← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5486

شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني - ت عطوة

أبو شامة المقدسي

Полный текст (805 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الأمر الثاني: أن جميع هذه المواضع الأربعة المختلف فيها منصوبة والخلاف واقع في إثبات التنوين وعدمه فقط، أما قوله: وإلى ثمود فمجرور فلا يكفي فيه ذكر التنوين بل لا بد من جره عند من صرفه كما ذكر بعد ذلك في "لثمود" فلم يدخل في مراده والله أعلم، قال سيبويه: وثمود وسبأ هما مرة للقبيلتين ومرة للحيين وكثرتهما سواء، قال أبو علي: فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا، ومن لم يصرف في جميع المواضع فكذلك، وكذلك إن صرف في موضع ولم يصرف في موضع آخر إلا أنه لا ينبغي أن يخرج عما قرأت به القراء؛ لأن القراءة سنة فلا ينبغي أن نحمل على ما تجوزه العربية حتى ينضم إلى ذلك الأثر من قراءة القراء، وقول الناظم: على فصل؛ أي: على قول فصل والله أعلم. واختار أبو عبيد قراءة التنوين في هذه المواضع الأربعة،؛ لأنها رسمت بألف بعد الدال وهو دليل الصرف. ٧٦٣- "نَـ"ـما لِثَمُودٍ نَوِّنُوا وَاخْفِضُوا "رِ"ضا ... وَيَعْقُوبُ نَصْبُ الرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "فَـ"ـاضِلٍ "كَـ"ـلا نما من تتمة رمز الذي في النجم، ثم ابتدأ لثمود أراد: "أَلا بُعْدًا لِثَمُودٍ"؛ صرفه الكسائي فخفضه ونونه موافقة لما قبله وهو: "ألا إن ثمودًا"، وفتحه الباقون غير منون؛ لأنه غير مصروف، وقوله: رضى؛ أي: ذوي رضى، وموضع لثمود نصب ما بعده، وقرئ يعقوب بالنصب والرفع، فالنصب على تقدير: ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق، ودل عليه معنى قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ؛ لأنه في معنى وهبنا، واختاره أبو علي، وذكر وجهين آخرين على ضعف فيهما؛ أحدهما: أن يكون مجرورًا عطفًا على إسحاق، والثاني أن يكون منصوبًا عطفًا على موضع بإسحاق؛ أي: فبشرناها "بإسحاق" ويعقوب من وراء إسحاق، وضعفهما من جهة الفصل بين واو العطف والمعطوف بالظرف فهو كالفصل بين الجار والمجرور، ولو قلت: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو على تقدير وبعمر وأمس لم يحسن ولكن في الشعر يحتمل مثل ذلك كما جاء بكف -يوما- يهودي ومثله في الفصل بين حرف العطف والمرفوع وآونة أثالي وفي المنصوب: ويوما أديمها نغلا في بيتين معروفين أنشدهما أبو علي وغيره الأول لابن أحمر والثاني للأعشى، وله نظير في إعراب بعضهم.

стр. 527

﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١. على أن هادٍ عطف على منذر؛ أي: أنت منذر وهادٍ لكل قوم، وقد مضى في هذه القصيدة وسيأتي نحو من ذلك في نظم الناظم، وذكر وجه العطف جماعة من أئمة العربية، أما قراءة يعقوب بالرفع فعلى الابتداء، وخبره ما قبله؛ أي: مولود لها من وراء إسحاق يعقوب أو يكون فاعل من وراء على قول الأخفش؛ أي: واستقر لها من وراء إسحاق يعقوب، قال أبو جعفر النحاس: وتكون الجملة في موضع الحال، وأظنه في البشارة أي: فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب قال: ويجوز على إضمار فعل؛ أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، وقوله: نصب الرفع؛ أي: نصب رفعه أو نصب الرفع فيه منقول عن فاضل كلأه؛ أي: حفظه. ٧٦٤- هُنا قَالَ سِلْمٌ كسْرُهُ وَسُكُونُهُ ... وَقَصْرٌ وَفَوْقَ الطُّورِ "شَـ"ـاعَ تَنَزُّلا كسره: مبتدأ، وسكونه وقصر عطف عليه، وشاع خبر المبتدأ، وتنزلا تمييز، وفوق الطور: عطف على هنا؛ أي: قوله: "قال سلم" موضع: "قال سلام هنا وفي الذاريات وهما لغتان كحرم وحرام وحل وحلال، وقيل: سلم ضد حرب؛ وذلك لأنه نكرهم فقال: أنا مسالم لكم ورفعه على حكاية قوله؛ أي: سلام عليكم أوامري سلام، ونصب: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ ؛ أي: قولا ذا سلامة لم يقصد فيه حكاية قولهم، وكذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٢. وأما في كل موضع يقصد التسليم فلم يأت الأمر معرفا والأكثر تنكيره: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ ٣،: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٤، ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ ٥، ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ ٦. وجاء معرفا في: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ ٧، ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ٨. وقيل: التقدير: سلمنا سلاما، وله نظائر والله أعلم. ٧٦٥- وَفَاسْرِ أَنِ اسْرِ الوَصْلُ "أَ"صْلٌ "دَ"نا وَهَا ... هُنَا حَقٌّ الا امْرَاتَكَ ارْفَعْ وَأَبْدِلا يريد حيث جاء هذان اللفظان، وجاء فأسر في ثلاث سور هنا: د

стр. 528

﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ١، ومثله في الحجر والدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ ٢. وأما: ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ ؛ ففي طه والشعراء عنى بالوصل: همزة الوصل، ولا يظهر لفظها إلا على تقدير أن تقف على "أن"، فتبتدئ "إسر" بكسر الهمزة، أما إذا وصلت فلا يظهر إلا أثرها، وهو حذفها في الدرج وكسر النون من "أن"؛ لالتقاء الساكنين لورش وغيره، أما في كلمة "فأسر" فلا يظهر أثر إلا في حذفها، وقرأ الباقون بهمزة القطع المفتوحة، فالنون من أن ساكنة على أصلها، لكنها تفتح لحمزة إذا وقف على أن أسر على رواية نقل الحركة له في الوقف والقراءتان مبنيتان على الفعل الذي منه هذا الأمر، وفيه لغتان سرى وأسرى فعلى لغة سرى جاءت همزة الوصل في الأمر كقولك: ارم من رمى، وعلى لغة أسرى جاءت همزة القطع كقولك من أعطى: أعط، ويشهد لـ: "سرى" قوله سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٣. ويشهد لأسرى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ ٤. ويتعلق بهما بحث كما ذكرناه في تفسير آية سبحان فأما قوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ . فقرئ برفع امرأتك ونصبها، فقوله: ههنا احترازًا من الذي في العنكبوت: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ ؛ فإنه منصوب باتفاق؛ لأنه مستثنى من موجب، أما هنا فمستثنى من غير موجب، فجرى فيه الوجهان النصب والرفع كما سبق في سورة النساء: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ، و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، لكن لم يقرأ بالنصب ثَم إلا واحد، وههنا الأكثر على النصب، فلهذا قال جماعة من أئمة العربية: إنه مستثنى من قوله تعالى:

стр. 529

﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ؛ ليكون مستثنى من موجب، وهذا فيه إشكال من جهة المعنى؛ إذ يلزم من استثنائه من: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أن لا يكون أسرى بها وإذا لم يسر بها كيف يقال: "لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ" على قراءة الرفع، فكيف تؤمر بالالتفات، وقد أمر أن لا يسري بها فهي لما التفتت كانت قد سرت معهم قطعا فيجوز أن يكون هو لم يسر بها ولكنها تبعتهم والتفتت، فأصابها ما أصاب قومها، والذي يظهر لي أن الاستثناء على القراءتين منقطع لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكن استؤنف الإخبار عنها بمعنى لكن امرأتك يجري لها كيت وكيت، والدليل على صحة هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناء أصلا فقال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ١. فلم تقع العناية إلا بذكر من أنجاهم الله تعالى، فجاء شرح حال امرأته في سورة هود تبعا لا مقصودا بالإخراج مما تقدم، ونحو ذلك قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٢. قال كثير من المفسرين: إنه استثناء متصل، وبنى قوم على ذلك جواب الاستثناء الأكثر من الأقل؛ لأن الغاوي أكثر من المهتدي، وعندي أنه منقطع بدليل أنه في سورة سبحان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ٣، فأطلق ولم يستثن الغاوين دل على أنه أراد بقوله تعالى: "عبادي": المخلصين المكلفين، وهم ليس للشيطان عليهم سلطان فلا حاجة إلى استثناء الغواة منهم فحيث جاء في الحجر استثناء الغواة كان على سبيل الانقطاع؛ أي: لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان فإذا اتضح هذا المعنى لك علمت أن القراءتين واردتان على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع؛ ففيه لغتان: النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليها الأكثر، والرفع لبني تميم وعليها اثنان من القراء، ولهذا قلت في المنظومة التي في النحو: واحمل على المنقطع الا امرأتُك ... في هود مطلقا فتقوى حجتُك وقول الناظم: ارفع وأبدلا يجوز بضم الهمزة وفتحها؛ فضمها على أنه فعل لم يسم فاعله وفتحها على الأمر والألف في آخره بدل من نون التأكيد الخفيفة، والمعنى: واحكم على المرفوع أنه بدل من أحد

стр. 530

قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ هذا على قول الجماعة إنه مستثنى من ذلك، ولم يختلفوا فيه، وإنما الخلاف بينهم في قراءة النصب منهم من استثناها من ذلك ومنهم من استثناها من: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ، وقوله: "إِلَّا امْرَاتَكَ" أبدل فيه الهمزة ألفا؛ ليتزن له النظم، وقد سمع نحو ذلك من العرب يقولون: المراة والكماة، فيبدلونها ألفا، ولزم من هذه العبارة في نظمه إيهام، وذلك أنه قال: ارفع وأبدلا فيظن أنه أراد ما لفظ به من إبدال الهمزة ألفا وإنما أراد الإبدال من جهة الإعراب ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين، وكأنه قيل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيد وغيره أنها في قراءة ابن مسعود هكذا، وليس فيها: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ ، فهذا دليل على استثنائها من المسري بهم ثم كأنه سبحانه قال: فإن خرجت معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستلتفت ويصيبها ما أصاب قومها فكانت قراءة النصب دالة على ذلك المعنى المتقدم، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعها دال على جملة المعنى المشروح. ٧٦٦- وَفِي سَعِدُوا فَاضْمُمْ "صِحَابـ"ـًا وَسَلْ ... بِهِ وَخِفُّ وَإِنْ كُلًا "إِ"لَى "صَـ"ـفْوِهِ "دَ"لا صحابا؛ أي: ذا صحاب ويقال: سال عنه وسال به بمعنى وعليه حمل قوله: تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ ١. أي: عن عذاب ومنه: "فسئل به خبيرا"٢. وقال علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني وقال الشيخ: سل به بمعنى اعتن به واشتغل به كما يقال: سل عنه بمعنى ابحث عنه وفتش عنه، وإنما قال ذلك؛ لصعوبة تخريج وجه الضم؛ لأنه يقتضي أن يكون سعد متعديا وهي لغة مجهولة ويدل على وجودها قولهم: مسعود والمعروف أسعده الله بالألف وقيل: إن سعد لغة هذيل يقال سعد كما يقال: جن، أما: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ، فمعناها على القراءات من أشكل الآيات، وقد نظم في هذا البيت الخلاف في أن وفي البيت الآتي الخلاف في لما، والخلاف فيهما في التشديد والتخفيف فقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ في موضع خفض بإضافة وخف إليه، واعلم أن "إن" يجوز تخفيفها وهي باقية على إعمالها؛ فقوله: كلا اسمها مخففة كانت أو مشددة، ولا يجوز أن يكون المخففة نافية؛ لأنها قد نصبت كلها، وقد دخلت اللام في الخبر إلا في قراءة من شدد كما يأتي فهي قراءة أبي بكر وحده، وقوله: إلى صفوه دلا خبر، وخف "وإن كلا"، والهاء في صفوه للخف، وفاعل دلا ضمير عائد إلى القارئ؛ أي: إلى صفو الخف أدلى القارئ دلوه ثم استخرجها؛ أي: وجد قراءة حلوة فقرأ بها، يقال: دلوت الدلو نزعتها وأدليتها أرسلتها في البئر، قال الله تعالى:

стр. 531

﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ ١. واجتزى الشاطبي بقوله: دلا عن أن يقول: أدلى فدلا؛ لأنه لا يوصف بأنه دلا إلا بعد أن يكون أدلى دلوه، وقال صاحب الصحاح: قد جاء في الشعر: الدالي بمعنى المدلى، فإذا كان الأمر كذلك ظهر قول الناظم: داي لا إلى صفوه بمعنى أدلى دلوه إليه، والله أعلم. ٧٦٧- وَفِيها وَفِي يس وَالطَّارِقِ العُلا ... يُشَدِّدُ لَمَّا كَامِلُ نَصَّ فَاعْتَلا العلى: نعت للطارق، وفي جعله نعتا للسور الثلاث نظر من جهة أن بعضها معبر عنه بالضمير، والمضمر لا يوصف، فأشار إلى قوة قراءة من شدد لما بقوله: كامل نص فاعتلا، فالقراءات في هاتين الكلمتين: "أن"، و"لما"، أربع: تخفيفهما لنافع وابن كثير تشديدهما لابن عامر وحمزة، وحفص تخفيف "إن"، وتشديد "لما" لأبي بكر وحده تشديد "إن" وتخفيف "لما" لأبي عمرو والكسائي، فمن شدد "إن" وخفف "لما" فاللام في "لما" هي التي تدخل فيما كان في خبر "إن"، واللام في: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، ومثله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ٢. غير "أن" اللام في لمن داخلة على الاسم، وفي "لما" داخلة على موضع الخبر، وقام القسم وجوابه مقام الخبر و"ما" في "لما" زائدة؛ لتفرق بين اللامين؛ لام التوكيد ولام القسم، وقيل: بمعنى الذي وزاد بعضهم، فجعلها بمعنى "من"، وقيل: اللام في "لما" موطئة للقسم مثل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٣. والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبح وإيمان وجحود فهذا تعليل قراءة أبي عمرو والكسائي، قال الفراء: جعل ما اسما للناس كما جاز: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٤. ثم جعل اللام التي فيها جوابا؛ لأن وجعل اللام التي في "ليوفينهم" لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها كما تقول: هذا مَن ليذهبن وعندي: ما لغيره خير منه ومثله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ . ثم قال بعد ذلك ما يدل على أن اللام مكررة فقال: إذا عجلت العرب باللام في غير موضعها أعادوها إليه نحو: إن زيدا لإليك لمحسن ومثله:

стр. 532

ولو أن قومي لم يكونوا عزة ... لبعد لقد لالقيت لابد مصرعا قال: أدخلها في بعد وليس بموضعها، وسمعت أبا الجراح يقول: إني بحمد الله لصالح، وقال أبو علي: في قراءة من شدد إن وخفف لما: وجهها بيِّن؛ وهو أنه نصب "كُلًّا" بـ "أن"، وأدخل لام الابتداء على الخبر، وقد دخل في الخبر لام "ليوفي"، وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل، فلما اجتمع اللامان فصل بينهما كما فصل بين "أن" واللام، فدخلت "ما" وإن كانت زائدة؛ للفصل، ومثله في الكلام: إن زيدا لما لينطلقن، قال: هذا بين ويلي هذا الوجه في البيان قراءة من خفف: "إن" و"لما". وهي قراءة ابن كثير، ونافع، قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق كما قالوا: كأنْ ثدييه حقان قال: ووجهه من القياس: "أن إن" مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف، نحو: لم يك زيد منطلقا، ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ ، وكذلك "لا أدر". قلت: فتعليل هذه القراءة كالتي قبلها سواء واللام في "لما" هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة والنافية، وقال الفراء: أما الذين خففوا أن، فإنهم نصبوا، وهو وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها على شيء قبله، فلو وقعت "كل" لصلح ذلك كما يصلح أن يقول: إن زيدا لقائم لا يصلح إن زيدًا لأضرب؛ لأن تأويلها كتأويل إلا. قلت: واستشكل أبو علي وغيره قراءة من شدد لما هنا في سورة هود سواء شدد إن أو خففها؛ لأنه قد نصب بها "كلا"، وإذا نصب بالمخففة كانت بمنزلة المثقلة فكما لا يحسن إن زيدا إلا منطلق؛ لأن "إلا" إيجاب بعد نفي، ولم يتقدم هذا إلا إيجاب مؤكد فكذا لا يحسن إن زيدا لما منطلق؛ لأنه بمعناه، وإنما شاع: نشدتك بالله إلا فعلت و"لما ... "؛ لأن معناه الطلب فكأنه قال: ما أطلب منك إلا فعلك، فحرف النفي مراد مثل: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأ﴾ ١، ومثل أبو علي بقولهم: شر أهر ذا ناب؛ أي: ما أهره إلا شر قال: وليس في الآية معنى النفي ولا الطلب، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في لما، قال أبو علي: ولم يبعد فيما قال، قال أبو جعفر النحاس: القراءة بتشديدها عند أكثر النحويين لحن حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه ولا لما لأضربنه، قال: وقال الكسائي: الله -جل وعز- أعلم بهذه القراءة ما أعرف لها وجها، قال: وللنحويين بعد هذا فيها أربعة أقوال فذكرها مختصرة، وأنا أبسطها وأنبه على ما فيها، ثم أذكر وجها خامسا هو الحق إن شاء الله تعالى.

стр. 533

الأول: قاله الفراء وتبعه فيه جماعة، قال: أراد "لمن ما" فلما اجتمع ثلاث ميمات حذف واحدة فبقيت ثنتان، فأدغمت إحداهما في الأخرى كما قال الشاعر: وإني لما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادر قال نصر بن علي الشيرازي: وصل من الجارة بما فانقلبت النون أيضا ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أحداهن فبقي "لما" بالتشديد قال: وما ههنا بمعنى: من، وهو اسم لجماعة الناس كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ ؛ أي: من طاب، والمعنى: وإن كلا من الذين ليوفينهم ربك أعمالهم، أو من جماعة ليوفينهم ربك أعمالهم، قال المهدوي: حذفت الميم المكسورة والتقدير: لمن خلق ليوفينهم، وجوز أن يكون تقدير هذا الوجه لمن ما بفتح الميم، وتكون اللام داخلة على من التي بمعنى الذي وما بعدها زائدة. قال: فقلبت النون ميما وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن وهي المبدلة من النون، فقيل: لما قلت، فقد صار لهذا الوجه الذي استنبطه الفراء تقديران، وسبق المهدويَ إلى التقدير الثاني أبو محمد مكي، وقال: التقدير: وإن كلا لخلق ليوفينهم ربك قال: فيرجع إلى معنى القراءة الأولى التي بالتخفيف، وهذا هو الذي حكاه الزجاج فقال: زعم بعض النحويين أن معناه "لمن ما" ثم قلبت النون ميما فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى، قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن "من" لا يجوز حذفها؛ لأنها اسم على حرفين، وقال النحاس: قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه يحذف النون مِن "مِن" فيبقى حرف واحد، وقال أبو علي: إذا لم يقو الإدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو قوم مالك، فأن لا يجوز الحذف أجدر، قال علي: إن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام أكثر مما كان يجتمع في "لمن ما"، ولم يحذف منها شيء، وذلك قوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ . فإذا لم يحذف شيء من هذا فأن لا يحذف ثَم أجدر. قلت: وما ذره الفراء استنباط حسن، وهو قريب من قولهم في: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ١؛ أصله: لكن أنا ثم حذفت الهمزة وأدغمت النون في النون وكذا قولهم أما أنت منطلقا انطلقت قالوا: المعنى؛ لأن كنت منطلقًا، وما أحسن ما استخرج الشاهد من البيت الذي أنشده واجتمع في: ﴿أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ ثماني ميمات؛ خمس ظاهرة والتنوين في أمم والنون من ممن كلاهما تقلب ميما وتدغم في الميم بعده على ما تمهد في بابهما في الأصول، ثم إن الفراء أراد أن يجمع بين قراءتي التخفيف والتشديد من لما في معنى واحد فقال: ثم يخفف كما قرأ بعض القراء: "وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ"

стр. 534

بحذف الياء عند الياء، أنشدني الكسائي شعرا: وأشمتّ العداة بنا فأضحوا ... لديّ تباشرون بما لقينا معناه يتباشرون، فحذف ياؤه؛ لاجتماع الياءات قلت: الأولى أن يقال: حذفت ياء الإضافة من لدى، فبقيت الياء الساكنة قبلها المنقلبة عن ألف لدى، وهو مثل قراءة: "يا بني" بالإسكان على ما سبق، أما الياء من يتباشرون فثابتة؛ لدلالتها على المضارعة قال ومثله كأن من آخرها القادم يريد إلى القادم، فحذف عند اللام اللام الأولى، قلت: لأن آخر "إلى" حذف لالتقاء الساكنين، وهمزة الوصل من القادم تحذف في الدرج، فاتصلت لام "إلى" بلام التعريف في القادم، فحذفت الثانية على رأيه، والأولى أن يقال: حذفت الأولى؛ لأن الثانية دالة على التعريف، فلم يبق من حروف "إلى" غير الهمزة، فاتصلت بلام القادم، فبقيت الهمزة على كسرها وهذا قريب من قولهم: "ملكذب". في "من الكذب"، "وبالعنبر"، في بني العنبر، و"عَلْمَاء" بنو فلان؛ أي: على الماء. القول الثاني: قال الزجاج: زعم المازني أن أصلها "لما" بالتخفيف ثم شددت الميم قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن الحروف نحو "رب"، وما أشبهها تخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين. الثالث: قال النحاس: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل: "وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" بالتنوين من لممته لما؛ أي: جمعته، ثم بني منه فعلى كما قرئ: "ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا" بغير تنوين وبتنوين. قلت: الذي في كتاب القراءات لأبي عبيد: وروي عن بعض القراء: "وَإِنَّ كُلًّا لَمًّا" منونة، يريد: جميعا قال: وهي صحيحة المعنى، إلا أنها خارجة عن قراءة الناس، وقال الفراء: المعنى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ شديدًا: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ، وإن كلا حقا "ليوفينهم" وقال أبو علي: وقد روي أنه قرئ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ منونا كما قال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ، فوصف بالمصدر وينبغي أن يقدر المضاف إليه كل نكرة؛ ليحسن وصفه بالنكرة، ولا يقدر إضافته إلى معرفة فيمتنع أن تكون لما وصفا له، ولا يجوز أن تكون حالا؛ لأنه لا شيء في الكلام عامل في الحال قال: فإن قال إن لما فيمن ثقل إنما هي لما هذه وقف عليها بالألف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر، قال ابن جني: معنى لما بالتنوين توفية جامعة لأعمالهم جمعا، ومحصلة لأعمالهم تحصيلا فهو كقولك: قياما لأقومن وقعودا لأقعدن، قال الشيخ أبو عمرو ﵀: استعمال لما في هذا المعنى بعيد، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد، قال: وقيل: لما فعْلَى من اللم ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل مضى لما المنصرف قال وهذا أبعد إذ لا تعرف لما فعلى بهذا

стр. 535

المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء وليس ذلك بمستقيم. قلت: فهذه ثلاثة أوجه وهي خمسة في المعنى؛ لأن الأول اختلف في تقديره على وجهين: "لَِمن ما" بكسر الميم وفتحها، وهذا الثالث اختلف في ألفه على وجهين؛ أحدهما: أنها بدل من التنوين، والثاني أنها للتأنيث. القول الرابع: قال الزجاج: وقال بعضهم قولا ولا يجوز غيره: "إن لما" في معنى "إلا" مثل: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ١، ثم أتبع ذلك بكلام طويل مشكل حاصله: أن معنى: إن زيد لمنطلق: ما زيد إلا منطلق، فأجريت المشددة كذلك في هذا المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النصب في اسمها باقٍ بحاله مشددة ومخففة، والمعنى نفي بأن وإثبات باللام التي في معنى إلا ولما بمعنى إلا، قلت: قد تقدم إنكار أبي علي جواز إلا في مثل هذا الموضع فكيف يجوز لما التي بمعناها على أن من الأئمة من أنكر مجيء لما بمعنى إلا، قال أبو عبيد: أما من شدد لما يتأولها إلا فلم نجد هذا في كلام العرب ومن قال هذا لزمه أن يقول: رأيت القوم لما أخاك يريد إلا أخاك، وهو غير موجود، قال الفراء: أما من جعل لما بمنزلة إلا فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين: بالله لما قمت عنا وإلا قمت عنا فأما في الاستثناء فلم تقله في شعر ولا غيره ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعت في الكلام: ذهب الناس لما زيدًا. قلت: وقد ذكر ابن جني وغيره أن إلا تقع زائدة فلا بُعد في أن تقع لما التي بمعناها زائدة فهذا وجه آخر فصارت الوجوه سبعة والصحيح في معنى لما المشددة في هذه السورة ما قاله الشيخ أبو عمرو ﵀ في أماليه المفرقة على مواضع من القرآن وغيره قال لما هذه هي لما الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما وسافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح، فيكون المعنى: وإن كلا لما يهملوا ولما يتركوا لما قدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال: وما أعرف وجها أشبه من هذا وإن كانت الناس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن قال: والتحقيق يأبى استبعاد ذلك، قلت: هذا وجه مليح ومعنى صحيح والسكوت على "لما" دون فعلها قد نص عليه الزمخشري في مفصله، وأنشد ابن السكيت شاهدا على ذلك في كتاب معاني الشعر له: فجئت قبورهم بدءا ولما ... فناديت القبور فلم يجبْنَهْ وقال في معناه بدءا؛ أي: سيدا وبدؤ القوم؛ أي: سيدهم وبدء الجزو خبر أنصبائها قال: وقوله: ولما؛ أي: لم أكن سيدا إلا حين ماتوا فإني سدت بعدهم كما قال الآخر:

стр. 536

خلت الديار فسدت غير مدافع ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد قلت: ونظير السكوت على "لما" دون فعلها سكوت النابغة على قد دون فعلها في قوله: أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قدِ أي: وكأن قد زالت قال الشيخ أبو عمرو، أما قراءة أبي بكر فلها وجهان أحدهما الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر وغيره فتكون أن مخففة من الثقيلة في قراءتهم والوجه الثاني: أن تكون أن نافية ويكون كلا منصوبا بفعل مضمر تقديره، وإن أرى كلا أو إن أعلم ونحوه ولما بمعنى "إلا" نحو: "إن كل نفس لما عليها حافظ" ومن ههنا كانت أقل إشكالا من قراءة ابن عامر؛ لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف المنفي استبعاد ولذلك اختلف في مثل قوله: إلا رجلا جزاه الله خيرًا هل هو منصوب بفعل مقدر ونون ضرورة فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس التنوين للضرورة قلت: فهذا ما يتعلق بتوجيه القرارات في تشديدان ولما في تخفيفها في هذه السورة وهو من المواضع المشكلة غاية الإشكال وقد اتضحت والحمد لله وإن كان قد طال الكلام فيها فلا بد في المواضع المشكلة من التطويل زيادة في البيان ولو كان الشرح الكبير بلغ هذا الموضع لم يحتج إلى هذا التطويل في هذا المختصر والله الموفق. والذي في يس: ﴿إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ١. وفي الطارق: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٢. إن في الموضعين للنفي؛ لأن كل مرفوع بعدها فلم يحتج أن تجعلها المخففة من الثقيلة على قراءة من شدد لما ولما بمعنى إلا وم خففها فهي لام الابتدا وما زائدة وإن هي المخففة من الثقيلة ولم تعمل والله أعلم. ٧٦٨- وَفي زُخْرُفٍ "فِـ"ـي "نَـ"ـصِّ "لُـ"ـسْنٍ بِخُلْفِهِ ... وَيَرْجِعُ فِيه الضَّمُّ وَالفَتْحُ "إِ"ذّ "عَـ"ـلا يريد: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الكلام فيه كالكلام في الذي في يس والطارق، ولسن جمع لسن بكسر السين وهو الفصيح؛ لأن اللسن بفتح السين: الفصاحة، يقال: لسن الكسر فهو لسن ولسن وقوم لسن، لم يوافق ابن ذكوان على تشديد التي في الزخرف وعن هشام فيها خلاف وتقدير البيت: والتشديد في حرف الزخرف مستقر في نص قوم فصحاء نقلوه، أما: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فالخلاف فيه ظاهر سبق له نظائر وهو إسناد الفعل إلى المفعول أو الفاعل.

стр. 537

٧٦٩- وَخَاطَبَ عَمَّا يَعْمَلُونَ بِها وآ ... خِرَ النَّمْلِ "عِـ"ـلْمًا "عَمَّ" وَارْتَادَ مَنْزِلا عما تعملون فاعل خاطب جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه، وعلما مفعول خاطب؛ أي: خاطب ذوي علم وفهم وهم بنو آدم، وقال الشيخ: هو مصدر أي: اعلم ذلك علما وآخر النمل يروي بجر الراء ونصبها فالجر عطفا على الضمير في بها مثل قراءة: ﴿بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ، والنصب عطفا على موضع الجار والمجرور كأنه قال: هنا وآخر النمل وكلا الموضعين في آخر السورة: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١، فالخطاب هنا للنبي ﷺ والمؤمنين والغيبة رد على قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. والخطاب في آخر النمل رد على قوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ، والغيبة إخبار عنهم وارتاد معناه: طلب والضمير في عم وارتاد للعلم؛ أي: علما عم العقلاء من بني آدم المخاطبين واختار موضعا لنزوله وحلوله فيهم والله أعلم، ثم ذكر ياءات الإضافة فقال: ٧٧٠- وَيَاءاتها عَنِّي وَإِنِّي ثَمَانِيا ... وَضَيْفِي وَلكِنِّي وَنُصْحِيَ فَاقْبَلا أراد: "عَنِّيَ إِنه لفرح" فتحها نافع وأبو عمرو. و"إني" في ثمانية مواضع: "إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ"، "إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ" في قصتي نوح وشعيب: "إِنِّيَ أَعِظُكَ"، "إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ"؛ "إنيَ أعوذ بك" فتح الخمس الحرميان وأبو عمرو. "إِنِّيَ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ"٣، فتحها نافع وأبو عمرو والبزي. "إِنِّيَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ"٤، فتحها نافع وأبو عمرو. "إِنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ"٥، فتحها نافع، وقد ضبطت هذه الثمانية في بيت فقلت: أراكم أعوذ أشهد الوعظ معْ إذا ... أخاف ثلاثا بعد أنّ تكملا

стр. 538

أي: هذه الألفاظ بعد "إني" ونبهت بالوعظ على أعظكم. و"ضَيْفِيَ أَلَيْسَ"، فتحها نافع وأبو عمرو. "وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ"، فتحها البزي ونافع وأبو عمرو. "ولا ينفعكم نصحيَ إن أردت"، فتحها نافع وأبو عمرو، فهذه اثنتا عشرة ياء، وقوله: ثمانيًا نصب على الحال من إني؛ أي: خذها ثمانيا أو فاقبلها ثمانيا، وثمانيا مصروف، قال الجوهري: لأنه ليس بجمع فيجري مجرى جوارٍ وسوارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غير مصروف فهو على توهم أنه جمع، وأراد: "فاقبلن"، فأبدل من نون التأكيد ألفا وياءاتها مبتدأ، ويجوز نصبه بكسر التاء مفعولا لقوله: فاقبلا، وعنى وما بعده بدل منه وما أحلى ما اتفق له من اتصال هاتين اللفظتين ونصحيَ فاقبلا والله أعلم. ٧٧١- شِقَاقِي وَتَوْفِيقِي وَرَهْطِيَ عُدَّها ... وَمَعْ فَطَرَنْ أَجْرِي مَعًا تُحْصِ مُكْمِلا أراد: "شِقَاقِيَ أَنْ يُصِيبَكُمْ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو. "وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ"، فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر. "أَرَهْطِيَ أَعَزُّ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن ذكوان. "فَطَرَنِيَ أَفَلا تَعْقِلُونَ"، فتحها نافع والبزي. "إِنْ أَجْرِي إِلَّا"، موضعان في قصتي نوح وهود، فلهذا قال: أجري معا سكنهما ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر، ونصب معا كنصب ثمانيا فهذه ثماني عشرة ياء إضافة وقوله: تُحْصِ مجزوم؛ لأنه جواب قوله: عدها ومكملا حال من فاعل تحص، وفيها ثلاث زوائد: "فلا تسئلني"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وورش.

стр. 539

"وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده. "يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ"، أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو والكسائي، وأثبتها ابن كثير في الحالين. وقلت في ذلك: وزيدت فلا تسئلن ما يوم يأت لا ... تكلم لا تخزون في ضيفي العلا

стр. 540

سور يوسف ... سورة يوسف: ٧٧٢- وَيَا أَبَتِ افْتَحْ حَيْثُ جَا لاِبْنِ عَامِر ... وَوُحِّدَ لِلْمَكِّي آيَاتٌ الوِلا الخلاف في: "يا أبت" مثل ما سبق في يا ابن أم ويا بني بالفتح والكسر والتاء في يا أبت: تاء تأنيث عوضت عن ياء الإضافة في قراءة من كسرها؛ لأنه حركها بحركة ما قبل ياء الإضافة؛ لتدل على ذلك، وهي في قراءة من فتح عوض من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: "يا أبا"، وفتحت تحريكا لها بحركة ما قبل الألف، وقيل: يجوز أن يكون الفتح على حد قولهم في الترخيم: "يا أميمة" بالفتح وقراءة ابن كثير: "آية للسائلين" بالإفراد؛ أي: آية عجيبة كما جاء في آخر السورة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ ، والباقون بالجمع كما جاء في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ ، ووجه القراءتين ظاهر، وكم من آية في ضمنها آيات، واختار أبو عبيد قراءة الجمع وقال: لأنها عبر كثيرة قد كانت فيهم، والولا: القرب وهو صفة لقوله: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ؛ أي: ذات الولا؛ أي: القريبة من قوله: يا أبت ولا خلاف في إفراد التي في آخر السورة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ٧٧٣- غَيَابَاتِ فِي الحَرْفَيْنِ بِالجَمْعِ نَافِعٌ ... وَتَأْمَنُنا لِلْكُلِّ يُخْفَي مُفَصَّلا يريد بالحرفين موضعين: وهما: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ، ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ، والغيابة ما يغيب فيه شيء، وغيابة البئر في جانبه فوق الماء فوجه الإفراد ظاهر، ووجه الجمع: أن يجعل كل موضع مما يغيب غيابة ثم يجمع، أو كان في الجب غيابات؛ أي: ألقوه في بعض غيابات الجب أو أريد بالجب الجنس؛ أي: ألقوه في بعض غيابات الأجبية. وأما: ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ فأصله "لا تأمننا" بنونين على وزن: تعلمنا، وقد قرئ كذلك على الأصل وهي قراءة شاذة؛ لأنها على خلاف خط المصحف؛ لأنه رسم بنون واحدة فاختلفت عبارة المصنفين عن قراءة القراء المشهورين له.

стр. 541

وحاصل ما ذكروه ثلاثة أوجه: إدغام إحدى النونين في الأخرى إدغاما محضا بغير إشمام، إدغام محض مع الإشمام، إخفاء لا إدغام؛ وهذه الوجوه الثلاثة هي المحكية عن أبي عمرو في باب الإدغام الكبير، فالإخفاء هو المعبر عنه بالروم، ولم يذكر الشاطبي في نظمه هنا غير وجهين: الإخفاء في هذا البيت والإدغام مع الإشمام في البيت الآتي، ومال صاحب التيسير إلى الإخفاء، وأكثرهم على نفيه، قال في التيسير: مالك لا تأمننا بإدغام النون الأولى في الثانية وإشمامها الضم، قال: وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاما صحيحا؛ لأن الحركة لا تسكن رأسا بل يضعف الصوت بها، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، وهذا قول عامة أئمتنا وهو الصواب؛ لتأكيد دلالته وصحته في القياس، فهذا معنى قول الناظم: "للكل يخفى مفصلا"؛ أي: نفصل إحدى النونين عن الآخر بخلاف حقيقة الإدغام، وقال أبو بكر ابن مهران في كتاب الإدغام: "مالك لا تأمننا" بالإشارة إلى الضمة وتركها قال: ولم يحك عن أحد منهم إلا الإدغام المحض من أشار منهم ومن ترك، ولو أراد من أشار الإخفاء دون الإدغام لفرقوا وبينوا، وقالوا: أدغم فلان وأخفى فلان فلما قالوا: أدغم فلان وأشار وأدغم فلان ولم يشر درينا أنهم أرادوا الإدغام دون الإخفاء، وأنه لا فرق عندهم بين الإشارة وتركها والله أعلم، وقال صاحب الروضة: لا خلاف بين جماعتهم في التشديد والله أعلم. ٧٧٤- وَأَدْغَمَ مَعْ إِشْمَامِهِ البَعْضُ عَنْهُمُ ... وَنَرْتَعْ وَنَلْعَبْ يَاءُ "حِصْنٍ" تَطَوَّلا أي: فعل ذلك بعض المشايخ عن جميع القراء، وهذا الوجه ليس في التيسير وقد ذكره غير واحد من القراء والنحاة حتى قال بعضهم: أجمعوا على إدغام لا تأمننا، قال ابن مجاهد: كلهم قرأ "لا تأمَنّا" بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم اتفاقًا، قال أبو علي: وجهه أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعا في الإدراج أشموا النون المدغمة في "تأمنا" قال: وليس هذا بصوت خارج إلى ذلك اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج ذلك الصوت به؛ ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له قال: وقد يجوز في ذلك وجه آخر في العربية، وهو أن يتبين ولا يدغم، ولكنك تخفي الحركة؛ وإخفاؤها هو أن لا تشبعها بالتمطيط ولكنك تختلسها اختلاسا. قلت: وهذا هو الوجه المذكور في البيت الأول، وقال أبو الحسن الحوفي: جمهور القراء على الإشمام للإعلام بأن النون من "تأمن" كانت مرفوعة، وصفة ذلك أنك تشير إلى الضمة من غير صوت مع لفظك بالنون المدغمة، وهو شيء يحتاج إلى رياضة، قال مكي: "لا تأمنا" بإشمام النون الساكنة الضم بعد الإدغام وقبل استكمال التشديد هذه ترجمة القراء. قلت: ووجه الإشمام الفرق بين إدغام المتحرك وإدغام الساكن، قال الفراء: تشير إلى الرفعة وإن تركت فلا بأس كل قد قرئ به والياء في: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ . ليوسف والنون لجميع الإخوة، ثم ذكر خلاف القراء في العين فقال: ٧٧٥- وَيَرْتَعْ سُكُونُ الكَسْرِ فِي العَيْنِ "ذُ"و "حِـ"ـمًا ... وَبُشْرَايَ حَذْفُ الْيَاءِ "ثَـ"ـبْتٌ وَمُيِّلا

стр. 542

من أسكن العين فللجزم، وقراءته من رتع يرتع؛ أي: يتسع في الخصب، ومن كسرها فهو من ارتعى يرتعي يفتعل من الرعي، فحذف الياء للجزم وأثبتها قنبل في وجه على ما تقدم في باب الزوائد فقرأه الكوفيون بالياء وسكون العين وقراءة نافع بالياء وكسر العين، وقراءة ابن عامر وأبي عمرو بالنون وسكون العين، وقراءة ابن كثير بالنون وكسر العين وبإشباع كسرتها في وجه، ففي "يرتع" خمس قراءات، وفي "يلعب" قراءتان الياء لحصن والنون للباقين وأما: "بشراي"، فمن حذف ياءه كأن قد نادى البشرى من غير إضافة أي: أقبلي فهذا وقتك، والباقون على إضافة البشرى إليه وكلاهما ظاهر وقوله: "ثبت"؛ أي: قراءة ثبت يقال: رجل ثبت؛ أي: ثابت القلب، ثم ذكر في البيت الآتي أن حمزة والكسائي أمالا الألف على أصلهما؛ لأنها ألف تأنيث لا سيما وقبلها راء فقال: ٧٧٦- "شِـ"ـفَاءً وَقَلِّلْ "جِـ"ـهْبِذَا وَكِلاهُمَا ... عَنِ ابْنِ العَلا وَالفَتْحُ عَنْهُ تَفَضَّلا "شفاء" حال من الممال؛ أي: ذا شفاء، وقَلِّل؛ أي: أَمِلْ بين بين. وجهبذا:؛ أي: مشبها جهبذا وهو الناقد الحاذق في نقده وجمعه جهابذة كأنه أشار بذلك إلى التأنق في التلفظ بين بين فإنها صعبة على كثير ممن يتعاطى علم القراءة؛ أي: أمالها ورش بين اللفظين على أصله في إمالة ذوات الراء ثم قال: وكلاهما بمعنى الإمالة والتقليل رويا عن أبي عمرو، وروي عنه الفتح وهو الأشهر وعليه أكثر أهل الأداء وليس في التيسير غيره، واختاره أبو الطيب بن غلبون بين اللفظين. قال مكي: وقد ذكر عن أبي عمرو مثل ورش والفتح أشهر، وحكى أبو علي الأهوازي الإمالة عن أبي عمرو من طريق اليزيدي. قال مكي: أما الإمالة المحضة فهي قيس من الوجهين الأخيرين؛ لأنه أمال البشرى إمالة محضة وأمال "الرؤيا" بين اللفظين، فكما أمال "رؤياي" بين اللفظين كذلك يقتضي أن يميل "بشراي" على قياس أصله والفتح فيه وبين اللفظين خروج عن الأصل الذي طرده في إمالته. قلت: وعلل الداني الفتح بأن ألف التأنيث هنا رسمت ألفا ففتح؛ ليدل على ذلك، ويلزم على هذا القياس أن لا يميل رؤياي بين اللفظين كذلك والله أعلم. ٧٧٧- وَهَيْتَ بِكَسْرٍ "أَ"صْلُ "كُـ"ـفْؤٍ وَهَمْزُهُ ... "لِـ"ـسَانٌ وَضَمُّ التَّا "لِـ"ـوَى خُلْفُهُ "دُ"لا أي: أصل عالم كفؤ وهمزه لسان؛ أي: لغة وقصر لفظ التاء ولوى ضرورة ولوى خلفه مبتدأ ودلا خبره وقد سبق معناه يقال هيت: كأين وهيت: كحيث وهيت: مثل غيظ قريء بهذه الثلاث اللغات وزاد هشام الهمز وهو من أهل كسر الهاء وضم التاء وفتحها وهو اسم فعل بمعنى هلم وأسرع ويقال أيضا هيت كجير ولم يقرأ بهذه اللغة وقيل: المهموز فعل من هاء يهييء كجاء يجيء إذا تهيأ فعلى الفتح وهو المشهور عن هشام يكون خطابا ليوسف على معنى حسنت هيئتك أو على معنى تهيأ أمرك الذي كنت أطلبه؛ لأنها ما كانت تقدر في كل وقت على الخلوة به، وتحتمل قراءة نافع

стр. 543

وابن ذكوان أن أصلها الهمز فخففت، وقال أبو علي: يشبه أن يكون "هيت" مهموزا بفتح التاء، وهما من الراوي؛ لأن الخطاب يكون من المرأة ليوسف، وهو لم يتهيأ لها، ولو كان لقالت له: هئت لي، وجوابه أن يقال: وقع قولها لك بيانا لا متعلقا بهيت، والمعنى لك أقول والخطاب لك، ومثله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ١، ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ٢ والله أعلم. ٧٧٨- وَفِي كَافَ فَتْحُ الَّلامِ فِي مُخْلِصًا "ثَـ"ـوَى ... وَفِي المُخْلِصِينَ الكُلّ "حِصْنٌ" تَجَمَّلا يريد: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ ، في سورة مريم١ وسماها "كاف"؛ لأنها استفتحت بهذه الحروف فصارت كصاد ونون وقاف، وفي قوله: وفي المخلصين الكل؛ أي: حيث جاء معرفا باللام فقوله: مخلصين له الدين لا خلاف في كسر لامه، ومعنى الكسر أنهم أخلصوا لله تعالى دينهم، ومعنى الفتح أخلصهم الله؛ أي: اجتباهم وأخلصهم من السوء والله أعلم. ٧٧٩- معًا وَصْلُ حَاشَا "حَـ"ـجَّ دَأْبًا لِحَفْصِهِمْ ... فَحَرِّكْ وَخَاطِبْ يَعْصِرُنَ "شَـ"ـمَرْدَلا يريد أن لفظ: حاشا جاء في موضعين في هذه السورة: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ،: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ . أثبت أبو عمرو الألف بعد الشين في الموضعين إذا وصل الكلمة بما بعدها، فإن وقف عليها حذف الألف كسائر القراء وقفا ووصلا اتباعا للرسم، ولا يكاد يفهم هذا المجموع من هذا اللفظ اليسير، وهو قوله: معا وصل حاشا حج؛ فإنه إن أراد بوصل حاشا إثبات ألفها في الوصل دون الوقف على معنى وصل هذا اللفظ فيكون من باب قوله: وباللفظ أستغني عن القيد إن جلا، فكأنه قال: وصل حاشا بالمد لم يعلم؛ أي: المدين يريد: ففي هذه اللفظة ألفان: أحدهما بعد الحاء والأخرى بعد الشين وكل واحدة منهما قد قرئ بحذفها قرأ الأعمش: "حشا لله"، وأنشد ابن الأنباري على هذه القراءة: حشا رهط النبي فإن منهم ... بحورا لا تكدرها الدلاء وإن كان أراد بقوله: "وصل حاشا" وصل فتحة الشين بألف كما توصل الضمة بواو والكسرة بياء لم يكن مبينا لحذفها في الوقف، وتقدير البيت: وصل كلمتي حاشا معا حج؛ أي: غلب، وحاشا: حرف جر يفيد معنى البراءة، وبهذا المعنى استعمل في الاستثناء ثم وضع موضع البراءة فاستعمل كاستعمال المصادر فقيل: حاشا لله كما يقال براءة لله فلما تنزل منزلة الأسماء تصرفوا فيه بحذف الألف الأولى تارة وبحذف الثانية أخرى وتارة بتنوينه قرأ أبو السمال "حاشا لله" هذا معنى ما ذكره الزمخشري ومال أبو علي إلى أنه فعل فقال: هو على فاعل مأخوذ من الحشا الذي؛ يعني به الناحية، والمعنى أنه صار في حشا؛ أي: في ناحية مما قرن به؛ أي: لم يقترنه ولم يلابسه، وصار في عزل عنه وناحية وفاعله يوسف.

стр. 544

أي: بعد عن هذا الذي رمى به؛ لله أي: لخوفه ومراقبة أمره. "والدأْب والدأَب: لغتان كالمعز والمعز". والفاء في "فحرك" زائدة؛ أي: حرك دأبا لحفص، ويعصرون: بالخطاب والغيبة ظاهر وما فيه الخطاب تارة يجعله مفعولا بالخطاب كهذا وتارة فاعلا نحو: وخاطب عما يعملون؛ وكل ذلك لأن الخطاب فيه، وشمردلا حال من فاعل خاطب أو مفعوله ومعناه خفيفا والله أعلم. ٧٨٠- وَنَكْتَلْ بِيَا "شَـ"ـافٍ وَحَيْثُ يَشَاءُ نُو ... نُ "دَ"ارٍ وَحِفْظًا حَافِظًا "شَـ"ـاعَ عُقلا يريد: "فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا يَكْتَلْ" الياء للأخ والنون لجماعة الأخوة، وقوله تعالى: "يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ"، الياء ليوسف والنون نون العظمة، ولا خلاف في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ أنه بالنون. ودار: اسم فاعل من دريت، والتقدير: ذو نون قارئ دارٍ وشافٍ كذلك؛ أي: بياء قارئ شافٍ، ويجوز أن يكون شافٍ صفة "يا" أو خبر نكتل، و"بيا" متعلق به؛ أي: ونكتل: شافٍ "بيا"، ووزن نكتل: نفتل والعين محذوفة والأصل نكتال حذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين في حال الجزم وأصل نكتال نكتيل على وزن نفتعل مثل نكتحل، ويتعلق بذلك حكاية ظريفة جرت بين أبي عثمان المازني وابن السكيت في مجلس المتوكل أو وزيره ابن الزيات قد ذكرتها في ترجمة يعقوب بن السكيت في مختصر تاريخ دمشق، وقوله: حفظا مبتدأ وخبره مضمر؛ أي: يقرأ حافظًا أو يكون خبره شاع عقلا، وعقلا تمييز وهو جمع عاقل؛ أي: شاع ذكر الذين عقلوه وحافظا حال؛ أي: شاع على هذه الحالة في القراءة، ويجوز أن يكون عقلا حال على معنى ذا عقل، وانتصب حفظا في الآية وحافظا على التمييز، وجوز الزمخشري أن يكون حافظا حالا، ومنعه أبو علي، والتمييز في حفظا ظاهر؛ أي: حفظ لله خير من حفظكم، ووجه حافظا أن لله تعالى حفظة كما له حفظ نحو قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ . فالتقدير: حافظه خير من حافظكم كما كان حِفظه خيرا من حِفظكم، ويجوز أن يكون التمييز من باب قولهم: لله دره فارسًا؛ أي: در فروسيته، فيرجع المعنى إلى القراءة الأخرى، وهذا التمييز الذي هو حافظ يجوز إضافة خير إليه وقد قريء "خير حافظ"، ولا تجوز الإضافة إلى حفظ إلا على تقدير خير ذي حفظ والله أعلم.

стр. 545

وقدم ذكر الخلاف في "نكتل" على "حيث يشاء" ضرورة للنظم وإلا فالأمر بالعكس وقدمه. ٧٨١- وَفِتْيَتِهِ فِتْيَانِهِ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذًا وَرُدْ ... بِالِاخْبَارِ فِي قَالُوا أَئِنَّكَ "دَ"غْفَلا أي: يقرأ فتيانه أو التقدير: وقراءة فتيته بلفظ فتيانه لحفص وحمزة والكسائي، وهم الذين قرءوا "حافظا" فلو قال: عنهم موضع قوله: عن شذا لاستقام لفظا، ومعنى: وفتية وفتيان كلاهما جمع فتى كإخوة وإخوان الأول للقلة والثاني للكثرة، فكأن الخطاب كان لجميع الأتباع والذين باشروا الفعل قليل منهم، وقوله: ورد؛ أي: اطلب من راد وارتاد إذا طلب الكلأ، ودغفلا مفعول به وهو العيش الواسع؛ أي: اطلب عيشا واسعا بالقراءة بالأخبار في قوله: ﴿إِنَّكَ لأنتَ يُوسُفُ﴾ ؛ لأنها ظاهرة المعنى؛ وذلك أنهم جزموا بمعرفته لما اتضح لهم من قرائن دالة على ذلك، فهذه قراءة ابن كثير وقرأ الباقون بالاستفهام وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل والمد بين الهمزتين، ثم يحتمل أن يكون استفهاما على الحقيقة ولم يكن بعد قد تحقق عندهم وتكون قراءة ابن كثير على حذف همزة الاستفهام كما قيل: ذلك في قوله. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عََيَّ﴾ ١. أي: وتلك نعمة وله نظائر، ويحتمل أن يكون استفهاما على سبيل الاستغراب والاستعظام وإن كانوا قد عرفوه حق المعرفة؛ أي: إنك لهو ونحن وأنت يعامل بعضنا بعضا معاملة الغرباء ولعل بعض الإخوة قالوه خبرا وبعضهم استفهاما، فجاءت القراءتان كذلك ومن عادة الناظم أن يجعل الاستفهام ضد الإخبار، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف وسيأتي مثله في الرعد، واتفق لي نظم أربعة أبيات عوض الثلاثة المتقدمة تبين فيها القراءتان في حاشا وصلا ووقفا، وذكر فيها الخبر والاستفهام في أئنك مع التنبيه على أنهم على أصولهم في ذلك تجديدًا للعهد بما تقدمت معرفته وتذكيرا بذلك خوفا من الذهول عنه، ولم يستقم لي إيضاح جميع ذلك إلا بزيادة بيت فقلت: وفي الوصل حاشا حج بالمد آخرا ... معاد أبا حرك لحفص فتقبلا أراد بالمد بعد الشين احترازا عن المد بعد الحاء ثم قال: ونكتل بياء يعصرون الخطاب شذ ... وحيث يشاء النون دار وأقبلا استغنى برمز واحد، وهو قوله: شذ لقراءتين في نكتل ويعصرون، ثم قال: وفي حافظا حفظا صفا حق عمهم ... وفتيته عنهم لفتيانه انجلا والِاخبار في قالوا أئنك دغفلا ... ويستفهم الباقي على ما تأصلا ٧٨٢- وَيَيْأَسْ مَعًا وَاسْتَيْأَسَ اسْتَيْأَسُوا وَتَيْـ ... ـأَسُوا اقْلِبْ عَنِ البَزِّي بِخُلْفٍ وَأَبْدِلا

стр. 546

معا؛ يعني: هنا وفي الرعد: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ ١، ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ٣، ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ ٤، ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ ٥؛ فهذه خمسة مواضع استفعل فيها بمعنى: فعل كاستعجب واستسخر بمعنى عجب وسخر وكلها من اليأس من الشيء وهو عدم توقعه لا التي في الرعد قيل: إنها بمعنى علم فقراءة الجماعة في هذه المواضع على الأصل الهمز فيها بين الياء والسين، وروي عن البزي أنه قرأها بألف مكان الياء، وبياء مكان الهمزة وكذلك رسمت في المصحف وحمل ذلك على القلب والإبدال قال أبو علي: قلبت العين إلى موضع الفاء فصار استفعل وأصله استيأس، ثم خفف الهمزة وأبدلها ألفا؛ لسكونها وانفتاح ما قبلها، فصار مثل راس وفاس فهذا معنى قول الناظم: اقلب وأبدلا، ولم يذكر ما هو المقلوب وما هو المبدل، وأراد بالقلب التقديم والتأخير، وعرَّفنا أن مراده تقديم الهمزة على الياء قولُه: وأبدلا؛ فإن الإبدال في الهمز ثم لم يبين أي شيء يبدل بل أحال ذلك على قياس تسهيلها؛ لأنها إذا جعلت في موضع الياء، وأعطيت حكمها بقيت ساكنة بعد فتح وبقيت الياء مفتوحة على ما كانت عليه الهمزة، ثم لما اتصفت الهمزة بالسكون جاز إبدالها ألفا، فقرأ البزي بذلك في وجه، وإن لم يكن من أصله إبدال الهمزة المنفردة كما أنه سهل همزة: "لاعْنَتَكُمْ" بين بين في وجه وإن لم يكن ذلك من أصله جمعا بين اللغات؛ القلب في هذه اللغة في الفعل الماضي يقال: "يئس" و"أيس" فيبنى المضارع على ذلك، فقراءة الجماعة من لغة "يئس" وهي الأصل عندهم، وقراءة البزي من لغة "أيس" فمضارعه ييأس، وأراد الناظم وأبدلن فأبدل النون ألفا. ٧٨٣- وَيُوحى إِلَيْهِمْ كَسْرُ حَاءِ جَمِيعِهَا ... وَنُونٌ علًا يُوحي إِلَيْهِ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا أي: وحيث أتى وعلا خبر:؛ أي: القراءة بالكسر وبالنون ذات علا؛ لإسناد الفعل فيها إلى الله تعالى والقراءة الأخرى بالياء وفتح الحاء على أنه فعل ما لم يسم فاعله وأراد بقوله: يوحي إليه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، فقرأ حفص الجميع بالنون وكسر الحاء، ووافقه حمزة والكسائي على الذي في الأنبياء، ولا خلاف في الذي في أول الشورى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ .

стр. 547

بالياء، واختلف في كسر الحاء وفتحها كما سيأتي، وتقدم معنى شذا علا: ٧٨٤- وَثَانِيَ نُنْجِ احْذِفْ وَشَدِّدْ وَحَرِّكَنْ ... "كَـ"ـذَا "نَـ"ـلْ وَخَفِّفْ "كُـ"ـذِّبُوا "ثَـ"ـابِتًا تَلا يريد حذف النون الثانية وتشديد الجيم وتحريك الياء بالفتح فيصير فعلا ماضيا لم يسم فاعله من أنجى والقراءة الأخرى على أنه فعل مضارع من أنجى وهو قوله تعالى: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ ، فالنون الأولى حرف المضارعة، والثانية من أصل الفعل فالمحذوف في قراءة التشديد هي الأولى حقيقة؛ لأن الفعل فيها ماضٍ، ولكن الناظم أراد حذف الثاني صورة لا حقيقة وكانت هذه العبارة أخصر؛ لبقاء النون الأولى مضمومة، فلو كان نص على حذف الأولى لاحتاج إلى أن يقول: وضم الثانية، ولولا الاحتياج إلى هذا لأمكن أن يقال: أراد الثاني من "فننجي"؛ لأن لفظ القرآن كذلك، والثاني من "فننجي" هي النون الأولى، وكان يستقيم له أن يقول: وثاني فننجي احذف ولكنه عدل إلى تلك العبارة لما ذكرناه، والنون في قوله: وحركن نون التأكيد الخفيفة التي تبدل ألفا في الوقف، وقوله: كذا نل دعاء للمخاطب بالنجاة، وأما: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ . فخفف الكوفيون الذال وثابتا: حال من التخفيف، وتلا بمعنى: تبع ما قبله: من القراءات الثابتة وقيل: أراد تلا بالمد؛ أي: ذمة فالتشديد وجهه ظاهر هو من التكذيب ويكون ظنوا بمعنى تيقنوا وجوز أبو علي أن يكون بمعنى حسبوا، والتكذيب من الكافر كان مقطوعا به فلا وجه للحسبان على هذا إلا ما سنذكره من تفسير صحيح عن عائشة ﵂ أما قراءة التخفيف فمن قولهم: كذبته الحديث؛ أي: لم أصدقه فيه، ومنه: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ . فالمفعول الثاني في الآيتين محذوف، ثم في تأويل هذه القراءة وجوه أربعة: اثنان على تقدير أن يكون الضمير في: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ﴾ للرسل، واثنان على تقدير أن يكون الضمير للمرسل إليهم، وقد تقدم ذكرهم في قوله: ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، ولفظ الرسل أيضا: دالّ على مرسل إليهم فإن عاد الضمير على المرسل وهو الظاهر لجري الضمير على الظاهر قبله، فله وجهان: أحدهما: وظن الرسل أن أنفسهم كذبتهم حين حدثتهم بالنصر أو كذبهم رجاؤهم كذلك وانتظارهم له من غير أن يكون الله تعالى وعدهم به، ولهذا يقال: رجا صادق ورجا كاذب وقوله: بعد ذلك جاءهم نصرنا؛ أي: جاءهم بغتة من غير موعد والوجه الثاني منقول عن ابن عباس قال: وظن من أعطاهم الرضى في العلانية وأن يكذبهم في السريرة؛ وذلك لطول البلاء عليهم؛ أي: على الأتباع، وقد قيل: في قراءة التشديد نحو من هذا، روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لم يزل البلاء بالأنبياء صلوات الله

стр. 548

عليهم حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين كذبوهم"، وفي صحيح البخاري عن عائشة في قراءة التشديد: قالت: "هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوا، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر"، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك، فاتحد على ذلك معنى القراءتين، أما إن كان الضمير في: "وظنوا أنهم" للمرسَل إليهم فلتأويله وجهان؛ أحدهما: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر، والثاني: وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل فيما أخبروا به من أنهم ينصرون عليهم، وهذا قول يحكى عن سعيد بن جبير ﵁ سئل عن ذلك، فقال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم، فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضرًا لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلًا، قال أبو علي: وإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل أن الذي وعد الله أممهم على لسانهم قد كذبوا فيه قد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء، ولا إلى صالحي عباد لله قال: وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا وظنوا أنهم قد أخلفوا؛ لأن الله لا يخلف الميعاد ولا مبدل لكلمات الله قلت وإنما قال ابن عباس ما تقدم ذكره فخفي معناه على من عبر بهذه العبارة والله أعلم. ٧٨٥- وَأَنِّي وَإِنَّى الخَمْسُ رَبِّي بِأَرْبَعٍ ... أَرَانِي مَعًا نَفْسِي لَيُحْزِنُنِي حُلا أني وما عطف عليه مبتدأ، وحلا: خبره والخمس: نعت؛ لأني المكسورة وحدها والمفتوحة واحدة وهي: "أني أوف الكيل" فتحها نافع وحده والخمس المكسورة "إنيَ أراني" مرتين فتحهما نافع وأبو عمرو، "إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ"، "إني أنا أخوك"، "إِنِّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ" فتحهن الحرميان وأبو عمرو، و"ربي" في أربعة مواضع و: "رَبِّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ" فتحها أيضا الحرميان وأبو عمرو، "ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إِنِّي تَرَكْتُ"، "إلا ما رحم ربيَ"، "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ" فتحهن نافع وأبو عمرو، وأراني معا؛ يعني: "أرانيَ أعصر"، "أَرَانِي أَحْمِلُ" فتحهما الحرميان وأبو عمرو، "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِيَ إِنَّ" فتحها نافع وأبو عمرو، "قَالَ إِنِّيَ لَيَحْزُنُنِي" فتحها الحرميان فهذه أربع عشرة ياء من جملة اثنين وعشرين، ثم ذكر الثماني الباقية فقال: ٧٨٦- وَفِي إِخْوَتِي حُزْنِي سَبِيلِيَ بِي وَلِي ... لَعَلِّي آبَاءِي أَبِي فَاخْشَ مَوْحَلا أراد: "وَبَيْنَ إِخْوَتِيَ إِنَّ" فتحها ورش وحده، "وَحُزْنِيَ إِلَى اللَّهِ" فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر، ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو﴾ فتحها نافع وحده، "بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي"، "ليَ أبي" فتحهما نافع وأبو عمرو، "لَعَلِّيَ أَرْجِعُ" فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن عامر "ملة آبائي إبراهيم" كذلك: "أبيَ أو يحكم" فتحها الحرميان وأبو عمرو، وقوله: وفي إخوتي تقديره: والياءات المختلف فيها أيضا في هذه الألفاظ "إخوتي" وما بعده، وقوله: فاخش موحلا؛ يعني: في عددها واستخراج مواضعها؛ فإنها ملبسة لا سيما قوله: الخمس فقد يظن أنه نعت؛ لأني المفتوحة وتقرأ الأولى بالكسر وإنما هو نعت للمكسورة والأولى مفتوحة وقد يظن أن الخمس نعت لهما، ومجموعهما خمسة مواضع؛ أحدهما اثنان والآخر ثلاثة كما قال: "وفي مريم والنحل خمسة أحرف"، وقال "تسؤ" و"نشأ"

стр. 549

ست؛ أي: مجموعهما ست؛ كل واحد ثلاثة، وقد تقدم بيان ذلك أو فاخش غلطا في استخراجها من السورة فلا تعد ما ليس منها نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ ، ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ، ونحو ذلك، ولا خلاف في تسكينه والموحل مصدر وحل الرجل بكسر الحاء إذا وقع في الوحل بفتح الحاء وهو الطين الرقيق، وقال الشيخ ﵀: أي فاخش موحلا في إخوتي وما نسق عليه كما تقول: وفي دار عمرو فاجلس، وفيها ثلاث زوائد: "نرتع" أثبت ياءه قنبل بخلاف عنه في الحالين، "حتى تؤتوني موثقا" أثبتها ابن كثير في الحالين وأبو عمرو في الوصل، "من يتقي ويصبر" أثبتها قنبل وحده، وقلت في ذلك: روائدها نرتع وتؤتون موثقا ... ومن يتقي أيضا ثلاث تجملا

стр. 550

سورة الرعد: ٧٨٧- وَزَرْعٌ نَخِيلٌ غَيْرُ صِنْوَانٍ أَوَّلا ... لَدى خَفْضِهَا رَفْعٌ "عَـ"ـلَى "حَقُّهُ" طَلا يريد الخفض رفع في هذه الكلمات الأربع وهي قوله تعالى: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وقوله: أولا قيد لصنوان ونصبه على الظرف بعامل مقدر؛ أي: الواقع أولا احترز بذلك من صنوان الذي بعد غير فإنه مخفوض اتفاقا؛ لأنه مضاف إليه ووجه الرفع في هذه الكلمات أنه عطف: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ﴾ ؛ أي: فيها ذا وذا ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ ، وقوله: صنوان نعت لنخيل، وغير: عطف على صنوان، والصنوان جمع صنو وهو أن يكون الأصل واحدا، وفيه النخلتان والثلاث والأربع وصنو الشيء: مثله الذي أصلهما واحد، وفي الحديث: "عم الرجل صنو أبيه"، ويتعلق بهذه اللفظة بحث حسن يتعلق بصناعة النحو من جهة أن صنوان جمع تكسير، وقد سلم فيه لفظ المفرد كما يسلم في جمع السلامة وقد ذكرت ذلك في المجموع من نظم المفصل، ووجه قراءة الخفض في هذه الكلمات الأربع أنها عطفت على أعناب؛ أي: احتوت الجنات التي في الأرض على أعنابٍ وزرعٍ ونخيلٍ كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ ، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ ، وذكر الزرع والنخل قبل ذلك، وقال في آخر السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ ، فعطف النخل والزرع على جنات فهذا موافق لقراءة الرفع هنا وكل واحد من هذه الأنواع موجود، فجاءت الآيات والقراءات على وجوه ما الأمر عليه وقوله: طلا في موضع نصب على التمييز وهو جمع طلية وهو العن؛ أي: علت أعناق حقه ومنه: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة" إشارة إلى أمنهم وسرورهم ذلك اليوم الذي يحزن فيه الكافر، ويخجل فيه المقصرون، وهذا البيت أتى به الناظم

стр. 551

مقفى كما فعل في أول سورة الأنبياء وفي سأل، وباب التكبير كما يأتي وهو: أنه جعل لفظ عروضه موافقا للفظ ضربه على حد ما ابتدأ به القصيدة فقال: وقل قال عن شهد وآخرها علا إلى نُصُب فاضمم وحرك به علا روى القلب ذكر الله فاستسق مقبلا وذلك جائز في وسط القصيدة جوازه في أولها كما فعل امرء القيس في التفريع: ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في الزمن الخالي ثم قال بعد بيتين آخرين: ديار لسلمى عافيات بذي الحال ... ألح عليها كل أسحم هطال وقال في التقفية في أثناء قصيدته المشهورة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي ٧٨٨- وذَكَّرَ تُسْقَى عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ ... وَقُلْ بَعْدَهُ بِاليَا يُفَضِّلُ "شُـ"ـلْشُلا التذكير على تقدير: يُسقى المذكور والتأنيث على تسقى هذه الأشياء ويفضَّل بعضها بالياء والنون ظاهر أن النون للعظمة، والياء رد إلى اسم الله في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ﴾ ، وما بعده، وشلشلا: حال من فاعل قل؛ أي: خفيفا والله أعلم. ٧٨٩- وَمَا كُرِّرَ اسْتِفْهَامُهُ نَحْوُ آئِذَا ... أَئِنَّا فَذُو اسْتِفْهَامٍ الكُلُّ أَوَّلا أي: كل موضع تكرر فيه لفظ الاستفهام على التعاقب في آية واحدة أكلام واحد نحو هذا الذي وقع في سورة الرعد وهو: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، وهذا قد جاء في القرآن في أحد عشر موضعا هذا أولها، وفي سبحان موضعان كلاهما: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ١.

стр. 552

وفي ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ : "قالوا أءذا كنا وترابا وعظاما أئنا لمبعوثون"١. وفي النمل: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُون﴾ ٢. وفي العنكبوت: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ ٣. وفي "الم" السجدة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤. وفي الصافات موضعان: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٥. والثاني مثله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ٦. وفي الواقعة: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٧. وفي النازعات: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ، أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ ٨. وقد جمعت ذلك في بيتين وقلت: بواقعة قد أفلح النازعات سجـ ... ـدة عنكبوت الرعد والنمل أولا وسبحان فيها موضعان وفوق صا ... د أيضا فإحدى عشرة الكل مجتلا ونظمته على بحر البسيط فقلت: رعد قدَ افلح نمل عنكبوت وسجـ ... ـدة وواقعة والنازعات ولا وموضعان بسبحان ومثلهما ... فويق صاد فإحدى عشرة النملا

стр. 553

فالجميع واقع في أنه واحد على لفظ واحد، وما نظمه صاحب القصيدة "أءذا" أءنا إلا في موضعين في النازعات، فإنه في آيتين متجاورتين، ولفظه على عكس ما ذكره وهو "أإنا"، و"أإذا" والذي في العنكبوت في آيتين، ولكنه بلفظ آخر متَّحِدٌ، وهو "أإنكم"، "أإنكم" فما أراد الناظم بقوله: نحو "أإذا" "أإنا" إلا تشبيه تعاقب الاستفهامين على ما بيناه، فإن قلتَ: قد تكرر في سورة والصافات يقول: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ، فيأخذ الوسط مع الذي قبله أم الذي بعده؟ قلتُ: بل مع الذي بعده؛ فإنهما اللفظان، ونص عليهما الناظم فلا معدل عنهما إلا إذا لم يجدهما كما في العنكبوت كيف وإن أتتك قد تقدم ذكرها في باب الهمزتين من كلمة فإن لم يذكر ثَم شيئا من الاستفهامين، وإن كان الجميع لا خلف عن هشام في مده، وضابطه أن يتكرر الاستفهام وفي كل واحد همزتان وإلا فقد يوجد أحد الشرطين ولا يكونا من هذا الباب، بيانه أن المتكرر يوجد وليس في كل واحد همزتان، كالذي في قصة لوط في سورة الأعراف: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ ، ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ ، فهذا استفهام مكرر لكن الأول همزة واحد، ولثاني كذلك في قراءة نافع وحفص وفي قراءة غيرهما، ويوجد الهمزتان ولا يكرر وهذا كثير نحو: ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ ، ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ، ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ . كل ذلك يقرأ بالاستفهام والخبر، وليس من هذا الباب ومنه ما أجمع فيه على الاستفهام نحو: ﴿أَإِذَا مَا مِتّ﴾ ، ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ ، ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ ، ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ، ولفظ الناظم بقوله: "أئذا"، "أئنا" مد الأول وقصر الثاني لأجل الوزن وكلاهما قرئ به كما بينه ولكن لم يخص أحد بالمد الأول دون الثاني بل منهم من مدهما ومنهم من قصرهما في جميع هذه المواضع ثم بين النظام اختلاف القراء في هذا الاستفهام المكرر على الصفة المذكورة فقال فذو استفهام الكل أولا؛ أي: كل القراء يقرأ أول بلفظ الاستفهام؛ أي: بهمزتين والتحقيق والتسهيل يوجدان من أصولهم في ذلك ونصب قوله: أولا على الظرف؛ أي: أول الاستفهامين يدل على ذلك أنه قال بعد ذلك: وهو في الثاني؛ أي: والإخبار في اللفظ الثاني على ما سنبينه، ولو كان قال الأول بالألف واللام، ولو نصبه على أنه مفعول بالاستفهام؛ لأنه مصدر لكان جائزا، ويكون معنى استفهموه جعلوه بلفظ الاستفهام، فقوله: الكل مبتدأ، وذو استفهام خبره مقدم عليه، والجملة خبر وما كرر استفهامه والعائد إليه محذوف؛ أي: الكل ذو استفهام فيه أولا ويجوز أن يكون المعنى كله ذو استفهام على أن يكون الكل عبارة عن المواضع لا عن القراء والمعنى الأول لقوله: بعده سوى نافع، وعلى المعنى الثاني: نحتاج أن يقدر للقراء سوى نافع والله أعلم. ٧٩٠- سِوَى نَافِعٍ فِي النَّمْلِ وَالشَّامِ مُخْبِرٌ ... سِوَى النَّازِعَاتِ مَعْ إِذَا وَقَعَتْ وِلا أي: استثنى نافع وحده الذي في النمل، فقرأ الأول فيه بالإخبار؛ أي: بهمزة واحدة:

стр. 554

"أإذا كنا ترابا". ووافق الجماعة كلهم في المواضع الباقية على الاستفهام في الأول، ثم ذكر قراء ابن عامر وهي أنه يقرأ بالإخبار في جميع المواضع ما عدا النمل واستثنى له أيضا من غير النمل الواقعة والنازعات، فلزم من ذلك أن الأول في النازعات والواقعة لم يقرأه أحد بالإخبار والذي في النمل الإخبار فيه لنافع وحده وما عدا ذلك الإخبار فيه لابن عامر وحده إلا الذي في العنكبوت فإنه وافقه على الإخبار في الأول جماعة كما يأتي في البيت الآتي فهذا معنى قوله: والشام مخبر؛ يعني: في غير النمل سوى كذا وكذا، وولا في آخر البيت بكسر الواو؛ أي: والشام مخبر متابعة فهو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، فكأن أصحاب الناظم ﵀ قد استشكلوا استخراج ذلك؛ لأنهم قدروا قوله: فذوا استفهام الكل أولا سوى نافع فبذلك فسره الشيخ ونظم هذا المعنى في بيتين نذكرهما وإذا كان المعنى كذلك لزم أن يكون قد بين الخلاف في موضع واحد وليس هو في السورة التي النظم فيها ثم رام بيانه في جملة المواضع وعكس هذا أولى، فغير الشاطبي هذا البيت بما دل على أن مراده: فذو استفهام الكل في جميع المواضع فقال: سوى الشام غير النازعات وواقعه ... له نافع في النمل أخبر فاعتلا أي: نافع وحده قرأ في النمل بالإخبار، ودل على أنه منفرد بذلك أنه لم يُعِدْ ذكر ابن عامر معه، وذلك لازم كما بيناه قوله: رمى صحبة، وفي غير ذلك قال الشيخ ﵀: ومعنى البيتين يعود إلى شيء واحد والأول أحسن وعليه أعول. قلتُ: في البيت الثاني تنكير لفظ "واقعة" وإسكانها وذلك وإن كان جائز للضرورة فاجتنابه مهما أمكن أولى، وقوله: "له" زيادة لا حاجة إليها، قال: ولو قال الناظم ﵀: فالاستفهام في النمل أولا: "خـ"ـصوص وبالإخبار شام بغيرها ... سوى النازعات مع إذا وقعت ولا لارتفع الإشكال وظهر المراد والخاء في خصوص رمز. ٧٩١- وَ"دُ"ونَ "عِـ"ـنَادٍ "عَمَّ" فِي الْعَنْكَبُوتِ مُخْـ ... ـبِرًا وَهْوَ في الثَّانِي "أَ"تَى "رَ"اشِدًا وَلا أي: تابع ابن كثير وحفص ونافع وابن عامر في الإخبار في أول الذي في العنكبوت فقرءوا "إنكم" بهمزة إن المكسورة، وهذا أحد المواضع التي رمز فيها بعد الواو الفاصلة في كلمة واحدة ومخبرا حال من الضمير في عم وهو عائد على الأول من الاستفهامين جعله مخبرا؛ لأن الإخبار فيه كما يجعل ما فيه الخطاب مخاطبا في نحو: وخاطب عما تعلمون. ثم قال: وهو "يعني الإخبار" في الثاني؛ أي: في الاستفهام الثاني في كل المواضع الأحد عشر المذكورة إلا ما يأتي استثناؤه وكل ما تقدم ذكره كان مختصا بالاختلاف في الأول. وقوله: "أتى راشدا" رمز لنافع والكسائي فهما المخبران في الثاني، فقرأ "إنا" بهمزة واحدة مكسورة، وراشدا حال أو مفعول به؛ أي: أتى الإخبار قارئا راشدا، ووَلا بفتح الواو في موضع نصب على التمييز أي

стр. 555

راشدًا ولاؤه، وهو وما قبله المكسور الواو ممدودان وإنما قصرا للوقف عن ما ذكرناه مرارا. ٧٩٢- سِوَى العَنْكَبُوتِ وَهْوَ فِي النَّمْلِ "كُـ"ـنْ "رِ"ضَا ... وَزَادَاهُ نُونًا إِنَّنَا عَنْهُمَا اعْتَلا أي: لم يقرأ أحد في ثاني العنكبوت بالإخبار وهو؛ يعني: الإخبار في ثاني النمل لابن عامر والكسائي، أما نافع فاستفهم كالباقين؛ لأنه قرأ الأول بالخبر كما سبق وكذا فعل في العنكبوت لما أخبر في الأول استفهم في الثاني وابن عامر لما كان مستفهما في أول النمل على خلاف أصله أخبر في الثاني هنا على خلاف أصله أيضا ثم قال: وزاده نونا؛ أي: زاد ابن عامر والكسائي الثاني في النمل نونا فقراءة: "إئنا لمخرجون"، والباقون بنون واحدة والاستفهام "أئنا" ثم قال: ٧٩٣- وَ"عَمَّ" "رِ"ضًا فِي النَّازِعَاتِ وَهُمْ عَلَى ... أُصُولِهِمُ وَامْدُدْ "لِـ"ـوَى "حَـ"ـافِظٍ "بَـ"ـلا رضى في موضع نصب على التمييز؛ أي: عم رضا الإخبار في ثاني النازعات فقرئ: "إذا كنا" بهمزة واحدة فوافق ابن عامر نافعا والكسائي في أصلهما الذي هو الإخبار في الثاني؛ لأنه يقرأ الأول بالاستفهام فهو كما قرأ في النمل، وكان القياس أن يفعل في الواقعة كذلك لكنه استفهم في الموضعين كما أن الكسائي استفهم في موضعي العنكبوت فخالفا أصلهما فيهما، والباقون على الاستفهام مطلقا وهم على أصولهم في ذلك؛ لأنه اجتمع في قراءتهم بالاستفهام همزتان في الأول وهمزتان في الثاني. فمَن مذهبه تحقيق الهمزتين وهم الكوفيون وابن عامر: حقق. ومَن مذهبه تسهيل الثانية سهل وهم الحرميان وأبو عمرو على ما تمهد في باب الهمزتين من كلمة. ومَن مذهبه المد بين الهمزتين سواء كانت الثانية محققة أو مسهلة مدَّ هنا، وهم أبو عمرو وقالون وهشام، وقد رمزهم هنا بقوله: وامدد لوى حافظ بلا وإنما اعتنى ببيان ذلك، ولم يكتفِ بما تقدم في باب الهمزتين من كلمة إعلاما بأن هشاما يمد هنا بغير خلاف عنه بخلاف ما تقدم في الباب المذكور وقد ذكر لهشام فيه سبعة مواضع لا خلف عنه في مدها فهذا الباب كذلك، وقوله: "وامدد لوى" أراد "لوا" الممدود فقصره ضرورة وهو مفعول امدد، وإذا مد اللواء ظهر واشتهر أمره؛ لأن مده نشره بعد طيه، فكأنه يقول: انشر علم الحفظة القراء وأشهر قراءاتهم، ومعنى ابتلا اختبر وهو صفة لحافظ، وأشار الشيخ إلى أن لوى في موضع نصب على الحال؛ أي: في علو لواء الحافظ وشهرته واعلم أن القراءة بالاستفهام في هذه المواضع في الأصل وهو استفهام الإنكار والتعجب، ومن قرأ بالخبر في الأول أو الثاني استغنى بأحد الاستفهامين عن الآخر وهو مراد فيه، ومن جمع بينهما فهو أقوى تأكيدا، والعامل في إذا من قوله: "إذا كنا" في أول المواضع التسع،

стр. 556

وثاني النازعات فعل مضمر يدل عليه ما بعده في الأول وما قبله في الثاني، تقديره أنبعث إذا كنا ترابا أنرد إذا كنا عظاما نخرة، ومن قرأ بالإخبار في ثاني النازعات جاز أن يتعلق إذا بما قبله وهو: ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾ ، أما الإخبار في باقي المواضع فلفظه إنا فلا يعمل ما بعد إن فيما قبلها كما لا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله نص عليه أبو علي، أما الموضع الحادي عشر وهو الذي في العنكبوت فليس فيه لفظ إذا فالأمر فيه ظاهر. ٧٩٤- وَهَادٍ وَوَالٍ قِفْ وَوَاقٍ بِيَائِهِ ... وَبَاقٍ "دَ"نَا هَلْ يَسْتَوِي "صُحْبَةٌ" تَلا يعني حيث وقعت هذه الكلم في هذه السورة أو غيرها نحو: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ ٣، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ٤، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٥. ابن كثير يقف بالياء على الأصل وأنما حذفت في الوصل؛ لاجتماعها مع سكون التنوين فإذا زال التنوين بالوقف رجعت الياء، والباقون يحذفونها بعا لحالة الوصل، وهما لغتان والحذف أكثر وفيه متابعة الرسم، أما ما يستوي المختلف فيه فهو قوله تعالى: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ لما كان تأنيث الظلمات غير حقيقي جاز أن يأتي الفعل المسند إليها بالتذكير والتأنيث، فقراءة صحبة بالتذكير وإطلاق الناظم له دالٌّ على أنه ذلك، وقبل هذا: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ لا خلاف في تذكيره؛ إذ لا يتجه فيه التأنيث مع تذكير الفاعل فلم يحتج إلى أن يقيد موضع الخلاف بأن يقول: الثاني أو نحو ذلك، وقد سبق في الأصول أن هذا الموضع لا إدغام فيه لأحد من القراء؛ لأن من مذهبه إدغام لام هل عند التاء، وهما حمزة والكسائي قرآ هنا بالياء وهشام استثنى هذا الموضع من أصله، وفي تلا ضمير يعود على صحبه؛ لأن لفظه مفرد والله أعلم. ٧٩٥- وَبَعْدُ "صِحَابٌ" يُوْقِدُونَ وَضَمُّهُمْ ... وَصُدُّوا "ثَـ"ـوَى مَعْ صُدَّ فِي الطَّوْلِ وَانْجَلا أي: وبعد يستوي قراءة صحاب يوقدون بالغيبة ردا إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ﴾ ، وقراءة الباقين بالخطاب ظاهرة، وصدوا ثوى مع صدأى أقام الضم في: ﴿وَصُدُّوا﴾ مع الضم في: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ في غافر للكوفيين والباقون بفتح الصاد، وتوجيه القراءتين ظاهر؛ لأن الله تعالى لما صدهم عن سبيله صدوهم لا رادَّ لحكمه والضمير في وضمهم للقراء أهل الأداء وهو يوهم أنه ضمير صحاب ولا يمكن ذلك لأجل أبي بكر ولأن ثوى حينئذ لا يبقى رمزا مع التصريح.

стр. 557

٧٩٦- وَيُثْبِتُ فِي تَخْفِيفِهِ "حَقُّ نَـ"ـاصِرٍ ... وَفِي الكَافِرِ الكُفَّارُ بِالجَمْعِ "ذُ"لِّلا يريد "يمحو الله ما يشاء ويثبت". التخفيف والتشديد لغتان من أثبت وثبت مثل أنزل ونزل والكافر في قوله: تعالى: "سيعلم الكافر" أريد به الجنس ووجه الجمع ظاهر، ولهذا قال ذللا؛ أي: سهل معناه حين جمع والله أعلم، وفيها زائدة واحدة: "الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي" أثبتها في الحالين ابن كثير وحده، وقلت في ذلك: ولا ياء فيها للإضافة وارد ... وفي المتعالي زائد قد تحصلا

стр. 558

سورة إبراهيم: ٧٩٧- وَفِي الخَفْضِ فِي اللهِ الَّذِي الرَّفْعُ "عَمَّ" خَا ... لِقُ امْدُدْهُ وَاكْسِرْ وَارْفَعِ القَافَ "شُـ"ـلْشُلا يريد اسم الله تعالى الذي في قوله: "إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهُ الَّذِي لَهُ"، فرفعه على الابتداء، والخفض على البدل من: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أو هو عطف بيان، أما: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ فقرأه حمزة والكسائي "خالق" على أنه اسم فاعل، فمدَّا بعد الخاء وكسرا اللام ورفعا القاف؛ لأنه خبر "أن"، وقراءة الباقين خلق على أنه فعل ماضٍ ثم قال: ٧٩٨- وَفِي النُّورِ وَاخْفِضْ كُلَّ فِيهَا وَالَارْضَ هَا ... هُنَا مُصْرِخِيَّ اكْسِرْ لِحَمْزَةَ مُجْمِلا أي: وافعل مثل ذلك في سورة النور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ١. واخفض لفظ "كل" فيها بإضافة "خالق" إليه، والباقون نصبوا "كل"؛ لأنه مفعول خلق وقوله: "وَالْأَرْضِ" ههنا؛ أي: واخفض لفظ الأرض في سورة إبراهيم على قراءة حمزة والكسائي؛ لأنه معطوف على السموات والسموات في قراءتهما مخفوضة لإضافة خالق إليها والسموات في قراءة غيرهما مفعولة بقوله: خلق فهي منصوبة وإنما علامة نصبها الكسرة فلما اتحد لفظ النصب والجر لم يحتج إلى ذكر السموات، وذكر ما عطف عليها وهو الأرض؛ لأن فيها يبين النصب من الجر، فمن كانت السموات في قراءته منصوبة نصب الأرض بالعطف عليها، وقرأ حمزة: "وما أنتم بمصرخي" بكسر الياء المشددة وقرأ الباقون بفتحها وهو الوجه؛ لأن حركة ياء الإضافة الفتح مطلقا سكن ما قبلها أو تحرك وقوله: مجملا؛ يعني: في تعليل قراءة حمزة، وهو من قولهم: أحسن وأجمل في قوله أو فعله؛ أي: اكسر غير طاعن على هذه القراءة كما فعل من أنكرها من النحاة ثم ذكر وجهها فقال: ٧٩٩- كَهَا وَصْلٍ اوْ لِلسَّاكِنَينِ وَقُطْرُبٌ ... حَكَاهَا مَعَ الفَرَّاءِ مَعْ وَلَدِ العُلا ذكر لها وجهين من القياس العربي مع كونها لغة محكية، وإنما تكلف ذلك؛ لأن جماعة من النحاة أنكروا هذه القراءة، ونسبوها إلى الوهم واللحن. قال الفراء: في كتاب المعاني: وقد خفض الياء من مصرخي: الأعمش

стр. 559

ويحيى بن وثاب جميعا. حدثني بذلك القاسم بن معن عن الأعمش عن يحيى بن وثاب، ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى؛ فإنه قل من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أن الياء في "مصرخي" حافظة للفظ كله والياء للمتكلم خارجة من ذلك قال: ومما نرى أنهم أوهموا فيه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ﴾ بالجزم ظنوا أن الجزم في الهاء، ثم ذكر غير ذلك مما لم يثبت قراءة، وقد تقدم وجه الإسكان في "نوله" ونحوه، وسنقرر كسر ياء "بمصرخي"، وقال أبو عبيد: أما الخفض فإنا نراه غلطا؛ لأنهم ظنوا أن الياء التي في قوله: "بمصرخي" تكسر كل ما بعدها قال: وقد كان في القراء من يجعله لحنا، ولا أحب أن أبلغ به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، ولا وجه لها إلا وجيه ضعيف ذكر وبعض النحويين يعني: القراءة، فذكر ما سنذكره في الحركة لالتقاء الساكنين. وقال ابن النحاس: قال الأخفش سعيد: ما سمعت هذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين، قال أبو جعفر: قد صار هذا بإجماع لا يجوز، ولا ينبغي أن يحمل كتاب الله تعالى على الشذوذ، قال أبو نصر بن القشيري في تفسيره: ما ثبت بالتواتر عن النبي ﷺ فلا يجوز أن يقال هو خطأ أو قبيح أو ردي بل في القرآن فصيح وفيه ما هو أفصح فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ حمزة أفصح. قلت: يستفاد من كلام أهل اللغة في هذا ضعف هذه القراءة، وشذوذها على ما قررنا في ضبط القراءة القوية والشاذة، أما عدم الجواز فلا فقد نقل جماعة من أهل اللغة أن هذه لغة وإن شذت وقل استعمالها، قال أبو علي: قال الفراء في كتابه في التصريف: زعم القاسم بن معن أنه صواب قال: وكان ثقة بصيرا، وزعم قطرب أنه لغة في بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء وأنشد: ماضٍ إذا ما هم بالمضيِّ ... قال لها هل لك يا تا فيِّ قال: وقد أنشد الفراء ذلك أيضا. قلت: فهذا معنى قول الناظم: وقطرب حكاها مع الفراء، فالهاء في حكاها: ضمير هذه اللغة ولم يتقدم ذكرها ولكنها مفهومة من سياق الخفض في تقرير هذه القراءة فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ ؛ أي: عالي مدائن قوم لوط ولم يتقدم لها ذكر ولكن علم ذلك من سياق القصة، وقال الفراء في كتاب المعاني: وقد سمعت بعض العرب ينشد: قال لها هل لك يا تا فيِّ ... قالت له ما أنت بالمرضيِّ فخفض الياء من "في" فإن يكن ذلك صحيحا فهو مما يلتقي من الساكنين، وتمام كلام سننقله فيما بعد فانظر إلى الفراء كيف يتوقف في صحة ما أنشده ومعناه: يا هذه هل لك فيّ؟ قال الزجاج: هذا الشعر مما لا يلتفت إليه وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا الشعر من العرب ولا هو مما يحتج به في كتاب الله تعالى اسمه، وقال الزمخشري: هي قراءة ضعيفة واستشهدوا لها ببيت مجهول فذكره.

стр. 560

قلت: ليس بمجهول؛ فقد نسبه غيره إلى الأغلب العجلي الرجز، ورأيته أنا في أول ديوانه، وأول هذا الزجر: أقبل في ثوبي معافريّ ... بين اختلاط الليل والعشيّ وهذه اللغة باقية في أفواه الناس إلى اليوم، يقول القائل: ما فيّ أفعل كذا، وفي شرح الشيخ: قال حسين الجعفي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن كسر الياء فأجازه، وهذه الحكاية تروى على وجوه ذكرها ابن مجاهد في كتاب الياءات من طرق، قال خلاد المقرئ: حدثنا حسين الجعفي قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء: إن أصحاب النحو يلحنوننا فيها فقال: هي جائزة أيضا؛ إنما أراد تحريك الياء فليس يبالي إذا حركتها، وفي رواية: لا تبالي إلى أسفل حركتها أو إلى فوق، وفي رواية: سألت أبا عمرو بن العلاء عنها فقال: من شاء فتح ومن شاء كسر، وقال خلف: سمعت حسين الجعفي يروي عن أبي عمرو بن العلاء فقال: إنها بالخفض حسنة، وقال محمد بن عمر الرومي: حدثني الثقة عن حسين الجعفي قال: قدم علينا أبو عمرو بن العلاء فسألته عن القرآن فوجدته به عالما، فسألته عن شيء قرأ به الأعمش واستشنعته: "وَمَا أَنْتُمْ بِمُْرِخِيِّ" بالجر فقال جائزة، قال: فلما أجازها أبو عمرو، وقرأ بها الأعمش أخذت بها قال: وهي عند أهل الأعراب ليست بذاك، فهذا معنى قول الناظم: مع ولد العلا؛ يعني: أن أبا عمرو حكى هذه اللغة ونقلها، وعلى ضعفها وشذوذها قد وجهها العلماء بوجهين أحدهما أن ياء الإضافة شبهت بهاء الضمير التي توصل بواو إذا كانت مضمومة وبياء إذا كانت مكسورة وتكسر بعد الكسر والياء الساكنة، ووجه المشابهة أن الياء ضمير كالهاء كلاهما على حرف واحد يشترك في لفظه النصب والجر، وقد وقع قبل الياء هنا ياء ساكنة فكسرت كما تكسر الهاء في عليه وبنو يربوع يصلونها بياء كما يصل ابن كثير نحو عليه بياء، وحمزة كسر هذه الياء من غير صلة؛ لأن الصلة ليست من مذهبه، ومعنى المصرخ المغيث، وأصل "مصرخيّ": مصرخيني حذفت النون للإضافة فالتقت الياء التي هي علامة الجر مع ياء الإضافة فأدغمت فيها، وتوجيه هذه اللغة بهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه أبو علي في كتاب الحجة فقال: وجه ذلك من القياس أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما وكالكاف في: أكرمتك وهذا لك، فكما أن الهاء قد لحقتها الزيادة في هذا لهو وضربهو، ولحق الكاف أيضا الزيادة في قول من قال: أعطيتكاه وأعطيتكيه فيما حكاه سيبويه وهما أختا الياء ولحقت التاء الزيادة في نحو قول الشاعر: رميتيه فأصميت ... وما أخطأت الرميهْ كذلك ألحقوا الياء الزيادة من المد فقالوا في ثم حذفت الياء الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: له أرقان، وزعم أبو الحسن أنها لغة. قلتُ: ليس التمثيل بقوله: له أرقان مطابقا لمقصوده؛ فإن الهاء ساكنة حذفت حركتها مع حذف صلتها، وليس مراده إلا حذف الصلة فقط فالأولى لو كان مثل بنحو: عليه وفيه، ثم قال أبو علي: وكما حذفت الزيادة من الكاف فقيل: أعطيتكه وأعطيتكيه كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختها وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسر قال: فإذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه اللغة وإن كان غيرها أفشى منها وعضده من القياس ما ذكرنا لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة

стр. 561

بذلك لحن؛ لاستقامة ذلك في السماع والقياس وما كان كذلك لا يكون لحنا. قلتُ: فهذا معنى قول الشاطبي ﵀: كها وصل؛ أي: نزلت الياء في: "بِمُصْرِخِيّ" منزلة هاء الضمير الموصلة بحرف المد، فوصلت هذه الياء أيضا بما يليق بها وهو الياء ثم حذفت الصلة منها كما تحذف من الهاء، الوجه الثاني أشار إليه الناظم بقوله: أو للساكنين؛ أي: أو يكون الكسر في: "بِمُصْرِخِيَّ"؛ لأجل التقاء الساكنين، وذلك بأن تقدر ياء الإضافة ساكنة، وقبلها ياء الإعراب ساكنة أيضا، ولم يمكن تحريكها؛ لأنها علامة الجر، ولأنها مدغمة في الثانية، فلزم تحريك ياء الإضافة، فكسرت تحريكا لها بما هو الأصل في التقاء الساكنين وهذا الوجه نبه عليه الفراء أولا، وتبعه فيه الناس، قال الزجاج: أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر؛ لأن أصل التقاء الساكنين الكسر قال الفراء: ألا ترى أنهم يقولون: لم أره منذ اليوم ومذ اليوم، والرفع في الذال هو الوجه؛ لأنه أصل حركة منذ، والخفض جائز، فكذلك الياء من: "بِمُصْرِخِيِّ" خفضت ولها أصل في النصب، قال الزمخشري: كأنه قدر ياء الإضافة ساكنة ولكنه غير فصيح؛ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو: "عَصَايَ" فما بالها وقبلها ياء، وقال بعضهم: كسرها؛ إتباعا للكسرة التي بعدها كما قرأ بعضهم: "الحمدِ لله" بكسر الدال؛ إتباعا لكسر اللام بعدها فكما تقول العرب بعير وشعير ورحيم بكسر أوائلها إتباعا لما بعدها فهذا وجه ثالث، وكلها ضعيفة والله أعلم. ٨٠٠- وَضُمَّ "كِـ"ـفَا "حِصْنٍ" يَضِلُّوا يَضِلَّ عَنْ ... وَأَفْئِدَةً بِاليَا بِخُلْفٍ "لَـ"ـهُ وَلا الكفا بكسر الكاف: النظير والمثل؛ أي: ضم مماثلا لحصن فهو في موضع نصب على الحال وهو ممدود قصره ضرورة كما قصر الهاء في قوله في البيت السابق: كـ "ها" وصل يريد ضموا الياء من: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ من: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الحج١ ولقمان٢، و ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ في الزمر٣، ووجه القراءتين ظاهر، وقال صاحب التيسير هشام: من قراءتي علي أبي الفتح: "أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ" بياء بعد الهمزة قال: وكذلك نص عليه الحلواني عنه، قال الشيخ: وذكر أبو الفتح في كتابه في قراءة السبعة، وروى هشام وحده عن ابن عامر: "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً" بياء ساكنة بعد الهمزة قال: وهذه القراءة وجهها الإشباع؛ والإشباع أن تزيد في الحركة حتى تبلغ بها الحرف الذي أخذت منه، والغرض بذلك الفرق بين الهمزة والدال؛ لأنهما حرفان شديدان، والولاء مصدر ولى ولاء قلت الولاء النصر وهذه أيضا

стр. 562

قراءة ضعيفة بعيدة عن فصاحة القرآن، وقل من ذكرها من مصنفي القراءات بل أعرض عنها جمهور الأكابر، ونعم ما فعلوا، فما كل ما يروى عن هؤلاء الأئمة يكون مختارا؛ بل قد روى عنهم وجوه ضعيفة، وعجيب من صاحب التيسير كيف ذكر هذه القراءة مع كونه أسقط وجوها كثيرة لم يذكرها نحو ما نبهنا عليه مما زاده ناظم هذه القصيدة، وههنا قراءة صحيحة تروى عن عاصم وأبي عمرو: "وإنما نؤخرهم ليوم" بالنون ذكرها ابن مجاهد وغيره من كبار أئمة القراءة، ولم يذكرها صاحب التيسير؛ لأنها ليست من طريق اليزيدي، وقد أشبعت الكلام في هذا في الشرح الكبير في آخر سورة أم القرآن، وما وزان هذه القراءة إلا أن يقال في أعمدة وأتجدة أعميدة وأتجيدة بزيادة ياء بعد الميم والجيم، وكان بعض شيوخنا يقول: يحتمل أن هشاما قرأها بإبدال الهمزة ياء أو بتسهيلها كالياء فعبر الراوي لها بالياء فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة وإنما كان المراد بياء عوضا من الهمزة، فيكون هذا التحريف من جنس التحريف المنسوب إلى من روى عن أبي عمرو: "بَارِئْكُمْ" و"يَأْمُرْكُمْ" ونحوه بإسكان حركة الإعراب وإنما كان ذلك اختلاسا، وفي هذه الكلمة قراءة أخرى ذكرها الزمخشري في تفسيره، وإن كان قد وَهِمَ في توجيهها وهي بكسر الفاء من غير همز، ووجهها أنها ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت فهذه قراءة جيدة وهي صورة ما يفعله حمزة في الوقف عليها، ولعل من روى قراءة الإشباع كان قد قرأها بلا همز، فرد هشام عليه متلفظا بالهمزة وأشبع كسرتها زيادة في التنبيه على الهمزة، فظن أن الإشباع مقصود فلزمه ورواه والله أعلم. ٨٠١- وَفِي لِتَزُولَ الفَتْحُ وَارْفَعْهُ "رَ"اشِدًا ... وَمَا كَانَ لِي إِنِّي عِبَادِيَ خُذْ مُلا يعني فتح اللام الأولى ورفع الثانية فالهاء في ارفعه لهذا اللفظ فـ "إن" على قراءة الكسائي مخففة من الثقيلة مبالغة في الإخبار بشدة مكرهم كقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ ؛ أي: قد كان مكرهم من كبره وعظمه يزيل ما هو مثل الجبال في الامتناع على من أراد إزالتها في ثباتها، وعلى قراءة الباقين تكون "إن" إما شرطية؛ أي: وإن كان مكرهم معادلا إزالة أشباه الجبال الرواسي وهي المعجزات والآيات فالله مجازيهم بمكر أعظم منه، وإما أن يكون "إن" نافية واللام في لتزول مؤكدة لها؛ أي: وما كان مكرهم بالذي يزيل ما هو بمنزلة الجبال وهي الشرائع ودين الله تعالى، فإن قلت على هذا: كيف يجمع بين القراءتين؟ فإن قراءة الكسائي أثبتت أن مكرهم تزول منه الجبال وقراءة غيره نفته؟ قلت: تكون الجبال في قراءة الكسائي إشارة إلى أمور عظيمة غير الإسلام ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها والجبال في قراءة الجماعة إشارة لما جاء به النبي ﷺ من الدين الحق فلا تعارض حينئذ والله أعلم. وأريد حقيقة الجبال قراءة الكسائي كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١.

стр. 563

وفي قراءة غيره أريد بالجبال ما سبق ذكره، ثم ذكر الناظم ياءات الإضافة وهي ثلاثة في هذه السورة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ١، فتحها حفص وحده، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ﴾ ٢، فتحها الحرميان وأبو عمرو، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣، فتحها هؤلاء وعاصم. وملا جمع ملاءة؛ أي: خذ ذا ملاءة؛ أي: ذا حجج ووجوه مستقيمة وفيها ثلاث زوائد: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ، أثبتها في الوصل ورش وحده: ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أثبتها في الوصل أبو عمر وحده: "دُعَائي"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وحمزة وورش، وأثبتها في الحالين البزي وحده، وقلت في ذلك: دعائي بما أشركتمونِ وقوله ... وخاف وعيدي للزوائد أجملا

стр. 564

سورة الحجر: ٨٠٢- وَرُبَّ خَفِيفٌ "إِ"ذْ "نَـ"ـمَا سُكِّرَتْ "دَ"نَا ... تَنزَّلُ ضَمُّ التَّا لِشُعْبَةَ مُثِّلا يريد: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، التخفيف والتشديد فيها لغتان، ومعنى نما بلغ من قول الشاعر: من حديثٍ نَمَى إليَّ عَجِيبِ أو من نمى المال إذا زاد؛ لأن لفظة "رب" فيه لغات كثيرة، وسكرت بالتخفيف؛ أي: حبست من قولهم: وسكرت النهر وبالتشديد يجوز أن يكون من هذا شدد للكثرة، وأن يكون بمعنى حيرت من السكر، ويجوز أن يقرأ في البيت مخففا ومشددا والتخفيف أولى؛ ليطابق الرمز بعده والتشديد قد يوهم من قلت معرفته بهذا النظم أنه من باب: وباللفظ أستغني عن القيد فيقرأ لابن كثير بالتشديد وإنما هو مقيد بما تقدمه من ذكر التخفيف كقوله: وفصل إذ ثنى، وفي أحصن عن نفر العلا، استغنى عن تقييدهما بالقيد المذكور قبل كل واحد منهما وكذا في هذه السورة "منجوك"، "وَقَدَّرْنَا"، وقوله: "ما تنزل الملائكة" بضم التاء ظاهر وبفتحها على حذف إحدى التاءين أصله تتنزل الملائكة والله أعلم. ٨٠٣- وَبِالنُّونِ فِيها وَاكْسِرِ الزَّايَ وَانُصِبِ الْـ ... ـمَلائِكَةَ المَرْفُوعَ عَنْ "شَـ"ـائِدٍ عُلا أي: واقرأ بالنون في هذه الكلمة موضع التاء واكسر الزاي فيصير "ينزل" على وزن يحوِّل، ويلزم من ذلك نصب الملائكة؛ لأنه مفعول به، ومن قرأ بالتاء رفع الملائكة؛ لأنه فاعل على قراءة من فتح التاء، ومفعول ما لم يسم فاعله على قراءة من ضمها ولم ينبه على ضم النون، وكان الأولى أن يذكره فيقول: وبالنون ضما؛ أي: ضم ولا حاجة إلى قوله: فيها؛ لأنه معلوم، وقوله: المرفوع نعت الملائكة؛ لأنه لفظ، وقوله: عن شائد علا؛ أي: ناقلا له عن عالم هذه صفته؛ أي: عن من بنى المناقب العلا ورفعها وحصلها بعلمه ومعرفته، ولا خلاف في تشديد الزاي هنا وقد تقدم في البقرة. ٨٠٤- وَثُقِّلَ لِلْمَكِّيِّ نُونُ تُبَشِّرُو ... نَ وَاكْسِرْهُ "حِرْمِيَّا" وَمَا الحَذُفُ أَوَّلا قراءة الجماعة ظاهرة النون مفتوحة؛ لأنها العلامة لرفع الفعل، ومن كسرها قدر أصل الكلمة تبشرنني بنونين وياء الضمير المفعولة فحذف نافع نون الوقاية كما حذفها في: "أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ"، وأدغم ابن كثير نون علامة الرفع فيها كقراءة الجماعة في: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ، ثم حذف نافع وابن كثير الياء كما حذفت في نظائره من رءوس الآي نحو "عقاب" و"متاب"، وأبقيا كسرة النون دالة على الياء المحذوفة وقوله: "حرميا" حال من

стр. 565

فاعل "واكسره"؛ أي: قارئا يقرؤه الحرمي أو من مفعوله؛ لأنه فعل منسوب إلى الحرمي وقد سبق معنى وما الحذف أولا في سورة الأنعام؛ يعني: أن من قرأ بالتخفيف مع الكسرة وهو نافع حذف إحدى النونين وليس الحذف في الأولى منهما بل في الثانية توفيرا على الفعل علامة رفعه، والتقدير: وما وقع الحذف أولا، ولو قال: الأول على تقدير: وما المحذوف الأول من التنوين لكان جائزا. ٨٠٥- وَيَقْنَطُ مَعْهُ يَقْنَطُونَ وَتَقْنَطُوا ... وَهُنَّ بِكَسْرِ النُّونِ "رَ"افَقْنَ "حُـ"ـمِّلا يريد: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ ، وفي الروم: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ، وفي الزمر: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فتح النون فيها وكسرها لغتان، فماضي المفتوح قنط بالكسر وماضي المكسور قنط بالفتح، وهي أفصح اللغتين، وقد أجمعوا على الفتح في الماضي في قوله تعالى في الشورى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ ، وحملا جمع حامل وقوله: ويقنط مبتدأ ومعه يقنطون خبره؛ أي: هذه الكلمات اجتمعت، واتحد الحكم فيها، ثم ابتدأ مبينا حكمها، فقال: هن بكسر النون وفتحها، ولو قال موضع وهن جميعا لكان أحسن وأظهر معنى والله أعلم. ٨٠٦- وَمُنْجُوهُمُ خِفٌّ وَفِي العَنْكَبُوتِ تُنْـ ... ـجِيَنَّ "شَـ"ـفَا مُنْجُوكَ "صُحْبَتُـ"ـهُ "دَ"لا أي: ذو خف؛ أي: خفيف أراد: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ،: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ،: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ التخفيف والتثقيل: فيها من أنْجَى ونجَّى كأنْزَل ونزَّل وهما لغتان خفف الثلاثة حمزة والكسائي، ووافقهما أبو بكر وابن كثير على تخفيف "منجوك"، ولو قال: "لمنجوهم" خفف باللام بدل الواو لكان أحسن؛ حكاية لما في الحجر ولا حاجة إلى واو فاصلة؛ لظهور الأمر كما قال بعد ذلك: قدرنا بها والنمل، وقد مضى معنى دلا في مواضع، وفيه ضمير راجع إلى لفظ صحبة؛ لأنه مفرد وهو كما سبق في الرعد صحبة تلا والله أعلم. ٨٠٧- قَدَرْنَا بِهَا وَالنَّمْلِ "صِـ"ـفْ وَعِبَادِ مَعْ ... بَناتِي وَأَنِّي ثُمَّ إِنِّيِ فَاعْقِلا يريد: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾ ، وفي النمل التخفيف والتشديد فيهما أيضا لغتان، واستغنى بقيد التخفيف في "منجوهم" عن القيد فيهما كما سبق في"سكرت" وهو من التقدير: لا من القدرة، ومثل ذلك سيأتي في الواقعة والمرسلات والأعلى، ثم ذكر ياءات الإضافة وهي أربع: "بَنَاتِيَ إِنْ كُنْتُمْ" فتحها نافع وحده، "عِبَادِيَ أَنِّيَ أَنَا"، ﴿وَقُلْ إِنِّيَ أَنَا النَّذِيرُ﴾ فتح الثلاث الحرميان وأبو عمرو.
следующие страницы →