٦٩٩-
وَفِي الكَهْفِ "حُـ"ـسْنَاهُ وَضَمُّ حُلِيِّهِمْ ... بَكَسْرٍ "شَـ"ـفَا وَافٍ وَالِاتْبَاعُ ذُو حُلا
أي وفتح الذي في الكهف أبو عمرو وحده، وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ، وضمه الباقون، وقبل هذا الحرف في الكهف موضعان لا خلاف في فتحهما، وهما: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ، ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ؛ وذلك لموازنة رءوس الآي قبلهما وبعدهما نحو "عجبا"، "عددا"، "أحدا"، وأما وجه الإسكان في الثالث المختلف فيه فلأن قبله "علما" وبعده "صبرا" فرشدا بالضم والإسكان يوافقه، فاتفق أن اللفظ المختلف فيه في الصورتين هو واقع في قضية موسى ﵇، ولعل الناظم أشار بقوله: "حسناه" إلى حسن القراءتين وهو مصدر على فعلى كحسنى، أو هو تثنية حسن؛ أي: حسنا هذا اللفظ وحسناه قراءتاه، وحلى جمع حلي، الأصل ضم الحاء ومن كسرها أتبعها كسرة اللام فلهذا قال: والاتباع ذو حلا؛ تعليلا لهذه القراءة؛ أي: الإتباع معروف في لغة العرب مستحسن عندهم، وليس قوله: ذو حلا برمز؛ فإن رمْز قراءة الكسر في قوله: شفا، والاتباع هي بكسر الحاء وهو يوهم أنه رمز لقراءة أخرى في باديء الرأي فلو كان حذفه وقيد موضع الخلاف في الكهف كان أولى فيقول:
وفي ثالث في الكهف حز وحليهم ... بكسر لضم الحاء الاتباع شمللا
والله أعلم.
٧٠٠-
وَخَاطَبَ يَرْحَمْنَا وَيَغْفِرْ لَنَا "شَـ"ـذًا ... وَبَا رَبَّنَا رَفْعٌ لِغَيْرِهِمَا انْجَلا
أي مشبها شذا أو ذا شذا، وهو العود؛ لأنهما قرءا على الخطاب ونصبا ربنا على حذف حرف النداء وقراءة الباقين على الغيب وإسناد الفعلين إلى ربنا، فلهذا رفع على الفاعلية.
٧٠١-
وَمِيمَ ابْنَ أُمَّ اكْسِرْ مَعًا "كُفْؤَ" "صُحْبَةٍ" ... وَآصَارَهُمْ بِالجَمْعِ وَالمَدِّ "كُـ"ـلِّلا
معا يعني: هنا وفي طه وفتح الميم وكسرها لغتان، وإفراد الإصر وجمعه مضت نظائره، وهو الثقل من التكاليف وغيرها، وكفؤا حال من فاعل اكسر أو مفعوله، وقد مضى في النساء معنى كللا.
٧٠٢-
خَطِيئَاتُكُمْ وَحِّدْهُ عَنْهُ وَرَفْعُهُ ... "كَـ"ـمَا "أَ"لَّفُوا وَالغَيْرُ بِالْكَسْرِ عَدَّلا
عنه؛ أي: عن ابن عامر ورفع التاء له ولنافع؛ لأنهما قرءا يغفر بإسناد الفعل إلى المفعول فلزم رفع خطيئتكم لابن عامر وخطيئاتكم لنافع، وإنما كسر الباقون التاء علامة للنصب في "خطيئاتكم"؛ لأنهم يقرءون نغفر بإسناد الفعل إلى الفاعل، فخطيئاتكم مفعوله وأبو عمرو قرأ خطايا على جمع التكسير، فموضعهما نصب ومعنى ألفوا: أجمعوا.
٧٠٣-
وَلكِنْ خَطَايَا "حَـ"ـجَّ فِيهَا وَنُوحِهَا ... وَمَعْذِرَةً رَفْعٌ سِوى حَفْصِهمْ تَلا
стр. 492
أي: وقرأ أبو عمرو في هذه السورة وفي سورة نوح "خطايا" على وزن مطايا، والذي في نوح: "مما خطاياهم أغرقوا"١، وقرأ الباقون بجمع السلامة: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ وهو مشكل؛ إذ لقائل أن يقول: من أين يعلم ذلك؟ فلعل الباقين قرءوا بالإفراد أو بعضهم بجمع السلامة وبعضهم بالإفراد كما قرءوا في الأعراف، فلو أنه قال بعد قوله: والغير بالكسر عدلا كنوح خطايا فيهما حج وحده؛ أي: كحرف نوح، وأبو عمرو قرأ فيهما -أي: في الأعراف ونوح- خطايا لم يبق مشكلا، ولعله اجتزأ عن ذلك بقوله أولا: خطيئاتكم وحده عنه، فكأنه قال: وهذا اللفظ قرأه أبو عمرو هنا وفي نوح خطايا، فبقي الباقون في السورتين على ما لفظ به وهو خطيئاتكم.
فإن قلت: هلا قال: والغير بالخفض أو بالجر؛ لأنها حركة إعراب لا بناء؟
قلت: هذه العبارة جيدة في حرف نوح؛ لأنه مجرور، وأما الذي في الأعراف فمنصوب وعلامة نصبه الكسرة فعدل إلى لفظ الكسر؛ لأنه يشمل الموضعين والله أعلم.
وأما "مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ"٢، فهو بالرفع: خبر مبتدأ محذوف وبالنصب مصدر أو مفعول له، وقال سيبويه بعد قوله:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا
ومثله في أنه على الابتداء وليس على فعل قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليسوا عليه ولكنهم قيل لهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فقالوا: "مَعْذِرَةً"؛ أي: موعظتنا معذرة إلى ربكم قال ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا لنصب والله أعلم.
٧٠٤-
وَبِيسٍ بِيَاءٍ "أَ"مَّ وَالهَمْزُ "كَـ"ـهْفُهُ ... وَمِثْلَ رَئِيس غَيْرُ هذَيْنِ عَوَّلا
أراد: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ ٣، ومعنى أمَّ: قصد فقرأه نافع بتسهيل قراءة ابن عامر، وقراءة ابن عامر بهمزة ساكنة محققة من بئس كحدر كما يقال كبد في كبد، وقراءة غيرهما على وزن فعيل ظاهرة والكل صفة عذاب ومعناه الشدة من قولهم: بؤس الرجل يبؤس بأسا إذا كان شديد البأس فعذاب بئيس: مثل عذاب شديد، ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر من البأاء يقال: بئس يبأس بؤسا وبئسا وبأسا، وقال أبو علي: في قراءة نافع بيس فجعل بئس الذي هو فعل اسما فوصف به مثل: "إن الله ينهى عن قيل وقال".
وقوله: عول ليس برمز؛ لأنه صرح بالقارئ في قوله: غير هذين وعولا: خبر غير هذين؛ أي: عول عليه؛ أي: على مثل رئيس فقرأ به والله أعلم.
стр. 493
٧٠٥-
وَبَيْئَسٍ اسْكِنْ بَيْنَ فَتْحَيْنِ "صَـ"ـادِقًا ... بِخُلْفٍ وَخَفِّفْ يُمْسِكُونَ "صَـ"ـفَا وِلا
ألفى همزة اسكن على تنوين بئيس فانفتح وحذفت الهمزة؛ أي: أسكن الياء بين فتح الباء وفتح الهمزة، ولو قال: وبيس الياء بين فتحتين كأن الأولى؛ لئلا يقرأ بهمزة ساكنة بين الباء والياء على وزن فعيل، وكان يستفاد سكون الياء من لفظه بالحرف؛ أي: قرأه أبو بكر على وزن فيعل وهو صفة أيضا كضيغم، والوجه الآخر لأبي بكر مثل الجماعة فهم ذلك من قوله: غير هذين وأمسك ومسك: لغتان وصفا بالتنوين؛ أي: قويا وولاء متابعة وهو تمييز من معناه؛ أي: قويا متابعته أو حال بعد حال؛ أي: ذا متابعة، ويجوز أن يكون صفا بلا تنوين فعلا ماضيا، وفي ولا: الوجهان، ويجوز أن يكون صفا بلا تنوين مضافا إلى ولا؛ أي: قوي متابعته، ويجوز أن يكون مقصورا من الممدود والله أعلم.
٧٠٦-
وَيَقْصُرُ ذُرِّيَّاتِ مَعْ فَتْحِ تَائِهِ ... وَفِي الطُّورِ فِي الثَّانِي "ظَـ"ـهِيرٌ تَحَمَّلا
يريد: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم"١.
قصره الكوفيون وابن كثير؛ أي: حذفوا ألفه فصار مفردا بعد أن كان جمعا، فلزم فتح الياء؛ لأنه مفعول به، وإنما كانت مكسورة في قراءة الباقين بالجمع؛ لأن الكسر هو علامة النصب في جمع المؤنث السالم، وقال: فتح تائه، ولم يقل نصب لما سبق تقريره في رسالته في سورة المائدة، والثاني في الطور هو: "ألحقنا بهم ذرياتهم".
الخلاف في الموضعين واحد، وكلتا القراءتين ظاهرة، ثم قال:
٧٠٧-
وَيَاسِينَ "دُ"مْ "غُـ"ـصْنًا وَيُكْسَرُ رَفْعُ أَوَّ ... لِ الطُّورِ لِلْبَصْرِي وَبِالْمَدِّ "كَـ"ـمْ "حَـ"ـلا
زاد معهم أبو عمرو في إفراد الذي في يس، وهو: "أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ"٢.
ومعنى: دم غصنا؛ أي: مشبها غصنا في الانتفاع بظله وثمره، وكنى بذلك عن تعليم العلم، وأول الطور هو: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ ، قصره أيضا ابن كثير والكوفيون كما فعلوا بالثاني، لكن تاء الأول مرفوعة؛ لأنه فاعل، وأبو عمرو
стр. 494
وابن عامر: جمعاهما وهو معنى قوله: وبالمد كم حلا؛ فتاء الثاني مكسورة لهما؛ لأنه مفعول وتاء الأول مضمومة لابن عامر؛ لأنه فاعل ومكسورة لأبي عمرو؛ لأنه مفعول؛ لأنه يقرأ: "وأتبعناهم ذرياتهم"، مع ما يأتي في سورة الطور.
فإن قلت: لم قال: وبكسر، ولم يقل: وبخفض وهي حركة إعراب؟
قلت: لأنه نصب علامته الكسرة.
فإن قلت: هلا قال: وبنصب؟
قلت: لما كان المألوف من علامة النصب إنما هو الفتحة خافَ على من لا يعرف النحو أن يفتح التاء في جمع المؤنث السالم، فعدل إلى التعبير بعلامة النصب هنا وهي الكسرة لهذا المعنى وهو حسن.
٧٠٨-
يَقُولُوا مَعًا غَيْبٌ "حَـ"ـمِيدٌ وَحُيْثُ يُلْـ ... ـحِدُونَ بِفَتْحِ الضمِّ وَالكَسْرِ "فُـ"ـصِّلا
يريد: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ ١.
"وبعده": أو يقولوا الغيب حميد؛ لأنه قبله ما يرجع إليه، والخطاب على الالتفات، ولحد وألحد لغتان، وهو في ثلاث سور هنا: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ٢.
وفي النحل: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ ٣.
وفي فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ ٤.
ثم ذكر أن الكسائي وافق حمزة في حرف النحل فقال:
٧٠٩-
وَفِي النَّحْلِ وَالاهُ الْكِسَائِي وَجَزْمُهُمْ ... يَذَرْهُمْ "شَـ"ـفَا وَاليَاءُ "غُـ"ـصْنٌ تَهَدَّلا
والاه؛ أي: تابع حمزة، والجزم والرفع في: ﴿يَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ٥.
стр. 495
تقدم مثله في البقرة: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١.
والياء لله والنون للعظمة ويقال: تهدل الغصن؛ أي: استرخى؛ لكثرة ثمرته، فقراءة حمزة والكسائي بالياء والجزم وقراءة عاصم وأبي عمرو بالياء والرفع، والباقون بالنون والرفع.
٧١٠-
وَحَرِّكْ وَضُمَّ الكَسْرَ وَامْدُدْهُ هَامِزًا ... وَلا نُونَ شِرْكًا "عَـ"ـنْ "شَـ"ـذَا "نَفَرٍ" مَلا
شركا مفعول وحرك ولا نون: يعني: لا تنوين فيه وضم الكسر يعني: في الشين والتحريك عبارة عن فتح الراء فيصير شركاء جمع شريك على وزن كرماء، وشركا على تقدير ذا شرك، ويجوز أن يكون سمى الشريك شركاء على المبالغة، وقوله: عن شذا متعلق بمحذوف؛ أي: آخذا ذلك، والشذا يجوز أن يكون بمعنى بقية النفس؛ أي: خذه عن بقية نفر ملا؛ أي: ثقات، ويجوز أن يكون عبارة عن الطيب وكنى به عن العلم؛ أي: آخذا ذلك عن علم نفر هذه صفتهم، وعبر عن العلم بالشذا؛ لأن العلم طيب العلماء والله أعلم.
٧١١-
وَلا يَتْبَعُوكُمْ خَفَّ مَعْ فَتْحِ بَائِهِ ... وَيَتْبَعُهُمْ فِي الظُّلَّةِ "ا"حْتَلَّ وَاعْتَلا
يريد: "وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتْبَعُوكُمْ"٢؛ التخفيف من تبع مثل علم والتشديد من اتبع مثل اتسق، والظلة هي سورة الشعراء، في آخرها: "وَالشُّعَرَاءُ يَتْبَعُهُمُ"؛ التخفيف في الموضعين لنافع وحده، وكذلك "ويتبعهم" في الظلة، وقوله: احتل؛ أي: حمل ذلك في هاتين الكلمتين وهو تخفيف التاء بإسكانها وفتح الباء واعتلا: ارتفع والله أعلم.
٧١٢-
وَقُلْ طَائِفٌ طَيْفٌ "رِ"ضىً "حَقُّـ"ـهُ وَيَا ... يَمُدُّونَ فَاضْمُمْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ "أَ"عْدَلا
قل هنا بمعنى: اقرأ؛ أي: اقرأ هذه الكلمة التي هي "طائف" اقرأها "طيف" للكسائي وأبي عمرو وابن كثير يريد قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ ٣.
قال أبو عبيدة "طيف من الشيطان"؛ أي: يلم به لما قال أبو زيد: طاف الخيال يطيف طيفا وطاف الرجل يطوف طوفا إذا أقبل وأدبر فمن قرأ "طايف" كان اسم فاعل من أحد هذين، ومن قرأ "طيف"
стр. 496
فهو مصدر أو تخفيف "طيِّف" كـ "ميِّت" ويكون طيف بمعنى: طايف يحتمل الوجهين، وقال أبو علي: الطيف مصدر فكان المعنى: إذا مسهم وخطر لهم خطرة من الشيطان تذكروا، قال: ويكون طايف بمعناه مثل العاقبة والعافية، ويجوز ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة والطيف أكثر؛ لأن المصدر على هذا الوزن أكثر منه على وزن فاعل فالطيف كالخطرة والطائف كالخاطر، وقوله: رضى حقه؛ أي: حقه رضى؛ أي: مرضي وأما: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ ١، فقراءة الجماعة من مد مثل شد؛ لأنه هو المستعمل في المكروه نحو: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ٢، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ ٣، وقراءة نافع وحده من أمد مثل أعد وهو أكثر ما يستعمل في المحبوب نحو: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ ٤، ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ ٥، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٦، ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ ٧، ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٨.
قال أبو علي: فوجهه ههنا أنه بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٩، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١٠.
وقيل مد وأمد لغتان يقال مد النهر وأمده بحر آخر وأمددت الجيش بمد: إذا أعنتهم ومددتهم صرت لهم مددا، وقال: سيل أبي مده أنى وأعدلا حال؛ أي: عادلا في بيان وجه ذلك.
٧١٣-
وَرَبِّي مَعِي بَعْدِي وَإِنِّي كِلاهُمَا ... عَذَابِي آيَاتِي مُضَافَاتُهَا العُلا
فيها سبع ياءات إضافة: "رَبِّي الْفَوَاحِشَ"١١، أسكنها حمزة وحده.
﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ، فتحها حفص وحده.
"مِنْ بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ"١٢.
стр. 497
فتحها الحرميان وأبو عمرو.
"إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ"١ في قصة نوح كذلك فتحها أبو عمرو والحرميان.
"إِنِّيَ اصْطَفَيْتُكَ"٢، فتحها أبو عمرو وابن كثير، فهذا معنى قوله: كلاهما؛ أي: إني وإني كلاهما؛ أي: جاء لفظ: "إني في موضعين، وهذا كما سبق في معنى قوله: معا.
"قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ"٣، فتحها نافع وحده.
"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ"٤، أسكنها ابن عامر وحمزة، ويقع في بعض النسخ "عذابي" وآياتي بإسكان ياء "عذابي"، وإثبات واو العطف في "وآياتي"، وفي بعضها بفتح الياء وحذف الواو وفيها زائدة واحدة في آخرها.
"ثُمَّ كِيدُونِي فَلا"٥، أثبتها أبو عمرو في الوصل، وعن هشام خلاف في الوصل والوقف وقلت: في ذلك:
مضافاتها سبع وفيها زيادة
تحلت أخيرا ثم كيدون مع فلا
أي هي: ﴿كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ٦.
стр. 498
سورة الأنفال:
٧١٤-
وَفِي مُرْدِفِينَ الدَّالَ يَفْتَحُ نَافِعٌ ... وَعَنْ قُنْبُلٍ يُرْوَى وَلَيْسَ مُعَوَّلا
أي: وليس معولا عليه قال صاحب التيسير: قرأ نافع "مردفين" بفتح الدال وكذلك حكى لي محمد بن أحمد عن ابن مجاهد أنه قرأ على قنبل قال: وهو واهم.
قلت: والقائل بأنه وهم هو ابن مجاهد؛ فإنه قال في كتاب السبعة له من رواية ابن بدهن: قرأت على قنبل "مردَفين" بفتح الدال مثل نافع وهو وهم: حدثني الجمال أحمد بن يزيد عن القواس عن أصحابه مردفين بكسر الدال.
قلت: والقواس هو شيخ قنبل، وكان قنبل سنة قرأ عليه ابن مجاهد قد اختلط على ما بيناه عند اسمه في الخطبة في الشرح الكبير، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال: وتأويله: أن الله تعالى أردف المسلمين بهم قال: وكان مجاهد يفسرها ممدين وهو تحقيق هذا المعنى قال وفسرها أبو عمرو "على قراءة الكسر" أردف بعضهم بعضا قال أبو عبيدة: فالإرداف: أن يحمل الرجل صاحبه خلفه ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر، فإن تأول بعضهم مردفين بمعنى رادفين: لم أحبه أيضا؛ لأن القرآن لم ينزل بهذه اللغة؛ ألا تسمع قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ١، ولم يقل المردفة، وكذلك قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ٢، لم يقل: أردف لكم، وقال الفراء: مردفين: متابعين، يردف بعضهم بعضا ومردفين فعل بهم، قال الزجاج: يقال: أردفت الرجل إذا جئت بعده، فمعنى مردفين: يأتون فرقة بعد فرقة، قال أبو علي: من قال: "مردفين" احتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم تقول: أردفت زيدا فيكون المفعول محذوفا في الآية، والآخر: أن يكونوا جاءوا بعدهم، قال أبو الحسن: تقول العرب: بنو فلان مردفوننا؛ أي: يجيئون بعدنا، قال أبو عبيدة: مردفين: جاءوا بعد، وردفني وأردفني واحد فمردفين صفة للألف الذين هم الملائكة ومردفين على أردفوا الناس؛ أي: أنزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في ممدكم مردفين بألف من الملائكة والله أعلم.
٧١٥-
وَيُغْشِي "سَمَا" خِفًّا وَفِي ضَمِّهِ افْتَحُوا ... وَفِي الكَسْرِ "حَقًّـ"ـا وَالنُّعَاسَ ارْفَعُوا وِلا
стр. 499
خفا: تمييز أو حال؛ أي: ارتفع تخفيفه أو ارتفع خفيفا؛ أي: ذا خف يعني: تخفيف الشين مع سكون الغين والباقون بفتح الغين وتشديد الشين وهما لغتان سبق ذكرهما في الأعراف، وزاد ابن كثير وأبو عمرو على تخفيف الشين: فتحها وفتح الياء الأولى وانقلبت الياء الأخيرة ألفا لانفتاح ما قبلها فقرءا مما يغشاكم مضارع غشى كعمى يعمى فهذا معنى قوله: وفي ضمه افتحوا؛ يعني: ضم الباء وفي الكسر يعني: كسر الشين فتحوا أيضا فتحا حقا والتقدير حق ذلك حقا ولزم من قراءتهما يغشى أن يرتفع النعاس على الفاعلية وأن ينتصب في قراءة غيرهما على المفعولية؛ ليتعدى الفعل إليه بالزيادة على غشى همزة أو تضعيفا فهذا معنى قوله: والنعاس ارفعوا؛ أي: لمدلول حقا ولا بالكسر؛ أي: ذوى ولاء؛ أي: متابعة.
٧١٦-
وَتَخْفِيفُهُمْ فِي الأَوَّلِينَ هُنَا وَلـ ... ـكِنِ اللهُ وَارْفَعْ هَاءهُ "شَـ"ـاعَ "كُـ"ـفَّلا
يعني: الأولين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ١، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٢ احتراز من ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ ٣، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ٤.
فإنهما مشددان بلا خلاف وموضع قوله: "ولكن الله" نصب على أنه مفعول وتخفيفهم؛ أي: وتخفيفهم "ولكن الله" في الموضعين الأولين؛ أي: تخفيف هذا اللفظ، ولهذا قال وارفع هاءه؛ أي: الهاء من اللفظ المذكور وهي التي في اسم الله تعالى وفي الأولين هو خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون من جملة ما تعلق بالمبتدأ والخبر شاع، وقوله: وارفع هاءه وقع معترضا؛ لأنه من تتمة القراءة فليس بأجنبي، وقد سبق تعليل القراءتين في: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ٥.
وكفلا: جمع كافل ونصبه على التمييز:
٧١٧-
وَمُوهِنُ بِالتَّخْفِيفِ "ذَ"اعَ وَفِيهِ لَمْ ... يُنَوَّنْ لِحَفْصٍ كَيْدَ بِالخَفْضِ عَوَّلا
يريد: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ ٦، وهنت الشي وأوهنته واحد؛ أي: جعلته واهنا ضعيفا، وتنوين موهن ونصب كيد هو الأصل؛ لأنه اسم فاعل نصب مفعوله وإضافة حفص إضافة تخفيف نحو "بالغ الكعبة" في قراءة الجميع، وبالغ أمره في قراءة حفص أيضا كما سيأتي، ومعنى ذاع انتشر، وقوله: لم ينون؛ أي: لم يقع فيه تنوين لحفص، فالفعل مسند إلى الجار والمجرور ولا ضمير فيه يرجع إلى موهن، أغنى عن ذلك قوله: وفيه وكيد مبتدأ وخبره عول عليه.
стр. 500
٧١٨-
وَبَعْدُ وَإِنَّ الْفَتْحُ "عَمَّ عُـ"ـلا وَفِي ... هِمَا العُدْوَةِ اكْسِرْ "حَقًّـ"ـا الضَّمَّ وَاعْدِلا
يعني: وبعد موهن: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
الفتح فيه عم علاه أو عم ذا علا، وهو على إضمار حرف الجر؛ أي: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنا فئتكم، وقرأ الباقون بكسر وأن على الاستئناف والعدوة بكسر العين وضمها: لغتان وهي جانب الوادي وقيل المكان المرتفع، وقوله: فيهما؛ لأنها في موضعين: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ ٢، وهي مخصوصة في العلم حكاية لما في القرآن، وإنما موضعها رفع بالابتداء وتقدير الكلام: والعدوة اكسر الضم في موضعيها، ويجوز أن يكون العدوة بدلا من الضمير في فيهما أو في عطف بيان؛ أي: اكسر الضم فيهما ثم بيَّن ما أضمره فقال العدوة كقولك: رأيته زيدًا ومررت به زيد.
فإن قلت: كيف بدل مفردًا من ضمير تثنية وأنت لا تقول: رأيتهما زيدًا بل يجب أن تقول زيدا وعمرا أو الزيدين أو نحو ذلك؟ قلت: لما كان المضمر في هذا النظم لفظا متحدًا لم يحتج إلى تثنية اللفظ المثنى؛ بل اللفظ المفرد كافٍ في البيان كالتمييز في "عشرون رجلا" لما كان الغرض بيان حقيقة المعدود المتحد الجنس كفى في بيانه لفظ مفرد فكذا هذا، ولما كان المضمر في قولك: رأيتهما ومررت بهما يحتمل الاختلاف لزم البيان بلفظ التثنية أو ما يقوم مقامه، والكلام في حقا كما سبق إما نعت مصدر محذوف؛ أي: اكسر الضم كسرا حقًّا وهو مصدر مؤكد؛ أي: حق ذلك حقا، والألف في واعدلا بدل عن نون التأكيد الخفيفة أراد واعدلن، قال الشيخ: لأن أبا عبيد زعم أن الضم أعرب اللغتين وأكثرهما، وقد ذكر اليزيدي أن الكسر لغة أهل الحجاز، وأنكر أبو عمرو الضم فاعدل أنت، ويقال: العدوة بالفتح أيضا والله أعلم.
٧١٩-
وَمَنْ حَيِيَ اكْسِرْ مُظْهِرًا "إِ"ذْ "صَـ"ـفَا "هُـ"ـدًى ... وَإِذْ يَتَوَفَّى أَنِّثُوهُ "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا
يريد: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٣؛ أصل هذا المدغم حيي بياءين على وزن عمى فأدغم، أراد كسر الياء الأولى مظهرا لما كان أدغم في قراءة الغير وللباقين افتح مدغما وهما لغتان: نحو عيى وعى وهدى: تمييز أو حال؛ أي: صفا هداه وصفا ذا هدى كما سبق في عم علا وغيره، والتأنيث والتذكير في: ﴿يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ ٤.
стр. 501
سبق نظيرهما في: ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ في آخر الأنعام، واللفظ الفاصل هنا بين الفعل والفاعل أكثر منه ثم فلهذا كان الأكثر هنا على التذكير وثم على التأنيث، والمُلا بضم الميم جمع ملاءة وهي الملحفة كنى بذلك عن الحجج، وقد سبق أيضا تفسيره.
٧٢٠-
وَبِالغَيْب فِيهَا تَحْسَبَنَّ "كَـ"ـمَا "فَـ"ـشَا ... "عَـ"ـمِيمًا وَقُلْ فِي النُّورِ "فَا"شِيهِ "كَـ"ـحَّلا
يريد: "ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا"١، فقراءة الخطاب ظاهرة، "الذين كفروا سبقوا" مفعول بلا تحسبن والخطاب للنبي ﷺ وأما القراءة بالغيب فعلى تقدير: ولا يحسبن الرسول أو حاسب، فبقي الذين كفروا سبقوا: مفعولين كما ذكرنا وقيل: الذين كفروا فاعل يحسبن، وسبقوا: المفعول الثاني والأول محذوف تقديره: إياهم سبقوا، كذا قدره أبو علي، وهو معنى تقدير أبي عبيد وغيره حين قالوا: لا تحسبنهم سبقوا، وقيل سد سبقوا مسد المفعولين على تقدير أنهم سبقوا أو أن سبقوا أو بأن قدره أبو علي أيضا، ثم حذفت أن واسمها اختصارا للعلم بمكانها، ومعنى سبقوا فاتوا كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ .
والذي في النور: "لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض"٢، يتوجه فيه جميع الوجوه المذكورة إلا الأخير منها وهو تقدير: أنهم سبقوا؛ لأن لفظ معجزين منصوب نعم يقوم مقامه وجه آخر لا يتأتى هناك، وهو أن يكون معجزين: مفعولا أولا وفي الأرض: مفعولا ثانيا؛ أي: لا تحسبن أن في الأرض من يعجز الله، وقوله: عميما حال من الضمير في فشا ومعناه اشتهر في حال عمومه يشير إلى أنه مقدر بقولنا لا يحسبن أحد وكحلا بالتشديد مبالغة في كحل عينه استعاره هنا على أنه شفا أو بصر ونور وهدى ونحو ذلك والله أعلم.
٧٢١-
وَإِنَّهُمُ افْتَحْ "كَـ"ـاِفيًا وَاكْسِرُوا لِشُعْـ ... ـبَةَ السَّلْمَ وَاكْسِرْ فِي القِتالِ "فَـ"ـطِبْ "صِـ"ـلا
يريد ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ ٣، كسره على الاستئناف والفتح على تقدير: لأنهم، وقيل: هو مفعول لا يحسبن على تقدير أن "لا" زائدة؛ لأن ابن عامر الذي فتح أنهم يقرأ "لا يحسبن" بالغيب، وتكون زيادة "لا" هنا كما سبق في الأنعام.
стр. 502
﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، بكسر السين وفتحها لغتان، واللام ساكنة فيهما، ويقال أيضا: بفتح السين واللام، ومعنى الجميع: المسالمة والمصالحة يريد: "وإن جنحوا للسلم"، ولهذا قال: فاجنح لها لما كان السلم بمعنى المسالمة والذي في سورة القتال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ ٢.
ومعنى قوله: فطب صلا أي: ذكاء؛ لأنه قد سبق أن صلاء النار هو استعارها ويعبر به عن الذكاء كما يقال هو يتوقد ذكاء، ويجوز أن تكون إشارة إلى نار القرى التي يهتدي بها الأضياف والتي تصلح طعامهم؛ أي: طب نارا على معنى: طب قرى لأضيافك؛ أي: طب علما لمن قصدك مستفيدا، فـ "صلا" تمييز والله أعلم.
٧٢٢-
وَثَانِي يَكُنْ "غُـ"ـصْنٌ وَثَالِثُها ثَوَى ... وَضُعْفًا بِفَتْحِ الضَّمِّ "فَـ"ـاشِيهِ "نُـ"ـفَلا
يريد: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ ٣، هذه هي الثانية تذكير يكن وتأنيثها؛ لأن الفعل مسند إلى مائة وتأنيثها غير حقيقي، وقد وقع الفصل بين الفعل وبينها فحسن التذكير وأما التأنيث فهو الأصل نظرا إلى لفظ علامة التأنيث في مائة، والثالث قوله تعالى بعد ذلك: "فإن تكن منكم مائة صابرة"٤، الكلام فيه كما سبق في الثانية، لكن أبو عمرو فرق بينهما في قراءته، فأنث الثالث كما وصف المائة بقوله: صابرة فتأكد التأنيث في الموصوف بتأنيث الصفة فقوى مقتضى مشاكلة التأنيث في يكن، وإنما قال: ثاني وثالث؛ لأن قبلهما أول لا خلاف في تذكيره وهو: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ ٥.
وبعدهما رابع لا خلاف في تذكيره أيضا وهو: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ﴾ .
ودلنا على أن مراده التذكير في الثاني والثالث: إطلاقه وعدم تقييده وأما:
стр. 503
﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ١، ففتْح الضاد وضمها فيه لغتان، ومعنى نفلا؛ أي: أعطى نفلا وهي الغنيمة والله أعلم.
٧٢٣-
وِفي الرُّومِ "صِـ"ـفْ "عَـ"ـنْ خُلْفِ "فَـ"ـصْلٍ وَأَنِّثْ انْ ... يَكُونَ مَعَ الأَسْرَى الأُسَارى حُلًا "حَـ"ـلا
يريد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ ٢، الخلاف في الثلاثة كالتي في الأنفال غير أن حفصا اختار الضم في ثلاثة: الرُّوم؛ لما نذكر فصار له وجهان فلذا ذكر عنه خلافا دون أبي بكر وحمزة، قال صاحب التيسير في سورة الروم: أبو بكر وحمزة من ضعف في الثلاثة بفتح الصاد، وكذلك روى حفص عن عاصم فيهن غير أنه ترك ذلك، واختار الضم اتباعا منه لرواية حدثه بها الفضل بن مرزوق عن عطية العوفي عن ابن عمر أن النبي ﷺ أقرأه ذلك بالضم، ورد عليه الفتح وأباه، قال: وعطية يضعف وما رواه حفص عن عاصم عن أئمته أصح، وبالوجهين آخذ في روايته لأتابع عاصما على قراءته، وأوافق حفصا على اختياره.
قلت: وهذا معنى قول ابن مجاهد عاصم وحمزة من ضعف بفتح الضاد، ثم قال حفص عن نفسه: بضم الضاد فقوله: عن نفسه يعني: اختيارا منه لا نقلا عن عاصم، وفي كتاب مكي: قال حفص: ما خالفت عاصما في شيء مما قرأت به عليه إلا ضم هذه الثلاثة الأحرف، قال أبو عبيد: وبالضم يقرأ اتباعا للغة النبي ﷺ سمعت الكسائي يحدث عن الفضل بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ بالفتح فقال: إني قرأتها على رسول الله ﷺ كما قرأت، فقال لي: من ضُعف، قال أبو عبيد: يعني بالضم. قوله: وأنث أن يكون أراد قوله تعالى: "أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى"٣، فألقى حركة "أن" على ثاء أنث، وقد سبق أن تأنيث الجمع غير حقيقي، فيجوز تذكير الفعل المسند إليه ثم قال مع الأسرى الأسارى يعني: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ ٤، يقرؤه أبو عمرو "الأسارى"، وكلاهما جمع أسير، ولا خلاف في الأولى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ، وهو غير ملبس؛ لأنه ذكرها معرفة باللام وتلك هي الثانية، واتفق للناظم هنا اتفاق حسن وهو تكرير الرمز في حلا حلا بعد تكرر كلمتي القراءة وهما تكون والأسارى فأنث أبو عمرو تكون وقرأ الأسارى ولم يرمز لقراءة "تكون"، فجاء تكرير الرمز بعد الأسارى مناسبا حسنا، وإن كان لو لم يكرره لجاز كما جمع في
стр. 504
البقرة مسألتين لابن عامر في قوله: "عليم وقالوا"، وقال في آخر البيت: كفلا وكما جمع لحمزة ثلاث مسائل في آل عمران في قوله: "سنكتب"، وقال في آخر البيت: فتكمل، وتارة يكرر الرمز من غير تكرار الحرف المختلف فيه نحو: اعتاد أفضلا، نمنى علا علا، وإنما اتفق له مناسبة التكرار هنا، وقوله: مع الأسرى؛ أي: مع قراءة موضع الأسرى: الأسارى، ومن الممكن أن يقدر مع قراءة الأسرى موضع الأسارى، فيفيد ضد المقصود، ولكنه هنا لفظ بقراءتين من غير قيد، فالرمز للثانية منهما كقوله: سكارى معا سكرى، وعالم قل علام شاع، ولو كان قال: وفي الأسرى الأسارى لكان أظهر، ولكنه قصد مزج الموضعين من غير تخلل واو فاصلة بينهما، ولو قال بالواو لكان له أسوة بقوله: و"كُنْ فَيَكُون"، وحلا: في موضع نصب على الحال من فاعل أنث؛ أي: أنث تكون مع قراءتك الأسارى ذا حلا، وحلا صفة حلا، وقال الشيخ ﵀ معنى أن يكون مع الأسرى؛ أي: أنثه مصاحبا له والأسارى مبتدأ وحلا حلا خبره.
قلت: هذا مشكل فإنَّ "تكون" في القراءة مصاحبة للأسارى لا للأسرى إن أراد أن يجمع قراءتي أبي عمرو، وإن أراد بالمصاحبة المذكور في التلاوة بعد "يكون" فتلك أسرى لا أسارى كما سبق بيانه، ثم لو كان بعد يكون لفظ الأسرى لبقيت قراءة الجماعة في موضع الخلاف لا دليل عليها فإن ذلك لا يفهم من لفظ الأسارى والله أعلم.
٧٢٤-
وَلايَتِهمْ بِالكَسْرِ "فُـ"ـزْ وَبِكَهْفِهِ ... "شَـ"ـفَا وَمَعًا إِنِّي بِيَاءَيْنِ أَقْبَلا
يريد: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْء﴾ ١.
وفي الكهف: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ٢.
قال أبو عبيد: يقال: مولى بيِّن الولاية من ولايتهم إذا فتحت فإذا كسرت فهو من وليت الشيء، قال الزجاج: الولاية من النصرة والنسب بفتح، والتي بمنزلة الإمارة مكسورة قال: وقد يجوز كسرها؛ لأن في تولي بعض القوم بعض جنسا من الصناعة والعمل، وكلما كان من جنس الصناعة مكسور مثل القصارة والخياطة، قال أبو علي: قال أبو الحسن: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا من الوَلاية فهو مفتوح، وأما في السلطان فالولاية مكسورة وكسر الواو في الأخرى لغة، وليست بذلك، قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا الأخذ بفتح الواو في الحرفين جميعا يعني: في الأنفال والكهف قال؛ لأن معناهما من الموالاة في الدين وأما الولاية فإنما هي من السلطان والإمارة ولا أحبها في هذا الموضع، وقال الفراء: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣.
يريد: من مواريثهم من شيء، وكسر الواو في: ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾ أعجب إليَّ من فتحها؛ لأنها إنما تفتح إذا
стр. 505
كانت نصرة أكثر ذلك، وكان الكسائي يذهب إلى النصرة بفتحها ولا أظنه علم التفسير، ويختارون في وليته ولاية الكسر، وقد سمعناها بالفتح والكسر في معنييهما جميعا، والهاء في قوله: وبكهفه للقرآن؛ للعلم به، وإني بياءين؛ أي: في موضعين وهما: "إِنِّيَ أَرَى مَا لا تَرَوْنَ"، "إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ"١، فتحها الحرميان وأبو عمرو، وقوله: معا؛ تأكيد، وكذا أقبلا والألف في آخره ضمير الياءين أي: إني ملتبس بياءين أقبلا معا، وإن كان أقبل: خبر إني والتقدير إني أقبل بياءين معا فالألف للإطلاق.
стр. 506
سورة التوبة:
٧٢٥-
وَيُكْسَرُ لا أَيْمَانَ عِنْدَ ابْنِ عَامِرٍ ... وَوَحَّدَ "حَقٌّ" مَسْجِدَ اللهِ الَاوَّلا
أراد: ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ ١، الفتح جمع يمين، والكسر بمعنى الإسلام أو بمعنى الأمان؛ أي: لا تؤمنهم من القتل، وتقدير البيت: ويكسر عند ابن عامر "لا إيمان"، ولا ينبغي من جهة الأدب أن يقرأ إلا بفتح الهمزة، وإن كان كسرها جائزا في التلاوة وذلك لقبح ما يوهمه تعلق عند "بأيمان" وموضع لا أيمان رفع؛ أي: يكسر همز هذا اللفظ، فليته قال: وهمزة لا أيمان كسر ابن عامر، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ، وحده ابن كثير وأبو عمرو؛ لأن المراد به المسجد الحرام، وليدل على أنه إنما جمع ثانيا؛ باعتبار أن كل مكان منه مسجدًا، وأريد به جميع المساجد والتوحيد يؤدي معناه كما تقدم في مواضع، ومن جمع فلهذا المعنى، ولموافقته الثاني: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فجمعه متفق عليه.
٧٢٦-
عَشِيرَاتُكُمْ بِالجمْعِ "صِـ"ـدْقٌ وَنَوِّنُوا ... عُزَيْرٌ "رِ"ضى "نَـ"ـصٍّ وَبِالكَسْرِ وُكِّلا
جمع أبو بكر: عشيراتكم كما جمع: "مكانات"، وعبر عن قراءته ثم بمد النون وهنا بالجمع؛ لأنه لم يمكنه هنا أن يقول: بمد الراء، ولو قال: بالمد لم يحصل الغرض؛ لأن في عشيرتكم مدَّين الياء والألف فلو قال بالمد موضع بالجمع لظن أنه الياء فعدل إلى لفظ الجمع، وكذا لو كان أطلق لفظ المد في مكانات لم يدر؛ أي: الألفين أراد فقيد بقوله: مد النون، وقد سبق معناه ومن نون: عزير فهو عنده اسم عربي فهو منصرف وكسر التنوين؛ لالتقاء الساكنين وهو مبتدأ وابن خبره، ومن لم ينون فهو عنده أعجمي فلم يصرفه، وهذا اختيار الزمخشري، وقيل: بل عربي وإنما ابن صفة فحذف التنوين؛ لوقوع ابن بين علمين والخبر محذوف؛ أي: معبودنا أو نبينا أو يكون المحذوف هو المبتدأ؛ أي: المعبود أو النبي عزير، وأنكر عبد القاهر الجرجاني في كتاب دلائل الإعجاز هذا التأويل وقرره أحسن تقرير، وحاصله أن الإنكار ينصرف إلى الخبر، فيبقى الوصف كأنه مسلّم كما تقول: قال فلان: زيد بن عمرو قادم، وإنما يستعمل مثل هذا إذا لم يقدر خبر معين، ويكون المعنى أنهم يلهجون بهذه العبارة كثيرا في محاوراتهم لا يذكرون عزيرا إلا بهذا الوصف، وقيل حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين كما قرأ بعضهم:
стр. 507
﴿أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ١، بحذف التنوين من أحد، قال الفراء: سمعت كثيرا من الفصحاء يقرءونها، ذكر هذين الوجهين أبو علي، وقال: لأن عزيرًا ونحوه ينصرف؛ عجميا كان أو عربيًّا، قال الزجاج: ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود، وقوله: رضى نص أي: مرضي نص بمعنى نصه مرضي وهو نعت مصدر محذوف؛ أي: نونوه تنوينًا مرضيًا النص عليه، وبالكسر، وكل ذلك التنوين أو يكون حالا من فاعل نونوا؛ أي: ذوي رضى نص أي: راضين بالنص عليه والله أعلم.
٧٢٧-
يُضَاهُونَ ضَمَّ الهَاءِ يَكْسِرُ عَاصِمٌ ... وَزِدْ هَمْزَةً مَضْمُومَةً عَنهُ وَاعْقِلا
أي زد همزة بعد الهاء المكسورة، فيكون مضارع ضاهأ على وزن دارأ ومعناه شابه وقراءة الجماعة من دارا على وزن راما، وهما لغتان مثل أرجيت وأرجأت، قال الزجاج: والأكثر ترك الهمزة والألف في: واعقل بدل من نون التأكيد الخفيفة، والله أعلم.
٧٢٨-
يُضَلُّ بِضَمِّ اليَاءِ مَعْ فَتْحِ ضَادِهِ ... "صِحَابٌ" وَلَمْ يَخْشَوْا هُنَاكَ مُضَلِّلا
أراد: "يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا"٢، قرأه صحاب على إسناد الفعل للمفعول وأسنده الباقون إلى الفاعل وكلاهما ظاهر، وتمم البيت بقوله: ولم يخشوا إلى آخره أي: لم يخافوا من عائب لقراءتهم.
٧٢٩-
وَأَنْ تُقْبَلَ التَّذْكِيرُ "شَـ"ـاعَ وِصَالُهُ ... وَرَحْمَةٌ المَرْفُوعُ بِالخَفْضِ "فَـ"ـاقْبَلا
يريد: ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ ٣، والتذكير والتأنيث كما سبق في: "ولا تقبل منها شفاعة"٤، وغيره، وأما: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ٥ بالرفع فمعطوف على ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ ؛ أي: هو أذن خير وهو رحمة، وقرأ حمزة بالخفض عطفا على خير،
стр. 508
والفاء في فاقبلا زائدة، وأرادا قبله بالخفض والألف في آخره كالألف في آخر واعتلا.
٧٣٠-
وَيَعْفُ بِنُونٍ دُونَ ضَمٍّ وَفَاؤُهُ ... يُضَمُّ تُعَذَّبْ تَاهُ بِالنُّونِ وُصِّلا
٧٣١-
وَفِي ذَالِهِ كَسْرٌ وَطَائِفَةٌ بِنَصْـ ... ـبِ مَرْفُوعِهِ عَنْ عَاصِمٍ كُلُّهُ اعْتَلا
أراد: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ ١، قرأ عاصم على بناء الفعلين وهما يعف ونعذب للفاعل المتكلم، فلزم من ذلك النون في أولهما، وفتحها في يعف مع ضم الفاء وكسر ذال نعذب، ونصب طائفة بعدها، وقراءة الجماعة على بناء الفعلين للمفعول الغائب فلزم من ذلك أن يكون أول يعف ياء مضمومة وفتح الفاء، وأول نعذب تاء لأجل تأنيث طائفة فهي أولى من الياء؛ لعدم الفعل، ثم فتح الذال، ورفع طائفة بعدها؛ لأنها مفعول ما لم يسم فاعله، وقوله: تاه؛ أي: تاؤه فقصر الممدود.
٧٣٢-
وَحَقٌّ بِضَمِّ السَّوْءِ مَعْ ثَانِ فَتْحِهَا ... وَتَحْرِيكُ وَرْشٍ قُرْبَةٌ ضَمُّهُ جَلا
أراد: "عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ"٢، وثاني سورة الفتح وهو: "وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السُّوءِ"٣، ولا خلاف في فتح الأول وهو: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ، وكذا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ ، و ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ ، والسُّوء بالضم: العذاب كما قيل له سييه، والسَّوْء بالفتح المصدر، والهاء في فتحها للسور، وحذف الياء من ثاني للضرورة، وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ ٤، ضم الراء وإسكانها لغتان وقربة في النظم: مفعول التحريك، وإنما رفعه حكاية لفظ القرآن وضمه مفعول جلا وجلا: خبر التحريك الذي هو المبتدأ.
стр. 509
٧٣٣-
وَمِنْ تَحْتِهَا المَكِّي يَجُرُّ وَزَادَ مِنْ ... صَلاتَكَ وَحِّدْ وَافْتَحِ التَّا "شَـ"ـذًّا "عَـ"ـلا
يعني: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في الآية التي أولها: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ ، ثبتت في مصاحف مكة دون غيرها، فقرأها ابن كثير وجر تحتها بها، وحذفها الباقون فانتصب تحتها على الظرفية فقوله: وزاد من؛ أي: كلمة من ثم قال: صلاتك وحد يعني: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ١، التوحيد فيه، والجمع سبق نظيرهما، والصلاة هنا بمعنى الدعاء فهو مصدر يقع على القليل والكثير، وإنما جمع؛ لاختلاف أنواعه فمن وحد فتح التاء؛ لأن الفتح علامة النصب في المفرد، ومن جمع كسرها؛ لأن الكسر علامة النصب في جمع المؤنث السالم وشذا حال؛ أي: ذا شذا علا.
٧٣٤-
وَوَحِّدْ لَهُمْ في هُودَ تُرْجِئُ هَمْزُهُ ... "صَـ"ـفَا "نَفَـ"ـرٍ مَعْ مُرْجَئُونَ وَقَدْ حَلا
يعني: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ ٢؛ أي عيادتك ولم يتعرض للتاء؛ لأنها مضمومة في قراءتي الإفراد والجمع؛ لأنها مبتدأ ثم ذكر الخلاف في: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ٣، في سورة الأحزاب: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ ٤، هنا بالهمز فيهما وبغير همز، وهما لغتان، قال صاحب المحكم: والهمز أجود، وأرى ترجي مخففا من ترجيء لمكان تؤوى؛ أي: طلب المشاكلة بينهما، وقد تقدم في الخطبة أن ضد الهمز لا همز، ثم ينظر في الكلمة المهموزة فإن كان الهمز لم يكتب له صورة نطقت بباقي حروف الكلمة على صورتها، وهو كقوله: "الصابئين" الهمز "والصابئون" خذ، وإن كانت كتبت له صورة نطقت في موضع الهمز بالحرف الذي صورت به كقوله: وبهمز "ضيزى"، وفي هذا البيت المشروح الأمران يقرأ الباقون: ترجي بالياء التي هي صورة الهمز،
стр. 510
ويقرءون "مرجون" بواو بعد الجيم؛ إذ لا صورة للهمزة وقوله: صفا نفر خفض نفر بإضافة صفا المقصور أو الممدود إليه؛ أي: الهمز قوى وصافٍ من الكدورة.
٧٣٥-
وَ "عَمَّ" بِلا وَاوِ الَّذِينَ وَضُمَّ في ... مَنَ اسَّسَ مَعْ كَسْرٍ وَبُنْيَانُهُ وِلا
أي: قرأ مدلول عم جميع المذكور في هذا البيت أراد: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ ١. سقطت الواو في مصاحف المدينة والشام، فقرأها نافع وابن عامر على الاستئناف، وقرأ الباقون بالواو عطفا لجملة على جملة فتقدير البيت: قرأ عم الذين بلا واو وحذف التنوين من واو؛ لالتقاء الساكنين، ولم يرو إضافة واو إلى الذين فإن الذين لا واو فيه ولو كان: والذين لأمكن تقدير ذلك، ثم قال: وضم وهو فعل أمر؛ أي: ضمه لمدلول عم أيضا، ويجوز: وضَم بفتح الضاد على أن يكون فعلا ماضيا؛ أي: قرأ عم الذين وضم في "أفمن أسس" ضم الهمزة وكسر السين جعله فعلا لم يسم فاعله، فلزم من ذلك رفع بنيانه؛ لأنه مفعوله، وقرأ الباقون ببناء الفعل للفاعل وهو ضمير يرجع إلى من فتحوا الهمزة والسين ونصبوا بنيانه والخلف في الموضعين هنا ولم ينبه على ذلك فهو نظير ما ذكرناه في قوله في سورة النساء: وندخله نون ولم يقل معا.
فإن قلت: يكون إطلاقه دليلا على تعميم ما في السورة من ذلك، وقوله: معا قدر حرك زيادة بيان.
قلت: لا يستمر له هذا؛ إذ يلزم أن يكون قوله: وعم بلا واو الذين يشمل كل لفظ، والذين من هذا الموضع إلى آخر السورة نحو: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾ ٢، ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ ٣.
وقول الناظم: وبنيانه مفعول فعل مضمر أي: وارفع بنيانه لمدلول عم أو ورفع عم بنيانه وإطلاقه له: دليل على رفعه، وولا بكسر الواو مفعول له أي: متابعة للنقل.
٧٣٦-
وَجُرْفٍ سكونُ الضَّمِّ "فِـ"ـي "صَـ"ـفْوٍ "كَـ"ـامِل ... تُقَطَّعَ فَتْحُ الضَّمِّ "فِـ"ـي "كَـ"ـامِل "عَـ"ـلا
الضم والإسكان في راء جرف: لغتان وتطع قلوبهم بضم التاء على بناء الفعل للمفعول وبفتحها على بنائه للفاعل، وأصله تتقطع فحذفت التاء الثانية مثل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ ، وسبق له نظائر.
стр. 511
٧٣٧-
يَزِيغُ "عَـ"ـلَى "فَـ"ـصْلٍ يَرَوْنَ مُخَاطَبٌ ... "فَـ"ـشًا وَمَعِي فِيهَا بِيَاءَيْنِ جُمِّلا
يعني: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ ١؛ قرأ حفص وحمزة بالتذكير في يزيغ؛ لأن تأنيث قلوب غير حقيقي والباقون بالتأنيث، وإطلاقه دل على إرادته التذكير، ثم قال: يرون مخاطب: جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه يعني: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً﴾ ٢، الخطاب للمؤمنين والغيبة للمنافقين وفي هذه السورة ياءان للإضافة كلاهما في لفظ معي؛ أحدهما: ﴿مَعِيَ أَبَدًا﴾ ، فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن عامر وحفص والثانية: ﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾ ، فتحها حفص وحده، وليس فيها ولا في الأنفال ولا في يونس شيء من الزوائد والله أعلم.
стр. 512
سورة يونس:
٧٣٨-
وَإِضْجَاعُ رَا كُلِّ الفَوَاتِحِ "ذِ"كْرُهُ ... "حِـ"ـمًى غَيْرَ حَفْصٍ طَاوَيًا "صُحْبَةٌ" وَلا
ذكر في هذا الموضع جميع ما وقع الخلاف في إمالته من الحروف المقطعة في أوائل السور ويقال لها الفواتح؛ لأن السور استفتحت بها، وإنما أميلت لأنها أسماء ما يلفظ به من الأصوات المتقطعة، وقد أمالوا يا في الندا وهي حرف، فإمالة هذه الأسماء أولى، فابتدأ بذكر الراء؛ لأنها أول حروف الفواتح إمالة سواء كانت في "الر"، وذلك في يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر، أو في المر في أول الرعد، فلهذا قال: كل الفواتح، والإضجاع هو الإمالة، وأتى بلفظ "را" فقصر "را" حكاية للفظه في القرآن وكذا ما يأتي من "طا" و"يا" و"ها" و"حا"، ولا نقول إنه قصر ذلك ضرورة، وأشار بقوله: ذكره حمى إلى حسن الإضجاع؛ أي: لا يصل أحد إلى الطعن عليه فهو في حمى من ذلك، واستثنى منهم حفصا فإنه لا يميل شيئا في القرآن إلا كلمة "مجراها"، وقد سبق ذكره في باب الإمالة ثم ذكر أن صحبة أمالوا "طاويا" فالطاء من "طه" و"طسم" و"طس" والياء من "يس"، أما الياء من "كهيعص"، فوافقهم على إمالتها ابن عامر كما يأتي في البيت الآتي، وولا في آخر البيت بكسر الواو في شرح الشيخ، ورأيته في بعض النسخ من القصيدة بفتحها وهو أحسن؛ لأن قبله وبنيانه ولا بالكسر وهو قريب منه فالكسر بمعنى متابعة؛ أي: أمال صحبة طاويا متابعة لنقل فهو مفعول من أجله، والفتح على تقدير ذا ولا؛ أي: نصر لإمالة ومحبة لها فهو حال من صحبة؛ أي: أمالوهما ذوي ولا.
٧٣٩-
وَ"كَـ"ـمْ "صُحْبَةٍ" يَا كَافِ والخُلْفُ "يَـ"ـاسِرٌ ... وَهَا صِفْ "رِ"ضًى "حُـ"ـلْوًا وَتَحْتَ "جَـ"ـنًى "حَـ"ـلا
الكاف في كم: رمز ابن عامر كأنه قال: وابن عامر ومدلول صحبة على إمالة "يا" التي في أول سورة مريم، وعبر عنها بقوله: كاف؛ لأنه أولها كما يقال "ص"، "ن"، "ق" ... وكذا صنع في غير هذا الموضع كقوله في يوسف: وفي كاف فتح اللام في "مخلصا" ثوى، ومعنى الكلام في الظاهر: وكم صحبة أمالوها؛ أي: أمالها كثير من القراء، ثم قال: والخلف في إمالتها عن السوسي، والياسر في اللغة: هو اللاعب بقداح الميسر، وكان لا يتعاطاه من العرب إلا الكرماء، فكأنه قال: والخلف خلف كريم؛ أي: هو صادر عن نقل صحيح، ثم قال: وها؛ أي: وإمالة ها من "كهيعص" لأبي بكر والكسائي وأبي عمرو، ثم قال: وتحت؛ أي: وإمالة ها من السورة التي تحت مريم وهي "طه" جنا حلا؛ أي: حلا جناه، وإمالته لورش ولأبي عمرو ومن يأتي ذكره في البيت الآتي، وليس لورش ما يمليه إمالة محضة غيرها من طه، وما عدا ذلك إنما يميله بين اللفظين.
٧٤٠-
"شَـ"ـفَا "صـ"ـادِقًا حم "مُخْـ"ـتَارُ "صُحْبَةٍ" ... وَبَصْرٍ وَهُمْ أَدْرى وَبِالخُلْفِ "مُـ"ـثِّلا
стр. 513
حمزة والكسائي وأبو بكر هم: تتمة من أمال "ها" من "طه"، ثم قال "حم"؛ أي: أمال حا من "حم" في السور السبع ابن ذكوان وصحبه، ثم قال: وهم وأبو عمرو أمالوا لفظ "أدري" كيف أتى نحو "أدراك" وأدراكم، وعن ابن ذكوان خلاف فيه فقوله: وبصر مبتدأ، وليس عطفا على صحبة؛ لامتناع الجمع بين الرمز والتصريح والله أعلم.
٧٤١-
وَذو الرَّا لِوَرْشٍ بَيْنَ بَيْنَ وَنافِع ... لَدى مَرْيَمٍ هَايَا وَحَا "جِـ"ـيدُهُ "حَـ"ـلا
جمع في هذا البيت ذكر من أمال شيئا من ذلك بين بين، فورش فعل ذلك في "را" من: "الر" و"المر"، ونافع بكماله في "ها"، "يا" أول مريم، وورش وأبو عمرو فعلا ذلك في "حا" من: "حم" في السور السبع، أما لفظ "أدري"، فقد علم من مذهب ورش في إمالته بين بين من باب الإمالة، وإنما ذكره الناظم هنا لأجل زيادة أبي بكر وابن ذكوان على أصحاب إمالته، وإلا فهو داخل في قوله: وما بعد راء شاع حكما فأبو عمرو وحمزة والكسائي فيه على أصولهم، والجيد كل العنق، والله أعلم.
٧٤٢-
نُفَصِّلُ يَا "حَقٍّ عُـ"ـلًا سَاحِرٌ "ظُـ"ـبًى ... وَحَيْثُ ضِيَاءً وَافَقَ الهَمْزُ قُنْبُلا
قصر لفظ "يا" ضرورة، والخلاف في: ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ بالياء والنون ظاهر، ثم قال ساحر ظبي؛ يعني: قوله تعالى قبل يفصل: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ ١.
أي: ذو سحر قرأه مدلول ظبي ساحر فقوله: ساحر هو مما استغنى لميه باللفظ عن القيد، ولكنه لم يبين القراءة الأخرى والخلاف في مثل هذا دائر تارة بين ساحر وسحار على ما في الأعراف والذي في آخر يونس، وتارة هو دائر بين ساحر وسحر على ما مر في المائدة وما يأتي في طه، وظبى جمع ظبة وهي من السيف والسهم والسنان حدها؛ أي: هو ذو ظبى؛ أي: له حجج تحميه وتقوم بنصرته ثم قال: وحيث ضياء؛ أي: حيث أتى هذا اللفظ فضياء مرفوع بالابتداء على ما عرف فيما بعد حيث والخبر محذوف أي: وحيث ضياء موجود ولا تنصب حكاية لما في يونس؛ فإنه قد يكون مجرورا نحو ما في القصص: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ ٢.
ثم قال: وافق الهمز قنبلا، وهو من قولك: وافقني كذا إذا صادفته من غرضك وأراد همز الياء،
стр. 514
ولم يبين ذلك، وفي آخر الكلمة همز، فربما يتوهم السامع أنه هو المعنى، ثم لو فهم ذلك لم يكن مبينا للقراءة الأخرى؛ فإن الهمز ليس ضده إلا تركه، ولا يلزم من تركه أبداله ياء، فقد حصل نقض في بيان هاتين المسألتين؛ ساحر وضياء، فلو أنه قال: ما تبين به الحرفان لقال ساحر ظبى بسحر ضياء همزيا الكل زملا، قالوا: ووجه هذا الهمز أنه أخر الياء وقدم الهمزة، فانقلبت الياء همزة؛ لتطرفها بعد ألف زائدة كسقاء ووداء، وهذه قراءة ضعيفة فإن قياس اللغة الفرار من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما فكيف يتحيل بتقديم وتأخير إلى ما يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل هذا خلاف حكمة اللغة، قال ابن مجاهد: ابن كثير وحده "ضياء" بهمزتين في كل القرآن؛ الهمزة الأولى قبل الألف والثانية بعدها، كذلك قرأت على قنبل وهي غلط، وكان أصحاب البزي وابن فليح ينكرون هذا، ويقرءون ضياء مثل الناس، قال أبو علي: ضياء مصدرا وجمع ضوء كبساط.
٧٤٣-
وَفِي قُضِيَ الفَتْحانِ مَعْ أَلِفٍ هُنَا ... وَقُلْ أَجَلُ المَرْفُوعُ بِالنَّصْبِ "كُـ"ـمِّلا
يريد: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ١، قراءة ابن عامر على البناء للفاعل، فنصب أجلهم على المفعولية، وقراءة الباقين على بناء الفعل للمفعول، وهو أجلهم، فلزم رفعه، فقول الناظم الفتحان؛ يعني: في القاف والضاد والألف بعدهما، والقراءة الأخرى علمت بما لفظ به لا من الضدية ولو بين القراءة الأخرى باللفظ، فقال: قضى موضع قوله: هنا أو موضع قوله: وقل لكان أولى وأكثر فائدة؛ لما فيه من الإيضاح ورفع وهم احتمال أن يريد زيادة ألف على الياء فيصير قضيا، وإنما قال: هنا احترازا من التي في الزمز: ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ ٢؛ فإن الخلاف فيها أيضا كهذا الخلاف، وإن كان الأكثر ثَم على مثل قراءة ابن عامر هنا وكان مستغنيا عن هذا الاحتراز؛ فإن الإطلاق لا يعم غير ما في السورة التي هو في نظم خلفها على ما بيناه مرارا، والله أعلم.
٧٤٤-
وَقَصْرُ وَلا "هَـ"ـادٍ بِخُلْفٍ "زَ"كَا وَفي الْـ ... ـقِيَامَةِ لا الأولى وَبِالحَالِ أُوِّلا
يعني بالقصر: حذف ألف ولا من قوله: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ٣، ومن قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤.
стр. 515
دون قوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ ١، فهذا معنى قوله: لا الأولى؛ أي: وقصر لا الواردة في سورة القيامة أولا فالمعنى على القصر: "وشاء لأدراكم به" فتكون اللام جواب لو قال ابن مجاهد: قرأت على قنبل: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ﴾ ، فقال: "ولا دراكم"، فجعلها "لا" ما دخلت على أدراكم، فراجعته غير مرة فلم يرجع ذكر ذلك في غير كتاب السبعة، ويوجد في بعض نسخها، ومعنى القصر في "لا أقسم" مؤول بأنها لام الابتداء دخلت على فعل الحال أي؛ لأنا أقسم فهذا معنى قوله: وبالحال أولا، وقراءة الباقين بالمد ظاهرة في: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ﴾ ، بكون لا نافية، أما في القيامة فيكون موافقة لما بعدها، وفي معناها اختلاف للمفسرين قبل لا زائدة، وقيل: نافية ردا على الكفرة ثم استأنف: "أقسم بيوم القيامة" فيتفق معنى القراءتين على هذا، واختار الزمخشري أنه نفي للقسم على معنى أن المذكور قدره فوق ذلك والله أعلم.
٧٤٥-
وَخَاطَبَ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُنا "شَـ"ـذًا ... وَفي الرُّومِ وَالحَرْفَيْنِ في النَّحْلِ أَوَّلا
عما يشركون فاعل خاطب، وشذا حال منه، ولو قدمه على هنا لكان أولى ليتصل المعطوف وهو قوله: وفي الروم وما بعده بالمعطوف عليه وهو هنا، ولئلا يتوهم أن الذي في الروم والنحل خطابه لغير حمزة والكسائي، ولا سيما وقد قال في آخر البيت: أولا فيتوهم أنه رمز لنافع، وإنما هو ظرف للحرفين؛ أي: اللفظين الواقعين أول سورة النحل، ولم يحترز بذلك من شيء بعدهما، وإنما هو زيادة بيان، وهذا مما يقوي ذلك الوهم، ولو كان احترازا لخف أمره، والذي هنا بعده: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً﴾ ٢.
والذي في الروم بعده: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ ٣، واللذان في النحل: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، ﴿بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥؛ الخطاب في الجميع للمشركين والغيب إخبار عنهم والله أعلم.
стр. 516
٧٤٦-
يُسَيِّرُكُمْ قُلْ فِيهِ يَنْشُرُكُمْ "كـ"ـفَى ... مَتَاعَ سِوَى حَفْص بِرَفْعٍ تَحَمَّلا
أي: جعل مكان "يسيركم" "ينشركم" من قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ١ و ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢، بالرفع خبر "بغيكم" أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو متاع، وخبر: بغيكم قوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ أي: لا يتجاوزها، ونصب متاع على أنه مصدر؛ أي: تتمتعون متاعا، وقال أبو علي: تبغون متاع الحياة الدنيا أو يكون متعلقا بقوله: بغيكم، وخبر بغيكم محذوف لطول الكلام.
٧٤٧-
وَإِسْكَانُ قِطْعًا "دُ"ونَ "رَ"يْبٍ وُرُودُهُ ... وفِي بَاءِ تَبْلُو التَّاءُ "شَـ"ـاعَ تَنَزُّلا
القطع بسكون الطاء: الجزء من الليل الذي فيه ظلمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ٣.
وقال الشاعر:
افتحي الباب فانظري في النجوم ... كم علينا من قِطْع ليل بهيم
وبفتح الطاء: جمع قطعة، وكلتا القراءتين ظاهرة، وقوله: مظلما صفة قطعا على قراءة الإسكان، وعلى قراءة الفتح هو حال من الليل؛ وأما: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ ٤، فقرأها حمزة والكسائي بتاءين من التلاوة أو من التلو وهو: الإتباع، وقرأها الباقون بباء موحدة قبل اللام من الاختبار، وتنزلا: نصب على التمييز، ولم يقيد الناظم حرفي القراءة بما لا يحتمل التصحيف على عادته مثل شاع بالثا مثلثا، وغيرهما بالباء نقطة أسفلا، وهو مشكل؛ إذ من الجائز أن تقرأ: وفي تاء تبلوا الباء شاع، فيكون عكس مراده، فلو أنه قال في البيت الأول: متاع سوى حفص وقطعا رضى دلا:
بالِاسكان تبلو كل نفس من التلا ... وة والباقون تبلو من البلا
لاتضح المراد ويكون الإطلاق في متاع دالا على رفعه فلا يحتاج إلى قيد على ما عرف من اصطلاحه والله أعلم.
٧٤٨-
وَيَا لا يَهدِّي اكْسِرْ "صَـ"ـفِيًّا وَهَاهُ "نَـ"ـلْ ... وَأَخْفَى "بَـ"ـنُو "حَـ"ـمْدٍ وَخُفِّفَ "شُـ"ـلْشُلا
стр. 517
قصر يا وها ضرورة أراد: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ ١، قرأه حمزة والكسائي من "هدَى" "يهدِي" كـ "رمى يرمي"، وهو بمعنى يهتدى، أو على أنه على تقدير إلا بأن يُهدَى وحرف الجر يحذف مع "أن" كثيرا وقراءة الباقين أصلها يهتدى، فأريد إدغام التاء في الدال فألقيت حركتها على الهاء؛ لتدل على حركة المدغم كما قالوا: يعض ويرد ويفر والأصل يعضض ويردد ويفرر، وكسر عاصم الهاء؛ لالتقاء الساكنين، ولم ينبه على حركة المدغم؛ لأنه قد علم أن تاء الافتعال لا تكون إلا مفتوحة بخلاف عين الفعل المدغمة في يعضّ ويردّ ويفرّ؛ فإن حركتها اختلفت كما ترى، ولم يفعل ذلك عاصم في: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ ٢، ففتح كغيره ولم يكسر؛ لأن الكسر في "لا يهِدّي" أنسب للياء قبلها، وكسر شعبة الياء إتباعا للهاء ولا يجوز كسر ياء المضارعة إلا في مثل هذا، وفي "ييجل"؛ لتنقلب الواو ياء، ومن أخفى حركة الهاء نبه بذلك على أن أصلها السكون، قال في التيسير: والنص عن قالون بالإسكان.
قلت: والكلام عليه كما سبق في "لا تعدو"، و"نعما"، وغيرهما؛ لأنه جمع بين الساكنين على غير حدهما فلا يستقيم وشلشلا: حال؛ لأنه كتب في المصحف بغير تاء، فخفف قراءة في حال كونها خفيفا في الرسم، ويجوز أن يكون شلشلا صفة قامت مقام المصدر وهي في معناه لا من لفظه، فكأنه قال: وخفف خفيفا؛ أي: تخفيفا كما قال: قم قائما؛ أي: قياما، وعنى بالتخفيف قراءةً ترك تشديد الدال، وبقي سكون الهاء لم ينبه عليه وهذا قد سبق له نظائر، ولكنه نطق فيها بالكلمات مخففة نحو: وفي الكل تلقف خف حفص، ولا يتبعوكم خف ويغشى سما خفا، وموهن بالتخفيف ذاع، ولو قال في موضع وخفف شلشلا: ويهدي شمردلا، لكان أبين؛ لكونه نص على لفظ القراءة كما نص على لفظ قراءة الباقين في قوله: ويا لا يهدي اكسر، فيكون المعنى: وقرئ يهدي في حال كونه شمردلا؛ أي: خفيفا.
٧٤٩-
وَلكِنْ خَفِيفٌ وَارْفَعِ النَّاسَ عَنْهُمَا ... وَخَاطَبَ فِيهَا يَجْمَعُونَ "لَـ"ـهُ "مُـ"ـلا
أراد: "وَلَكِنِ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"٣، الخلاف فيها كما سبق في: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ٤، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ ٥، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٦.
وقوله: عنهما؛ أي: عن حمزة والكسائي، والغيبة والخطاب في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ظاهر أن
стр. 518
الخطاب للكفار والغيب إخبار عنهم وقوله: فيها؛ أي: في هذه السورة وملا جمع ملاءة وهي الملحفة وقد ذكرنا المراد بها.
٧٥٠-
وَيَعْزُبُ كَسْرُ الضَّمِّ مَعْ سَبَأٍ "رَ"سَا ... وَأَصْغَرَ فَارْفَعْهُ وَأَكْبَرَ "فَـ"ـيْصَلا
أي: مع حرف سبأ، والكسر والضم في زاي يعزب: لغتان ومعناه وما يبعد وما يغيب، ومعنى رسا: ثبت واستقر، ورفع "ولا أصغر" على الابتداء والفتح على أنه اسم "لا"، بُنِيَ معها كالوجهين في "لا حول ولا قوة إلا بالله" بفتحهما ورفعهما على ما ذكرناه، وقال كثير من الناس: إن الرفع عطف على موضع من مثقال، والفتح على لفظ مثقال أو على ذرة، ولكنه لا ينصرف، وهو مشكل من جهة المعنى، ويزيل الإشكال أن يقدر قبل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ليس شيء من ذلك إلا في كتاب مبين، وكذا يقدر في آية الأنعام: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ١.
وأما الذي في سورة سبأ فلم يقرأ: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ ٢، إلا بالرفع فقط وهو يقوي قول من يقول: إنه معطوف وسببه أن "مثقال" فيها بالرفع؛ لأنه ليس قبله حرف جر وفيصلا حال من المرفوع، وكأنه أشار إلى الوجه المذكور أولا؛ أي: انفصل مما قبله في المعنى، فارتفع بالابتداء والخبر، وقال الشيخ: فيصلا حال من الفاعل في ارفعه؛ أي: حاكما في ذلك:
٧٥١-
مَعَ المدِّ قَطْعُ السِّحْرِ "حُـ"ـكْمٌ تَبَوَّءا ... بِيَا وَقْفِ حَفْصٍ لَمْ يَصِحَّ فَيُحْمَلا
أي: قطع همز السحر مع ما بعدما حكم من الأحكام المنقول في علم القراءات يريد قوله تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ؛ قرأه أبو عمرو بقطع الهمزة على أنها للاستفهام وبالمد بعدها بدلا من همزة الوصل فصار مثل: "آلذكرين"، وهو استفهام بمعنى التقرير والإنكار عليهم، و"ما" في: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾ استفهامية أيضا أي: أي شيء جئتم به ثم ابتدأ "آلسحر"؛ أي: أهو السحر؟ وقراءة الجماعة بهمزة وصل من غير مد، على أن ما موصولة بـ "جئتم به" وهي مبتدأ والسحر خبرها؛ أي: الذي جئتم به السحر حقيقة، وحكى أبو علي الأهوازي من طريق الأصمعي عن أبي عمرو مثل قراءة الجماعة وأما: ﴿أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا﴾ ٣، فروي عن حفص أنه إذا وقف عليه أبدل الهمزة ياء مفتوحة، وأنكر ذلك أبو العباس الأشناني فيما حكاه
стр. 519
ابن أبي هاشم عنه ولم يعرفه، قال: وقال في الوقف مثل الوصل؛ يعني: بالهمز، قال الداني: وبذلك قرأت وبه آخذ.
قلت: وهو أيضا فاسد من جهة العربية فإنه ليس على قياس تسهيل الهمز، وقول الناظم: تبوءا مبتدأ ووقف حفص إن كان مرفوعا، فهو مبتدأ ثانٍ؛ أي: وقف حفص عليه بياء لم يصح وإن كان وقف مجرورًا بإضافة "يا" إليه فالخبر لم يصح؛ أي: تبوءا باليا لم يصح ونصب فيحملا في جواب النفي بالفاء.
٧٥٢-
وَتَتَّبِعَانِ النُّونُ خَفَّ "مَـ"ـدًا وَمَا ... جَ بِالفَتْحِ وَالإِسْكَانِ قَبْلُ مُثَقَّلا
أي: خف مداه؛ لأن الناطق بالخفيفة أقصر مدا من الناطق بالشديدة وهي نون رفع الفعل على أن تكون لا للنفي لا للنهي والواو للحال؛ أي: فاستقيما غير متعبين أو تكون جملة خبرية معناها النهي كقوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ١، أو يكون إخبارا محضا بجملة مستأنفة أي: ولستما تتبعان، وإن قلنا: إن لا: نهي كانت النون نون التأكيد الخفيفة على قول يونس والفراء، وكسرت؛ لالتقاء الساكنين وقيل: خففت الثقيلة للتضعيف كما تخفف رب وإن ثم إن الناظم ذكر رواية أخرى عن ابن ذكوان وليست في التيسير وهي بسكون التاء وفتح الباء وتشديد النون من تبع يتبع، والنون المشددة للتأكيد فهذا معنى قوله: وماج؛ أي: اضطرب بالفتح في الباء والإسكان في التاء قبل الباء، ومثقلا حال من فاعل ماج، وهو ضمير تتبعان، وهذه قراءة جيدة لا إشكال فيها، قال الداني في غير التيسير: وقد ظن عامة البغداديين أن ابن ذكوان أراد تخفيف التاء دون النون؛ لأنه قال في كتابه بالتخفيف، ولم يذكر حرفا بعينه، قال: وليس كما ظنوا؛ لأن الذين تلقوا ذلك أداء وأخذوه منه مشافهة أولى أن يصار إلى قولهم، ويعتمد على روايتهم، وإن لم يتفق ذلك في قياس العربية، ولم يذكر ابن مجاهد عن ابن ذكوان غير هذا الوجه، وذكر الأهوازي عن ابن عامر في هذه الكلمة أربع قراءات: تشديد التاء والنون كالجماعة، وتخفيفهما، وتشديد التاء وتخفيف النون، وعكسه تخفيف التاء وتشديد النون؛ وهما الوجهان المذكوران في القصيدة، وساق الأخير من طريق ابن ذكوان.
فإن قلتَ: هل يجوز أن تكون الميم في "وماج" رمزا نحو الكاف من وكم صحبة؛ لأنها قراءة، ولم يذكر لها قارئا.
قلتُ: لا يجوز؛ لأن الرمز الحرفي إذا تمحض يجب تأخيره عن القراءة، بل تكون هذه القراءة لمن رمز له في القراءة قبلها كقوله: وعم بلا واو الذين ... البيت، فالقراءتان متى اجتمعتا في بيت لقارئ متحد تارة يتقدم رمزه وتارة يتأخر مثل كفلا في البيت الذي أوله عليم، وقالوا: وقد رد القراءة في بيت لا رمز فيه على رمز في بيت قبله في قراءة، فتثبتوا في سورة النساء فما هنا أولى والله أعلم.
стр. 520
٧٥٣-
وَفِي أَنَّهُ اكْسِرْ "شَـ"ـافِيًا وَبِنُونِهِ ... وَنَجْعَلُ "صِفْ" وَالخِفُّ نُنْجِ "رِ"ضىً "عَـ"ـلا
يريد قوله تعالى: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ ١، الكسر فيه للاستئناف أو على إضمار القول والقول هنا هو المعبر عنه بالإيمان أو ضمن "آمنت" معنى قلت، والفتح على حذف الباء؛ أي: آمنت بأنه كذا، نحو: يؤمنون بالغيب، وهو مفعوله من غير تقدير حرف جر؛ أي: صدقت أنه كذا، والخلف في قوله سبحانه: "ونجعل الرجس"٢ بالنون والياء ظاهر النون للعظمة والياء؛ لأن قبله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والهاء في قوله: وبنونه لقوله: ونجعل نحو في داره زيد؛ لأن الواو في "ونجعل" من التلاوة، فيكون "ونجعل" مبتدأ وبنونه خبر مقدم؛ أي: استقر بنونه، ويجوز أن تكون "ونجعل" مفعول صف؛ أي: صف بنونه، والخف مبتدأ، و"ننجي" مفعول به كما ذكرنا في قوله في الأعراف: والخف أبلغكم ورضى خبر المبتدأ وعلا تمييز أو خبر بعد خبر، و"ننجي" المختلف في تخفيفه وتشديده هو: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وهما لغتان: "أنْجَى"، و"نَجَّى"، كأنزل ونزل، ولا خلاف في تشديد الذي قبله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ ٤، ولا في تشديد: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ في هذه الطريقة المنظومة، وقد ذكر أبو علي الأهوازي الخلاف فيهما أيضا، ونسب تخفيفهما إلى أبي عمرو والكسائي وكتبت: "ننجي المؤمنين" بلا ياء في المصاحف الأئمة فلهذا يقع في كتب مصنفي القراءات بلا ياء، قال الشيخ: والوقف عليه على رسمه بغير ياء.
قلت: ويقع في نسخ القصيدة "ننجِ" بلا ياء، والأصل الياء كتابة ولفظا.
فإن قلت: لعله ذكره بلا ياء؛ ليدل على موضع الخلاف؛ لأن الياء فيه محذوفة في الوصل؛ لالتقاء الساكنين، قلت: لو كان أراد ذلك لم يحتج إلى تقييده بما ذكره في البيت الآتي وهو:
٧٥٤-
وَذَاكَ هُوَ الثَّانِي وَنَفْسِيَ يَاؤُهَا ... وَرَبِّيَ مَعْ أَجْرِي وَإِنِّي وَلِي حُلا
يعني: هو الثاني بعد كلمة "ونجعل الرجس" وإلا فهو الثالث لوعد "ننجيك" والكلام في هذا كما سبق
стр. 521
في الأعراف في قوله: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ قل لشعبة في الثاني؛ يعني: بعد خالصة وإلا فهو ثالث، ثم ذكر ياءات الإضافة وهي خمس، وأراد:
"مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتَّبِعُ"١، "قُلْ إِي وَرَبِّيَ إِنَّهُ لَحَقٌّ"٢، فتحها نافع وأبو عمرو.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ٣، فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص.
"إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ"٤، "لِيَ أَنْ أُبَدِّلَهُ"، فتحهما الحرميان وأبو عمرو.
وحلا ليس برمز، وكذا كل ما كان مثله مما مضى ومما يأتي من الأبيات المذكور فيها عدد ياءات الإضافة؛ لأنه لم يذكر أحكامها في أواخر السور كما سبق بيانه، والهاء في ياؤها للسورة، وليس فيها من الزوائد شيء والله أعلم.
стр. 522
سورة هود:
٧٥٥-
وَإِنِّي لَكُمْ بِالفَتْحِ "حَقُّ رُ"وَاتِهِ ... وَبَادِئَ بَعْدَ الدَّالِ بِالهَمْزِ "حُـ"ـلِّلا
يريد: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ في أول قصة نوح: الفتح على حذف الباء؛ أي: أرسلناه بهذا الكلام والكسر على: فقال: ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ ، أما بادئ الرأي، فذكر أن أبا عمرو قرأه بهمزة بعد الدال، وبدأ الشيء: أوله، ولم يبين قراءة الجماعة، وهي بياء مفتوحة إما من بدأ إذا ظهر أو يكون خفف الهمز الذي في قراءة أبي عمرو وقياس تخفيفه أنه يبدل ياء؛ لانفتاحه وكسر ما قبله فهو كما في ضياء في قراءة قنبل، ولو قال: وباديء همز الياء عن ولد العلا لكان أجلى وأحلى، وحلل من التحليل.
٧٥٦-
وَمِنْ كُلِّ نُونٍ مَعْ قَدَ افْلَحَ عَالِمًا ... فَعُمِّيَتِ اضْمُمْهُ وَثَقِّلْ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا
يريد: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ هنا، وفي سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١، التنوين في تقدير: من كل شيء زوجين، ويكون زوجين مفعولا، واثنين: تأكيدا، وعلى قراءة غير حفص يكون اثنين مفعول احمل وأما: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢، فاضمم عينه وشدد ميمه، فيكون معناه: أخفيت، وقراءة الباقين بالتخفيف على معنى: خفيت ووزنه، ولا خلاف في تخفيف: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ ٣.
في سورة القصص وإعراضه عن ذكرها دليل على أن الخلف المذكور مختص بما في هذه السورة ألا ترى "أن من كل زوجين" لما كان في سورتين ذكرهما وهو: أول هذا البيت ويجوز في البيت ضم تاء فعميت وكسرها كما قرئ بهما قوله: تعالى: ﴿قَالَتِ اخْرُجْ﴾ ٤.
стр. 523
الكسر على التقاء الساكنين والضم للإتباع، وشذا حال من الفاعل أو المفعول في اضممه وثقل؛ أي: ذا شذا عالٍ، والله أعلم.
٧٥٧-
وَفِي ضَمِّ مَجْرَاهَا سِوَاهُمْ وَفَتْحُ يَا ... بُنَيِّ هُنَا "نَـ"ـصٌّ وَفِي الكُلِّ "عُـ"ـوِّلا
أي: غير حمزة والكسائي وحفص ضم ميم "مجراها" على أنه مصدر أجرى وهؤلاء فتحوها على أنها مصدر جرى وفي في قوله: وفي ضم بمعنى على أي: على ضمها من عدا هؤلاء، أما يا بني بفتح الياء وكسرها فلغتان مثل ما تقدم في: "يا ابن أم" بفتح الميم وكسرها، ففتح حفص الجميع ووافقه أبو بكر هنا فعلى الكسر أصله يبنى، فحذفت الياء كما تقول: يا غلام، والأصل: يا غلامي، وعلى الفتح أبدلت الياء ألفا؛ لتوالي الياءات والكسرات، ثم حذفت الألف وبقيت الفتحة دالة عليها.
٧٥٨-
وَآخِرَ لُقْمانٍ يُوَالِيهِ أَحْمَدُ ... وَسَكَّنَهُ "زَ"اكٍ وَشَيْخُهُ الَاوَّلا
في لقمان ثلاثة مواضع: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ١، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ ٢، ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ٣، فالوسطى على ما تقدم تفتح لحفص وتكسر لابن كثير وغيره. والأولى والأخيرة فتحهما حفص وكسرهما من عدا ابن كثير، أما ابن كثير فسكن الأولى وله في الأخيرة وجهان؛ فتحها البزي فوافق حفصا في ذلك وسكنها قنبل، ووجه الإسكان أن بعد حذف ياء الإضافة بقي ياء مشددة هي مجموع ياء التصغير وياء لام الفعل، فخفف ذلك التشديد بحذف الياء الأخيرة، وهي لام الفعل وبقيت ياء التصغير وهي ساكنة وكأنه عند التحقيق وصل بنية الوقف فإذا وقف على المشدد جاز تخفيفه، وفي قراءة ابن كثير جمع بين اللغات الثلاث ففتح وسكن وكسر الأكثر، ومعنى يواليه يتابعه وأحمد هو اسم البزي، وزاكٍ عبارة عن قنبل وشيخه هو ابن كثير.
٧٥٩-
وَفِي عَمَلٌ فَتْحٌ وَرَفْعٌ وَنَوِّنُوا ... وَغَيْرَ ارْفَعُوا إِلا الكِسَائِيَّ ذَا المَلا
يريد: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ، فالفتح في الميم والرفع والتنوين في اللام فقراءة الكسائي واضحة؛ أي: إنه عمل عملا غير صالح، وقراءة الجماعة على تقدير إنه ذو عمل وإن كانت الهاء في "إنه" عائدة على النداء، فقراءتهم أيضا واضحة، والملا: الأشراف، ويريد: مشايخه أو أصحابه.
стр. 524
٧٦٠-
وَتَسْئَلْنِ خِفُّ الكَهْفِ "ظِـ"ـلٌّ "حِـ"ـمًي وَهَا ... هُنَا "غُـ"ـصْنُهُ وَافْتَحْ هُنَا نُونَهُ دَلا
الذي في الكهف: "فلا تسألن عن شيء"، والذي هنا: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ﴾ .
وأصله: فلا تسأل لحقته نون الوقاية بعدها ياء المفعول، وهي ثابتة في الكهف؛ لثبوتها في الرسم إلا في وجه عن ابن ذكوان تقدم ذكره في آخر باب الزوائد، أما هنا فحذفت الياء تخفيفا فهذه قراءة الجماعة المرموزين في هذا البيت والمراد بالتخفيف: تخفيف النون والباقون ألحقوا نون التأكيد الخفيفة في آخر الفعل فأدغمت في نون الوقاية ففتحت اللام وكانت ساكنة؛ لأجل التقاء الساكنين، فبقيت نون مشددة مكسورة، فبهذا قرأ نافع في الكهف مع إثبات الياء وكذا ابن عامر، وفي وجه حذف ابن ذكوان الياء، أما هنا فقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير بالتشديد إلا أن نافعا وابن عامر كسرا النون من غير ياء وابن كثير فتح النون؛ لأنه ألحق الفعل نون التأكيد الثقيلة، ولم يأت بنون الوقاية ولا ياء المفعول، وإنما لم يفعل في الكهف مثل هذه؛ لأن الياء فيه ثابتة في الرسم ويلزم من إثبات الياء كسر النون، أما التي في هود فلم ترسم فيها ياء، فأمكن فيها القراءتان وقول الناظم: خف الكهف صفة "تسئلن"؛ أي: الخفيف في سورة الكهف، وظل حمى خبره، ولفظ بقوله: "تسئلن" بلا ياء؛ ليشمل لفظ ما في السورتين، وقوله: وههنا غصنه؛ أي: فرع ذلك؛ لأن من خففه أقل عددا من مخفف الكهف، وقد سبق معنى ولا وفاعله ضمير عائد على تسألن؛ أي: جمع وجوه القراءات فيه من فتح وكسر وتخفيف وتشديد في السورتين فهو كمن أخرج دلوه ملآنا.
٧٦١-
وَيَوْمَئِذٍ مَعْ سَالَ فَافْتَحْ "أَ"تَى "رِ"ضًا ... وَفِي النَّمْلِ "حِصْنٌ" قَبْلَهُ النُّونُ "ثُـ"ـمِّلا
يريد: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ ، وفي سورة: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ : ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ١، قرئ بفتح الميم وجرها، فأما جرها فظاهر؛ لأنه اسم أضيف إليه ما قبله فكان مجرورًا، أما وجه الفتح، فكونه أضيف إلى غير متمكن، وهو "إذ"، وهذه حالة كل ظرف لزم الإضافة إذا أضيف إلى غير متمكن، ويجوز أن لا يبنى وعليه القراءة الأخرى،، أما الذي في النمل وهو: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ ٢، فزاد على فتح الميم عاصم وحمزة لكنِ الكوفيون نونوا قبله "من فزع" فهذا معنى قوله: قبله النون،
стр. 525
أي: قبل يومئذ زاد الكوفيون نونا أو تنوينا، والباقون أضافوا: "من فزع" إلى: "يومئذٍ" فمن جر الميم مع الإضافة فقراءته واضحة كما سبق شرحه وهو ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر على أصلهم ومن فتحها مع الإضافة وهو: نافع وحده فوجهه ما تقدم، فقراءته في السور الثلاث على طريقة واحدة، أما فتح الميم بعد التنوين فهو في قراءة عاصم وحمزة يكون حركة إعراب، وهو ظرف منصوب إما بفزع وإما بآمنون، وقراءة الكسائي تحتمل الأمرين؛ لأنه فتح الذي في هود وسأل لاعتقاده فيه البناء فكذا لو وجه هذا التنكير في فزع أنه أريد تهويله؛ أي: من فزع عظيم وهو الفزع الأكبر آمننا الله تعالى منه ومعنى ثمل أصلح؛ لأن التنوين جود الفتح على الظرفية ولم يخرج إلى وجه البناء والله أعلم.
٧٦٢-
ثَمُودَ مَعَ الفُرْقَانِ وَالعَنْكَبُوتِ لَمْ ... يُنَوَّنْ "عَـ"ـلَى "فَـ"ـصْلٍ وَفِي النَّجْمِ "فُـ"ـصِّلا
أراد: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ ، وفي الفرقان: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسّ﴾ ١.
وفي العنكبوت: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ٢.
وفي النجم: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ٣.
لم ينون الجميع حفص وحمزة، ووافقهما أبو بكر على عدم تنوين الذي في النجم، ورمزه في أول البيت الآتي نما؛ لأن النون لعاصم بكماله في اصطلاح هذه الطريقة عبارة عن أبي بكر وحفص معا، والباقون نونوا في الجميع، ووجه التنوين وعدمه مبني على صرف هذه الكلمة وعدم صرفها، وللعرب فيها مذهبان تارة تصرفها ذهابا إلى اسم الحي، وتارة تترك صرفها ذهابا إلى اسم القبيلة، وكذا الخلاف في سبأ لما سيأتي في سورة النمل، فإن قلت: أطلق قوله: ثمود هنا فما المانع أن يظن أنه أراد التي في أول القصة: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وهو غير منصرف اتفاقا، قلت: منع منه أمران.
أحدهما أن هذا سابق على كلمة يومئذ فلو كان فيه خلاف لذكره قبل مسألة يومئذ لا يقال: إنه في بعض المواضع يقدم ما تأخر من الحروف، ويؤخر ما تقدم كقوله بعد هذا البيت: ويعقوب ثم قال هنا: قال سلم ومثله ودرى اكسر ثم قال: يسبح فتح الياء كذا صف، وتوقد البيت، ولفظ توقد قبل يسبح، وإنما ضرورة النظم تحوج إلى مثل هذا؛ فإن جوابه أنه لا ضرورة هنا؛ لأن مسألة يومئذ في بيت مستقل فكان يمكنه تأخيره.
стр. 526
الأمر الثاني: أن جميع هذه المواضع الأربعة المختلف فيها منصوبة والخلاف واقع في إثبات التنوين وعدمه فقط، أما قوله: وإلى ثمود فمجرور فلا يكفي فيه ذكر التنوين بل لا بد من جره عند من صرفه كما ذكر بعد ذلك في "لثمود" فلم يدخل في مراده والله أعلم، قال سيبويه: وثمود وسبأ هما مرة للقبيلتين ومرة للحيين وكثرتهما سواء، قال أبو علي: فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا، ومن لم يصرف في جميع المواضع فكذلك، وكذلك إن صرف في موضع ولم يصرف في موضع آخر إلا أنه لا ينبغي أن يخرج عما قرأت به القراء؛ لأن القراءة سنة فلا ينبغي أن نحمل على ما تجوزه العربية حتى ينضم إلى ذلك الأثر من قراءة القراء، وقول الناظم: على فصل؛ أي: على قول فصل والله أعلم.
واختار أبو عبيد قراءة التنوين في هذه المواضع الأربعة،؛ لأنها رسمت بألف بعد الدال وهو دليل الصرف.
٧٦٣-
"نَـ"ـما لِثَمُودٍ نَوِّنُوا وَاخْفِضُوا "رِ"ضا ... وَيَعْقُوبُ نَصْبُ الرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "فَـ"ـاضِلٍ "كَـ"ـلا
نما من تتمة رمز الذي في النجم، ثم ابتدأ لثمود أراد: "أَلا بُعْدًا لِثَمُودٍ"؛ صرفه الكسائي فخفضه ونونه موافقة لما قبله وهو: "ألا إن ثمودًا"، وفتحه الباقون غير منون؛ لأنه غير مصروف، وقوله: رضى؛ أي: ذوي رضى، وموضع لثمود نصب ما بعده، وقرئ يعقوب بالنصب والرفع، فالنصب على تقدير: ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق، ودل عليه معنى قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ؛ لأنه في معنى وهبنا، واختاره أبو علي، وذكر وجهين آخرين على ضعف فيهما؛ أحدهما: أن يكون مجرورًا عطفًا على إسحاق، والثاني أن يكون منصوبًا عطفًا على موضع بإسحاق؛ أي: فبشرناها "بإسحاق" ويعقوب من وراء إسحاق، وضعفهما من جهة الفصل بين واو العطف والمعطوف بالظرف فهو كالفصل بين الجار والمجرور، ولو قلت: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو على تقدير وبعمر وأمس لم يحسن ولكن في الشعر يحتمل مثل ذلك كما جاء بكف -يوما- يهودي
ومثله في الفصل بين حرف العطف والمرفوع وآونة أثالي وفي المنصوب:
ويوما أديمها نغلا
في بيتين معروفين أنشدهما أبو علي وغيره الأول لابن أحمر والثاني للأعشى، وله نظير في إعراب بعضهم.
стр. 527
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١.
على أن هادٍ عطف على منذر؛ أي: أنت منذر وهادٍ لكل قوم، وقد مضى في هذه القصيدة وسيأتي نحو من ذلك في نظم الناظم، وذكر وجه العطف جماعة من أئمة العربية، أما قراءة يعقوب بالرفع فعلى الابتداء، وخبره ما قبله؛ أي: مولود لها من وراء إسحاق يعقوب أو يكون فاعل من وراء على قول الأخفش؛ أي: واستقر لها من وراء إسحاق يعقوب، قال أبو جعفر النحاس: وتكون الجملة في موضع الحال، وأظنه في البشارة أي: فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب قال: ويجوز على إضمار فعل؛ أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، وقوله: نصب الرفع؛ أي: نصب رفعه أو نصب الرفع فيه منقول عن فاضل كلأه؛ أي: حفظه.
٧٦٤-
هُنا قَالَ سِلْمٌ كسْرُهُ وَسُكُونُهُ ... وَقَصْرٌ وَفَوْقَ الطُّورِ "شَـ"ـاعَ تَنَزُّلا
كسره: مبتدأ، وسكونه وقصر عطف عليه، وشاع خبر المبتدأ، وتنزلا تمييز، وفوق الطور: عطف على هنا؛ أي: قوله: "قال سلم" موضع: "قال سلام هنا وفي الذاريات وهما لغتان كحرم وحرام وحل وحلال، وقيل: سلم ضد حرب؛ وذلك لأنه نكرهم فقال: أنا مسالم لكم ورفعه على حكاية قوله؛ أي: سلام عليكم أوامري سلام، ونصب: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ ؛ أي: قولا ذا سلامة لم يقصد فيه حكاية قولهم، وكذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٢.
وأما في كل موضع يقصد التسليم فلم يأت الأمر معرفا والأكثر تنكيره: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ ٣،: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٤، ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ ٥، ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ ٦.
وجاء معرفا في: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ ٧، ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ٨.
وقيل: التقدير: سلمنا سلاما، وله نظائر والله أعلم.
٧٦٥-
وَفَاسْرِ أَنِ اسْرِ الوَصْلُ "أَ"صْلٌ "دَ"نا وَهَا ... هُنَا حَقٌّ الا امْرَاتَكَ ارْفَعْ وَأَبْدِلا
يريد حيث جاء هذان اللفظان، وجاء فأسر في ثلاث سور هنا: د
стр. 528
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ١، ومثله في الحجر والدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ ٢.
وأما: ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ ؛ ففي طه والشعراء عنى بالوصل: همزة الوصل، ولا يظهر لفظها إلا على تقدير أن تقف على "أن"، فتبتدئ "إسر" بكسر الهمزة، أما إذا وصلت فلا يظهر إلا أثرها، وهو حذفها في الدرج وكسر النون من "أن"؛ لالتقاء الساكنين لورش وغيره، أما في كلمة "فأسر" فلا يظهر أثر إلا في حذفها، وقرأ الباقون بهمزة القطع المفتوحة، فالنون من أن ساكنة على أصلها، لكنها تفتح لحمزة إذا وقف على أن أسر على رواية نقل الحركة له في الوقف والقراءتان مبنيتان على الفعل الذي منه هذا الأمر، وفيه لغتان سرى وأسرى فعلى لغة سرى جاءت همزة الوصل في الأمر كقولك: ارم من رمى، وعلى لغة أسرى جاءت همزة القطع كقولك من أعطى: أعط، ويشهد لـ: "سرى" قوله سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٣.
ويشهد لأسرى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ ٤.
ويتعلق بهما بحث كما ذكرناه في تفسير آية سبحان فأما قوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ .
فقرئ برفع امرأتك ونصبها، فقوله: ههنا احترازًا من الذي في العنكبوت: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ ؛ فإنه منصوب باتفاق؛ لأنه مستثنى من موجب، أما هنا فمستثنى من غير موجب، فجرى فيه الوجهان النصب والرفع كما سبق في سورة النساء: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ، و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، لكن لم يقرأ بالنصب ثَم إلا واحد، وههنا الأكثر على النصب، فلهذا قال جماعة من أئمة العربية: إنه مستثنى من قوله تعالى:
стр. 529
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ؛ ليكون مستثنى من موجب، وهذا فيه إشكال من جهة المعنى؛ إذ يلزم من استثنائه من: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أن لا يكون أسرى بها وإذا لم يسر بها كيف يقال: "لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ" على قراءة الرفع، فكيف تؤمر بالالتفات، وقد أمر أن لا يسري بها فهي لما التفتت كانت قد سرت معهم قطعا فيجوز أن يكون هو لم يسر بها ولكنها تبعتهم والتفتت، فأصابها ما أصاب قومها، والذي يظهر لي أن الاستثناء على القراءتين منقطع لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكن استؤنف الإخبار عنها بمعنى لكن امرأتك يجري لها كيت وكيت، والدليل على صحة هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناء أصلا فقال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ١.
فلم تقع العناية إلا بذكر من أنجاهم الله تعالى، فجاء شرح حال امرأته في سورة هود تبعا لا مقصودا بالإخراج مما تقدم، ونحو ذلك قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٢.
قال كثير من المفسرين: إنه استثناء متصل، وبنى قوم على ذلك جواب الاستثناء الأكثر من الأقل؛ لأن الغاوي أكثر من المهتدي، وعندي أنه منقطع بدليل أنه في سورة سبحان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ٣، فأطلق ولم يستثن الغاوين دل على أنه أراد بقوله تعالى: "عبادي": المخلصين المكلفين، وهم ليس للشيطان عليهم سلطان فلا حاجة إلى استثناء الغواة منهم فحيث جاء في الحجر استثناء الغواة كان على سبيل الانقطاع؛ أي: لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان فإذا اتضح هذا المعنى لك علمت أن القراءتين واردتان على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع؛ ففيه لغتان: النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليها الأكثر، والرفع لبني تميم وعليها اثنان من القراء، ولهذا قلت في المنظومة التي في النحو:
واحمل على المنقطع الا امرأتُك ... في هود مطلقا فتقوى حجتُك
وقول الناظم: ارفع وأبدلا يجوز بضم الهمزة وفتحها؛ فضمها على أنه فعل لم يسم فاعله وفتحها على الأمر والألف في آخره بدل من نون التأكيد الخفيفة، والمعنى: واحكم على المرفوع أنه بدل من أحد
стр. 530
قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ هذا على قول الجماعة إنه مستثنى من ذلك، ولم يختلفوا فيه، وإنما الخلاف بينهم في قراءة النصب منهم من استثناها من ذلك ومنهم من استثناها من: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ، وقوله: "إِلَّا امْرَاتَكَ" أبدل فيه الهمزة ألفا؛ ليتزن له النظم، وقد سمع نحو ذلك من العرب يقولون: المراة والكماة، فيبدلونها ألفا، ولزم من هذه العبارة في نظمه إيهام، وذلك أنه قال: ارفع وأبدلا فيظن أنه أراد ما لفظ به من إبدال الهمزة ألفا وإنما أراد الإبدال من جهة الإعراب ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين، وكأنه قيل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيد وغيره أنها في قراءة ابن مسعود هكذا، وليس فيها: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ ، فهذا دليل على استثنائها من المسري بهم ثم كأنه سبحانه قال: فإن خرجت معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستلتفت ويصيبها ما أصاب قومها فكانت قراءة النصب دالة على ذلك المعنى المتقدم، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعها دال على جملة المعنى المشروح.
٧٦٦-
وَفِي سَعِدُوا فَاضْمُمْ "صِحَابـ"ـًا وَسَلْ ... بِهِ وَخِفُّ وَإِنْ كُلًا "إِ"لَى "صَـ"ـفْوِهِ "دَ"لا
صحابا؛ أي: ذا صحاب ويقال: سال عنه وسال به بمعنى وعليه حمل قوله: تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ﴾ ١.
أي: عن عذاب ومنه:
"فسئل به خبيرا"٢.
وقال علقمة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني
وقال الشيخ: سل به بمعنى اعتن به واشتغل به كما يقال: سل عنه بمعنى ابحث عنه وفتش عنه، وإنما قال ذلك؛ لصعوبة تخريج وجه الضم؛ لأنه يقتضي أن يكون سعد متعديا وهي لغة مجهولة ويدل على وجودها قولهم: مسعود والمعروف أسعده الله بالألف وقيل: إن سعد لغة هذيل يقال سعد كما يقال: جن، أما: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ، فمعناها على القراءات من أشكل الآيات، وقد نظم في هذا البيت الخلاف في أن وفي البيت الآتي الخلاف في لما، والخلاف فيهما في التشديد والتخفيف فقوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ في موضع خفض بإضافة وخف إليه، واعلم أن "إن" يجوز تخفيفها وهي باقية على إعمالها؛ فقوله: كلا اسمها مخففة كانت أو مشددة، ولا يجوز أن يكون المخففة نافية؛ لأنها قد نصبت كلها، وقد دخلت اللام في الخبر إلا في قراءة من شدد كما يأتي فهي قراءة أبي بكر وحده، وقوله: إلى صفوه دلا خبر، وخف "وإن كلا"، والهاء في صفوه للخف، وفاعل دلا ضمير عائد إلى القارئ؛ أي: إلى صفو الخف أدلى القارئ دلوه ثم استخرجها؛ أي: وجد قراءة حلوة فقرأ بها، يقال: دلوت الدلو نزعتها وأدليتها أرسلتها في البئر، قال الله تعالى: