← Тафсир

Тафсир · id 5487

دقائق التفسير

ابن تيمية

Полный текст (300 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَمَا يدل على أَن قذفهن أَذَى للنَّبِي ﷺ مَا خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث الْإِفْك عَن عَائِشَة قَالَت فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قَالَت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَا معشر الْمُسلمين من يعذرني من رجل قد بَلغنِي أَذَاهُ عَن أهل بَيْتِي فوَاللَّه مَا علمت على أهل بَيْتِي إِلَّا خيرا وَلَقَد ذكرُوا رجلا مَا علمت عَلَيْهِ إِلَّا خيرا وَمَا كَانَ يدْخل على أَهلِي إِلَّا معي فَقَامَ سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَنا أعذرك مِنْهُ يَا رَسُول الله إِن كَانَ من الْأَوْس ضربنا عُنُقه وَإِن كَانَ من إِخْوَاننَا الْخَزْرَج أمرتنا فَفَعَلْنَا أَمرك فَقَامَ سعد بن عبَادَة وَهُوَ سيد الْخَزْرَج وَكَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن احتملته الحمية فَقَالَ لسعد بن معَاذ لعمر الله لَا تقتلنه وَلَا تقدر على قَتله فَقَامَ أسيد بن حضير وَهُوَ ابْن عَم سعد بن معَاذ فَقَالَ لسعد بن عبَادَة كذبت لعمر الله لنقتلنه فَإنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين قَالَت فثار الْحَيَّانِ الْأَوْس والخزرج حَتَّى هموا أَن يقتتلوا وَرَسُول الله ﷺ قَائِم على الْمِنْبَر فَلم يزل رَسُول الله ﷺ يخفضهم حَتَّى سكتوا وَسكت وَفِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة أَن هَذِه الْآيَة فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَيَقُول آخَرُونَ يَعْنِي أَزوَاج الْمُؤمنِينَ عَامَّة وَقَالَ أَبُو سَلمَة قذف الْمُحْصنَات من الموجبات ثمَّ قَرَأَ ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ الْآيَة وَعَن عمر بن قيس قَالَ قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رَوَاهَا الأشنج وَهَذَا قَول كثير من النَّاس وَوَجهه ظَاهر الْخطاب فَإِنَّهُ عَام فَيجب إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا مُوجب لخصوصه وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِنَفس السَّبَب بالِاتِّفَاقِ لِأَن حكم غير عَائِشَة من أَزوَاج النَّبِي ﷺ دَاخل فِي الْعُمُوم وَلَيْسَ هُوَ من السَّبَب وَلِأَنَّهُ لفظ جمع وَالسَّبَب فِي وَاحِدَة هُنَا وَلِأَن قصر عمومات الْقُرْآن على أَسبَاب نُزُولهَا بَاطِل فَإِن عَامَّة الْآيَات نزلت بِأَسْبَاب اقْتَضَت ذَلِك وَقد علم أَن شَيْئا مِنْهَا لم يقصر على سَببه وَالْفرق بَين الْآيَتَيْنِ أَنه فِي أول السُّورَة ذكر الْعُقُوبَات الْمَشْرُوعَة على أَيدي الْمُكَلّفين من الْجلد ورد الشَّهَادَة والتفسيق وَهنا ذكر الْعقُوبَة الْوَاقِعَة من الله سُبْحَانَهُ وَهِي اللَّعْنَة فِي الدَّاريْنِ وَالْعَذَاب الْعَظِيم وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه عَن أَصْحَابه أَن قذف الْمُحْصنَات من الْكَبَائِر وَفِي لفظ فِي الصَّحِيح قذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَبُو حَمْزَة الثمالِي بلغنَا أَنَّهَا نزلت فِي مُشْركي أهل مَكَّة إِذْ كَانَ بَينهم وَبَين رَسُول الله ﷺ عهد فَكَانَت الْمَرْأَة إِذا خرجت إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة

стр. 247

مهاجرة قَذفهَا الْمُشْركُونَ من أهل مَكَّة وَقَالُوا إِنَّهَا خرجت تفجر فعلى يكون يكون فِيمَن قذف الْمُؤْمِنَات قذفا يصدهن بِهِ عَن الْإِيمَان ويقصد بذلك ذمّ الْمُؤمنِينَ لينفر النَّاس عَن الْإِسْلَام كَمَا فعل كَعْب بن الْأَشْرَف وعَلى هَذَا فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سبّ النَّبِي ﷺ وَقَوله إِنَّهَا نزلت زمن الْعَهْد يَعْنِي وَالله أعلم أَنه عَنى بهَا مثل أُولَئِكَ الْمُشْركين المعاهدين وَإِلَّا فَهَذِهِ الْآيَة نزلت ليَالِي الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق قبل الخَنْدَق والهدنة كَانَت بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ وَمِنْهُم من أجراها على ظَاهرهَا وعمومها لِأَن سَبَب نُزُولهَا قذف عَائِشَة وَكَانَ فِيمَن قَذفهَا مُؤمن ومنافق وَسبب النُّزُول لَا بُد أَن ينْدَرج فِي الْعُمُوم وَلِأَنَّهُ لَا مُوجب لتخصيصها وَالْجَوَاب على هَذَا التَّقْدِير أَنه سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَا ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ على بِنَاء الْفِعْل للْمَفْعُول وَلم يسم اللاعن وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَإِذا لم يسم الْفَاعِل جَازَ أَن يلعنهم غير الله من الْمَلَائِكَة وَالنَّاس وَجَاز أَن يلعنهم الله فِي وَقت ويلعنهم بعض خلقه فِي وَقت وَجَاز أَن الله يتَوَلَّى لعنة بَعضهم وَهُوَ من كَانَ قذفه طَعنا فِي الدّين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وَإِذا كَانَ اللاعن مخلوقا فلعنه قد يكون بِمَعْنى الدُّعَاء عَلَيْهِم وَقد يكون بِمَعْنى أَنهم يبعدونهم عَن رَحْمَة الله وَيُؤَيّد هَذَا أَن الرجل إِذا قذف امْرَأَته تلاعنا وَقَالَ الزَّوْج فِي الْخَامِسَة لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين فَهُوَ يَدْعُو على نَفسه إِن كَانَ كَاذِبًا فِي الْقَذْف أَن يلعنه الله كَمَا أَمر الله وَرَسُوله أَن يباهل من حَاجَة فِي الْمَسِيح بعد مَا جَاءَهُ من الْعلم بِأَن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الْكَاذِبين فَهَذَا مِمَّا يعلن بِهِ الْقَاذِف وَمِمَّا يلعن بِهِ أَن يجلد وَأَن ترد شَهَادَته ويفسق فَإِنَّهُ عُقُوبَة لَهُ وإقصاء لَهُ عَن مَوَاطِن الْأَمْن وَالْقَبُول وَهِي من رَحْمَة الله وَهَذَا بِخِلَاف من أخبر الله أَنه لَعنه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِن لعنة الله توجب زَوَال النَّصْر عَنهُ من كل وَجه وَبعده عَن أَسبَاب الرَّحْمَة فِي الدَّاريْنِ وَمِمَّا يُؤَيّد الْفرق أَنه قَالَ ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَلم يَجِيء إعداد الْعَذَاب المهين فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي حق الْكفَّار كَقَوْلِه ﴿الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل ويكتمون مَا آتَاهُم الله من فَضله وأعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ وَقَوله ﴿وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾

стр. 248

وَقَوله ﴿فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عَذَاب مهين﴾ ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِك لَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَإِذا علم من آيَاتنَا شَيْئا اتخذها هزوا أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَقد أنزلنَا آيَات بَيِّنَات وللكافرين عَذَاب مهين﴾ ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم جنَّة فصدوا عَن سَبِيل الله فَلهم عَذَاب مهين﴾ وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ فَهِيَ وَالله أعلم فِيمَن جحد الْفَرَائِض واستخف بهَا على أَنه لم يذكر أَن الْعَذَاب أعد لَهُ وَأما الْعَذَاب الْعَظِيم فقد جَاءَ وعيدا للْمُؤْمِنين فِي قَوْله ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقَوله ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ وَفِي الْمُحَارب ﴿ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ وَفِي الْقَاتِل ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا وتذوقوا السوء بِمَا صددتم عَن سَبِيل الله وَلكم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمن يهن الله فَمَا لَهُ من مكرم﴾ وَذَلِكَ لِأَن الإهانة إذلال وتحقير وخزي وَذَلِكَ قدر زَائِد على ألم الْعَذَاب فقد يعذب الرجل الْكَرِيم وَلَا يهان فَلَمَّا قَالَ فِي هَذِه الْآيَة ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ علم أَنه من جنس الْعَذَاب الَّذِي توعد بِهِ الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَلما قَالَ هُنَاكَ ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾

стр. 249

جَازَ أَن يكون من جني الْعَذَاب فِي قَوْله ﴿لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ وَمِمَّا يبين بِهِ الْفرق أَيْضا سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَاكَ ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَالْعَذَاب إِنَّمَا أعد للْكَافِرِينَ فَإِن جَهَنَّم لَهُم خلقت لأَنهم لَا بُد أَن يدخلوها وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين وَأهل الْكَبَائِر من الْمُؤمنِينَ يجوز أَن يدخلوها إِذا غفر الله لَهُم وَإِذا دخلوها فَإِنَّهُم يخرجُون مِنْهَا وَلَو بعد حِين قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ فَأمر سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ أَن لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا وَأَن يتقوا الله وَأَن يتقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ فَعلم أَنهم يخَاف عَلَيْهِم من دُخُول النَّار إِذا أكلُوا الرِّبَا وفعلوا الْمعاصِي مَعَ أَنَّهَا معدة للْكَافِرِينَ لَا لَهُم وَلذَلِك جَاءَ فِي الحَدِيث أما أهل النَّار هم أَهلهَا فَإِنَّهُم لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَأما أَقوام لَهُم ذنُوب فيصيبهم سفع من نَار ثمَّ يخرجهم الله مِنْهَا وَهَذَا كَمَا أَن الْجنَّة أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَإِن كَانَ يدخلهَا الْأَبْنَاء بِعَمَل آبَائِهِم ويدخلها قوم بالشفاعة وَقوم بِالرَّحْمَةِ وينشىء الله لما فضل مِنْهَا خلقا آخر فِي الدَّار الْآخِرَة فيدخلهم إِيَّاهَا وَذَلِكَ لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يعد لمن يستوجبه ويستحقه وَلمن أولى النَّاس بِهِ ثمَّ قد يدْخل مَعَه غَيره بطرِيق التبع أَو لسَبَب آخر وَالله أعلم

стр. 250

فصل اعْتِرَاض وَجَوَابه قَالَ الْمُعْتَرض فِي أَسمَاء الله الْحسنى النُّور الْهَادِي يجب تَأْوِيله قطعا إِذْ النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية وَهُوَ ضد الظلمَة وَجل الْحق سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ضد وَلَو كَانَ نورا لم تجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله ﴿مثل نوره﴾ فَتكون إِضَافَته الشَّيْء إِلَى نَفسه وَهُوَ غير جَائِز وَقَوله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ ضَعِيف لِأَن ذكر الْهَادِي بعده يكون تَكْرَارا وَقيل منور السَّمَاوَات بالكواكب وَقيل بالأدلة والحجج الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فَلَا يجوز على الله والتأويل مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَهَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل يبطل الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف وَلَو كَانَ نورا حَقِيقَة كَمَا يَقُوله المشبهة لوَجَبَ أَن يكون الضياء لَيْلًا وَنَهَارًا على الدَّوَام وَقَوله ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَمَعْلُوم أَنه ﷺ لم يكن السراج الْمَعْرُوف وَإِنَّمَا سمي سِرَاجًا بِالْهدى الَّذِي جَاءَ بِهِ ووضوح أدلته بِمَنْزِلَة السراج الْمُنِير وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن يَعْنِي منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض شمسها وقمرها ونجومها وَمن كَلَام العارفين النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وَنور أسرار المحبين بتأييده وَقيل هُوَ الَّذِي أَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته ونفوس العابدين بِنور عِبَادَته وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام وَأَمْثَاله لَيْسَ باعتراض علينا وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاء نقص حرمته مِنْهُم لما يظنّ أَنه يلْزمنَا أَو يظنّ أَنا نقُوله على الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم﴾

стр. 251

وَقَالَ النَّبِي ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَإِذا كَانَ فِي الْكَلَام إِخْبَار عَن الْغَيْر بِأَنَّهُ يَقُول أقوالا بَاطِلَة فِي الْعقل وَالشَّرْع وَفِيه رد تِلْكَ الْأَقْوَال كَانَ هَذَا كذبا وظلما فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك ثمَّ مَعَ كَونه ظلما لنا يَا ليته كَانَ كلَاما صَحِيحا مُسْتَقِيمًا فَكُنَّا نحلله من حَقنا وَيُسْتَفَاد مَا فِيهِ من الْعلم وَلَكِن فِيهِ من تَحْرِيف كتاب الله والإلحاد فِي آيَاته وأسمائه وَالْكذب وَالظُّلم والعدوان الَّذِي يتَعَلَّق بِحُقُوق الله مِمَّا فِيهِ لَكِن عَفَوْنَا عَن حَقنا فَحق الله إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره وَنحن نذْكر من الْقيام بِحَق الله وَنصر كِتَابه وَدينه مَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع فَإِن هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره فِيهِ من التَّنَاقُض وَالْفساد مَا لَا أَظن تمكنه من ضَبطه من وُجُوه أَحدهَا أَنه قَالَ فِي أَوله النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية ثمَّ قَالَ فِي آخِره جسم لطيف شفاف فَذكر فِي أول الْكَلَام أَنه عرض وَصفَة فِي آخِره جسم وَهُوَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ الثَّانِي أَنه ذكر عَن الْمُفَسّرين أَنهم تأولوا ذَلِك بالهادي وَضعف ذَلِك ثمَّ ذكر فِي آخِره أَن من كَلَام العارفين أَن النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وأسرار المحبين بتأييده وَأَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته وَهَذَا هُوَ معنى الْهَادِي الَّذِي ضعفه أَولا فيضعفه أَولا ويجعله من كَلَام العارفين وَهِي كلمة لَهَا صولة فِي الْقُلُوب وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض الْمَشَايِخ الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بِنَوْع من الْوَعْظ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَحْقِيق فَإِن الشَّيْخ أَبَا عبد الرَّحْمَن ذكر فِي تَحْقِيق التَّفْسِير من الإشارات الَّتِي بَعْضهَا كَلَام حسن مُسْتَفَاد وَبَعضهَا مَكْذُوب على قَائِله مفترى كالمنقول عَن جَعْفَر وَغَيره وَبَعضهَا من الْمَنْقُول الْبَاطِل الْمَرْدُود فَإِن إشارات الْمَشَايِخ وَهِي إشارتهم بالقلوب وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي امتازوا بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وينقسم إِلَى الإشارات الْمُتَعَلّقَة بالأقوال مثل مَا يأخذونها من الْقُرْآن وَنَحْوه فَتلك الإشارات هِيَ من بَاب الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس وإلحاق مَا لَيْسَ بمنصوص بالمنصوص مثل الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ الْفُقَهَاء فِي الْأَحْكَام لَكِن هَذَا يسْتَعْمل فِي التَّرْغِيب والترهيب وفضائل الْأَعْمَال ودرجات الرِّجَال وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَت الْإِشَارَة اعتبارية من جنس الْقيَاس الصَّحِيح كَانَت حَسَنَة مَقْبُولَة وَإِن كَانَت كالقياس الضَّعِيف كَانَ لَهَا حكمه وَإِن كَانَ تحريفا للْكَلَام على غير تَأْوِيله كَانَت من جنس كَلَام القرامطة والباطنية والجهمية فَتدبر هَذَا فَإِنِّي قد أوضحت هَذَا فِي قَاعِدَة الإشارات الْوَجْه الثَّالِث فِي تناقضه فَإِن قَالَ التَّأْوِيل مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَلم يذكر

стр. 252

إِلَّا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد ضعف ذَلِك فَإِن كَانَ الْمَنْقُول هُوَ هَذَا الضَّعِيف فيا خيبة الْمَسْعَى إِذْ لم ينْقل عَن السّلف فِي جَمِيع كَلَامه إِلَى هُنَا شَيْئا عَن السّلف إِلَّا هَذَا الَّذِي ضعفه وأوهاه وَإِن كَانَ الْمَنْقُول عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنه منور السَّمَاوَات بالكواكب كَانَ متناقضا من وَجه آخر وَهُوَ أَنه قد ذكر فِيمَا بعد أَن هَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن أَنه منورها بالشمس وَالْقَمَر والنجوم وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس والاثنين أَولا غير الْمَنْقُول عَنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى وَعَمن لَيْسَ مَعَه فِي الأولى وَإِن كَانَ نوره بالحجج الباهرة والأدلة كَانَ متناقضا فَإِن هَذَا هُوَ معنى الْهَادِي إِذا نَصبه للأدلة والحجج هِيَ من هدايته وَهُوَ قد ضعف هَذَا القَوْل فَمَا أَدْرِي من أَيهمَا الْعجب أم من حكايته الْقَوْلَيْنِ اللَّذين أَحدهمَا دَاخل فِي معنى الآخر أم من تَضْعِيفه لقَوْل السَّائِل الَّذِي يُوجب تَضْعِيف الِاثْنَيْنِ وَهُوَ لَا يدْرِي أَنه قد ضعفهما جَمِيعًا فَيجب على الْإِنْسَان أَن يعرف معنى الْأَقْوَال المنقولة وَيعرف أَن الَّذِي يُضعفهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي عظمه الْوَجْه الرَّابِع أَنه قد تبين أَنه لم ينْقل عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم إِلَّا القَوْل الَّذِي ضعفه أَو مَا يدْخل فِيهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ قَوْلهم الْهَادِي فقد صرح بضعفه وَإِن كَانَ مُقيم الْأَدِلَّة فَهُوَ من معنى الْهَادِي وَإِن كَانَ الْمنور بالكواكب فقد جعله قولا آخر وَإِن كَانَ مَا ذكره عَن بعض العارفين فَهُوَ أَيْضا دَاخل فِي الْهَادِي وَإِذا كَانَ قد اعْترف بِضعْف مَا حَكَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم لم يكن فِيهِ حجَّة علينا فَتبين أَن مَا ذكره عَن السّلف إِمَّا أَن يكون مُبْطلًا فِي نَقله أَو مفتريا بتضعيفه وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا حجَّة علينا بذلك الْوَجْه الْخَامِس أَنه أَسَاءَ الْأَدَب على السّلف إِذْ يذكر عَنْهُم مَا يُضعفهُ وَأظْهر للنَّاس أَن السّلف كَانُوا يتأولون ليحتج بذلك على التَّأْوِيل فِي الْجُمْلَة وَهُوَ قد اعْترف بِضعْف هَذَا التَّأْوِيل وَمن احْتج بِحجَّة وَقد ضعفها وَهُوَ لَا يعلم أَنه ضعفها فقد رمى نَفسه بسهمه وَمن رمى بِسَهْم الْبَغي صرع بِهِ وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الْوَجْه السَّادِس قَوْله هَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل دفع الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف فَإِن هَذَا القَوْل لم أَقَله وَإِن كنت قلته فَهُوَ لم ينْقل إِلَّا مَا عرف أَنه ضَعِيف والضعيف لَا يبطل شَيْئا فَهَذِهِ الْوُجُوه فِي بَيَان تناقضه وحكايته عَنَّا مَا لم نَقله وَأما بَيَان فَسَاد الْكَلَام فَنَقُول أما قَوْله يجب تَأْوِيله قطعا فَلَا نسلم أَنه يجب تَأْوِيله وَلَا نسلم أَن ذَلِك لَو وَجب قَطْعِيّ بل جَمَاهِير الْمُسلمين لَا يتأولون هَذَا الِاسْم وَهَذَا مَذْهَب

стр. 253

السلفية وَجُمْهُور الصفاتية من أهل الْكَلَام وَالْفُقَهَاء والصوفية وَغَيرهم وَهُوَ قَول أبي سعيد بن كلاب ذكره فِي الصِّفَات ورد على الجمهية تَأْوِيل اسْم النُّور وَهُوَ شيخ الْمُتَكَلِّمين الصفاتية الأشعرية الشَّيْخ الأول وَحَكَاهُ عَنهُ أَبُو بكر ابْن فورك فِي كتاب مقالات ابْن كلاب والأشعرية وَلم يذكرَا تَأْوِيله إِلَّا عَن الْجَهْمِية المذمومين بِاتِّفَاق وَهُوَ أَيْضا قَول أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ذكره فِي الموجز وَأما قَوْله إِن هَذَا ورد فِي الْأَسْمَاء الْحسنى فَالْحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهِ ذَلِك هُوَ حَدِيث التِّرْمِذِيّ روى الْأَسْمَاء الْحسنى فِي جَامعه من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهَا ابْن مَاجَه فِي سنَنه من طَرِيق مخلد بن زِيَاد الْقَطوَانِي عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ على أَن هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ ليستا من كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا كل مِنْهُمَا من كَلَام بعض السّلف فالوليد ذكرهَا عَن بعض شُيُوخه الشاميين كَمَا جَاءَ مُفَسرًا فِي بعض طرق حَدِيثه وَلِهَذَا اخْتلف أعيانهما عَنهُ فروى عَنهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَات من الْأَسْمَاء بدل مَا ذكر فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِأَن الَّذين جمعوها قد كَانُوا يذكرُونَ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة واعتقدوا هم وَغَيرهم أَن الْأَسْمَاء الْحسنى الَّتِي من أحصاها دخل الْجنَّة لَيست شَيْئا معينا بل من أحصى تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أَسمَاء الله دخل الْجنَّة أَو أَنَّهَا وَإِن كَانَت مُعينَة فالاسمان اللَّذَان يتفقان مَعْنَاهُمَا يقوم أَحدهمَا مقَام صَاحبه كالأحد وَالْوَاحد فَإِن فِي رِوَايَة هِشَام بن عمار عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ رَوَاهَا عُثْمَان بن سعيد الْأَحَد بل الْوَاحِد والمعطي بدل الْمُغنِي وهما متقاربان وَعند الْوَلِيد هَذِه الْأَسْمَاء بعد أَن روى الحَدِيث عَن خُلَيْد بن دعْلج عَن قَتَادَة عَن ابْن سِيرِين عَن أبي

стр. 254

هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ هِشَام وَحدثنَا الْوَلِيد حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز مثل ذَلِك وَقَالَ كلهَا فِي الْقُرْآن ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ مثل مَا سَاقهَا التِّرْمِذِيّ لَكِن التِّرْمِذِيّ رَوَاهَا عَن طَرِيق صَفْوَان بن صَالح عَن الْوَلِيد عَن شُعَيْب وَقد رَوَاهَا ابْن أبي عَاصِم وَبَين مَا ذكره هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ خلاف فِي بعض الْمَوَاضِع وَهَذَا كُله مِمَّا يبين لَك أَنَّهَا من الْمَوْصُول المدرج فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فِي بعض الطّرق وَلَيْسَت من كَلَامه وَلِهَذَا جمعهَا قوم آخَرُونَ على غير هَذَا الْجمع واستخرجوها من الْقُرْآن مِنْهُم سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَالْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيرهم كَمَا ذكرت ذَلِك فِيمَا تَكَلَّمت بِهِ قَدِيما على هَذَا وَهَذَا كُله يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدهم مِمَّا يقبل الْبَدَل فَإِن الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسلمين أَن أَسمَاء الله أَكثر من تِسْعَة وَتِسْعين قَالُوا وَمِنْهُم الْخطابِيّ قَوْله إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما من أحصاها التَّقْيِيد بِالْعدَدِ عَائِد إِلَى الْأَسْمَاء الموصوفة بِأَنَّهَا هِيَ هَذِه الْأَسْمَاء فَهَذِهِ الْجُمْلَة وَهِي قَوْله من أحصاها دخل الْجنَّة صفة للتسعة وَالتسْعين لَيست جملَة مُبتَدأَة وَلَكِن موضعهَا النصب وَيجوز أَن تكون مُبتَدأَة وَالْمعْنَى لَا يخْتَلف وَالتَّقْدِير إِن لله أَسمَاء بِقدر هَذَا الْعدَد من أحصاها دخل الْجنَّة كَمَا يَقُول الْقَائِل إِن مائَة غُلَام أعددتهم لِلْعِتْقِ وَألف دِرْهَم أعددتها لِلْحَجِّ فالتقييد بِالْعدَدِ هُوَ فِي الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة لَا فِي أصل اسْتِحْقَاقه لذَلِك الْعدَد فَإِنَّهُ لم يقل إِن أَسمَاء الله تِسْعَة وَتسْعُونَ قَالَ وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته احدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك فَهَذَا يدل على أَن لله أَسمَاء فَوق تِسْعَة وَتِسْعين يحصيها بعض الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فَقَوله إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين تَقْيِيد بِهَذَا الْعدَد بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ فَلَمَّا استقلوهم قَالَ ﴿وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾ فَأن لَا يعلم أسماءه إِلَّا

стр. 255

هُوَ أولى وَذَلِكَ أَن هَذَا لَو كَانَ قد قيل مُنْفَردا لم يفد النَّفْي إِلَّا بِمَفْهُوم الْعدَد الَّذِي هُوَ دون مَفْهُوم الصّفة والنزاع فِيهِ مَشْهُور وَإِن كَانَ الْمُخْتَار عندنَا أَن التَّخْصِيص بِالذكر بعد قيام الْمُقْتَضى للْعُمُوم يُفِيد الِاخْتِصَاص بالحكم فَإِن الْعُدُول عَن وجوب التَّعْمِيم إِلَى التَّخْصِيص إِن لم يكن للاختصاص بالحكم وَإِلَّا كَانَ تركا للمقتضى بِلَا معَارض وَذَلِكَ مُمْتَنع فَقَوله إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين قد يكون للتحصيل بِهَذَا الْعدَد فَوَائِد غير الْحصْر وَمِنْهَا ذكر أَن إحصاءها يُورث الْجنَّة فَإِنَّهُ لَو ذكر هَذِه الْجُمْلَة مُنْفَرِدَة وأتبعها بِهَذِهِ مُنْفَرِدَة لَكَانَ حسنا فَكيف وَالْأَصْل فِي الْكَلَام الِاتِّصَال وَعدم الِانْفِصَال فَتكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لَا ابتدائية فَهَذَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْعَرَبيَّة مَعَ مَا ذكر من الدَّلِيل وَلِهَذَا قَالَ انه وتر يحب الْوتر ومحبته لذَلِك تدل على أَنه مُتَعَلق بالإحصاء أَي يجب أَن يحصي من أَسْمَائِهِ هَذَا الْعدَد وَإِذا كَانَت أَسمَاء الله أَكثر من تِسْعَة وَتِسْعين أمكن أَن يكون إحصاء تِسْعَة وَتِسْعين اسْما يُورث الْجنَّة مُطلقًا على سَبِيل الْبَدَل فَهَذَا يُوَجه قَول هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ كثيرا وَكثير من النَّاس من يَجْعَلهَا أَسمَاء مُعينَة ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يَقُول لَيْسَ إِلَّا تِسْعَة وَتِسْعين اسْما فَقَط وَهُوَ قَول ابْن حزم وَطَائِفَة وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُم يَقُولُونَ وَإِن كَانَت أَسمَاء الله أَكثر لَكِن الْمَوْعُود بِالْجنَّةِ لمن أحصاها هِيَ مُعينَة وَبِكُل حَال فتعيينها لَيْسَ من كَلَام النَّبِي ﷺ بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة حَدِيثه وَلَكِن رُوِيَ فِي ذَلِك عَن السّلف أَنْوَاع من ذَلِك مَا ذكره التِّرْمِذِيّ وَمِنْهَا غير ذَلِك فَإِذا عرف هَذَا فَقَوله فِي أَسْمَائِهِ الْحسنى النُّور الْهَادِي لَو نازعه مُنَازع فِي ثُبُوت ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ لم تكن لَهُ حجَّة وَلَكِن جَاءَ ذَلِك فِي أَحَادِيث صِحَاح مثل قَوْله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ لَك الْحَمد أَنْت نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ الحَدِيث وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي ذَر قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ نور أَنى أرَاهُ أَو قَالَ رَأَيْت نورا فَالَّذِي فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح إِضَافَة النُّور بقوله ﴿نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَو نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَأما قَوْله أَن النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة فَنَقُول النُّور الْمَخْلُوق محسوس لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان كَيْفيَّة لكنه نَوْعَانِ أَعْيَان وأعراض فالأعيان هُوَ نفس جرم النَّار حَيْثُ كَانَت نور السراج والمصباح

стр. 256

الَّذِي فِي الزجاجة وَغَيره وَهِي النُّور الَّذِي ضرب الله بِهِ الْمثل وَمثل الْقَمَر فَإِن الله سَمَّاهُ نورا فَقَالَ ﴿جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا﴾ ولاريب أَن النَّار جسم لطيف شفاف وأعراض مثل مَا يَقع من شُعَاع الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنَّار على الْأَجْسَام الصقيلة وَغَيرهَا فَإِن الْمِصْبَاح إِذا كَانَ فِي الْبَيْت أَضَاء جَوَانِب الْبَيْت فَذَلِك النُّور والشعاع الْوَاقِع على الْجدر والسقف وَالْأَرْض هُوَ عرض وَهُوَ كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسم وَقد يُقَال لَيْسَ الصّفة الْقَائِمَة بالنَّار وَالْقَمَر وَنَحْوهمَا نورا فَيكون الِاسْم على الْجَوْهَر تَارَة وعَلى صفة أُخْرَى وَلِهَذَا يُقَال لضوء النَّهَار نور كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ وَمن هَذَا تَسْمِيَة اللَّيْل ظلمَة وَالنَّهَار نورا فَإِنَّهُمَا عرضان وَقد قيل هما جوهران وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط ذَلِك فَتبين أَن اسْم النُّور يتَنَاوَل هذَيْن والمعترض ذكر أَولا حد الْعرض وَذكر ثَانِيًا حد الْجِسْم فتناقض وَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من كَلَامي وَلم يهتدوا لوجه الْجمع وَكَذَلِكَ اسْم الْحق يَقع على ذَات الله تَعَالَى وعَلى صِفَاته القدسية الْقَدِيمَة كَقَوْل النَّبِي ﷺ أَنْت الْحق وقولك الْحق وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق والنبيون حق وَمُحَمّد حق وَأما قَول الْمُعْتَرض النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ لم تفهم معنى الضِّدّ الْمَنْفِيّ عَن الله فَإِن الضِّدّ يُرَاد بِهِ مَا يمْنَع ثُبُوت الآخر كَمَا يُقَال فِي الْأَعْرَاض المتضادة مثل السوَاد وَالْبَيَاض وَيَقُول النَّاس الضدان لَا يَجْتَمِعَانِ وَيمْتَنع اجْتِمَاع الضدين وَهَذَا التضاد عِنْد كثير من النَّاس لَا يكون إِلَّا فِي الْأَعْرَاض وَأما الْأَعْيَان فَلَا تضَاد فِيهَا فَيمْتَنع عِنْد هَذَا أَن يُقَال لله ضد أَو لَيْسَ لَهُ ضد وَمِنْهُم من يَقُول يتَصَوَّر التضاد فِيهَا وَالله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضد يمْنَع ثُبُوته ووجوده بِلَا ريب بل هُوَ القاهر الْغَالِب الَّذِي لَا يغلب وَقد يُرَاد بالضد الْمعَارض لأَمره وَحكمه وَإِن لم يكن مَانِعا من وجود ذَاته كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي أمره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَسْمِيَة الْمُخَالف لأَمره وَحكمه ضدا كتسميته عدوا وَبِهَذَا الِاعْتِبَار فالمعادون المضادون لله كَثِيرُونَ فَأَما على التَّفْسِير الأول فَلَا ريب أَنه لَيْسَ فِي نفس الْأَمر مضادا لله لَكِن المضاد يَقع

стр. 257

فِي نفس الْكَافِر فَإِن الْبَاطِل ضد الْحق وَالْكذب ضد الصدْق فَمن اعتند فِي الله مَا هُوَ منزه عَنهُ كَانَ هَذَا ضدا للْإيمَان الصَّحِيح بِهِ وَأما قَوْله النُّور ضد الظلمَة وَجل الْحق أَن يكون لَهُ ضد فَيُقَال لَهُ والحي ضد الْمَيِّت والعليم ضد الْجَاهِل والسميع والبصير وَالَّذِي يتَكَلَّم ضد الْأَصَم لأعمى الأبكم وَهَكَذَا سَائِر مَا سمى الله بِهِ من الْأَسْمَاء لَهَا أضداد وَهُوَ منزه عَن أَن يُسمى بأضدادها فجل الله أَن يكون مَيتا أَو عَاجِزا أَو فَقِيرا وَنَحْو ذَلِك وَأما وجود مَخْلُوق لَهُ مَوْصُوف بضد صفته مثل وجود الْمَيِّت وَالْجَاهِل وَالْفَقِير والظالم فَهَذَا كثير بل غَالب أَسْمَائِهِ لَهَا أضداد مَوْجُودَة فِي الْمَوْجُودين وَلَا يُقَال لأولئك إِنَّهُم أضداد الله وَلَكِن يُقَال إِنَّهُم موصوفون بضد صِفَات الله فَإِن التضاد بَين إِنَّمَا يكن فِي الْمحل الْوَاحِد لَا فِي محلين فَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ ضادته الْحَيَاة وَمن كَانَ مَوْصُوفا بِالْحَيَاةِ ضاده الْمَوْت وَالله سُبْحَانَهُ يمْتَنع أَن يكون ظلمَة أَو مَوْصُوفا بالظلمة كَمَا يمْتَنع أَن يكون مَيتا أَو مَوْصُوفا بِالْمَوْتِ فَهَذَا الْمُعْتَرض أَخذ لفظ الضِّدّ بالاشتراك وَلم يُمَيّز بَين الضِّدّ الَّذِي يضاد ثُبُوته ثُبُوت الْحق وَصِفَاته وأفعاله وَبَين أَن يكون فِي مخلوقاته مَا هُوَ مَوْصُوف بضد صِفَاته وَبَين مَا يضاده فِي أمره وَنَهْيه فالضد الأول هُوَ الْمُمْتَنع وَأما الْآخرَانِ فوجودهما كثير لَكِن لايقال إِنَّه ضد الله فَإِن المتصف بضد صِفَاته لم يضاده وَالَّذين قَالُوا النُّور ضد الظلمَة قَالُوا يمْتَنع اجْتِمَاعهمَا فِي عين وَاحِدَة وَلم يَقُولُوا أَنه يمْتَنع أَن يكون شَيْء مَوْصُوف بِأَنَّهُ نور وَشَيْء آخر مَوْصُوف بِأَنَّهُ ظلمَة فليتدبر الْعَاقِل هَذَا التعطيل والتخطيط وَأما قَوْله لَو كَانَ نورا لم يجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله ﴿مثل نوره﴾ فَالْكَلَام عَلَيْهِ من طَرِيقين أَحدهمَا أَن نقُول النَّص فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله قد سمى الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَقد أخبر النَّص أَن الله نور وَأخْبر أَيْضا أَنه يحتجب بِالنورِ فَهَذِهِ ثَلَاثَة أنوار فِي النَّص وَقد تقدم ذكر الأول وَأما الثَّانِي قَوْله ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ وَفِي قَوْله ﴿مثل نوره﴾ وَفِيمَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل وَمِنْه قَوْله

стр. 258

ص = فِي دُعَاء الطَّائِف أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَن ينزل بِي سخطك أَو يحل عَليّ غضبك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره وَمِنْه قَول ابْن مَسْعُود إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَمِنْه قَوْله مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ بِأَرْبَع كَلِمَات فَقَالَ إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام يخْفض الْقسْط وَيرْفَع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَهَذَا الحَدِيث فِيهِ ذكر حجابه فَإِن تردد الرَّاوِي فِي لفظ النَّار والنور لَا يمْنَع ذَلِك فَإِن مثل هَذِه النَّار الصافية الَّتِي كلم بهَا مُوسَى يُقَال لَهَا نَار وَنور كَمَا سمى الله نَار الْمِصْبَاح نورا بِخِلَاف النَّار الْمظْلمَة كنار جَهَنَّم فَتلك لَا تسمى نورا فالأقسام ثَلَاثَة إشراق بِلَا إحراق وَهُوَ النُّور الْمَحْض كَالْقَمَرِ وإحراق بِلَا إشراق وَهِي النَّار الْمظْلمَة وَمَا هُوَ نَار وَنور كَالشَّمْسِ ونار المصابيح الَّتِي فِي الدُّنْيَا تُوصَف بالأمرين وَإِذا كَانَ كَذَلِك صَحَّ أَن يكون نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَن يُضَاف إِلَيْهِ النُّور وَلَيْسَ الْمُضَاف هُوَ عين الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالطَّرِيق الثَّانِي أَن يُقَال هَذَا يرد عَلَيْكُم لَا يخْتَص بِمن يُسَمِّيه بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَبَينه فَأَنت إِذا قلت هاد أَو منور أَو غير ذَلِك فالمسمى نورا هُوَ الرب نَفسه لَيْسَ هُوَ النُّور الْمُضَاف إِلَيْهِ فَإِذا قلت هُوَ الْهَادِي فنوره الْهدى جعلت أحد النورين عينا قَائِمَة وَالْآخر صفة فَهَكَذَا يَقُول من يُسَمِّيه نورا وَإِذا كَانَ السُّؤَال يرد على الْقَوْلَيْنِ والقائلين كَانَ تَخْصِيص أَحدهمَا بِأَنَّهُ مُخَالف ظلما ولددا فِي المحاجة أَو جهلا وضلالا عَن الْحق واما مَا ذكره من الْأَقْوَال فَلَا ريب أَن للنَّاس فِيهَا من الْأَقْوَال أَكثر مِمَّا ذكره وَالْمَوْجُود بأيدي الْأمة من الرِّوَايَات الصادقة والكاذبة والآراء الْمُصِيبَة والمخطئة لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَالْكَلَام فِي تَفْسِير أَسمَاء الله وَصِفَاته وَكَلَامه فِيهِ من الغث والسمين مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا رب الْعَالمين وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْحق وَالْعلم وَالدّين وَقد كتبت قَدِيما فِي بعض كتبي لبَعض الأكابر أَن الْعلم مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل والنافع مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فالشأن فِي أَن نقُول علما وَهُوَ النَّقْل والصدق والبحث الْمُحَقق فَإِن مَا سوى ذَلِك وَإِن زخرف مثله بعض النَّاس خزف مُزَوق وَإِلَّا فَبَاطِل مُطلق مِثْلَمَا ذكره فِي هَذِه الْآيَة وَغَيرهَا

стр. 259

وَهَذِه الْكتب الَّتِي يسميها كثير من النَّاس كتب التَّفْسِير فِيهَا كثير من التَّفْسِير منقولات عَن السّلف مكذوبة عَلَيْهِم وَقَول على الله وَرَسُوله بِالرَّأْيِ الْمُجَرّد بل بِمُجَرَّد شُبْهَة قياسية أَو شُبْهَة أدبية فالمفسرون الَّذين ينْقل عَنْهُم لم يسمهم وَمَعَ هَذَا فقد ضعف قَوْلهم بِالْبَاطِلِ فَإِن الْقَوْم فسروا النُّور فِي الْآيَة بِأَنَّهُ الْهَادِي وَلم يفسروا النُّور فِي الْأَسْمَاء الْحسنى والْحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَلَا يَصح تَضْعِيف قَوْلهم بِمَا ضعفه وَنحن مَا ذكرنَا ذَلِك لبَيَان تناقضه وَأَنه لَا يحْتَج علينا بِشَيْء يروج على ذِي لب فَإِن التَّنَاقُض أول مقامات الْفساد وَهَذَا التَّفْسِير قد قَالَه طَائِفَة من الْمُفَسّرين وَأما كَونه ثَابتا عَن ابْن عَبَّاس أَو غَيره فَهَذَا مِمَّا لم يُثبتهُ وَمَعْلُوم أَن فِي كتب التَّفْسِير من النَّقْل عَن ابْن عَبَّاس من الْكَذِب شَيْء كثير من رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح وَغَيره فَلَا بُد من تَصْحِيح النَّقْل لتقوم الْحجَّة فَليُرَاجع كتب التَّفْسِير الَّتِي يحرر فِيهَا النَّقْل مثل تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ الَّذِي ينْقل فِيهِ كَلَام السّلف بِالْإِسْنَادِ وليعرض عَن تَفْسِير مقَاتل بَقِي بن مخلد الأندلسي وَعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم الشَّامي وَعبد بن حميد الْكشِّي وَغَيرهم إِن لم يصعد إِلَى تَفْسِير الإِمَام إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه وَتَفْسِير الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة الَّذين هم أعلم أهل الأَرْض بالتفاسير الصَّحِيحَة عَن النَّبِي ﷺ وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَمَا هُوَ أعلم النَّاس بِحَدِيث النَّبِي ﷺ وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَغير ذَلِك من الْعُلُوم فَأَما أَن يثبت أصلا يَجعله قَاعِدَة بِمُجَرَّد رَأْي فَهَذَا إِنَّمَا ينْفق على الْجُهَّال بالدلائل الأغشام فِي الْمسَائِل وَمثل هَذِه المنقولات الَّتِي لَا يُمَيّز صدقهَا من كذبهَا والمعقولات الَّتِي لَا يُمَيّز صدقهَا من خطئها ضل من ضل من أهل الْمشرق فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْفِقْه والتصوف وَمَا أحسن مَا جَاءَ هَذَا فِي آيَة النُّور الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ نسْأَل الله يَجْعَل لنا نورا ثمَّ نقُول هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي هادي أهل السَّمَاوَات لَا يضرنا وَلَا يُخَالف مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُم قَالُوهُ فِي تَفْسِير الْآيَة الَّتِي ذكر النُّور فِيهَا مُضَافا لم يذكروه فِي تَفْسِير نور مُطلق كَمَا ادعيت أَنْت من وُرُود الحَدِيث بِهِ فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا ثمَّ قَول من قَالَ من السّلف هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا يمْنَع أَن يكون فِي نَفسه نورا فَإِن من عَادَة السّلف فِي تفسيرهم أَن يذكرُوا بعض صِفَات الْمُفَسّر من الْأَسْمَاء أَو بعض أَنْوَاعه وَلَا يُنَافِي ذَلِك ثُبُوت بَقِيَّة الصِّفَات الْمُسَمّى بل قد يكونَانِ متلازمين وَلَا دُخُول لبَقيَّة

стр. 260

الْأَنْوَاع فِيهِ وَهَذَا قد قَرَّرْنَاهُ غير مرّة فِي الْقَوَاعِد الْمُتَقَدّمَة وَمن تدبره علم أَن أَكثر أَقْوَال السّلف فِي التَّفْسِير متفقة غير مُخْتَلفَة مِثَال ذَلِك قَول بَعضهم فِي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم إِنَّه الْإِسْلَام وَقَول آخر إِنَّه الْقُرْآن وَقَول آخر إِنَّه السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَول آخر إِنَّه طَرِيق الْعُبُودِيَّة فَهَذِهِ كلهَا صِفَات لَهُ متلازمة لَا مباينة وتسميته بِهَذِهِ الْأَسْمَاء بِمَنْزِلَة تَسْمِيَة الْقُرْآن وَالرَّسُول بأسمائه بل بِمَنْزِلَة أَسمَاء الله الْحسنى وَمِثَال الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات﴾ فَذكر مِنْهُم صنفا من الْأَصْنَاف وَالْعَبْد يعم الْجَمِيع فالظالم لنَفسِهِ المخل بِبَعْض الْوَاجِب والمقتصد الْقَائِم بِهِ وَالسَّابِق المتقرب بالنوافل بعد الْفَرَائِض وكل من النَّاس يدْخل فِي هَذَا بِحَسب طَرِيقه وَالتَّفْسِير والترجمة بِبَيَان النَّوْع وَالْجِنْس ليقرب الْفَهم على الْمُخَاطب كَمَا قَالَ الأعجمي مَا الْخبز فَقيل لَهُ هَذَا وأشير إِلَى الرَّغِيف فالغرض الْجِنْس لَا هَذَا الشَّخْص فَهَكَذَا تَفْسِير كثير من السّلف وَهُوَ من جنس التَّعْلِيم فَقَوْل من قَالَ نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَلَام صَحِيح فَإِن من مَعَاني كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن يكون هاديا لَهُم أما أَنهم نفوا مَا سوى ذَلِك فَهَذَا غير مَعْلُوم وَأما أَنهم أَرَادوا ذَلِك فقد ثَبت عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَقد تقدم عَن النَّبِي ﷺ من ذكر وَجهه وَفِي رِوَايَة النُّور مَا فِيهِ كِفَايَة فَهَذَا بَيَان معنى غير الْهِدَايَة وَقد أخبر الله فِي كِتَابه أَن الأَرْض تشرق بِنور رَبهَا فَإِذا كَانَت تشرق من نوره كَيفَ لَا يكون هُوَ نورا وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا النُّور الْمُضَاف إِلَيْهِ إِضَافَة خلق وَملك واصطفاء كَقَوْلِه ﴿نَاقَة الله﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه أَحدهَا أَن النُّور لم يضف قطّ إِلَى الله إِذا كَانَ صفة لأعيان قَائِمَة فَلَا يُقَال فِي المصابيح إِنَّهَا نور الله وَلَا فِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَإِنَّمَا يُقَال كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود إِن ربكُم لَيْسَ عِنْده ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه وَفِي الدُّعَاء الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الثَّانِي أَن الْأَنْوَار المخلوقة كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر تشرق لَهَا الأَرْض فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ من نور إِلَّا هُوَ خلق من خلق الله وَكَذَلِكَ من قَالَ منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا يُنَافِي أَنه نور وكل

стр. 261

منور نور فهما متلازمان ثمَّ إِن الله تَعَالَى ضرب مثل نوره الَّذِي فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ بِالنورِ الَّذِي فِي الْمِصْبَاح وَهُوَ فِي نَفسه نور وَهُوَ منور لغيره فَإِذا كَانَ نوره فِي الْقُلُوب هُوَ نور وَهُوَ منور فَهُوَ فِي نَفسه أَحَق بذلك وَقد علم أَن كل مَا هُوَ نور فَهُوَ منور وَأما قَول من قَالَ مَعْنَاهُ منور السَّمَاوَات بالكواكب فَهَذَا إِن أَرَادَ بِهِ قَائِله أَن ذَلِك من معنى كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ لَهُ معنى إِلَّا هَذَا فَهُوَ مُبْطل لِأَن الله أخبر أَنه نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْكَوَاكِب لَا يحصل نورها فِي جَمِيع السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ ﴿مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح﴾ فَضرب الْمثل لنوره الْمَوْجُود فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ نور الْإِيمَان وَالْعلم المُرَاد من الْآيَة لم يضْربهَا على النُّور الْحسي الَّذِي يكون للكواكب وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَمَّا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن بعد الْمُطَالبَة بِصِحَّة النَّقْل وَالظَّن ضعفه عَن ابْن عَبَّاس لأَنهم جعلُوا ذَلِك من مَعَاني النُّور أما أَن يَقُولُوا قَوْله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا التَّنْوِير بالشمس وَالْقَمَر والنجوم فَهَذَا بَاطِل قطعا وَقد قَالَ ﷺ أَنْت نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَمَعْلُوم أَن العميان لَا حَظّ لَهُم فِي ذَلِك وَمن يكون بَينه وَبَين ذَلِك حجاب لَا حَظّ لَهُ فِي ذَلِك والموتى لَا نصيب لَهُم من ذَلِك وَأهل الْجنَّة لَا نصيب لَهُم من ذَلِك فَإِن الْجنَّة لَيْسَ فِيهَا شمس وَلَا قمر كَيفَ وَقد رُوِيَ أَن أهل الْجنَّة يعلمُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار بأنوار تظهر من الْعَرْش مثل ظُهُور الشَّمْس لأهل الدُّنْيَا فَتلك الْأَنْوَار خَارِجَة عَن الشَّمْس وَالْقَمَر وَأما قَوْله قد قيل بالأدلة والحجج فَهَذَا بعض معنى الْهَادِي وَقد تقدم الْكَلَام على قَوْله هَذَا يبطل قَوْله أَن التَّأْوِيل دفع للظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف فَإِن هَذَا الْكَلَام مَكْذُوب عَليّ وَقد ثَبت تنَاقض صَاحبه وَأَنه لم يذكر عَن السّلف إِلَّا مَا اعْترف بضعفه وَأما الَّذِي أقوله الْآن وأكتبه وَإِن كنت لم أكتبه فِيمَا تقدم من أجوبتي وَإِنَّمَا أقوله فِي كثير من الْمجَالِس إِن جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من آيَات الصِّفَات فَلَيْسَ عَن الصَّحَابَة اخْتِلَاف فِي تَأْوِيلهَا وَقد طالعت التفاسير المنقولة عَن الصَّحَابَة وَمَا رَوَوْهُ من الحَدِيث ووقفت من ذَلِك على مَا شَاءَ الله تَعَالَى من الْكتب الْكِبَار وَالصغَار أَكثر من مائَة تَفْسِير فَلم أجد إِلَى سَاعَتِي هَذِه عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه أول شَيْئا من آيَات الصِّفَات أَو أَحَادِيث الصِّفَات بِخِلَاف مقتضاها الْمَفْهُوم الْمَعْرُوف بل عَنْهُم من تَقْرِير ذَلِك وتثبيته وَبَيَان أَن ذَلِك من صِفَات الله مَا يُخَالف كَلَام المتأولين مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَكَذَلِكَ فِيمَا يذكرُونَهُ آثرين وذاكرين عَنْهُم شَيْء

стр. 262

كثير وَتَمام هَذَا أَنِّي لم أجدهم تنازعوا إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَطَائِفَة أَن المُرَاد بِهِ الشدَّة أَن الله يكْشف عَن الشدَّة فِي الْآخِرَة وَعَن أبي سعيد وَطَائِفَة أَنهم عدوها فِي الصِّفَات للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سعيد فِي الصحيين وَلَا ريب أَن ظَاهر الْقُرْآن يدل على أَن هَذِه من الصِّفَات فَإِنَّهُ قَالَ ﴿يَوْم يكْشف عَن سَاق﴾ نكرَة فِي الْإِثْبَات لم يضفها إِلَى الله وَلم يقل عَن سَاقه فَمَعَ عدم التَّعْرِيف بِالْإِضَافَة لَا يظْهر أَنه من الصِّفَات إِلَّا بِدَلِيل آخر وَمثل هَذَا لَيْسَ بِتَأْوِيل إِنَّمَا التَّأْوِيل صرف الْآيَة عَن مدلولها ومفهومها وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوف وَلَكِن كثيرا من هَؤُلَاءِ يجْعَلُونَ اللَّفْظ على مَا لَيْسَ مدلولا لَهُ ثمَّ يُرِيدُونَ صرفه عَنهُ ويجعلون هَذَا تَأْوِيلا وَهَذَا خطأ من وَجْهَيْن كَمَا قدمنَا غير مرّة وَأما قَوْله لَو كَانَ نورا حَقِيقَة كَمَا تَقوله المشبهة لوَجَبَ أَن يكون الضياء لَيْلًا وَنَهَارًا على الدَّوَام فَنحْن نقُول بِمُوجب مَا ذكره من هَذَا القَوْل فَإِن المشبهة يَقُولُونَ إِنَّه نور كَالشَّمْسِ وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء فَإِنَّهُ لَيْسَ كشيء من الْأَنْوَار كَمَا أَن ذَاته لَيست كشيء من الذوات لَكِن مَا ذكره لَهُ حجَّة عَلَيْهِم فَإِنَّهُ يُمكن أَن يكون نورا يَحْجُبهُ عَن خلقه كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث حجابه النُّور أَو النَّار لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه لَكِن غلط هُنَا فِي النَّقْل وَهُوَ إِضَافَة هَذَا القَوْل إِلَى المشبهة فَإِن هَذَا من أَقْوَال الْجَهْمِية المعطلة أَيْضا كالمريسي فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول إِنَّه نور وَهُوَ كَبِير الْجَهْمِية وَإِن كَانَ قَصده بالمشبهة من أثبت أَن الله نور حَقِيقَة فالمثبتة للصفات كلهم عِنْده مشبهة وَهَذِه لُغَة الْجَهْمِية الْمَحْضَة يسمون كل من أثبت الصِّفَات مشبها فقد قدمنَا أَن ابْن كلاب والأشعري وَغَيرهمَا ذكرا أَن نفي كَونه نورا فِي نَفسه هُوَ قَول الْجَهْمِية والمعتزلة وأنهما أثبتا أَنه نور وقررا ذَلِك هما وأكابر أصحابهما فَكيف بِأَهْل الحَدِيث وأئمة السّنة وَأول هَؤُلَاءِ الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وبأسمائه

стр. 263

وَصِفَاته وَرَسُول الله ﷺ وَقد أجَاب النَّبِي ﷺ على هَذَا السُّؤَال الَّذِي عَارض بِهِ الْمُعْتَرض فَقَالَ ﷺ حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَأخْبر أَنه حجب عَن الْمَخْلُوقَات بحجابه النُّور أَن تدركها سبحات وَجهه وَأَنه لَو كشف ذَلِك الْحجاب لأحرقت سبحات وَجهه مَا أدْركهُ بَصَره من خلقه فَهَذَا الْحجاب عَن إحراق السبحات يبين مَا يُرَاد فِي هَذَا الْمقَام وَأما مَا ذكره عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَته الْأُخْرَى فَمَعْنَاه بعض الْأَنْوَار الحسية وَمَا ذكره من كَلَام العارفين فَهُوَ بعض مَعَاني هدايته لِعِبَادِهِ وَإِنَّمَا ذَلِك تنويع بعض الْأَنْوَاع بِحَسب حَاجَة المخاطبين كَمَا ذَكرْنَاهُ من عَادَة السّلف أَن يُفَسِّرهَا بِذكر بعض الْأَنْوَاع يَقع على سَبِيل التَّمْثِيل لحَاجَة المخاطبين لَا على سَبِيل الْحصْر والتحديد فقد تبين أَن جَمِيع مَا ذكر من الْأَقْوَال يرجع إِلَى مَعْنيين من مَعَاني كَونه نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ فِي ذَلِك دلَالَة على أَنه فِي نَفسه لَيْسَ بِنور

стр. 264

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سُورَة غَافِر فصل قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام فَقيل لَهُ قَوْله إِذا جف الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن فَمَا معنى قَوْله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَإِن كَانَ الدُّعَاء أَيْضا مِمَّا هُوَ كَائِن فَمَا فَائِدَة الْأَمر بِهِ وَلَا بُد من وُقُوعه فَيُقَال الدُّعَاء فِي اقتضائه الْإِجَابَة كَسَائِر الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي اقتضائها الإثابة وكسائر الْأَسْبَاب فِي اقتضائه المسببات وَمن قَالَ إِن الدُّعَاء عَلامَة وَدلَالَة مَحْضَة على حُصُول الْمَطْلُوب المسؤول لَيْسَ بِسَبَب أَو هُوَ عبَادَة مَحْضَة لَا أثر لَهُ فِي حُصُول الْمَطْلُوب وجودا وَلَا عدما بل مَا يحصل بِالدُّعَاءِ يحصل بِدُونِهِ فهما قَولَانِ ضعيفان فَإِن الله علق الْإِجَابَة بِهِ تَعْلِيق الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ كَقَوْلِه ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو الله بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ بهَا إِحْدَى خِصَال ثَلَاث إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدّخر لَهُ من الْخَيْر مثلهَا وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من الشَّرّ مثلهَا قَالُوا يَا رَسُول الله إِذا نكثر قَالَ الله أَكثر فعلق العطايا بِالدُّعَاءِ تَعْلِيق الْوَعْد وَالْجَزَاء بِالْعَمَلِ الْمَأْمُور بِهِ وَقَالَ عمر بن الْخطاب إِنِّي لَا أحمل هم الْإِجَابَة وَإِنَّمَا أحمل هم الدُّعَاء فَإِذا ألهمت الدُّعَاء فَإِن الْإِجَابَة مَعَه وأمثال ذَلِك كثير وَأَيْضًا فالواقع الْمَشْهُود يدل على ذَلِك وَبَينه كَمَا يدل على ذَلِك مثله فِي سَائِر أَسبَاب وَقد أخبر سُبْحَانَهُ من ذَلِك مَا أخبر بِهِ فِي مثل قَوْله ﴿وَلَقَد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾ وَقَوله تَعَالَى

стр. 265

﴿وَذَا النُّون إِذْ ذهب مغاضبا فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَات أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين فاستجبنا لَهُ ونجيناه من الْغم وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى عَن زَكَرِيَّا ﴿رب لَا تذرني فَردا وَأَنت خير الْوَارِثين فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته الْجوَار فِي الْبَحْر كالأعلام إِن يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور أَو يوبقهن بِمَا كسبوا ويعف عَن كثير وَيعلم الَّذين يجادلون فِي آيَاتنَا مَا لَهُم من محيص﴾ فَأخْبر أَنه إِن شَاءَ أوبقهن فَاجْتمع أَخذهم بِذُنُوبِهِمْ وعفوه عَن كثير مِنْهَا مَعَ علم المجادلين فِي آيَاته أَنه مَا لَهُم من محيص لِأَنَّهُ فِي مثل هَذَا الْحَال يعلم المورد للشبهات فِي الدَّلَائِل الدَّالَّة على ربوبية الرب وَقدرته ومشيئته وَرَحمته أَنه لَا مخلص لَهُ مِمَّا وَقع فِيهِ كَقَوْلِه فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال﴾ فَإِن المعارف الَّتِي تحصل فِي النَّفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف الَّتِي ينتجها مُجَرّد النّظر القياسي الَّذِي ينزاح عَن النُّفُوس فِي مثل هَذِه الْحَال هَل الرب مُوجب بِذَاتِهِ فَلَا يكون هُوَ الْمُحدث للحوادث ابْتِدَاء وَلَا يُمكنهُ أَن يحدث شَيْئا وَلَا يُغير الْعَالم حَتَّى يدعى وَيسْأل وَهل هُوَ عَالم بالتفصيل والإجمال وقادر على تصريف الْأَحْوَال حَتَّى يسْأَل التَّحْوِيل من حَال إِلَى حَال أَو لَيْسَ كَذَلِك كَمَا يزعمه من المتفلسفة وَغَيرهم من الضلال فيجتمع مَعَ الْعقُوبَة وَالْعَفو من ذِي الْجلَال علم أهل المراء والجدال أَنه لَا محيص لَهُم عَمَّا أوقع بِمن جادلوا فِي آيَاته وَهُوَ شَدِيد الْمحَال وَقد تكلمنا على هَذَا وأشباهه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من المقالات والديانات فِي غير هَذَا الْموضع وَالْمَقْصُود هُنَا أَن يعلم أَن الدُّعَاء وَالسُّؤَال هُوَ سَبَب لنيل الْمَطْلُوب المسؤول لَيْسَ وجوده كَعَدَمِهِ فِي ذَلِك وَلَا هُوَ عَلامَة مَحْضَة كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَإِن كَانَ قد نَازع فِي ذَلِك طوائف من أهل الْقبْلَة وَغَيرهم مَعَ أَن ذَلِك يقربهُ جَمَاهِير بني آدم من الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوس وَالْمُشْرِكين لَكِن طوائف من الْمُشْركين وَالصَّابِئِينَ من المتفلسفة الْمَشَّائِينَ اتِّبَاع

стр. 266

أرسطو وَمن تبعه من متفلسفة أهل الْملَل كالفارابي وَابْن سينا وَمن سلك سبيلهما مِمَّن خلط ذَلِك بالْكلَام والتصوف وَالْفِقْه وَنَحْو هَؤُلَاءِ يَزْعمُونَ أَن تَأْثِير الدُّعَاء فِي نيل الْمَطْلُوب كَمَا يزعمونه فِي تَأْثِير سَائِر الممكنات الْمَخْلُوقَات من القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون مَا يَتَرَتَّب على الدُّعَاء هُوَ من تَأْثِير النُّفُوس البشرية من غير أَن يثبتوا للخالق سُبْحَانَهُ بذلك علما مفصلا أَو قدرَة على تَغْيِير الْعَالم أَو أَن يثبتوا أَنه لَو شَاءَ أَن يفعل غير مَا فعل لأمكنه ذَلِك فَلَيْسَ هُوَ عِنْدهم قَادِرًا على إِن يجمع عِظَام الْإِنْسَان وَيُسَوِّي بنانه وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِق لَهَا ولقواها فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أما قَوْله وَإِن كَانَ الدُّعَاء مِمَّا هُوَ كَائِن فَمَا فَائِدَة الْأَمر بِهِ وَلَا بُد من وُقُوعه فَيُقَال الدُّعَاء الْمَأْمُور بِهِ لَا يجب كونا بل أذا أَمر الله الْعباد بِالدُّعَاءِ فَمنهمْ من يطيعه فيستجاب لَهُ دعاؤه وينال طلبته وَيدل ذَلِك على أَن الْمَعْلُوم الْمَقْدُور هُوَ الدُّعَاء والإجابة وَمِنْهُم من يعصيه فَلَا يَدْعُو فَلَا يحصل مَا علق بِالدُّعَاءِ فَيدل ذَلِك على أَنه لَيْسَ فِي الْمَعْلُوم الْمَقْدُور الدُّعَاء وَلَا الْإِجَابَة فالدعاء الْكَائِن هُوَ الَّذِي تقدم الْعلم بِأَنَّهُ كَائِن وَالدُّعَاء الَّذِي لَا يكون هُوَ الَّذِي تقدم الْعلم بِأَنَّهُ لَا يكون فَإِن قيل فَمَا فَائِدَة الْأَمر فِيمَا علم أَنه يكون من الدُّعَاء قيل الْأَمر هُوَ سَبَب ايضا فِي امْتِثَال الْمَأْمُور بِهِ كَسَائِر الْأَسْبَاب فالدعاء سَبَب يدْفع الْبلَاء فَإِذا كَانَ أقوى مِنْهُ دَفعه وَإِن كَانَ سَبَب الْبلَاء أقوى لم يَدْفَعهُ لَكِن يخففه ويضعفه وَلِهَذَا أَمر عِنْد الْكُسُوف والآيات بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق وَالله أعلم

стр. 267

٥٢٧ - بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سُورَة الذاريات فصل سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَقَالَ ﵀ قَالَ السَّائِل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ إِن كَانَت هَذِه اللَّام للصيرورة فِي عَاقِبَة الْأَمر فَمَا صَار ذَلِك وَإِن كَانَت اللَّام للغرض لزم أَن لَا يتَخَلَّف أحد من المخلوقين عَن عِبَادَته وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَمَا التَّخَلُّص من هَذَا الْمضيق فَيُقَال هَذِه اللَّام لَيست هِيَ اللَّام الَّتِي يسميها النُّحَاة لَام الْعَاقِبَة والصيرورة وَلم يقل ذَلِك أحد هُنَا كَمَا ذكره السَّائِل من أَن ذَلِك لم يصر إِلَى على قَول من يُفَسر يعْبدُونَ بِمَعْنى يعْرفُونَ يَعْنِي الْمعرفَة الَّتِي أَمر بهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر لَكِن هَذَا قَول ضَعِيف وَإِنَّمَا زعم بعض النَّاس ذَلِك فِي قَوْله ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ الَّتِي فِي آخر سُورَة هود فَإِن بعض الْقَدَرِيَّة زعم أَن تِلْكَ اللَّام لَام الْعَاقِبَة والصيرورة أَي صَارَت عاقبتهم إِلَى الرَّحْمَة وَإِلَى الِاخْتِلَاف وَإِن لم يقْصد ذَلِك الْخَالِق وَجعلُوا ذَلِك كَقَوْلِه ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ وَقَول الشَّاعِر ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب ... وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف هُنَا لِأَن لَام الْعَاقِبَة إِنَّمَا تَجِيء فِي حق من لَا يكون عَالما بعواقب الْأُمُور

стр. 268

ومصايرها فيفعل الْفِعْل الَّذِي لَهُ عَاقِبَة لَا يعلمهَا كآل فِرْعَوْن فَأَما من يكون عَالما بعواقب الْأَفْعَال ومصايرها فَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ أَن يفعل فعلا لَهُ عَاقِبَة لَا يعلم عاقبته وَإِذا علم أَن فعله لَهُ عَاقِبَة فَلَا يقْصد بِفِعْلِهِ مَا يعلم أَنه لَا يكون فَإِن ذَلِك تمن وَلَيْسَ بِإِرَادَة وَأما اللَّام فَهِيَ اللَّام الْمَعْرُوفَة وَهِي لَام كي وَلَام التَّعْلِيل الَّتِي إِذا حذفت انتصب الْمصدر الْمَجْرُور بهَا على الْمَفْعُول لَهُ وَتسَمى الْعلَّة الغائية وَهِي مُتَقَدّمَة فِي الْعلم والإرادة مُتَأَخِّرَة فِي الْوُجُود والحصول وَهَذِه الْعلَّة هِيَ المُرَاد الْمَطْلُوب الْمَقْصُود من الْفِعْل لَكِن يَنْبَغِي أَن يعرف أَن الْإِرَادَة فِي كتاب الله على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا الْإِرَادَة الكونية وَهِي الْإِرَادَة المستلزمة لوُقُوع المُرَاد الَّتِي يُقَال فِيهَا مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَهَذِه الْإِرَادَة فِي مثل قَوْله ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ وَقَوله ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِن الله يفعل مَا يُرِيد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا إِذْ دخلت جنتك قلت مَا شَاءَ الله لَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه﴾ وأمثال ذَلِك وَهَذِه الْإِرَادَة هِيَ مَدْلُول اللَّام فِي قَوْله ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾ قَالَ السّلف خلق فريقا للِاخْتِلَاف وفريقا للرحمة وَلما كَانَت الرَّحْمَة هُنَا الْإِرَادَة وَهُنَاكَ كونية وَقع المُرَاد بهَا فقوم اخْتلفُوا وَقوم رحموا وَأما النَّوْع الثَّانِي فَهُوَ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهِي محبَّة المُرَاد وَرضَاهُ ومحبة أَهله وَالرِّضَا عَنْهُم وجزاهم بِالْحُسْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم﴾ وَقَوله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾

стр. 269

فَهَذِهِ الْإِرَادَة لَا تَسْتَلْزِم وُقُوع المُرَاد إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ النَّوْع الأول من الْإِرَادَة وَلِهَذَا كَانَت الْأَقْسَام أَرْبَعَة أَحدهَا مَا تعلّقت بِهِ الإرادتان وَهُوَ مَا وَقع فِي الْوُجُود من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فَإِن الله أرادة إِرَادَة دين وَشرع فَأمر بِهِ وأحبه ورضيه وأراده إِرَادَة كَون فَوَقع وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَ وَالثَّانِي مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة فَقَط وَهُوَ مَا أَمر الله بِهِ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة فعصى ذَلِك الْأَمر الْكفَّار والفجار فَتلك كلهَا إِرَادَة دين وَهُوَ يُحِبهَا ويرضاها لَو وَقعت وَلَو لم تقع وَالثَّالِث مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة الكونية فَقَط وَهُوَ مَا قدره وشاءه من الْحَوَادِث الَّتِي لم يَأْمر بهَا كالمباحات والمعاصي فَإِنَّهُ لم يَأْمر بهَا وَلم يرضها وَلم يُحِبهَا إِذْ هُوَ لَا يَأْمر بالفحشاء وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَلَوْلَا مَشِيئَته وَقدرته وخلقه لَهَا لما كَانَت وَلما وجدت فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَالرَّابِع مَا لم تتَعَلَّق بِهِ هَذِه الْإِرَادَة وَلَا هَذِه فَهَذَا مَا لم يكن من أَنْوَاع الْمُبَاحَات والمعاصي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمُقْتَضى اللَّام فِي قَوْله ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ هَذِه الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة وَهَذِه قد يَقع مرادها وَقد لَا يَقع فَهُوَ الْعَمَل الَّذِي خلق الْعباد لَهُ أَي هُوَ الَّذِي يحصل كمالهم وصلاحهم الَّذِي بِهِ يكونُونَ مرضيين محبوبين فَمن لم تحصل مِنْهُ هَذِه الْغَايَة كَانَ عادما لما يحب ويرضى وَيُرَاد لَهُ الْإِرَادَة الدِّينِيَّة الَّتِي فِيهَا سعادته ونجاته وعادما لكماله وصلاحه الْعَدَم المستلزم فَسَاده وعذابه وَقَول من قَالَ الْعِبَادَة هِيَ الْعَزِيمَة أَو الفطرية فَقَوْلَانِ ضعيفان فاسدان يظْهر فسادهما من وُجُوه مُتعَدِّدَة وَالله أعلم تمّ الْجُزْء الرَّابِع وَبِه تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين واللهم اجْعَلْهُ لنا لَا علينا وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وَسلم آمين

стр. 270

سُورَة الانسان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِه نستعين (فصل) عرض مُجمل للسورة اعْلَم أَن سُورَة ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان﴾ سُورَة عَجِيبَة الشَّأْن من سور الْقُرْآن على اختصارها فَإِن الله سُبْحَانَهُ ابتدأها بِذكر كَيْفيَّة خلق الانسان من النُّطْفَة ذَات الأمشاج والاخلاط الَّتِي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفهُ عَلَيْهَا أطوارا وينقله من حَال إِلَى حَال إِلَى أَن تمت خلقته وكملت صورته فَأخْرجهُ انسانا سويا سميعا بَصيرًا ثمَّ لما تَكَامل تَمْيِيزه وادراكه هداه طريقي الْخَيْر وَالشَّر وَالْهدى والضلال وَأَنه بعد هَذِه الْهِدَايَة اما أَن يشْكر ربه واما أَن يكفره ثمَّ ذكر مآل أهل الشُّكْر وَالْكفْر وَمَا أعد لهَؤُلَاء وَهَؤُلَاء وَبَدَأَ أَولا بِذكر عَاقِبَة أهل الْكفْر ثمَّ عَاقِبَة أهل الشُّكْر وَفِي آخر السُّورَة ذكر أَولا أهل الرَّحْمَة ثمَّ أهل الْعَذَاب فَبَدَأَ السُّورَة بِأول أَحْوَال الْإِنْسَان وَهِي النُّطْفَة وختمها بآخر أَحْوَاله وَهِي كَونه من أهل الرَّحْمَة أَو الْعَذَاب ووسطها بأعمال الْفَرِيقَيْنِ فَذكر أَعمال أهل الْعَذَاب مجملة فِي قَوْله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ﴾ سُورَة الانسان ٤ وأعمال أهل الرَّحْمَة مفصلة وجزاءهم مفصلا فتضمنت السُّورَة خلق الْإِنْسَان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ

стр. 271

والمعاد والخلق وَالْأَمر وهما الْقُدْرَة وَالشَّرْع وتضمنت إِثْبَات السَّبَب وَكَون العَبْد فَاعِلا مرِيدا حَقِيقَة وَأَن فاعليته ومشيئته إِنَّمَا هِيَ بِمَشِيئَة الله فَفِيهَا الرَّد على الطَّائِفَتَيْنِ الْقَدَرِيَّة والجبرية وفيهَا ذكر أَقسَام بني آدم كلهم فأنهم أما أهل شمال وهم الْكفَّار أَو أهل يَمِين وهم نَوْعَانِ أبرار ومقربون وَذكر سُبْحَانَهُ أَن شراب الابرار يمزج من شراب عباده المقربين لأَنهم مزجوا أَعْمَالهم ويشربه المقربون صرفا خَالِصا كَمَا أَخْلصُوا أَعْمَالهم وَجعل سُبْحَانَهُ شراب المقربين من الكافور الَّذِي فِيهِ من التبريد وَالْقُوَّة مَا يُنَاسب برد الْيَقِين وقوته لما حصل لقُلُوبِهِمْ وَوصل إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا فِي ذَلِك من مُقَابلَته للسعير وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن لَهُم شرابًا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فِيهِ من طيب الرَّائِحَة وَلَذَّة الطّعْم والحرارة الَّتِي توجب تغير برد الكافور واذابة الفضلات وتطهير الاجواف وَلِهَذَا وَصفه سُبْحَانَهُ بِكَوْنِهِ شرابًا طهُورا أَي مطهرا لبطونهم فوصفهم سُبْحَانَهُ بِجَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَمَا قَالَ ﴿ولقاهم نَضرة وسرورا﴾ الْآيَة ١١ فالنضرة جمال وُجُوههم وَالسُّرُور جمال قُلُوبهم كَمَا قَالَ ﴿تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ سُورَة المطففين ٢٤ وَقَرِيب من هَذَا قَول امْرَأَة الْعَزِيز فِي يُوسُف ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم﴾ سُورَة يُوسُف ٣٢ فَأخْبرت بِجَمَال ظَاهره حِين أشارت إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَلَيْهِنَّ ثمَّ ضمت إِلَى ذَلِك اخبارهم بِأَن بَاطِنه أجمل من ظَاهره بِأَنِّي راودته فَأبى إِلَّا الْعِفَّة وَالْحيَاء والاستعصام ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ من أَعمال الْأَبْرَار مَا ينتبه سامعه على جمعهم لأعمال الْبر كلهَا فَذكر سُبْحَانَهُ وفاءهم بِالنذرِ وخوفهم من رَبهم واطعامهم الطَّعَام على محبتهم لَهُ واخلاصهم لرَبهم فِي طاعتهم وَذكر سُبْحَانَهُ الْوَفَاء بِالنذرِ وَهُوَ أَضْعَف الْوَاجِبَات فَإِن العَبْد هُوَ الَّذِي اوجبه على نَفسه الْتِزَامه فَهُوَ دون مَا أوجبه الله سُبْحَانَهُ وَعَلِيهِ فَإِذا (وفى) لله بأضعف الواجبين الَّذِي الْتَزمهُ هُوَ فَهُوَ بِأَن يُوفى بِالْوَاجِبِ الاعظم الَّذِي اوجبه الله عَلَيْهِ أولى وَأَحْرَى

стр. 272

وَمن هَهُنَا قَالَ من قَالَ من الْمُفَسّرين المقربون يُوفونَ بِطَاعَة الله ويقومون بِحقِّهِ عَلَيْهِم وَذَلِكَ أَن العَبْد إِذا نذر لله طَاعَة فوفى بهَا فَإِنَّمَا يفعل ذَلِك لكَونهَا صَارَت حَقًا لله يجب الْوَفَاء بهَا وَهَذَا مَوْجُود فِي حُقُوقه كلهَا فَهِيَ فِي ذَلِك سَوَاء ثمَّ أخبر عَنْهُم بِأَنَّهُم يخَافُونَ الْيَوْم العسير القمطرير وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَفِي ضمن هَذَا الْخَوْف إِيمَانهم بِالْيَوْمِ الآخر وكفهم عَن الْمعاصِي الَّتِي تَضُرهُمْ فِي ذَلِك الْيَوْم وقيامهم بالطاعات الَّتِي يَنْفَعهُمْ فعلهَا ويضرهم تَركهَا فِي ذَلِك الْيَوْم ثمَّ أخبر عَنْهُم باطعام الطَّعَام على محبتهم لَهُ وَذَلِكَ يدل على نفاسته عِنْدهم وحاجتهم إِلَيْهِ وَمَا كَانَ كَذَلِك فالنفوس بِهِ أشح والقلوب بِهِ أعلق وَالْيَد لَهُ أمسك فَإِذا بذلوه فِي هَذِه الْحَال فهم لما سواهُ من حُقُوق الْعباد أبذل فَذكر من حُقُوق الْعباد بذل قوت النَّفس على نفاسته وَشدَّة الْحَاجة منبها على الْوَفَاء بِمَا دونه كَمَا ذكر من حُقُوقه الْوَفَاء بِالنذرِ منبها على الْوَفَاء بِمَا هُوَ فَوْقه وَأوجب مِنْهُ وَنبهَ بقوله ﴿على حبه﴾ الْآيَة ٨ أَنه لَوْلَا أَن الله سُبْحَانَهُ أحب إِلَيْهِم مِنْهُ لما آثروه على مَا يحبونه فآثروا المحبوب الْأَعْلَى على الْأَدْنَى ثمَّ ذكر أَن مصرف طعامهم إِلَى الْمِسْكِين واليتيم والأسير الَّذين لَا قُوَّة لَهُم ينصرونهم بهَا وَلَا مَال لَهُم يكافئونهم بِهِ وَلَا أهل وَلَا عشيرة يتوقعون مِنْهُم مكافأتهم كَمَا يَقْصِدهُ أهل لدُنْيَا والمعاوضون بانفاقهم واطعامهم ثمَّ أخبر عَنْهُم أَنهم إِنَّمَا فعلوا ذَلِك لوجه الله وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ من أطعموه عوضا من أَمْوَالهم وَلَا ثَنَاء عَلَيْهِم بألسنتهم كَمَا يُريدهُ من لَا اخلاص لَهُ باحسانه إِلَى النَّاس من معاوضتهم أَو الشكُور مِنْهُم فتضمن ذَلِك الْمحبَّة والاخلاص والاحسان ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِمَا صدقهم عَلَيْهِ قبل أَن يقولوه حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا عبوسا قمطريرا﴾ الْآيَة ١٠ فَصَدَّقَهُمْ قبل قَوْلهم إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿يُوفونَ بِالنذرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ الْآيَة ٧ ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ وقاهم شَرّ مَا يخافونه ولقاهم فَوق مَا كَانُوا يأملونه وَذكر سُبْحَانَهُ أَصْنَاف النَّعيم الَّذِي حباهم بِهِ من المساكن والملابس والمجالس وَالثِّمَار

стр. 273

وَالشرَاب والخدم وَالنَّعِيم وَالْملك الْكَبِير وَلما كَانَ فِي الصَّبْر من حبس النَّفس والخشونة الَّتِي تلْحق الظَّاهِر وَالْبَاطِن من التَّعَب وَالنّصب والحرارة مَا فِيهِ كَانَ الْجَزَاء عَلَيْهِ بِالْجنَّةِ الَّتِي فِيهَا السعَة وَالْحَرِير الَّذِي فِيهِ اللين والنعومة والاتكاء الَّذِي يتَضَمَّن الرَّاحَة والظلال المنافية للْحرّ ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ لون ملابس (الابرار) وَإِنَّهَا ثِيَاب سندس خضر واستبرق وحليتهم وَأَنَّهَا أساور من فضَّة فَهَذِهِ زِينَة ظواهرهم ثمَّ ذكر زينه بواطنهم وَهُوَ الشَّرَاب الطّهُور وَهُوَ بِمَعْنى التَّطْهِير فَإِن قيل فَلم اقْتصر من آنيتهم وحليتهم على الْفضة دون الذَّهَب وَمَعْلُوم ان الْجنان جنتان من فضَّة آنيتهما وحليتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب آنتيهما وحليتهما وَمَا فيهمَا قيل سِيَاق هَذِه الْآيَات إِنَّمَا هُوَ فِي وصف الْأَبْرَار ونعيمهم مفصلا دون تَفْصِيل جَزَاء المقربين فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَشَارَ اليه أشارة تنبه على مَا سكت عَنهُ وَهُوَ أَن شراب الْأَبْرَار يمزج من شرابهم فالسورة مسوقة بِصفة الْأَبْرَار وجزائهم على التَّفْصِيل وَذَلِكَ وَالله أعلم لأَنهم أَعم من المقربين وَأكْثر مِنْهُم وَلِهَذَا يخبر سُبْحَانَهُ عَنْهُم بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين وَعَن المقربين السَّابِقين بِأَنَّهُم ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين وَأَيْضًا فَإِن فِي ذكر جَزَاء الْأَبْرَار تَنْبِيها على أَن جَزَاء المقربين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذك أهل الْكفْر وَأهل الشُّكْر وَأهل الشُّكْر نَوْعَانِ أبرار أهل يَمِين ومقربون سَابِقُونَ وكل مقرب سَابق فَهُوَ من الابرار وَلَا ينعكس فاسم الابرار والمقربين كاسم الاسلام والايمان أَحدهمَا أَعم من الآخر وَأَيْضًا فَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أخبر أَن هَذَا جَزَاء سَعْيهمْ المشكور وكل من الابرار والمقربين سَعْيهمْ مشكور فَذكر سُبْحَانَهُ السَّعْي المشكور وَالسَّعْي المسخوط

стр. 274

ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ نبيه ﷺ بِمَا أنعم عَلَيْهِ من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ وَأمره بِأَن يصبر لحكمه وَهُوَ يعم الحكم الديني الَّذِي أمره بِهِ فِي نَفسه وَأمره بتبليغه وَالْحكم الكوني الَّذِي يجْرِي عَلَيْهِ من ربه فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ امتحن عباده وابتلاهم بأَمْره وَنَهْيه وَهُوَ حكمه الديني وابتلاهم بِقَضَائِهِ وَقدره وَهُوَ حكمه الكوني وَفرض عَلَيْهِم الصَّبْر على كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ وَإِن كَانَ الحكم الديني فِي هَذِه الْآيَة أظهر ارادة وَأَنه أَمر بِالصبرِ على تبليغه وَالْقِيَام بحقوقه وَلما كَانَ صبره عَلَيْهِ لَا يتم بمخالفته لمن دَعَاهُ إِلَى خِلَافه من كل آثم أَو كفور نَهَاهُ عَن طَاعَة هَذَا وَهَذَا وأتى بِحرف أَو دون الْوَاو ليدل على أَنه منهى عَن طَاعَة أَيهمَا كَانَ أما هَذَا وَأما هَذَا فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ لَا تُطِع أَحدهمَا وَهُوَ أَعم فِي النَّهْي من كَونه مَنْهِيّا عَن طاعتهما فَإِنَّهُ لَو قيل لَهُ لَا تطعهما أَو لَا تُطِع آثِما وكفورا لم يكن صَرِيحًا فِي النَّهْي عَن طَاعَة كل مِنْهُمَا بمفرده وَلما كَانَ لَا سَبِيل إِلَى الصَّبْر إِلَّا بتعويض الْقلب بِشَيْء هُوَ أحب إِلَيْهِ من فَوَات مَا يصبر عَلَيْهِ فَوته أمره بِأَن يذكر ربه سُبْحَانَهُ بكرَة وَأَصِيلا فَإِن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصَّبْر وَأَن يصبر لرَبه بِاللَّيْلِ فَيكون قِيَامه بِاللَّيْلِ عونا على مَا هُوَ بصدده بِالنَّهَارِ ومادة لقُوته ظَاهرا وَبَاطنا ولنعيمه عَاجلا وآجلا ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَمَّا يمْنَع العَبْد من إِيثَار مَا فِيهِ سعادته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ حب العاجلة وإيثارها على الْآخِرَة تَقْدِيمًا لداعي الْحس على دَاعِي الْعقل ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ خلقهمْ واحكامه واتقانه بِمَا شدّ من أسرهم وَهُوَ ائتلاف الاعضاء والمفاصل والأوصال وَمَا بَينهَا من الرباطات وَشد بَعْضهَا بِبَعْض وَحَقِيقَته الْقُوَّة وَمِنْه قَول الشَّاعِر

стр. 275

.. من كل مجتنب شَدِيد أسره ... سَلس القياد تخاله مختالا ... وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا لَهُ شدّ ورباط وَمِنْه الاسار وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الْأَسير ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ أَنه قَادر على أَن يُبدل امثالهم بعد مَوْتهمْ وَأَنه شَاءَ ذَلِك فعله واذا للمحقق فَهَذَا التبديل وَاقع لَا محَالة فَهُوَ الاعادة الَّتِي هِيَ مثل الْبدَاءَة هَذَا هُوَ معنى الْآيَة وَمن قَالَ غير ذَلِك لم يصب مَعْنَاهَا وَلَا توحشك لَفْظَة الْمثل فَإِن الْمعَاد مثل للمبدوء وَإِن كَانَ هُوَ بِعَيْنِه فَهُوَ معاد أَو هُوَ مثله من جِهَة الْمُغَايرَة بَين كَونه مبدءا ومعادا وَهَذَا كَالدَّارِ إِذا تهدمت وأعيدت بِعَينهَا فَهِيَ الأولى وَكَذَلِكَ الصَّلَاة الْمُعَادَة هِيَ الأولى وَهِي مثلهَا وَقد نطق الْقُرْآن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يعيدهم وَيُعِيد امثالهم إِذا شَاءَ وَكِلَاهُمَا وَاحِد فَقَالَ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٢٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وإلينا ترجعون﴾ سُورَة الانبياء ٣٥ وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ سُورَة الرّوم ٢٧ وَقَالَ ﴿أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم بلَى وَهُوَ الخلاق الْعَلِيم﴾ سُورَة يس ٨١ وَقَالَ ﴿إِنَّا لقادرون﴾ ﴿على أَن نبدل أمثالكم وننشئكم فِي مَا لَا تعلمُونَ وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فلولا تذكرُونَ﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٦١ ٦٣ فَهَذَا كُله معاد الْأَبدَان وَقد صرح سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ خلق جَدِيد فِي موضِعين من كِتَابه وَهَذَا الْخلق الْجَدِيد هُوَ الْمثل ثمَّ ختم سُبْحَانَهُ السُّورَة بِالشَّرْعِ وَالْقدر كَمَا افتتحها بالخلق وَالْهِدَايَة فَقَالَ ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ الْآيَة ٢٩ فَهَذَا شَرعه وَمحل أمره وَنَهْيه ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ الْآيَة ٣٠ فَهَذَا قَضَاؤُهُ وَقدره ثمَّ ذكر الاسمين الموجبين

стр. 276

للتخصيص وهما اسْم الْعَلِيم الْحَكِيم وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأخْبر أَن مشيئتهم مَوْقُوفَة على مشيته وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجب ذَلِك حُصُول الْفِعْل مِنْهُم إِذْ أَكثر مَا فِيهِ أَنه جعلهم شائين وَلَا يَقع الْفِعْل إِلَّا حِين يشاؤه مِنْهُم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ ذكره وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سُورَة المدثر ٥٥ ٥٦ وَقَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سُورَة التكوير ٢٨ ٢٩ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَقع الْفِعْل مِنْهُم حَتَّى يُرِيد من نَفسه اعانتهم وتوفيقهم فَهُنَا أَربع ارادات ارادة الْبَيَان وارادة الْمَشِيئَة وارادة الْفِعْل وارادة الاعانة وَالله أعلم آخِره وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا فصل وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ لَا يدل على أَن العَبْد لَيْسَ بفاعل لفعله الِاخْتِيَارِيّ وَلَا أَنه لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ وَلَا أَنه لَيْسَ بمريد بل يدل على أَنه لَا يشاؤه الا من يَشَاء الله وَهَذِه الْآيَة رد على الطَّائِفَتَيْنِ الْمُجبرَة والجهمية والمعتزلة الْقَدَرِيَّة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ فَاثْبتْ للْعَبد مَشِيئَة وفعلا ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ فَبين ان مَشِيئَة معلقه بِمَشِيئَة الله وَالْأولَى رد على الجبرية وَهَذِه رد على الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ قد يَشَاء العَبْد مَا لَا يشاؤه الله كَمَا يَقُولُونَ ان الله يَشَاء مَا لَا يشاؤون وَإِذا قَالُوا المُرَاد بِالْمَشِيئَةِ هُنَا الْأَمر على أصلهم وَالْمعْنَى وَمَا يشاؤون فعل مَا أَمر الله بِهِ ان لم يَأْمر الله بِهِ قيل سِيَاق الْآيَة يبين انه لَيْسَ المُرَاد هَذَا بل المُرَاد وَمَا تشاؤون بعد ان امرتم بِالْفِعْلِ ان تفعلوه الا أَن يَشَاء الله فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون﴾ نفي لمشيئتهم فِي الْمُسْتَقْبل وَكَذَلِكَ قَوْله الا ان يَشَاء الله تَعْلِيق لَهَا بِمَشِيئَة الرب فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن حرف (أَن) تخلص الْفِعْل الْمُضَارع للاستقبال فَالْمَعْنى الا أَن يَشَاء بعد ذَلِك والامر مُتَقَدم على ذَلِك وَهَذَا كَقَوْل الانسان لَا افْعَل هَذَا الا ان يَشَاء الله

стр. 277

وَقد اتّفق السّلف وَالْفُقَهَاء على أَن من حلف فَقَالَ لأصلين غَدا ان شَاءَ الله أَو لأقضين ديني غَدا إِن شَاءَ الله وَمضى الْغَد وَلم يقضه أَنه لَا يَحْنَث وَلَو كَانَت الْمَشِيئَة هِيَ الْأَمر لحنث لِأَن الله أمره بذلك وَهَذَا مِمَّا احْتج بِهِ على الْقَدَرِيَّة وَلَيْسَ لَهُم عَنهُ جَوَاب وَلِهَذَا خرق بَعضهم الاجماع الْقَدِيم وَقَالَ انه يَحْنَث و (ايضا) فَقَوله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ سيق لبَيَان مدح الرب وَالثنَاء عَلَيْهِ بِبَيَان قدرته وَبَيَان حَاجَة الْعباد إِلَيْهِ وَلَو كَانَ المُرَاد لَا يَفْعَلُونَ الا أَن يَأْمُركُمْ لَكَانَ كل امْر بِهَذِهِ المثابة فَلم يكن ذَلِك من خَصَائِص الرب الَّتِي يمدح بهَا وان اريد انهم لَا يَفْعَلُونَ الا بأَمْره كَانَ هَذَا مدحا لَهُم لَا لَهُ

стр. 278

(٢٢) فصل فِي قَوْله النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح بَدَأَ الاسلام غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه إِذا صَار غَرِيبا يجوز تَركه وَالْعِيَاذ بِاللَّه بل الْأَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ آل عمرَان ٣ ٨٥ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ آل عمرَان ٣ ١٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ آل عمرَان ٣ ١٠٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٢ ١٣٠ ١٣٢ وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي مَوضِع آخر وَبينا أَن الانبياء كلهم كَانَ دينهم الاسلام الصَّحِيح حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ان الله نظر إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الْكتاب الحَدِيث وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنه أذا صَار غَرِيبا أَن المتمسك بِهِ يكون فِي شَرّ بل هُوَ أسعد النَّاس كَمَا قَالَ فِي تَمام الحَدِيث فطوبى للغرباء وطوبى من الطّيب قَالَ تَعَالَى ﴿طُوبَى لَهُم وَحسن مآب﴾

стр. 279

الرَّعْد ١٣ ٢٩ فَإِنَّهُ يكون من جنفى السَّابِقين الْأَوَّلين الَّذين اتَّبعُوهُ لما كَانَ غَرِيبا وهم أسعد النَّاس أما فِي الْآخِرَة فهم أَعلَى النَّاس دَرَجَة بعد الانبياء ﵈ وَأما فِي الدُّنْيَا فقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ الانفال ٨ ٦٤ أَي ان الله حَسبك وَحسب متبعك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن وليي الله الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ الْأَعْرَاف ٧ ١٩٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ الزمر ٣٩ ٣٦ وَقَالَ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ الطَّلَاق ٦٥ ٢ ٣ فالمسلم المتبع للرسول الله تَعَالَى حَسبه وكافيه وَهُوَ وليه حَيْثُ كَانَ وَمَتى كَانَ وَلِهَذَا يُوجد الْمُسلمُونَ المتمسكون بالاسلام فِي بِلَاد الْكفْر لَهُم السَّعَادَة كلما كَانُوا أتم تمسكا بالاسلام فَإِن دخل عَلَيْهِم شَرّ كَانَ بِذُنُوبِهِمْ حَتَّى ان الْمُشْركين وَأهل الْكتاب إِذا رَأَوْا الْمُسلم الْقَائِم بالاسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من الْأَعْمَال الَّتِي يستعملون بهَا المنتسبين إِلَى ظَاهر الاسلام من غير عمل بحقيقته لم يكرم وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وَفِي كل وَقت فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يحصل للنَّاس فِي الدُّنْيَا شَرّ وَللَّه على عباده نعم لَكِن الشَّرّ الَّذِي يُصِيب الْمُسلم أقل وَالنعَم الَّتِي تصل إِلَيْهِ أَكثر فَكَانَ الْمُسلمُونَ فِي أول الاسلام وان ابتلوا بأذى الْكفَّار وَالْخُرُوج من الديار فَالَّذِي حصل للْكفَّار الْهَلَاك كَانَ أعظم بِكَثِير وَالَّذِي كَانَ يحصل للْكفَّار من عز أَو مَال كَانَ يحصل للْمُسلمين أَكثر مِنْهُ حَتَّى من الاجانب فَرَسُول الله ﷺ مَعَ مَا كَانَ الْمُشْركُونَ يسعون فِي أَذَاهُ بِكُل طرق كَانَ الله يدْفع عَنهُ ويعزه ويمنعه وينصره من حَيْثُ كَانَ أعز قُرَيْش مَا مِنْهُم الا من كَانَ يحصل لَهُ من يُؤْذِيه ويهينه من لَا يُمكنهُ دَفعه إِذْ لكل كَبِير كَبِير يناظره ويناويه ويعاديه وَهَذِه حَال من

стр. 280

فصل سُورَة اللَّيْل (معنى آيَة ﴿إِن علينا للهدى﴾ ونظيريها من سورتي الْحجر والنحل وَبَيَان اغلاط الْمُفَسّرين فِيهَا) قَالَ شيخ الاسلام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلَام بن تَيْمِية الْحَرَّانِي قدس الله روحه وَنور ضريحه ورحمه فصل فِي آيَات ثَلَاث متناسبة متشابهة اللَّفْظ وَالْمعْنَى يخفى مَعْنَاهَا على أَكثر النَّاس قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ الْحجر ١٥ ٤١ ٤٢ وَقَوله تَعَالَى ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر﴾ النَّحْل ١٦ ٦ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى﴾ اللَّيْل ٩٢ ١٢ ١٣ فَلفظ هَذِه الْآيَات فِيهِ أَن السَّبِيل الْهَادِي هُوَ على الله وَقد ذكر أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي الْآيَة الأولى ثَلَاثَة أَقْوَال بِخِلَاف الْآيَتَيْنِ الآخريين فَإِنَّهُ لم يذكر فيهمَا إِلَّا قَوْله وَاحِدًا فَقَالَ فِي تِلْكَ الْآيَة اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام على ثَلَاثَة أَقْوَال

стр. 281

أَحدهَا انه يَعْنِي بقوله هَذَا الاخلاص فَالْمَعْنى أَن الاخلاص طَرِيق إِلَيّ مُسْتَقِيم وعَلى بِمَعْنى إِلَى وَالثَّانِي هَذَا طَرِيق عَليّ جَوَازه لِأَنِّي بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وَهُوَ خَارج مخرج الْوَعيد كَمَا تَقول للرجل تخاصمه طريقك عَليّ فَهُوَ كَقَوْلِه ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ الْفجْر ٨٩ ١٤ وَالثَّالِث هَذَا صِرَاط على استقامته أَي أَنا ضَامِن لاستقامته بِالْبَيَانِ والبرهان قَالَ وَقَرَأَ قَتَادَة وَيَعْقُوب (هَذَا صِرَاط عَليّ) أَي رفيع (قلت) هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة قد ذكرهَا من قبله كَالثَّعْلَبِيِّ والواحدي وَالْبَغوِيّ وَذكروا قولا رَابِعا فَقَالُوا وَاللَّفْظ لِلْبَغوِيِّ وَهُوَ مُخْتَصر الثَّعْلَبِيّ قَالَ الْحسن مَعْنَاهُ صِرَاط إِلَى مُسْتَقِيم وَقَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع إِلَيّ وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء وَقَالَ الاخفش يَعْنِي على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَقَالَ الْكسَائي هَذَا على التهديد والوعيد كَمَا يَقُول الرجل لمن يخاصمه طريقك عَليّ أَي لَا تفلت مني كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ وَقيل مَعْنَاهُ على استقامته بِالْبَيَانِ والبرهان والتوفيق وَالْهِدَايَة فَذكرُوا الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَذكروا قَول الاخفش على الدّلَالَة على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَهُوَ يشبه القَوْل الْأَخير لَكِن بَينهمَا فرق فَإِن ذَاك يَقُول على استقامته بِإِقَامَة الْأَدِلَّة فَمن سلكه كَانَ على صِرَاط مُسْتَقِيم وَالْآخر يَقُول أَن أدل الْخلق عَلَيْهِ بِإِقَامَة الْحجَج فَفِي كلا الْقَوْلَيْنِ أَنه بَين الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بِنصْف الْأَدِلَّة لَكِن هَذَا جعل عَلَيْهِ الدّلَالَة عَلَيْهِ وَهَذَا جعل عَلَيْهِ استقامته أَي بَيَان استقامته وهما متلازمان وَلِهَذَا وَالله أعلم لم يَجعله أَبُو الْفرج قولا رَابِعا وَذكروا الْقِرَاءَة الْأُخْرَى عَن يَعْقُوب وَغَيره أَي رفيع قَالَ الْبَغَوِيّ وَعبر بَعضهم عَنهُ رفيع أَن ينَال مُسْتَقِيم أَن يمال

стр. 282

(قلت) القَوْل الصَّوَاب هُوَ قَول أَئِمَّة السّلف قَول مُجَاهِد وَنَحْوه فَإِنَّهُم أعلم بمعاني الْقُرْآن لَا سِيمَا مُجَاهِد فَإِنَّهُ قَالَ عرضت الْمُصحف على ابْن عَبَّاس من فاتحته إِلَى خاتمته أقفه عِنْد كل آيَة وأسأله عَنْهَا وَقَالَ الثَّوْريّ إِذا جَاءَك التَّفْسِير عَن مُجَاهِد فحسبك بِهِ وَالْأَئِمَّة كالشافعي وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَنَحْوهم يعتمدون على تَفْسِيره وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحَة أَكثر مَا يَنْقُلهُ من التَّفْسِير يَنْقُلهُ عَنهُ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَعلَى التَّابِعين بِالْبَصْرَةِ وَمَا ذَكرُوهُ عَن مُجَاهِد ثَابت عَنهُ رَوَاهُ النَّاس كَابْن أبي حَاتِم وَغَيره من تَفْسِير وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله (هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم) الْحق يرجع الى الله وَعَلِيهِ طَريقَة لَا يعرج على شَيْء وَذكر عَن قَتَادَة أَنه فَسرهَا على قِرَاءَته وَهُوَ يقْرَأ عَليّ فَقَالَ أَي رفيع مُسْتَقِيم وَكَذَلِكَ ذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّلف أَنهم فسروا آيَة النَّحْل فروى من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد قَوْله ﴿قصد السَّبِيل﴾ قَالَ طَرِيق الْحق على الله قَالَ وروى السّديّ أَنه قَالَ الاسلام وَعَطَاء قَالَ هِيَ طَرِيق الْجنَّة فَهَذِهِ الْأَقْوَال قَول مُجَاهِد وَالسُّديّ وَعَطَاء فِي هَذِه الْآيَة هِيَ مثل قَول مُجَاهِد وَالْحسن فِي تِلْكَ الْآيَة وَذكر ابْن أبي الحاتم من تَفْسِير الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ يَقُول على الله الْبَيَان أَن يبين الْهدى والضلالة وَذكر ابْن أبي حَاتِم فِي هَذِه الْآيَة قَوْلَيْنِ وَلم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول مُجَاهِد فَقَط وَابْن الْجَوْزِيّ لم يذكر فِي آيَة النَّحْل إِلَّا هَذَا القَوْل الثَّانِي وَذكره عَن الزجاح فَقَالَ

стр. 283

﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ الْقَصْد استقامة الطَّرِيق يُقَال طَرِيق قصد وقاصد إِذا قصد بك إِلَى مَا تُرِيدُ قَالَ الزّجاج الْمَعْنى وعَلى الله تَبْيِين الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَالدُّعَاء إِلَيْهِ بالحجج والبراهين وَكَذَلِكَ الثَّعْلَبِيّ وَالْبَغوِيّ وَنَحْوهمَا لم يذكرُوا إِلَّا هَذَا القَوْل لَكِن ذَكرُوهُ باللفظين قَالَ الْبَغَوِيّ يَعْنِي بَيَان طَرِيق الْهدى من الضَّلَالَة وَقيل بَيَان الْحق بِالْآيَاتِ والبراهين قَالَ وَالْقَصْد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم و ﴿وَمِنْهَا جَائِر﴾ يَعْنِي وَمن السَّبِيل مَا هُوَ جَائِر عَن الاسْتقَامَة معوج فالقصد من السَّبِيل دين الاسلام والجائر مِنْهَا الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَسَائِر ملل الْكفْر قَالَ جَابر بن عبد الله قصد السَّبِيل بَيَان الشَّرَائِع والفرائض وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك وَسَهل بن عبد الله قصد السَّبِيل السّنة (وَمِنْهَا جَائِر) الْأَهْوَاء والبدع وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ الْأَنْعَام ٦ ١٥٣ وَلَكِن الْبَغَوِيّ ذكر فِيهَا القَوْل الآخر ذكره فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إِن علينا للهدى﴾ اللَّيْل عَن الْقُرَّاء كَمَا سَيَأْتِي فقد ذكر الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَات الثَّلَاث تبعا لمن قبله كَالثَّعْلَبِيِّ وَغَيره والمهدوي ذكر فِي الْآيَة الأولى قَوْلَيْنِ من الثَّلَاثَة وَذكر فِي الثَّانِيَة مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيّ وقولا آخر فَقَالَ قَوْله ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ أَي على أَمْرِي وارادتي وَقيل هُوَ على التهديد كَمَا يُقَال على طريقك وَإِلَى مصيرك وَقَالَ فِي قَوْله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس أَي بَيَان الْهدى من الضلال وَقيل السَّبِيل الاسلام وَمِنْهَا جَائِر أَي وَمن السبل جَائِر أَي عَادل عَن الْحق وَقيل الْمَعْنى وعنها جَائِر أَي عَن السَّبِيل ف من بِمَعْنى عَن وَقيل معنى قصد السَّبِيل سيركم ووجوعكم والسبيل وَاحِدَة بِمَعْنى الْجمع

стр. 284

(قلت) هَذَا قَول بعض الْمُتَأَخِّرين جعل الْقَصْد بِمَعْنى الارادة أَي عَلَيْهِ قصدكم للسبيل فِي ذهابكم ورجوعكم وَهُوَ كَلَام من لم يفهم الْآيَة فَإِن السَّبِيل الْقَصْد هِيَ السَّبِيل العادلة أَي عَلَيْهِ السَّبِيل الْقَصْد والسبيل اسْم جنس وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر أَي عَلَيْهِ الْقَصْد من السَّبِيل وَمن السَّبِيل جَائِر فاضافة إِلَى اسْم الْجِنْس إِضَافَة النَّوْع إِلَى الْجِنْس أَي الْقَصْد من السَّبِيل كَمَا تَقول ثوب خَز وَلِهَذَا قَالَ وَمِنْهَا جَائِر وَأما من ظن أَن التَّقْدِير قصدكم السَّبِيل فَهَذَا لَا يُطَابق لفظ الْآيَة ونظمها من وجود مُتعَدِّدَة وَابْن عَطِيَّة لم يذكر فِي آيَة الْحجر إِلَّا قَول الْكسَائي وَهُوَ أَضْعَف الْأَقْوَال وَذكر الْمَعْنى الصَّحِيح تَفْسِير للْقِرَاءَة الْأُخْرَى فَذكر أَن جمَاعَة من السّلف قرأوا على مُسْتَقِيم من الْعُلُوّ والرفعة قَالَ والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى الاخلاص لما اسْتثْنى ابليس من أخْلص قَالَ الله لَهُ هَذَا الاخلاص طَرِيق رفيع مُسْتَقِيم لَا تنَال أَنْت باغوائك أَهله قَالَ وَقَرَأَ جُمْهُور النَّاس على مُسْتَقِيم والاشارة بِهَذَا على هَذِه الْقِرَاءَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص لما قسم ابليس هذَيْن الْقسمَيْنِ قَالَ الله هَذَا طَرِيق عَليّ أَي هَذَا أَمر إِلَى مصيره وَالْعرب تَقول طريقك فِي هَذَا الْأَمر على فلَان أَي اليه يصير النّظر فِي أَمرك وَهَذَا نَحْو قَوْله ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ قَالَ وَالْآيَة على هَذِه الْقِرَاءَة خبر يتَضَمَّن وعيدا (قلت) هَذَا قَول لم ينْقل عَن أحد من عُلَمَاء التَّفْسِير لَا فِي هَذِه الْآيَة وَلَا فِي نظيرها وَإِنَّمَا قَالَه الْكسَائي لما أشكل عَلَيْهِ معنى الْآيَة الَّذِي فهمه السّلف وَدلّ عَلَيْهِ السِّيَاق والنظائر وَكَلَام الْعَرَب لَا يدل على هَذَا القَوْل فَإِن الرجل وَإِن كَانَ يَقُول لمن يتهدده ويتوعده على طريقك فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِن طريقك مُسْتَقِيم وَأَيْضًا فالوعيد إنم يكون للمسيء لَا يكون للمخلصين فَكيف يكون قَوْله هَذَا إِشَارَة إِلَى انقسام النَّاس إِلَى غاو ومخلص وَطَرِيق هَؤُلَاءِ غير طَرِيق هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ سلكوا الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الَّتِي تدل على الله وَهَؤُلَاء سلكوا السَّبِيل الجائرة وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يَقُول لغيره فِي التهديد طريقك عَليّ من لَا يقدر عَلَيْهِ فِي الْحَال لَكِن ذَاك يمر

стр. 285

بِنَفسِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَمَكن مِنْهُ كَمَا كَانَ أهل الْمَدِينَة يتوعدون أهل مَكَّة بِأَن طريقكم علينا لما تهددوهم بأنكم آويتم مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه كَمَا قَالَ أَبُو جهل لسعد بن معَاذ لما ذهب سعد إِلَى مَكَّة إِلَّا أَرَاك تَطوف بِالْبَيْتِ أمنا وَقد آويتم الصباة وزعمتم أَنكُمْ تنصرونهم فَقَالَ لَئِن منعتني هَذَا لأمنعنك مَا هُوَ أَشد عَلَيْك مِنْهُ طريقك على الْمَدِينَة أَو نَحْو هَذَا فَذكر أَن طريقهم فِي متجرهم إِلَى الشَّام عَلَيْهِم فيتمكنون حِينَئِذٍ من جزائهم وَمثل هَذَا الْمَعْنى لَا يُقَال فِي حق الله تَعَالَى فَإِن الله قَادر على الْعباد حَيْثُ كَانُوا كَمَا قَالَت الْجِنّ ﴿وَأَنا ظننا أَن لن نعجز الله فِي الأَرْض وَلنْ نعجزه هربا﴾ الْجِنّ ٧٢ ١٣ وَقَالَ ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين فِي الأَرْض﴾ العنكبوت ٢٩ ٢٢ فلَان أَي إِلَيْهِ يصير أَمرك فَهَذَا يُطَابق تَفْسِير مُجَاهِد وَغَيره من السّلف كَمَا قَالَ مُجَاهِد الْحق يرجع إِلَى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء فطريق الْحق على الله وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ كَمَا فسرت بِهِ الْقِرَاءَة الْأُخْرَى فالصراط فِي القرائتين هَذَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي أَمر الله الْمُؤمنِينَ أَن يسألوه اياه فِي صلَاتهم فيقولوا ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ وَهُوَ الَّذِي وصّى بِهِ فِي قَوْله ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْأَنْعَام وَقَوله هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا تقدم ذكره وَهُوَ قَوْله ﴿إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ الْحجر ١٥ ٤٠ فتعبد الْعباد لَهُ باخلاص الدّين لَهُ طَرِيق يدل عَلَيْهِ وَهُوَ طَرِيق مُسْتَقِيم وَلِهَذَا قَالَ بعده ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ الْحجر ١٥ ٤٢
следующие страницы →