحو: ﴿يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . ورفل معناه: عظم.
٤٢٦-
"سَماَ" وَدُعَاءِي "فِـ"ـي "جَـ"ـنَا "حُـ"ـلْوِ "هَـ"ـدْيِهِ ... وَفي اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ "حَـ"ـقَّهُ "بِـ"ـلا
سما من تتمة رمز "نبغي" ويأتي وأراد: "وتقبل دعائي"، أثبتها في الوصل حمزة وورش وأبو عمرو وأثبتها البزي في الحالين، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ في غافر٥، أثبتها في الوصل أبو عمرو وقالون وفي الحالين ابن كثير. وبلا معنى اختبر أي اختبر الحق ما ذكرته فكان صوابا دون ما روي من خلاف ذلك فإن قلت: من أين علمنا أن مراده بقوله:
стр. 307
﴿دُعَاءِ﴾ التي في إبراهيم دون التي في نوح: ﴿دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ ؟
قلتُ: لأن تلك دخلت في حساب ياءات الإضافة في عده ما بعده همزة مكسورة وقد نص عليها في قوله:
"دعاءي" و"آباءي".
لكوف تجملا، والفرق بينهما أن التي في نوح ثابتة في الرسم والتي في إبراهيم محذوفة، وذلك فصل ما بين ياء الإضافة والزائدة، وكذلك القول في: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ ؛ إذ لقائل أن يقول: لم لا تدخل هذه في ياءات الإضافة التي بعدها همزة مفتوحة؟ فيكون الجواب: أن هذه الياء محذوفة رسما غير ثابتة فيه وعلم ذلك من موضع آخر، وقيد اتبعوني، بقوله: "أهدكم" احترازا من الذي في الزخرف لأبي عمرو وحده، وسيأتي، ومن الذي أجمع على إثباته نحو: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ والله أعلم.
٤٢٥-
وَإِنْ تَرَنِي عَنْهُمْ تُمِدُّونَنِي "سَمَا" ... "فَـ"ـرِيقًا وَيَدْعُ الدَّاعِ "هَـ"ـاكَ "جَـ"ـنًا "حَـ"ـلا
عنهم: أي عن مدلول حقه بلا أراد: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ و"أتمدونني" في النمل لمدلول سما فريقا، وهذا الموضع هو الذي يثبته حمزة في الحالين، ونصب فريقا على التمييز أي ارتفع فريقه وهم قراؤه، وروي عن حمزة فيه الحذف في الحالين والإثبات في الوصل دون الوقف: ﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ في سورة القمر١، أثبتها في الحالين البزي وفي الوصل ورش وأبو عمرو، وما أحلا قوله: هاك جنا حلا أي خذ ثمرا حلوا وهو ما نظمه الناظم ﵀.
٤٢٦-
وَفي الفَجْرِ بِالوَادِي "دَ"نَا "جَـ"ـرَيَانُهُ ... وَفي الوَقْفِ بِالوَجْهَيْنِ وَافَقَ قُنْبُلا
أي وافق بالوادي قنبلا بالوجهين يعني روي عن قنبل الحذف والإثبات في الوقف وأما في الوصل فيثبت بلا خلاف كورش، وأثبت البزي في الحالين، وما أحسن ما وافقه لفظ الجريان بعد ذكر الواد.
٤٢٧-
وَأَكْرَمَنِي مَعْهُ أَهَانَنِ "إِ"ذْ هَـ"ـدَ"ى ... وَحَذْفُهُمَا لِلْمَازِنِي عُدَّ أَعْدَلا
يعني أن المشهور عن أبي عمرو حذفهما وقد روي عنه إثباتهما في الوصل كنافع وأثبتهما البزي في الحالين أراد:
стр. 308
﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ كلاهما في سورة الفجر١، أتبعهما ذكر بالواو؛ لأن الجميع في سورة واحدة.
٤٢٨-
وَفي النَّمْلِ آتانِي وَيُفْتَحُ "عَـ"ـنْ "أُ"وِلي ... "حِـ"ـمًى وَخِلافُ الْوَقْفِ "بَـ"ـيْنَ "حُـ"ـلًا "عَـ"ـلا
يعني جمع هؤلاء بين إثبات الياء وفتحها في قوله تعالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ .
ويلزم من الإثبات الفتح وإلا لانحذفت لالتقاء الساكنين والباقون على حذفها اتباعا للرسم فمن حذف في الوصل حذف في الوقف وأما من أثبت في الوصل فقياسه أيضا الحذف في الوقف؛ لأنه ليس فيهم من المثبتين في الحالين أحد، فأما ورش فجرى على القياس فحذفها في الوقف، وأما قالون وأبو عمرو وحفص فاختلف عنهم في إثباتها وحذفها في الوقف، ووجه إثباتها أن هذه الياء أخذت شبها من ياء الإضافة؛ لكونهم فتحوها وياءات الإضافة لا تحذف في الوقف فكذا هذه، وقوله: بين حلا متعلق بقوله علا.
٤٢٩-
وَمَعْ كَالْجَوَابِ الْبَادِ "حَقَّ جَـ"ـناَ "هُـ"ـمَا ... وَفي الْمُهْتَدِ الإِسْرَا وَتَحْتُ "أَ"خُو "حُـ"ـلا
أراد: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ ، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ . وتقدير الكلام والباد مع كالجواب حق جناهما فالباد مبتدأ وحق خبره وجناهما فاعل حق، وهذا أولى بالجواز من قوله: عليك ورحمة الله السلام، والجنا المجنى ويجوز أن يكون خبر الباد ما تقدم عليه كقولك: مع زيد درهم كأنه قال: اشترك هذان في إثبات الياء لقارئ مخصوص، ثم بينه، وحق خبر مقدم، وجناهما مبتدأ وكذا أعرب الشيخ وغيره قوله: وفي المهتدي الإسرا وتحت؛ قال: فإن قلت: كان الوجه أن يقول وفي الإسرا المهتدي قلت: معناه واشترك في المهتدي الإسراء والكهف، وهو أخو حلا، قلت أنا: يجوز أن يكون المهتدي مضافا إلى الإسراء؛ لأن المراد هذه اللفظة والكلمة فلا يمنع وجود الألف واللام فيها من إضافتها كما لو كانت فعلا أو حرفا؛ لأن المراد حكاية ما في القرآن كما قال: وأخرتني الإسراء، فأضاف أخرتني إلى الإسراء، وقوله: وتحت أي والذي تحت أي والإثبات في حرفي الإسراء والكهف الذي هو المهتدي أخو حلا، واحترز بذلك من الذي في الأعراف؛ فإن الياء فيه ثابتة بلا خلاف وهو: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ .
وكذا لفظ ما في الإسراء والكهف إلا أنه بغير ياء في الرسم.
٤٣٠-
وَفي اتَّبَعَنْ فِي آلِ عِمْرَانَ عَنْهُمَا ... وَكِيدُونِ فِي الأَعْرَافِ "حَـ"ـجّ "لِـ"ـيُحْمَلا
عنهما: يعني عن نافع وأبي عمرو أثبتا ياء:
стр. 309
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في آل عمران١، يريد: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ .
واحترز بذكر السورة عن التي في آخر سورة يوسف: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ؛ فهي ثابتة بلا خلاف وقيد "كيدون" بالأعراف؛ احترازا من المجمع على إثباته في هود وعلى حذفه في المرسلات، وقوله: وكيدون حج أي غلب في الحجة بإثبات يائه؛ ليحمل ذلك ويقرأ به، وهذا هو الموضع الذي أثبته هشام في الحالين بخلاف عنه فيهما، وروي عن ابن ذكوان إثباتها في الحالين أيضا، قال أحمد بن يزيد الحلواني: رحلت إلى هشام بن عمار بعد وفاة ابن ذكوان ثلاث مرات ثم رجعت إلى حلوان، فورد علي كتابه يقول فيه: إني أخذت عليكم: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ في سورة الأعراف بياء في الوصل وهو بياء في الحالين يعني الوصل والوقف.
٤٣١-
بِخُلْفٍ وَتُؤْتُونِي بِيُوسُفَ "حًـ"ـقُّهُ ... وَفي هٌودَ تَسْأَلْنِي "حَـ"ـوَارِيهِ "جَـ"ـمَّلا
إنما أعاد ذكر الخلف عن هشام؛ لئلا يظن أن الذي تقدم كان للوقف وحده، فأبان بهذا أن له أيضا في الوصل خلافا، وقيل: إنما أعاده تأكيدا؛ لأن بعض المصنفين لم يذكر له هذا الخلاف، وقوله: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ أثبتها مدلول حق وأما:
"فلا تسئلني ما ليس لك به علم"، فأثبت الياء أبو عمرو مع تخفيف الكلمة وأثبتها ورش مع تشديدها ويأتي الكلام في التخفيف والتشديد في سورة هود وحواريه ناصره وخفف الياء ضرورة كما تقدم في أول الخطبة.
٤٣٢-
وَتُخْزُونِ فِيهاَ "حَـ"ـجَّ أَشْرَكْتُمُونِ قَدْ ... هَدَانِ اتَّقُونِ يَا أُولِي اخْشَوْنِ مَعْ وَلا
فيها: أي في هود: ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ ٢.
وجميع ما في هذا البيت أثبته أبو عمرو في الوصل أراد: "أشركتموني من قبل" في إبراهيم٣:
стр. 310
﴿قَدْ هَدَانِ﴾ في الأنعام١، و ﴿اتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ في البقرة٢، وقيد "هدان" بقوله: "قد" احترازا من نحو: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي﴾ ، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ ؛ فهي ثابتة باتفاق، وقيد اتقون بقوله: ﴿يَا أُولِي﴾ ؛ احترازا من قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ؛ فإنها محذوفة باتفاق، وقوله: ﴿وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا﴾ في المائدة، فقيده بقوله: ولا أي الذي بعده ولا احترز بذلك عن الذي في أول المائدة: ﴿وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ﴾ ؛ فإنها فيه محذوفة في الحالين باتفاق، ومن الذي في البقرة: ﴿وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ ؛ فإنه ثابت في الحالين باتفاق اتباعا للرسم فيهما مع أن الذي في أول المائدة واجب الحذف في الوصل لأن بعده ساكنا فأجرى الوقف مجراه.
٤٣٣-
وَعَنْهُ وَخَافُونِ وَمَنْ يَتَّقِي "زَ"كا ... بِيُوسُفَ وَافى كَالصَّحِيحَ مُعَلَّلا
أي وعن أبي عمرو إثبات: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ في آل عمران، فالواو في قوله: وخافون من التلاوة، وليست عاطفة في النظم، ثم قال: ومن يتقي زكا أراد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ .
زكا: أي طهر من طعن في قراءة قنبل؛ لأنه أثبت الياء في محل الجزم، ولا شك أنها قراءة ضعيفة؛ لأنه زاد على الرسم حرفا، وارتكب المحذور بزيادته وجها ضعيفا في العربية بخلاف الياءات المثبتة فيما تقدم فإنها لغة فصيحة، وهو من الاختلاف في الهجاء فلم يضر من جهة الرسم كقراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
стр. 311
بالألف، ثم ذكر وجه هذه القراءة وهو أن من العرب من يجري المعتل مجرى الصحيح فلا يحذف منه شيئا من حروفه للجزم كما لا يحذف شيئا في الصحيح ويكتفي بإسكان آخره ومنه قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
ووجه آخر وهو أن الكسرة أشبعت فتولدت منها ياء والإشباع قد ورد في اللغة في مواضع ووجه ثالث وهو أن من في قوله: ﴿مَنْ يَتَّقِي﴾ ، تكون بمعنى الذي لا شرطية فلا جزم ولكن يضعفه أنه عطف عليه قوله: ويصبر، فأجيب بأنه أسكنه تخفيفا كما يأتي عن أبي عمرو في "يأمركم" ونحوه، وأكد ذلك أبو علي بأن جعله من باب هل المعطوف على المعنى نحو: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ ، ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ لأن من يتقي في الجزاء بمنزلة الذي يتقي؛ لدخول الفاء في جوابهما فقد تضمنا معا معنى الجزاء وكل هذه وجوه ثابتة، ولكنها ضعيفة في الفصيح على خلاف في اللغة، وقال الحصري:
وقد قرا "من يتقي" قنبلٌ ... فانصر على مذهبه قنبلا
واختار الناظم الوجه الأول، وقوله: وافى أي جاء معللا كالصحيح أي بأنه أجرى مجراه، قال أبو بكر بن مجاهد: أخبرني قنبل عن القواس عن أصحابه أنهم يقرءون: "إنه من يتقي ويصبر" بالياء في الوصل والوقف، وقرأت في حاشية نسخة مقروءة على الناظم، وأظن الحاشية من إملائه قال: معللا أي مروي بعذوب الاحتجاج له فهو على هذا من العلل.
٤٣٤-
وَفِي المُتَعَالِي "دُ"رُّهُ وَالتَّلاقِ وَالتْـ ... ـتَنَا"دِ" رَا "بَـ"ـاغِيهِ بِالخُلْفِ "جُـ"ـهِّلا
"المتعالى" في الرعد و"التَّلاقِ"، و"التَّنَادِ" في غافر، أثبت الثلاثة في الحالين ابن كثير، وأثبت ورش وقالون بخلاف عنه ياء التلاق والتناد في الوصل، ودرا بمعنى دفع، فأبدل من الهمزة ألفا، وباغيه بمعنى طالبه يقال بغيت الشيء إذا طلبته، وجهلا جمع جاهل، وهو مفعول درا أي دفع قارئه الجهال عن تضعيفه بكونه رأس آية، فلا ينبغي أن يثبت الياء؛ لئلا يخرج عن مؤاخاة رءوس الآي فأتى بالخلف ليرضى به كل فريق؛ لأن كلا الأمرين لغة فصيحة.
٤٣٥-
وَمَعْ دَعْوَةَ الدَّاعِ دَعَانِي "حَـ"ـلا "جَـ"ـنا ... وَلَيْسَا لِقَالُونٍ عَنِ الغُرِّ سُبَّلا
يريد قوله تعالى:
стр. 312
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، أثبتهما أبو عمرو وورش، وجنا في موضع نصب على التمييز، وليسا-يعني الياءين في هاتين الكلمتين- لقالون أي لم يشتهر إثباتهما له، وإن كان قد روي عنه إثباتهما وإثبات الأول دون الثاني وعكسه، والغر المشهورون جمع أغر أي عن النقلة الغر، وسبلا حال منهم وهو جمع سابلة وهم المختلفون في الطرق يريد أنهم سلكوا طرق النقل، وقبلوها خبره بها، ولو جاز أن يكون جمع سبيل لقلنا: هو نصب على التمييز أي عن القوم المنيرة طرقهم والله أعلم.
٤٣٦-
نَذِيرِي لِوَرْشٍ ثُمَّ تُرْدِينِ تَرْجُمُو ... نِ فَاعْتَزِلُونِ سِتَّةٌ نُذُرِي جَلا
٤٣٧-
وَعِيدِي ثَلاَثٌ يُنْقِذُونِ يُكَذِّبُو ... نِ قَالَ نَكِيرِي أَرْبَعٌ عَنْهُ وُصِّلا
هذا كله أثبته ورش في الوصل وحده أراد: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ، ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ، وفي الدخان: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ ، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ .
ونذر ستة مواضع في سورة القمر، وجلا فيه ضمير لورش وعيدي ثلاث أي ثلاث كلمات واحدة في إبراهيم واثنتان في ق: ﴿لا يُنْقِذُونِ﴾ في يس، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ في القصص١، وقيده بقوله: قال لأن بعده قال: ﴿سَنَشُدّ﴾ ، احترز بذلك عن: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ الذي ليس بعده، قال نحو: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ و ﴿يَضِيقُ صَدْرِي﴾ ، فهذه محذوفة باتفاق في الحالين و"نكيري" أربع كلمات، في الحج وسبأ وفاطر وتبارك، وليس الذي في الشورى من هذا الباب، وهو قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ٢.
стр. 313
والضمير في عنه لورش فهذه تسع عشرة زائدة انفرد بها ورش والألف في فصلا ليست ضمير تثنية فإن الذي تقدم متعدد أي وصل المذكور عنه فالألف للإطلاق.
٤٣٨-
فَبَشِّرْ عِبَادِي افْتَحْ وَقِفْ سَاكِنًا "يَـ"ـدًا ... وَوَاتَّبِعُونِي "حَـ"ـجَّ في الزُّخْرُفِ الْعَلا
لما فتح السوسي هذه الياء في الوصل وقف عليها بالإسكان كسائر ياءات الإضافة وهو القياس كما فعل في حرف النمل: "فما آتان الله"١ على وجه، وحذفها الباقون في الحالين اتباعا للرسم ووقع في نقل مذهب السوسي اختلاف كثير في غير التيسير، فروي عنه الحذف في الوقف، وروي عن أبي عمرو نفسه الحذف في الحالين وروي عنه الفتح في الوصل والحذف في الوقف، وأشار الناظم بقوله: وقف ساكنا يدا إلى ترك الحركة باليد؛ لأن المتكلم في إبطال الشيء أو إثباته قد يحرك يده في تضاعيف كلامه فكأنه قال لا تتحرك في رد ذلك بسبب ما وقع فيه من الخلاف هكذا ذكر الشيخ فقوله يدا في موضع نصب على التمييز، وكأن هذا زجر عن سؤال مقدر واعتراض وارد من حيث القياس والجدل، وذلك أن الخلاف محكي عن أبي عمرو نفسه في: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ في النمل والعمل في الاثنين واحد فعرف الناظم أن من سمع من جهة نظمه أن السوسي يقف بياء ساكنة دون الدوري، ولم يذكر خلافا أنه يورد حرف النمل ويطلب الفرق بينهما ويستطيل باعتراضه؛ لأنه وارد، فسكنه وثبته بقوله: وقف ساكنا يدا أي النقل كذا فلا ترده بقياس وجدل وهذا معنى جيد وتفسير حسن لظاهر اللفظ، ولكن يلزم منه أن تكون السين من ساكنا رمزا لأبي الحارث كما لو قال: باسطا يدا فإن الباء حينئذ كانت تكون رمز قالون، وإنما المراد من هذا اللفظ بيان قراءة السوسي في الوقف وهي غير مبينة من هذا التفسير، فإن أريد ذلك جعل ساكنا حالا من مفعول محذوف أي وقف عليه ساكنا ويكون يدًا حالا من الفاعل أي ذا يد، فتظهر قراءة السوسي حينئذ والله أعلم.
ثم قال: و ﴿اتَّبِعُونِ﴾ أراد قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ﴾ ، فأدخل واو العطف على كلمة القرآن وفيها واو فاجتمع واوان؛ ليحصل حكاية لفظ القرآن فهو كقوله في أول القصيدة: بدأت بـ: "بسم الله" كأنه قال: وحرف الزخرف الذي هو "واتبعوني" أثبت ياءه في الوصل أبو عمرو وحده، والعلا مفعول حج وليس برمز، وهو مشكل؛ إذ يحتمل ذلك ولا يدفعه كونه فصل بين الرمزين بقوله في الزخرف فإن هذا فصل تقييد فليس أجنبيا فلا يضر فهو كفصله بلفظ الخلف في أثناء الرمز كقوله: لبى حبيبه بخلفهما برا، وكما قد جاء الفصل بالرمز بين تقييدين كقوله: كما دار واقصر فلقائل أن يقول: كما جاز الفصل بين التقييدين بالرمز كذا يجوز الفصل بين الرمزين بالتقييد، ويؤيد الإشكال أنه
стр. 314
قد التزم في خطبته أنه يسمى الرجال بعد ذكر الحرف ومتى انقضى ذلك أتى بالواو الفاصلة والواو لم تأت هنا إلا بعد قوله: العلا في أول البيت الآتي فليته قال:
و"واتبعوني"
زخرف حج واعتلا أو: و"واتبعوني" الزخرف اتبع فتى العلا ويكون قد أضاف واتبعوني إلى اسم السورة؛ لأنه لفظ، وكلمة وحرف من حروف القراءة فهو كما قدمنا في قوله: "أَخَّرْتَنِي" الإسراء، وفي "الْمُهْتَدِي" الإسراء والله أعلم.
٤٣٩-
وَفي الكَهْفِ تَسْأَلْنِي عَنِ الكُلِّ يَاؤُهُ ... عَلَى رَسْمِهِ وَالحَذْفُ بِالخُلْفِ مُثِّلا
يعني أنه رسم بالياء فأثبتها الكل وقفا ووصلا، وروي عن ابن ذكوان حذفها في الحالين.
فإن قلت: من أين يعلم أنه أراد في الحالين؟ قلتُ: هو في التيسير كذلك، وإنما لم ينبه عليه الناظم اتكالا على فهم الذكي من جهة أنه لا جائز أن يكون أراد أنه حذفها وصلا لا وقفا؛ إذ ليس في هذا الباب له نظير؛ إذ كل من أثبت ياء في الوقف أثبتها في الوصل، ولا ينعكس هذا القسم، ثم لو كان أراد هذا القسم لذكره في سورته كما ذكر ما يشبه ذلك في الرعد، وإذا بطل هذا القسم فلا يجوز أن يظن بالناظم أنه أراد عكسه، وهو أنه حذفها وقفا وأثبتها وصلا؛ لأنه لم يذكره مع من هذا فعله في سائر الباب في قوله: وفي الوصل حماد شكور إمامه، فبان أنه أراد حذفها في الحالين، وهذه الياء التي في الكهف زائدة على العدة بخلاف التي في هود؛ فإنها منها؛ لأن تلك محذوفة رسما وهذه ثابتة فيه.
٤٤٠-
وَفي نَرْتَعِي خُلْفٌ "زَ"كَا وَجَمِيعُهُمْ ... بِالِاثْبَاتِ تَحْتَ النَّمْلِ يَهْدِيَنِي تَلا
ليته وصل هذا البيت بالبيت الذي فيه يتقي؛ لأن إثبات الياءين فيهما لقارئ واحد في سورة واحدة، وكلاهما في موضع الجزم، وما عطف عليهما مجزوم، أو ليته قدم هذا البيت على الذي قبله؛ لتتصل الياءات المعدودة، ثم بذكر الخارج من العدة. أراد قوله تعالى: "أرسله معنا غدا نرتع ونلعب"، وسيأتي الخلاف فيه في سورته، وأما وجه إثبات الياء فإجراء المعتل مجرى الصحيح أو الإشباع، ويجيء الوجه الآخر على أن يكون "نرتعى" في موضع الحال وسكن "ونلعب" تخفيفا على ما تقدم في: ﴿يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ .
والباقون على حذف الياء لكن مهم من كسر العين، ومنهم من أسكنها، وأجمعوا على إثبات ياء:
стр. 315
﴿يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ في القصص١؛ لثبوتها في الرسم، وإنما نص عليها من بين ما أجمعوا على إثباته؛ لأنه ذكر فيما تقدم من جملة ما اختلفوا فيه "يهدين"، ولم يعين أنها التي في الكهف فخشي أن تلتبس بهذه فاستدرك وبيَّن أن هذه مجمع عليها فتعينت تلك للخلاف وقد نظم الشيخ ﵀ في الياءات المجمع على إثباتها أبياتا جمعت أشياء مما يشكل منها، ولم يحتج الناظم إلى ذكر غير حرف القصص مما أجمع عليه؛ إذ لا التباس لشيء منه بما ذكره؛ لأنه استوعب ذكر العدة ببيان مواضعها بخلاف ما فعل في ياءات الإضافة، فلهذا ذكر المجمع عليه في الأنواع التي لم يستوعب ذكرها مفصلة على ما تقدم شرحه، ولم يحتج إلى ذكر غير الملتبس بما ذكره من المجمع عليه إسكانا وفتحا هكذا ههنا لم يذكر ما أجمع عليه حذفا وإثباتا والله أعلم.
٤٤١-
فَهذِي أُصُولُ الْقَوْمِ حَالَ اطِّرَادِها ... أَجَابَتْ بِعَوْنِ اللهِ فَانْتَظَمَتْ حُلا
أي تم الكلام في الأصول وحال اطرادها منصوب على الحال كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ، أو يكون العامل فيه أجابت أي أجابت مطردة لا دعوتها أي انقادت لنظمي طائعة بإعانة الله تعالى فانتظمت مشبهة حلا جمع حلية فيكون حلا في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون تمييزا أي انتظمت حلاها وقد ذكر نحو ذلك صاحب التيسير، فقال بعد فراغه من باب الزوائد: فهذه الأصول المطردة قد ذكرناها مشروحة، وأقول: المراد من إفراد الأصول بأبواب قبل الشروع في السور الفرق بين ما يطرد حكمه وما لا يطرد، والمطرد هو المستمر الجاري في أشباه ذلك الشيء، وكل باب من أبواب الأصول لم يخل من حكم كلي يستمر في كل ما تحقق فيه شرط ذلك الحكم، وهو في جميع الأبواب ظاهر، وهو خفي في ياءات الإضافة والزوائد، وهو في الزوائد أخفى، فوجهه في ياءات الإضافة أن فيه ما يطرد حمله مثل قوله: فتح سما ما بعده همزة مفتوحة، وفي الزوائد وتثبت في الحالين وفي الوصل حماد فإن ذلك مطرد في الجميع وباقي الكلام في البابين أشبه بالفرش منه بالأصول، وشاهده ذكر التاءات المشددة للبزي في الفرش وهي قريبة من الزوائد والله أعلم.
٤٤٣-
وَإِنِّي لأَرْجُوهُ لِنَظْمِ حُرُوفِهِمْ ... نَفَائِسَ أَعْلاَقٍ تُنَفِّسُ عُطَّلا
أي أرجو عون الله أيضا لتسهيل نظم الحروف المنفردة غير المطردة وهو ما سيأتي ذكره في السور وهو معنى قول صاحب التيسير: ونحن مبتدئون بذكر الحروف المتفرقة ونفائس جمع نفيس وأعلاق جمع علق وهو الشيء النفيس يقولون هو علق مضنة أي يضن به ويبخل بإعادته فلا يسمح به، قال الشاعر:
وسلمى لعمر الله علق مضنة
أي لا يسمح بفراقها فمعنى نفائس أعلاق على هذا نفائس أشياء نفائس كقولك: خيار الخيار ثم هو منصوب إما على الحال من حروفهم أو هو مفعول ثانٍ كما تقول: نظمت الدر عقدا فيكون قد كنى بالأعلاق عن القلائد، ويجوز أن يكون كنى بها عن أنواع النظم النفيسة.
стр. 316
فيكون نفائس منصوبا على المصدر وتقديره أنظم حروفهم أنفس نظم تنفس تلك لنفائس أجيادا عطلا أي أعناقا لا قلائد لها أي تجعلها ذات نفاسة، قال الشيخ: ومعنى ذلك أنه إذا نظمها، فحفظها من لا علم له كان كمن تحلى جيده بعقد نفيس. قلت: فهذا مما يقوى جعل نفائس أعلاق مفعولا ثانيا ولم يذكر الشيخ إلا أنها حال من حروفهم.
٤٤٣-
سَأَمِضي عَلَى شَرْطِي وَبِاللهِ أَكْتَفِي ... وَماَ خَابَ ذُو جِدٍّ إِذَا هُوَ حَسْبَلا
أي سأستمر على ما شرطته في الرموز والقيود، والجد ضد الهزل، وحسبل إذا قال: حسبي الله ركب من لفظي الكلمتين كلمة تدل عليهما كما تقدم ذكره في باب البسملة، وقوله: وبالله أكتفي هو معنى حسبي الله، فلهذا أخبر أنه قد حسبل، والمعنى: أني لا أخيب فيما قصدته؛ لأني اكتفيت به في تتمة ذلك، واستعنت به عليه فأناب ﵀ وما خاب بل اشتهر ذكره، وطاب، وانتفع بما نظمه الأصحاب والله أعلم.
وهذا آخر شرح الأصول والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه الأكرمين أجمعين:
وحسبنا الله وكفى، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 317
باب: فرش الحروف
سورة البقرة
...
باب: فرش الحروف
وهو الكلام على كل حرف في موضعه، على ترتيب السورة:
سورة البقرة:
قال الشيخ ﵀: القراء يسمون ما قل دوره من الحروف: فرشًا؛ لانتشاره، فكأنه انفرش، إذ كانت الأصول ينسحب حكم الواحد منها على الجميع.
قلت: وسماه بعضهم: الفروع على مقابلة الأصول، ويأتي في الفرش مواضع مطردة حيث وقعت وهي بالأصول أشبه منها بالفرش، مثل إمالة التوراة، وفواتح السور، والكلام في "هأنتم" والاستفهامين، وتاءات البزي، والتشديد، والتخفيف في "ينزل" وبابه، ويقع في نسخ القصيدة ترجمة سورة البقرة في هذا الموضع، ولم يزد صاحب التيسير على قوله: "باب ذكر فرش الحروف"، وقدم ترجمة سورة البقرة في أول باب هاء الكتابة، وقد تقدم ثَم معنى ذلك، وبيان صحة ما فعله، وبالله التوفيق.
٤٤٤-
وَمَا يَخْدَعُونَ الفَتْحَ مِنْ قَبْلِ سَاكِنٍ ... وَبَعْدُ "ذَ"كَا وَالغَيْرُ كَالحَرْفِ أَوَّلا
قوله: وما: تقييد للحرف المختلف فيه؛ احترازا من الأول وهو قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ١؛ فإنه ليس قبله وما والساكن الخاء، والفتح قبله في الياء وبعده في الدال وهذا تقييد لم يكن محتاجا إليه؛ لأنه قد لفظ بالقراءة ونبه على القراءة الأخرى بما في آخر البيت؛ لأنه لا يمكن أخذها من أضداد ما ذكر فهو زيادة بيان.
فإن قلت: احترز بذلك عن أن يضم أحد الياء.
قلت: ليس من عادته الاحتراز عن مثل هذا؛ ألا تراه يقول: سكارى معًا سكرى، ولم يقل بضم السين اكتفاء باللفظ.
فالوجه أن يقال: هو زيادة بيان لم يكن لازما له، وهو مثل قوله في سورة الحج: ويدفع حق بين فتحيه ساكن، وذكا بمعنى اشتعل وأضاء، وأولا ظرف أي وقراءة الغير كالحرف الواقع أولا، وأجاز الشيخ أن يكون حالا، وأطلق الناظم الحرف على الكلمة على ما سبق في قوله: لعل حروفهم، وقوله: وفي أحرف وجهان، وما يأتي من قوله: وفي الروم والحرفين في النحل أولا، وذلك سائغ، ومنه قول أبي القاسم الزجاجي: باب الحروف التي ترفع الاسم وتنصب الخبر يعني كان وأخواتها أي اقرءوا:
стр. 318
"يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون"١؛ ففي هذه القراءة رد لفظ ما ابتدأ به وأجمع عليه ومن قرأ الثانية: "يخدعون" نبه على أن الأولى بهذا المعنى، وأن فاعلت هنا بمعنى فعلت نحو طارقت النعل وسافرت وعاقبت وقيل: جعلوا خادعين لأنفسهم لما كان ضرر ذلك عائدا إليهم كقوله تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٢، وإنما أجمع على الأول وعدل فيه من فعل إلى فاعل كراهة التصريح بهذا الفعل القبيح أن يتوجه إلى الله سبحانه فأخرج مخرج المحاولة لذلك والمعاناة له والله أعلم.
٤٤٥-
وخَفَّفَ كُوفٍ يَكْذِبُونَ وَيَاؤُهُ ... بِفَتْحٍ وَلِلبَاقِينَ ضُمَّ وَثُقِّلا
عني بالتخفيف إسكان الكاف وإذهاب ثقل الذال والباقون ثقلوا موضع تخفيف هؤلاء، فلزم تحريك الكاف، وإن لم يتعرض له؛ إذ لا يمكن تثقيل الذال إلا بفتح الكاف وضم الياء والقراءتان ظاهرتان فإن المنافقين لعنهم الله قد وصفوا في القرآن بأنهم كاذبون في مواضع كثيرة، ومع أنهم كاذبون هم يكذبون؛ لأن الله تعالى وصفهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، ومن لم يكن مصدقا فهو مكذب ولا خلاف في تخفيف: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ ٣.
كما أنه لا خلاف في تثقيل قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ، ونحوه، ولا يرد على الناظم ذلك لأنه لم يقل جميعا ولا بحيث أتى ولا نحو ذلك وتلك عادته فيما يتعدى الحكم فيه سورته إلا مواضع خرجت عن هذه القاعدة سننبه عليها في مواضعها منها ما في البيت الآتي: "وَالتَّوْرَاةَ" و"كائن"، وضُمَّ فعل ماض لا أمر بل هو من جنس ما عطف عليه من قوله وثقلا والله أعلم.
٤٤٦-
وَقِيلَ وَغِيضَ ثُمَّ جِيءَ يُشِمُّهَا ... لَدى كَسْرِهَا ضَمَّا "رِ"جَالٌ "لِـ"ـتَكْمُلا
٤٤٧-
وَحِيلَ بِإِشْمَامٍ وَسِيقَ "كَـ"ـمَا "رَ"سَا ... وَسِيءَ وَسِيئَتْ "كَـ"ـانَ "رَ"ـاوِيهِ "أَ"نْبَلا
أراد ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ .
стр. 319
وما جاء من لفظ قيل فهو فعل ماضٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ، ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾ ، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ﴾ موضعان في آخر الزمر، "وسيء بهم" في هود والعنكبوت، و ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
فأطلق هذه الأفعال ولم يبين مواضع القراءة وفيها ما قد تكرر والعادة المستمدة منه فيما يطلق أن يختص بالسورة التي هو فيها كما في "يكذبون" السابقة ولكن لما أدرك مع قيل هذه الأفعال الخارجة عن هذه السورة كان ذلك قرينة واضحة في طرد الحكم حيث وقعت، قيل: وغيرها من هذه الأفعال، ورجال فاعل يشمها وضما مفعول ثانٍ والمراد بالإشمام في هذه الأفعال أن ينحى بكسر أوائلها نحو الضمة وبالياء بعدها نحو الواو فهي حركة مركبة من حركتين كسر وضم؛ لأن هذه الأوائل، وإن كانت مكسورة فأصلها أن تكون مضمومة؛ لأنها أفعال ما لم يسم فاعله، فأشمت الضم دلالة على أنه أصل ما يستحقه وهو لغة للعرب فاشية، وأبقوا شيئا من الكسر تنبيها على ما استحقته هذه الأفعال من الاعتلال، ولهذا قال: لتكملا أي لتكمل الدلالة على الأمرين، وهذا نوع آخر من الإشمام غير المذكور في الأصول وقد عبروا عنه أيضا بالضم والروم والإمالة، ومنهم من قال: حقيقته أن تضم الأوائل ضما مشبعا، وقيل مختلسا، وقيل بل هو إيماء بالشفتين إلى ضمة مقدرة مع إخلاص كسر الأوائل، ثم القارئ مخير في ذلك الإيماء إن شاء قبل اللفظ أو معه أو بعده، والأصح ما ذكرناه أولا، ومن أخلص الكسر فلأجل الياء الساكنة بعده كميزان وميقات وهو اللغة الفاشية المختارة، وقال مكي: الكسر أولى عندي كما كان الفتح أولى من الإمالة ونافع وابن ذكوان جمعا بين اللغتين، ورسا أي استقر وثبت وأنبلا أي زائد النبل وأما قيل الذي هو مصدر فلا يدخل في هذا الباب؛ إذ لا أصل له في الضم وهو في نحو: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ ﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ .
والرمز في هذين البيتين: رجال لتكملا كما رسا كان راويه أنبلا والله أعلم.
٤٤٨-
وَهَا هُوَ بَعْدَ الْوَاوِ وَالفَا وَلاَمِهَا ... وَهَا هِيَ أَسْكِنْ "رَ"اضِياً
"بَـ"ـارِدًا "حَـ"ـلا
أي إذا كانت الهاء من لفظ هو والهاء من لفظ هي بعد واو أو فاء أو لام زائدة نحو: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ ، ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ ، ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ .
فأسكن الهاء في هذه المواضع الكسائي وقالون وأبو عمرو؛ لأن اتصال هذه الحروف بها صيرت الكلمة مشبهة لفظ عضد وكتف، فأسكنت الهاء كما أسكنا تخفيفا وقولنا: زائدة احتراز من نحو:
стр. 320
﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ، ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ فالهاء ساكنة باتفاق؛ لأنها ليست هاء هو الذي هو ضمير مرفوع منفصل، وذلك معروف ولكنه قد يخفى على المبتدئ فبيانه أولى وقصر لفظ "ها" في الموضعين ضرورة، والضمير في لامها للحروف أو للفظ هو؛ لكثرة دخولها عليها وراضيا حال وباردا مفعول به، وحلا صفة باردا كما تقول رضيت شيئا جيدًا وباردًا من قولهم غنيمة باردة أي حاصلة من غير مشقة ويمكن جعل الكل أحوالا ويكون راضيا حال من الفاعل وباردا حالا من المفعول نحو لقيته مصعدا منحدرا وقيل باردا نعت مصدر محذوف إي إسكانا باردا حلوا، يروى عن من قرأ به كالماء البارد، وهذا الحكم المذكور في هذا البيت أيضا مطرد حيث جاءت هذه الألفاظ لا يختص بهذه السورة، ولم يصرح بذلك وكأنه اكتفى بضابط قوله بعد الواو وللفاء ولامها؛ لأن المجموع ليس في سورة البقرة والله أعلم.
٤٤٩-
وَثُمَّ هْوَ "رُِ"فْقًا "بَـ"ـانَ وَالضَّمُّ غَيْرُهُمُ ... وَكَسْرٌ وَعَنْ كُلٍّ يُمِلُّ هُوَ انْجَلا
أراد: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ لم يسكنه أبو عمرو؛ لأن ثم ليس اتصالها بهو كاتصال الواو والفاء واللام بها؛ لأن ثم كلمة مستقلة، وأسكنه الكسائي وقالون حملا لثم على هذه الحروف لمشاركتها لها في الحرفية والواو والفاء في العطفية، وقوله: رفقا بان حال أي أسكنه ذا رفق بين أي أرفق به في تقرير وجه إسكانه، والضم غيرهم في لفظ هو بعد هذه الحروف والكسر في لفظ هي بعدها، وإنما بين قراءة الباقين؛ لأنها لا تفهم من ضد الإسكان المطلق فإن ضده -على ما سبق في الخطبة- هو الفتح على أنه كان يمكنه أن لا يتكلف ببيان قراءة الباقين؛ فإنها قد علمت من تلفظه بها في قوله: وها هو وها هي فكأنه قال: أسكن ضم هذه وكسر هذه، ولو قال ذلك تصريحا لم يحتج إلى بيان قراءة الباقين فهذا المذكور في معناه، وأما قوله تعالى في آية الدين: ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ فلم يسكن الهاء أحد؛ لأن يمل كلمة مستقلة وليست حرفا فتحمل على أخواتها وإنما ذكره؛ لأن هو قد جاء فيها بعد لام فخشي أن تدخل في عموم قوله ولامها فقال ضمها عن كل القراء ولم يصرح بذلك، ولكن لفظه أنبأ عنه ولهذا قال: انجلا أي انكشف الأمر في ذلك وبعض المصنفين ذكر عن قالون إسكانها.
٤٥٠-
وَفِي فَأَزَلَّ اللاَّمَ خَفِّفْ لِحَمْزَةٍ ... وَزِدْ أَلِفًا مِنْ قَبْلِهِ فَتُكَمِّلا
يريد قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ ١.