وما يسكت عليه في مذهب خلف كآخر "والضحى" فكل ذلك لا يحكمه ويتقنه إلا من عرف كيف يصله وسكوت خلف لا يخرجه عن كونه وصلا فإنه لا يفعل ذلك إلا في الوصل كما سيأتي شرحه في قوله: روى خلف في الوصل ...
وقد نقل أبو علي الأهوازي عن حمزة أنه قال: إنما فعلت ذلك؛ ليعرف القارئ كيف إعراب أواخر السور أي: ووصلك بين السورتين بعد إسقاط البسملة يستلزم فصاحة ثم بين قراءة غير حمزة ممن لم يبسمل فقال وصل واستكن وهذا على التخيير وإلا فالجمع بينهما محال إلا في حالتين أي صل إن شئت كما سبق لحمزة واسكت على آخر السورة إن شئت، وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير وإلا فالواو ليست بموضوعة له وقد قيل إنها قد تأتي للتخيير مجازًا والنون في واسكتن للتوكيد ولعله قصد بذلك أن السكوت لهم أرجح من الوصل، وقال صاحب التيسير على اختيار ذلك لهم، وقال الشيخ رحمة الله عليه: أكثر أهل الأداء لما فيه من الفصل، وقد روي السكت أيضا عن حمزة، وجلاياه جمع جلية وهو مفعول حصل، والهاء في جلاياه تعود على التخيير أي كل من أهل الأداء استوضح التخيير، ورآه صوابا أو تعود على كل؛ أي كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه والله أعلم.
١٠٢-
وَلاَ نَصَّ كَلاَّ حُبَّ وجْهٍ ذَكَرْتُهُ ... وَفِيهاَ خِلاَفٌ جِيدُهُ وَاضِحُ الطُّلا
أي لم يرد بذلك نص عن هؤلاء بوصل ولا سكوت وإنما التخيير بينهما لهم اختيار من المشايخ واستحباب منهم، وهذا معنى قوله: "حب وجه ذكرته"، وكلا حرف ردع وزجر كأنه منع من اعتقاد النصوصية عن أحد منهم على ذلك، ثم قال: "وفيها" أي في البسملة خلاف عنهم جيد ذلك الخلاف واضح، الطلا: أي أنه مشهور معروف عند العلماء والجيد: العنق، والطلا جمع طلاة أو طلية والطلية صفحة العنق وله طليتان فجاء بالجمع في موضع التثنية لعدم الإلباس كقولهم: عريض الحواجب وطويل الشوارب، وقيل الطلا الأعناق أنفسها فكأنه قال عنق هذا الخلاف واضح الأعناق أي هو الواضح من بينها، وإنما تتضح الأعناق إذا كانت مرتفعة وارتفاع الأعناق والرءوس يكنى به عن ارتفاع المنزلة وعلو المرتبة، ومنه الحديث الصحيح: "المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة".
فحاصل ما في هذا البيت أن الخلاف في البسملة مروي عن ابن عامر وورش وأبي عمرو بل أكثر المصنفين لم يذكروا عن ابن عامر إلا البسملة، وقد ذكرنا عبارة المصنفين عنهم في ذلك في الشرح الكبير، فإذا قلنا لا يبسملون فهل يصلون كحمزة أو يسكتون لم يأت عنهم في ذلك نص، وذكر الشيوخ الوجهين لهم استحبابا، وقد بسطنا الكلام في ذلك بسطا شافيا ولم نجعل في هذا البيت رمزا لأحد كما ذكر غيرنا فإنا إذا قلنا إن كلا حب رمز ابن عامر وأبي عمرو لزم من مفهوم ذلك أن يكون ورش عنه نص في التخيير، وليس كذلك بل لم يرد عنه نص في ذلك، وإن قلنا: إن جيده رمز ورش لزم أن يكون ابن عامر وأبو عمرو لم يرد عنهما خلاف في البسملة، وهو خلاف المنقول، فلهذا قلنا لا رمز في البيت أصلا والله أعلم.
١٠٣-
وسَكْتُهُمُ المُخْتَارُ دُونَ تَنَفُّسٍ ... وَبَعْضُهُمُ فِي الأَرْبِعِ الزُّهْرِ بَسْمَلا
السكت والسكوت واحد كلاهما مصدر سكت والضمير في سكتهم يعود على الثلاثة المخير لهم بين الوصل
стр. 72
والسكت أي السكت المنسوب إليهم المختار فيه أن يكون دون تنفس فالمختار على هذا يكون مبتدأ ثانيا ويجوز أن يكون صفة السكت، ويجوز أن يكون خبره كأنه لما خير أولا بين الوصل والسكت أردفه بأن السكت هو المختار على ما أشرنا إليه في قوله: واسكتن، وقوله بعد ذلك: دون تنفس خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو حال من ضمير المختار، والإشارة بقولهم: "دون تنفس" إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة وإلا فلأواخر السور حكم الوقف على أواخر الآيات وفي أثنائها من الوقوف التامة والكافية فما ساغ ثم من السكوت فهو سائغ هنا وأكثر والله أعلم.
ثم قال: وبعضهم؛ أي: وبعض المشايخ من المقرئين الذين استحبوا التخيير بين الوصل والسكوت واختاروا في السكوت أن يكون دون تنفس اختاروا أيضا البسملة لهؤلاء الثلاثة في أوائل أربع سور هي القيامة والمطففين والبلد والهمزة دون سائر السور، قالوا: لأنهم استقبحوا وصلها بآخر السور قبلها من غير تسمية، وقوله: الزهر جمع زهراء تأنيث أزهر أي المضيئة المنيرة كنى بذلك عن شهرتها ووضوحها بين أهل هذا الشأن فلم يحتج إلى تعيينها.
١٠٤-
لَهُمْ دُونَ نَصٍّ وَهْوَ فِيهِنَّ سَاكِتٌ ... لِحَمْزَةَ فَافهَمْهُ وَلَيْسَ مُخَذَّلا
لهم: أي لابن عامر وورش وأبي عمرو، "دون نص" أي من غير نص، وقد استعمل ﵀ لفظ دون بمعنى غير كثيرا كقوله: ومن دون وصل ضمها، "وسلطانية" من دون هاء، ولفظ غير مؤات له في المواضع كلها، قال صاحب التيسير: وليس في ذلك أثر عنهم، وإنما هو استحباب من الشيوخ، ثم قال: وهو فيهن أي: وذلك البعض يسكت في هذه المواضع الأربعة لحمزة؛ لأن حمزة مذهبه الوصل فاكتفى له هنا بالسكت ثم قال فافهمه أي افهم هذا المذهب المذكور وليس مخذلا يقال خذله إذا ترك عونه ونصرته خذلانا وخذل عنه أصحابه تخذيلا أي حملهم على خذلانه فالتقدير وليس مخذلا عنه أصحابه ويجوز أن يكون اسم ليس عائدا على البعض في قوله: "وبعضهم" كأن التقدير، وليس ذلك القائل مخذلا عن نصرة هذا المذهب بل قد انتصب له من ساعده ونصره وأعانه، وإني أقول لا حاجة إلى تكلف التسمية لأجل المعنى المذكور بل السكوت كافٍ للجميع كما يكتفي به لحمزة وكما يكتفي به بين الآيات الموهم اتصالها أكثر مما في هذه الأربعة أو مثلها مثل:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ ١ بعد قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ﴾ ٣ بعد قوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ٤.
ويمكن حمل قول الشاطبي ﵀ وليس مخذلا على السكوت المفهوم من قوله: وهو فيهن ساكت أي ليس هذا السكوت مخذلا بل هو مختار لحمزة وغيره، ولقد أعجبني قول أبي الحسن الحصري:
ولم أقر بين السورتين مبسملا ... لورش سوى ما جاءَ في الأربع الغر
وحجتهم فيهن عندي ضعيفة ... ولكن يقرون الرواية بالنصر
стр. 73
قال: من شرح هذا لو قال: يقرون المقالة موضع قوله: الرواية لكان أجود؛ إذ لا رواية عنهم بذلك قد أشبعت الكلام في هذا في الشرح الكبير.
١٠٥-
وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً ... لِتَنْزِيلِهاَ بالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلا
قد سبق الكلام في مهما وأن فيها معنى الشرط فتدخل الفاء في جوابها كقوله فيما مضى: فكن عند شرطي ... وفيما يأتي: "فلا تقفن الدهر ... " وهي محذوفة في هذا البيت لضرورة الشعر، والتقدير فلست مبسملا وقيل إنما تدخل الفاء؛ لأنه خبر بمعنى النهي وهو فاسد؛ فإن الفاء لازمة في النهي فكيف الخبر الذي بمعناه، وقوله: تصلها الضمير فيه لبراءة أضمر قبل الذكر على شريطة التفسير، وبراءة مفعول بدأت، والقاعدة تقتضي حذف المفعول من الأول فلا حاجة إلى إضماره كقوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ١.
وقيل: براءة بدل من الضمير في تصلها بمعنى أن سورة براءة لا بسملة في أولها سواء ابتدأ بها القارئ أو وصلها بالأنفال لأن البسملة لم ترسم في أولها بخلاف غيرها من السور.
ثم بين الحكمة التي لأجلها لم تشرع في أولها البسملة فقال: "لتنزيلها بالسيف" أي ملتبسة بالسيف كنى بذلك عما اشتملت عليه السورة من الأمر بالقتل والأخذ والحصر ونبذ العهد، وفيها الآية التي يسميها المفسرون آية السيف، وهذا التعليل يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره، قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: وعليه الجمهور من أهل العلم، وقد زدت في الشرح الكبير هذا المعنى بسطا وتقريرا، وذكرت وجوها أخر في التعليل، ونقل الأهوازي أن بعضهم بسمل في أول براءة.
١٠٦-
وَلاَ بُدَّ مِنْهاَ في ابْتِدَائِكَ سُورَةً ... سِوَاهاَ وَفي الأَجْزَاءِ خُيِّرَ مَنْ تَلا
الضمير في منها للبسملة وفي سواها لبراءة، وسورة منصوب على إسقاط الخافض أي بسورة، وكذا قوله: "أبو بدأت براءة" أي براءة يقال بدأت بالشيء أي ابتدأت به، وأما بدأت الشيء من غير باء فمعناه فعلته ابتداء ومنه: "بدأ اللَّه الخلق"٢.
وسورة نكرة في كلام موجب فلا عموم لها إلا من جهة المعنى، فكأنه قال: مهما ابتدأت سورة سوى براءة فبسمل، ولو قال ولا بد منها في ابتدا كل سورة سواها لزال هذا الإشكال.
ومعنى البيت: أن القراء كلهم اتفقوا في إبتداء السور على البسملة سواء في ذلك من بسمل منهم بين السورتين ومن لم يبسمل، ووجهه أنهم حملوا كتابة ما في المصحف على ذلك كما تكتب همزات الوصل وهي ساقطة في الدرج.
قال بعض العلماء: ولا خلاف بين القراء في البسملة أول فاتحة الكتاب سواء وصلها القارئ بسورة أخرى قبلها أو ابتدأ بها، ولم يذكر ذلك في القصيدة اعتمادا على أن الفاتحة في غالب الأحوال لا يكون القارئ لها إلا
стр. 74
مبتدئا، ثم قال: وفي الأجزاء أي وفي ابتداء الأجزاء والأحزاب والأعشار وغير ذلك، ويجمع ذلك أن تقول: كل آية يبتدأ بها غير أوائل السور خير المشايخ فيه فسوغوا البسملة فيه؛ لأنه موضع ابتداء في الجملة كما يسمى في ابتداء الوضوء والأكل والشرب ومن تلا فاعل خير وتلا بمعنى قرأ كنى بذلك عن أهل الأداء ولو كان خُير بضم الخاء وكسر الياء لكان حسنا أي خير التالي وهو القارئ في ذلك والله أعلم.
١٠٧-
وَمَهْمَا تَصِلْهَا مَعْ أَوَاخِرِ سُورَةٍ ... فَلاَ تَقِفَنَّ -الدَّهْرَ- فِيهاَ فَتَثْقُلا
الضمير في تصلها وفيها للبسملة وأواخر جمع في موضع مفرد أي بآخر سورة أي بالكلمات الأواخر أو نقول سورة لفظ مفرد في موضع جمع؛ لأنه ليس المراد سورة واحدة بل جميع السور فكأنه قال مع أواخر السور، والدهر نصب على الظرفية وفيها بمعنى عليها كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ١.
أي عليها، "ولا تقفن" نهي نصب في جوابه فتثقلا بإضمار أن بعد الفاء، ومعنى فتثقل أي يستثقل ويتبرم بك؛ لأن البسملة لأوائل السور لا لأواخرها فإن ابتليت بوصلها بالآخر فتمم الوصل بأول السورة الأخرى فتتصل بهما كما تتصل سائر الآيات بما قبلها وما بعدها، ولك أن تقطعها من الآخر والأول وتلفظ بها وحدها، والأولى قطعها من الآخر ووصلها بالأول فهذه أربعة أوجه الأول مكروه والآخر مستحب، وما بينهما وجهان متوسطان وهما وصل البسملة بهما وقطعها عنهما، ويتعلق بالوصل والقطع أحكام ذكرناها في الكبير، قال صاحب التيسير: والقطع عليها إذا وصلت بأواخر السور غير جائز والله أعلم.
стр. 75
سورة أم القرآن:
هي الفاتحة؛ سميت بذلك لأنها أول القرآن، وأم الشيء: أصله وأوله، ومن ذلك تسمية مكة بأم القرى، ومنه: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ١. أي أصله، وهو اللوح المحفوظ؛ لأن كل كائن مكتوب فيه، وقوله في الآيات المحكمات: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٢. أي أصل الكتاب؛ لأن تحمل المتشابهات عليها وترد إليها. وقيل: سميت أم القرآن؛ لأن سور القرآن تتبعها كما يتبع الجيش أمه، وهي الراية. وقيل: فيه وجوه أخر، وتسمى بأسماء أخر، أشهرها سورة الحمد، وفاتحة الكتاب؛ لأن الكتاب العزيز بها يفتح كتابة وتلاوة، وهي مكية وقيل نزلت بالمدينة أيضا، وليس بعد بيان الاستعاذة والبسملة إلا ذكر ما اختلف فيه من الحروف في سورة الحمد. وكان الترتيب يقتضي أن يبدأ بأول موضع وقع فيه الخلاف منها، وهو إدغام الميم من قوله تعالى:
"الرَّحِيمِ، مَلِكِ"٣.
стр. 76
وإظهاره إلا أنه نظر في مواضع الحلاف في الفاتحة، فبدأ منها بما لا يتكرر في غيرها وهو الخلاف في "ملك ومالك" ثم أردفه بالخلاف فيما وقع فيها وفي غيرها فذكر الصراط وميم الجمع والهاء قبلها ثم ذكر باب الإدغام الكبير، أفرده لطوله وكثرة تشعبه بباب يجمع مسائله وأطرافه، ولأجل ﴿الرَّحِيمِ، مَالِكِ" فعله، والله أعلم.
١٠٨-
وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [رَ] اوِيهِ [نَـ]ـاَصِرٌ ... وَعَنْدَ سِرَاطِ وَالسِّرَاطَ لِ قُنْبُلا
هذا من جملة المواضع التي استغنى فيها باللفظ عن القيد فلم يحتج إلى أن يقول: ومالك بالمد أو مد أو نحو ذلك؛ لأن الشعر لا يتزن على القراءة الأخرى فصار اللفظ كأنه مقيد، فكأنه قال بالمد كما قال في موضع آخر: وفي حاذرون المد أي قرأ مالك بالمد الكسائي وعاصم وقراءة الباقين بالقصر؛ لأنه ضد المد والمد هنا هو إثبات الألف والقصر حذفها، وكان التقييد ممكنا له لو قال: ومالك ممدودا نصير رواته والقراءتان صحيحتان ثابتتان وكلا اللفظين من مالك وملك صفة لله تعالى.
وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الكلام في الترجيح بين هاتين القراءتين حتى إن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، وصحة اتصاف الرب بهما فهما صفتان لله تعالى يتبين وجه الكمال له فيهما فقط ولا ينبغي أن يتجاوز ذلك.
وممن اختار قراءة "مالك" بالألف عيسى بن عمر وأبو حاتم وأبو بكر بن مجاهد وصاحبه أبو طاهر بن أبي هاشم وهي قراءة قتادة والأعمش وأبي المنذر وخلف ويعقوب، ورويت عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبي هريرة ومعاوية، ثم عن الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود وسعيد بن جبير وأبي رجاء والنخعي وأبي عبد الرحمن السلمي ويحيى بن يعمر وغيرهم.
واختلف فيه عن علي وعمر بن عبد العزيز ﵃ أجمعين.
وأما قراءة ملك بغير ألف فرويت أيضا عن النبي ﷺ وقرأ بها جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم منهم أبو الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، ومروان بن الحكم، ومجاهد، ويحيى بن، وثاب، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وابن جريج، والجحدري، وابن جندب، وابن محيصن، وخمسة من الأئمة السبعة، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي بكر بن السراج النحوي، ومكي المقري، وقد بينت كلامهم في ذلك في الشرح الكبير، وأنا أستحب القراءة بهما؛ هذه تارة، وهذه تارة، حتى إني في الصلاة أقرأ بهذه في ركعة، وهذه في ركعة، ونسأل الله تعالى اتباع كل ما صح نقله والعمل به، ثم قال: وعند سراط ... والسراط أي مجردا عن لام التعريف ومتصلا بها، ثم المجرد عن اللام قد يكون نكرة نحو: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢، ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ٣.
وقد تكون معرفة بالإضافة نحو:
стр. 77
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١، ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ ٢، ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣، ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ٤.
فلهذا لم أقل إرادة المنكر والمعرف ومثله، وكسر بيوت والبيوت، ونقل قران والقران بخلاف قوله: في لؤلؤ في العرف والنكر شعبة، فإنه لم يأت مجردا عن اللام إلا وهو نكرة ولو اقتصر على لفظ النكرة في الكل لحصل الغرض فإن لام التعريف زائدة على الكلمة كما قال: ووالاه في بئر وفي بئس ورشهم، والحكم عام في كل ما في القرآن من لفظ بئس مجردا من الراء والفاء واللام، وفي وبئس بالواو وفي فبئس بالفاء وفي لبئس باللام وإنما نبه على ما فيه لام التعريف دون المضاف لاتحاد لفظ اللام وتعدد المضاف إليه ولو أنه قال سراط بسين قنبل كيف أقبلا وبالصاد باقيهم وزايا أشمها البيت لتم له المقصود والله أعلم.
ثم هذا أيضا مما استغني فيه باللفظ عن القيد فكأنه قال بالسين، واعتمد على صورة الكتابة فلم يخف التباسا إذ يقرأ بالصاد، "وقنبلا" منصوب؛ لأنه مفعول به لقوله: "لِ" وهذه اللام المنفردة هي فعل أمر من قوله ولي هذا هذا يليه إذا جاء بعده، أي: اتبعْ قنبلا عند هاتين اللفظتين فاقرأ قراءته فيهما بالسين في جميع القرآن وقد بين ذلك بقوله ﵀:
١٠٩-
بِحَيْثُ أَتَى وَالصَّادُ زَاياً أشِمَّهَا ... لََى خَلَفٍ وَاشْمِمْ لِخَلاَّدِ الَاوَّلا
أي بحيث أتى المذكور، وهذا لفظ يفيد العموم كقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ٥.
والباء في "بحيث" زائدة ولو لم يقل بحيث أتى لاقتصر الحكم على ما في الفاتحة وهكذا كل موضع يطلق فيه اللفظ يكون مخصوصا بتلك السورة كقوله: وخفف كوف يكذبون سبيل برفع خذ، وفي "شركاي" الخلف فإن كان الخلاف مطردا في موضعين قال: معا، وإن كان في أكثر قال: جميعا أو كلا أو حيث جاء ونحو ذلك، ولم يخرج عن هذا إلا حروف يسيرة كالتوراة وكأين في آل عمران وقراءة الباقين بالصاد وهي أقوى القراءات لاتفاق الرسم عليها وأفصحها لغة وعلم أن قراءة الباقين بالصاد من قوله والصاد زايا أشمها كأنه قال: والباقون بالصاد وأشمها زايا خلف، ويجوز في قوله: الصاد النصب والرفع والنصب هو المختار لأجل الأمر وغلط من قال هنا الرفع أجود، وأصل كلمة السراط السين والصاد بدل منها لأجل قوة الطاء ومن أشمها زايا بالغ في المناسبة بينهما وبين الطاء، وروي عن بعضهم إبدالها زايًا خالصة والمعنى بهذا الإشمام خلط صوت الصاد بصوت الزاي فيمتزجان فيتولد منهما حرف ليس بصاد ولا زاي.
والإشمام في عرف القراء يطلق باعتبارات أربعة، أحدها خلط حرف بحرف كما في الصراط وما يأتي في أصدق ومصيطر، والثاني خلط حركة بأخرى كما يأتي في قيل وغيض وأشباههما، والثالث إخفاء الحركة فيكون بين الإسكان والتحريك كما يأتي في:
стр. 78
﴿تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ ١.
على ظاهر عبارة صاحب التيسير، والرابع ضم الشفتين بعد سكون الحرف، وهو الذي يأتي في باب الوقف وفي باب وقف حمزة وهشام وآخر باب الإدغام على ما سنبين ذلك ونوضح ما فيه من الإشكالات إن شاء الله، وقوله: لدى خلف أي عنده ومعنى عنده أي في مذهبه وقراءته، ووصل همزة القطع من قوله: وأشمم لخلاد ضرورة كما صرف براءة فيما تقدم وأصله من قولهم أشممته الطيب أي أوصلت إليه شيئا يسيرا مما يتعلق به وهو الرائحة، والأول مفعول "واشمم"، ونقل الحركة من همزة أول إلى لام التعريف فتحركت، فإن لم يعتد بالحركة كان حذف التنوين من قوله لخلاد؛ لالتقاء الساكنين تقديرا، وإن اعتد بها فحذف التنوين ضرورة، وسيأتي تحقيق هذين الوجهين في مسألة: "عادا الأولى" والمراد بالأول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢؛ أي أشمه وحده خلاد دون ما بقي في الفاتحة وفي جميع القرآن، وهذه إحدى الروايات عنه وقلَّ من ذكرها.
وروي أنه يوافق خلفا في حرفي الفاتحة معا دون سائر القرآن.
وروي أنه يشم ما كان بالألف واللام فقط في الفاتحة وغيرها. والرواية الرابعة أنه يقرأ بالصاد خالصة كسائر القراء في الفاتحة وغيرها.
قال أبو الطيب بن غلبون: المشهور عن خلاد بالصاد في جميع القرآن قال: وهذه الرواية هي المعول عليها وبها أخذ في فاتحة الكتاب وغيرها.
وفي الشرح الكبير تعليل هذه الروايات وبسط القول في ذلك والله أعلم.
١١٠-
عَلَيْهِمْ إِلَيْهِمْ حَمْزَةٌ وَلَدَيْهِموُ ... جَمِيعاً بِضَمِّ الْهاءِ وَقْفاً وَمَوْصِلا
أي قرأ حمزة هذه الألفاظ الثلاثة بضم الهاء وحذف واو العطف من إليهم ضرورة وسيأتي له نظائر فموضع عليهم وإليهم ولديهم نصب على المفعولية ويجوز الرفع على الابتداء وخبره حمزة أي يقرؤهن بالضم، أو قراءة حمزة والأولى أن يلفظ بالثلاثة في البيت مكسورات الهاء ليتبين قراءة الباقين؛ لأن الكسر ليس ضدا للضم فلا تتبين قراءتهم من قوله بضم الهاء ولو قال: بضم الكسر لبان ذلك، ولعله أراده وسبق لسانه حالة الإملاء إلى قوله: بضم الهاء، وسيأتي في قوله: كسر الهاء بالضم شمللا، وقف للكل بالكسر مكملا ما يوضح أن الخلاف في هذا الباب دائر بين كسر الهاء وضمها، ومن عادته المحافظة على قيوده وإن كان موضع الخلاف مشهورًا أو لا يحتمل غيره كقوله: وها هو وها هي أسكن، ثم قال: والضم غيرهم وكسر مع كونه صرح بلفظي هو وهي وهذه الكلمات الثلاث ليس منها في الفاتحة إلا "عليهم"، وأدرج معها "إليهم" و"لديهم"؛ لاشتراكهن في الحكم، وهذا يفعله كثيرا حيث يسمح النظم به كقوله: وقيل وغيض وجئ وحيل وسيق وسيء وسيت ويتركه حيث يتعذر عليه فيذكر كل واحد في سورته كقوله: في الأحزاب بما يعلمون اثنان عن
стр. 79
ولد العلا. ثم قال: في سورة الفتح: "بما يعملون حج"، وقال في البقرة: "وفتحك سين السلم"، ثم ذكر في الأنفال الذي في سورة القتال فكل واحد من الجمع والتفريق يقع مع اتحاد القارئ واختلافه، وقوله: جميعا أي حيث وقعت هذه الثلاث في جميع القرآن ووقفا وموصلا حالان من حمزة أي ذا وقف ووصل أي في حالتي وقفه ووصله فالموصل والوصل مثل المرجع والرجع.
وأعلم أن الضم في الهاء هو الأصل مطلقا للمفرد والمثنى والمجموع نحو: "منه وعنه ومنهما وعنهما ومنهم وعنهم ومنهن وعنهن"، وفتحت: في "منها وعنها" لأجل الألف وكسرت إذا وقع قبلها كسر أو ياء ساكنة نحو بهم وفيهم فمن قرأ بالضم فهو الأصل، وإن كان الكسر أحسن في اللغة كما قلنا في الصراط وإنما اختص حمزة هذه الألفاظ الثلاثة بالضم؛ لأن الياء فيها بدل عن الألف ولو نطق بالألف لم يكن إلا الضم في الهاء فلحظ الأصل في ذلك وإنما اختص جمع المذكر دون المؤنث والمفرد والمثنى فلم يضم عليهن ولا عليه ولا عليهما؛ لأن الميم في عليهم يضم عند ساكن في قراءته ومطلقا في قراءة من يصلها بواو فكان الضم في الهاء إتباعا وتقديرا وليس في عليه وعليهما وعليهن ذلك ولم يلحظ يعقوب الحضرمي هذا الفرق فضم هاء التثنية وجمع المؤنث ونحو فيهم وسيؤتيهم وقد ضم حمزة فيما يأتي:
﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ ١.
وضم حفص ﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ ٢ في الفتح، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ ٣. والضم الأصل في الكل والله أعلم.
١١١-
وَصِلْ ضَمَّ مِيمِ الْجَمْعِ قَبْلَ مُحَرَّكٍ ... "دِ"رَاكاً وَقاَلُونٌ بِتَخْيِيرِهِ جَلا
نبه على أن أصل ميم الجمع أن تكون مضمومة، والمراد بوصل ضمها إشباعه فيتولد منه واو، وذلك كقولهم في أنتمْ ومنهمْ: أنتمو ومنهمو فيكون زيادة الجمع على حد زيادة التثنية هذه بواو وهذه بألف "فأنتمو وأنتما" كالزيدون والزيدان وقاما وقاموا وكلاهما لغة فصيحة، وقد كثر مجيئها في الشعر وغيره، قال لبيد:
وهمو فوارسها وهمْ حكامها
فجمع بين اللغتين، وكذا فعل الكميت في قوله:
هززتكمو لو أن فيكمْ مهزَّة
وقال الفرزدق:
من معشر حبهم دين وبغضهمو ... كفر ... ....
وقوله: قبل محرك احتراز مما بعده ساكن، وسيأتي حكمه؛ لأن الزيادة قبل الساكن مفضية إلى حذفها لالتقاء الساكنين، وبقي عليه شرط آخر وهو أن لا يتصل بميم الجمع ضمير فإنه إن اتصل بها ضمير وصلت لجميع القراء وهي اللغة الفصيحة حينئذ وعليها جاء الرسم نحو:
стр. 80
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾ ، ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ ، ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ، ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ .
وقوله: دراكا أي متابعة وهو مصدر في موضع الحال أي صلة تابعا لما نقل، يقال دارك الرجل صوبه أي تابعه والدال رمز ابن كثير وصرف اسم قالون هنا وترك صرفه فيما تقدم فيكون صرفه أو ترك صرفه للضرورة، وجلا أي كشف؛ وذلك لأنه نبه بتخييره بين مثل قراءة ابن كثير، وقراءة الجماعة على صحة القراءتين وثبوتهما أي يروى عن قالون الوجهان؛ الوصل وتركه، وهذا التخيير منقول أيضا عن نافع نفسه، ويروى عن قالون مثل ورش، وعن ابن كثير مثل الجماعة:
١١٢-
وَمِنْ قَبْلِ هَمْزِ الْقَطْعِ صِلْهَا لِوَرْشِهِمْ ... وَأَسْكَنَهاَ الْبَاقُونَ بَعْدُ لِتَكْمُلا
كان يلزمه أن يذكر مع ورش ابن كثير وقالون؛ لئلا يظن أن هذا الموضع مختص بورش كما قال في باب الإمالة: رمى صحبة ولو قال: ومن قبل همز القطع وافق١ ورشهم لحصل الغرض.
ومعنى البيت: أن ورشا يقرأ مثل قراءة ابن كثير إذا كان بعد الميم همزة قطع، وهي التي تثبت في الوصل نحو: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ﴾ ، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا﴾ .
لكن ورشا يكون أطول مدًّا من ابن كثير على أصله وإنما خص ورش الصلة بما كان قبل همزة لحبه المد وإيثاره له ولهذا مد ما بعد الهمزة في وجه كما سيأتي، وأراد أيضا الجمع بين اللغتين، كما قال امرؤ القيس:
أمرخ خيامهمو أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
وخص ذلك؛ ليستعين بالمد على النطق بالهمز، قال أبو علي: كأنه أحب الأخذ باللغتين وكان المد قبل الهمزة مستحبًّا، واعتل له المهدوي وغيره بما يلزمه من نقل الحركة على أصله، ولو نقل إليها لتحركت بالضم والفتح والكسر، فآثر أن يحركها بحركتها الأصلية ولا تعتورها الحركات العارضة والهاء في صلها وأسكنها تعود على ميم الجمع، وإنما بين قراءة الباقين أنها بالإسكان؛ لئلا يظن أنها بترك الصلة ولا يلزم من ترك الصلة الإسكان؛ إذ ربما تبقى الميم مضمومة من غير صلة كما يفعل في هاء الكناية وهو المعبر عنه ثم بالقصر وسيأتي، ولم يقرأ بذلك في الميم؛ لقوتها واستغنائها عن الحركة، ولما كانت الهاء خفية ضعيفة قويت بالحركة تارة وبها وبالصلة أخرى، وقوله: بعد متعلق بالباقون أي الذين بقوا في ذكرى بعد ذكر من وصل ولا يجوز تعلقه بأسكنها؛ لأن من المسكنين من سبق الواصلين في الزمان كابن عامر إلا على تأويل ترتيب الذكر فيرجع إلى المعنى الأول ويجوز أن يتعلق بمحذوف ولتكملا أيضا متعلق به أي أعلمتك بقراءة الباقين بعد ما ذكرت قراءة الواصلين؛ لتكمل وجوه القراءة في ميم الجمع وإن علقنا بعد بالباقون كان لتكملا متعلقا بأسكنها، واللام للعاقبة؛ لأنهم لم يسكنوها لهذه العلة وإنما كانت العاقبة ذلك، ويجوز على هذا أن يتعلق اللام بصلها والواو في وأسكنها للحال أي صلها لورش في الحال التي أسكنها فيها الباقون؛ لتكمل وجوهها، وإسكان ميم الجمع هو اللغة الفصيحة الفاشية، وقد وافق من وصلها على ترك الصلة في الوقت، وكذا في هاء الكناية ولم ينبه الناظم على ذلك في البابين والله أعلم.
стр. 81
١١٣-
وَمِنْ دُونِ وَصْلٍ وضُمَّهَا قَبْلَ سَاكِنٍ ... لِكُلٍ وَبَعْدَ الْهَاءِ كَسْرُ فَتَى العَلاَ
ذكر في هذا البيت حكم ميم الجمع إذا لقيها ساكن ولا يقع ذلك الساكن في القرآن إلا بعد همزة الوصل فقال ضمها من غير صلة لكل القراء ووجه الضم تحريكها لالتقاء الساكنين واختير ذلك؛ لأنه حركتها الأصلية فهي أولى من حركة عارضة ولم تمكن الصلة؛ لأن إثباتها يؤدي إلى حذفها لأجل ما بعدها من الساكن وضمها فعل أمر، وفي نسخة ضمها على أنه مبتدأ خبره ما قبله أو ما بعده ومثله:
﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١ - ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٢.
وكان يمكن إثبات الصلة في: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ﴾ ٣؛ لأن الساكن بعدها مدغم فيبقى من باب إدغام أبي عمرو: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ ٤.
وقد فعل ذلك البزي في: "عنهو تلهى"، "فظلتمو تفكهون"، إلا أن الفرق أن إدغام أبي عمرو والبزي طارئ على حرف المد فلم يحذف له، وكذا إدغام "دابة" و"الصاخة" و"خاصة" فلم يحذف حرف المد خوفا من الإجحاف باجتماع إدغام طارئ وحذف، وأما إدغام اللام في الذين ونحوه فلأصل لازم وليس بطارئ على حرف المد فإنه كذلك أبدا كان قبله حرف مد أو لم يكن فحذف حرف المد للساكنين طردا للقاعدة فلم يقرأ "منهمو الذين" كما لم يثبت حرف المد في مثل: ﴿قَالُوا اطَّيّرْنَا﴾ ٥، ﴿ادْخُلا النَّارَ﴾ ٦، ﴿وَفِي النَّارِ﴾ ٧.
ثم قال: وبعد الهاء كسر فتى العلا؛ أي: إن وقع قبل الميم التي قبل الساكن هاء كسر أبو عمرو الميم إتباعا للهاء؛ لأن الهاء مكسورة وبقي الباقون على ضم الميم ثم ذكر شرط كسر الهاء فقال:
١١٤-
مَعَ الْكَسْرِ قَبْلَ الْهَا أَوِ الْيَاءِ سَاكِناً ... وَفي الْوَصْلِ كَسْرُ الْهَاءِ بالضَّمَّ "شَـ"ـمْلَلا
أي: إذا كان قبل الهاء كسر أو ياء ساكنة وقصر لفظ الهاء ضرورة وساكنا حال من الياء والياء كغيرها من الحروف يجوز تأنيثها وتذكيرها، ومعنى شملل أسرع وفاعله ضمير عائد على كسر الهاء أي أتى بالضم في عجل جعل الكسر آتيا بالضم تجوزا واتساعا وإن كانا لا يجتمعان، ووجهه توافق معنى القراءتين وصحتهما وحلول كل واحد منهما في محل الآخر، والشين رمز حمزة والكسائي قرءا بضم الهاء والميم على الأصل في الميم والإتباع في الهاء وأبو عمرو كسر الهاء؛ لما قبلها، والميمَ؛ للإتباع، والباقون ضموا الميم على الأصل لما احتاجوا إلى تحريكها لأجل الساكن بعدها، وكسروا الهاء لمجاورة ما أوجب ذلك من الكسر أو الياء الساكنة كما أجمعوا على "بهم وفيهم"
стр. 82
إذا لم يكن بعدها ساكن ولم يبالوا بالخروج من كسر إلى ضم؛ لأن الكسر عارض قاله أبو علي، وقوله في الوصل لم يكن إليه حاجة فإن الكلام فيه فكان ينبغي أن ينبه على أنه شرط في ضم الميم كما أنه شرط في ضم الهاء وإلا فإتيانه به ههنا يوهم أنه شرط في ضم الهاء فقط وليس كذلك، وكان يغني عنه أيضا قوله بعد ذلك: وقف للكل بالكسر ثم مثل ما ذكره فقال:
١١٥-
كَمَا بِهِمُ الْأَسْبَابُ ثُمَّ عَلَيْهِمُ الْـ ... ـقِتَالُ وَقِفْ لِلْكُلِّ بِالْكَسْرِ مُكْمِلا
"ما" في "كما" زائدة. مثَّل ما قبل الهاء فيه كسر بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ١ ومثله في ﴿قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٢، ﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ ٣.
ومثل ما قبله ياء ساكنة بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ ٤ ومثله ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٥، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ ٦.
ثم قال: وقف للكل بالكسر يعني في الهاء؛ لأن ضمها في قراءة حمزة والكسائي كان إتباعا لضم الميم لا لمجرد كون الضم هو الأصل فإنهما لم يضما الهاء في نحو: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٧ ولا ضم الكسائي نحو ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٨.
وإذا كان ضم الهاء إتباعا للميم ففي الوقف سكنت الميم، فلم يبق إتباع فعاودا كسر الهاء ولا يستثنى من هذا إلا الكلمات الثلاث المقدم ذكرها وهي: "عليهم وإليهم ولديهم" فإن حمزة يضم الهاء فيها وقفا ووصلا فلا يؤثر الوقف في مذهبه شيئا في نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ ٩ إلا سكون الميم فقط، وكان ينبغي للناظم أنه ينبه على سكون الميم وقفا كما نبه على كسر الهاء ولكنه أهمله؛ لوضوحه، ومكملا حال أي قف مكملا وجوه القراءة في ميم الجمع والله أعلم.
стр. 83
باب الإدغام الكبير:
الإدغام إدخال الشيء في الشيء، ومنه: أدغمت اللجام في فم الفرس: إذا أدخلته فيه، وأدغمت رأس الفرس في اللجام كذلك، قال الشاعر:
بمقرِ بابٍ بأيديهمْ أعنَّتُها ... خُصٌّ إذا أفزعوا أدغمن في اللجُمِ
стр. 84
ولما أدخل أحد الحرفين في الآخر على سبيل التقريب، ونبا اللسان عنهما نبوة واحدة سمي إدغاما. وقيل: أصل الكلمة من الخفاء، ومنه الأدغم من الخيل: وهو الذي خفي سواده، فالحرف المدغم يخفى ولا يتبين، يقال: أدغَمَ وادَّغم بوزن أفعل وافتعل، وإنما فعلت العرب ذلك؛ طلبا للخفة لما ثقل التقاء الحرفين المتجانسين والمتقاربين على ألسنتهم، ويكون في بعض المواضع واجبا، وفي بعضها جائزا، وفي بعضها ممتنعا على تفصيل معروف عند علماء العربية.
وأما الإدغام في مذاهب القراء فينقسم إلى صغير وكبير: فالصغير ما اختلف في إدغامه من الحروف السواكن، ولا يكون إلا المتقاربين، وهو الذي يأتي ذكره بعد وقف حمزة وهشام على الهمز إلى أول باب الإمالة، وهو في تسعة أحرف يجمعها قولك: ذل ثرب دفنت، وكل المصنفين في علم القراءات يذكرونه،
وأما الإدغام الكبير فحذفه جماعة من المصنفين كصاحب العنوان ومكي والمهدوي، ومنهم من فرشه على ترتيب السور، وهو يكون في المثلين والمتقاربين من الحروف المتحركة؛ وسمي بالكبير لتأثيره في إمكان المتحرك قبل إدغامه، ولشموله نوعي المثلين والمتاقربين. ومن شواهد الإدغام الكبير في شعر العر ب قول عدي بن زيد:
وتذكر رب الخورنق إذ فكـ ... ـر يوما وللهدى تفكير
فقوله تذكر فعل ماضي ورب فاعله: وقال آخر:
عشية تمنى أن تكون حمامة ... بمكة يورويك السنار المحرم
١١٦-
وَدُونَكَ الِاِدْغَامَ الْكَبِيرَ وَقُطْبُهُ ... أَبُو عَمْرٍ الْبَصْرِيُّ فِيهِ تَحَفَّلا
دونك هنا من ألفاظ الإغراء يقال: دونك كذا: أي خذه والإدغام مفعول به وقطب كل شيء: ملاكه وهو ما يقوم به، وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليه أمرهم والواو في وقطبه للحال أو للاستئناف وقطبه مبتدأ وأبو عمرو خبره ثم استأنف جملة أخرى فقال: فيه تحفلا؛ أي: في أبي عمرو اجتمع الإدغام يقال تحفل المجلس وتحفل اللبن في الضرع وتحفل الوادي إذا امتلأ بالماء ويجوز أن يكون أبو عمرو عطف بيان والخبر فيه تحفلا على أن تكون الهاء في فيه للإدغام، وفاعل تحفل ضمير عائد على أبي عمرو أي تحفل أبو عمرو في أمر الإدغام من جميع حروفه ونقله والاحتجاج له والقراءة به يقال: احتفلت لكذا أو بكذا أو في كذا وتحفل بمعناه مثل اكتسب وتكسب أراد بذلك أن مدار الإدغام على أبي عمرو فمنه أخذ وإليه أسند وعنه اشتهر من بين القراء السبعة والإظهار والإدغام كلاهما مروي عن اليزيدي عن أبي عمرو من طريق الدوري والسوسي وغيرهما، ولم أر بعد في كتاب تخصيص رواية السوسي بذلك عن الدوري١، وقد كان الشيخ الشاطبي ﵀ يقرئ به من طريق السوسي، ولم يوافق أبا عمرو في المشهور على شيء من الإدغام الكبير سوى حمزة في إدغام "بيت طائفة".
стр. 85
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ١.
وما ذكر معها في سورتها، واختار أبو طاهر بن أبي هاشم الإظهار كما هو مذهب سائر القراء قال: لأن فيه إيتاء كل حرف حقه من إعرابه أو حركة بنيته التي استحقها، والإدغام يلبس على كثير من الناس وجه الإعراب، ويوهم غير المقصود من المعنى نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ٢، ﴿الْمُصَوِّرُ لَهُ﴾ ٣.
ولم يذكر أبو عبيد الإدغام في كتابه وقال في: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ ٤: القراءة عندنا هي الأولى يعني الإظهار لكراهتنا الإدغام إذا كان تركه ممكنا:
١١٧-
فَفِي كِلْمَةٍ عَنْهُ مَنَاسِكَكُمْ وَمَا ... سَلَككُّمْ وَبَاقِي الْبَابِ لَيْسَ مُعَوَّلاَ
الأولى أن يقرأ مناسككم في هذا البيت من غير إدغام؛ لأنه إن قرئ مدغما لزم ضم الميم وصانتها بواو وليست قراءة أبي عمرو ولا غيره، هكذا نعم يجوز من حيث اللغة فلهذا نقول: إن اضطررنا إليه جاز ارتكابه كقوله فيما بعد: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٥؛ لأن البيت لا يتزن إلا بالصلة وأما سلككم فلا يستقيم التلفظ به في البيت إلا مدغما ساكن الميم وأراد قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٦ في البقرة ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ٧ في سورة المدثر: أي لم يأتِ الإدغام من أبي عمرو في حرفين في كلمة واحدة إلا في هذين الموضعين، ويرد عليه نحو: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ ٨، كما سيأتي في أول الباب الآتي؛ فإنه أدغم ذلك وشبهه وجميعه من باب الإدغام الكبير في كلمة واحدة وإنما خصص هذين من باب التقاء المثلين في كلمة واحدة، وما أوردناه هو من باب المتقاربين، وإنما ورد عليه من جهة أنه لم يقيد بالمثلين بل قال: ففي كلمة عنه ولم يتقدم قبل هذا البيت سوى أنه حضنا على الإدغام الكبير ولم يعرفنا ما هو، ووقع لي أنه لو قال عوض البيت السابق:
أبو عمرو البصري يدغم أن تحر ... ركا والتقى المثلان في الثانِ الَاوَّلا
стр. 86
لكان شرحا للإدغام الكبير الواقع في المثلين ويأتي قوله: ففي كلمة عنه بعد تمهيد قاعدته وقولنا: تحركا والتقى من باب قاما وقعد الزيدان وهو الوجه المختار للبصريين في باب توجه الفعلين إلى فاعل واحد، فاعلم أن الإدغام الكبير ضربان؛ أحدهما: إدغام حرف في مثله وهو الذي ذكره في جميع هذا الباب، والآخر: إدغام حرف في مقاربه وسيأتي في الباب الآخر، وشرطهما معا أن يكونا متحركين فإن سكن أول المثلين وجب له إدغام لكل بشرط أن لا يكون حرف مد ولين، ثم الحرف الذي يدغم في مثله لا يخلو هو والذي يدغم فيه إما أن يلتقيا في كلمة أو في كلمتين، فإن التقيا في كلمة لم يدغم إلا في هاتين الكلمتين المذكورتين في هذا البيت، ثم قال: وباقي الباب ليس معولا أي على إدغامه أو لا معول عليه بإدغام أو التقدير: وإدغام باقي الباب ليس معولا عليه، فحذف المضاف كما أن التقدير: ففي كلمة عنه إدغام مناسككم وباقي الباب مثل قوله تعالى: "بأعيننا" و"أتعدانني" و"جباههم" و"وجوههم" و"بشرككم" وقد روي إدغام ذلك، وهو في بأعيننا أقوى لتحرك ما قبل المثلين، وفي بشرككم ضعيف لسكونه وهو حرف صحيح، وقد أدغم أبو عمرو وغيره مواضع تأتي في سورها مثل: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ ، و ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ ، و ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ ورو إدغام: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ ١.
في آخر الأعراف وهو ضعيف؛ لأن الحرف المدغم مشدد، وسيأتي؛ لأنه لا يدغم مثل ذلك نحو:
﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ٢ والله أعلم.
١١٨-
وَمَا كَانَ مِنْ مِثْلَيْنِ في كِلْمَتَيْهِمَا ... فَلاَ بُدَّ مِنْ إدْغَامِ مَا كانَ أَوَّلاَ
أي وما وجد من هذا القبيل وهو التقاء مثلين في كلمتين ويلزم من ذلك أن يكون أحدهما آخر كلمة والآخر أول كلمة بعدها فلا بد من إدغام الأول في الثاني إلا ما يأتي استثناؤه مما أجمع عليه أو اختلف فيه وشرطهما أن يتحركا، فإن سكن الأول أدغم للجميع، وإن سكن الثاني فلا إدغام للجميع، مثال الأول:
﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ ٣، ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ ٤ ومثال الثاني: ﴿إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا﴾ ٥، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ﴾ ٦.
ثم هذا الإدغام في المثلين من كلمتين يأتي في القرآن في سبعة عشر حرفا؛ لأن عشرة من باقي الحروف لم يلتق منها مثلان متحركان في القرآن، وهي: الجيم والخاء المعجمة والدال والذال والزاي والشين المعجمة والصاد والضاد والطاء الظاء، وأما الألف فلا يتأتى إدغامها؛ لأنها لا تزال ساكنة، وأما الهمزتان إذا التقتا فأبو عمرو يسقط الأولى إن اتفقتا ويسهل الثانية إن اختلفتا على ما سيأتي بيانه فلا إدغام فيها.
وأما الحروف التي تدغم في مقاربها فستة عشر حرفا ستأتي في الباب الآتي وأما نحو قوله: ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾ ٧.
стр. 87
فإن المثلين التقيا لفظا ولا إدغام محافظة على حركة النون ولهذا تعمد بألف في الوقف ومما يدغم آخر سورة الرعد وإبراهيم إذا وصلا بالنسبة عند من يرى ذلك لأبي عمرو، وقد ذكر فيه خلاف والله أعلم.
١١٩-
كَيَعْلَمُ مَا فِيهِ هُدًى وَطُبِعْ عَلَى ... قُلُوبِهِمُ وَالْعَفْوَ وَأْمُرْ تَمَثَّلاَ
مثَّل التقاء المثلين في كلمتين، وقد تقدم أن ذلك واقع في سبعة عشر حرفا وهي الباء والتاء والثاء والحاء المهملة والراء والسين المهملة والعين وعشرة الأحرف بعدها مثال ذلك: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ ١، ﴿الشَّوْكَةِ تَكُونُ﴾ ٢، ﴿ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ٣، ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى﴾ ٤، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ ٥، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ ٦، ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٧، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾ ٨. وليس في القرآن للغين غيره: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ٩، ﴿الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ ١٠، ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا﴾ ١١، ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ ١٢، ﴿تَعْلَمُ مَا﴾ ١٣، ﴿أَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ١٤، ﴿إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ١٥، ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ ١٦ ولا تمنع صلة الهاء. ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ ١٧.
وقوله: تمثلا، أي تمثل المذكور وهو إدغام أول المثلين إذا التقيا في كلمين، ومعنى تمثلا أي تشخص وتشكل وتصور وتبين وقد تضمن ما مثل به في هذا البيت ثلاثة أنواع عليها مدار الباب، وذلك أن الحرف المدغم إما أن يكون قبله متحرك أولا فإن كان فمثاله: ﴿يَعْلَمُ مَا﴾ ١٨، ﴿وَطُبِعَ عَلَى﴾ ١٩.
وإن لم يكن متحركا فإما أن يكون حرف مد أو لا فإن كان فمثاله: ﴿فِيهِ هُدى﴾ ٢٠.
وإن لم يكن حرف مد فهو حرف صحيح ومثاله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ﴾ ٢١.
стр. 88
وهذا القسم إطلاق الإدغام عليه فيه مسامحة بخلاف النوعين المتقدمين، وسيأتي تحقيق ذلك في آخر باب إدغام المتقاربين، ثم ذكر ما استثني إدغامه من المثلين فقال:
١٢٠-
إِذَا لَمْ يَكُنْ تَا مُخْبِرٍ أَوْ مُخَاطَبٍ ... أوِ الْمُكْتَسِي تنْوِينُهُ أَوْ مُثَقَّلا
الضمير في "يكن" عائد إلى قوله: ما كان أولا أي: إذا لم يكن ذلك الأول من المثلين تاء مخبر أي ضميرا هو تاء دالة على المتكلم أو يكن تاء مخاطب أو يكن الذي اكتسى تنوينه أي منونا، وأشار بذلك إلى أن نون التنوين كالحلية والزينة فلا ينبغي أن يعدم وقصر لفظ تا، وأسكن ياء المكتسي ضرورة وهما منصوبان خبرين لقوله: يكن، ولهذا نصب أو مثقلا وعلة استثناء المنون والمثقل ظاهرة، أما المنون فلأن التنوين حاجز بين المثلين وهو حرف صحيح معتد به في زنة الشعر، وتنقل إليه حركة الهمزة ويكسر لالتقاء الساكنين، وأما المثقل فيستحيل إدغامه بدون حذف أحد الحرفين من المشدد، وقد حكى بعضهم إدغامه على لغة تخفيف المشدد وحكى بعضهم إدغام: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا﴾ ١. ولم يعتد بالتنوين لذهابه في الوقف وحكى بعضهم إدغام: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ ٢. وفيه المانعان الخطاب والتشديد والعلة في استثناء تاء المخبر والمخاطب كونهما كناية عن الفاعل أو شبهه والإدغام تقريب من الحذف والفاعل لا يحذف نحو: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ ٣، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ ٤.
وألحق بذلك التاء من أنت٥ تكره وشبهه ليكون الباب واحدا وذكر لذلك علل أخر هي في الشرح الكبير.
١٢١-
كَكُنْتُ تُرَاباً أَنتَ تُكْرِهُ وَاسِعٌ ... عَلِيمٌ وَأَيْضاً تَمَّ مِيقاَتُ مُثِّلاَ
هذه أمثلة ما تقدم استثناؤه في البيت السابق على ترتيبه وقوله: وأيضا أي: أمثل النوع الرابع ولا أقتصر على تمثيل الأنواع الثلاثة وهو مصدر آض إذا رجع والضمير في مثّلا عائد على المذكورات أي مثل جميع المستثنى أو يكون عائدا على لفظ: ﴿تَمَّ مِيقَاتُ﴾ ٦. أي: وأيضا ثم ميقات مثل به كما مثل بالثلاثة الأول ومثله: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ٧، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ ٨، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ٩.
стр. 89
وقد أورد على استثناء المنون الهاء الموصولة بواو أو ياء نحو: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ﴾ ١، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢، ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٣.
وقيل: يلزم استثناؤه أيضا فإن الواو والياء حرف حاجز بين المثلين، زعم أبو حاتم وغيره أن الإدغام فيها غير جائز.
والفرق بينهما أن التنوين حرف مستقل مقصود في نفسه دالٌّ على تمكن الاسم وصرفه، والصلة عبارة عن إشباع حركة الهاء فلم يكن لها استقلال ولهذا تحذف للساكن والتنوين يحرك، وإذا اجتمع التنوين وحرف العلة حذف حرف العلة وبقي التنوين نحو قاضٍ وغازٍ فهو أولى بالاعتداد فضلا عن الصلة والله أعلم.
١٢٢-
وَقَدْ أَظْهَرُوا فِي الْكَافِ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... إِذِ النُّونُ تُخْفَى قَبْلَهَا لِتُجَمَّلا
أراد قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ ٤، استثناه بعضهم للعلة التي ذكرها٥، وبعضهم أدغمه جريا على الأصل والضمير في أظهروا يعود إلى بعض المصنفين والرواة وأهل الاختيار لا إلى جميعهم؛ لأنهم مختلفون في ذلك على ما نقلناه في الشرح الكبير، وهذه العلة ذكرها أبو طاهر بن أبي هاشم وغيره وهي أن الإخفاء تقريب من الإدغام والنون تخفى قبل الكاف على ما سيأتي تقريره في باب أحكام النون الساكنة والتنوين وإذا كان الإخفاء كالإدغام فكأن الكاف الأولى مدغم فيها، فتكون كالحرف المشدد في: ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ ونحوه وذلك ممتنع الإدغام فكذا هذا، وهذه العلة تقوي استثناء تاء المخبر والمخاطب في نحو كنت وأنت؛ لأن النون أيضا مخفاة قبل التاء فكأن الناظم أراد بهذه العبارة الاستدلال على صحة استثناء تاء المخبر والمخاطب فقال: إنهم أظهروا الكاف من "يحزنك" لهذه العلة، وهي موجودة في تاءي المخبر والمخاطب، وإذ ظرف فيه معنى التعليل، وقوله: لتجملا تعليل لإخفاء النون أو للإظهار والضمير فيه للكلمة أي لتجمل الكلمة ببقائها على صورتها والله أعلم.
١٢٣-
وَعِنْدَهُمُ الْوَجْهَانِ في كُلِّ مَوْضِعٍ ... تَسَمَّى لِأَجْلِ الْحَذْفِ فِيهِ مُعَلَّلا
أي: وعند المصنفين من المشايخ الوجهان من الإظهار والإدغام في كل موضع التقى فيه مثلان بسبب حذف وقع في آخر الكلمة الأولى لأمر اقتضى ذلك، وقد يكون المحذوف حرفا أو حرفين، فمن نظر إلى أصل الكلمة فيظهر إذ لم يلتقِ في الأصل مثلان ومن نظر إلى الحالة الموجودة فيدغم، وقوله: تسمى فعل ماضٍ وقع صفة لموضع وأضاف التسمية إليه تجوزا؛ لأجل أنه وجد فيه ما اقتضى تلقينه بذلك، ولو قال: يسمى بضم الياء المثناة من تحت لكان حسنا وهو حقيقة الكلام، ومعللا مفعول به على الوجهين، وكل كلمة فيها حرف العلة وهي:
стр. 90
الألف والياء والواو موضع أحد حروفها الأصول تسمى معلة فإن طرأ عليها ما يغير حرف العلة فيها من حذف أو قلب يقال هذه كلمة معتلة وقد أعلت كأنه حصل بها إعلال ومرض، فقوله معللا لا يجيء من أعله إنما هو اسم مفعول من علله، ولا يبعد استعماله بمعناه مثل نزل وأنزل ثم مثل ذلك فقال:
١٢٤-
كَيَبْتَغِ مَجْزُوماً وَإِنْ يَكُ كاذِباً ... وَيَخْلُ لَكُمْ عَنْ عَالِمٍ طَيِّبِ الْخَلاَ
أراد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ ١.
كان الأصل يبتغي بالياء فحذف للجزم، وقوله: مجزوما حال نبه بها على أن هذا اللفظ فرع عن غيره، وإن يك أصله يكون فسكنت النون للجزم، فحذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون؛ تخفيفا فهذه الكلمة حذف منها حرفان.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ ٢.
أصله يخلو بالواو وإنما حذفت جوابا للأمر، وقوله: عن عالم متعلق بقوله في البيت السابق وعندهم الوجهان أي عند أهل الأداء الوجهان مرويان عن عالم طيب الخلا وأراد به أبا عمرو بن العلاء نفسه؛ لأنه قطب ذلك كما سبق أو أراد به أبا محمد اليزيدي؛ لأنه هو الذي شهر ذلك عنه، والخلا بالقصر الرطب من الحشيش، وكني به عن العلم؛ لأن الناس يقتبسونه كما يختلون الخلا، ويقال: هو طيب الخلا أي حسن الحديث، وقال الشيخ أبو الحسن ﵀: أراد بالعالم الطيب نفسه أو صاحب التيسير أي خُذه أو أخذته أنا عنه والله أعلم.
١٢٥-
وَيَا قَوْمِ مَا لِي ثُمَّ يَا قَوْمِ مَنْ بِلا ... خِلاَفٍ عَلَى الإِدْغَامِ لاَ شَكَّ أُرْسِلا
أراد: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ ٣، ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ ٤.
أرسلا أطلقا على الإدغام بلا خلاف لا شك في ذلك؛ إذ ليس فيهما ما يمنع الإدغام، وإن توهم متوهم أنه من باب المعتل؛ لأن أصله يا قومي بالياء ثم حذفت رد عليه وهمه فإن اللغة الفصيحة يا قوم بحذف الياء وصاحبها لا يثبت الياء بحال فصارت الياء كالعدم من حيث التزم حذفها، ولأن الياء المحذوفة من يا قوم ليست من أصل الكلمة بل هي ضمير المضاف إليه بخلاف المحذوف من يبتغ ونحوه، وكأن الناظم أورد هذا البيت في صورة الاحتجاج على ترجيح الإدغام في المعتل، فقال: قد أجمعوا على إدغام هذا فكذا ما سبق، ونص صاحب التيسير على أنه من المعتل مع الإجماع على الإدغام.
١٢٦-
وَإِظْهَارُ قَوْمٍ آلَ لُوطٍ لِكَوْنِهِ ... قَلِيلَ حُرُوفٍ رَدَّه مَنُْ تَنَبَّلا
عنى بالقوم أبا بكر بن مجاهد وغيره من البغداديين منعوا إدغام [آل لوط] حيث وقع لقلة حروفه وهو في الحجر والنمل والقمر ولا أعلم ما معنى قولهم إنه قليل الحروف فإنهم إن عنوا به أنه في الخط حرفان
стр. 91
فلا اعتبار بالخط وإنما الاعتبار باللفظ وهو باللفظ ثلاثة أحرف، فهو مثل: "قال لهم" فكما يدغم "قال" يدغم "آل" لأنه مثله وعلى وزنه فيمنع هذا التعليل من أصله ويرد على قائله فقوله: وإظهار قوم مبتدأ خبره قوله: رده من تنبلا يعني به صاحب التيسير وغيره أي من صار نبيلا في العلم أي من رسخت فيه قدمه أو من مات من المشايخ يعني أن هذا رد قديم.
ثم بين الذي رده به فقال:
١٢٧-
بِإِدْغاَمِ لَكَ كَيْدًا وَلَوْ حَجَّ مُظْهِرٌ ... بِإِعْلاَلِ ثَانِيهِ إِذَا صَحَّ لاَعْتَلا
قال صاحب التيسير ﵀: قد أجمعوا على إدغام لك كيدا في يوسف، وهو أقل حروفا من آل؛ لأنه على حرفين وقيل لا يستقيم هذا الرد؛ لأن ذلك كلمتان اللام حرف والكاف مجرورة المحل بها فهي قائمة مقام اسم مظهر وهو يوسف فكما يدغم: "ليوسف في الأرض"١ فكذا الكاف التي هي كناية عنه، ثم قال: ولو حج مظهر أي ولو احتج من اختار الإظهار استعمل حج بمعنى احتج مثل قرأ واقترأ وكسب واكتسب، والمعروف أن حج بمعنى غلب في الحجة في كقوله ﷺ : "فحج آدم موسى".
وإن حمل ما في البيت على هذا المعنى لم يبق لقوله لاعتلا فائدة فإن من غلب في حجته معتل أي مرتفع وأراد أن يذكر حجة سائغة غير منقوضة عليه لمن اختار الإظهار في آل لوط وهي حجة قد سبق بها جماعة من المتقدمين مثل ابن أبي هاشم وابن مهران وصاحب التيسير وهي أن ثاني حروف آل قد تغير مرة بعد مرة، والإدغام تغيير آخر فعدل عنه خوفا من أن يجتمع على كلمة قليلة الحروف في نظرهم تغييرات كثيرة فيصير مثل: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ ٢.
وقوله: إذا صح بعد قوله بإعلال ثانيه من محاسن الكلام حيث قابل الإعلال بالصحة يعني إذا صح له الإظهار من جهة النقل فإن أبا عمرو الداني قال في غير التيسير: لا أعلم الإظهار فيه من طريق اليزيدي، ثم بين إعلال ثانيه فقال:
١٢٨-
فَإِبْدَالُهُ مِنْ هَمْزَةٍ هَاءٌ اصْلُهَا ... وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ وَاوٍ ابْدِلا
أي: إبدال ثاني إبدال حروف آل وهو الألف من حمزة أصل تلك الهمزة هاء يعني هذا القائل أن أصل الكلمة أهل فأبدلت الهاء همزة كما قيل أرقت في هرقت فاجتمعت همزة ساكنة بعد همزة مفتوحة فوجب قلبها ألفا على القياس المطرد المعروف الذي بينه في آخر باب الهمز المفرد، وهذا القول وإن اعتمد عليه جماعة فهو مجرد دعوى وحكمة لغة العرب تأبى ذلك إذ كيف يبدل من الحرف السهل وهو الهاء حرف مستثقل وهو الهمزة التي من عادتهم الفرار منها حذفا وإبدالا وتسهيلا على ما عرف في بابه مع أنهم إذا أبدلوا الهاء همزة في هذا المكان فهي في موضع لا يمكن إثباتها بل يجب قلبها ألفا، فأي حاجة إلى اعتبار هذا التكثير من التغيير بلا دليل
стр. 92
وفي لفظ: ماء قام دليل إبدالها همزة لتقوى على الإعراب، وأما أرقت فالهاء فيه بدل من الهمزة وليست الهمزة بدلا من الهاء كذا يقول أهل النحو وهو الموافق للقياس.
ثم قال: وقد قال بعض الناس يعني أبا الحسن بن شنبوذ وغيره: إن ثاني آل أبدل من واو وهذا هو الصحيح الجاري على القياس، وأهل التصانيف من اللغويين وأصحاب الأعزية لا يفسرون هذه الكلمة إلا في فصل الواو بعد الهمزة فيكون أصل الكلمة أول كما أن أصل قال قول فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا في اللفظين على قياس معروف في علم التصريف فهو مشتق من آل يئول إذا رجع أي أن آل الرجل إليه يرجعون في النسب أو الدين والمذهب، وإذا كان من باب قال فله حكم قال فيدغم.
ولم يذكر الشاطبي ﵀ هذا القول الثاني حجة للإظهار فإنه غير مناسب له وإنما بين أن العلماء مختلفون في أصل الكلمة فيعطى كل أصل حكمه.
١٢٩-
وَوَاوَ هُوَ الْمَضْمومُ هَاءً َكَهُو وَمَنْ ... فَأَدْغِمْ وَمَنْ يُظْهِرْ فَبِالْمَدِّ عَلَّلا
المضموم بالخفض صفة لهو وهاء منصوب على التمييز: أي الذي ضمت هاؤه نحو: ﴿هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ١. احترز بذلك عما سكنت هاؤه في قراءة أبي عمرو وهو ثلاثة مواضع: "فهو وليهم بما"٢، "وهو وليهم اليوم"٣، "وهو واقع بهم"٤.
والجمهور على٥ منع الإدغام في هذه المواضع الثلاثة، وبعضهم قال: هي مظهرة بلا خلاف ووجهه أن الكلمة قد خففت بسكون هائها فلم تحتج إلى تخفيف الإدغام.
وقال صاحب التيسير: لا خلاف في الإدغام، قلت: يريد في طرقه التي قرأ بها وإلا فقد ذكر الخلاف فيها أبو علي الأهوازي والحافظ أبو العلا وغيرهما قدس سرهم.
وأما المواضع المضمومة الهاء وهي ثلاثة عشر موضعا فإدغامها ظاهر ولهذا جزم بقوله: فأدغم ... ومنهم
стр. 93
من أظهرها؛ لأن الواو زيدت تقوية لهاء الضمير ففي إدغامها كالإخلال بما زيدت لأجله ولأن الواو تشدد في لغة قوم من العرب والتخفيف هو اللغة الفصيحة التي نزل بها القرآن ففي إدغامها ما يؤدي إلى أن الواو تشتبه بتلك اللغة، وقيل أيضا: إن تشديد الواو هو الأصل ثم خففت فاستغني بذلك التخفيف عن تخفيف الإدغام وكل هذه علل حسنة للإظهار لا بأس بها وقول الشاطبي: ومن يظهر فبالمد عللا يوهم أنه لم يعلله بغير ذلك، ثم تقديره أن يقال: إذا كان قبل الواو ضمة وقصد إلى إدغامها وجب إسكانها للإدغام فتصير حرف مد ولين وحروف المد واللين لا تدغم لأداء الإدغام إلى ذهاب المد مثل قالوا وأقبلوا، وهذا خطأ من المعلل فإن هذا مد تقديري لا ثبوت له فلا يلزم من منع الإدغام حيث كان المد محققا أن يمتنع أيضا إذا كان المد مقدرا.
١٣٠-
وَيَأْتِيَ يَوْمٌ أَدْغَمُوهُ وَنَحْوَهُ ... وَلاَ فَرْقَ يُنْجِي مَنْ عَلَى الْمَدِّ عَوَّلا
نقض على من علل بالمد في إظهار الواو بأنه يلزمه مثل ذلك في الياء في: "يأتي يوم"، و"نودي يا موسى"، وهذا مدغم عند من يرى الإظهار في هو ومن ونحوه ولا فرق بينهما فيما يرجع إلى المد فإن ما قرره في الواو موجود مثله في الياء فهذا معنى قوله ولا فرق ينجي من على المد عولا.
وأما قوله: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ١، فينبغي أن يكون حكمه حكم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فإن الكلمة خففت بإسكان الهاء فيهما والضمير في أدغموه عائد على معنى "من" في قوله: ومن يظهر فبالمد عللا.
١٣١-
وَقَبْلَ يَئِسْنَ الْيَاءُ في الَّلاءِ عَارِضٌ ... سُكُونًا أَوَ اصْلاً فَهُوَ يُظْهِرُ مُسْهِلا
أي فأبو عمرو يظهره راكبا للطريق الأسهل يقال: أسهل إذا ركب السهل يعني أنه أظهر الياء من قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ ٢ بلا خلاف، وعلل ذلك بأن الياء عارض سكونها أو أصلها فقوله: سكونا أو أصلا منصوبان على التمييز، ونقل حركة همزة أصلا إلى واو أو فكأنه أراد تعليلين، ولو أراد أن يجعل المجموع علة واحدة لقال: سكونا وأصلا أي سكونها عارض وأصلها عارض وكلا التعليلين غير مستقيم، أما السكون العارض فغير صالح؛ لأن يمنع الإدغام كما لم يمنع في نحو: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ﴾ ٣، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ ٤.
وأما إن كانت في نفسها عارضة وأصلها همزة فكان ينبغي أن يجري فيها الوجهان المتقدمان في: "يبتغ" ونحوه نظرا إلى الأصل، وإلى ما عليه اللفظ الآن، وفي قوله: عارض أصلا نظر فإن الأصل هو الهمز وليس بعارض، ولو قال لفظا موضع أصلا لكان أبين.
стр. 94
وشيخنا أبو الحسن زاد في شرحه بآخره أن أصلا منصوب على المصدر كقولك: ما فعلته أصلا، قال: و"أو" بمعنى بل أو بمعنى الواو، فكأنه جعل المجموع علة واحدة والظاهر خلافه.
ثم الصواب أن يقال لا مدخل لهذه الكلمة في هذا الباب بنفي ولا إثبات؛ فإن الياء كما زعم الناظم ساكنة، وباب الإدغام الكبير مختص بإدغام المتحرك، وإنما موضع ذكر هذه قوله: وما أول المثلين فيه مسكن فلا بد من إدغامه ... وعند ذلك يجب إدغامه لسكون الأول وقبله حرف مد فالتقاء الساكنين فيه على حدهما.
على أني أقول١ سبب الإظهار عدم التقاء المثلين بسبب أن أبا عمرو ﵀ كان يقرأ هذه الكلمة بتليين الهمزة بين بين وعبروا عنه بياء مختلسة الكسرة والهمزة المسهلة كالمحققة، قال أبو بكر بن مهران: ولا تدغم ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ "؛ لأنها ليست بياء خالصة فيدغمها في مثلها إنما هي همزة ملينة ولو كانت ياء خالصة لأدغم.
قلت: ومن عبر من الرواة عن قراءة أبي عمرو بإسكان الياء خفي عنه أمر التسهيل فلم يضبطه والله أعلم، وقد نظمت هذا التعليل الصحيح فقلت:
وقبل يئسن الياء في اللاء همزة ... مليَّنة حقا فأظهر مسهلا
стр. 95
باب: إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين
هذا أيضًا من جملة الإدغام الكبير، فإنه على ضربين: إدغام المثلين وإدغام المتقاربين كل واحد منهما في كلمة وفي كلمتين، فإدغام المثلين مضى في الباب السابق فلا يحتاج فيه إلى أكثر من أن تسكن الحرف وتدغمه في مثله، وهذا الباب مقصور على إدغام حرف في حرف يقاربه في المخرج، ويحتاج فيه مع تسكينه إلى قبله إلى لفظ الحرف المدغم فيه، فترفع لسانك بلفظ الثاني منهما مشددا ولا تبقي للأول أثرا، إلا أن يكون حرف إطباق أو ذا غنة، فتبقي أثر الإطباق والغنة على تفصيل في ذلك معروف والتقارب كالمثلين تقريبا فساغ الإدغام فيهما؛ وليس ذلك في كل متقاربين، فقد تعرض موانع من الإدغام ومقتضيات الإدغام أبعد منهما، فاعتمد على ما يذكره.
١٣٢-
وَإِنْ كِلْمَةٌ حَرْفَانِ فِيهَا تَقَارَبَا ... فإِدْغَامُهُ لِلْقَافِ في الْكافِ مُجْتَلا
كلمة فاعل فعل مضمر: أي وإن وجدت كلمة وكان ينبغي أن يكون بعدها ما يفسر هذا المضمر كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٢، فالوجه أن يقول: وإن كلمة وجد فيها حرفان تقاربا فيكون حرفان فاعل فعل مضمر، أو نقول: حرفان مبتدأ وتقاربا خبره، ولك أن تجعل حرفان بدلا من كلمة بدل بعض من كل فيكون تقاربا نعت حرفان وهو تفسير للمضمر المقدر؛ أي: وإن تقارب حرفان في كلمة والهاء في فإدغامه تعود على أبي عمرو وهو مبتدأ
стр. 96
ومجتلى خبره: أي إدغام أبي عمرو للقاف في الكاف مكشوف منظور إليه: أي أنه مشهور ظاهر ويجوز أن يكون الخبر قوله للقاف: في الكاف كما تقول إكرامي لزيد أي أخصه بذلك دون غيره فكذا ههنا أي إدغام أبي عمرو في الحرفين المتقاربين في كلمة كائن للقاف في الكاف لا غير، ومجتلى على هذا في موضع نصب على الحال.
ومعنى البيت أنه لم يدغم من كل حرفين متقاربين التقيا في كلمة واحدة سوى القاف في الكاف بشطرين يأتي ذكرهما في البيت الآتي، فنحو: متجاورات ويتدبرون والمتطهرين ويتذكرون والمتصدقين لا يدغمه وإن كانت التاء تدغم في الجيم والدال والطاء والذال والصاد على ما سيأتي في هذا الباب وغيره، ثم ذكر الشرطين فقال:
١٣٣-
وَهذَا إِذَا مَا قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ ... مُبِينٌ وَبَعْدَ الْكافِ مِيمٌ تَخَلَّلا
ما زائدة مثلها في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ١.
أي وهذا الإدغام كائن إذا استقر قبل القاف حرف متحرك ووقع بعد الكاف ميم وإنما اشترطا؛ ليكونا على منهاج ما أدغم من المثلين في كلمة وهو: "مناسككم"، "وما سلككم"، وقوله: "مبين" أي بين ولم يحترز به من شيء وإنما هو صفة مؤكدة، ومعنى تخلل من قولهم: تخلل المطر إذا خص ولم يكن عاما أي تخلل أبو عمرو بإدغامه ذلك ولم يعم جميع ما التقت فيه القاف بالكاف، وقيل: الضمير في تخلل للميم من تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم أي تخلل الميم الحروف التي قبله وبعده والله أعلم.
١٣٤-
كَيَرْزُقْكُّمُ وَاثقَكُّمُو وَخَلَقكُّمُو ... وَمِيثَاقَكُمْ أظْهِرْ وَنَرْزُقُكَ انْجلا
مثل في النصف الأول من البيت ما وجد فيه الشرطان من التحريك والميم فأتى بثلاثة أمثلة فالكلمة الأولى يمكن أن تقرأ في البيت مدغمة وغير مدغمة وما بعدها لا يتزن الشعر إلا بقراءتهما مدغمتين ويلزم الإدغام في الثلاثة صلة الميم بواو، ثم قال: وميثاقكم أظهر ... لأجل فقْد أحد الشرطين وهو تحريك ما قبل القاف ونرزقك أيضا أظهره؛ لفقد الشرط الثاني وهو عدم وجود الميم في آخره، ومعنى انجلى انكشف أي ظهر الأمر بتمثيل المدغم وغير المدغم وميثاقكم في البيت بفتح القاف؛ لأنه مفعول أظهر، وقد جاء في القرآن منصوبا في البقرة ومرفوعا في الحديد على قراءة أبي عمرو فلم يمكن أن تجعله حكاية؛ إذ يعم المحكي في الموضعين، وقد روي إدغام ما قبله ساكن، وروي ترك الإدغام في المتحرك أيضا، وأما قوله في سورة المرسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ فمجمع على إدغامه.
١٣٥-
وَإِدْغَامُ ذِي التَّحْرِيمِ طَلَّقَكُنَّ قُلْ ... أَحَقُّ وَبِالتَّأْنِيثِ وَالْجَمْعِ أُثْقِلا
أي وقل إدغام طلقكن أحق مما تقدم ذكره من يرزقكم ونحوه: أي أولى بالإدغام منه؛ لأن الإدغام أريد به التخفيف وكلما كانت الكلمة أثقل كان أشد مناسبة للإدغام مما هو دونها في الثقل، وقد وجد فيه أحد الشرطين
стр. 97
وهو تحريك ما قبل القاف وفقد الشرط الثاني وهو الميم، ولكن قام مقامها ما هو أثقل منها وهو النون؛ لأنها متحركة ومشددة ودالة على التأنيث والميم ساكنة خفيفة دالة على التذكير، فهذا وجه الأحقية بذلك، والناظم جعله قد ثقل بالتأنيث والجمع، أما التأنيث فهو ما أشرنا إليه وهو أحد أسباب الترجيح الثلاثة، وأما الجمع فمشترك فإن الميم أيضا دالة على الجمع فإن أردت نظم المرجحات الثلاثة فقل:
وطلقكن ادغم أحق فَنُونُه ... محركة جمع المؤنث ثقلا
أي هو أحق: يعني الإدغام ومحركة وما بعدها أخبار لقوله: فنونه والنون تؤنث وتذكر فلهذا أنث محركة وذكر ثقلا، وكان ابن مجاهد وعامة أصحابه يظهرونه لما يلزم في الإدغام من توالي ثلاثة أحرف مشددة اللام والكاف والنون.
واختلف الرواة عن أبي عمرو في إدغامه، واختلف المشايخ في الاختيار من ذلك؛ فمنهم من أظهره للاستثقال المذكور ومنهم من دغمه، وقال: هو أحق لما تقدم ذكره، وقول الناظم: ذي التحريم أي صاحب التحريم أي الحرف الذي في سورة التحريم، وقوله: ﴿طَلَّقَكُنّ﴾ بيان له.
١٣٦-
وَمَهْماَ يَكُونَا كِلْمَتَيْنِ فَمُدْغِمٌ ... أَوَائِلِ كِلْمِ البَيْتِ بَعْدُ عَلَى الوِلاَ
أي ومهما يكن المتقاربان ذوي كلمتين: أي إذا التقيا في كلمتين على حد التقاء المثلين فيما تقدم فأبو عمرو مدغم من ذلك الحروف التي هي أوائل كلم البيت الآتي عقيب هذا البيت فهذا معنى قوله: بعد على الولا أي بعد هذا البيت وهو الذي يليه، والولاء المتابعة، وهو ممدود وقف عليه، وأبدل همزه فانقصر وأراد خذ كلم هذا البيت الآتي على الولاء أي استوعبها يتلو بعضها بعضا، والكلم جمع كلمة كلاهما بفتح الكاف، فكسر اللام ويجوز فيهما إسكان اللام ونقل حركتها إلى الكاف فتكسر فعلى هذا استعملهما في هذا البيت وغيره والكلمة في عرف القراء الحروف المتصلة ما لم يحسن قطع شيء منها مما قبلها فنحو: "خلقكم، وطلقكن" كلمة وهي كلمات عند أهل النحو وبما ومنه كل واحدة عندهم كلمتان وهي في العرف كلمة.
والغرض من هذا أن تعلم أن كلمات البيت الآتي التي تأخذ حروفها الأوائل ست عشرة كلمة فخذ منها ستة عشر حرفا ثم ذكرها فقال:
١٣٧-
"شِـ"ـفَا "لَـ"ـمْ "تُـ"ـضِقْ "نَـ"ـفْسًا "بِـ"ـهَا "رُ"مْ "دَ"وَا "ضَـ"ـنٍ
"ثَـ"ـوَى "كَـ"ـانَ "ذَ"ا "حُـ"سْنٍ "سَـ"ـأى "مِـ"ـنْهُ "قَـ"ـدْ "جَـ"ـلاَ
اعلم١ أنه أتى في مثل هذا البيت الذي يذكر فيه كلما لأجل حروف أوائلها تضمنها معاني قصدها من غزل ومواعظ؛ لئلا يبقى كلاما منتظما صورة لا معنى تحته وقد ضمن هذا البيت التغزل بامرأة من نساء الآخرة وسماها شفا، وقد سمت العرب بذلك النساء، وكثر في أمهات القرشيين وهو ممدود وقصره ضرورة، ولم ينونه؛ لأنه جعله علما على مؤنث، وقوله: لم تضق نفسا أي أنها حسنة الخلق ونصب نفسا على التمييز، ورم أي اطلب بها أي بوصلها وقربها دواء ضن وقصر دواء ضرورة أي دواء رجل ضن على أنه اسم منقوص، ولو قال
стр. 98
ضنا بالفتح على أنه مقصور لكان معناه أيضا حسنا، والضنا بالقصر المرض يقال منه ضنى بالكسر ضنا شديدا فهو رجل ضنا وضن مثل حرا وحر قاله الجوهري، ومعنى ثوى أقام، وسأى على وزن رأى مقلوب ساء على وزن جاء، وهو بمعناه، ومثله له نأى وناء أي ساءت حاله من أجل الضنا أو كانت مساءته ناشئة من الضنا وقوله: قد جلا أي كشف الضنا أمره فالضمير في ثوى ومنه وجلا للضنا الدال عليه لفظ ضن وفي كان وسأى لضن، وهذه جمل أتى بها من غير حرف عطف استئنافا لا أخبارا بعد أخبار كقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ ١، ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢.
وقيل: المعنى سأى من يرى ذلك منه أو ساءه الضنا على أن من زائدة، وسيذكر كل حرف من هذه الستة عشر فيما ذا يدغم ولكن لم يلتزم ترتيب ما في هذا البيت بل أتى به على ترتيب صاحب التيسير، ولم يمكنه جمع الحروف على ذلك الترتيب في بيت له معنى مستقيم، فخالف الترتيب في جميع حروفها ثم شرط في إدغام هذه الحروف الستة عشر أن تكون سالمة من أربعة أوصاف فقال:
١٣٨-
إِذَا لَمْ يُنَوَّنْ أَوْ يَكُنْ تَا مُخَاطَبٍ ... وَمَا لَيْسَ مَجْزُومًا وَلاَ مُتَثَقِّلا
أي إذا لم يكن الحرف المدغم موصوفا بإحدى هذه الصفات الأربع فالمنون وتاء المخاطب والمثقل مضى الكلام عليها في باب المثلين، وإذا امتنع إدغام ذلك هناك فهنا أولى. فمثال المنون: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ ٣، ﴿شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ﴾ ٤، ﴿رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ٥، ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ ٦، ومثال الخطاب: ﴿كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ ٧، ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ ٨، ﴿دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ ٩، ﴿خَلَقْتَ طِينًا﴾ ١٠ ومثال المثقل ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ١١، ﴿لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١٢، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ ١٣، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ ١٤.
ولم يقع في القرآن تاء متكلم عند مقارب لها فلهذا لم يذكرها في المستثنى.
وأما المجزوم فنحو: ﴿لَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ ١٥.
لم يدغم بلا خلاف وإن كان المجزوم في باب المثلين فيه وجهان؛ لأن اجتماع المثلين أثقل من اجتماع المتقاربين، وسيأتي خلاف في قراءة قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ﴾ ١٦، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ١٧؛ لأن الطاء والدال أقرب إلى التاء من السين ويأتي خلاف في:
стр. 99
﴿جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ١.
ولم يذكر الناظم تمثيلا لما استثنى من المتقاربين كما ذكر في المثلين وكان ذكر المتقاربين أولى لعسر أمثلته وقد نظمت فيه بيتا فقلت:
نذير لكم مثل به كنت ثاويا ... ولم١ يؤت قبل السين هم بها انجلا
أراد يؤت سعة من المال ولم يمكن نظمه؛ لكثرة حركاته فقال: قبل السين.
١٣٩-
فَزُحْزِحَ عَنِ النَّارِ الَّذِي حَاهُ مُدْغَمٌ ... وَفي الْكاَفِ قَافٌ وَهْوَ في الْقَافِ أُدْجِلاَ
شرع من هنا يبين المواضع التي أدغمت فيها تلك الحروف الستة عشر فبدأ بالحاء أي أدغمت في العين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ٣.
فقط لطول الكلمة وتكرر الحاء فيها، وهذا هو المشهور، ورواية الجمهور، وروي ترك إدغامه، وروي إدغامها في العين حيث التقيا مطلقا نحو: ﴿ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ٤، "والمسيح عيسى"، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ ٦.
وقوله: فزحزح عن النار بالفاء أراد فمنها أي من الكلمات المدغمات زحزح الذي أدغم حاؤه وقصر الحاء ضرورة، ثم ذكر أن القاف والكاف يدغم كل واحد منهما في الآخر بشرط أن يتحرك ما قبل كل واحد منهما، وقد بين ذلك في البيت الآتي، ولم يذكر في الكلمة الواحدة إلا إدغام القاف في الكاف فقط؛ لأن عكسه لم يوجد في القرآن، ثم مثل ذلك فقال:
١٤٠-
خَلَقْ كُلَّ شَيْءٍ، لَكْ قُصُوراً وأَظْهِرَا ... إِذَا سَكَنَ الْحَرْفُ الَّذِي قَبْلُ أُقْبِلا
نطق بالحرفين مدغمين في هذين المثالين ثم قال: وأظهرا يعني القاف والكاف إذا سكن الحرف الذي قبلهما نحو: ﴿وَفَوْقَ كُلّ﴾ ٧، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ٨.
ويقال أقبلته الشيء: إذا جعلته يلى قبالته، يقال: أقبلنا الرماح نحو القوم، وأقبلنا الإبل أفواه الوادي فهذه ثلاثة أحرف من الستة عشر الحاء والقاف والكاف، ثم ذكر الجيم فقال:
١٤١-
وَفي ذِي المَعَارِجْ تَعْرُجُ الجِيمُ مُدْغَمٌ ... وَمِنْ قَبْلُ أَخْرَجْ شَطْأَهُ قَدْ تَثَقَّلاَ
أي أدغم حرف الجيم في حرفين: التاء في:
стр. 100
﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ﴾ ١ والشين في: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ٢.
وهو قبل ذي المعارج في تأليف القرآن وليس لهما نظير وحكى الإظهار فيهما وقوله: قد تثقلا؛ أي: أدغم، ثم ذكر الشين والضاد فقال:
١٤٢-
وَعِنْدَ سَبِيلاً شِينُ ذِي الْعَرْشِ مُدْغَمٌ ... وَضَادُ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ مُدْغَمًا تَلاَ
أراد قوله تعالى في سبحان: ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٣.
ولا يجوز عند النحويين إدغام الشين والضاد إلا في مثلهما ولم يلتق منهما مثلان في القرآن، ويجوز في قوله: وضاد الرفع على الابتداء وتلا خبره أي تبع ما قبله في حال كونه مدغما، ويجوز نصبه على أنه مفعول تلا، وفاعله ضمير يعود على أبي عمرو أي تلاه أبو عمرو أي قرأه مدغما.
١٤٣-
وَفي زُوِّجَتْ سِينُ النُّفُوسِ وَمُدْغَمٌ ... لَهُ الرَّأْسُ شَيْبًا بِاخْتِلاَفٍ تَوَصَّلاَ
أي وأدغمت سين النفوس في زاي زوجت من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ٤ وموضع قوله: ﴿الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٥ رفع بالابتداء، وقوله: ومدغم له ... خبر مقدم عليه، والضمير في له لأبي عمرو، ويقال: توصل إليه أي تلطف في الوصول إليه أي وصل الخلاف إلى هذا الحرف ففي هذا البيت إدغام السين في حرفين ثم قال:
١٤٤-
وَلِلدَّالِ كَلْمٌ "تُـ"رْبُ "سَـ"ـهْلٍ "ذَ"كَا "شَـ"ـذاً ... "ضَـ"ـفَا "ثُـ"ـمَّ "زُ"هْدٌ "صِـ"ـدْقُهُ "ظَ"ـاهِرٌ "جَـ"ـلا
أي وللدال كلم تدغم عندها وهي ما وافق أوائلها أوائل هذه الكلمات العشر في هذا البيت من قوله: ترب سهل ... إلى قوله: جلا.
وضمن في هذا البيت الثناء على أبي محمد سهل بن عبد الله التستري أحد أولياء الله المشهورين، قال القشيري في رسالته: هو أحد أئمة القوم، ولم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع وكان صاحب كرامات، لقي ذا النون المصري بمكة سنة حج. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين وقيل ثلاث وسبعين. والترب: التراب، وذكا من قولهم: ذكت النار تذكو ذكا مقصور؛ أي: اشتعلت والشذا حدة الرائحة أي فاحت رائحة ترابه يشير بذلك إلى الثناء عليه وما ظهر من كرامته وأعماله الصالحة، وشذا منصوب على التمييز أي ذكا شذاه وضفا: طال يشير إلى كثرة ذلك وثم بفتح الثاء بمعنى هناك: أي دفن في ذلك التراب زهد ظاهر الصدق لم
стр. 101
يكن عن رياء ولا تصنع، وجلا: بمعنى كشف أي أوضح الزهد أمر سهل رحمة الله عليه وأبان أنه من خيار عباد الله.
وقال الشيخ: أراد جلاء بالمد وهو منصوب على التمييز: أي صدق ذلك الزهد ظاهر أي بين مكشوف جلاء.
مثال إدغام الدال في الحروف العشرة: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ﴾ ١، ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ ٢، ﴿وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ﴾ ٣، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ ٤، ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ ٥، ﴿يُرِيدُ ثَوَابَ﴾ ٦، ﴿تُرِيدُ زِينَةَ﴾ ٧، ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ ٨، ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ٩، ﴿دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ ١٠ وفي ﴿دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً﴾ ١١ خلاف١٢.
ثم ذكر حكم الدال بعد الساكن فقال:
١٤٥-
وَلَمْ تُدَّغَمْ مَفْتُوحَةً بَعْدَ سَاكِنٍ ... بِحَرْفٍ بِغَيْرِ التَّاءِ فَاعْلَمْهُ وَاعْمَلا
تدْغم وتدَّغم لغتان بفتح الدال المشددة وإسكانها: أي إذا انفتحت الدال وقبلها ساكن لم تدغم في غير التاء فالباء في بحرف وفي بغير التاء بمعنى في وبغير التاء بدل من قوله: بحرف على إعادة العامل والألف في واعملا بدل من نون التأكيد، فمثال الدال المفتوحة مع غير الاء: ﴿لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ١٣، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ١٤، ﴿آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ١٥، ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ١٦، ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ ١٧، ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ ١٨، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ ١٩.
فهذا كله لا يدغم. ومثالها مع التاء: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ ٢٠، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ٢١.
ولا ثالث لهما فهذان يدغمان؛ لأن التاء من مخرج الدال فكأنهما مثلان فإن كسرت الدال أو ضمت بعد ساكن أدغمت نحو:
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ٢٢، ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ ٢٣.
стр. 102
١٤٦-
وفِى عَشْرِهَا وَالطَّاءِ تُدْغَمُ تَاؤُهَا ... وَفي أَحْرُفٍ وَجْهَانِ عَنْهُ تَهَلَّلا
أي والتاء تدغم في حروف الدال العشرة، وفي الطاء إلا أن من جملة حروف الدال العشرة التاء، فيكون إدغام التاء فيها من باب المثلين، وإنما لم يستننها لحصول الغرض مع الاختصار من غير إلباس، فإذا أسقطت التاء من العدد عددت الطاء عوضها فيكمل للتاء أيضا عشرة أحرف ولم يلق الدال طاء في القرآن فلهذا لم يذكر الطاء في حروفها، وكذا لم يلق التاء دالا في القرآن إلا والتاء ساكنة نحو: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ١.
وذلك واجب الإدغام كما سيأتي فلهذا أيضا لم يذكر الدال في حروف التاء والهاء في عشرها للدال وفي تائها يجوز أن يكون للدال ويجوز أن يكون للعشر وأن يكون للحروف السابقة الستة عشر، وفي شرح الشيخ لك أن تعيد الضمير في عشرها على الأحرف السابقة التي للدال وهو مشكل فإنه من إضافة الشيء إلى نفسه وذلك غير جائز فمثال إدغام التاء في الطاء: ﴿الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ ٢، ومع السين: ﴿بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ٣، ومع الذال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ٤، ومع الشين: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ ٥، ومع الضاد: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ ٦، ولا ثاني له، ومع الثاء: ﴿وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾ ٧، ومع الزاي: ﴿إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ٨، ومع الصاد: ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ ٩، ومع الظاء: ﴿الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي﴾ ١٠.
في النساء والنحل ليس غيره ومع الجيم:
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ ١١.
ولم يذكر في التاء ما ذكره للدال من كونها لم تدغم مفتوحة بعد ساكن؛ لأن التاء لم تقع كذلك إلا وهي حرف خطاب وهو قد علم استثناؤه نحو: ﴿دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ ١٢، ﴿أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ ١٣.
إلا في مواضع وقعت فيها مفتوحة بعد ألف فهي على قسمين منها ما نقل فيها الخلاف، وهي الأربعة المذكورة في البيت الآتي، وهي المشار إليها بقوله: وفي أحرف وجهان عنه تهللا، والألف في تهللا ضمير الوجهين أي استنارا، وظهرا، ونقلا عن أبي عمرو، ومنها موضع واحد لا خلاف في إدغامه، وهو قوله:
стр. 103
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ١؛ لأن الطاء من مخرج التاء فهو كاستثناء التاء مع الدال لأن الثلاثة من مخرج واحد ولو اتفق أن وقعت الطاء بعد الدال المفتوحة بعد ساكن لكان هذا حكمها، وأما: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ ٢، فأكثر المصنفين في الإدغام لا يذكرونه في الإدغام الكبير بل يذكرونه في سورته، وسببه أن أبا عمرو كان يدغمه، وإن لم يقرأ بالإدغام الكبير، وهو معنى قولهم: إنه كان يدغمه في الأحوال كلها، وبعضهم يقول في الحالين أي سواء قرأ بالإدغام أو بالإظهار فهذا الموضع لا بد من إدغامه عنده.
ثم اختلفوا هل هو من قبيل الإدغام الكبير أو الصغير، وهو مبني على أن التاء في قراءته مفتوحة أو ساكنة، والظاهر أنها مفتوحة كقراءة الجماعة، فيكون من باب الإدغام الكبير، وقد بينا وجه الخلاف في ذلك في الشرح الكبير.
١٤٧-
فَمَعْ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ الزَّكَاةَ قُلْ ... وَقُلْ آتِ ذَا الْـ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ عَلا
أي قل: هي الزكاة مع حملوا التوراة، ولو قال: الزكاة ثم قل آت لكان أولى؛ لأنه أبين لموضع الإدغام وتخلص من تكرار قل أراد قوله تعالى في البقرة: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ ٣.وفي سورة الجمعة: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ ٤.
وأراد بقوله: "آت ذا الـ" قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ٥.
في سورة سبحان وفي سورة الروم: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ ٦.
وبين الذال ولام التعريف من القربي ألفان: أحدهما ألف ذا والأخرى همزة الوصل في القربى وهي تسقط في الدرج وسقطت ألف ذا لأجل لام التعريف بعدها؛ لكونها ساكنة فلهذا كتبتها أناذل بإسقاط الألفين على صورة اللفظ ويقع في النسخ بالألفين على الأصل وقطع لام التعريف مما دخلت عليه جائز في الشعر كقوله: دع ذا وقدم ذا وألحقنا بذل، وقصد الناظم بذلك زيادة البيان وإلا فكان يمكنه أن يقو وقل آت ذا والهمزة في: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ﴾ تبدل ألفا في قراءة المدغم فجاءت التاء في هذه المواضع الأربعة بعد ألف، فوجه الخلاف في التوراة والزكاة كونها مفتوحة بعد ساكن فخفت فلم تدغم، ووجه الخلاف في آت ولتأت ما تقدم في:
стр. 104
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ﴾ ١.
لأنها كلها من المجزوم ولا خلاف في إظهار: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾ ٢. وهو مثلهما، وليس قوله: علا رمزا؛ لأن الباب كله لأبي عمرو، وقد تقدم قوله وفي أحرف وجهان عنه:
١٤٨-
وَفي جِئْتِ شَيْئًا أَظْهَرُوا لِخِطَابِهِ ... وَنُقْصَانِهِ وَالْكَسْرُ الإِدْغَامَ سَهَّلا
يريد قوله في سورة مريم ﵍: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ٣.
بكسر التاء؛ فهذا الذي اختلف فيه فأما مفتوح التاء فلا خلاف في إظهاره وهو موضعان في الكهف:
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ ٤، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ٥؛ لأن تاء الخطاب لم تدغم في المثلين ففي المتقاربين أولى أن لا تدغم فعلل وجه الإظهار بالخطاب يعني بالخطاب الموجود فيه تاء الخطاب وأما مجرد الخطاب فغير مانع من الإدغام بدليل إدغام:
﴿لَكَ كَيْدًا﴾ ٦، و: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ﴾ ٧.
ونحوه وعلل أيضا بالنقصان، وهو حذف عين الفعل؛ لسكون ما قبل تاء الخطاب، وهذا مطرد في كل فعل معتل الوسط نحو: قمت وبعت وسرت، ووجه الإدغام ثقل الكسرة في التاء، وهي ضمير تأنيث فهو الذي سهل الإدغام بخلاف ما في الكهف، وبخلاف ثقل الضم في: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ ٨.
١٤٩-
وَفي خَمْسَةٍ وَهْيَ الأَوائِلُ ثَاؤُهَا ... وَفي الصَّادِ ثُمَّ السِّينِ ذَالٌ تَدَخَّلا
الهاء في: "ثاؤها" كما تقدم في: "تاؤها" تعود على الحروف السابقة أو على الدال أو على عشرها: أي أدغمت الثاء المثلثة في خمسة أحرف وهي الخمسة الأوائل من حروف الدال، يريد أوائل كلمات: "ترب سهل ذكا شذا ضفا".
مثال ذلك: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ ٩، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ﴾ ١٠، ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ ١١ و ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ ١٢، ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ﴾ ١٣ وليس غيره.
стр. 105
ثم ذكر أن الذال المعجمة أدغمت في السين والصاد المهملتين وذلك في: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ ١.
في الكهف في موضعين وفي الجن موضع: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ ٢.
والتدخل بمعنى الدخول، يقال: تدخل الشيء إذا دخل قليلا قليلا، ومثله: تحصل من حصل، وتعلم من علم.
١٥٠-
وَفي الَّلامِ رَاءٌ وَهْيَ في الرَّا وَأُظْهِرَا ... إِذا انْفَتَحَا بَعدَ المُسَكَّنِ مُنْرَلا
أي إذا أدغمت اللام في الراء والراء في اللام ونحو: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ ٣، ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ٤.
وفي إدغام الراء ضعف عند نحاة البصرة، وإذا انفتحا بعد مسكن أظهرا نحو: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ٥، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي﴾ ٦.
ومنزلا حال من ضمير المسكن المقدر فيه وأنت ضمير اللام في قوله: "وهي"، ثم ذكر ضمير اللام والراء معا في قوله: وأظهرا إذا انفتحا جمعا بين اللغتين، وقصر الراء ضرورة:
١٥١-
سِوَى "قالَ" ثُمَّ النُّونُ تُدْغَمُ فِيهِمَا ... عَلَى إِثْرِ تَحْرِيكٍ سِوَى نَحْنُ مُسْجَلا
يعني سوى كلمة: "قال" فإنها أدغمت في كل راء بعدها وإن كانت اللام مفتوحة وقبلها حرف ساكن وهو الألف نحو: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ ٧، ﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ ٨، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ ٩؛ لأن ذلك كثير الدور في القرآن فخفف بالإدغام بخلاف: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ﴾ ١٠، ﴿رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ١١ ونحوه.
ثم ذكر أن النون تدغم فيهما أي في الراء واللام بشرط أن يتحرك ما قبلهما وهو معنى قوله على إثر تحريك أي تكون النون بعد محرك مثل:
стр. 106
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ١، ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٢، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ ٣، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ ٤.
فإن وقع قبل النون ساكن لم تدغم مطلقا سواء كان ذلك الساكن ألفا، أو غيرها وسواء كانت النون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة نحو:
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٥، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ٦، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ٧.
ولهذا قال مسجلا أي يشترط التحريك قبلها مطلقا في جميع أحوال النون وليس الأمر فيها كما سبق في اللام والراء من أنه لم يستثن من ذلك إلا المفتوح بعد ساكن.
ثم قال الشيخ الشاطبي ﵀ سوى نحن أي استثنى مما قبل النون فيه ساكن كلمة نحن فأدغمت في اللام بعدها حيث أتت نحو:
﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ ٨، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ﴾ ٩.
وهو عشرة مواضع ومسجلا حال من فاعل تدغم العائد على النون أو هو نعت مصدر محذوف أي إدغاما مطلقا ويجوز أن يكون حالا من نحن أي في جميع القرآن والأول أولى والله أعلم.
١٥٢-
وَتُسْكُنُ عَنْهُ الْمِيمُ مِنْ قَبْلِ بَائِهَا ... عَلَى إِثْرِ تَحْرِيكٍ فَتَخْفَى تَنَزُّلا
عنه يعني عن أبي عمرو والهاء في بائها تعود على الحروف السابقة أو على الميم وتخفي عطف على تسكن غير أن تاء تخفي مفتوحة وتاء تسكن مضمومة وتنزلا تمييز، وقوله: على إثر تحريك أي تكون الميم بعد محرك نحو: ﴿آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ١٠، ﴿أَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ١١، ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ١٢، ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ ١٣.
والمصنفون في التعبير عن هذا مختلفون فمنهم من يعبر عنه بالإدغام كما يطلق على ما يفعل بالنون الساكنة والتنوين عند الواو والياء أنه إدغام وإن بقي لكل واحد منهما غنة، كما يبقى الإطباق في الحرف المطبق إذا أدغم، ومنهم من يعبر عنه بالإخفاء؛ لوجود الغنة وهي صفة لازمة للميم الساكنة فلم يكن إدغامًا محضا فإن سكن ما قبل الميم أظهرت نحو:
﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ١٤، ﴿الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾ ١٥، ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ﴾ ١٦ وقيل في ذلك خلاف.
١٥٣-
وَفي مَنْ يَشَاءُ با يُعَذِّبُ حَيْثُمَا ... أَتَى مُدْغَمٌ فَادْرِ الأُصُولَ لِتَأْصُلاَ
أي وإدغام الباء من كلمة:
стр. 107
﴿يُعَذِّبُ﴾ ١ في: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ حيث أتى في القرآن: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
بضم الباء وهو خمسة مواضع سوى الذي في البقرة فإنه ساكن الباء في قراءة أبي عمرو فهو واجب الإدغام عنده من جهة الإدغام الصغير لا الإدغام الكبير، ولهذا وافقه عليه جماعة على ما سنذكره، فقوله: "با" مبتدأ وقصره ضرورة، ومدغم خبره، وما عدا كلمة يعذب لا يدغم باؤها في الميم نحو "ضرب مثل".
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ٤.
لأنه اقترن بكلمة يعذب ما يجب إدغامه في أصله وهو "يرحم من": ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ﴾ ٥. إما قبلها أو بعدها فطرد الإدغام فيه موافقة لما جاورها فهذا آخر ذكر إدغام الحروف الستة عشر ولهذا ختم ذلك بقوله فادر الأصول أي قف على أصول الإدغام وحصلها لتأصلا أي لتشرف، يقال: رجل أصيل الرأي أي محكم الرأي، وقد أصلَ أصالةً.
ثم لما فرغ من تفصيل الحروف المدغمة في باب المتقاربين ذكر بعد ذلك ثلاث قواعد تتعلق بجميع باب الإدغام الكبير مثليا كان أو متقاربيا كل قاعدة في بيت، فقال في القاعدة الأولى:
١٥٤-
وَلاَ يَمْنَعُ الإِدْغامُ إِذْ هُوَ عَارِضٌ ... إِمَالَةَ كَالأَبْرَارِ وَالنَّارِ أُثْقِلا
أثقلا: أي ثقيلا وهو حال من الإدغام يريد بالثقل التشديد الحاصل بالإدغام ولم يرد أنه أثقل لفظا من الإظهار؛ لأنه ما أدغم إلا طلبا للخفة، وإذ هو عارض ظرف خرج مخرج التعليل، وقد سبق تحقيق القول فيه في شرح قوله: إذ م نسوه فيمحلا، وإمالة مفعول يمنع، وسقط التنوين منه؛ لإضافته إلى كالأبرار، وهو مشكل فإنه ليس في القرآن كالأبرار بالكاف، فالوجه أن يقال: هو مضاف إلى الكاف وحدها وهي هنا اسم بمعنى مثل كقول الراجز:
يضحكن عن كالبرد المثهم
أي إمالة مثل الأبرار، ويجوز أن تكون الكاف ضمير المخاطب والأبرار مفعول إمالة أي إمالتك الأبرار فهو مثل قوله: وإضجاعك التوراة ... والناظم ﵀ كان ضريرا فأملى هذا اللفظ فسبق إلى ذهن الكاتب السامع منه أنها كاف التشبيه فكتبها متصلة بالأبرار والله أعلم أي لا يمنع الإدغام في حال ثقله إمالة الألف في نحو: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا﴾ ٦، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ٧.
لزوال الكسر الموجب للإمالة بالإدغام، وعلة ذلك أن الإدغام عارض، فكأن الكسرة موجودة، وهو كالوقف الذي تحذف الحركة فيه أيضا فهي وإن حذفت مرادة منوية، وهذه مسألة من مسائل الإمالة فبابها أليق
стр. 108
من باب الإدغام. وقد ذكر في باب الإمالة أن عروض الوقف لا يمنع الإمالة فالإدغام معه كذلك، وكان يغنيه عن البيتين هنا، وثم أن يقول:
ولا يمنع الإدغام والوقف ساكنا ... إمالة ما للكسر في الوصل ميلا
فيستغنى عن بيتين مفرقين في بابين بهذا البيت الواحد في باب الإمالة.
ثم ذكر القاعدة الثانية فقال:
١٥٥-
وَأَشْمِمْ وَرُمْ فِي غَيْرِ بَاءٍ وَمِيمِهَا ... مَعَ الْبَاءِ أَوْ مِيمٍ وَكُنْ مُتَأَمِّلا
يعني بالإشمام والروم ما يأتي تحقيقه في باب الوقف على أواخر الكلم أي لك أن تشم وتروم في جميع الحروف المدغمة في المثلين والمتقاربين سوى أربع صور:
- وهي أن يلتقي الباء مع مثلها نحو: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ ١.
- أو مع الميم نحو ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
- أو يلتقي الميم مع مثلها نحو: ﴿يَعْلَمُ مَا﴾ ٣.
- أو مع الباء نحو ﴿أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا﴾ ٤.
فهذا معنى قوله: مع الباء أو ميم أي كل واحد من الباء والميم مع الباء أو ميم والهاء في ميمها تعود إلى الباء؛ لأنها مصاحبتها، ومن مخرجها أو تعود على الحروف السابقة.
والإشمام يقع في الحروف المضمومة، والروم يدخل في المضمومة والمكسورة ولا يقعان في المفتوحة، ويمتنع الإدغام الصحيح مع الروم ون الإشمام، فالروم هنا عبارة عن الإخفاء والنطق ببعض الحركة فيكون مذهبا آخر غير الإدغام وغير الإظهار، وهذان المذهبان المحكيان عن أبي عمرو من الإشمام والروم في الحروف المدغمة سيأتيان لجميع القراء في مسألة: ﴿لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ ٥.
ووجه دخولهما في الحروف المدغمة وهما من أحكام الوقف أن الحرف المدغم يسكن للإدغام فشابه إسكانه إسكانه للوقف فجرت أحكام الوقف فيه، واستثناء هذه الصور الأربع، إنما يتجه بعض الاتجاه على مذهب الإشمام للعلة التي ذكرها صاحب التيسير، وهو قوله: لأن الإشارة تتعذر في ذلك من أجل انطباق الشفتين أي تتعسر؛ لأن الإشارة بالشفة والباء والميم من حروف الشفة، والإشارة غير النطق بالحرف فيتعذر فعلهما معا في الإدغام؛ لأنه وصل، ولا يتعذران في الوقف؛ لأن الإشمام فيه هو ضم الشفتين بعد سكون الحرف فلا يقعان معا، ومنهم من استثنى الفاء أيضا، ومنهم من لم يستثن شيئا من ذلك، أما الروم فلا يتعذر؛ لأنه نطق ببعض حركة الحرف فهي تابعة لمخرجه فكما ينطق بالباء والميم بكل حركتهما كذلك ينطق بهما بعض حركتهما، وأظن الناظم ﵀ أشار إلى هذه الأشياء ونحوها بقوله: وكن متأملا أي تأمل ما قد أطلقه المصنفون في التعبير عن ذلك بفهمك
стр. 109
وتدبره بعقلك وعلمك ونزل كل شيء في منزلته ولا تزله عن مرتبته، وقد نقلت في الشرح الكبير، من كلام المصنفين في ذلك عبارات كثيرة مختلفة ولله الحمد.
ثم ذكر القاعدة الثالثة فقال:
١٥٦-
وَإِدْغَامُ حَرْفٍ قَبْلَهُ صَحَّ سَاكِنٌ ... عَسِيرٌ وَبِالإِخْفَاءِ طَبَّقَ مَفْصِلا
أي إدغام الحرف الذي قبله حرف صحيح ساكن عسير: أي يعسر النطق به وتعسر الدلالة على صحته؛ لأنه يؤدي إلى الجمع بين الساكنين؛ لأن الحرف المدغم لا بد من تسكينه وقوله: عسير خبر المبتدأ الذي هو إدغام حرف، وقوله: قبله صح ساكن جملة في موضع الصفة لحرف.
واحترز بقوله: صح ساكن عما قبله ساكن ليس بحرف صحيح بل هو حرف مد؛ فإن الإدغام يصح معه نحو: ﴿فِيهِ هُدىً﴾ ١، ﴿وَقَالَ لَهُمْ﴾ ٢، و ﴿يَقُولُ رَبَّنَا﴾ ، وكذا إذا انفتح ما قبل الواو والياء نحو: ﴿قَوْمُ مُوسَى﴾ ٣.
كيف فعل فإن في ذلك من المد ما يفصل بين الساكنين، وأما ما قبله ساكن صحيح فلا يتأتى إدغامه إلا بتحريك ما قبله وإن خفيت الحركة فإن لم يحرك انحذف الحرف الذي تسكنه للإدغام، وأنت تظن أنه مدغم، ودليل ذلك أن العرب إذا أدغمت نحو ذلك في الكلمة الواحدة حركت الساكن نحو: استعد واستعف، ولذلك لما أجمع على إدغام الميم في مثلها في: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٤ كسرت العين وهي ساكنة في غير هذا الموضع نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٥.
فإذا ثبت أن ذلك ممتنع الإدغام لم يبق فيه إلا الإظهار أو الروم السابق ذكره، وهو النطق ببعض الحركة ويعبر عنه بالاختلاس وبالإخفاء فهذه العبارات كلها صحيحة، والتعبير عنه بالإدغام تجوز، قال الجوهري في: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ ٦ إنما هو بحركة مختلسة ولا يجوز أن تكون الراء الأولى ساكنة؛ لأن الهاء قبلها ساكنة فيؤدي إلى الجمع بين الساكنين في الوصل من غير أن يكون قبلها حرف لين، وهذا غير موجود في شيء من لغات العرب وكذا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ٧ و: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ٨ و: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ ٩.
стр. 110
وأشباه ذلك قال: ولا معتبر بقول القراء: إن هذا ونحوه مدغم؛ لأنهم لا يحصلون هذا الباب والضمير في طبق للقارئ أي إذا أخفاه القارئ أصاب وإن رام إدغامه امتنع عليه، ويجوز أن يكون الضمير للتعبير وإن لم يجر له ذكر؛ لأنه مفهوم من سياق الكلام أي العبارة عنه بالإخفاء هي العبارة الصحيحة أو طبق من عبر عنه بالإخفاء مفصلا، وقيل الضمير في طبق للحرف وليس بشيء، ومعنى مفصلا أصاب وهو من قولهم طبق السيف إذا أصاب المفصل وكذا طبق الجزار المفصل ويقال للرجل إذا أصاب الحجة أنه يطبق المفصل ثم مثل ما قبله ساكن فقال:
١٥٧-
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ ... وَفي المَهْدِ ثُمَّ الخُلْدِ وَالْعِلْمِ فَاشْمُلا
ذكر أمثلة من المثلين والمتقاربين فذكر من المثلين:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ١، ﴿مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ﴾ ٢ ومن المتقاربين ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ٣ و ﴿فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٤، ﴿دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً﴾ ٥.
وقوله: فاشملا أراد فاشملن ثم أبدل من النون الخفيفة المؤكدة ألفا يقال شملهم الأمر إذا عمهم بكسر الميم في الماضي وفتحها في المضارع، وفيه لغة أخرى وهي فتحها في الماضي وضمها في المضارع أي فاشمل الجميع من البابين بالحفظ والفهم أي اجمعه فالأمر من ذلك بفتح الميم على اللغة الفصيحة وبضمها على اللغة الأخرى، وقال ابن دريد: شمل الرجل وانشمل: أسرع؛ أي: أسرع في حفظ ذلك وفهمه وتعليمه ولا تتباطئ في ذلك ولا تتخلف عنه والله أعلم.