← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وحكى لغة ثالثة: أبشر يبشر كأكرم يكرم فالبشر والإبشار والتبشير: ثلاث لغات فيه ويقال: بشر بكسر الشين وأبشر كأدبر إذا سر وفرح، وأنشد الجوهري بيت أبي علي بفتح الشين في الأمر، وكسرها في الماضي، وأبشر بالهمز مطاوع وبشر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ ١. وكان المعنى والله أعلم: بشروا أنفسكم بها، وكم في قوله: كم سما خبرية؛ أي: سما سموا كثيرًا، وتقديره: كم مرة سما ونعم: جواب سؤال مقدر كأنه قيل له صف ما شأنه فقال: نعم فهو مثل قوله: فيما سبق نعم إذ تمشت وأراد ضم الياء وفتح الباء؛ لأنه أطلق التحريك وكسر الشين؛ لأنها هي المضمومة في قراءة التخفيف وأراد بالضم المضموم؛ أي: ذا الضم وأثقلا حال منه؛ أي: في حال كونه ثقيلا؛ أي: يصير مكسورا مشددا والله أعلم. ٥٥٤- "نَـ"ـعَمْ "عَمَّ" فِي الشُّورَى وَفي التَّوْبَةِ اعْكِسُوا ... لِحَمْزَةَ مَعْ كَافٍ مَعَ الحِجْرِ أَوَّلا أي عم هذا الحكم في الشورى وهو التثقيل، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ ٢، وافق أبو عمرو وابن كثير فيه من خفف، ووافق ابن عامر فيه من شدد، وقرأ حمزة وحده بعكس التثقيل يعني بالتخفيف في التوبة: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ٣. وفي مريم وهي المرادة بقوله: مع كاف؛ لأن أولها كهيعص كما تسمى سورة ص وق ون بالحرف الذي في أولها، وصرفه ضرورة، وقد ترك صرفه في قوله: وكم صحبة يا كاف، وفي كاف فتح اللام، وكذا استعمل ص، فقال: هشام بصاد حرفه متحملا، وفي ص غيطلا، وفيها موضعان: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ ٤، وفي آخرها: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥. والأول الذي في الحجر: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ ٦، واحترز بقوله: أولا عن الثاني وهو:

стр. 387

﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ١، ولا خلاف في تشديده، فهذه المواضع الأربعة خففها حمزة وحده، فقد صار الخلاف في تسعة مواضع منها؛ في آل عمران موضعان وفي التوبة والحجر والإسراء والكهف والشورى منها واحد بالتاء وهو آخر مريم واثنان بالنون في الحجر وأول مريم والبواقي بالياء. ٥٥٥- نُعَلِّمُهُ بِاليَاءِ "نَـ"ـصُّ "أَ"ئِمَّةٍ ... وَبِالكَسْرِ أَنِّي أَخْلُقُ اعْتَادَ أَفْصَلا الخلاف في: "ونعلمه الكتاب"٢ بالنون والياء ظاهر، ونص أئمة خبره؛ أي: هو منصوص عليه للأئمة، ويجوز نصبه مثل: كتاب الله وصبغة الله والكسر في: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ ٣ على الابتداء فلا يبقى له تعلق بما قبله، فلهذا قال: اعتاد أفصلا أو: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ مبتدأ وبالكسر خبره، واعتاد بمعنى تعود، والضمير فيه راجع إلى الكسر، ويجوز أن يعود إلى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ ، فيكون بالكسر حالا منه؛ أي: هو بالكسر اعتاد الفصل وأفصلا بمعنى فاصلا وهو حال أو في موضع المصدر كقوله: ولا خارجا من في ذور كلام؛ أي: اعتاد فصلا؛ أي: اعتاد الكسر أو المكسور وهو أني أن يفصل ما بعده مما قبله فيجوز على قراءة الكسر الوقف على: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤. ثم يبتدئ بقوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ إما استئنافا وإما تفسيرا، فموقعها كموقع قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ بعد قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ ٥، ووجه قراءة الفتح: البدل من: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ .

стр. 388

أو من آية في قوله: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ فيكون في موضع نصب أو جر أو رفع. ٥٥٦- وَفِي طَائِرًا طَيْرًا بِها وَعُقُودِها ... "خُصُـ"ـوصًا وَيَاءٌ فِي نُوَفِّيهِمُ "عَـ"ـلا أي: قرءوا طيرا في موضع طائر هنا، وفي المائدة دون غيرهما، وأشار إلى ذلك بقوله: خصوصا، وهو مصدر، والطائر مفرد والطير اسم جمع ويقع على المفرد وجمعه طيور وأطيار وجمع طائر أيضا أطيار كصاحب وأصحاب، وأما: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ، فالياء فيه والنون ظاهران. ٥٥٧- وَلا أَلِفٌ فِي هَا هَأَنْتُمْ "زَ"كا "جَـ"ـنًا ... وَسَهِّلْ "أَ"خا "حَـ"ـمْدٍ وَكَمْ مُبْدِلٍ "جَـ"ـلا هذا من جملة المواضع التي الحكم فيها عام ولم يبينه بل أطلقه، فيوهم إطلاقه أنه مختص بسورته فقط، وصاحب التيسير وغيره قالوا: حيث وقع واستعمل الناظم لا بمعنى: ليس فارتفع "ألف" بعدها، وقوله: في ها "هأنتم" أي لا ألف في لفظ ها من: "هأنتم"١. ويشكل على هذا التأويل أنه لفظ بـ: "هأنتم" بغير ألف وجوابه أنه أراد في لفظ "ها" من "ها" أنتم الذي صار لفظه بعد حذف الألف منه: "هأنتم"٢، وحذف هذا المقدر كله للعلم به فهو قريب من قوله: وفي بلد ميت مع الميت خففوا؛ أي: خففوا المثقل حتى صار على هذا اللفظ، وكذا قوله: قل: سارعوا لا واو، وقل: قال موسى، واحذف الواو أي: احذفها من: ﴿وَقَالَ الَّذِي﴾ ٣.

стр. 389

صار بعد الحذف قال: ويجوز أن يكون أراد في ها "ها أنتم" وقصر الممدود؛ أي: الألف بعدها هاء "ها أنتم"، ووجه التجوز في التعبير عن ذلك بحرف في أن الألف لما كانت عقيب الهاء تجوز؛ لشدة القرب بأن جعلها فيها قريبا من قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ . وهذا الوجه أوفق للفظة "أنتم" بغير ألف، ولو قال: و"ها أنتم" اقصر حيث جاء زكا، جنا، لخلص الكلام من هذا التكلف في تأويله وجنا في موضع نصب على التمييز وأخا حمد حال أو منادى على حذف حرف الندا، ومعنى البيت من جهة القراءة أن الألف في قراءة قنبل، وورش محذوف والباقون أثبتوا الألف إلا أن نافعا وأبا عمرو سهلا الهمزة؛ أي: جعلاها بين بين، فهي في قراءة أبي عمرو وقالون واقعة مسهلة بعد الألف وفي قراءة ورش مسهلة بعد الهاء؛ إذ الألف في قراءته والهمزة المفتوحة بعد الألف كالمفتوحة بعد مفتوح قياس تسهيلهما أن تجعلا بين بين وجماعة من أهل الأداء، وشيوخ الإقراء أبدلوها له ألفا، وهذان الوجهان لورش هما كما سبق له في باب الهمزتين من كلمة في قوله: عن الهمزة الثانية: وقل ألفا عن أهل مصر تبدلت ... لورش وفي بغداد يروى مسهلا وقراءة قنبل على نحو: فعلتم نحو هزمتم وهشمتم، وكذا يكن وزن قراءة ورش على وجه التسهيل؛ لأن الهمزة المسهلة بزنة المحققة فيما يرجع إلى الوزن ووزن قراءة الباقين فاعلتم نحو قاتلتم وضاربتم، إلا أن غير قالون وأبي عمرو وهم الكوفيون وابن عامر والبزي حققوا الهمزة، ثم أخذ يبين هذه الكلمة ويشرحها على ما تقرر من أصولهم وفي عبارة صاحب التيسير عن قراءة نافع وأبي عمرو إشكال فإنه قال: نافع وأبو عمرو "وها أنتم" حيث وقع بالمد من غير همز، وكذا قال شيخه أبو الحسن بن غلبون، ومكي وكأنهم يعنون من غير همز محقق، بل هو مسهل بين بين، وكذلك شرحه أبو علي الفارسي ﵀ وصرح مكي في الكشف قال: وبين بين أنوى في العربية في ذلك كله لورش ثم قال الداني: وورش أقل مدا، وهذا هو الوجه الثاني له الذي أبدل فيه الهمزة ألفا، قال المهدوي: أبدلها ورش ألفا وحذف إحدى الألفين؛ لالتقاء الساكنين وقال صاحب الروضة: قرأ أهل المدينة وأبو عمرو "هأنتم" بتليين الهمزة والباقون بتحقيقها، وكلهم أثبتوا ألفا قبل الهمزة إلا ابن مجاهد عن قنبل؛ فإنه حذفها، وكان نافع في غير رواية ورش أقصرهم مدا، وفي كتاب أبي عبيد قرأ أهل المدينة وأبو عمرو "هأنتم" غير ممدودة ولا مهموزة في جميع القرآن، وكان حمزة والكسائي يقرآنها بالمد والهمز معا، قال: وكذلك نقرؤها بالإشباع والتحقيق، قلت: وهذا خلاف ما نقله الجماعة من المد لأبي عمرو وقالون والله أعلم. ٥٥٨- وَفي هَائِهِ التَّنْبِيهُ "مِـ"ـنْ "ثَـ"ـابِتٍ "هُـ"ـدًى ... وَإِبْدَالُهُ مِنْ هَمْزَةٍ "زَ"انَ "جَـ"ـمَّلا يعني الهاء من "ها أنتم" فيها معنى التنبيه في قراءة ابن ذكوان والكوفيين والبزي؛ لأن لفظ ها من حروف التنبيه، وهو يدخل على أسماء الإشارة، وعلى الضمائر فيكون داخلا هنا على الضمير الذي هو: أنتم كما تقول: ها أنتم فعلت كذا، ودل على أنها للتنبيه في قراءة هؤلاء كونهم مدوا بعد الهاء وليس من مذهبهم

стр. 390

المد بين الهمزتين بخلاف غيرهم، وقوله: من ثابت متعلق بالتنبيه، وهدى تمييز مثل زكا جنا؛ أي: ثابت هداه يعني المتكلم بها أنتم وهو الله جل وعز، ثم قال: وإبداله؛ أي: إبدال الهاء من همزة زان، وجمل فجملا معطوف على زان بإسقاط حرف العطف، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر؛ أي: الهاء في "ها أنتم" على قراءة قنبل وورش تكون بدلا من همزة الاستفهام، والأصل: أأنتم؛ لأنهما مما مدا بعد الهاء ولو كانت للتنبيه لأتوا بألف ها، والهاء تبدل من الهمز في مواضع كثيرة فيجوز أن يكون هذا منها وإنما لم يسهل قنبل الثانية؛ لأنه قد أبدل الأولى هاء فلم تجتمع همزتان، وسهل ورش اعتبارا بالأصل أو كما سهل البزي في: ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ ١ وقفا ووصلا وهو كما يفعل حمزة فيهما في الوقف على وجه وكل ذلك جمع بين اللغات: ٥٥٩- وَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَكَمْ ... وَجِيهٍ بِهِ الوَجْهَيْنِ لِلكُلِّ حَمَّلا أي ويحتمل الهاء في قراءة غير من تقدم وهم أبو عمرو وقالون وهشام: أن تكون بدلا من همزة؛ لأن من مذهب هؤلاء الثلاثة المد بين الهمزتين من كلمة كما سبق في بابه والألف هنا في قراءتهم ثابتة، ومن مذهب أبي عمرو وقالون التسهيل في مثل هذا، وقد سهلا فكان من هذا الباب بدليل التسهيل والمد، ويحتمل أن تكون ها التي للتنبيه والألف الثانية هي ألف ها، وإنما سهل أبو عمرو وقالون الهمز على خلاف أصلهما جمعا بين اللغتين كما فعل البزي في "لأعنتكم"، ثم ذكر أن جماعة من القراء من له وجاهة، وقول مقبول حمل الهاء على الوجهين لجميع القراء السبعة، فالهاء في به للهاء والباء زائدة، وهذه الطريقة غير مذكورة في التيسير، ولكن قد ذكرها جماعة مثل مكي والمهدوي وأبي علي الفارسي، وإن كانت هذه الطريقة ظاهرة في بعض القراءات أكثر من بعض، وقد تقرر الوجهان في مذهب الغير على ما ذكر، وأما احتمال التنبيه في قراءة ورش وقنبل فوجهه أن يقال حذفت ألف ها؛ تخفيفا ولالتقاء الساكنين في قول من أبدل لورش، وأما احتمال البدل في قراءة ابن ذكوان والكوفيين والبزي فلا مانع منه إلا كونهم مدوا بين الهمزتين، وهذا لا يضر جمعا بين اللغتين؛ لأن الهمزة الأولى مقدرة منونة، وأريد بالمد الإشارة إلى ذلك، والذي استحسنه الجماعة أن تكون الهاء للتنبيه في قراءة هؤلاء، قال المهدوي: إذ ليس أحد من القراء يدخل بين الهمزتين المفتوحتين من كلمة ألفا مع التحقيق فيقدر له هذا التقدير، قال مكي: وهذا أولى بقراءة البزي، وعلى ذلك تحمل قراءة الكوفيين وابن عامر إلا هشاما؛ فإنه قد يدخل بين الهمزتين ألفا في غير هذا، فيجوز أن يحمل هذا على أصله في غيره، قلت: الأولى في هذه الكلمة على جميع وجوه القراءات فيها أن تكون ها للتنبيه؛ لأنا إن جعلنا الهاء بدلا من همزة كانت تلك الهمزة همزة استفهام، و"ها أنتم" أينما جاءت في القرآن إنما هي للخبر لا للاستفهام ولا مانع من ذلك إلا تسهيل من سهل وحذف من حذف، أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله: ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ وشبهه، وأما الحذف فنقول: ها مثل أما كلاهما حرف تنبيه، وقد ثبت جواز حذف ألف أما، فكذا حذف ألف ها، وذاك قولهم: أم والله لأفعلن وقد حمل البصريون قولهم:

стр. 391

بها كما سبق تقريره، وذكر بعض من شرح: أن إدخال الألف بين الهمزتين يقتضي أن الأمر يصير من قبيل المتصل كأن الألف من نفس الكلمة فعلى هذا القول أيضا يستوون في المد، ولا يجئ القصر إلا على قولنا: إن حرف المد الذي قبل الهمز المغير لا يمد إلا أن هذا القول عندي غلط، فإن من يقول بمد الألف بعد إدخالها بين الهمزتين يكون بقدر ألفين وأكثر، والمنقول أنهم يدخلون بينهما ألفا للفصل فلا حاجة إلى زيادة المد بل يقتصر على مقدار النطق بألف على حدها في نحو: قال وباع، وذكر الشيخ في شرحه أن قوله: وذو البدل يعني ورشا الوجهان عنه يعني المد والقصر في حال كونه مسهلا، ويعني بالتسهيل مذهبيه، وهما إبدال الهمز وبين بين فالمد على قول البدل والقصر على بين بين ولم يرد بمسهلا حالة بين بين فقط؛ فإنه لا يتجه له فيها إلا القصر وقد تقدم في الأصول أن التسهيل يطلق على كل تغيير للهمز، وإنما ذكر مسهلا؛ ليفصل ورشا من قنبل؛ لأن كليهما ذو بدل:؛ أي: الهاء بدل من همزة عندهما إلا أن قنبلا لا يمد لإسقاطه الألف وورش بمد؛ لأجل الألف المبدلة من الهمزة، فمده هو الإتيان بالألف المبدلة لا أمر زائد على ذلك هذا شرح ما ذكره في الشرح، وهو معلوم مما تقدم فلم تكن حاجة إلى ذكره وقال لي الشيخ أبو عمرو ﵀ يعني بقوله: وذو البدل أبا عمرو وقالون؛ لأنهما هما اللذان من مذهبهما إدخال ألف بين الهمزتين، وجاء عنهما هنا خلاف لأجل أن الهمزة الأولى مبدلة والثانية مسهلة فلم يستصعب الجمع بينهما فلا حاجة إلى طول المد، واحترز بقوله: مسهلا من هشام فإنه أيضا من ذوي البدل ولا حاجة إلى ذكر قنبل وورش؛ إذ لا ألف في قراءتهما، قلت: وهذا مشكل فإنه يقتضي أن الألف في قراءتهما على وجه وليس الأمر كذلك؛ فإنهما يثبتان الألف، وأهل علم القراءات عبروا عن هذه الألف لهما بأنها مدهما الذي ثبت لهما في باب الهمزتين من كلمة، وقال صاحب التيسير من جعلها للتنبيه وميز بين المنفصل، والمتصل في حروف المد لم يزد في تمكين الألف سواء حقق الهمزة بعدها أو سهلها، ومن جعلها مبدلة، وكان ممن يفصل بالألف زاد في التمكين سواء أيضا حقق الهمزة أو لينها وقال ابن غلبون في التذكرة اعلم أن أبا عمرو ورجال نافع يتفاضلون في المد في-هاأنتم-إذا جعلوا الهاء بدلا من همزة الاستفهام على ما بيناه في تفاضلهم في: "ءأنذرتهم". ونحوه: يريد أن من أدخل الألف أطول مدا مثل قالون، ومن لم يدخل فلا مد أو له مد قصير كقراءة ورش ثم قال: فأما إذا جعلت الهاء للتنبيه فإنهم يستوون في المد في "ها أنتم"؛ لأنه ليس أحد منهم يدخل بين الألف، وبين الهمزة الملينة التي بعد "ها" ألفا كما فعل ذلك من فعله منهم في قوله: "أأندرتهم"، ونحوه: وكذا الباقون ممن عدا قنبلا يتفاضلون في المد هاهنا على ما بيناه من تفاضلهم في المد في حرف اللين الواقع قبل الهمزة في باب المد والقصر فيما كان من كلمة أو كلمتين على الوجهين من جعل الهاء بدلا من همزة الاستفهام أو للتنبيه قلت معنى عبارتهما أن الاختلاف في إدخال الألف إنما يأتي على قولنا: إنها بدل من الهمزة أما إذا كانت للتنبيه فلم يجتمع همزتان لا لفظا ولا تقديرا، فلا سبيل إلى القول بإدخال الألف، فاستووا في لفظ المد من هذه الجهة لكنهم يتفاضلون فيه على ما سبق ذكره في باب المد والقصر، ويعتبر الخلاف المستفاد من قوله: وإن حرف مد قبل همز مغير ونظير إتيان الناظم بقوله: وذو البدل تعريفا لا شرطا

стр. 392

قول العلماء مثل ذلك في معنى الحديث الصحيح أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فقطع النبي ﷺ يدها، قالوا: ذكر استعارة المتاع وجحده إنما كان تعريفا لا سببا للقطع، والسبب سرقة لم تُذكر للعلم بها، وكان الغرض تعريف المرأة التي قطعت يدها، فعرفت بما كانت مشهورة به والله أعلم. ٥٦١- وَضُمَّ وَحَرِّكْ تَعْلَمُونَ الكِتَابَ مَعْ ... مُشَدَّدَةٍ مِنْ بَعْدُ بِالكَسْرِ "ذُ"لِّلا يعني ضم التاء وحرك العين؛ أي: افتحها؛ لأنه ذكر التحريك مطلقا غير مقيد مع لام مشددة مكسورة من بعد ذلك، فيصير تعلمون من التعليم والقراءة الأخرى من العلم، وقد لفظ بها مع كونها معلومة من أضداد ما ذكره، والمفعول الأول على قراءة التشديد محذوف أي: تعلمون الناس الكتاب١؛ يعني حفظه وفهمه، والتعليم يستلزم علم المعلم فكان فيه دلالة على القراءة الأخرى، ويؤيد تعلمون بالتخفيف قوله بعد ذلك: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ ؛ أي أنتم جامعون لفهم الكتاب وتلاوته، وقوله: ذللا؛ أي: قرب والله أعلم. ٥٦٢- وَرَفْعُ وَلا يَأْمُرُكُمْ "رُ"وحُهُ "سَما" ... وَبِالتَّاءِ آتَيْنا مَعَ الضَّمِّ "خُـ"ـوِّلا ينبغي أن لا يقرأ يأمركم في البيت إلا بتحريك الراء إما برفع أو بنصب على القراءتين، والوزن مستقيم على ذلك على كف الجزء السباعي، وإن قرئ بسكون الراء وضم الميم استقام الوزن بلا كف لكن يكون التلفظ بما لم يقرأ به في القرآن مع ضعف الإسكان في الراء على ما سبق، وموضع ولا يأمركم جر بإضافة ورفع إليه، ووجه نصب يأمركم العطف على ما قبله من قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ ، ثم يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ ٢. ووجه الرفع القطع مما قبله على تقدير: وهو لا يأمركم، أو: ولا يأمركم الله، وأبو عمرو على أصله في الاختلاس السابق ذكره وهو فائدة ذكره مع أهل الرفع، وهو دليل على ترجيح الاختلاس على الإسكان في ظنه على ما هو الحق وقد سبق بيانه، فقال صاحب التيسير: وأبو عمرو على أصله في الاختلاس والإسكان، قوله: وبالتاء آتينا يعني: "آتيناكم من كتاب وحكمة"٣، اجعل مكان النون تاء مضمومة وهي تاء المتكلم موضع نون العظمة ولم ينبه على إسقاط الألف؛ لأنه

стр. 393

لازم من ضم التاء؛ فإن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، ووجه القراءتين ظاهر، وخول معناه ملك والله أعلم. ٥٦٣- وَكَسْرُ لِما "فِـ"ـيهِ وَبِالغَيْبِ تُرْجَعُو ... نَ "عَـ"ـادَ وَفيِ تَبْغُونَ "حَـ"ـاكِيهِ "عَـ"ـوَّلا أي كَسَر اللام من: "لما آتيناكم من كتاب وحكمة" حمزة، فالهاء في فيه عائدة على آتينا؛ لأنه معه ومتصل به، وهذا مما يقوي قوله: ولا ألف في ها "هأنتم"؛ أي: بعدها وههنا قبلها، ووجه التجوز فيها واحد وهو الاتصال المذكور؛ أي: الكسر مستقر فيما هو متصل بهذا الكلام ومتعلق به، ويجوز أن تعود الهاء على الكسر، ويكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فيه كلام وبحث كما سنذكره أو تعود الهاء على: "لَمَا". أي كسره مستقر فيه غير خارج عنه، واللام على قراءة حمزة لام التعليل، وما مصدرية أو موصولة؛ أي: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجئ رسول مصدق لما معكم أو الذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له، واللام في: "لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ" جواب القسم الذي دل عليه أخذ الميثاق، والخطاب للأنبياء والمراد أتباعهم، والتقدير: ميثاق أمم النبيين وعلى قراءة الجماعة: اللام في: "لَمَا" هي الموطئة للقسم، وما إما موصولة أو شرطية، والفعلان بعدها ماضيان في اللفظ مستقبلان في المعنى، ويظهر لك المعنى إذا قدرت موضع ما حرف إن الشرطية؛ أي: إن آتيتكم ذلك تؤمنوا، ثم أخرج مخرج الأقسام والمعاهدة وأخذ الميثاق تأكيد للأمر وتقوية له، ولتؤمنن جواب القسم ومثله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَامْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ اجْمَعِينَ﴾ ٢. وقوله: حاكيه عولا؛ أي: حاكي الغيب عول عليه والغيب في: "يَبْغُونَ" راجع إلى ما قبله من قوله: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.

стр. 394

والخطاب على الالتفات أو الاستئناف، والغيب في "يرجعون" عاد؛ أي: عاد على يبغون؛ لأن حفصا قرأهما بالغيب والله أعلم. ٥٦٤- وَبِالكَسْرِ حَجُّ البَيْتِ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـاهِدٍ وَغَيْـ ... ـبُ مَا تَفْعَلُوا لَنْ تُكْفَرُوهُ لَهُمْ تَلا الكسر والفتح في الحج لغتان، ولم يقرأ بالكسر إلا في هذا الموضع، أي: "وحج البيت" بكسر الحاء منقول عن شاهد؛ أي: عن ثقة شاهد له بالصحة، وأضاف وغيب إلى جملة ما بعده من الفعلين؛ أي: غيب هذا المجموع لهم؛ أي: لمدلول عن شاهد، وفي تلا ضمير يعود على "وغيب"؛ أي: أنه تبع ما قبله من الغيبة من قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١، والخطاب لهذه الأمة، أو على طريق الالتفات أو التقدير وقلنا لهم ذلك والله أعلم. ٥٦٥- يَضِرْكُمْ بِكَسْرِ الضَّادِ مَعْ جَزْمِ رَائِهِ ... "سَما" وَيُضَمُّ الغَيْرُ وَالرَّاءَ ثَقَّلا يريد: ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ٢؛ ضار يضير، وضر يضر: لغتان: والفعل مجزوم في القراءتين على جواب الشرط، والضم في الراء على قراءة من شدد ضمة بناء إتباعا لضمة الضاد كما نقول: لا يردّ، ويجوز في اللغة الفتح والكسر، وظاهر كلامه يدل على أن ضمة الراء حركة إعراب؛ لأنه ضد الجزم، وقد قيل به على أن يكون في نية التقديم على الشرط وقيل على حذف الفاء وكلاهما ضعيف، والأصح ما تقدم، ولكن ضاقت على الناظم العبارة كما تقدم في تضارر في سورة البقرة، وأراد بقوله: ويضم الغير ضمة الضاد؛ لأن الكسر ضده الفتح لا الضم فاحتاج إلى بيانه، وما جزم الراء فيفهم من القراءة الأخرى؛ لأن الجزم ضده الرفع والراء بالنصب؛ لأنه مفعول ثقلا وإنما نص عليه في القراءة الأخرى ولم ينص على التخفيف في الأولى؛ لأنه مستغنٍ عن ذكر التخفيف في الأولى؛ لعدم إمكان النطق بمشدد مجزوم في وسط كلمة، ولا يتعذر النطق بمرفوع خفيف فذكره في موضع الحاجة إليه والله أعلم. ٥٦٦- وَفِيما هُنا قُلْ مُنْزِلِينَ وَمُنْزِلُو ... نَ لِلْيَحْصُبِي فِي العَنْكَبُوتِ مُثَقِّلا أي وفي جملة الحروف المختلف فيها هنا هذا الحرف الذي هو: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ٣. أو التقدير: اقرأ لليحصبي "منزلين" في الحرف الذي هنا، "ومنزلون" في حرف العنكبوت وهو:

стр. 395

﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ١. واليحصبي هو ابن عامر ومثقلا بكسر القاف حال من فاعل قل وقل بمعنى اقرأ؛ لأن القراءة قول ومنه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ٢. أو التقدير "منزلين" هنا و"منزلون" في العنكبوت استقر لليحصبي مثقلا لهما وإن كان مثقلا صح بفتح القاف فالتقدير استقر ذلك له مثقلا، والتخفيف والتثقيل في ذلك لغتان من أنزَل ونزَّل. ٥٦٧- وَ"حَقُّ نَـ"ـصِيرٍ كَسْرُ وَاوِ مُسَوِّمِيـ ... ـنَ قُلْ سَارِعُوا لا وَاوَ قَبْلُ "كَـ"ـما "ا"نْجَلَى السومة: العلامة، وسوَّم أي: أعلَمَ فمن كسر الواو أسند الفعل إليهم وهو من الإعلام الذي يفعله الشجاع في الحرب من لباس مخصوص وغيره، ومن فتح الراء؛ فلأن الله تعالى فعل بهم ذلك، وحذف الواو من: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ ٣ تقدم مثله في: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٤ والواو منه ساقطة في مصاحف المدينة والشام دون غيرها، واحترز بقوله: قبل عن الواو التي بعد العين وانجلا؛ أي: انكشف والله أعلم. ٥٦٨- وَقَرْحٌ بِضَم القَافِ وَالقَرْحُ "صُحْبَةٌ" ... وَمَعْ مَدِّ كَائِنْ كَسْرُ هَمْزَتِهِ "دَ"لا أي قرأه صحبة والضم والفتح لغتان، وجاء ذلك في ثلاثة مواضع في هذه السورة: اثنان بلفظ التنكير: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ٥ الثالث بلفظ التعريف: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ ٦، ولفظ كائن جاء في مواضع: هنا وفي الحج والطلاق والخلاف في جميعها، ولم يبين النظم أنه حيث أتى، وفاعل دلا ضمير كسر همزته ومعنى دلا في اللغة: أخرج دلوه ملآى، واستعاره هنا لحصول الغرض وتمام الأمر بالمد مع الكسر، وأراد بالمد زيادة ألف بعد الكاف والباقون بلا ألف مع فتح الهمزة، ثم ذكر باقي قيود القراءة فقال:

стр. 396

٥٦٩- وَلا يَاءَ مَكْسُورًا وَقَاتَلَ بَعْدَهُ ... يُمَدُّ وَفَتْحُ الضَّمِّ وَالكَسْرِ "ذُ"ووِلا الياء المكسورة زيادة في قراءة غير ابن كثير وهي مشددة ولم يتسع له مجال البيت لذكر ذلك، ولو قال في البيت السابق: وكل كائن كسر همزته دلا، ثم قال: ومد ولا ياء لكان وافيا بالغرض ولا حاجة إلى قوله: مكسورًا حينئذ؛ لأنه لفظ بقراءة الجماعة أي: ولا يثبت ابن كثير الياء التي في هذا اللفظ، و"كأين"، "وكئن" لغتان وفيها غير ذلك من اللغات وهي كلمة؛ أي: دخل عليها كاف التشبيه كما دخل على ذا في كذا ثم كثر استعمالهما كالكلمة الواحدة بمعنى كم الخبرية، فتصرفوا فيها على وجوه، وكتب تنوينها نونًا، قوله: وقاتل بعده؛ أي: بعد كأين قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ ، "قتل معه"١، القراءتان ظاهرتان إلا أن معنى قوله: "قتل معه ربيون كثير فما وهنوا"؛ أي: فما وهن من لم يقتل منهم، والضم في القاف والكسر في التاء إذا فتحا مع المد صارت الكلمة قاتل، فقوله: ذو ولا؛ أي: فتح الضم والكسر ذو متابعة للمد مصاحبة له والله أعلم. ٥٧٠- وَحُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمَّا كَمَا "رَ"سَا ... وَرُعْبًا وَيَغْشى أَنَّثُوا "شَـ"ـائِعًا تَلا يريد الرعب المعرف باللام ورعبا المنكر المنصوب حيث أتى ذلك، فالضم فيه والإسكان لغتان، وقيل الضم الأصل فأسكن تخفيفا وهو في أربعة مواضع، قيل: والأصل الإسكان إتباعا ورسا؛ أي: ثبت واستقر، والتأنيث في "تغشى" للأمنة والتذكير للنعاس، وهما واحد؛ لأنه أبدل النعاس من الأمنة وشائعا تلا حالان من مفعول أنثوا؛ أي: أنثوا شائعا تابعا ما قبله وهو الأمنة أو يكون شائعا حالا من الضمير في تلا العائد على يغشى: ٥٧١- وَقُلْ كُلَّهُ لِلهِ بِالرَّفْعِ "حَـ"ـامِدًا ... بِمَا يَعْمَلُونَ الغَيْبُ "شَـ"ـايَعَ "دُ"خْلُلا كله مبتدأ والله الخبر، والجملة خبر: ﴿إِنّ الْأَمْرَ﴾ ٢. وقد أجمعوا على قراءة: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ ٣. وهو على هذا الإعراب وكله بالنصب تأكيدا للأمر والغيب في:

стр. 397

﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ شايع دخللا له وهو: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٢، ووجه الخطاب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ ٣، وبعده: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ٤. والدخلل الدخيل وقد تقدم. ٥٧٢- وَمِتُّمْ وَمِتْنا مُتَّ فِي ضَمِّ كَسْرِها ... "صَـ"ـفَا "نَفَرٌ" وِرْدًا وَحَفْصٌ هُنا اجْتَلا أي حيث جاءت هذه الكلمات وفهم ذلك من حيث أنه عددها، وفيها ما ليس في هذه السورة، فقام ذلك مقام قوله: حيث أتى، ونحوه، وضم الميم وكسرها في جميع ذلك لغتان، يقال: مات يموت، فعلى هذا جاء الضم كقولك من قام يقوم: قمت ويقال مات يمات كخاف يخاف فعلى هذا جاء الكسر كخفت فيكون الضم من فعل يفعل كقتل يقتل والثاني من فعل يفعل كعلم يعلم ووردا نصب على التمييز؛ أي: صفا وردهم ووافقهم حفص على ضم ما في آل عمران وكسر ما في غيرها؛ جمعا بين اللغتين، والذي في آل عمران موضعان: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ، و ﴿لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى﴾ ٥. وهذا معنى قوله: وحفص هنا اجتلا؛ أي: اجتلا الضم وهو من قولهم: اجتليت العروس وهذه عبارة مشكلة فإنه لا يفهم منها سوى أن حفصا خصص هذه السورة بقراءة وسائر المواضع بخلافها، فيحتمل أن يكون الذي له في آل عمران ضما وأن يكون كسرا؛ لأنه استأنف جملة ابتدأها لحفص ولم يخبر عنه إلا بقوله: اجتلا فاحتمل الأمرين، فإن قلت: اجعل حفصا عطفا على الرمز السابق قلت: كان جمعا بين الرمز والمصرح به في مسألة واحدة، وذلك غير واقع في هذا النظم، وأيضا فقد فصل بالواو في قوله: وردا، ثم لو سلمنا أن هذا اللفظ يفيد الضم كان مشكلا من جهة أخرى، وهي أنه يوهم أن حفصا منفرد بالضم هنا؛ إذ لم يعد معه الرمز الماضي كقوله: رمى صحبة، ولو قال صفا نفر معهم هنا حفص اجتلا حصل الغرض وبان وزال الإبهام، ولم يضر عدم الواو الفاصلة لعدم الريبة في اتصال ذلك والله أعلم. ٥٧٣- وَبِالغَيْبِ عَنْهُ تَجْمَعُونَ وَضُمَّ فِي ... يَغُلَّ وَفَتْحُ الضَّمِّ "إِ"ذْ "شَـ"ـاعَ "كُـ"ـفِّلا

стр. 398

عنه؛ يعني: عن حفص، والغيب والخطاب في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ كما تقدم في: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، وأما ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ﴾ ٢ فقواه: إذ شاع كفلا على البناء للمفعول، ومعنى كفل؛ أي: حمل، يعني: أن هذه القراءة حَمَّلها السلفُ الخلفَ لما كانت شائعة، ومعناها يوجد غالًّا أو ينسب إلى الغلول أو يغل منه؛ أي: يخان بأن يؤخذ من الغنيمة قبل أن يقسمها، والغلول الأخذ في خفية، ومن قرأ: يغل على البناء للفاعل فهو ظاهر؛ أي: أنه لا يفعل ذلك واختار ذلك أبو عبيد وأبو علي وقالا: أكثر ما يجيء الفعل بعد ما كان لكذا أن يفعل منسوبا إلى الفاعل نحو: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ ٣، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ﴾ ٤، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ٥. فإن قلت: كل واحدة من القراءتين مشتملة على ضم وفتح فكيف تميز إحداهما من الأخرى قلتُ: كأنه استغنى بالترتيب عن تقييد ذلك فضم أولا ثم فتح الضم فيكون الضم في الياء وفتح الضم في الغين والواو وإن كانت لا تقتضي الترتيب على المذهب المختار إلا أن المذكور بها جائز أن يكون مرتبا في نفس الأمر ولا بد أن يريد بذلك إحدى القراءتين ودلنا على هذه القراءة ظاهر لفظه إذ لو أراد الأخرى لقال: وفتح أن يغل وضم الفتح حقك نولا أو دام ندحلا أو نل دائما حلا، ونحو ذلك. ٥٧٦- بِمَا قُتِلُوا التَّشْدِيدُ "لَـ"ـبَّى وَبَعْدَهُ ... وَفي الحَجِّ لِلشَّامِي وَالَاخِرُ "كَـ"ـمَّلا أي التشديد بهذا اللفظ، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ . والذي بعده: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ ٦، والآخر: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ٧. يقرأ جميع ذلك بالتشديد والتخفيف، وفي التشديد معنى التكثير، فأما قوله: قبل ذلك: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ، ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً﴾ ٨، فمخفف بلا خلاف، ويعلم ذلك من كونه تعداه ولم يذكره، واشتغل بذكر متم ويغل ويجمعون ويمتاز هنا أيضا من الأول المختلف فيه بكون هذا في أوله واو وذلك لا واو في أوله فقوله: "بما قتلوا"

стр. 399

لا يتناول ظاهره إلا ما ليس في أوله واو فالتشديد في: "ما قتلوا" لهشام وحده، وهو المشار إليه بقوله: لبى؛ أي: لبى بالتشديد من دعاه، "والذين قتلوا" مع الذي في الحج وهو: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ شددهما ابن عامر: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ شدده ابن عامر وابن كثير، وهو المرموز في هذا البيت الآتي: ٥٧٧- "دَ"رَاكِ وَقَدْ قَالا فِي الأنْعَامِ قَتَّلُوا ... وَبِالخُلْفِ غَيْبًا يَحْسَبَنَّ "لَـ"ـهُ وَلا معنى دراك: أدرك كما تقدم في بدار، والذي في الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ ١. شدده أيضا ابن عامر وابن كثير، وأما الغيب في: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ ٢، فعن هشام فيه خلاف ومعنى الغيب فيه ولا يحسبن الرسول أو حاسب واحد أو يكون "الذين قتلوا" فاعلا، والمفعول الأول محذوف؛ أي: أنفسهم أمواتا، قال الزمخشري: وجاز حذف المفعول الأول؛ لأنه في الأصل مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: "بل أحياء"؛ أي: بل هم أحياء لدلالة الكلام عليهما، وقوله: غيبا نصب على الحال من يحسبن والعامل فيها ما يتعلق به بالخلف؛ أي: لا يحسبن استقرار بالخلف غيبًا؛ أي: ذا غيب له ولا؛ أي: نصر والله أعلم. فإن قلت: جاء يحسبن في هذه السورة في مواضع فمن أين علم أنه للذي بعده "الذين قتلوا". قلت: لأنه أطلق ذلك، فأخذ الأول من تلك المواضع ولأنه قد ذكر بعده: "أن ويحزن" فتعين هذا؛ لأن باقي المواضع ليس بعده أن ويحزن والله أعلم. وأكثر المصنفين في القراءات السبع لا يذكرون في هذا الموضع خلافًا حتى أن ابن مجاهد قال: لم يختلفوا في قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ أنها بالتاء، وذكرها أبو علي الأهوازي في كتاب الإقناع في القراءات الشواذ، ونسبها إلى ابن محيصن وحده والله أعلم. ٥٧٨- وَأَنَّ اكْسِرُوا "رُِ"فْقًا وَيَحْزُنُ غَيْرَ اْلَانْـ ... ـبِيَاءِ بِضَمٍّ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "أَ"حْفَلا يعني: قوله تعالى:

стр. 400

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. الكسر على الاستئناف والفتح على العطف على: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ ٢، فيكون من جملة ما بشر به الشهداء وهو أن الله سبحانه يفعل بغيرهم من المؤمنين مثل ما فعل بهم من حسن الخاتمة، وقال أبو علي: المعنى يستبشرون بتوفر ذلك عليهم ووصوله إليهم؛ لأنه إذا لم يضعه وصل إليهم فلم يبخسوه ولم ينقصوه وحزن وأحزن لغتان وقيل حزنه بمعنى جعل فيه حزنا مثل كحله ودهنه؛ أي: جعل فيه كحلا ودهنا، ومثل حزنه في هذا المعنى: فتنه، قال سيبويه: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته أراد جعلته حزينا وفاتنا، واستثنى نافع من ذلك ما في الأنبياء وهو: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ ٣. فقرأه كالجماعة بفتح الياء وضم الزاي، فقوله: غير الأنبياء؛ أي: غير حرف الأنبياء، ورفقا مصدر في موضع الحال؛ أي: ذوي رفق بمعنى: رافقين، وأحفلا حال من فاعل أكسر؛ أي: حافلا بهذه القراءة. ٥٧٩- وَخَاطَبَ حَرْفَا يَحْسَبَنَّ "فَـ"ـخُذْ وَقُلْ ... بِمَا يَعْمَلُونَ الغَيْبُ "حَقٌّ" وَذُو مِلا حرفا يحسبن فاعل خاطب جعلهما مخاطبين لما كان الخطاب فيهما، وقد استعمل هذا التجوز كثيرا في هذه القصيدة نحو: وخاطب فيها تجمعون له ملا، وأراد بالحرفين: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٤، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ٥. فأما الأول فعلى قراءة الجماعة بالغيب يكون: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ﴾ سد مسد مفعولي حسب نحو: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ ٦. وفي الثاني يكون المفعول الأول محذوفا؛ أي: البخل خبرًا لهم، وقراءة حمزة بالخطاب مشكلة، وقد صرح جماعة من أهل العربية بعدم جوازها، قال أبو جعفر النحاس: زعم أبو حاتم أنه لحن لا يجوز، قال: وتابعه على ذلك جماعة، وقال الزجاج: من قرأ: ﴿وَلا يَحْسَبَنّ﴾ بالتاء لم يجز عند البصريين إلا كسر "إن"؛ المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاؤنا لهم خير لهم، ودخلت أن مؤكدة فإذا فتحت صار المعنى ولا تحسبن الذين كفروا إملاءنا خيرا لهم، قال أبو إسحاق: وهو عندي يجوز في هذا الموضع على البدل من الذين، المعنى: ولا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرا لهم، وقد قرأ بها خلق كثير ومثل هذه القراءة من الشعر قول الشاعر:

стр. 401

فما كان قيس هلكه هلك واحد جعل هلكه بدلا من قيس المعنى: فما كان هلك قيس هلك واحد، قال أبو علي في الإصلاح: لا يصح البدل إلا بنصب خير من حيث كان المفعول الثاني لحسبت فكما انتصب هلك واحد في البيت لما أبدل الأول من قيس بأنه خبر كان كذلك ينتصب خير إذا أبدل الإملاء من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنه مفعول ثانٍ لتحسبن، قال: وسألت أحمد بن موسى -يعني ابن مجاهد- عنها، فزعم أن أحدا لم يقرأ بها يعني: بنصب خير، وقال في الحجة: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في موضع نصب بأنه المفعول الأول والمفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول في المعنى فلا يجوز إذا فتح أن في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ١؛ لأن إملاءهم لا يكون إياهم، قال: فإن قلت: فلم لا يجوز الفتح في أن وتجعله بدلا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ ٢، وكما كان أن من قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ٢. قيل: لا يجوز ذلك وإلا لزمك أن تنصب خيرا على تقدير: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا لأنفسهم من حيث كان المفعول الثاني لتحسبن، وقيل: إنه لم ينصبه أحد فإذا لم ينصب علم أن البدل فيه لا يصح، وإذ لم يصح البدل لم يجز إلا كسر إن على أن يكون إن وخبرها في موضع المفعول الثاني من تحسبن، وقال الزمخشري: الذين كفروا في من قرأ بالتاء نصب "وإنما نملي لهم خيرا لأنفسهم" بدل منه؛ أي: ولا تحسبن أنما نملى للكافرين خير لهم، وأن مع خبه ينوب عن المفعولين وما مصدرية، فإن قلت: كيف صح مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد، قلت: صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى، ألا تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع بكونك على متاعك، قال: ويجوز أن يقدر مضاف محذوف على: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصحاب أن الإملاء خير؛ لأنفسهم أو ولا تحسبن حال الذين كفروا إن الإملاء خير لأنفسهم، وقال النحاس: زعم الكسائي والفراء أنها جائزة على التكرير؛ أي: ولا تحسبن الذين كفروا ولا تحسبن أنما نملي لهم يعني: مثل: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ ، ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ ٣ كما سيأتي، قال النحاس: وقراءة يحيى بن وثاب بكسر إن حسنة كما تقول: حسبت عمرا أخوه خارج، وقال مكي: إنما وما بعدها بدل من الذين فسدّ مسدّ المفعولين كما في قراءة من قرأ بالياء، وقال المهدوي: قال قوم: قدم الذين كفروا توكيدا، ثم جاء لهم من قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ؛ ردا عليهم، والتقدير: ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خير لهم، وقال أبو الحسن الحوفي: إن وما عملت فيه في موضع نصب على

стр. 402

البدل من الذين كفروا، والذين: المفعول الأول والثاني محذوف، وقال أبو القاسم الكرماني في تفسيره المسمى باللباب: يجوز أن تكون التاء للتأنيث كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ١، ولا تحسبن القوم الذين، والذين وصف للقوم كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا﴾ ٢. قلت: فيتَّحد معنى القراءتين على هذا؛ لأن الذين كفروا فاعل فيهما، وكذا يتحد معنى القراءتين على قول من يقول إن الذين كفروا مفعول على قراءة الياء أيضا والفاعل الرسول أو أحد كما تقدم في: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ . وقيل: إنما نملي بدل من الذين كفروا بدل الاشتمال؛ أي: إملاءنا خير بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو خير لأنفسهم والجملة هي المفعول الثاني، قلت: ومثل هذه القراءة بيت الحماسة: منا الأناة وبعض القوم تحسبنا ... أنا بطاء وفي إبطائنا سرع كذا جاءت الرواية بفتح أنا بعد ذكر المفعول الأول فعلى هذا يجوز أن تقول: حسبت وزيد أنه قائم؛ أي: حسبته ذا قيام، فوجه الفتح أنها وقعت مفعوله وهي وما عملت فيه في موضع مفرد وهو المفعول الثاني لحسبت والله أعلم. وأما ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُون﴾ على قراءة الخطاب، فتقديرها على حذف مضاف؛ أي: بخل الذين يبخلون، والغيب في: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ رد على: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ ، والخطاب رد على: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ ٣. والملأ بالمد مصدر لملا، وبالقصر: الجماعة الأشراف، وكلاهما مستقيم المعنى هنا والله أعلم. ٥٨٠- يَمِيزَ مَعَ الأنْفَالِ فَاكْسِرْ سُكُونَهُ ... وَشَدِّدْهُ بَعْدَ الفَتْحِ وَالضَّمِّ "شُـ"ـلْشُلا يريد: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ﴾ ٤. وفي الأنفال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ ؛ أي: يميز هنا مع حرف الأنفال اكسر الياء الساكنة، وشددها بعد الفتح في الميم والضم في الياء وماز يميز

стр. 403

وميز يميز لغتان، وشلشلا: حال من فاعل شدده أو من مفعوله ومعناه خفيفا؛ لأنه قبل التشديد خفيف ويستحب للقارئ تخفيف اللفظ بالحروف المشددة، وأن لا يتقعر فيها، ويزعج السامع، ويتكلف في نفسه ما لا يحتاج إليه والله أعلم. ٥٨١- سَنَكْتُبُ يَاءٌ ضُمَّ مَعْ فَتْحِ ضَمِّهِ ... وَقَتْلَ ارْفَعُوا مَعْ يَا نَقُولُ "فَـ"ـيَكْمُلا أي ياء ضمت مع فتح ضم التاء، فيصير الفعل مبنيا للمفعول، وقد كان الفاعل ورفع قتل ونصبه عطفا على محل ما قالوا، وهو رفع إن كان سنكتب مبنيا للمفعول، ونصب إن كان للفاعل، وياء يقول الله تعالى والنون نون العظمة،، وقوله: مع يا يقول؛ أي: مع قراءة يا يقول، ونصب فيكملا بالفاء في جواب ارفعوا؛ لأنه أمر والله أعلم؛ أي: قرأ ذلك كله حمزة. ٥٨٢- وَبِالزُّبُرِ الشَّامِي كَذَا رَسْمُهُمْ وَبِالـ ... ـكِتَابِ هِشَامٌ وَاكْشِفِ الرَّسْمَ مُجْمِلا يعني: قرأ ابن عامر: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ . بزيادة الباء في: ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ ١، وكذلك رسم في مصاحف أهل الشام، وانفرد هشام بزيادة الباء في: "وبالكتاب" فقرأ الآية التي في آل عمران كالتي في فاطر بإجماع، وقد روى أبو عمرو الداني من طرق أنه في مصحف الشام كذلك، قال في المقنع: هو في الموضعين بالباء، وقال: رأيت هارون بن موسى الأخفش يقول في كتابه: إن الباء زيدت في الإمام يعني: الذي وجه به إلى الشام في "وبالزبر" وحدها، قلت: وكذلك رأيته أنا في مصحف عندنا بدمشق هو الآن بجامعها بمشهد علي بن الحسين يغلب على الظن أنه المصحف الذي وجهه عثمان ﵁ إلى الشام، ورأيته كذلك في غيره من مصاحف الشام العتيقة، قال الشيخ في شرح العقيلة: والذي قاله الأخفش هو الصحيح إن شاء الله؛ لأني رأيته كذلك في مصحف لأهل الشام عتيق، يعني: المصحف المقدم ذكره، فإلى هذا الاختلاف أشار بقوله: واكشف الرسم مجملا؛ أي: آتيا بالجميل من القول والفعل والله أعلم. ٥٨٢- "صَـ"ـفَا "حَقُّ" غَيْبٍ يَكْتُمُونَ يُبَيِّنُنْـ ... ـنَ لا تَحْسَبَنَّ الغَيْبُ "كَـ"ـيْفَ "سَمَا" اعْتَلا أي يكتمون ويبينن صفا حق غيب فيهما يريد قوله: تعالى: "ليبيننه للناس ولا يكتمونه"٢، الغيب فيهما، والخطاب على ما تقدم في "لا يعبدون إلا الله" ويقوي الخطاب الاتفاق عليه في الآية المتقدمة

стр. 404

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ وأما ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ ١، فقرئ بالغيب والخطاب، وسيأتي توجيههما. ٥٨٣- وَ"حَـ"ـقَّا بِضَمِّ البَا فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ ... وَغَيْبٍ وَفِيهِ العَطْفُ أَوْ جَاءَ مُبْدَلا نصب حقا على المصدر؛ أي: حق ذلك حقا؛ وهو أن "فلا يحسبنهم" بضم الباء والغيب، وفي بعض النسخ وحق بالرفع فيكون خبر المبتدأ الذي هو "فلا يحسبنهم"؛ أي: أنه بالضم والغيب حق، ووجه ضم الباء أن الأصل فلا يحسبون فالواو ضمير ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ ؛ لأن ابن كثير وأبا عمرو قرءا بالغيب فيهما، فانحذفت النون؛ للنهي، وانحذفت الواو؛ لسكون نون التأكيد، فبقيت ضمة الباء على حالها دالة على الواو المحذوفة، ويكون يحسبن على قراءتهما قد حذف مفعولاه؛ لدلالة ظهور المفعولين في: "فلا يحسبنهم بمفازة من العذاب"؛ أي: لا يحسبن الفارحون أنفسهم فائزين، وقرأ نافع وابن عامر بالغيبة في الأول، والخطاب في الثاني مع فتح الباء؛ لأجل النون المؤكدة، ولولاها لكانت الباء ساكنة، والقول في مفعولي الأول كما تقدم، وقرأ الباقون وهم عاصم وحمزة والكسائي بالخطاب فيهما، ووجه ذلك أن يقال: الذين يفرحون هو المفعول الأول والثاني محذوف؛ لأنه في الأصل خبر المبتدأ فحذف كما يحذف خبر المبتدأ عند قيام الدلالة عليه،، وقوله: "فلا يحسبنهم بمفازة" قد استوفى مفعوليه، وهما في المعنى مفعولا الأول فاستغني عنهما في لأول بذكرهما في الثاني على قراءة الغيبة في الأول، وعلى قراءة الخطاب استغني عن أحدهما دون الآخر تقوية في الدلالة، وقال الزمخشري: أحد المفعولين ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والثاني "بمفازة"، وقوله: "فلا يحسبنهم" تأكيد تقديره لا تحسبنهم فلا تحسبنهم فائزين، وقوله: وفيه العطف؛ أي: في تحسبنهم فائدة العطف على الأول، فلهذا كرر أو جاء مبدلا منه فذكر وجهين لمجيء فعل النهي عن الحسبان في هذه الآية مكررًا، وما ذكرناه من تأويل هذه القراءات الثلاث لا يخرج عن الوجهين اللذين ذكرهما؛ لأن الجملة الثانية إن وافقت الأولى في الغيبة والخطاب صح أن تكون بدلا منها على أن تكون الفاء في "فلا" زائدة كقوله: وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ووجه البدل أن الكلام إذا طال الفصل بينه وبين ما يتعلق به جاز إعادته ليتصل بالمتعلق به كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فلما طال الفصل قبل الجواب أعاد الفصل بالفاء فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ .

стр. 405

وتجوز الإعادة بلا فاء، قال سبحانه في موضع آخر: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ سمي نحو هذا بدلا باعتبار أنه عوض منه وإلا فهو بالتأكيد أشبه على اصطلاح النحويين، وبهذا عبر عنه الزمخشري كما سبق ذكره وأما على قراءة من غاير بين الفعلين غيبة وخطابا، فالثانية عطف على الأولى لا بدل كقولك: ما قام زيد فلا تظننه قائما، وذكر الشيخ أبو علي في الحجة وجه البدل، ونص على زيادة الفاء في "فلا" ومنع من وجه العطف، وقال: ليس هذا موضع العطف؛ لأن الكلام لم يتم ألا ترى أن المفعول الثاني لم يذكر بعد، وفيما قاله نظر والله أعلم. ٥٨٥- هُنا قَاتَلُوا أَخِّرْ "شِـ"ـفَاءً وَبَعْدُ فِي ... بَرَاءةَ أَخِّرْ يَقْتُلُونَ "شَـ"ـمَرْدَلا يعني قوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ، وفي براءة ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ . قدم الجماعة في الموضعين: الفعل المبني للفاعل على الفعل المبني للمفعول، وعكس ذلك حمزة والكسائي في الموضعين، فأخرا المبني للفاعل، وقدما المبني للمفعول، ووجهه من جهة المعنى أنهم: ﴿قَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ بعد ما وقع القتل فيهم، وقتل بعضهم لا أن القتل أتى على جميعهم وهو كالمعنى السابق في قوله: ﴿قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ ، وقوله: شفاء مصدر في موضع الحال؛ أي: أخره ذا شفاء والشين فيه وفي شمردلا رمز ولو اختصر على الأخير لحصل الغرض، ولكن كرر زيادة في البيان؛ لأنه محتاج إلى كلمة يتزن بها البيت في موضع شفاء فلو أتى بكلمة ليس أولها شين لكانت رمزا لمن دل عليه أول حروفها فعدل إلى كلمة أولها رمز القارئ خوفا من اللبس، والشمردل الخفيف والله أعلم. ٥٨٤- وَيَاءاتُها وَجْهِي وَإِنِّي كِلاهُمَا ... وَمِنِّيَ وَاجْعَلْ لِي وَأَنْصَاريَ امِلا يعني: "وجهيَ لله" فتحها نافع وابن عامر وحفص. وإني موضعان أحدهما: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا"٢فتحها نافع وحده، والآخر: "أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ"٣ فتحها نافع وابن كثير وأبو عمرو غير أن: "أَنِّي" مفتوحة في قراءة غير نافع، فلفظ بها في البيت على قراءة نافع:

стр. 406

"فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ"١، فتحها نافع وأبو عمرو. و"اجْعَلْ لِي آيَةً"٢، فتحها أيضا أبو عمرو ونافع. "مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ"٣، فتحها نافع وحده. والملا -بكسر الميم والمد- جمع ملئ وهو الثقة وهو صفة لأنصاري، أو صفة لقوله: وياءاتها؛ أي: وياءاتها الملاهي كذا وكذاظ، فهذه ست ياءات إضافة مختلف في إسكانها وفتحها، وفي هذه السورة من ياءات الزوائد المختلف في إثباتها وحذفها ياءان: "وَمَنِ اتَّبَعَنِي"٤، أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو. ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، أثبتها أبو عمرو وحده في الوصل. وقلت في ذلك: مضافاتها ست وجاء زيادة ... وخافون إن كنتم مَن اتبعنْ ولا أي وجاء وخافون ومن اتبعن زيادة؛ أي: ذوي زيادة فيهما الياء الزائدة على الرسم والولا المتابعة؛ أي: ولى هذا هذا ولاء بكسر الواو والله أعلم.

стр. 407

سورة آل عمران ... ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ١ على أن أصله ها لم، ثم حذفت ألفها، فكذا: "ها أنتم". ٥٦٠- وَيَقْصُرُ فِي التنْبِيهِ ذُو الْقَصْرِ مَذْهَبًا ... وَذُو الْبَدَلِ الوَجْهانِ عَنْهُ مُسَهِّلا ذكر في هذا البيت تفريع ما يقتضيه الخلاف في البيت السابق على التقديرين: من أن الهاء للتنبيه أو بدل من همزة، ونبه بقوله: ويقصر على أن كلامه في من في قراءته ألف، فخرج من ذلك قنبل وورش؛ إذ لا ألف في قراءتهما والقصر والمد لا يكونان إلا في حرف من حروف المد فقال: إذا حكمنا بأن الهاء للتنبيه صار المد في ذلك على قراءة من أثبت الألف من قبيل المنفصل مثل: "وما لنا أن لا". وذلك أن ها كلمة وأنتم كلمة أخرى فيقصر من مذهبه القصر ويمد من مذهبه المد فخرج من هذا أن للبزي والسوسي القصر ولقالون والدوري خلاف تقدم، لكن على رواية المد لهما يتجه ههنا خلاف آخر مأخوذ من قوله: وإن حرف مد قبل همز مغير البيت قد تقدم شرحه، والباقون على المد فقوله: وذو البدل يعني من ذكرنا أن الهاء في مذهبه بدل من الهمزة عنه وجهان في حال تسهيله فلا يكون ذلك إلا في مذهب الدوري وقالون على رواية أما السوسي فإنه من ذوي القصر مذهبا، وأما ورش فلا ألف في قراءته فلا مد، وعلى الوجه الآخر الذي أبدل فيه الهمزة ألفا: مده بمقدار نطقه بألف نحو قال وباع لا زيادة عليه بقي من ذوي البدل هشام فله المد قولا واحدا؛ لأنه ليس بمسهل وكل هذا تفريع على أن "ها" للتنبيه لأصحاب البدل وغيرهم أما إذا قلنا إن الهاء بدل من الهمزة فالكل مستوون في المد بمقدار ألف كما يقرءون: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ٢. وكما يقولون: قال وباع؛ لأنها ألف بين همزتين فليس هذا من المد المنفصل ولا المتصل، وقول الناظم وذو البدل وإن كان يعني به بدل الهاء من الهمز فلم يقل ذلك ليبني الخلاف على البدل؛ ذ لا مناسبة في ذلك، وإنما ذكره تعريفا لمن عنه الوجهان لا شرطا، فقال من ذكرنا: إن الهاء مبدلة من همزة في مذهبه إذا فرعنا على أنها أيضا في حقه للتنبيه هل يكون له مد نظر، إن كان مسهلا فوجهان؛ لأن الألف حرف مد قبل همز مغير وإن كان محققا مد بلا خلاف وهو هشام، هذا قياس مذهبهم وما يقتضيه النظم والمعنى فلا تختلف القراءة بالمد والقصر إلا على قولنا إن ها للتنبيه فما فرع الناظم إلا على هذا القول، ولم يفرع على قول البدل لوجهين؛ أحدهما: أن كون ها للتنبيه هو الأصح على ما اخترناه في شرح البيت السابق، الثاني: أنه ترك التفريع على ذلك لظهوره؛ لأنه لا يقتضي تفاوتا في المد للجميع؛ لأن التقدير تقدير: أنهم أدخلوا ألفا بين همزتين بعضهم جرى على أصله وبعضهم خالف في ذلك أصله وإدخال ألف بين همزتين لا يختلف في النطق

стр. 408

٤٠٢- وَأُمِّي وَأَجْرِي سُكِّنَا "دِ"ينُ "صُحْبَةٍ" ... دُعَاءِي وَآباءِي لِكُوفٍ تَجَمَّلا أراد: ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ ، و ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا﴾ حيث جاء زاد على فتحهما ابن عامر وحفص، ونصب قوله: دين صحبة على أنه مصدر مؤكد مثل: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . والدين: العادة أي هي عادة صحبة إسكان ياءات الإضافة أي مذهبهم وطريقتهم وما يتدينون به في قراءة القرآن، وقيل نصبه على الحال من الإسكان المفهوم من قوله: سكنا أي أوقع الإسكان فيهما في حال كونه دين صحبة، وعبر في هذا الباب تارة بالفتح وتارة بالإسكان على قدر ما سهل عليه في النظم كما فعل في باب حروف قربت مخارجها عبر تارة بالإدغام وتارة بالإظهار، فمن أول الباب إلى هنا كان كلامه في الفتح، وفي هذا البيت وما بعده إلى انقضاء الكلام فيما بعده همزة مكسورة كلامه في الإسكان، وما بعد ذلك يأتي أيضا تارة فتحا وتارة سكونا، وتعبيره في هذا الباب بالإسكان أولى من تعبيره بالفتح؛ لأنه إذا قال فلان أسكن تأخذ لغيره بضد الإسكان وهو التحريك المطلق، والتحريك المطلق هو الفتح على ما تقرر في شرح الخطبة، وأما إذا قال: افتح فليس ضده أسكن إنما ضده عند الناظم اكسر، ولو قال: موضع الفتح حرك بفتح لصحت العبارة كما أن عادته أن يقول في الضم والكسر والفتح وحرك عين الرعب ضما ومحرك؛ ليقطع بكسر اللام، وليحكم بكسر، ونصبه بحركة؛ فإن ضد ذلك كله الإسكان لأجل لفظ التحريك وأما: ﴿دُعَائي إِلَّا﴾ في نوح١، ﴿مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ﴾ في يوسف٢ فأسكنهما الكوفيون فزاد على فتحهما ابن كثير وابن عامر، وقوله: لكوف متعلق بتجملا وهو خبر دعائي وآبائي والألف ضمير التثنية أي حسنا في نظرهم بالإسكان فأسكنوهما فقوله: تجملا بالجيم، ويأتي في سورة النساء بالحاء على ما نبينه إن شاء الله تعالى. ٤٠٣- وَحُزْنِي وَتَوْفِيقِي "ظِـ"ـلاَلٌ وَكُلُّهُمْ ... يُصَدِّقْنِيَ انْظِرْنِي وَأَخَّرْتَنِي إِلى ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و ﴿مَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ : أسكنهما الكوفيون وابن كثير، فيكون قد زاد على فتحهما ابن عامر، وظلال جمع ظل أي هما ذوا ظلال لمن استظل بهما وهو المتصف بهما، وفقنا الله تعالى للحزن على ما فرطنا فيه من أعمارنا أي حزنه على ما سلف وتوفيق الله إياه لطاعته ظلال واقية من النار، ثم قال: وكلهم؛ أي: وكل القراء أسكنوا ستة ألفاظ ذكر في هذا البيت منها ثلاثة والباقي في البيت الآتي، وليست من جملة العدة السابقة والسبب في ذكره المتفق على

стр. 409

إسكانه هنا: هو ما ذكرناه عند ذكر ما اتفق على إسكانه فيما بعده همزة مفتوحة غير أنه في ذلك النوع بدأ بذكر المتفق على إسكانه وهنا ختم به هذا النوع وأراد: ﴿يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ﴾ في القصص١، ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ﴾ في الأعراف والحجر وص٢، ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ في آخر المنافقين٣، وأما قوله تعالى في سبحان: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ فمذكور في باب ياءات الزوائد وحكم ياءات الزوائد أن من أثبتها لا يفتحها إلا في المواضع المستثناة وهي ثلاثة في النمل والزمر والزخرف ففيهما اختلاف وسيأتي ذكر الذي في الزخرف آخر هذا الباب والذي في النمل والزمر في باب الزوائد. فإن قلت: كيف يلفظ في البيت بقوله: "يصدقني"، "أنظرني"؟ قلت: يحتمل وجهين، وكلاهما لا يخلو من ضرورة: أحدهما بضم القاف على قراءة عاصم وحمزة فيلزم من ذلك وصل همزة القطع في: "أَنْظِرْنِي"، وحذف الياء؛ لالتقاء الساكنين والثاني بإسكان القاف على قراءة الجماعة فيلزم من ذلك فتح الياء وهي لم يفتحها أحد من القراء مع وصل همزة القطع ويجوز أن يعتذر عن هذا بأن يقال: لم يصل همزة القطع على هذا الوجه بل نقل حركة الهمزة إلى الياء كما تقول العرب: أبتغي أمره فالياء على هذا كأنها ساكنة في التقدير؛ لأن الفاء جاء من عارض نقل حركة الهمزة وليس الفتح من باب فتح ياء الإضافة. فإن قلتَ: فحذف الهمزة من: "أَنْظِرْنِي" لا يقرأ به أحد. قلتُ: حذف الهمزة لا بد منه في الوجهين المذكورين فما فيه إثبات الياء أولى مما فيه حذفها إلا أنه يعارض هذا أن فتح الياء قراءة وحذفها معلوم يوهم أنه؛ لالتقاء الساكنين فالوجهان متقاربان؛ لتعارض الكلام

стр. 410

فيهما ويحتمل وجهًا ثالثًا بإسكان القاف وحذف الياء مع بقاء كسرة النون وتبقى همزة: "أَنْظِرْنِي" ثابتة مفتوحة بحالها، ويكون هذا أولى بالجواز من قوله قبل ذلك وقل: "فطرن" في هود فإنه حذف الياء من: "فَطَرَنِي" وأسكن النون فحذف الياء مع بقاء كسرة النون أولى. ٤٠٤- وَذُرِّيَّتِي يَدْعُونَنِي وَخِطَابُهُ ... وَعَشْرٌ يَلِيهَا الهَمْزُ بِالضَّمِّ مُشْكَلا أراد: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ﴾ ، ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ في يوسف١، وأراد بقوله: وخطابه أن يأتي هذا اللفظ بالتاء وهو موضعان في غافر: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ، و ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ فهذه أربع ياءات، وتقدم خمس فالمجموع تسع مجمع على إسكانها في ستة ألفاظ تكرر واحد مرتين، وهو: "تَدْعُونَنِي". بالخطاب وتكرر آخر ثلاثا وهو: "أَنْظِرْنِي". ثم ذكر النوع الثالث فقال: وعشر أي وعشر ياءات تليها الهمزة المضمومة ومشكلا حال من الهمز يقال: شكلت الكتاب وأشكلته وقد تقدم ذكره في آخر باب الهمزتين من كلمتين والعشر قوله: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا﴾ ، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ في المائدة والقصص، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ ، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ في الأنعام والزمر٢، ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ﴾ ، ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ ، ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ ، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾ ؛ فتحها جميعا نافع وحده وأسكنها الباقون وأجمعوا على إسكان ياءين وقد ذكر ذلك في قوله:

стр. 411

٤٠٥- فَعَنْ نَافِعٍ فَافْتَحْ وَأَسْكِنْ لِكُلِّهِمْ ... بِعَهْدِي وَآتُونِي لتَفْتَحَ مُقْفَلا يريد قوله تعالى: ﴿بِعَهْدِي أُوفِ﴾ ، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ . وإنما ذكرهما للمعنى الذي ذكرناه في المفتوحة والمكسورة ولم يتعرض صاحب التيسير لذكر المجمع عليه من ذلك لا في التي قبل الهمزة المفتوحة ولا المكسورة ولا المضمومة، وكأنه اتكل على بيان المختلف فيه في آخر كل سورة، وحسنت المقابلة في قوله: لتفتح مقفلا بعد قوله: وأسكن، أي: لتفتح بابا من العلم كان مقفلا قبل ذكره والله أعلم. ٤٠٦- وَفِي اللاَّمِ لِلتَّعْرِيفِ أَرْبَعُ عَشْرَةٍ ... فَإِسْكَانُهَا "فَـ"ـاشٍ وَعَهْدِي "فِـ"ـي "عُـ"لا هذا النوع الرابع وهو ما بعده همزة وصل بعدها لام التعريف ومجموع الهمزة واللام عند قوم هو المعرف وتقدير قوله: وفي اللام أي وفي قبل اللام، فحذف المضاف للعلم به، ولو قال: وفي قبل اللام لكان على حذف الموصول تقديره وفي الذي قبل اللام وكل ذلك قد جاءت له نظائر في اللغة، ونون قوله: أربع عشرة ضرورة، كما قال العرجي: فجاءت تقول الناس في تسع عشرة وجوز الفراء الإضافة مع التنوين في الشعر قال في كتاب "المعاني" أنشدني أبو ثروان: كلف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجته قلت: فعلى هذا يجوز في بيت الشاطبي أربع عشرة برفع أربع وجر عشرة مع التنوين، فأسكن الأربع عشرة جميعها حمزة ووافقه غيره في بعضها، وقوله فاشٍ: أي منتشر شائع خلافا لما نقل عن الكسائي عن العرب من ترك ذلك وقد تقدم ذكره ووافق حفص حمزة على إسكان: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ . ٤٠٧- وَقُلْ لِعِبَادِي "كَـ"ـانَ "شَـ"رْعاً وَفِي النِّدَا ... "حِـ"ـمًى "شَـ"ـاعَ آيَاتِي "كَـ"ـمَا "فَـ"ـاحَ مَنْزِلا أراد: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وافق على إسكانها ابن عامر والكسائي، ووافق على إسكان عبادي إذا جاء بعد حرف النداء أبو عمرو والكسائي وذلك في موضعين: في العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ ، وفي الزمر: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ١، وهو ملبس بالتي في أول الزمر: ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٢.

стр. 412

وإنما لم يأت فيها خلاف؛ لأن الياء محذوفة منها في الرسم باتفاق، وإذا لم تكن ياء فلا فتح وأما: "آيَاتِي" ففي الأعراف: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ﴾ ١، وافق ابن عامر على إسكانها، وتقدير معنى البيت: كان إسكانه شرعا وهو في الندا حمى شاع، وفاح: أي تضوع وظهرت رائحته ومنزلا تمييز ثم عد هذه الأربع عشرة ياء فقال: ٤٠٨- فَخَمْسَ عِبَادِي اعْدُدْ وَعَهْدِي أَرَادَنِي ... وَرَبِّي الَّذِي آتَانِ آياتِي الحُلا ٤٠٩- وَأَهْلَكَنِي مِنْهَا وَفِي: ص مَسَّنِي ... مَعَ الأَنَبِيَا رَبِّي فِي الَاعْرَافِ كمَّلا تقدم ذكر عهدي وآياتي وثلاثة من لفظ عبادي وبقي اثنان: ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وأما ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾ ، فيأتي في باب الزوائد وأنث لفظ الخمس بحذف الهاء منه على تأويل إرادة الكلمات، وقوله: أرادني، أراد: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ﴾ ، ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي﴾ ، ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ . في مريم٢ وأما: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ . فيأتي ذكره في باب الزوائد، والحلا جمع حلية وهي صفة للكلمات المذكورة وحذف الياء من آتاني ضرورة، ويجوز إثبات الياء وفتحها نقلا لحركة همزة آياتي إليها على حد قوله: ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ . ولو حذف الياء ثم وأثبت الهمزة لكان سائغا كما فعل هنا في: "آتان"، "آياتي". فالحاصل: أن كل واحد من الموضعين يجوز فيه ما نظمه في الآخر ومنها: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ ، ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ في الأنبياء٣، ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ في ص٣، ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ في الأعراف٤، فهذه أربع عشرة ياء، وعدها صاحب التيسير ست عشرة فزاد ما في النمل والزمر:

стр. 413

﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ ، "فبشر عبادي الذين". وإنما بين سورتي "مسني" دون سور باقي الياءات؛ لأن في الأعراف: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ مجمعا على فتحه، وإنما عد الشاطبي ياءات هذا النوع دون الأنواع التي سبقت؛ لئلا تشتبه بغيرها نحو: ﴿شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ ، ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ ، ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ لأنه لم يذكر المجمع عليه من هذا القسم؛ لكثرته فرأى عده أيسر عليه، والمجمع عليه من هذا القسم مفتوح، والمجمع عليه من ما مضى مسكّن، ثم ذكر النوع الخامس فقال: ٤١٠- وَسَبْعٌ بِهَمْزِ الوَصْلِ فَرْدًا وَفَتْحُهُمْ ... أَخِي مَعَ إِنِّي "حَـ"ـقَّهُ لَيْتَنِي "حَـ"ـلا أي وسبع ياءات إضافة بعدها همزة الوصل دون لام التعريف، فلهذا قال: فردا وهو حال من الهمز، ثم أخذ يذكرها واحدة بعد واحدة ولم يعمها بحكم لأحد كما فعل في الأنواع السابقة؛ لأن كل واحدة منها تختص برمز إلا واحدة وافقت أخرى في الرمز بهذا البيت فجمعهما، وبدأ بهما فقال: "أخي" مع إني أراد: ﴿أَخِي، اشْدُدْ﴾ في طه، فهمز الوصل بعدها في قراءة من فتحها وغيره، وهي همزة قطع في قراءة ابن عامر كما يأتي وفي الأعراف: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ ، فتحهما ابن كثير وأبو عمرو وانفرد أبو عمرو بفتح: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ ، وهو يفتح الجميع وابن كثير يفتح ما عدا: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ في رواية البزي، ونافع يفتح ما عدا هذا البيت ثم تممها فقال: ٤١١- وَنَفْسِي "سَمَا" ذِكْرِي "سَمَا" قَوْمِي "ا"لرِّضَا ... "حَـ"ـمِيدُ "هُـ"دًى بَعْدِي "سَمَا صَـ"فْوُهُ وِلا

стр. 414

أراد في طه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، اذْهَبْ﴾ ، ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا﴾ ١، فتحهما مدلول سما، وكرر لهما الرمز من غير حاجة إلى تكريره سوى ضرورة النظم، وخرج منهم قنبل في فتح: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ في الفرقان٢ وزاد مع سما أبو بكر ففتحوا: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ، والولاء بكسر الواو والمد: المتابعة ونصبه على التمييز: أي سمت متابعة صفوة. ٤١٢- وَمَعَ غَيْرِ هَمْزٍ فِي ثَلاَثيِنَ خُلْفُهُمْ ... وَمَحْياَيَ "جِـ"ـي بالْخُلْفِ وَالْفَتْحُ "خُـ"ـوِّلا وهذا النوع السادس الذي ليس بعده همز أصلا لا همز قطع ولا همز وصل، ثم شرع يذكرها واحدة بعد واحدة فبدأ بقوله تعالى: "وَمَحْيَايَ" في آخر الأنعام فالواو من جملة التلاوة لا عاطفة، فذكر أن قالون أسكنها، ولورش فيها خلاف، وفتحها الباقون وهو لأقيس في العربية فلذا قال: خولا أي ملك وإنما ضعف الإسكان لما فيه من الجمع بين الساكنين ولا يليق بفصاحة القرآن إلا ذلك، ألا ترى كيف أجمعوا على الفتح: "مَثْوَايَ"، و"هُدَايَ"، وكلاهما مثل: "مَحْيَايَ". وشنع بعض أهل العربية على نافع ﵀ متعجبا منه: كيف أسكن: "مَحْيَايَ"، وفتح بعدها: "مَمَاتِي"، وكان الوجه عكس ذلك أو فتحهما معا، والظن به أنه فتحهما معا، وهو أحد الوجهين عن ورش عنه، وهي الرواية الصحيحة فقد أسندها أبو بكر بن مجاهد في كتاب الياءات عن أحمد بن صالح عن ورش عن نافع: الياء في: "مَحْيَايَ وَمَمَاتِي" مفتوحتان، وفي أخرى عن ورش قال: كان نافع يقرأ أولا محياي ساكنة الياء، ثم رجع إلى تحريكها بالنصب. قلتُ: فهذه الرواية تقضي على جميع الروايات؛ فإنها أخبرت بالأمرين، ومعها زيادة علم بالرجوع عن الإسكان إلى التحريك فلا تعارضها رواية الإسكان؛ فإن الأولى معترف بها، ومخبر بالرجوع عنها، وكيف وإن رواية إسماعيل بن جعفر وهو أجل رواة نافع: موافقة لما هو المختار، قال ابن مجاهد: أخبرني محمد

стр. 415

ابن الجهم عن الهاشم عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة ونافع أنهم ينصبون الياء في: ﴿مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ . قلتُ: وهذه الآية مشتملة على أربع ياءات: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ . فالأولتان ساكنتان بلا خلاف في هذه الطرق المشهورة، فكأن نافعا أسكن اثنتين وفتح اثنتين، ولا ينبغي لذي لب إذا نقل له عن إمام روايتان أحداها أصوب وجها من الأخرى أن يعتقد في ذلك الإمام إلا أنه رجع عن الضعيف إلى الأقوى، ولا يغتر بما ذكره الداني في كتاب الإيجاز من اختياره الإسكان، وذكر وجهه من جهة العربية؛ فإن غاية ما استشهد به قول بعض العرب التقت حلقتا البطان وله ثلثا المال بإثبات الألف فيهما، وهذا ضعيف شاذ لم يقرأ بمثله؛ ألا ترى أن الإجماع على أن الألف محذوفة من نحو هذا مثل: ﴿ادْخُلا النَّارَ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ . وأما استشهاده بقراءة أبي عمرو: "والَّلاى" بإسكان الياء فسيأتي الكلام عليه في سورة الأحزاب وحكمه حكم: "مَحْيَاي". وقول الناظم: جئ بالخلف أي ائت به، وانظر في اختلاف الروايات يَبِنْ لك الصواب إن شاء الله تعالى. ٤١٣- وَ"عَمَّ عُلا" وَجْهِي وَبَيْتِي بِنُوحِ "عَـ"ـنْ ... "لِـ"ـوًى وَسِوَاهُ "عُـ"ـدْ "أَ"صْلًا "لِـ"ـيُحْفَلا يريد: ﴿وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ في آل عمران١، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ ٢ في الأنعام، ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ ٣ وسواه يعني سوى الذي في نوح وهو:

стр. 416

﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ في البقرة والحج١، وتقدير البيت: وعم فتح وجهي علا، وفتح بيتي وارد لواء؛ أي: عن ذي لواء وشهرة قصروه ضرورة كما قال: لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيدِ يريد بأصحاب اللواء بني عبد الدار بن قصي. وقوله: عد أصلا أي عده أصلا لفتح الذي بنوح؛ ليتضح عذر من عمم الفتح للجميع يقال: حفلته أي جلوته، وحفلت كذا أي باليت به، وفلان محافل على حسبه إذا صانه. ٤١٤- وَمَعْ شُرَكَاءِي مِنْ وَرَاءِي "دَ"وَّنُوا ... وَليِ دِينِ "عَـ"ـنْ "هَـ"ـادٍ بِخُلْفٍ "لَـ"ـهُ "ا"لحَلا يريد: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا﴾ ، ﴿مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ﴾ ، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ آخر سورة الكافرين، له أي للخلف، والحلا جمع حلية. ٤١٥- مَمَاتِي "أَ"تَى أَرْضِي صِرَاطِي ابْنُ عَامِرٍ ... وَفِي النَّمْلِ مَالِي "دُ"مْ "لِـ"ـمَنْ "رَ"ـاقَ "نَـ"ـوْفَلا لو أتى بهذا البيت بعد محياي كان أولى؛ لأنه يتصل الكلام في: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ ، وأراد ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ ، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ، ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾ . وراق الشيء صفا، والنوفل: السيد المعطي وهذا الكلام مليح: أي دم نوفلا لمن راق، وصفا باطنه وظاهره. ٤١٦- وَلِي نَعْجَةُ مَا كَانَ لِي اثْنَيْنِ مَعْ مَعِي ... ثَمَانٍ "عُـ"ـلًا وَالظُّلَّةُ الثَّانِ "عَـ"ـنْ "جِـ"ـلا أي وفتح هذه المواضع علا واثنين حال من قوله ما كان لي يريد: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ﴾ في إبراهيم٢، ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ﴾ في ص٣، ومعي في ثمانية مواضع: ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ في الأعراف٤.

стр. 417

﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾ في التوبة١. ﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ ثلاثة في الكهف٢. ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ في الأنبياء٣. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ في الشعراء٤. ﴿مَعِيَ رِدْءًا﴾ في القصص٥. فَتَحَ الجميعَ حفصٌ وتابعه ورش على الثاني في سورة الظلة، وهي سورة الشعراء؛ لأن فيها: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ يريد قوله تعالى في قصة نوح: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦؛ أي وحرف الظلة الثاني فتحه، عن جلا أي كشف وجلوت الشيء: كشفته. ٤١٧- وَمَعْ تُؤْمِنُوا لِي يُؤْمِنُوا بِي "جَـ"ـاوَيَا ... عِبَادِيَ "صِـ"ـفْ وَالحَذْفُ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـاكِرٍ "دَ"لا يريد: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ في الدخان٧، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ في البقرة٨ فتحهما ورش، ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ في الزخرف٩، فتحها أبو بكر وحذفها عن شاكر دلا أي أخرج دلوه ملأى يشير إلى قوة مذهبهم

стр. 418

لأن الياء حذفت في بعض المصاحف وحذفها في باب الندا أفصح من إثباتها وأسكنها الباقون، وقوله في الزمر: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١ ياؤها محذوفة في جميع المصاحف، وانضاف إلى ذلك أن حذفها في النداء أفصح لغة، فلهذا لم يأت فيها خلاف في حذفها من هذه الطرق المشهورة، وإن كان قد حكي إثباتها وفتحها في طرق أخرى. ٤١٨- وَفَتْحُ وَلِي فِيهَا لِوَرْشٍ وَحَفْصِهِمْ ... وَمَا لِي فِي: يس سَكِّنْ "فَـ"ـتَكْمُلا يريد: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ، ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ ؛ أسكنها حمزة وحده ونصب فتكملا على جواب الأمر بالفاء أي فتكمل معرفة مواضع الخلاف في هذا الباب والله أعلم.

стр. 419

سورة النساء: ٥٨٧- وَكُوفِيُّهُمْ تَسَّاءَلُونَ مُخَفَّفًا ... وَحَمْزَةُ وَالأَرْحَامَ بِالخَفْضِ جَمَّلا نصف هذا البيت هو نصف هذه القصيدة؛ أي: الكوفيون قرءوا تساءلون بالتخفيف، والأصل: تتساءلون فمن خفف حذف التاء الثانية، ومن شدد أدغمها في السين، وله نظائر مثل: "تذكرون" "تزكى" تصدى، وأما قراءة والأرحام بالنصب، فعطف على موضع الجار والمجرور أو على اسم الله تعالى؛ أي: واتقوا الأرحام؛ أي: اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها، وفي الحديث: "أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي من قطعها قطعته"، فهذا وجه الأمر بالتقوى فيها مع لله تعالى وقرأها حمزة والأرحام بالجر وعبر الناظم عنه بالخفض، واستحسنه الشيخ هنا، وقال: فيه تورية مليحة؛ لأن الخفض في الجواري الختان وهو لهن جمال والخفض الذي هو الإعراب جمال الأرحام لما فيه من تعظيم شأنها، قلت: يعني: بسبب عطفها على اسم الله تعالى أو بسبب القسم بها، وبهذين الوجهين عللت هذه القراة، وفي كل تعليل منهما كلام، أما العطف فالمعروف إعادة حرف الجر في مثل ذلك كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ ونحو ذلك، وقال الزجاج: القراءة الجيدة نصب الأرحام، المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فأما الخفض فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر، وخطأ أيضا في أمر الدين عظيم؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم"، فكيف يكون تتساءلون بالله والأرحام على هذا قال: ورأيت إسماعيل بن إسحاق ينكر هذا، ويذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وأن ذلك خاص لله تعالى على ما أتت به الرواية، فأما العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض، قال بعضهم: لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن يعطف اسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه، وقال المازني كما لا تقول مررت بزيد وبك، لا تقول مررت بك وزيد، قلت: هاتان العلتان منقوضتان بالضمير المنصوب، وقد جاز العطف عليه فالمجرور كذلك، وأما إنكار هذه القراءة من جهة المعنى لأجل أنها سؤال بالرحم وهو حلف، وقد نهي عن الحلف بغير الله تعالى، فجوابه أن هذا حكاية ما كانوا عليه، فحضهم على صلة الرحم ونهاهم عن قطعها، ونبههم على أنها بلغ من حرمتها عندهم أنهم يتساءلون بها، ثم لم يقرهم الشرع على ذلك بل نهاهم عنه، وحرمتها باقية وصلتها مطلوبة وقطعها محرم، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ تلا هذه الآية عند حثه على الصدقة يوم قدم عليه وفد مضر، وهو إشارة إلى هذا سواء كان قرأها نصبا أو خفضا فكلاهما محتمل، وخفي هذا على أبي جعفر النحاس، فأورد هذا الحديث ترجيحا لقراءة النصب، ولا دليل له في ذلك، فقراءة النصب على تقدير: واتقوا الأرحام التي تتساءلون بها، فحذف استغناء بما قبله عنه، وفي قراءة الخفض حذف: واتقوا الأرحام ونبه بأنهم يتساءلون بها على ذلك، وحسن حذف الياء هنا أن موضعها معلوم فأنه كثر على ألسنتهم قولهم: سألتك بالله والرحم وبالرحم فعومل تلك المعاملة مع الضمير فهو أقرب من قول رؤبة خير لمن قال له: كيف أصبحت؛ أي: بخير لما كان ذلك معلوما، قال الزمخشري في كتاب الأحاجي في قولهم لا أبا لك: اللام مقدرة منوية وإن حذفت من اللفظ الذي شجعهم على حذفها شهرة

стр. 420

مكانها وأنه صار معلوما؛ لاستفاضة استعمالها فيه وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال، ومنه حذف "لا" في: "تالله تفتؤ تذكر يوسف"١. وحذف الجار في قوله: روبة خير إذا أصبح، وحمل قراءة حمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" عليه سديد؛ لأن هذا الكلام قد شهر بتكرير الجار، فقامت الشهرة مقام الذكر، وقال في الكشاف: وينصره قراءة ابن مسعود: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ"٢. قال الفراء: حدثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم قال: "والأرحامِ" خفض الأرحام قال: هو كقولهم أسألك بالله والرحمِ، قال: وفيه قبح؛ لأن العرب لا ترد مخفوضا على مخفوض قد كني عنه، قال: وقال الشاعر في جوازه: فعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها واللعب غوط نفانف قال: وإنما يجوز هذا في الشعر؛ لضيقه، قال الزجاج: وقد جاء ذلك في الشعر أنشد سيبويه: فاذهب فما بك والأيامِ من عجب وقال العباس بن مرداس: أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وأنشده الحق في إعرابه لحسان بن ثابت فانظر بنا والحق كيف نوافقه والأبيات المتقدمة وزاد: إذا أوقدوا نارا لحرب عدوهم ... فقد خاب من يصلى بها وسعيرها ثم أخذ في الاستدلال على صحة ذلك وقوته من حيث النظر، وأصاب ﵀ فإن الاستعمال قد وجد، وكل ما يذكر من أسباب المنع فموجود في الضمير المنصوب مثله، وقد أجازوا العطف عليه فالمجرور كذلك قياسا صحيحا، وقول أبي علي في الحجة هو ضعيف في القياس قليل في الاستعمال ممنوع، ولقائل أن يقول: العطف على الضمير المنصوب كذلك، فقال الشيخ في شرحه: حكى قطرب: ما فيها غيره وفرسه، وقال في شرح المفصل: وقد أجاز جماعة من النحويين الكوفيين أن يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الخافض، واستدلوا بقراءة حمزة وهي قراءة مجاهد والنخعي وقتادة وابن رزين ويحيى بن واب وطلحة والأعمش وأبي صالح وغيرهم، وإذا شاع هذا فلا بعد في أن يقال مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ؛ أي: وبحرمة المسجد الحرام، ولا حاجة أن يعطف على سبيل الله كما قاله أبو علي وغيره، ولا على الشهر الحرام كما قاله الفراء؛ لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وإن كان لكل وجه صحيح والله أعلم، والوجه الثاني في تعليل قراءة الخفض في الأرحام أنها على القسم وجوابه إن الله كان عليكم رقيبا أقسم سبحانه بذلك كما أقسم بما شاء من مخلوقاته من نحو والتين والزيتون والعصر والضحى والليل إما بها أنفسها أو على إضمار خالقها وهو كإقسامه بالصافات وما بعدها على أن إلهكم لواحد وهذا الوجه وإن كان لا مطعن عليه من جهة العربية فهو بعيد؛ لأن قراءة النصب وقراءة ابن مسعود بالياء

стр. 421

مصرحتان بالوصاية بالأرحام على ما قررناه، وأما رد بعض أئمة العربية ذلك فقد سبق جوابه، وحكى أبو نصر بن القشيري ﵀ في تفسيره كلام أبي إسحاق الزجاج الذي حكيناه، ثم قال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترًا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور لا تقلد فيه أئمة اللغة والنحو، ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه؛ فإنا لا ندعي أن كل القراءات على أرفع الدرجات في الفصاحة قلت: وهذا كلام حسن صحيح والله أعلم. ٥٨٨- وَقَصْرُ قِيَامًا "عَمَّ" يَصْلَوْنَ ضُمَّ "كَـ"ـمْ ... "صَـ"ـفَا نَافِعٌ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةٌ جَلا القيم والقيام واحد يوصف به الذي يقوم بالمصالح، ومعناه الثبات والدوام، وهما مصدران وصف بهما الأموال هنا، والكعبة ي المائدة، ووصف الدين في الأنعام بالقيم والقيم؛ أي: هو مستقيم قال حسان بن ثابت: فنشهد أنك عبد الإلـ ... ـه أرسلت نورا بدين قِيَمْ فابن عامر قرأ الثلاثة قيما على وزن عِنَب ونافع هنا فقط، "وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا" بضم الياء وفتحها ظاهر، و"واحدة" التي رفعها نافع وحده وهو: "وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ" جعل كان تامة، ومن نصب طابق به قوله: "فإن كن نساءٌ"، "فإن كانتا اثنتين"؛ أي: إن كان الوارث واحدة، وإنما أنث الفعل وألحق علامتي الجمع والتثنية في كن وكانتا ليطابق الاسم الخبر لفظا، ولم يأت الناظم في هذا البيت بواو فاصلة، وذلك في موضعين؛ إذ لا ريبة في اتصال المسائل الثلاث وجلا في آخر البيت ليس برمز إذ قد تقدم مرارا بيان أنه لم يرمز قط مع التصريح بالاسم ولم يصرح بالاسم مع الرمز، ولولا أن ذلك اصطلاحه لكان نافع محتملا أن يكون من جملة قراء سيصلون بالضم، ورفع واحدة لورش وحده والله أعلم. ٥٨٩- وَيُوصَى بِفَتْحِ الصَّادِ "صَـ"ـحَّ "كَـ"ـمَا "دَنَا" ... وَوَافَقَ حَفْصٌ فِي الأَخِيرِ مُجَمَّلا الكسر والفتح في هذا ظاهر أن، والأخير هو الذي بعده: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ ومجملا حال من حفص؛ أي: مجملا ذلك على أئمته، وناقلا لفتحه ذلك عنهم، وفي قراءته جمع بين اللغتين، وحق هذا البيت أن يكون بعد البيتين اللذين بعده؛ لأن "فلأمه" في السورة قبل قوله: "يوصي بها" والله أعلم. ٥٩٠- وَفِي أُمًّ مَعْ فِي أُمِّهَا فَلأُمِّهِ ... لَدَى الوَصْلِ ضَمُّ الهَمْزِ بِالكَسْرِ "شَـ"ـمْلَلا أراد: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ﴾ ١ أول الزخرف. ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ٢ في القصص، ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ في موضعين هنا ضم الهمزة في هذه المواضع أسرع بالكسر، والأصل: الضم ووجه كسر

стр. 422

الهمزة وجود الكسرة قبلها أو الياء، وهي من جنس الكسر فكسروا الهمزة استثقالا للخروج من كسر، وشبهه إلى ضم، وهذا كما فعلوا في كسر هاء الضمير نحو: بهم وفيهم، والهمز مجترأ عليه حذفا وإبدالا وتسهيلا، فغير بعيد من القياس تغيير حركته، وقد غيروا حركة حروف عدة كما مضى في بيوت، وما سيأتي في جيوب وعيون وشيوخ وغيوب، قال أبو جعفر النحاس ﵀ في كسر "فلأمه": هذه لغة حكاها سيبويه، قال: هي لغة كثير من هوازن وهذيل، وقوله: لدى الوصل يريد به وصل حرف الجر بهمزة "أم" فلو فصلت بأن وقفت على حرف الجر ضمت الهمزة بلا خلاف؛ لأنه لم يبق قبلها ما يقتضي كسرها، فصارت كما لو كان قبلها غير الكسر والياء نحو: "ما هن أمهاتهن" وأمه آية، وكذا إذا فصل بين الكسر والهمزة فاصل غير الياء نحو: "إلى أم موسى"، "فرددناه إلى أمه" لا خلاف في ضم كل ذلك، فقول الناظم: وفي أم قيده بذكر "في" احترازا من مثل ذلك، وقوله: وفي أم وما بعده مبتدأ، وضم الهمزة بدل اشتمال من المبتدأ، وشمللا خبر المبتدأ، ومعناه أسرع. ٥٩١- وَفي أُمَّهَاتِ النَّحْلِ وَالنُّورِ وَالزُّمَرْ ... مَعَ النَّجِْ "شَـ"ـافٍ وَاكْسِرِ المِيمَ "فَـ"ـيْصَلا في هنا حرف جر، وليس كقوله: وفي أم فإن في ثم من لفظ القرآن، فلهذا أعربنا ذلك مبتدأ، وهذا خبره مقدم، والمبتدأ قوله: شاف؛ أي: وفي هذه الكلمة التي هي أمهات من هذه السور الأربع كسر شافٍ، أو يكون تقدير الكلام: وأسرع ضم الهمز بالكسر في هذه المواضع، وشاف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شافٍ، وأسكن الراء من الرمز ضرورة نحو: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل وهذه المواضع الأربعة: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"، "أَوْ بُيُوتِ أِمَّهَاتِكُمْ"، "يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"١، "وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"١. فالجميع قبله كسر فلهذا كسرت الهمزة اتباعا، وكسر حمزة دون الكسائي الميم بعد الهمزة تبعا لها في هذه المواضع الأربعة، وفيصلا حال من الضمير في اكسر؛ أي: فاصلا بين قراءتهما، فحمزة كسر الهمزة والميم معا، والكسائي كسر الهمزة وحدها، وكل ذلك في الوصل، فإن وقفت على حرف الجر وابتدأت الكلمات ضمت الهمزة، وفتحت الميم كقراءة الجماعة والله أعلم. ٥٩٢- وَنُدْخِلْهُ نُونٌ مَعْ طَلاقٍ وَفَوْقُ مَعْ ... نُكَفِّرْ نُعَذِّبْ مَعْهُ في الفَتْحِ "إِ"ذْ "كَـ"ـلا أي ذو نون ههنا في موضعين "ندخله جنات"، "وندخله نارا" مع الذي في آخر الطلاق وندخله جنات، والذي فوق الطلاق يعني: سورة التغابن فيها ندخله مع نكفر يعني: قوله تعالى: "نكفر عنه سيئاته وندخله"، ثم قال: نعذب معه؛ أي: مع ندخله في الفتح؛ أي: اجتمعا في سورة الفتح في قوله: "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا"، فذلك سبعة مواضع قرأهن بالنون نافع وابن عامر والباقون بالياء ووجه

стр. 423

القراءتين ظاهر، وضاق عليه البيت عن بيان أن في هذه السورة موضعين كما قال في البقرة: معا قدر حرك، ومثله قوله في الأعراف: والخف أبلغكم حلا، ولم يقل معا، وهو في قصتي نوح وهود وكلا أي: كلاه؛ أي: حفظه قارئه فرواه لنا، والله أعلم. ٥٩٣- وَهذَانِ هاتَيْنِ الَّلذَانِ الَّلذَيْنِ قُلْ ... يُشَدَّدُ لِلْمَكِّي فَذَانِكَ "دُ"مْ "حَـ"ـلا التشديد في هذه الكلمات في نوناتها ولم يبينه؛ لظهوره، أو لأن كلامه في النون في قوله: ندخله نون فكأنه قال: تشدد نون هذه الكلمات لابن كثير والتشديد والتخفيف في ذلك كله لغتان، وأراد: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ١، ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٢، ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ٣، ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ٤، ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ ٥، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٦. التشديد عوض من الألف المحذوفة من هاذان وهاتين وفذانك، ومن الياء المحذوفة في اللذان واللذين حذفتا؛ لسكون ألف التثنية بعدهما شدد الجميع ابن كثير، ووافقه أبو عمرو على تشديد: ﴿فَذَانِكَ﴾ ، وقراءة الباقين بالتخفيف على قياس نونات التثني مطلقا، وقوله: دم حلا؛ أي: ذا حلا، وأراد "فذانك" بالتشديد؛ لأن الكلام فيه، ولقائل أن يقول: إنما لفظ به مخففا فيدخل في قوله: وباللفظ أستغني عن القيد، وجوابه: أنه لم يمكنه اللفظ به مشددا؛ لامتناع اجتماع الساكنين في الشعر، فلم يبق اللفظ جاليا للمقصود. ٥٩٤- وَضُمَّ هُنَا كَرْهًا وَعِنْدَ بَرَاءةٍ ... "شِـ"ـهَابٌ وَفي الأَحْقَافِ "ثُـ"ـبِّتَ "مَـ"ـعْقِلا الضم والفتح في هذا لغتان كالضعف والضعف وفي الأحقاف موضعان، وقوله: عند براءة؛ أي: فيها كما تقول: عندي كذا؛ أي: في ملكي يريد فيما حوته براءة من الآيات، وكما تجوز عما هو عندي بقي في قوله: ولا ألف في ها "هأنتم" على ما سبق تجوز هنا بعكس ذلك، وكان له أن يقول: وما في براءة أو وكرها هنا وفي براءة ضمه شهاب، ومعقلا تمييز أو حال، والضمير في ثبت للحرف المختلف فيه أو لشهاب؛ أي: ثبت معتلا أو مشبها معقلا، المعقل: الملجأ، يقال: فلان معقل لقومه، وأصله الحصن: ٥٩٥- وَفي الكُلِّ فَافْتَحْ يَا مُبَيِّنَةٍ "دَ"نَا ... "صَـ"ـحِيحًا وَكَسْرُ الجَمْعِ "كَـ"ـمْ "شَـ"ـرَفًا "عَـ"ـلا أي كم علا شرفا والمميز محذوف؛ أي: كم مرة علا شرفا، والجمع يعني به مبينات جمع مبينة فوجه الفتح فيهما ظاهر؛ أي: بينها من يدعيها، "وآيات مبينات" بيَّنها الله سبحانه، وبالكسر يجوز أن يكون لازما،

стр. 424

أي هي بينة في نفسها ظاهرة وبينات جمعها، يقال بينت الشيء تبين مثل تبين، ويجوز أن يكون متعديا؛ أي: مبينة صدق مدعيها فهو لازم ومتعدٍّ وصحيحا حال من فاعل دنا وكسر الجمع؛ أي: كسر "يا" المجموع من ذلك والله أعلم. ٥٩٦- وَفي مُحْصَنَاتٍ فاكْسِرِ الصَّادَ "رَ"اوِيًا ... وَفي المُحْصَنَاتِ اكْسِرْ لَهُ غَيْرَ أَوَّلا يعني: اكسر المنكر والمعرف إلا الأول، وهو: "وَالْمُحْصِنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ"١، في رأس الجزء؛ لأنه بمعنى المزوجات فالكسر على معنى أنهن أحصن فروجهن إما بالأزواج أو بالحفظ، والفتح على أن الله تعالى أحصنهن أو يكون بمعنى الكسر، قال الشيخ في شرحه: يقال: أحصن فهو محصن والفتح إذا أفلس فهو مفلس وأشهب فهو مشهب، نذرت بالفتح هذه الثلاثة وأولا مخفوض بغير ولكنه غير منصرف والتقدير غير حرف أول والله أعلم. ٥٩٧- وَضَمٌّ وَكَسْرٌ فِي أَحَلَّ صِحَابُهُ ... وُجُوهٌ وَفِي أَحْصَنَّ "عَـ"ـنْ "نَفَرِ" الْعُلا يعني: "وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ"٢. ومعنى صحابه: وجوه؛ أي: رواته رؤساء من قولهم: هم وجوه القوم؛ أي: أشرافهم وكبارهم، وعاد الضمير مفردا صحابه وإن كان الذي عاد إليه مثنى، وهما: الضم والكسر؛ لأنهما في معنى المفرد وهو اللفظ والحرف أو صحاب هذا الفعل وجوه، وهذه القراءة على مطابقته: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ ٣، ووجه الفتح إسناد الفعل إلى الله تعالى؛ لقوله قبله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ٤. قوله: وفي أحصن أي: والضم والكسر في الموضعين الفتح في الحرفين أما كونه ضد الكسر فمطرد ومنعكس، وأما كونه ضد الضم فمطرد غير منعكس على ما سبق بيانه في شرح الخطبة ولم يقرأ أحد بالضم والكسر في الكلمتين معًا إلا حفص، وقرأ أبو بكر بالفتح فيهما معًا، وأما باقي القراء فمن ضم وكسر في "أحل" فتح في "أحصن"، ومن فتح في "أحل" ضم وكسر في "أحصن" فالفتح في "أحصن" كالكسر في "محصنات أسند الفعل إليهن، والضم والكسر في "أحصن" كفتح صاد "محصنات" والله أعلم.

стр. 425

٥٩٨- مَعَ الحَجِّ ضَمُّوا مَدْخَلًا "خَـ"ـصَّهُ وَسَلْ ... فَسَلْ حَرَّكُوا بِالنَّقْلِ "رَ"اشِدُهُ "دَ"لا أي خص بالخلف مدخلا هنا، وفي الحج: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ١، ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ ٢، دون الذي في سبحان: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ٣؛ فإنه بالضم اتفاقا وخصه فعل أمر وفتح الصاد لغة صحيحة خلافا لمن لم يجز فيه إلا الضم عند اتصال ضمير الغائب به اتباعا، ويجوز أن يكون خصه فعل ما لم يسم فاعله، على حذف حرف الجر اتساعا؛ أي: خص به ومدخلا بالضم إما مصدر أو اسم مكان من أدخل، وبالفتح أيضا كذلك من دخل، فيكون على قراءة الفتح قد قرن بالفعل غير مصدره واسم مكانه أو يقدر له فعله على معنى فيدخلون مدخلا، وأما فعل الأمر من سأل فإن لم يكن قبله واو ولا فاء فقد أجمع القراء على حذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين نحو: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٤، وإن كان قبله واو أو فاء، وكان أمرا لغير المخاطب فأجمعوا على همزه نحو: ﴿وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا﴾ ٥، وإن كان أمرا للمخاطب فالقراء أيضا أجمعوا على الهمز إلا ابن كثير والكسائي، وعلته أن أمر المخاطب كثير الاستعمال فخففوه والمستعمل بغير واو ولا فاء أكثر، فناسب التخفيف والهمز الأصل، والراشد السالك طريق الرشد ودلا؛ أي: وافق في حصول مقصوده فإن معناه لغةً: أخرج دلوه ملآء، وذلك مقصود من أدلى دلوه فاستعاره الناظم لهذا المعنى وما يناسبه والله أعلم وأحكم. ٥٩٩- وَفي عَاقَدَتْ َقْصٌر "ثَـ"ـوَى وَمَعَ الحَدِيـ ... ـدِ فَتْحُ سُكُونِ البُخْلِ وَالضَّمِّ "شَـ"ـمْلَلا في المفاعلة: عاقدت ظاهرة ومعنى عقدت؛ أي: عقدت أيمانكم عهودهم والأيمان هنا جمع يمين التي هي اليد، وهنا وفي سورة الحديد: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ٦.
следующие страницы →