← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مصرحتان بالوصاية بالأرحام على ما قررناه، وأما رد بعض أئمة العربية ذلك فقد سبق جوابه، وحكى أبو نصر بن القشيري ﵀ في تفسيره كلام أبي إسحاق الزجاج الذي حكيناه، ثم قال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترًا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور لا تقلد فيه أئمة اللغة والنحو، ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه؛ فإنا لا ندعي أن كل القراءات على أرفع الدرجات في الفصاحة قلت: وهذا كلام حسن صحيح والله أعلم. ٥٨٨- وَقَصْرُ قِيَامًا "عَمَّ" يَصْلَوْنَ ضُمَّ "كَـ"ـمْ ... "صَـ"ـفَا نَافِعٌ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةٌ جَلا القيم والقيام واحد يوصف به الذي يقوم بالمصالح، ومعناه الثبات والدوام، وهما مصدران وصف بهما الأموال هنا، والكعبة ي المائدة، ووصف الدين في الأنعام بالقيم والقيم؛ أي: هو مستقيم قال حسان بن ثابت: فنشهد أنك عبد الإلـ ... ـه أرسلت نورا بدين قِيَمْ فابن عامر قرأ الثلاثة قيما على وزن عِنَب ونافع هنا فقط، "وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا" بضم الياء وفتحها ظاهر، و"واحدة" التي رفعها نافع وحده وهو: "وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ" جعل كان تامة، ومن نصب طابق به قوله: "فإن كن نساءٌ"، "فإن كانتا اثنتين"؛ أي: إن كان الوارث واحدة، وإنما أنث الفعل وألحق علامتي الجمع والتثنية في كن وكانتا ليطابق الاسم الخبر لفظا، ولم يأت الناظم في هذا البيت بواو فاصلة، وذلك في موضعين؛ إذ لا ريبة في اتصال المسائل الثلاث وجلا في آخر البيت ليس برمز إذ قد تقدم مرارا بيان أنه لم يرمز قط مع التصريح بالاسم ولم يصرح بالاسم مع الرمز، ولولا أن ذلك اصطلاحه لكان نافع محتملا أن يكون من جملة قراء سيصلون بالضم، ورفع واحدة لورش وحده والله أعلم. ٥٨٩- وَيُوصَى بِفَتْحِ الصَّادِ "صَـ"ـحَّ "كَـ"ـمَا "دَنَا" ... وَوَافَقَ حَفْصٌ فِي الأَخِيرِ مُجَمَّلا الكسر والفتح في هذا ظاهر أن، والأخير هو الذي بعده: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ ومجملا حال من حفص؛ أي: مجملا ذلك على أئمته، وناقلا لفتحه ذلك عنهم، وفي قراءته جمع بين اللغتين، وحق هذا البيت أن يكون بعد البيتين اللذين بعده؛ لأن "فلأمه" في السورة قبل قوله: "يوصي بها" والله أعلم. ٥٩٠- وَفِي أُمًّ مَعْ فِي أُمِّهَا فَلأُمِّهِ ... لَدَى الوَصْلِ ضَمُّ الهَمْزِ بِالكَسْرِ "شَـ"ـمْلَلا أراد: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ﴾ ١ أول الزخرف. ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ ٢ في القصص، ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ في موضعين هنا ضم الهمزة في هذه المواضع أسرع بالكسر، والأصل: الضم ووجه كسر

стр. 422

الهمزة وجود الكسرة قبلها أو الياء، وهي من جنس الكسر فكسروا الهمزة استثقالا للخروج من كسر، وشبهه إلى ضم، وهذا كما فعلوا في كسر هاء الضمير نحو: بهم وفيهم، والهمز مجترأ عليه حذفا وإبدالا وتسهيلا، فغير بعيد من القياس تغيير حركته، وقد غيروا حركة حروف عدة كما مضى في بيوت، وما سيأتي في جيوب وعيون وشيوخ وغيوب، قال أبو جعفر النحاس ﵀ في كسر "فلأمه": هذه لغة حكاها سيبويه، قال: هي لغة كثير من هوازن وهذيل، وقوله: لدى الوصل يريد به وصل حرف الجر بهمزة "أم" فلو فصلت بأن وقفت على حرف الجر ضمت الهمزة بلا خلاف؛ لأنه لم يبق قبلها ما يقتضي كسرها، فصارت كما لو كان قبلها غير الكسر والياء نحو: "ما هن أمهاتهن" وأمه آية، وكذا إذا فصل بين الكسر والهمزة فاصل غير الياء نحو: "إلى أم موسى"، "فرددناه إلى أمه" لا خلاف في ضم كل ذلك، فقول الناظم: وفي أم قيده بذكر "في" احترازا من مثل ذلك، وقوله: وفي أم وما بعده مبتدأ، وضم الهمزة بدل اشتمال من المبتدأ، وشمللا خبر المبتدأ، ومعناه أسرع. ٥٩١- وَفي أُمَّهَاتِ النَّحْلِ وَالنُّورِ وَالزُّمَرْ ... مَعَ النَّجِْ "شَـ"ـافٍ وَاكْسِرِ المِيمَ "فَـ"ـيْصَلا في هنا حرف جر، وليس كقوله: وفي أم فإن في ثم من لفظ القرآن، فلهذا أعربنا ذلك مبتدأ، وهذا خبره مقدم، والمبتدأ قوله: شاف؛ أي: وفي هذه الكلمة التي هي أمهات من هذه السور الأربع كسر شافٍ، أو يكون تقدير الكلام: وأسرع ضم الهمز بالكسر في هذه المواضع، وشاف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شافٍ، وأسكن الراء من الرمز ضرورة نحو: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل وهذه المواضع الأربعة: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"، "أَوْ بُيُوتِ أِمَّهَاتِكُمْ"، "يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"١، "وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أِمَّهَاتِكُمْ"١. فالجميع قبله كسر فلهذا كسرت الهمزة اتباعا، وكسر حمزة دون الكسائي الميم بعد الهمزة تبعا لها في هذه المواضع الأربعة، وفيصلا حال من الضمير في اكسر؛ أي: فاصلا بين قراءتهما، فحمزة كسر الهمزة والميم معا، والكسائي كسر الهمزة وحدها، وكل ذلك في الوصل، فإن وقفت على حرف الجر وابتدأت الكلمات ضمت الهمزة، وفتحت الميم كقراءة الجماعة والله أعلم. ٥٩٢- وَنُدْخِلْهُ نُونٌ مَعْ طَلاقٍ وَفَوْقُ مَعْ ... نُكَفِّرْ نُعَذِّبْ مَعْهُ في الفَتْحِ "إِ"ذْ "كَـ"ـلا أي ذو نون ههنا في موضعين "ندخله جنات"، "وندخله نارا" مع الذي في آخر الطلاق وندخله جنات، والذي فوق الطلاق يعني: سورة التغابن فيها ندخله مع نكفر يعني: قوله تعالى: "نكفر عنه سيئاته وندخله"، ثم قال: نعذب معه؛ أي: مع ندخله في الفتح؛ أي: اجتمعا في سورة الفتح في قوله: "وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا"، فذلك سبعة مواضع قرأهن بالنون نافع وابن عامر والباقون بالياء ووجه

стр. 423

القراءتين ظاهر، وضاق عليه البيت عن بيان أن في هذه السورة موضعين كما قال في البقرة: معا قدر حرك، ومثله قوله في الأعراف: والخف أبلغكم حلا، ولم يقل معا، وهو في قصتي نوح وهود وكلا أي: كلاه؛ أي: حفظه قارئه فرواه لنا، والله أعلم. ٥٩٣- وَهذَانِ هاتَيْنِ الَّلذَانِ الَّلذَيْنِ قُلْ ... يُشَدَّدُ لِلْمَكِّي فَذَانِكَ "دُ"مْ "حَـ"ـلا التشديد في هذه الكلمات في نوناتها ولم يبينه؛ لظهوره، أو لأن كلامه في النون في قوله: ندخله نون فكأنه قال: تشدد نون هذه الكلمات لابن كثير والتشديد والتخفيف في ذلك كله لغتان، وأراد: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ١، ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٢، ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ٣، ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ ٤، ﴿أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ ٥، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٦. التشديد عوض من الألف المحذوفة من هاذان وهاتين وفذانك، ومن الياء المحذوفة في اللذان واللذين حذفتا؛ لسكون ألف التثنية بعدهما شدد الجميع ابن كثير، ووافقه أبو عمرو على تشديد: ﴿فَذَانِكَ﴾ ، وقراءة الباقين بالتخفيف على قياس نونات التثني مطلقا، وقوله: دم حلا؛ أي: ذا حلا، وأراد "فذانك" بالتشديد؛ لأن الكلام فيه، ولقائل أن يقول: إنما لفظ به مخففا فيدخل في قوله: وباللفظ أستغني عن القيد، وجوابه: أنه لم يمكنه اللفظ به مشددا؛ لامتناع اجتماع الساكنين في الشعر، فلم يبق اللفظ جاليا للمقصود. ٥٩٤- وَضُمَّ هُنَا كَرْهًا وَعِنْدَ بَرَاءةٍ ... "شِـ"ـهَابٌ وَفي الأَحْقَافِ "ثُـ"ـبِّتَ "مَـ"ـعْقِلا الضم والفتح في هذا لغتان كالضعف والضعف وفي الأحقاف موضعان، وقوله: عند براءة؛ أي: فيها كما تقول: عندي كذا؛ أي: في ملكي يريد فيما حوته براءة من الآيات، وكما تجوز عما هو عندي بقي في قوله: ولا ألف في ها "هأنتم" على ما سبق تجوز هنا بعكس ذلك، وكان له أن يقول: وما في براءة أو وكرها هنا وفي براءة ضمه شهاب، ومعقلا تمييز أو حال، والضمير في ثبت للحرف المختلف فيه أو لشهاب؛ أي: ثبت معتلا أو مشبها معقلا، المعقل: الملجأ، يقال: فلان معقل لقومه، وأصله الحصن: ٥٩٥- وَفي الكُلِّ فَافْتَحْ يَا مُبَيِّنَةٍ "دَ"نَا ... "صَـ"ـحِيحًا وَكَسْرُ الجَمْعِ "كَـ"ـمْ "شَـ"ـرَفًا "عَـ"ـلا أي كم علا شرفا والمميز محذوف؛ أي: كم مرة علا شرفا، والجمع يعني به مبينات جمع مبينة فوجه الفتح فيهما ظاهر؛ أي: بينها من يدعيها، "وآيات مبينات" بيَّنها الله سبحانه، وبالكسر يجوز أن يكون لازما،

стр. 424

أي هي بينة في نفسها ظاهرة وبينات جمعها، يقال بينت الشيء تبين مثل تبين، ويجوز أن يكون متعديا؛ أي: مبينة صدق مدعيها فهو لازم ومتعدٍّ وصحيحا حال من فاعل دنا وكسر الجمع؛ أي: كسر "يا" المجموع من ذلك والله أعلم. ٥٩٦- وَفي مُحْصَنَاتٍ فاكْسِرِ الصَّادَ "رَ"اوِيًا ... وَفي المُحْصَنَاتِ اكْسِرْ لَهُ غَيْرَ أَوَّلا يعني: اكسر المنكر والمعرف إلا الأول، وهو: "وَالْمُحْصِنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ"١، في رأس الجزء؛ لأنه بمعنى المزوجات فالكسر على معنى أنهن أحصن فروجهن إما بالأزواج أو بالحفظ، والفتح على أن الله تعالى أحصنهن أو يكون بمعنى الكسر، قال الشيخ في شرحه: يقال: أحصن فهو محصن والفتح إذا أفلس فهو مفلس وأشهب فهو مشهب، نذرت بالفتح هذه الثلاثة وأولا مخفوض بغير ولكنه غير منصرف والتقدير غير حرف أول والله أعلم. ٥٩٧- وَضَمٌّ وَكَسْرٌ فِي أَحَلَّ صِحَابُهُ ... وُجُوهٌ وَفِي أَحْصَنَّ "عَـ"ـنْ "نَفَرِ" الْعُلا يعني: "وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ"٢. ومعنى صحابه: وجوه؛ أي: رواته رؤساء من قولهم: هم وجوه القوم؛ أي: أشرافهم وكبارهم، وعاد الضمير مفردا صحابه وإن كان الذي عاد إليه مثنى، وهما: الضم والكسر؛ لأنهما في معنى المفرد وهو اللفظ والحرف أو صحاب هذا الفعل وجوه، وهذه القراءة على مطابقته: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ ٣، ووجه الفتح إسناد الفعل إلى الله تعالى؛ لقوله قبله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ٤. قوله: وفي أحصن أي: والضم والكسر في الموضعين الفتح في الحرفين أما كونه ضد الكسر فمطرد ومنعكس، وأما كونه ضد الضم فمطرد غير منعكس على ما سبق بيانه في شرح الخطبة ولم يقرأ أحد بالضم والكسر في الكلمتين معًا إلا حفص، وقرأ أبو بكر بالفتح فيهما معًا، وأما باقي القراء فمن ضم وكسر في "أحل" فتح في "أحصن"، ومن فتح في "أحل" ضم وكسر في "أحصن" فالفتح في "أحصن" كالكسر في "محصنات أسند الفعل إليهن، والضم والكسر في "أحصن" كفتح صاد "محصنات" والله أعلم.

стр. 425

٥٩٨- مَعَ الحَجِّ ضَمُّوا مَدْخَلًا "خَـ"ـصَّهُ وَسَلْ ... فَسَلْ حَرَّكُوا بِالنَّقْلِ "رَ"اشِدُهُ "دَ"لا أي خص بالخلف مدخلا هنا، وفي الحج: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ١، ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ ٢، دون الذي في سبحان: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ٣؛ فإنه بالضم اتفاقا وخصه فعل أمر وفتح الصاد لغة صحيحة خلافا لمن لم يجز فيه إلا الضم عند اتصال ضمير الغائب به اتباعا، ويجوز أن يكون خصه فعل ما لم يسم فاعله، على حذف حرف الجر اتساعا؛ أي: خص به ومدخلا بالضم إما مصدر أو اسم مكان من أدخل، وبالفتح أيضا كذلك من دخل، فيكون على قراءة الفتح قد قرن بالفعل غير مصدره واسم مكانه أو يقدر له فعله على معنى فيدخلون مدخلا، وأما فعل الأمر من سأل فإن لم يكن قبله واو ولا فاء فقد أجمع القراء على حذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين نحو: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٤، وإن كان قبله واو أو فاء، وكان أمرا لغير المخاطب فأجمعوا على همزه نحو: ﴿وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا﴾ ٥، وإن كان أمرا للمخاطب فالقراء أيضا أجمعوا على الهمز إلا ابن كثير والكسائي، وعلته أن أمر المخاطب كثير الاستعمال فخففوه والمستعمل بغير واو ولا فاء أكثر، فناسب التخفيف والهمز الأصل، والراشد السالك طريق الرشد ودلا؛ أي: وافق في حصول مقصوده فإن معناه لغةً: أخرج دلوه ملآء، وذلك مقصود من أدلى دلوه فاستعاره الناظم لهذا المعنى وما يناسبه والله أعلم وأحكم. ٥٩٩- وَفي عَاقَدَتْ َقْصٌر "ثَـ"ـوَى وَمَعَ الحَدِيـ ... ـدِ فَتْحُ سُكُونِ البُخْلِ وَالضَّمِّ "شَـ"ـمْلَلا في المفاعلة: عاقدت ظاهرة ومعنى عقدت؛ أي: عقدت أيمانكم عهودهم والأيمان هنا جمع يمين التي هي اليد، وهنا وفي سورة الحديد: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ٦.

стр. 426

فتح السكون في الخاء وفتح الضم في الباء شملل؛ أي: أسرع؛ أي: قراءة حمزة والكسائي بفتح الحرفين، والباقون بالضم والإسكان وهما لغتان كالحُزْن والحَزَن والعُرْب والعَرَب والله أعلم. ٦٠٠- وَفي حَسَنَهْ "حِرْمِيُّ" رَفْعٍ وَضَمُّهُمْ ... تَسَوَّى "نَـ"ـما "حَقًّا" وَ"عَمَّ" مُثَقَّلا يعني: "وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ"١ الرفع على أن كان تامة، والنصب على أنها ناقصة، والاسم ضمير عائد على الذرّة أو على المثقال وأنث ضميره؛ لأنه مضاف إلى مؤنث كقوله: كما نهلت صدر القناة من الدم وأسكن الناظم الهاء من "حسنة" ضرورة كما سبق في هذه السورة، وفي أمهات النحل والنور والزمر وفي الأصول وفي البقرة فقل: ﴿يُعَذِّبُ﴾ ٢. وقوله: سبحانه: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ٣ بضم التاء على البناء للمفعول والتثقيل أراد به التشديد مع فتح التاء أصله: لو تتسوى فأدغم التاء في السين وحمزة والكسائي على حذفها مع فتح التاء مثل ما مضى في تسألون أول السورة، ونما؛ أي: ارتفع، وحقا تمييز أو حال، ومثقلا حال وفاعل نما ضمير الضم وفاعل عم ضمير تسوى، والله أعلم. ٦٠١- وَلامَسْتُمُ اقْصُرْ تَحْتَها وَبِها "شَـ"ـفا ... وَرَفْعُ قَلِيلٌ مِنْهُمُ النَّصْبَ "كُـ"ـلِّلا يعني قوله: ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٤. هنا وفي المائدة إذا قصر صار لمستم فيجوز أن يكون لامس بمعنى لمس، ويجوز أن يكون على بابه، واختلف الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء في أن المراد به الجماع أو اللمس باليد مع اتفاقهم على أن المراد باللمس الجماع في قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ٥. حيث وقع سواء قرئ بالمد أو بالقصر والذين مدوا لامس: قصروا تمسوهن وبالعكس مع أن معنى اللفظين واحد من حيث أصل اللغة، وقد حققنا الكلام في هذا، ولله الحمد في المسائل الفقهية في الكتاب المذهب

стр. 427

سهل الله إتمامه، وأما: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ١؛ فالرفع فيه هو الوجه الأقوى عند النحويين على البدل من فاعل فعلوه كأنه قال: ما فعله إلا قليل منهم ولو كان بهذه العبارة لم يكن إلا بالرفع، ومعنى اللفظين واحد، والنصب جائز على أصل باب الاستثناء كما في الإيجاب لو قلت: فعلوه إلا قليلا لم يجز إلا النصب، وقد أجمعوا على رفع: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ ٢. واختلفوا في: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ ٣. وفيه بحث حسن سيأتي إن شاء الله تعالى، قوله: ورفع قليل؛ أي: مرفوعه وهو اللام الأخيرة كلّل النصب؛ أي: بالنصب؛ أي: جعل له كالإكليل وهو التاج أو يكون من قولهم: روضة مكللة؛ أي: محفوفة بالنور، فيكون قوله: رفع على ظاهره ليس بمعنى مرفوع؛ يعني: أن النصب في مثل هذا تابع للرفع كالنور التابع للروضة؛ لأن أصل هذا الباب عند النحويين البدل كما ذكرنا، فكأن النصب طارئ على ما هو وجه الكلام وأصله. ٦٠٢- وَأَنِّثْ يَكُنْ "عَـ"ـنْ "دَ"ارِمٍ "تظْلَمُونَ غَيْـ ... ـبُ شُهْدٍ "دَ"نَا إِدْغَامُ بَيَّتَ "فِـ"ـي "حُـ"ـلا يعني: "كأن لم يكن بينكم وبينه مودة"٤. التأنيث لأجل لفظ مودة، والتذكير لأجل الفصل الواقع بين الفعل والفاعل مع أن المودة بمعنى الود والدارم الذي يقارب الخطا في مشيه؛ أي: القراءة منقولة عن شيخ هذه صفته ودارم أيضا: اسم قبيلة من تميم وليس ابن كثير منهم، خلافا لما وقع في شرح الشيخ ﵀ وقد بينا الوهم في ذلك في الشرح الكبير في ترجمة ابن كثير، وأما: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٥، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ ٦، فقرئ بالغيب؛ ردًّا على ما قبله من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ ٧ إلى آخر الآية، والخطاب على الالتفات وإن كان المراد: قل لهم فالغيب والخطاب من باب قولك: قل لزيد لا يضرب ولا تضرب بالياء والتاء، ومنه ما سبق.

стр. 428

"قل للذين كفروا سيغلبون"١، و"لا يعبدون إلا الله"٢، ولا خلاف في الأول أنه بالغيبة وهو: ﴿لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ ٣، وأما "بَيَّتَ طَائِفَةٌ"٤، فأبو عمرو على أصله في إدغامه، ووافقه حمزة فيه كما وافقه في مواضع أخر تأتي في أول سورة "والصافات"، ولولا حمزة لما احتاج إلى ذكر هذا الحرف لأبي عمرو هنا بل كان ذلك معلوما من إدغام الحرفين المتقاربين، فلما احتاج إلى ذكره لأجل حمزة رمز لأبي عمرو معه خشية أن يظن أنه لحمزة وحده، ولهذا نظائر سابقة ولاحقة، وكان يلزمه مثل ذلك في أول "والصافات" فلم يفعله، وقد قيل إن إدغام: "بَيَّتَ طَائِفَةٌ" ليس من باب الإدغام الكبير بل من الصغير، والتاء ساكنة للتأنيث مثل: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ ٥. وقد ذكرنا وجه هذا القول على بعده في الشرح الكبير في باب الإدغام، وفي هذا البيت ثلاث مسائل وصلها بغير واو فاصلة بينها؛ إذ لا ريبة في ذلك والله أعلم. ٦٠٣- وَإِشْمَامُ صَادٍ سَاكِنٍ قَبْلَ دَالِهِ ... كَأَصْدَقُ زَايًا "شَـ"ـاعَ وَارْتَاحَ أَشْمُلا يعني: نحو: "تَصْدِيَةً"٦، و"يَصْدِفُونَ"٧، و"يُصْدِرَ"٨، و"تَصْدِيقَ"٩، و"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ"١٠، و"عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ"١١، و"مَنْ أَصْدَقُ"١٢، وجه هذا الإشمام ما تقدم في "الصراط"؛ لأن الدال مجهورة، وقراءة الباقين بالصاد الخالصة، وقوله: زايا بالنصب هو ثاني مفعولي وإشمام والأول أضيف إليه وهو صاد؛ لأنك تقول أشم الصاد زايا والمصدر يتعدى تعدية فعله، وأشملا تمييز والارتياح النشاط وأشملا جمع شمال بكسر الشين وهو الخلق واليد يشير إلى حسنه في العربية والله أعلم. ٦٠٤- وَفِيهَا وَتَحْتَ الفَتْحِ قُلْ فَتَثَبَّتُوا ... مِنَ الثَّبْتِ وَالغَيْرُ البَيَانِ تَبَدَّلا

стр. 429

يعني: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ . وفي الحجرات: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢. قرأها حمزة والكسائي من الثبات في الأمر والثبت هو خلاف الإقدام والمراد: التأني وخلاف العجلة ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ . أي وأشد وفقا لهم عما وعظوا بأن لا يقدموا عليه وقرأها الباقون من بيان الأمر وهو ثمر التثبت فيه فيستعمل في موضعه قال الأعشى: كما راشد تجدن أمرا تبين ثم ارعوى أو قدم قدم؛ أي: أقدم قال أبو علي: فاستعمل التبيين في الموضع الذي يقف فيه ناظرا في الشيء حتى يقدم عليه أو يرتدع عنه، وقال في موضع: الزجر النهي والتوقف: لزيد مناةَ توعِدُ يا ابن تيم ... تبيَّن أين تاه بك الوعيد وقال الفراء: هما متقاربان في المعنى، يقول ذلك للرجل: لا تعجل بإقامة الحد حتى يتبين ويتثبت، وقول الناظم: من الثبت؛ أي: اشتقاقه من كلمة الثبت، يقال رجل ثبت؛ أي: ثابت القلب واستعمله العلماء الحائزون أحوال الرواة ونقلة الأحاديث في الحافظ الذاكر لما حدث به الضابط له الذي لا تدخله شبهة في ذلك ولا تشكك فيه فيقولون هو: ثقة ثبت وهو من ذلك، وعسر على الناظم أن يقول: من التثبت أو التثبيت وكان هو وجه الكلام كما قال غيره: فعدل إلى كلمة فيها الحروف الأصول التي مرجع جميع ما اشتق من ذلك إليها، وقال الشيخ: أشار إلى أن معنى القراءة طلب الثبت، وهو تفعلوا بمعنى استفعلوا من طلب ثبات الأمر، والقراءة الأخرى أمر بطلب بيان الأمر، ثم قال الناظم والغير تبدل من الثبت البيان؛ أي: جعله مشتقا من البيان لا من الثبت ولم يذكر للقراءة من الثبت رمزا اعتمادا على ارمز السابق في إشمام "أصدق" وبابه؛ لأنه أول رمز يليه. فإن قلت: فلقائل أن يقول: ينبغي أن يؤخذ لها ما يرمز به في المسألة التي بعدها كما أنه جمع بين مسألتين لرمز واحد فيما مضى في البقرة، وهما: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ، و ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وجمع بين ثلاث مسائل لرمز واحد في آل عمران في البيت الذي أوله: "سنكتب". قلت: اهتمامه ببيان قراءة الغير في هذا البيت قطع ذلك الاحتمال؛ لأنه يعلم أنه ما شرع في بيان قراءة الغير إلا وقد تم بيانه للقراءة الأخرى قيدا ورمزا، فتعين اعتبار الرمز السابق؛ إذ ليس غيره فكأنه قال: اشما،

стр. 430

وقرءا، فتثبتوا من الثبت، وكان النظم يحتمل زيادة بيان، فيقال في الثبت السابق كأصدق زايا شاع والتثبت شمللا إليها، وتحت الفتح في "فتثبتوا"، وغيرهما لفظ الثبات تبدلا؛ أي: أسرع الثبت إلى هذه السورة وإلى الحجرات في لفظ: "فتثبتوا"، وغير حمزة والكسائي يبدل عن ذلك لفظ البيان والله أعلم. ٦٠٥- وَ "عَمَّ فَـ"ـتًى قَصْرُ السَّلامَ مُؤَخَّرًا ... وَغَيْرُ أُولِى بِالرَّفْعِ "فِـ"ـى "حَقِّ نَـ"ـهْشَلا فتى مفعول عم؛ أي: عم قصر السلام قارئا ذا فتوة أو سخيا بعلمه أو قويا في العلم؛ لأن الفتى يكنى به عن الشاب، والشاب مظنة القوة فهو كما سبق شرحه في قوله: وكم من فتى كالمهدوي، وقال الشيخ: فتى حال من قصر السلام، ومؤخرا حال من السلام يريد قوله : ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ ١؛ احترازا من اللتين قبله ولا خلاف في قصرهما: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ، وبعده: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ٢. وكذا لا خلاف في قصر التي في النحل: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ ٣. فلعله أشار بالعموم إلى هذا؛ إذ سخا القصر في الجميع يقال: ألقى السلام والسلم إذا استسلم وانقاد، وقيل السلام هنا التسليم: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ . بالرفع صفة للقاعدين كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ ؛ لأن القاعدين كانوا نوعين: أولي الضرر وأصحاء، فمعناه غير أولي الضرر منهم، فحصل الحصر بين القسمين أو يكون بدلا من القاعدين؛ لأنه استثناء من المنفي، فيجوز فيه البدل والنصب، وقراءة النصب على الحال من القاعدين أو على الاستثناء وقرئ شاذا بالجر على أنه صفة المؤمنين، ونهشل اسم قبيلة فلهذا لم يصرفه، وأشار باشتقاقه إلى أولي الضرر؛ لأنه من قولهم: نهشل الرجل: إذا أسن واضطرب أو يكون قوله: نهشلا فعلا ماضيا على حذف الموصوف؛ أي: في حق الذي نهشل؛ أي: جاء غير أولى بالرفع في حق هؤلاء المعذورين؛ لأنه وصف القاعدون بلك؛ ليخرج منهم أولي الضرر والله أعلم. ٦٠٦- وَنُؤْتِيهِ بِاليَا "فِـ"ـى "حِـ"ـمَاهُ وَضَمُّ يَدْ ... خُلُونَ وَفَتحُ الضَّمِّ "حَقٌّ صِـ"ـرًى حَلا

стр. 431

يريد: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾ ١ القراءة بالنون والياء ظاهرة، والهاء في حماه عائدة على يؤتيه كقولك: زيد بماله في داره، ويدخلون الجنة بضم الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول وبفتح الياء وضم الخاء على بنائه للفاعل وكلاهما ظاهر المعنى والصري بكسر الصاد وفتحها: الماء المجتمع المستنقع يشير إلى عذوبة القراءة وكل عذب. ٦٠٧- وَفي مَرْيَمٍ وَالطَّوْلِ الَاوَّلِ عَنْهُمُ ... وَفِي الثَّانِ "دُ"مْ "صَـ"ـفْوًا وَفِي فَاطِرٍ "حَـ"ـلا وقع في نسخ القصيدة الأول بالرفع، والأولى أن يكون مجرورًا على أنه بدل من الطول أو: وفي مريم وحرف الطول الأول، ويدل عليه قوله: بعد ذلك، وفي الثان؛ أي: في الأول عنهم وفي الثانِ عن دم صفوا، وقوله: عنهم؛ أي: عن المذكورين بضم الياء وفتح الخاء والذي في مريم: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ٢. والأول في الطول: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا﴾ ٣. والثاني فيها: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤. دم صفوا؛ أي: ذا صفوا أو دام صفوك نحو طب نفسا وقر عينا فهو حال على الأول تمييز على الثاني وحلا في آخر هذا البيت ليس بمعنى حلا في آخر البيت الذي قبله وإن اتفقا لفظا بل هو من حلا فلان امرأته؛ أي: جعلها ذات حلى كأن حرف فاطر وهو قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ ٥ لما صحبه ذكر الحلية كأنه قد حلا، وقال الشيخ: كأن هذا الحرف على قراءة أبي عمرو قد جعل المعنى: ذا حلية لحسن القراءة ومشاكلتها للمعنى، أو من حلوت فلانا: إذا أعطيته حلوانا والله أعلم. ٦٠٨- وَيَصَّالَحَا فَاضْمُمْ وَسَكِّنْ مُخَفِّفًا ... مَعَ القَصْرِ وَاكْسِرْ لامُهُ "ثَـ"ـابِتًا تَلا يعني: قرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ٦.

стр. 432

من أصلح يصلح، وقرأ الباقون بهذا اللفظ المنظوم، وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد وثابتا حال من اللام أو من الهاء في لامه أو من فاعل اكسر؛ أي: في حال ثباتك فيما تفعل؛ فإنك على ثقة من أمرك وبصيرة من قراءتك أو يكون نعت مصدر محذوف؛ أي: كسرا ثابتا تلا ما قبله من الحركات المذكورة أو هو مفعول تلا؛ أي: تبع هذا المذكور أمرا ثابتا وهو كل ما تقدم ذكره من الحروف، وقال الشيخ: التلاء بالمد الذمة وهو منصوب على التمييز. ٦٠٩- وَتَلْوُوا بِحَذْفِ الوَاوِ الأُولى وَلامُهُ ... فَضُمَّ سُكُونًا "لَـ"ـسْتَ "فِـ"ـيهِ مُجْهَّلا يقال: لويت فلانا حقه إذا دفعته ومطلته، وقد جعلت القراءة الأخرى التي بحذف الواو بمعناها على تقدير أن الواو المضمومة همزت، ثم ألقيت حركتها على اللام وحذفت، ذكر ذلك الفراء والزجاج والنحاس وأبو علي غير أن أبا علي قدم قبله وجهًا آخر اختاره، وهو أن جعله من الولاية، وقال: ولاية الشيء إقبال عليه، وخلاف الإعراض عنه، وتابعه الزمخشري على هذا ولم يذكر غيره، قال: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها، وقول الناظم: ولامه فضم، الفاء زائدة ولامه مفعول فعل مضمر يفسره ما بعده؛ أي: حرك لامه أو ضم لامه ثم فسره بقوله: فضم سكونا ولا بد من ضمير يرجع إلى اللام كقولك: زيدًا اضرب رأسه ولا تقول: رأسا فقوله: سكونا؛ أي: سكونا فيه أو سكونه، وقوله: لست فيه مجهلا جملة في موضع الصفة لقوله: سكونا أو هي مستأنفة ولو كان قدم لفظ فيه على لست لكان جيدا، ورجع الضمير في فيه إلى اللام فيقول: فضم سكونا فيه لست مجهلا، ويكون فيه رمزا بحاله كقوله في آل عمران: وكسر لما فيه، وإن كان موهما في الموضعين أنه تقييد للقراءة. فإن قلت: سكونا مصدر في موضع الحال من اللام؛ أي: ضم لامه في حال كونها ساكنة فلا حاجة إلى ضمير يرجع إلى اللام ولا إلى تقديم فيه على لست. قلت: ضم اللام في حال السكون محال والحال تقييد للفع بخلاف الصفة فإذا قيل اضرب زيدا راكبا تعين ضربه في حال ركوبه، وإذا قيل: اضرب زيدا الراكب كان الراكب صفة مبينة لا غير فله ضربه وإن ترك الركوب فعلى هذا يجوز أن يقال: ضم اللام الساكنة ولا يجوز: ضم اللام ساكنة فاعرف ذلك. ٦١٠- وَنُزِّلَ فَتْحُ الضَّمِّ وَالكَسْرِ "حِصْنُـ"ـهُ ... وَأُنْزِلَ عَنْهُمْ عَاصِمٌ بَعْدُ نُزِّلا يريد قوله: تعالى: ﴿وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ١. فتحهما حصن، وانفرد عاصم بفتح:

стр. 433

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ ١. والقراءة في المواضع الثلاثة دائرة بين بناء الفعل للفاعل أو للمفعول وهما ظاهرتان، والهاء في حصنه تعود على نزل وهو خبر فتح الضم والكسر، وهما خبر نزل ثم قال: وأنزل كذلك عنهم والله أعلم. ٦١١- وَيَا سَوْفَ تُؤْتِيِهِمْ "عَـ"ـزيزٌ وَحَمْزَةٌ ... سَيُوتِيهِمُ فِي الدَّرْكِ كُوفٍ تَحَمَّلا يريد: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ﴾ ٢، ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣. الياء والنون فيهما ظاهرتان وقد سبق لهما نظائر، والدرك من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ٤. تحمله الكوفيون بإسكان رائه، والباقون بفتحها وهما لغتان كالقدر والقدر والشمع والشمع وتحريك الراء اختيار أبي عبيد والله أعلم. ٦١٢- بِالِاسْكَانِ تَعْدُوا سَكِّنُوهُ وَخَفِّفُوا ... "خُـ"ـصُوصًا وَأَخْفَى العَيْنَ قَالُونُ مُسْهِلا قوله: بالإسكان: متعلق بآخر البيت السابق ثم ابتدأ: تعدوا؛ أي: قرأه غير نافع بإسكان العين وتخفيف الدال من عدا يعدو كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ٥، وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال، وكان الأصل يعتدوا كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ ٦، ثم أدغمت التاء في الدال، وألقيت حركة التاء على العين، وأخفى قالون حركة العين؛ إيذانا بأن أصلها السكون، والكلام فيه كما سبق في إخفاء كسر العين في نعما، وقوله: مسهلا؛ أي: راكبا للطريق الأسهل، وكأنه أشار بذلك إلى طريق آخر وعر روي عنه لم ير الناظم ذكره؛ لامتناع سلوكه، قال صاحب التيسير: والنص عنه بالإسكان. قلت: وكذا ذكر ابن مجاهد عن نافع، قال أبو علي: وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغما، ولم يكن الأول حرف لين نحو "دابة" "وثمود" "الشرب"، "وقيل لهم"، ويقولون إن المد يصير عوضا من الحركة ثم قال: وإذا جاز نحو أصيم ومديق ودويبة: مع نقصان المد الذي فيه لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو "تعدوا"؛ لأن ما بين حرف اللين وغيره يسير.

стр. 434

قلت: ذلك القدر اليسير هو الفارق؛ لأنه هو القائم مقام الحركة وما ليس فيه ذلك اليسير فلا حركة فيه ولا ما يقوم مقامها فلا ينبغي أن يتكلف جوازه، وصحته مع عسره على اللسان أو استحالته، وقد سبق في "نعما هي" تحقيق ذلك أيضا، وإنكار أبي علي وغيره من أئمة العربية جواز إسكان العين، وعجبت منه كيف سهل أمره هنا، قال ابن النحاس: لا يجوز إسكان العين والذي يقرأ بهذا إنما يروم الخطأ، قال الحوفي: وهذا شيء لا يجوز، ولعل القارئ بذلك أراد الإخفاء، فتوهم عليه الإسكان والله أعلم. ٦١٣- وَفي الأَنْبِيا ضَمُّ الزَّبُورِ وَههُنا ... زَبُورًا وَفي الإِسْرا لِحَمْزَةَ أُسْجِلا أسجلا؛ أي: أبيح لحمزة القراءة به، والمسجل المطلق المباح الذي لا يمتنع عن أحد، وأسجل الكلام إذا أرسله من غير تقييد وفتح الزاي من الزبور وضمها لغتان في اسم الكتاب المنزل على داود ﵇، وإن كانت اللفظة عربية، وهما مصدران سمي بهما الزبور وهو المكتوب يقال: زبر إذا كتب، ويقال: زبرت الكتاب إذا أحكمت كتابته، وقال مكي: زبرت الكتاب؛ أي: جمعته فهو مثل تسمية المكتوب كتابا، ومثل الزبور بالفتح القبول وبالضم الشكور، وقيل: المفتوح يصلح للمفرد والجمع كالعدو، وذكر أبو علي في المضموم وجهين؛ أحدهما: أنه جمع زبرا وقع على الزبور اسم الزبر كقولهم: ضرب الأمير ونسج اليمن ثم جمع الزبر على زبور كما جمع الكتاب على كتب، والآخر أن يكون جمع زبور على تقدير حذف الحرف الزائد وهو الواو، ولا ضرورة إلى هذا التكلف، ووقع في شرح الشيخ أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور، وقال مكي: هو جمع زبر كدهر ودهور. قلت: الإفراد وجهه ظاهر؛ لأن المتيقن كتاب واحد أنزل على داود اسمه الزبور. كالتوراة والإنجيل والقرآن، أما وجه الجمع إن كان مرادا فله معنيان؛ أحدهما: أن الجمع توجه إلى أنواع ما فيه فكل نوع منها زبر والآخر أن يكون نزل على داود صحف متعددة كما جاء: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ١. وليس في سورة النساء شيء من ياءات الإضافة ولا ياءات زوائد المختلف فيها والله أعلم.

стр. 435

سورة المائدة: ٦١٤- وَسَكِّنْ مَعًا شَنْئَانُ "صَـ"ـحَّا "كِـ"ـلاهُمَا ... وَفي كَسْرِ أَنَ صَدُّوكمُ "حَا"مِدٌ دَلا أي وسكن كلمتي "شنآن" معًا يعني: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ١، في موضعين في هذه السورة، وضد الإسكان المطلق الفتح فقوله: صحا كلاهما رمز قراءة الإسكان، وأشار بهذا اللفظ إلى صحة الإسكان والفتح؛ أي: صحت القراءة بهما في هذه الكلمة، ومعناها شدة البغض وهما لغتان، ومن الإسكان قول الأحوص: وإن لام فيه ذو الشنان وفندا لأنه خفف الهمز بإلقاء حركته على الساكن قبله، وحذفه على ما تقرر في باب وقف حمزة، "وأن تعتدوا" مفعول ثانٍ لقوله: "ولا يجرمنكم" أي لا يلبسنكم، الشنآن: العدوان وأن صدوكم بالفتح: تعليل؛ أي: لأنهم صدوكم وكان الصد قد وقع سنة ست، ونزلت هذه الآية سنة ثمانٍ فاتضح معنى التعليل، وقراءة الكسر على معنى إن حصل صد، ويصح أن يقال مثل ذلك، وإن كان الصد قد وقع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ ٢. أي إن يكونوا قد صدوكم، وقال أبو علي: معناه إن وقع مثل هذا الفعل، وعلى ذلك قول الفرزدق: أتغضب أنْ أذنا قتيبة حزتا ودلا: معناه ساق سوقا رقيقا ودلا؛ أي: أخرج دلوه ملآء، وقد سبق وجه التجوز به في مثل هذه المواضع وهو أنه أنجح وحصل مراده ولم يحقق مسعاه ونحو ذلك والله أعلم. ٦١٥- مَعَ القَصْرِ شَدِّدْ يَاءَ قَاسِيَةً "شَـ"ـقَا ... وَأَرْجُلِكُمْ بِالنَّصْبِ "عَمَّ رِ"ضًا "عَـ"ـلا يريد: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ﴾ ٣، فإذا قصر بحذف الألف وشددت الياء صار: قسية على وزن فعيلة فالقراءتان بمعنى: عالمة وعليمة، وقيل: قسية ردية مغشوشة من قولهم: درهم قسي، قال الزمخشري: وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة

стр. 436

الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، قال أبو علي: والقسوة خلاف اللين والرقة، وقد وصف الله تعالى قلوب المؤمنين باللين فقال: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ١. ويشهد لقراءة المد: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢، وأما: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٣، فقرئت بنصب اللام وجرها؛ أما النصب فوجهه العطف على وجوهكم وأيديكم؛ لأن الجميع ثابت غسله من جهة السنة، وإنما فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتنبيه على الترتيب المشروع سواء قيل بوجوبه أو استحبابه، وأما الجر فوجهه ظاهر وهو: العطف على برءوسكم، والمراد به المسح على الخفين، وعلى ذلك حمل الشافعي ﵀ القراءتين فقال: أراد بالنصب قوما وبالجر آخرين: فإن قلت: التحديد يمنع من ذلك؛ فإن قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . قلت: التحديد لا دلالة فيه على غسل ولا مسح وإنما يذكر عند الحاجة إليه فلما كانت اليد والرجل لم يذكر التحديد فيهما لاقتصر على ما يجب قطعه في السرقة أو لوجب استيعابها غسلا ومسحا إلى الإبط والفخذ أعتنى بالتحديد فيهما، ولما لم يحتج إلى التحديد لم يذكره لا مع الغسل ولا المسح كما في الوجه والرأس. فإن قلت: استيعاب المحدود بالمسح على الخف غير واجب بالإجماع، قلت: فائدة التحديد أن الاقتصار على مسح ما جاوز ذلك غير مجزٍ فليس المطلوب إلا المسح فيما دون الكعبين إلى أطراف الأصابع، فهذا أرجح ما وجدت من الأقوال في تفسير هذه الآية وإعرابها، ورضى في موضع نصب على التمييز أو الحال، أشار إلى ن قراءة النصب ظاهرة الموافقة لما ثبت في السنة، وقراءة الجر خفية الموافقة وهي ما ذكرناه والله أعلم. ٦١٦- وَفي رُسْلُنَا مَعْ رُسْلُكُم ثُمَّ رُسْلهُمْ ... وَفي سُبْلَنَا فِي الضَّمِّ الِاسْكَانُ "حُـ"ـصِّلا يريد: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٤، وضم إلى ذلك ما يناسبه حيث جاء فالإسكان لأبي عمرو في سين هذه الكلمات وفي باء "سبلنا" للتخفيف والباقون بضمها على الأصل، وهما لغتان، وأجمعوا على ضم المضاف إلى ضمير المفرد نحو "رسله"، وعلى ضم ما لا ضمير معه نحو "الرسل"، و"سبل السلام". ٦١٧- وَفِي كَلِمَاتِ السُّحْتِ "عَمَّ نُـ"ـهىً "فَـ"ـتًى ... وَكَيْفَ أَتى أُذْنٌ بِهِ نَافِعٌ تَلا

стр. 437

السحت: ما لا يحل، وإنما قال كلمات السحت؛ لأنه تكرر في مواضع من هذه السورة وفي عم ضمير يعود إلى الإسكان والنهى جمع نهية وهي الغاية والنهاية، والهاء في به للإسكان أيضا؛ أي: كيفما أتى لفظ أذن؛ منكرا أو معرفا مفردا أو مثنى نحو: "وَيَقُولُونَ هُوَ أُذْنٌ"١، "وَالْأُذْنَ بِالْأُذْنِ"٢، "فِي أُذْنَيْهِ وَقْرًا"٣. الضم والإسكان لغتان والله أعلم. ٦١٨- وَرُحْمًا سِوَى الشَّامِي وَنُذْرًا "صِحَابُـ"ـهُمْ ... "حَـ"ـمَوْهُ وَنُكْرًا "شَـ"ـرْعُ "حَـ"ـق "لَـ"ـهُ "عُـ"ـلا ألحق بالألفاظ السابقة ما يشاكلها مما وقع فيه الخلاف المذكور في غير هذه السورة أراد: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ ٤ في الكهف، ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ ٥ في المرسلات، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ٦ في الكهف، ولا خلاف في إسكان عذرا. ٦١٩- وَنُكْرٍ "دَ"نَا وَالعَيْنُ فَارْفَعْ وَعَطْفَهَا ... "رِ"ضًى وَالجُرُوحُ ارْفَعْ "رِ"ضى "نَفَرٍ" مَلا يريد: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ٧ في سورة القمر سكنها ابن كثير وحده قوله: والعين فارفع يريد: ﴿وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ . قوله: وعطفها؛ أي: ومعطوفها: يعني: ما عطف عليها وهو الأنف والأذن والسن. وللرفع ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع على استئناف جملة وعطفها على الجملة السابقة كقولك: فعلت كذا وزيد فعل كذا وعمرو وبكر، قال أبو علي: الواو عاطفة جملة على جملة وليست للاشتراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ولكنها عطفت جملة على جملة كما يعطف المفرد على المفرد. قال: والوجه الثاني: أنه حمل الكلام على المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٨.

стр. 438

فمعنى الحديث: قلنا لهم النفس بالنفس، فحملت العين بالعين على هذا. قلت: لأن "أنَّ" ههنا لو حذفت لاستقام معنى الكلام بحذفها استقامته بثبوتها، وتكون النفس مرفوعة فصارت "أنَّ" هنا كـ "إنَّ" المكسورة في أن حذفها لا يخل بالجملة، فجاز العطف على محل اسمها كما يجوز على محل اسم المكسورة، وقد حمل على ذلك: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١. قال الشيخ أبو عمرو: ورسولُه بالرفع معطوف على اسم "أنَّ" وإن كانت مفتوحة؛ لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، ثم وجّه ذلك وقرره بما سنذكره إن شاء الله تعالى في شرح النظم في النحو، وقال الزمخشري: والعين بالرفع للعطف على محل: ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ ؛ لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس؛ إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأن معنى الجملة التي هي النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما تقع عليه القراءة، قال الزجاج: رفعه على وجهين: العطف على موضع النفس بالنفس وعلى الاستئناف، قال: وفيها وجه آخر: أن يكون عطفا على الضمير في "بالنفس" المعنى أن النفس مأخوذة هي بالنفس والعين معطوفة على هي. قلت: ورفع الجروح على الابتداء، وقصاص: خبره، وعلى قراءة نصب الجروح يكون قصاص خبر أن ولا يستقيم في رفع الجروح. الوجه الثالث وهو: أنه عطف على الضمير الذي في خبر النفس، وإن جاز فيما قبلها وسببه استقامة المعنى في قولك: مأخوذة هي بالنفس والعين مأخوذة بالعين ولا يستقيم، والجروح مأخوذة قصاص هذا معنى قول بعضهم لما خلا وله الجروح وقصاص عن الباقي الخبر خالف الأسماء التي قبلها فخولف بينها في الإعراب، وقال بعضهم: إنما رفع الجروح ولم ينصب تبعا لما قبله فرقا بين الجملة والمفسر، وقيل: خولف ذلك الإعراب؛ لاختلاف الجراحات وتفاوتها، فإذن الخلاف بذلك الاختلاف، قال أبو علي: فأما ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فمن رفعه يقطعه عما قبله؛ فإنه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في قول من رفع: "والعينُ بالعين"، ال: ويجوز أن يستأنف: "وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ" ليس على أنه مما كتب عليهم في التوراة ولكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة في ذلك قال: ويقوي أنه من المكتوب عليهم في التوراة نصب من نصبه. قلت: وفي هذا البيت رضى مرتين فالأول: حال من الضمير في ارفع، والثاني: حال من مفعول ارفع والملا: الأشراف؛ أي: أنه مرضى لهم والله أعلم. ٦٢٠- وَحَمْزَةُ وَلْيَحْكُمْ بِكَسْرٍ وَنَصْبِهِ ... يُحَرِّكُهُ يَبْغُونَ خَاطَبَ "كُـ"ـمَّلا أي: وحمزة يحرك: "وليحكم" بكسر ونصبه، فالهاء في نصبه لحمزة، أو للفظ: "وليحكم" والهاء في يحركه

стр. 439

لقوله: وليحكم فالكسر في اللام والنصب في الميم، وإنما زاد قوله: يحركه لتأخذ ضد التحريك للقراءة الأخرى وهو الإسكان في الحرفين، ولو لم يذكر لكان ضد الكسر الفتح وضد النصب الخفض أراد قوله تعالى: "وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا"١، قرأه حمزة على التعليل؛ أي: لأجل الحكم بما فيه، ﴿آتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ ، وقرأه الباقون على الأمر. وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الخطاب فيه لأهل الكتاب والغيبة: إخبار عنهم، وجعل يبغون كأنه خطاب الكمل مجازا لما كان الخطاب فيه، وعنى بالكمل: أهل الكتاب؛ أي: إنهم أهل علم وفهم فحسن توبيخهم ولومهم لصدهم عن حكم الله تعالى وهم يعلمونه والله أعلم. ٦٢١- وَقَبْلَ يَقُولُ الْوَاوُ "غـ"ـصْنٌ وَرَافِعٌ ... سِوَى ابْنِ العَلا مَنْ يَرْتَدِدْ "عَمَّ" مُرْسَلا يعني: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ﴾ ٣، يثبت الواو في مصاحف أهل العراق دون غيرهم وجعل الواو غصنا؛ لأنها تصل ما بعدها بما قبلها؛ لأنها عاطفة كغصن امتد من شجرة إلى أخرى، ووجه حذف الواو أنه على تقدير سائل سأل: ماذا يقول المؤمنون حينئذ، ورفع يقول ظاهر على الاستئناف، ونصبه أبو عمرو وحده عطفا على: "فَيُصْبِحُوا"٤؛ لأن فيصبحوا منصوب بالفاء في جواب الترجي بعسى، وهذا وجه جيد أفاد به الشيخ أبو عمرو ﵀ ولم أر أحدا ذكره، وذكروا وجوها كلها بعيدة متعسفة قيل: هو عطف على: ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ ٤. ولا يستقيم على ظاهره؛ إذ يبقى التقدير فعسى الله أن يقول الذين آمنوا، فتحيل أبو علي لصحته وجهين تبعه فيهما الناس؛ أحدهما: أنه عطف على معناه؛ لأن معنى: عسى الله أن يأتي وعسى أن يأتي الله واحد فالتقدير: عسى أن يأتي الله، وأن يقول الذين آمنوا، والثاني: أن يكون قوله: "أن يأتي" بدلا من اسم الله تعالى فيكون المعنى كما سبق، وقيل: التقدير: ويقول الذين آمنوا به؛ أي: بالله، وأما الزمخشري فلم يقدر شيئا من ذلك بل أطلق القول بأنه عطف على "أن يأتي"، وذكر ابن الحاس وجها آخر وهو أن يكون عطفا على بالفتح؛ لأن معناه بأن يفتح فأضمر أن قبل يقول؛ ليكون عطف مصدر على مصدر كقوله: للبس عباءة وتقر عيني

стр. 440

وأظن أن الذي حملهم على ارتكاب هذه الأوجه البعيدة وتركهم الوجه الواضح الذي ذكرته أولا اعتقادهم أن "فيصبحوا" ليس نصبا على جواب الترجي؛ لأن الترجي من الله تعالى إيجاب وتحقيق فلم يكن معنى الترجي حاصلا، فيكون ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ عطفا على ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ ، ولا يستقيم عطف "ويقول" على ظاهر قوله: "أَنْ يَأْتِيَ"، فتأولوا هذه التأويلات، ونحن نقول: وإن كان الأمر كذلك فلا يمتنع النصب اعتبارا بلفظ الترجي وهذا متعين في تعليل قراءة عاصم: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ١. بالنصب في سورة عبس فهو في جواب: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٢. فكذا ههنا والله أعلم. وقول الناظم: ورافع سوى ابن العلا: رافع خبر مقدم والمبتدأ قوله: سوى ابن العلا؛ أي: غير ابن العلا رافع ليقول وفي هذه العبارة نظر؛ فإن أكثر النحويين يقولون: إن سوى التي بمعنى غير لازمة للنصب على الظرفية، فلا يجوز أن يليها عامل يقتضي غير ذلك إلا أن المختار خلاف ما ذكروه، ففي أبيات الحماسة: ولم يبقَ سوى العدوان فإذا جاز وقوع سوى فاعلة جاز وقوعها مبتدأة، وأما: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ٣. فرسم بدالين في مصاحف المدينة والشام، وبدال واحدة في المصاحف الباقية فكل من القراء وافق مصحفه وهما لغتان: الإدغام لتميم والإظهار لأهل الحجاز، وقد جاء التنزيل بالأمرين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ ٤، ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ ٥. والمرسل: المطلق؛ يعني: أنه أطلق من عقال الإدغام، والضمير في عم؛ لقوله: من يرتد ثم بين قراءة الباقين فقال: ٦٢٢- وَحُرِّكَ بِالإِدْغَامِ لِلغَيْرِ دَالُهُ ... وَبِالخَفْضِ وَالكُفَّار "رَ"اوِيهِ "حَـ"ـصَّلا يعني: الدال الثانية حركت بالفتح مصاحبة لإدغام الأولى فيها، فالباء في بالإدغام باء المصاحبة مثل: دخل عليه بثياب السفر وليست باء الاستعانة بالآلة نحو: كتبت بالقلم؛ فإن الإدغام لا يصلح آلة للتحريك، فإن قلت: من أين علم أن مراده بالتحريك الفتح قلت: لأنه ذكره غير مقيد وذلك هو الفتح في اصطلاحه

стр. 441

كما سبق في شرح الخطبة، وإنما فتحت الدال الثانية؛ لسكون الأولى قبلها بسبب الإدغام ويجوز كسرها لغة لا قراءة: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ ١. بخفض الراء عطفا على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٢. وبالنصب عطفا على: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ ٣. والواو في "والكفار" من التلاوة، وهي مبتدأ، والتقدير: والكفار بالخفض راويه حصله والله أعلم. ٦٢٣- وَبَا عَبَدَا اضْمُمْ واخْفِضِ التَّاء بَعْدُ "فُـ"ـزْ ... رِسَالَتَهُ اجْمَعْ وَاكْسِرِ التَّا "كَـ"ـمَا "ا"عْتَلا يريد: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٤، اضمم باء عبد، واخفض التاء من الطاغوت فيكون عبدا اسما مضافا إلى الطاغوت ويكون معطوفا على القردة، وهو المبالغ في العبودية المنتهي فيها كما يقال فطن وحذر للبليغ في الفطنة، قال طرفة: أبني لبينى إن أمكمُ ... أمة وإن أباكم عبدُ وعبد في قراءة الجماعة فعل، والطاغوت مفعول والجملة عطف على صلة من وأما: "فما بلغت رسالاته"٥ بالجمع فظاهر؛ لأنه أريد جمع ما أرسل به من التوحيد والأحكام، وما يشتمل عليه ذلك أنواع كثيرة، والإفراد يدل على ذلك أيضا؛ لأن رسالته ﷺ تضمنت تلك الأشياء كلها، واستعمل الناظم لفظ الكسر في العبارة عن حركة التاء في الجمع، واستعمل لفظ الفتح في العبارة عن حركة المفرد في قوله في سورة الأنعام: "رسالات" فردوا "فتحوا" دون علة، والحركتان في الموضعين حركتا إعراب على القراءتين في كل حرف منها، ووجهه أن كل كلمة منهما في القراءتين منصوبة، غاية ما في الأمر أن علامة النصب في إحداهما فتحة وفي الأخرى كسرة، فلفظ في الموضعين بعلامة النصب في إحدى القراءتين؛ لتأخذ ضدها في القراءة الأخرى، ولو قال: انصبوا لتحير السامع؛ إذ القراءة الأخرى في الموضعين منصوبة، ومثل ذلك قوله في الأعراف: ويقصر ذريات معْ فتح تائه، والله أعلم.

стр. 442

٦٢٤- "صَـ"ـفَا وَتَكُونُ الرَّفْعُ "حَـ"ـجَّ "شُـ"ـهُودُهُ ... وَعَقَّدْتُمُ التَّخْفِيفُ "مِـ"ـنْ "صُحْبَةٍ" وَلا صفا من جملة رمز من قرأ رسالاته بالجمع وهم: بن عامر ونافع وأبو بكر، وأما: "وحسبوا أن لا تكون فتنة"١، فنصبه ورفعه؛ لوقوع حرف "أن" قبله من بعد فعل الحسبان، وما كان كذلك جاز فيه الوجهان، فالنصب بناء على أن "أن" هي الناصبة للأفعال المضارعة، والرفع بناء على أن "أن" هي المخففة من الثقيلة، وأما إذا جاءت أن بعد فعل علم، فالرفع لا غير نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٢، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ٣، وفي غير ذلك النصب لا غير نحو: ﴿أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي﴾ ٤، ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ ٥، ولم يختلف في نصب: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ٦، ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ ٧، وأما: "عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ"٨، فالتخفيف فيه والتثقيل سيان، وفي التشديد معنى التكثير والتكرير، وقوله: عقدتم مبتدأ، والتخفيف بدل منه بدل اشتمال أو مبتدأ ثانٍ؛ أي: التخفيف فيه وخبره ولا؛ أي: متابعة من صحبة النقل، ويجوز أن يكون التقدير ظهر من صحبة متابعة فيكون: ولا حالا ومن صحبة خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون من صحبة متعلقا بالتخفيف والخبر ولا ويجوز أن يكون التخفيف: خبر وعقدتم؛ أي: هو ذو التخفيف من صحبة وولا على هذا حال والله أعلم. ٦٢٥- وَفي العَيْنِ فَامْدُدْ "مُـ"ـقْسِطًا فَجَزَاءُ نَو ... وِتُوا مِثْلُ مَا فِي خَفْضِهِ الرَّفْعُ "ثُـ"ـمَّلا يعني: في عن عقدتم؛ أي: اتبع فتحها، فيتولد منها ألف عبر عنها بالمد وجعل المد في العين تجوزا، وهو على المعنى الذي ذكرناه في قوله: ولا ألف في هاء هأنتم يعني: أن ابن ذكوان زاد ألفا بعد العين وهو ممن خفف القاف، فتصير قراءته "عاقدتم"، وهو بمعنى عقدتم، أو يكون من اثنين على أصل فاعلتم، فههنا ثلاث قراءات والذي سبق في سورة النساء فيه قراءتان المد والتخفيف، والثالثة هنا التشديد، والمقسط: العادل، وثملا حال من الضمير في نونوا وهو جمع ثامل، وهو المصلح والمقيم أيضا يقال: ثمل يثمل بضم الميم وكسرها

стр. 443

في المضارع ثملا فهو ثامل، وقوله: مثل ما في خفضه الرفع جملة معترضة بين الحال وصاحبها وانتظامها كانتظام قولك: زيد في داره عمرو؛ أي: قرءوا: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ ١ بتنوين "جزاء"، ورفع "مثل"، فمثل في هذه القراءة صفة جزاء وكذا من النعم؛ أي: فعليه جزاء مماثل ما قتل، وذلك الجزاء من النعم، والقراءة الأخرى بإضافة جزاء إلى مثل، وقد أشكلت على قوم حتى قالوا الجزاء إنما هو للصيد لا لمثله من النعم، ووجهها أنها إضافة تخفيف؛ لأن مثل مفعول جزاء أصله: فجزاء مثل ما أتى فعليه أن يجزي المقتول مثله من النعم فمن النعم على قراءة الإضافة يجوز أن يكون متعلقا بالجزاء ويجوز أن يكون صفة له كما أنه متعين للصفة على قراءة التنوين، وسببه أنك إذا نونت جزاء فقد وصفته بمثل ومتى وصف المصدر أو أكد أو عطف عليه امتنع تعلق شيء به نص أبو علي على ذلك كله، وعلى قراءة الإضافة لم يوصف فجاز تعلق من النعم به وجرى هنا بمنزلة قضى، فكما تقول: قضيت زيدا حقه كذا تقول: جزيت الصيد مثله فظهر أن تقدير الآية فعليه أن يجزى المقتول مثله من النعم، ثم حذف المفعول الأول لما في قوة الكلام من الدلالة عليه ثم أضيف الجزاء إلى المثل تخفيفا كما تقول أعجبني عزمك على إكرام زيد غدا، وقال أبو علي: هو من قولهم: أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك فكذا إذ قال: "فجزاء مثل ما قتل" فالمراد جزاء ما قتل فالإضافة كغير الإضافة قال ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر فأضفته إلى المثل كما تضيف المصدر إلى المفعول به لكان في قوله: من جر مثلا على الاتساع الذي وصفنا؛ أي: يكون مثل زائد والله أعلم. ٦٢٦- وَكَفَّارَةُ نَوِّنْ طَعامِ بَرَفْعِ خَفْـ ... ـضِهِ دُمْ "غِـ"ـنىً وَاقْصِرْ قِيَامًا "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا يريد: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ٢، الكلام في القراءتين هنا بالتنوين والإافة كما سبق في البقرة: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾ ٣. ولكن مساكين في هذه السورة لا خلاف في جمعه، وقوله: دم غنا؛ أي: غنيا أو دام غناك بالعلم والقناعة، إن القنوع الغناء لا كثرة المال، القناعة كنز لا ينفد، وتقدم الكلام في سورة النساء في "قياما" وقيما، والملا بضم الميم جمع ملأة وهي الملحفة كنى بها عن حجج القراء؛ لأنها تسترها من طعن طاعن كما تستر الملا والله أعلم. ٦٢٧- وَضَمَّ اسْتُحِقَّ افتح لَحِفْصٍ وَكَسْرُهُ ... وَفي الأَوْلَيانِ الأَوَّلِينَ "فَـ"ـطِبْ "صِـ"ـلا

стр. 444

يعني: افتح الياء المضمومة والحاء المكسورة، وكان يمكنه أن يقول: وتاء استحق افتح لحفص وحاءه ولكن المعنى كان يختل في التاء دون الحاء فإن ضد الفتح الكسر والتاء في قراءة غير حفص مضمومة فاحتاج أن يقول وضم استحق، ثم قال: وكسره فهو أولى من أن يقول: وحاءه؛ لوجهين: أحدهما المقابلة بين حركتي الضم والكسر، والثاني زيادة البيان لقراءة الغير، وإذا ابتدئت هذه الكلمة كسرت همزتها في قراءة حفص، وضمت في قراءة غيره، وأرادوا: قرأ "الأولين" في موضع "الأوليان" أو "الأولين" استقر مكان "الأوليان" وأراد بالصلا الذكاء؛ لأنهم يقولون هو يتوقد ذكاء أو أراد نار الضيافة كقوله: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجَّجَا وهو إشارة إلى حصول العلم منه، فموضع صلا نصب على التمييز أو الحال مثل دم غنا ودم يدا، والأوليان على قراءة حفص ﵀ فاعل استحق كأنهما استحقا على أصحابهما أن يقيموهما للشهادة والأوليان تثنية الأولى وهو في غير قراءة حفص مفعول ما لم يسم فاعله على حذف مضاف؛ أي: استحق عليهم إقامة الأولين منهم للشهادة وقيل: بدل من آخران أو من الضمير في يقومان أو على تقديرهما الأوليان، وقيل: هو مبتدأ خبره آخران المقدم عليه؛ أي: فالأولياء آخران، وقيل هو صفة لآخران وإن كان لفظه نكرة؛ لأنه قد اختص بالصفة في قوله: يقومان، ومرفوع استحق على هذه الأقوال غير القول الأول محذوف؛ أي: استحق عليهم الإثم فاستغنى عنه بقوله: عليهم كما تقول: جنى عليهم، وقيل معناه استحق خصومهم الحق عليهم والأولين في قراءة حمزة وأبي بكر صفة الذين استحق؛ لأنهم أول المذكورين في القصة، وهم أولياء الميت أو؛ لأنهم هم الذين دفعوا الحكومة أولا، واعلم أن الآية من أشكل آي القرآن تفسيرًا وإعرابا وفقها، قال أبو محمد مكي في كتاب الكشف: هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلها، قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، قال: وقد ذكرناها مشروحة في كتاب منفرد، قلت: وسأجتهد إن شاء الله تعالى في بيانها وكشف غامضها وتفصيل أحكامها في الكتاب "المذهب في علم المذهب"، أو في كتاب "إيضاح مشكلات الآيات". ٦٢٨- وَضَمَّ الغُيُوبِ يَكْسِرَانِ عُيُونًا الْـ ... ـعُيُونِ شُيُوخًا "دَ"انَهُ "صُحْبَةٌ مِـ"ـلا يعني: أن حمزة وأبا بكر كسرا الغين من الغيوب؛ لما تقدم من التعليل في بيوت، ثم أردفه ما اختلف القراء في كسره من هذا القبيل وهو عيون المنكر والمعرف، نحو: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ١، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ ٢، و"شيوخا" في غافر؛ كسر هذه الثلاثة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان، ومعنى دانه أي: دان به؛ أي: تدين بقراءته؛ أي: دان له؛ أي: أطاعه، وملاء بكسر الميم والمد جمع ملآن، وهو صفة لصحبة يعني: أنهم ملئوا علما، ثم ذكر موضعا آخر فقال:

стр. 445

٦٢٩- جُيُوبِ "مُـ"ـنِيرٍ "دُ"ونَ "شَـ"ـكٍّ وَسَاحِرٌ ... بِسِحْرٌ بِها مَعْ هُودَ وَالصَّفِّ "شَـ"ـمْلَلا أراد: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ١ في النور كسره الجماعة المتقدمون غير أبي بكر وقرأ حمزة والكسائي ساحر في موضع سحر هنا، وفي أول هود: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾ ٢ وفي الصف: ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ ٣. كذلك على تقدير ذو سحر وعبر عنه بالمصدر مبالغة، أو تكون الإشارة إلى ما جاء به وشملل؛ أي: أسرع ساحر بسحر في هذه السورة؛ أي: جاء به أشار إلى رجوع معنى سحر إلى معنى ساحر على ما ذكرناه والله أعلم. ٦٣٠- وَخَاطَبَ في هَلْ يَسْتَطِيعُ "رُ"وَاتُهُ ... وَرَبُّكَ رَفْعُ الْبَاءِ بِالنَّصْبَ "رُ"تِّلا أي قرءوا بالخطاب للكسائي، ومعنى: قرأته ظاهر؛ أي: هل تطلب طاعة ربك في إنزال المائدة يريدون استجابة الله سبحانه دعاءه، وقراءة الجماعة على معنى: هل يطلب ربك الطاعة من نزول المائدة، ويجوز أن يكون عبر عن الفعل بالاستطاعة؛ لأنها شرطه، والمعنى: هل ينزل ربك علينا مائدة من السماء إن دعوته بها، ومثله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ٤؛ أي: ظن أن لن نؤاخذه، فعبر بشرط المؤاخذة هو القدرة على المشروط وهو المؤاخذة، ومثله في حديث الذي أوصى بنيه بتحريقه وتذرية رماده في البحر قوله: لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد؛ أي: لئن حكم بتعذيبي ليكونن عذابا عظيما، ويقول الرجل للرجل بصورة المستفهم: تقدر تفعل كذا؟ وهو يعلم قدرته عليه وإنما معناه افعله فإنك قادر على فعله، وهذا معنى حسن يعم جميع هذه المواضع المشكلة والله أعلم، ومثل ذلك في الإشكال ما رواه الهيثم بن جمار وهو ضعف عن ثابت عن أنس أن أبا طالب مرض فعاده النبي ﷺ فقال: يا ابن أخي ادع ربك الذي تعبد فيعافيني فقال: "اللهم اشف عمي"، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخي إن ربك الذي تعبد ليطيعك، قال: "وأنت يا عماه لو أطعته" أو قال: "لئن أطعته" أو قال: "لئن أطعت الله ليطيعنك"؛ أي: ليجيبنك إلى مقصوده والله أعلم. ٦٣١- وَيَوْمَ بِرَفْعٍ "خُـ"ـذْ وَإِنِّي ثَلاثُها ... وَلِي وَيَدِي أُمِّي مُضَافَاتُها العُلا

стр. 446

يريد: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ . فارفع على أن يوم خبر هذا؛ أي: هذا اليوم يوم ينفع الصادقين وهو يوم القيامة والنصب على الظرف؛ أي: قال الله تعالى ما تقدم ذكره في هذا اليوم، أو قال الله: هذا الذي قصصته عليكم ينفع ذلك اليوم وقال الفراء: يوم خبر المبتدأ على معنى قراءة الرفع وإنما بني على الفتح لإضافته إلى غير اسم يعني: إلى غير اسم متمكن، ومنع البصريون بناء ما يضاف إلى المضارع وخصوا ذلك بالمضاف إلى الماضي نحو: على حين عاتبت؛ لأن المضارع معرب، والماضي مبني فسرى البناء إلى ما أضيف إليه، ثم ذكر الناظم ياءات الإضافة وهي ست؛ منها ثلاث في لفظ إني، فهذا معنى قوله: وإني ثلاثها فالضمير في ثلاثها يعود إلى إني الأولى: "إني أخاف" فتحها الحرميان وأبو عمرو، والأخريان: "إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ"١، "فَإِنِّيَ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا"٢، فتحهما نافع وحده. والثلاث الأخر: "مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أَقُولَ"٣، فتحها الحرميان وأبو عمرو. ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ ٤ فتحها نافع وأبو عمرو وحفص. ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ ٥ فتحها هؤلاء وابن عامر. وفيها زائدة واحدة: "وَاخْشَوْنِيَ وَلا تَشْتَرُوا" أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده. وقلتُ في ذلك: فياءاتها ست وفيها زيادة ... وعبر عنها قوله اخشون مع ولا

стр. 447

سورة الأنعام: ٦٣٢- وَ"صُحْبَةُ" يُصْرَفْ فَتْحُ ضَمٍّ وَرَاؤُهُ ... بِكَسْرٍ، وذكِّر لَمْ يَكُنْ شَاعَ وَانْجَلا أي الذي صحب يصرف فتح يائه وكسر رائه كما تقول: صحبة زيد عمرو وبكر: وإنما قال: فتح ضم، ولم يقل فتح ياء لما ذكرناه في فتح ضم استحق يريد قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ ١، قراءة صحبة على معنى من يصرف الله عنه العذاب، وقراءة الباقين على بناء الفعل للمفعول، وأما: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ٢، فقراءة حمزة والكسائي "يكن" بالياء، وهذا معنى التذكير الذي أشار إليه بقوله: وذكر؛ فإن الباقين قرءوا بالتاء على التأنيث، فاسم يكن على قراءتهما قوله: أن قالوا، وفتنتهم الخبر، وأما قراءة الباقين فمن نصب فتنتهم فهذا وجهها، ومن رفع فتنتهم جعلها الاسم والخبر: أن قالوا والله أعلم. ٦٣٣- وَفِتْنَتُهُمْ بالرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "دِ"ين "كَـ"ـامِلٍ ... وَبَا رَبِّنا بِالنَّصْبِ "شَـ"ـرَّفَ وُصَّلا من رفع الفتنة مع تأنيث يكن فقراءته ظاهرة ومن نصبها ففي قراءته إشكال؛ فإن الاسم إن قالوا وهو مذكر فما وجه التأنيث؟ وهي قراءة أبي عمرو ونافع وأبي بكر، فقال أبو علي: أنث أن قالوا: لما كان الفتنة في المعنى وفي التنزيل: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٣. وقال لبيد: فمضى وقدَّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها فأنث الإقدام لما كان العادة في المعنى قال: وقد جاء في الكلام: ما جاءت حاجتك فأنث ضمير ما حيث كان الحاجة في المعنى ونصب الحاجة مثل ذلك قولهم: من كانت أمك؟ فأنث ضمير من حيث كان، الأم، ومثله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ ٤.

стр. 448

قال الزجاج: ويجوز أن يكون تأويل أن قالوا إلا مقالتهم؛ أي: فيؤنث الفعل على هذا التقدير؛ لأن المقالة مؤنثة والنصب في: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ . على النداء أو بإضمار أعني، والخفض على النعت والثناء، وقوله: وصلا جمع واصل وهو مفعول شرف والفاعل ضمير يعود على الباء؛ أي: شرف هذا النداء الواصلين إلى الله لا هؤلاء الكفرة. ٦٣٤- نُكَذِّبُ نَصْبُ الرَّفْعِ "فَـ"ـازَ "عَـ"ـلِيمُهُ ... وَفِي وَنَكُونَ انْصِبْهُ "فِـ"ـي "كَـ"ـسْبِهِ "عُـ"ـلا أي انصب الرفع، وكان يمكنه أن يقول: وفي ونكون النصب، ولكن كان يلزم من تلك العبارة أن يكون ضده الخفض، ولما قال: انصبه علم أن القراءة الأخرى الرفع والرفع في الفعلين على العطف على: "نُرَدُّ". أي: يا ليتنا نرد ونوفق للإيمان والتصديق أو يكون على القطع؛ أي: ونحن لا نكذب ونكون من المؤمنين؛ أي: قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدا، ومنه قولهم: دعني ولا أعود، ويجوز أن يكونا في موضع الحال؛ أي: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، والنصب فيهما على جواب التمني بالواو وابن عامر نصب "ونكون" على الجواب ورفع ولا نكذب على ما سبق من الوجوه الثلاثة، ويشكل على قراءة النصب وعلى قراءة الرفع أن جعلنا الجميع متمنٍ، أو قلنا الواو للحال، قوله سبحانه بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١. والمتمني لا يوصف بصدق ولا كذب، فيحمل ذلك على أنه استئناف إخبار عنهم بصفة ذم من جملة صفاتهم كما لو قال: "وإنهم لظالمون". ٦٣٥- وَلَلدَّارُ حَذْفُ اللامِ الُاخْرَى ابْنُ عَامِرٍ ... وَالَاخِرَةُ المَرْفُوعُ بِالخِفْضِ وُكِّلا يعني: حذف ابن عامر لام التعريف، وأبقى لام الابتداء، وأضاف الدار إلى الآخرة على تقدير: ولدار الساعة الآخرة أو لدار الحياة الآخرة، وكتبت في مصاحف الشام بلام واحدة وقراءة الجماعة بالتعريف وجعل الآخرة صفة للدار. ٦٣٦- وَ"عَمَّ عُـ"ـلًا لا يَعْقِلُونَ وَتَحْتَها ... خِطابًا وَقُلْ فَي يُوسُفِ "عَمَّ نَـ"ـيْطَلا

стр. 449

علا: تمييز أو حال؛ أي: عم علاه أو عاليا وفاعل عم لا يعقلون، وخطابا أيضا حال؛ أي: مخاطبا وذا خطاب، ويجوز أن يكون خطابا تمييز على قولنا: إن علا حال ونيطلا أيضا تمييز؛ أي: نصيبا، وقال الشيخ: هو مفعول من أجله؛ أي: عطاء؛ لأنه يستعمل في العطاء وأصله للدلو ثم استعير للنصب كما قال تعالى: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ ١. والغيبة والخطاب في ذلك ظاهران، ولفظه في السور الثلاث: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . وبعده في الأنعام: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ ٢. وفي الأعراف وهي المراد بقوله: وتحتها؛ أي: تحت هذه السورة بعده: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ ٣. وبعده في يوسف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ٤. الخطاب في الثلاث لعم علا، وتابعهم أبو بكر في يوسف والذي في يس لابن ذكوان ونافع وذلك قوله: ٦٣٧- وَيَاسِينَ "مِـ"ـنْ "أَ"صْلٍ وَلا يُكْذِبُونَكَ الْـ ... ـخَفِيفُ "أَ"تى "رُ"حْبًا وَطَابَ تأَوُّلا يعني: الذي بعده: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ ٥، وبقي موضع آخر في القصص ذكره في سورته: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٦. الخطاب فيه لغير أبي عمرو وأما: "فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ"٧ فالتخفيف فيه والتشديد من باب واحد: أكذَبَ وكذَّبَ مثل: أنزل ونزل، وتأولا تمييز ورحبا حال من الضمير في أتي العائد على يكذبونك أو مفعول به؛ أي: صادف مكانا رحبا من صدور قرائه لقبولهم له،

стр. 450

وتوجيههم لمعانيها إذ يحتمل أن يكون من أكذبته؛ أي: وجدته كاذبا وأكذبته أيضا إذا نسبته إلى الكذب كقول الكميت: فطائفة قد أكفرتني بحبكم أي نسبتني إلى الكفر. ٦٣٨- أَرَيْتَ فِي الِاسْتِفْهَامِ لا عَيْنَ "رَ"اجِعٌ ... وَعَنْ نَافِعٍ سَهِّلْ وَكَمْ مُبْدِلٍ جَلا يعني: إذا جاء لفظ رأيت أو رأيتم بعد همزة الاستفهام فالكسائي وحده يسقط عين الكلمة وهي الهمزة؛ لأنها عين الفعل تخفيفا لاجتماعها مع همزة الاستفهام وهي لغة للعرب مشهورة كقوله: أرَيت امرءا كنت لم أبله ... أتاني فقال اتخذني خليلا وقد أجمع على إسقاطها في المضارع نحو "يرى" مع الاستفهام وغيره فلم ترجع في الماضي في هذا الموضع وهو الاستفهام فقوله: راجع صفة لعين؛ أي: باعتبار الموضع، ويحوز نصبه على هذا نحو: لا رجل ظريفًا فيها ولا رجل ظريفٌ فيها كلاهما لغة، وخبر لا محذوف،؛ أي: راجع فيه ولو جعلت راجع خبر لا لم يبق عائد إلى المبتدأ الذي هو رأيت فهذا كقولك: زيد لا غلام ظيف له أو في الدار، ويجوز أن يكون راجع خبر المبتدأ ولا عين على تقدير لا عين فيه جملة حالية،؛ أي: رأيت محذوف العين راجع في المعنى إلى الثابت العين؛ لأنهما لغتان بمعنى واحد، وهذا الوجه أولى؛ ليكون قد رمز بعد كمال التقييد، وعلى الوجه الأول يلزم أن يكون راجع من جملة التقييد وهو رمز، وليس ذلك من عادته، ولأن هذا الباب لو فتح للزم أن تكون كلمات التقييد رمزا وإلا فجعل البعض رمزا دون بعض فيه إلباس، وقد سبق التنبيه على أن لفظ فيه في قوله: وكسر لما فيه ملبس وأنه لو قال: فضم سكونا فيه لكان فيه محتملا للتقييد وهو رمز، وأما قوله: وفي ونكون انصبه فلو لم يكن ظاهرا كل الظهور أن لفظ النصب لا يأتي إلا بيانا للقراءة وتقييدا لها، وإلا لأوهم أنه رمز نافع، ولم تكن له حاجة بذلك البيان فإن الكلمة التي قبلها مثلها في القراءة، فكانت الثانية داخلة في قيدها وهذه عادته كقوله فيما يأتي: إذا فتحت شدد لشام وههنا، فتحنا ولم يحتج أن يعيد لفظ شدد، وكذا: وإن بفتح عم نصر أو بعدكم نما، وكذا: وينذر صندلا، ولم يحتج أن يقول بالغيب، وقال بعضهم تقدير البيت: اذكر رأيت كائنا في الاستفهام ثم قال: وعن نافع سهِّل؛ أي: جعل الهمزة التي أسقطها الكسائي بين بين على قياس تخفيف الهمز وأبدلها جماعة من مشايخ مشيخة المصريين لورش ألفا وهذا على ما تقدم له من الخلاف في "أنذرتهم" "وأنتم" والله أعلم. ٦٣٩- إِذَا فُتِحَتْ شَدِّدْ لِشَامٍ وَههُنَا ... فَتَحْنا وَفِي الأَعْرَافِ وَاقْتَرَبَتْ كَلا يعني: ﴿إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ١، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ٣، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ ٤.

стр. 451

والتخفيف والتشديد في كل ذلك لغتان ومن عادته أن يجمع النظائر مقدما لما في سورته مهما أمكن، وهنا لم يمكنه فقدم الذي في الأنبياء، ثم رجع إلى ما في سورة الأنعام وغيرها ومعنى كلا حفظ وهو مهموز كما قال تعالى: "قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ"١، ولكن وقف عليه، فأبدل من الهمزة ألفا؛ لسكونها والله أعلم. ٦٤٠- وَبِالغُدْوَةِ الشَّامِيُّ بِالضَّمِّ ههُنا ... وَعَنْ أَلِفٍ وَاوٌ وَفِي الكَهْفِ وَصَّلا أي يقرأ ابن عامر بالغدوة والعشي بضم الغين وسكون الدال، وبالواو موضع الألف فتصير بالغدوة، ولم ينبه على كون الدال ساكنة استغناء باللفظ به، وكان له أن يستغني أيضا باللفظ عن ذكر الضم والواو، وإنما ذكرهما؛ لتعرف القراءة الأخرى فيه بالضم على الفتح، ونص على الألف بدلا عن الواو، وبقي فتح الدال استغنى عن التنبيه عليه؛ لأن الألف لا يكون قبلها إلا مفتوح أو تركه؛ لأنه قد لفظ بالدال في قراءة ابن عامر ساكنة فكأنه قال بسكون الدال، ولو قال ذلك لكان ضدا؛ لكون المطلق الحركة المطلقة وهي الفتح، ومعنى قوله: عن ألف واو؛ أي: وثبت له بدلا عن واو ثم قال: "وفي الكهف وصلا"؛ أي: اتبع الذي في الكهف الذي في الأنعام، فقرأ ذلك كما قرأ هذا أو وفي الكهف وصل هذه القراءة إلينا، ورسمت الغدوة بالواو في جميع المصاحف كالصلوة والزكوة والحيوة، قال الفراء في سورة الكهف من كتاب المعاني: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي بالغدوة والعشي ولا أعلم أحدا قرأ بها غيره، والعرب لا تدخل الألف واللام في الغدوة؛ لأنها معرفة بغير ألف، ولام سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة قط يعني: بردا أصابه، يريد: كغداة يومه ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذلك لا تدخلها الألف واللام إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس ولا يقولون غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة، وقال أبو عبيد: كان عبد الله بن عامر وأهل الشام أو كثير منهم يقرءونها بالغدوة على واو كذلك يروى عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأما القراءة فعلى غير هذا قرءوا جميعا بالغداة قال: وكذلك هي عندنا، وإنما نرى ابن عامر والسلمي قرءا تلك القراءة اتباعا للخط، قال: والذي نقول به ليس في إثباتهم الواو في الكتاب دليل على القراءة بها؛ لأنهم قد كتبوا: الصلوة والزكوة بالواو، ولفظهما على تركها، وكذلك الغداة على هذا وجدنا ألفاظ العرب، قال ابن النحاس: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عامر ومالك بن دينار بالغدوة، قال: وباب غدوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكر الأسماء الأعلام فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف، وعشى وعشية نكرتان لا غير، قال أبو علي: وجه دخول لام المعرفة عليها أنه قد يجوز -وإن كان معرفة- أن ينكر كما حكاه زيد من أنهم يقولون: لقيته فينة والفينة بعد الفينة، ففينة مثل الغدوة في التعريف بدلالة امتناع الانصراف، وقد دخلت عليه لام التعريف، وذلك أن يقدر من أمة كلها له مثل هذا الاسم، فيدخل التنكير لذلك، وقول من قال: بالغداة أبين قال سيبويه: زعم الخليل أنه يجوز أن يقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة،

стр. 452

فجعلهما بمنزلة ضحوة، قال أبو العباس المهدوي: حكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكره، فيقول: رأيته غدوة بالتنوين، وبذلك قرأ ابن عامر نكرة، فأدخل عليها الألف واللام والله أعلم. ٦٤١- وَأَنَّ بِفَتْحٍ "عَمَّ نَـ"ـصْرًا وَبَعْدُ"كَـ"ـمْ ... "نَـ"ـما يَسْتَبِينَ "صُحْبَةٌ" ذَكَّرُوا وِلا نصرًا تمييز أو حال كما تقدم في وعم علا، ونما أي: ورد من قولهم: نما الحديث قال: من حديث نمى إلي عجيب؛ أي: كم مرة نمى؛ أي: نقل أراد أنه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ ١ والذي بعده: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، قرأهما ابن عامر وعاصم بالفتح ونافع فتح الأول وكسر الثاني، والباقون بكسرهما فكسرهما معا ظاهر، أما الأول فوقع مستأنفا على وجه التفسير والثانية واقعة بعد فاء الجزاء، فكانت مكسورة كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ٢، أجمعوا على كسرها وهذا وجه كسر نافع لها، وأما فتح الأول فعلى البدل من الرحمة أو على تقدير لأنه، وفتحت الثانية وإن كانت بعد فاء الجزاء على حذف مبتدأ؛ أي: فأمره "أنه غفور رحيم" أو على تقدير حذف الخبر، فالغفران حاصل له، وقد أجمع على الفتح في: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ ٣، ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ ٤. ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ ٥. ودخلت الفاء في: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ على حد دخولها في: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ﴾ .

стр. 453

على قول من جعله توكيدا لقوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ إلا أن هذا ليس مثل: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ ؛ لأن هذه لا شرط فيها، وتلك فيها شرط فيبقى بغير جواب فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفور له، ومنهم من جعل الثانية معطوفة على الأولى بالفاء، وكل هذا تكلف، والوجه ما قدمناه، وأجاز الزجاج كسر الأولى مع فتح الثانية وإن لم يقرأ به، وأما: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ ، فذكره صحبة متابعة للرواية؛ أي: قرءوه بالياء؛ لأن لفظ السبيل مذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ١، ومن قرأه بالتاء أنثوه كما جاء: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ ٢، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ٣. وكل هذا على قراءة من رفع سبيل على أنه فاعل تستبين وهم كل القراء غير نافع على ما سيأتي في أول البيت الآتي وأما قراءة نافع بنصب سبيل فعلى أنها مفعول تستبين والتاء للخطاب لا للتأنيث؛ أي: ولتستبين "أنت" سبيل المجرمين،؛ أي: تتبينها وتعرفها، فقول الناظم: "صحبة ذكّروا" يريد أن غيرهم أنثوا ونافع لم يؤنث، وإنما جاء بتاء المخاطبة، ولكن العبارة ضاقت عليه فلم يمكنه التنبيه عليه واغتفر أمره؛ لأن قراءته كقراءة الجماعة لفظا بالتاء إلا أنهما يفترقان في المعنى، وذلك لا يقدح في التعريف بصورة القراءة، وقوله: ولا؛ أي: متابعة، وهو في موضع نصب على الحال أو هو مفعول من أجله والله أعلم. ٦٤٢- سَبِيلَ بِرَفْعٍ "خُـ"ـذْ وَيَقْضِ بِضَمِّ سَا ... كِنٍ مَعَ ضَمِّ الكَسْرِ شَدِّدْ وَأَهْمِلا مضى الكلام في رفع سبيل ونصبه وأما يقضي الحق، فقرئ بضم الساكن وهو القاف وبضم الكسر في الصاد مع تشديد الصاد وإهمالها، وهو أن تجعلها غير منقوطة فتعود صادا، فتصير الكلمة يقص من القصص من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٤. وبمعنى الإتباع من قوله سبحانه:

стр. 454

﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ ١؛ أي يتبع الحق فيما يفعل، والقراءة الأخرى من القضاء، والحق: نعت مصدر محذوف؛ أي: يقضي القضاء الحق أو مفعول به على إسقاط الخافض؛ أي: يقضي بالحق كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ٢، وهو مفعول صريح على أن يقضي بمعنى يصنع الحق وتفعله، والياء منه محذوفة في الرسم باتفاق فلهذا احتمل القراءتين، ثم رمز لمن قرأ يقص من القصص في أول البيت الآتي، فقال: ٦٤٣- "نَـ"ـعَمْ "دُ"ونَ "إِ"لْبَاس، وذكر مُضْجِعًا ... تَوَفَّاهُ وَاسْتَهْوَاهُ حَمْزَةُ مُنْسِلا ما أحسن ما عبر عن القراءتين في يقص: وكأنه جعل حسن ذلك حالة نظمه، فقال بعده: نعم دون إلباس، قدر كأن سائلا سأل فقال: هل استوعبت قيود هاتين القراءتين؟ فقال: نعم من غير إلباس بل هو أمر واضح ظاهر، ووقع لي أنه كان غنيا عن تكلف هذه العبارة، وذلك بأن يلفظ بالقراءتين معا فهو أسهل مما أتى فلو قال: سبيل برفع خذ ويقض يقص صا ... د حرمي نصر إذ بلا ياءٍ انزلا لحصل الغرض واجتمع في بيت واحد بيان اللفظين في القراءة ورمزها، وعرف بأن رسمها بلا ياء، ولكن فيما عبر به الناظم ﵀ صناعة حسنة، وأسلوب غريب وأما: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ ٣، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ ٤. فقرأهما حمزة: توفاه واستهواه والخلاف فيهما كالذي سبق في: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ٥، في آل عمران؛ أي: ذكر حمزة لفظ هذا الفعل وأضجع ألفه؛ أي: أمالها على أصله، ولو لم يذكر الإمالة لكان ذلك معلوما من أصله، كما أنه في البيت الآتي لما ذكر الكوفيين قرءوا "أنجانا" في موضع "أنجيتنا" لم يتعرض للإمالة، وكان ذلك مفهوما من باها فحمزة والكسائي يميلان الألف وعاصم لا يميل على أصله، وضد تذكير الفعل تأنيثه وذلك بإلحاق تاء ساكنة آخره فيلزم حذف الألف من آخر الفعل؛ لسكونها، وقوله: منسلا ليس برمز؛ لأنه صرح باسم القارئ ولم يأت بعده بواو فاصلة لظهور الأمر، يقال: انسلت القوم إذا تقدمتهم وهو حال من حمزة والله أعلم. ٦٤٤- مَعًا خُفيَةً فِي ضَمِّهِ كَسْرُ شُعْبَةٍ ... وَأَنْجَيْتَ لِلْكًوِفِيِّ أَنْجى تَحَوَّلا

стр. 455

الضم والكسر في خفية لغتان، وقوله: معًا يعني: هنا وفي الأعراف: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ١، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ٢؛ أي: مظهرين للضراعة والاستكانة ومضمرين ذلك في أنفسكم؛ أي: ادعوا ربكم، وارغبوا إليه ظاهرا وباطنا، وأما التي في آخر الأعراف: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ ٣. فذلك من الخوف بتقديم الياء على الفاء، ووزنه فعلة كجلسة وركبة، فأبدلت الواو ياء لأجل الكسرة قبلها، وأما قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ ٤، فعلى الخطاب، وقراءة الكوفيين على الغيبة أي: أنجانا الله وهما ظاهران؛ أي: وأنجيت تحول للكوفي أنجا وهم في ذلك على أصولهم في الإمالة فيميلها حمزة والكسائي، ولم يبين ذلك كما بين في "توفاه" "واستهواه"، و"فناداه الملائكة"؛ لضيق العبارة عليه والله أعلم. ٦٤٥- قُلِ اللهُ يُنْجِيكُمْ يُثَقِّلُ مَعْهُمُ ... هِشَامٌ وَشَامٍ يُنْسِيَنَّكَ ثَقَّلا أي هشام مع الكوفيين على تشديد "ينجيكم"، وابن عامر وحده على تشديد: "يُنْسِّيَنَّكَ الشَّيْطَانُ"٥، والتخفيف والتشديد فيهما لغتان، أنجى ونجى وأنسى ونسَّى كأنزل ونزَّل وأكمل وكمَّل وأمتع ومتَّع: ٦٤٦- وَحَرْفَيْ رَأَى كُلًّا أَمِلْ "مُـ"ـزْنَ صُحْبَةٍ ... وَفِي هَمْزِهِ "حُـ"ـسْنٌ وَفِي الرَّاءِ "يُـ"ـجْتَلا كلا بمعنى جميعا فهو حال من رأى؛ أي: حيث أتى رأى، فأمال حرفيه؛ أي: أمل حرفي رأى جميعا، وليس كلا تأكيدا لـ "حرفي"؛ لأن تأكيد المثنى إنما يكون بلفظ كلا، ولو أراد ذلك لأتى بلفظ: معا، واتزن النظم به، ولا هو تأكيد لرأي وإلا لكان مخفوضا كما قال: المخلصين الكل فلا يتجه أن يكون كلا هنا إلا بمنزلة جميعا في نحو قوله: عليهم إليهم حمزة ولديهم جميعا، فيكون منصوبا على الحال من رأى، ورأى هنا معرفة؛ أي: وحرفي هذا اللفظ، فجاز نصب الحال عنه، وإن كان مضافا إليه؛ لأنه من باب رأيت وجه القوم جميعا، ومزن صحبة منصوب على الحال أيضا أو على المدح، وكني بالمزن وهو السحاب عن العلم، وعنى بالحرفين الراءَ والهمزةَ، وعلى التحقيق الهمزة غير ممالة وإنما الإمالة في الألف التي بعدها وإنما من ضرورة ذلك

стр. 456

إضجاع فتحة الهمزة والعرب تستحسن إمالة الراء لا سيما إذا كان بعدها ألف ممالة ثم قال: وفي همزة حسن؛ أي: واقتصر على إمالة همز رأى أبو عمرو، وفي إمالة الراء خلاف عن السوسي ومزن صحبة أمالوهما معا والله أعلم. ٦٤٧- بِخُلْفٍ وَخُلْفٌ فِيهِما مَعَ مُضْمِرٍ ... "مُـ"ـصِيبٌ وَعَنْ عُثْمَانَ في الكُلِّ قَلِّلا أي: وعن ابن ذكوان الخلف في إمالة الهمزة والراء معا إذا اتصلت الكلمة بالمضمر نحو: "وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى"١، "رَآهَا تَهْتَزُّ"٢، "فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ"٣. وجه الخلاف بعد الألف عن الطرف باتصال الضمير بها، وعثمان هو: ورش أمال الحرفين حيث جاءت كلمة رأى بين بين نحو: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ ٤، ﴿رَأى نَارًا﴾ ٥. وقوله: بخلفٍ في أول البيت يعني: عن السوسي المرموز في البيت السابق ثم ابتدأ وخلف فيهما فقوله: فيهما خبر المبتدأ إن كان مصيب صفته وإلا فهو صفته إن كان مصيب الخبر، وفي قللا ضمير تثنية يرجع إلى حرفي رأى، والكل هنا هو كلا في البيت السابق. ٦٤٨- وَقَبلَ السُّكُونِ الرَّا أَمِلْ "فِـ"ـي "صَـ"ـفا يَدٍ ... بِخُلْفٍ وَقُلْ فِي الْهَمْزِ خُلْفٌ "يَـ"ـقِي "صِـ"ـلا يعني: إذا وقع "رأى" قبل ساكن نحو: "رَأى الْقَمَرَ"٦، "رَأى الشَّمْسَ"٧، "وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ"٨، "وَإِذَا رَأى الَّذِينَ"، فقد تعذرت إمالة الألف؛ لسقوطها لأجل الساكن وإضجاع الهمز إنما كان لأجل إمالة الألف، فأمال هؤلاء الراء تقدير أن الألف كلها موجودة ممالة بخلف عن السوسي وحده وأما إمالة الهمزة ففيها الخلاف عن السوسي وعن أبي بكر؛ لأنه إذا قدم ذكر الخلف وأطلقه كان لجميع من يأتي بعده، وإن قدم ذكر القراء: اختص الخلف المطلق بالأخير منهم وإن قيد الخلف ظه أمره وخلف السوسي: أنه يميل الراء والهمزة معا ولا يميلهما معا، ومثله الخلف المذكور لهشام في باب الزوائد في إثبات ياء "كيدوني" في الإعراف وصلا ووقفا، أو لا يثبتها وصلا ووقفا، ووجه إمالة الهمزة اعتبار الأصل أيضا؛ فإن التقاء الساكنين عارض، ولينبه على أنه لو وقف على الكلمة لأمال، وقوله: في صفا يد؛ أي: في صفا نعمة، وقوله: يقي صلا يعني: العلم؛ لأن معرفة الخلف تستلزمه؛ أي: يقي صلاء النار إن شاء الله تعالى وصلاء النار حرها صح بالكسر والمد والفتح والقصر.

стр. 457

٦٤٩- وَقِفْ فِيهِ كَالأُولَى وَنَحْوُ رَأَتْ رَأَوْا ... رَأَيْتُ بِفَتْحِ الكُلِّ وَقْفًا وَمَوْصِلا فيه: بمعنى عليه؛ أي: إذا وقفت على هذا الذي لقيه ساكن، فالحكم فيه كالحكم في الكلمة الأولى وهي: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ ١، ونحوه فتميل الحرفين لحمزة والكسائي وأبي بكر وابن ذكوان، وتميل لأبي عمرو فتحة الهمزة وحدها، وأما السوسي فلا يختلف حكمه؛ فإن الخلف له في إمالة الراء في الكلمتين، وورش أمال الحرفين بين بين فهذه تفاصيل مذاهبهم في نحو: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ تطرد في نحو: ﴿رَأى الْقَمَرَ﴾ ٢. إذا وقفت على "رأى"؛ لأن الساكن قد زال، فرجعت الألف فأما إذا كان بعد الهمز ساكن لا ينفصل من الكلمة نحو: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ٣، ﴿رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ٤ و ﴿إِذَا رَأَوْكَ﴾ ٥، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ ٦، و ﴿إِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا﴾ ٧، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ٨، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ ٩، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ ١٠. فكل القراء يفتحون الراء والهمزة؛ لأن الألف التي بعد الهمزة هنا معدومة لا ترجع أبدا وكسر فتحة الهمزة إنما كان لأجل إمالة الألف، وكذلك الذين أمالوا الراء إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم كانوا يميلونها لإمالة الألف أو مع كونها في حكم الموجودة في نحو: "أي القمر"، فأما في موضع سقطت فيه الألف وليست في حكم الموجودة؛ فإنهم فتحوا على الأصل في الوقف والوصل، وقوله: بفتح الكل؛ أي: مقروء بفتح القراء كلهم واقفين وواصلين. ٦٥٠- وَخَفِّفَ نُونًا َبْلَ فِي اللهِ "مَـ"ـنْ "لَـ"ـهُ ... بِخُلْفٍ "أَ"تى وَالحَذْفُ لَمْ يَكُ أَوَّلا يعني نون: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ ١١، ولم يمكنه النطق بالكلمة في نظمه؛ لما فيها من اجتماع الساكنين وذلك لا يقع متزنا، ومثله ما يأتي في سورة

стр. 458

النحل، ومن قبل فيهم يكسر النون نافع، ويشبه ذلك تعبيره عن "ستجدني" بقوله: وما بعده إن شاء؛ لأن في ستجدني خمس متحركات متواليات وذلك ممتنع في الشعر، والأصل: أتحاجونني بنونين الأولى علامة رفع الفعل، والثانية نون الوقاية فللعرب في مثل ذلك ثلاث لغات؛ إبقاء النونين على حالهما كما قال تعالى في سورة سبأ: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ ١، وإدغام الأولى في الثانية على أصل قاعدة الإدغام فيلزم من ذلك النطق بنون مشددة واللغة الثالثة حذف إحدى النونين فبقي نون واحدة مخففة كرهة للتضعيف وقد قرئ بهذه اللغات الثلاث في سورة الزمر: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ ٢. كما يأتي قرئ: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ ٣، في الأحقاف بالإظهار والإدغام دون الحذف ولم يقرأ هنا بالإدغام والحذف وقيل: إن الحذف لغة غطفان، وقوله: من له أتى؛ أي: خفف النون القارئ الذي أتى التخفيف له؛ أي: الذي وصل إليه نقله، وورد إليه خبره وعرفه قراءة، ولغة خلافا لمن أنكر الحذف، وقوله: بخلف يعني: عن هشام وحده لإطلاقه فرجع إلى من يليه وهو المرموز في له دون "من"، وقوله: والحذف لم يك أولا يعني: أن المحذوفة من النونين هي الثانية دون الأولى؛ لأن الاستثقال بها وقع، ولأن الأولى تقوم مقامها في وقاية الفعل وهي دالة على رفع الفعل، ففي حذفها إخلال، ولأن الأولى قد تكون ضمير الفاعل وذلك نون جماعة المؤنث نحو أكرمتني، وقد جاء الحذف في فليتى وتخوفني، والأصل: فليتني فلا ينبغي أن يقال الفاعل حذف، وبقي نون الوقاية، وأيضا فقد حذفت نون الوقاية؛ حيث لم يجتمع مع غيرها في نحو قدى وليتى ولعلى ففهم أنها هي المجترأ على حذفها في جميع المواضع ولا ضرورة تلجئ إلى الكشف عن مثل هذا والبحث عنه، ولكنه من فوائد علم العربية، وقد تعرض له أبو علي في الحجة ويأتي مثل هذا في سورة الحجر. ٦٥١- وَفي دَرَجَاتَ النُّونِ مَعْ يُوسُفٍ "ثَـ"ـوَى ... وَوَالَّليْسَعَ الْحَرْفانِ حَرِّكْ مُثَقِّلا يعني: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ ٤ هنا مع حرف يوسف، وعنى بالنون: التنوين في درجات، وثوى؛ أي: أقام التنوين فيها وتقديرها نرفع درجات من نشاء فيكون درجات منصوبا على التمييز أو الحال؛ أي: ذوي درجات أو على إسقاط الخافض؛ أي: في درجات ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى:

стр. 459

﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا﴾ ١، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ٢، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ﴾ ٣. القراءة الأخرى على إضافة درجات إلى أصحابها فتكون هي المرفوعة، ومنه قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ ٤، وفي الحديث: "اللهم ارفع درجته في عليين ومن رفعت درجته فقد رفع". قوله: ووالليسع لفظ القرآن "واليسع" فأدخل واو العطف الفاصلة على ذلك؛ لتحصل حكاية لفظ القرآن وهي في موضعين: هنا وفي سورة ص، وإليهما أشار بقوله: الحرفان؛ لأن الحرف اصطلاح القراء عبارة عن الكلمة المختلف في قراءتها، وفي إعراب الحرفان نظر وذلك أنه جاء بلفظ الرفع، فلزم أن يكون ووالليسع قبله مبتدأ والحرفان بدل منه بدل الاشتمال كأنه قال: حرفاه؛ أي: موضعاه ويجوز أن يكون مبتدأً ثانيًا؛ أي: الحرفان من هذا اللفظ، ولو قال: الحرفين بالنصب لكان أجود إعرابا وأقل إضمارا؛ فإن قولك: زيدا اضرب بنصب زيد أولى من رفعه بدرجات، وقوله: والليسع حرك مثل زيدا اضرب سواء وأراد بالتحريك فتح اللام؛ لأنه ليس في كلمة اليسع ساكن سواها ومثقلا حال من فاعل حرك؛ أي: مشددا اللام ثم تمم الكلام فقال: ٦٥٢- وَسَكِّنْ "شِـ"ـفَاءَ وَاقْتَدِهْ حَذْفُ هَائِهِ ... "شِـ"ـفَاءً وَبِالتَّحْرِيكِ بِالكَسْرِ "كُـ"ـفِّلا يعني: سكن الياء وضاق عليه النظم عن بيان محل التسكين؛ فإنه محتمل أن يكون في الياء والسين وشفاء حال؛ أي: ذا شفاء، فقرأ حمزة والكسائي على أن اسمه ليسع على وزن لحمر، فدخلت عليه آلة التعريف وعلى قراءة الجماعة يكون اسمه كأنه يسع على وزن يضع، ثم دخله الألف واللام كقوله: رأيت الوليد بن اليزيد وكل هذا من تصرفاتهم في الأسماء الأعجمية، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف، وقال: كذلك وجدنا اسم هذا النبي في الأنباء والأحاديث، وقال الفراء في قراءة التشديد: هي أشبه بأسماء العجم، وقوله: تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٥، الهاء في اقتده هاء السكت فحذفها في الوصل شفاء كما تقدم في "يتسنه"، ومن أثبتها في الوصل أجراه مجرى الوقف، واتبع الرسم، وأجمعوا على إثبات هاء السكت في الوصل في "كتابيه" "وحسابيه" في موضعين

стр. 460

في الحاقة واختلفوا في "ماليه" و"سلطانيه" و"ماهيه" في سورة القارعة على ما يأتي وابن عامر حرك هاء "اقتده" بالكسر، قال ابن مجاهد: يشم الهاء الكسر من غير بلوغ ياء قال وهذا غلط؛ لأن هذه الهاء هاء وقف لا تعرف في حال من الأحوال؛ أي: لا تحرك، وإنما تدخل ليتبين بها حركة ما قبلها، وقال أبو علي ليس بغلط، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق الوقف وحسن إضماره لذكر الفعل الدال عليه، وعلى هذا قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه فالهاء كناية عن المصدر ودل يدرس على الدارس ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأن الفعل قد تعدى إليه اللام فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره كما أنك إذا قلت: زيدا ضربته لم تنصب زيدا بضربت؛ لتعديه إلى الضمير قلت: فالهاء على هذا ضمير الاقتداء الذي دل عليه اقتد، وقيل: ضمير الهدى، وقيل إن هاء السكت تشبه بهاء الضمير فتحرك كما تشبه هاء الضمير بهاء السكت فتسكن، وقوله: كفلا؛ أي: جعل له كافل وهو الذي ينصره ويذب عنه ثم قال: ٦٥٣- وَمُدَّ بِخُلْفٍ "مَـ"ـاجَ وَالكُلُّ وَاقِفٌ ... بِإِسْكَانِهِ يَذْكُو عَبِيرًا وَمَنْدَلا أي: مد كسرة الهاء ابن ذكوان بخلاف عنه، والمد فرع تحريكها، فجرى فيها على القياس؛ إذ هاء الضمير بعد المتحرك موصولة في قراءة "يؤده" و"فألفه"، ونحوهما، وهشام من مذهبه القصر في ذلك فقصرها هنا، وقوله: ماج؛ أي: اضطرب وهو صفة لخلف، وهو من زيادات هذه القصيدة فلم يذكر صاحب التيسير فيه عن ابن ذكوان غير المد، وذكر النقاش عن هشام حذف الهاء كقراءة حمزة والكسائي، وذكر عن ابن ذكوان مثل قراءة نافع وغيره بالإسكان، ويجوز في قراءة الإسكان أن تكون الهاء ضميرًا على ما ذكر في قراءة ابن عامر، وأسكنت كما أسكنت في "فألقه" "ويتقه" ونحوهما، فإذا وقفت على "اقتده" فكلهم أثبتوا الهاء ساكنة؛ لأنها إن كانت هاء السكت فظاهر، وإن كانت ضميرا فالوقف يسكنها فهذا معنى قوله: والكل واقف بإسكانه؛ أي: بإسكان الهاء ويذكو معناه: يفوح من ذكت النار؛ أي: اشتعلت، والعبير أخلاط تجمع بالزعفران، عن الأصمعي وقال أبو عبيدة: هو الزعفران وحده والمندل: العود يقال له المندل والمندلي، ذكره المبرد، وأنشد: إذا ما أخمدت يلقى ... عليها المندل الرطب وقال صاحب الصحاح ﵀: المندلي عطر ينسب إلى المندل، وهي بلاد الهند وانتصب عبيرا، ومندلا على التمييز ويجوز أن يكونا حالين أي: مشبها ذلك والضمير في يذكو للهاء، أو الإسكان وموضع الجملة من يذكو نصب على الحال؛ لأن إثبات الهاء في الوقف ساكنة لا كلام فيه والله أعلم. ٦٥٤- وَتُبْدُونَهَا تُخْفُونَ مَعْ تَجْعَلُونَهُ ... عَلَى غَيْبِهِ "حَـ"ـقًّا وَيُنْذِرَ "صَـ"ـنْدَلا
следующие страницы →