Полный текст (300 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فَهَذَا نَص فِي أَن فِرْعَوْن من الْفَاسِقين المكذبين لمُوسَى الظَّالِمين الداعين إِلَى النَّار الملعونين فِي الدُّنْيَا بعد غرقهم المقبوحين فِي الدَّار الْآخِرَة
وَهَذَا نَص فِي أَن فِرْعَوْن بعد غرقه مَلْعُون وَهُوَ فِي الْآخِرَة مقبوح غير مَنْصُور وَهَذَا إِخْبَار عَن غَايَة الْعَذَاب وَهُوَ مُوَافق للموضع الثَّانِي فِي سُورَة الْمُؤمن وَهُوَ قَوْله ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَهَذَا إِخْبَار عَن فِرْعَوْن وَقَومه أَنه حاق بهم سوء الْعَذَاب فِي البرزخ وَأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَة يدْخلُونَ أَشد الْعَذَاب وَهَذِه الْآيَة أحد مَا اسْتدلَّ بِهِ الْعلمَاء على عَذَاب البرزخ
وَإِنَّمَا دخلت الشُّبْهَة على هَؤُلَاءِ الْجُهَّال لما سمعُوا آل فِرْعَوْن فظنوا أَن فِرْعَوْن خَارج مِنْهُم وَهَذَا تَحْرِيف للكلم عَن موَاضعه بل فِرْعَوْن دَاخل فِي آل فِرْعَوْن بِلَا نزاع بَين أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ واللغة يتَبَيَّن ذَلِك بِوُجُوه
أَحدهَا أَن لفظ آل فلَان فِي الْكتاب وَالسّنة يدْخل فِيهَا ذَلِك الشَّخْص مثل قومه فِي الْمَلَائِكَة الَّذِي ضافوا إبراهم ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ قَالَ﴾ يَعْنِي لوطا ﴿إِنَّكُم قوم منكرون﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم حاصبا إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾
وَمَعْلُوم أَن لوطا فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَكَذَلِكَ فِرْعَوْن دَاخل فِي آل فِرْعَوْن والمكذبين المأخوذين وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَكَذَلِكَ قَوْله كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم فإبراهيم دَاخل فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله لِلْحسنِ إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد
وَفِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ كَانَ الْقَوْم إِذا أَتَوا رَسُول الله ﷺ بِصَدقَة يُصَلِّي عَلَيْهِم فَأتى أبي بِصَدقَة فَقَالَ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وَأَبُو أوفى هُوَ صَاحب الصَّدَقَة
стр. 212
وَنَظِير هَذَا الِاسْم أهل الْبَيْت فَإِن الرجل يدْخل فِي أهل بَيته كَقَوْل الْمَلَائِكَة ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ سلمَان منا أهل الْبَيْت وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ وَذَلِكَ لِأَن آل الرجل مِمَّن يؤول إِلَيْهِ وَنَفسه مِمَّن يؤول إِلَيْهِ وَأهل بَيته هم من يأهله وَهُوَ مِمَّن يأهل أهل بَيته
فقد تبين أَن الْآيَة الَّتِي ظنُّوا أَنَّهَا حجَّة لَهُم هِيَ حجَّة عَلَيْهِم فِي تَعْذِيب فِرْعَوْن مَعَ سَائِر آل فِرْعَوْن فِي البرزخ وَفِي يَوْم الْقِيَامَة وَيبين ذَلِك أَن الْخطاب فِي الْقِصَّة كلهَا إِخْبَار عَن فِرْعَوْن وَقَومه قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالَ فِرْعَوْن مَا أريكم إِلَّا مَا أرى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ إِلَى قَوْله ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالَ الَّذين استكبروا إِنَّا كل فِيهَا إِن الله قد حكم بَين الْعباد﴾
فَأخْبر عقب قَوْله ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ عَن محاجتهم فِي النَّار وَقَول الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا وَقَول المستكبرين للضعفاء ﴿إِنَّا كل فِيهَا﴾ وَمَعْلُوم أَن فِرْعَوْن هُوَ رَأس المستكبرين وَهُوَ الَّذِي استخف قومه فأطاعوه وَلم يستكبر اُحْدُ استكبار فِرْعَوْن فَهُوَ أَحَق بِهَذَا النَّعْت وَالْحكم من جَمِيع قومه
الْموضع الثَّانِي وَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم قَوْله تَعَالَى ﴿فاتبعوا أَمر فِرْعَوْن وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود﴾ إِلَى قَوْله ﴿بئس الرفد المرفود﴾ فَأخْبر أَن يقدم قومه وَلم يقل يسوقهم وَأَنه أوردهم النَّار وَمَعْلُوم أَن الْمُتَقَدّم إِذا أورد الْمُتَأَخِّرين النَّار كَانَ هُوَ أول من يردهَا وَإِلَّا لم يكن قادما بل كَانَ سائقا يُوضح ذَلِك أَنه قَالَ ﴿وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة﴾ فَعلم أَنه وهم يردون النَّار وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا ملعونون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
стр. 213
وَمَا أخلق المحاج عَن فِرْعَوْن أَن يكون بِهَذِهِ المثابة فَإِن الْمَرْء مَعَ من أحب ﴿وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ وَأَيْضًا فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إِلَّا قوم يُونُس لما آمنُوا﴾ يَقُول هلا آمن قوم فنفعهم إِيمَانهم إِلَّا قوم يُونُس
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ﴾ فَأخْبر عَن الْأُمَم المكذبين للرسل أَنهم آمنُوا عِنْد رُؤْيَة الْبَأْس وَأَنه لم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم حِينَئِذٍ وَأَن هَذِه سنة الله الخالية فِي عباده
وَهَذَا مُطَابق لما ذكره الله فِي قَوْله لفرعون ﴿آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين﴾ فَإِن هَذَا الْخطاب هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار أَي الْآن تؤمن وَقد عصيت قبل فَأنْكر أَن يكون هَذَا الْإِيمَان نَافِعًا أَو مَقْبُولًا فَمن قَالَ إِنَّه نَافِع مَقْبُول فقد خَالف نَص الْقُرْآن وَخَالف سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده
يبين ذَلِك أَنه لَو كَانَ إيمَانه حِينَئِذٍ مَقْبُولًا لدفع عَنهُ الْعَذَاب كَمَا دفع عَن قوم يُونُس فَإِنَّهُم لما قبل إِيمَانهم متعوا إِلَى حِين فَإِن الإغراق هُوَ عَذَاب على كفره فَإِذا لم يكن كَافِرًا لما يسْتَحق عذَابا
وَقَوله بعد هَذَا ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة﴾ يُوجب أَن يعْتَبر من خَلفه وَلَو كَانَ إِنَّمَا مَاتَ مُؤمنا لم يكن الْمُؤمن مِمَّا يعْتَبر بإهلاكه وإغراقه وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي ﷺ لما أخبرهُ ابْن مَسْعُود بقتل أبي جهل قَالَ هَذَا فِرْعَوْن هَذِه الْأمة فَضرب النَّبِي ﷺ الْمثل فِي رَأس الْكفَّار المكذبين لَهُ بِرَأْس الْكفَّار المكذبين لمُوسَى
فَهَذَا يبين أَنه هُوَ الْغَايَة فِي الْكفْر فَكيف يكون قد مَاتَ مُؤمنا وَمَعْلُوم أَن من مَاتَ مُؤمنا لَا يجوز أَن يوسم بالْكفْر وَلَا يُوصف لِأَن الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَفِي مُسْند أَحْمد وَإِسْحَاق وصحيح أبي حَاتِم عَن عَوْف بن مَالك عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ فِي تَارِك الصَّلَاة يَأْتِي مَعَ قَارون وَفرْعَوْن وهامان وَأبي بن خلف
стр. 214
وَسُئِلَ ﵀
عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾
فَأجَاب الْحَمد لله قَالَ طوائف من الْعلمَاء أَن قَوْله ﴿مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَرَادَ بهَا سَمَاء الْجنَّة وَأَرْض الْجنَّة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا سَأَلْتُم الله الْجنَّة فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ أَعلَى الْجنَّة وأوسط الْجنَّة وسقفه عرش الرَّحْمَن وَقَالَ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ هِيَ أَرض الْجنَّة
وعَلى هَذَا فَلَا مُنَافَاة بَين انطواء هَذِه السَّمَاء وَبَقَاء السَّمَاء الَّتِي هِيَ سقف الْجنَّة إِذْ كل مَا علا فَإِنَّهُ يُسمى فِي اللُّغَة سَمَاء كَمَا يُسمى السَّحَاب سَمَاء والسقف سَمَاء
وَأَيْضًا فَإِن السَّمَوَات وَإِن طويت وَكَانَت كَالْمهْلِ واستحالت عَن صورتهَا فَإِن ذَلِك لَا يُوجب عدمهَا وفسادها بل أَصْلهَا بَاقٍ بتحويلها من حَال إِلَى حَال كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات﴾ وَإِذا بدلت فَإِنَّهُ لَا يزَال سَمَاء دائمة وَأَرْض دائمة وَالله أعلم
стр. 215
٢٧٢
- فصل
وَأما قَوْله ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ فالهم اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد الْهم همان هم خطرات وهم إِصْرَار وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ إِن العَبْد إِذا هم بسيئة لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِذا تَركهَا لله كتبت لَهُ حَسَنَة وَإِن عَملهَا كتبت لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة وَإِن تَركهَا من غير أَن يَتْرُكهَا لله لم تكْتب لَهُ حَسَنَة وَلَا تكْتب عَلَيْهِ سَيِّئَة ويوسف ﷺ هم هما تَركه لله وَلذَلِك صرف الله عَنهُ السوء والفحشاء لإخلاصه وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا قَامَ الْمُقْتَضى للذنب وَهُوَ الْهم وعارضه الْإِخْلَاص الْمُوجب لانصراف الْقلب عَن الذَّنب لله فيوسف ﵇ لم يصدر مِنْهُ إِلَّا حَسَنَة يُثَاب عَلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون﴾ وَأما مَا ينْقل من أَنه حل سراويله وَجلسَ مجْلِس الرجل من الْمَرْأَة وَأَنه رأى صُورَة يَعْقُوب عاضا
стр. 216
على يَده وأمثال ذَلِك فكله مِمَّا لم يخبر الله بِهِ وَلَا رَسُوله وَمَا لم يكن كَذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْيَهُود الَّذين هم من أعظم النَّاس كذبا على الْأَنْبِيَاء وَقَدحًا فيهم وكل من نَقله من الْمُسلمين فعنهم نَقله لم ينْقل من ذَلِك أحد عَن نَبينَا ﷺ حرفا وَاحِدًا
وَقَوله ﴿وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ فَمن كَلَام امْرَأَة الْعَزِيز كَمَا يدل الْقُرْآن على ذَلِك دلَالَة بَيِّنَة لَا يرتاب فِيهَا من تدبر الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين وَمَا أبرئ نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم﴾ فَهَذَا كُله كَلَام امْرَأَة الْعَزِيز ويوسف إِذْ ذَاك فِي السجْن لم يحضر بعد إِلَى الْملك وَلَا سمع كَلَامه وَلَا رَآهُ وَلَكِن لما ظَهرت بَرَاءَته فِي غيبته كَمَا قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ﴾ أَي لم أخنه فِي حَال مغيبه عني وَإِن كنت فِي حَال شهودته راودته فَحِينَئِذٍ ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي فَلَمَّا كَلمه قَالَ إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ وَقد قَالَ كثير من الْمُفَسّرين إِن هَذَا من كَلَام يُوسُف وَمِنْهُم من لم يذكر إِلَّا هَذَا القَوْل وَهُوَ قَول فِي غَايَة الْفساد وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ بل الْأَدِلَّة تدل على نقيضه وَقد بسط الْكَلَام على هَذِه الْأُمُور فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 217
فصل
وَسُئِلَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَامِل
الحبر الْكَامِل شيخ الْإِسْلَام ومفتي الْأَنَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية أيده الله وزاده من فَضله الْعَظِيم عَن الصَّبْر الْجَمِيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ و ﴿الصفح﴾ الهجر الْجَمِيل وَمَا أَقسَام التَّقْوَى وَالصَّبْر الَّذِي عَلَيْهِ النَّاس
فَأجَاب ﵀
الْحَمد لله أما بعد الله أَمر نبيه بالهجر الْجَمِيل والصفح الْجَمِيل وَالصَّبْر الْجَمِيل فالهجر الْجَمِيل هجر بِلَا أَذَى والصفح الْجَمِيل صفح بِلَا عتاب وَالصَّبْر الْجَمِيل صَبر بِلَا شكوى قَالَ يَعْقُوب ﵊ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ مَعَ قَوْله ﴿فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ فالشكوى إِلَى الله لَا تنَافِي الصَّبْر الْجَمِيل ويروى عَن مُوسَى ﵊ أَنه كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ لَك الْحَمد وَإِلَيْك المشتكى وَأَنت الْمُسْتَعَان وَبِك المستغاث وَعَلَيْك التكلان وَمن دُعَاء النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ إِلَيْك أَشْكُو ضعف قوتي وَقلة حيلتي وهواني على النَّاس أَنْت رب الْمُسْتَضْعَفِينَ وانت رَبِّي اللَّهُمَّ إِلَى من تَكِلنِي إِلَى بعيد يتجهمني أم إِلَى عَدو ملكته أَمْرِي إِن لم يكن بك غضب عَليّ فَلَا ابالي غير أَن عافيتك هِيَ أوسع لي أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي اشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَن ينزل بِي سخطك أَو يحل عَليّ غضبك لَك العتبى حَتَّى ترْضى وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يقْرَأ فِي صَلَاة الْفجْر ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ ويبكي حَتَّى يسمع نَشِيجه من آخر الصُّفُوف
بِخِلَاف الشكوى إِلَى الْمَخْلُوق قرىء على الإِمَام أَحْمد فِي مرض مَوته أَن طاووسا كره أَنِين الْمَرِيض وَقَالَ إِنَّه شكوى فَمَا أَن حَتَّى مَاتَ وَذَلِكَ أَن المشتكي طَالب بِلِسَان
стр. 218
الْحَال إِمَّا إِزَالَة مَا يضرّهُ أَو حُصُول مَا يَنْفَعهُ وَالْعَبْد مَأْمُور أَن يسْأَل ربه دون خلقه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب﴾ وَقَالَ لِابْنِ عَبَّاس إِذا سَأَلت فاسأل الله وَإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه
وَلَا بُد للْإنْسَان من شَيْئَيْنِ طَاعَته بِفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور وَصَبره على مَا يُصِيبهُ من الْقَضَاء الْمَقْدُور فَالْأول هُوَ التَّقْوَى وَالثَّانِي هُوَ الصَّبْر قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ وَقد قَالَ يُوسُف ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾
وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وَنَحْوه من المشائخ المستقيمين يوصون فِي عَامَّة كَلَامهم بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ المسارعة إِلَى فعل الْمَأْمُور والتقاعد عَن فعل الْمَحْظُور وَالصَّبْر وَالرِّضَا بِالْأَمر الْمَقْدُور وَذَلِكَ أَن هَذَا الْموضع غلط فِيهِ كثير من الْعَامَّة بل وَمن السالكين فَمنهمْ من يشْهد الْقدر فَقَط وَيشْهد الْحَقِيقَة الكونية دون الدِّينِيَّة فَيرى أَن الله خَالق كل شَيْء وربه وَلَا يفرق بَين مَا يُحِبهُ الله ويرضاه وَبَين مَا يسخطه ويبغضه وَإِن قدره وقضاه وَلَا يُمَيّز بَين تَوْحِيد الألوهية وَبَين تَوْحِيد الربوبية فَيشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات سعيدها وشقيها مشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر وَالنَّبِيّ الصَّادِق والمتنبىء الْكَاذِب وَأهل الْجنَّة وَأهل النَّار وأولياء الله وأعداؤه وَالْمَلَائِكَة المقربون والمردة الشَّيَاطِين
فَإِن هَؤُلَاءِ كلهم يشتركون فِي هَذَا الْجمع وَهَذِه الْحَقِيقَة الكونية وَهُوَ أَن الله رَبهم وخالقهم ومليكهم لَا رب لَهُم غَيره وَلَا يشْهد الْفرق الَّذِي فرق الله بِهِ بَين أوليائه
стр. 219
وأعدائه وَبَين الْمُؤمنِينَ والكافرين والأبرار والفجار وَأهل الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ تَوْحِيد الألوهية وَهُوَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ وطاعته رَسُوله وَفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه وَهُوَ مَا أَمر بِهِ وَرَسُوله أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتِحْبَاب وَترك مَا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَجِهَاد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان فَمن لم يشْهد هَذِه الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة الفارقة بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وَيكون مَعَ أهل الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة وَإِلَّا فَهُوَ من جنس الْمُشْركين وَهُوَ شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى
فَإِن الْمُشْركين يقرونَ بِالْحَقِيقَةِ الكونية إِذْ هم يقرونَ بِأَن الله رب كل شَيْء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر ليَقُولن الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ قَالَ بعض السّلف تَسْأَلهُمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَيَقُولُونَ الله وهم مَعَ هَذَا يعْبدُونَ غَيره
فَمن أقرّ بِالْقضَاءِ وَالْقدر دون الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين فَهُوَ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِن أُولَئِكَ يقرونَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالرسل الَّذين جاؤوا بِالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين لَكِن آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾
وَأما الَّذِي يشْهد الْحَقِيقَة الكونية وتوحيد الربوبية الشَّامِل للخليقة ويقر أَن الْعباد كلهم تَحت الْقَضَاء وَالْقدر ويسلك هَذِه الْحَقِيقَة فَلَا يفرق بَين الْمُؤمنِينَ والمتقين الَّذين أطاعوا أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَبَين من عصى الله وَرَسُوله من الْكفَّار والفجار فَهَؤُلَاءِ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَكِن من النَّاس من قد لمحوا الْفرق فِي بعض الْأُمُور دون بعض بِحَيْثُ يفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلَا يفرق بَين الْبر والفاجر أَو يفرق بَين بعض الْأَبْرَار وَبَين
стр. 220
بعض الْفجار وَلَا يفرق بَين آخَرين اتبَاعا لظَنّه وَمَا يهواه فَيكون نَاقص الْإِيمَان بِحَسب مَا سوى بَين الْأَبْرَار والفجار وَيكون مَعَه من الْإِيمَان بدين الله تَعَالَى الْفَارِق بِحَسب مَا فرق بَين أوليائه وأعدائه
وَمن أقرّ بِالْأَمر وَالنَّهْي الدينيين دون الْقَضَاء وَالْقدر كَانَ من الْقَدَرِيَّة كالمعتزلة وَغَيرهم الَّذين هم مجوس هَذِه الْأمة فَهَؤُلَاءِ يشبهون الْمَجُوس وَأُولَئِكَ يشبهون الْمُشْركين الَّذين هم شَرّ من الْمَجُوس
وَمن أقرّ بهما وَجعل الرب متناقضا فَهُوَ من أَتبَاع إِبْلِيس الَّذِي اعْترض على الرب سُبْحَانَهُ وخاصمه كَمَا نقل ذَلِك عَنهُ
فَهَذَا التَّقْسِيم فِي القَوْل والاعتقاد
وَكَذَلِكَ هم فِي الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال فَالصَّوَاب مِنْهَا حَالَة الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي الله فيفعل الْمَأْمُور وَيتْرك الْمَحْظُور ويصبر على مَا يُصِيبهُ من الْمَقْدُور فَهُوَ عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي وَالدّين والشريعة ويستعين بِاللَّه على ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾
وَإِذا أذْنب اسْتغْفر وَتَابَ لَا يحْتَج بِالْقدرِ على مَا يَفْعَله من السَّيِّئَات وَلَا يرى للمخلوق حجَّة على رب الكائنات بل يُؤمن بِالْقدرِ وَلَا يحْتَج بِهِ كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي فِيهِ سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَيقر بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ فِي الْحَسَنَات وَيعلم أَنه هُوَ هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السَّيِّئَات وَيَتُوب مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعضهم أطعتك بِفَضْلِك والْمنَّة لَك وعصيتك بعلمك وَالْحجّة لَك فأسألك بِوُجُوب حجتك عَليّ وَانْقِطَاع حجتي إِلَّا غفرت لي وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه
وَهَذَا لَهُ تَحْقِيق مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع
وَآخَرُونَ قد يشْهدُونَ الْأَمر فَقَط فتجدهم يجتهدون فِي الطَّاعَة حسب الِاسْتِطَاعَة لَكِن لَيْسَ عِنْدهم من مُشَاهدَة الْقدر مَا يُوجب لَهُم حَقِيقَة الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر وَآخَرُونَ
стр. 221
يشْهدُونَ الْقدر فَقَط فَيكون عِنْدهم من الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر مَا لَيْسَ عِنْد أُولَئِكَ لكِنهمْ لَا يلتزمون أَمر الله وَرَسُوله وَاتِّبَاع شَرِيعَته وملازمة مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة من الدّين فَهَؤُلَاءِ يستعينون الله وَلَا يعبدونه وَالَّذين من قبلهم يُرِيدُونَ أَن يعبدوه وَلَا يستعينوه وَالْمُؤمن يعبده ويستعينه
وَالْقسم الرَّابِع شَرّ الْأَقْسَام وَهُوَ من لَا يعبده وَلَا يستعينه فَلَا هُوَ مَعَ الشَّرِيعَة الأمرية وَلَا من الْقدر الكوني وانقسامهم إِلَى هَذِه الْأَقْسَام هُوَ فِيمَا يكون قبل وُقُوع الْمَقْدُور من توكل واستعانة وَنَحْو ذَلِك وَمَا يكون بعده من صَبر ورضا وَنَحْو ذَلِك فهم فِي التَّقْوَى وَهِي طَاعَة الْأَمر الديني وَالصَّبْر على مَا يقدر عَلَيْهِ من الْقدر الكوني أَرْبَعَة أَقسَام
أَحدهَا أهل التَّقْوَى وَالصَّبْر وهم الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من أهل السَّعَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَالثَّانِي الَّذين لَهُم نوع من التَّقْوَى بِلَا صَبر مثل الَّذين يمتثلون مَا عَلَيْهِم من الصَّلَاة وَنَحْوهَا ويتركون الْمُحرمَات لَكِن إِذا أُصِيب أحدهم فِي بدنه بِمَرَض وَنَحْوه أَو فِي مَاله أَو فِي عرض أَو ابْتُلِيَ بعدو يخيفه عظم جزعه وَظهر هلعه
وَالثَّالِث قوم لَهُ نوع من الصَّبْر بِلَا تقوى مثل الْفجار الَّذين يصبرون على مَا يصيبهم فِي مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الَّذين يصبرون على الآلام فِي مثل مَا يطلبونه من الْغَصْب وَأخذ الْحَرَام وَالْكتاب وَأهل الدِّيوَان الَّذين يصبرون على ذَلِك فِي طلب مَا يحصل لَهُم من الْأَمْوَال بالخيانة وَغَيرهَا وَكَذَلِكَ طلاب الرِّئَاسَة والعلو على غَيرهم يصبرون من ذَلِك على أَنْوَاع من الْأَذَى الَّتِي لَا يصبر عَلَيْهَا أَكثر النَّاس وَكَذَلِكَ أهل الْمحبَّة للصور الْمُحرمَة من أهل الْعِشْق وَغَيرهم يصبرون فِي مثل مَا يهوونه من الْمُحرمَات على أَنْوَاع من الْأَذَى والآلام وَهَؤُلَاء هم الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض أَو فَسَادًا من طلاب الرِّئَاسَة والعلو على الْخلق وَمن طلاب الْأَمْوَال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور الْمُحرمَة نظرا أَو مُبَاشرَة وَغير ذَلِك يصبرون على على أَنْوَاع من المكروهات وَلَكِن لَيْسَ لَهُم تقوى فِيمَا تَرَكُوهُ من الْمَأْمُور وفعلوه من الْمَحْظُور وَكَذَلِكَ قد يصبر الرجل على مَا يُصِيبهُ من المصائب كالمرض والفقر وَغير ذَلِك وَلَا يكون فِيهِ تقوى إِذا قدر
وَأما الْقسم الرَّابِع فَهُوَ شَرّ الْأَقْسَام لَا يَتَّقُونَ إِذا قدرُوا وَلَا يصبرون إِذا ابتلوا بل هم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾
стр. 222
فَهَؤُلَاءِ تجدهم من أظلم النَّاس وأجبرهم إِذا قدرُوا وَمن أذلّ النَّاس وأجزعهم إِذا قهروا إِن قهرتهم ذلوا لَك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فِيمَا يدْفَعُونَ بِهِ عَن أنفسهم من أَنْوَاع الْكَذِب والذل وتعظيم المسؤول وَإِن قهروك كَانُوا من أظلم النَّاس وأقساهم قلبا وَأَقلهمْ رَحْمَة وإحسانا وعفوا كَمَا قد جربه الْمُسلمُونَ فِي كل من كَانَ عَن حقائق الْإِيمَان أبعد مثل التتار الَّذين قَاتلهم الْمُسلمُونَ وَمن يشبههم فِي كثير من أُمُورهم وَإِن كَانَ متظاهرا بلباس جند الْمُسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فَإِن الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ
فَمن كَانَ قلبه وَعَمله من جنس قُلُوب التتار وأعمالهم كَانَ شَبِيها لَهُم من هَذَا الْوَجْه وَكَانَ مَا مَعَه من الْإِسْلَام أَو مَا يظهره مِنْهُ بِمَنْزِلَة مَا مَعَهم من الْإِسْلَام وَمَا يظهرونه مِنْهُ بل يُوجد فِي غير التتار المقاتلين من المظهرين لِلْإِسْلَامِ من هُوَ أعظم ردة وَأولى بالأخلاق الْجَاهِلِيَّة وَأبْعد عَن الْأَخْلَاق الإسلامية من التتار
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي خطبَته خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة وَإِذا كَانَ خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد فَكل من كَانَ إِلَى ذَلِك أقرب وَهُوَ بِهِ أشبه كَانَ إِلَى الْكَمَال أقرب وَهُوَ بِهِ أَحَق وَمن كَانَ عَن ذَلِك أبعد وَشبهه بِهِ أَضْعَف كَانَ عَن الْكَمَال أبعد وبالباطل أَحَق والكامل هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل وكل من نقص عَن هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك
وَقد ذكر الله تَعَالَى الصَّبْر وَالتَّقوى جَمِيعًا فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَبَين أَنه ينتصر العَبْد على عدوه من الْكفَّار الْمُحَاربين المعاندين وَالْمُنَافِقِينَ وعَلى من ظلمه من الْمُسلمين ولصاحبه تكون الْعَاقِبَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾
стр. 223
وَقَالَ إخْوَة يُوسُف لَهُ ﴿أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾
وَقد قرن الصَّبْر بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة عُمُوما وخصوصا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾
وَفِي اتِّبَاع مَا أُوحِي إِلَيْهِ التَّقْوَى كلهَا تَصْدِيقًا لخَبر الله وَطَاعَة لأَمره وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ واصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك وَسبح بِحَمْد رَبك بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وَمن آنَاء اللَّيْل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِن الله مَعَ الصابرين﴾ فَهَذِهِ مَوَاضِع قرن فِيهِ الصَّلَاة وَالصَّبْر
وَقرن بَين الرَّحْمَة وَالصَّبْر فِي مثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ وَفِي الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالزَّكَاةِ وَغَيرهَا فَإِن الْقِسْمَة أَيْضا ربَاعِية إِذْ من النَّاس من يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقُوَّة وَالْقَسْوَة وَمِنْهُم من يرحم وَلَا يصبر كَأَهل الضعْف واللين مثل كثير من النِّسَاء وَمن يشبههن وَمِنْهُم من لَا يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقَسْوَة والهلع والمحمود هُوَ الَّذِي يصبر وَيرْحَم كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء فِي الْمُتَوَلِي يَنْبَغِي أَن يكون قَوِيا من غير عنف لينًا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العَبْد فَإِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وبالرحمة يرحمه الله تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يرحم الله
стр. 224
من عباده الرُّحَمَاء وَقَالَ من لَا يرحم لَا يرحم وَقَالَ لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَقَالَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَالله أعلم انْتهى
стр. 225
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
سُورَة الرَّعْد
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال﴾
شبه مَا ينزل من السَّمَاء على الْقُلُوب من الْإِيمَان الْقُرْآن فيختلط بِالشُّبُهَاتِ والأهواء المغوية بالمطر الَّذِي يحْتَمل سيله الزّبد وبالذهب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَنَحْوه إِذا أذيب بالنَّار فَاحْتمل الزّبد فقذفه بَعيدا عَن الْقلب وَجعل ذَلِك الزّبد هُوَ مثل ذَلِك الْبَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَأما مَا ينفع النَّاس من المَاء والمعادن فَهُوَ مثل الْحق النافع فيستقر وَيبقى فِي الْقلب
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء قل سموهم﴾ قيل المُرَاد سموهم بأسماء حَقِيقِيَّة لَهَا معَان تسْتَحقّ بهَا الشّرك لَهُ وَالْعِبَادَة فَإِن لم تقدروا بَطل مَا تَدعُونَهُ
стр. 226
وَقيل إِذا سميتموها آلِهَة فسموها باسم الْإِلَه كالخالق والرازق فَإِذا كَانَت هَذِه كَاذِبَة عَلَيْهَا فَكَذَلِك اسْم الْآلهَة وَقد حام حول مَعْنَاهَا كثير من الْمُفَسّرين فَمَا شفوا عليلا وَلَا أرووا غليلا وَإِن كَانَ مَا قَالُوهُ صَحِيحا
فَتَأمل مَا قبل الْآيَة وَمَا بعْدهَا يطلعك على حَقِيقَة الْمَعْنى فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت﴾ وَهَذَا اسْتِفْهَام تَقْرِير يتَضَمَّن إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم وَنفي كل معبود مَعَ الله الَّذِي هُوَ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت بِعِلْمِهِ وَقدرته وجزائه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ رَقِيب عَلَيْهَا حَافظ لأعمالها مجَاز لَهَا بِمَا كسبت من خير وَشر
فَإِذا جعلتم أُولَئِكَ شُرَكَاء فسموهم إِذْ بالأسماء الَّتِي يُسمى بهَا الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسمى بالحي المحيي المميت السَّمِيع الْبَصِير الْغَنِيّ عَمَّا سواهُ وكل شَيْء فَقير إِلَيْهِ ووجوه كل شَيْء بِهِ فَهَل تسْتَحقّ آلِهَتكُم اسْما من تِلْكَ الْأَسْمَاء فَإِن كَانَت آلِهَة حَقًا فسموها باسم من هَذِه الْأَسْمَاء وَذَلِكَ بهت بَين فَإِذا انْتَفَى عَنْهَا ذَلِك علم بُطْلَانهَا كَمَا علم بطلَان مسماها
وَأما إِن سَموهَا بأسمائها الصادقة عَلَيْهَا كالحجارة وَغَيرهَا من مُسَمّى الجمادات وَأَسْمَاء الْحَيَوَان الَّتِي عبدوها من دون الله كالبقر وَغَيرهَا وبأسماء الشَّيَاطِين الَّذين أشركوهم مَعَ الله جلّ وَعلا وبأسماء الْكَوَاكِب المسخرات تَحت أوَامِر الرب والأسماء الشاملة لجميعها أَسمَاء الْمَخْلُوقَات المحتاجات المدبرات المقهورات
وَكَذَلِكَ بَنو آدم عبَادَة بَعضهم بَعْضًا فَهَذِهِ أسماؤها الْحق وَهِي تبطل إلهيتها لِأَن الْأَسْمَاء الَّتِي من لَوَازِم الإلهية مستحيلة عَلَيْهَا فَظهر أَن تَسْمِيَتهَا آلِهَة من أكبر الْأَدِلَّة على بطلَان إلهيتها وَامْتِنَاع شُرَكَاء لله عز وَجل
стр. 227
٣٢٤
- فصل
﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية ﵀
الْحَمد لله رب الْعَالمين هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أصلين
أَحدهمَا الْفرق بَين خطاب التكوين الَّذِي لَا يطْلب بِهِ سُبْحَانَهُ فعلا من الْمُخَاطب بل هُوَ الَّذِي يكون الْمُخَاطب بِهِ ويخلقه بِدُونِ فعل من الْمُخَاطب أَو قدرَة أَو إِرَادَة أَو وجود لَهُ وَبَين خطاب التَّكْلِيف الَّذِي يطْلب بِهِ من الْمَأْمُور فعلا أَو تركا يَفْعَله بقدرة وَإِرَادَة وَإِن كَانَ ذَلِك جَمِيعه بجول الله وقوته إِذْ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَهَذَا الْخطاب قد تنَازع فِيهِ النَّاس هَل يَصح أَن يُخَاطب بِهِ الْمَعْدُوم بِشَرْط وجوده أم لَا يَصح أَن يُخَاطب بِهِ إِلَّا بعد وجوده لَا نزاع بَينهم أَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم الْخطاب إِلَّا بعد وجوده وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي الأول هَل هُوَ خطاب حَقِيقِيّ أَو هُوَ عبارَة عَن الاقتدار وَسُرْعَة التكوين بِالْقُدْرَةِ وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور عِنْد المنتسبين إِلَى السّنة
وَالْأَصْل الثَّانِي أَن الْمَعْدُوم فِي حَال عَدمه هَل هُوَ شَيْء أم لَا فَإِنَّهُ قد ذهب طوائف من متكلمة الْمُعْتَزلَة والشيعة إِلَى أَنه شَيْء فِي الْخَارِج وَذَات عين وَزَعَمُوا أَن الماهيات غير مجعولة وَلَا مخلوقة وَأَن وجودهَا زَائِد على حَقِيقَتهَا وَكَذَلِكَ ذهب إِلَى هَذَا طوائف من
стр. 228
المتفلسفة والاتحادية وَغَيرهم من الْمَلَاحِدَة وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير النَّاس وَهُوَ قَول متكلمة أهل الْإِثْبَات والمنتسبين إِلَى السّنة وَالْجَمَاعَة أَنه فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن قبل وجوده لَيْسَ بِشَيْء أصلا وَلَا ذَات وَلَا عين وَأَنه لَيْسَ فِي الْخَارِج شَيْئَانِ أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر وجوده الزَّائِد على خقيقته فَإِن الله ابدع الذوات الَّتِي هِيَ الماهيات فَكل مَا سواهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مَخْلُوق ومجعول ومبدع ومبدو لَهُ لَكِن فِي هَؤُلَاءِ من يَقُول الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء أصلا وَإِنَّمَا سمي شَيْئا بِاعْتِبَار ثُبُوته فِي الْعلم كَانَ مجَازًا وَمِنْهُم من يَقُول لَا ريب أَن لَهُ ثبوتا فِي الْعلم ووجودا فِيهِ فَهُوَ بِاعْتِبَار هَذَا الثُّبُوت والوجود هُوَ شَيْء وَذَات وَهَؤُلَاء لَا يفرقون بَين الْوُجُود والثبوت كَمَا فرق من قَالَ الْمَعْدُوم شَيْء وَلَا يفرقون فِي كَون الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء من الْمُمكن والممتنع كَمَا فرق من قَالَ الْمَعْدُوم شَيْء وَلَا يفرقون فِي كَون الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء بَين الْمُمكن والممتنع كَمَا فرق أُولَئِكَ إِذْ قد اتَّفقُوا على أَن الْمُمْتَنع لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا النزاع فِي الْمُمكن وعمدة من جعله شَيْئا إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ ثَابت فِي الْعلم وَبِاعْتِبَار ذَلِك صَحَّ أَن يخص بِالْقَصْدِ والخلق وَالْخَيْر عَنهُ وَالْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ وَغير ذَلِك قَالُوا وَهَذِه التخصيصات تمْتَنع أَن تتَعَلَّق بِالْعدمِ والمحض فَإِن خص الْفرق بَين الْوُجُود الَّذِي هُوَ الثُّبُوت الْعَيْنِيّ وَبَين الْوُجُود الَّذِي هُوَ الثُّبُوت العلمي زَالَت الشُّبْهَة فِي هَذَا الْبَاب
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَذَلِكَ الشَّيْء هُوَ مَعْلُوم قبل إبداعه وَقبل تَوْجِيه هَذَا الْخطاب إِلَيْهِ وَبِذَلِك كَانَ مُقَدرا مقضيا فَإِن سُبْحَانَ وَتَعَالَى يَقُول وَيكْتب من مَا يُعلمهُ مَا شَاءَ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عمر أَن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء مَعَه وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ مَا أكتب قَالَ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى أَمْثَال ذَلِك من النُّصُوص الَّتِي تبين أَن الْمَخْلُوق قبل أَن يخلق كَانَ مَعْلُوما مخبرا عَنهُ مَكْتُوبًا فِيهِ شَيْء بِاعْتِبَار وجوده العلمي الكلامي الْكِتَابِيّ وَإِن كَانَت حَقِيقَته الَّتِي هِيَ وجوده الْعَيْنِيّ لَيْسَ ثَابتا فِي الْخَارِج بل هُوَ عدم مَحْض وَنفي صرف وَهَذِه الْمَرَاتِب الْأَرْبَعَة الْمَشْهُورَة موجودات وَقد ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي أول سُورَة أنزلهَا على نبيه فِي قَوْله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ وَقد بسطنا الْكَلَام فِي ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الْخطاب موجها إِلَى من تَوَجَّهت إِلَيْهِ الْإِرَادَة وتعلقت بِهِ الْقُدْرَة وَخلق وَكَون كَمَا قَالَ ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَالَّذِي يُقَال لَهُ كن هُوَ الَّذِي يُرَاد وَهُوَ حِين يُرَاد قبل أَن يخلق لَهُ ثُبُوت وتميز فِي الْعلم وَالتَّقْدِير وَلَوْلَا ذَلِك لما تميز المُرَاد الْمَخْلُوق من غَيره وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن
стр. 229
التَّقْسِيم فَإِن قَول السَّائِل إِن كَانَ الْمُخَاطب مَوْجُودا فتحصيل الْحَاصِل محَال يُقَال لَهُ هَذَا إِذا كَانَ مَوْجُود فِي الْخَارِج وجوده الَّذِي هُوَ وجوده وَلَا ريب أَن الْمَعْدُوم لَيْسَ مَوْجُودا وَلَا هُوَ فِي نَفسه ثَابت وَأما مَا علم وَأُرِيد وَكَانَ شَيْئا فِي الْعلم والإرادة وَالتَّقْدِير فَلَيْسَ وجوده فِي الْخَارِج محالا بل جَمِيع الْمَخْلُوقَات لَا تُوجد إِلَّا بعد وجودهَا فِي الْعلم والإرادة وَهُوَ قَول السَّائِل إِن كَانَ مَعْدُوما فَكيف يتَصَوَّر خطاب الْمَعْدُوم وَيُقَال لَهُ أما إِذا قصد أَن يُخَاطب الْمَعْدُوم فِي الْخطاب بخطاب يفهمهُ ويمتثله فَهَذَا محَال إِلَّا من شَرط الْمُخَاطب أَن يتَمَكَّن من الْفَهم وَالْفِعْل والمعدوم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم وَيفْعل فَيمْتَنع خطاب التَّكْلِيف لَهُ حَال عَدمه بِمَعْنى أَنه يطْلب مِنْهُ حِين عَدمه أَن يفهم وَيفْعل وَكَذَلِكَ أَيْضا يمْتَنع أَن يُخَاطب الْمَعْدُوم فِي الْخَارِج خطاب تكوين بِمَعْنى أَن يعْتَقد أَنه شَيْء ثَابت فِي الْخَارِج وَأَنه يُخَاطب بِأَن يكون وَأما الشَّيْء الْمَعْلُوم الْمَذْكُور الْمَكْتُوب إِذا كَانَ تَوْجِيه خطاب التكوين إِلَيْهِ مثل تَوْجِيه الْإِرَادَة إِلَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِك محالا بل هُوَ أَمر مُمكن بل مثل ذَلِك يجده الْإِنْسَان فِي نَفسه فيقد أَمر افي نَفسه يُرِيد أَن يَفْعَله وَيُوجه إِرَادَته وَطَلَبه إِلَى ذَلِك المُرَاد الْمَطْلُوب الَّذِي قدره فِي نَفسه وَيكون حُصُول المُرَاد الْمَطْلُوب بِحَسب قدرته فَإِن كَانَ قَادِرًا على حُصُوله حصل مَعَ الْإِرَادَة والطلب الْجَازِم وَإِن كَانَ عَاجِزا لم يحصل وَقد يَقُول الْإِنْسَان ليكن كَذَا وَنَحْو ذَلِك من صِيغ الطّلب فَيكون الْمَطْلُوب بِحَسب قدرته عَلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ على كل شَيْء قدير وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِن أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون
стр. 230
فصل
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام
ابْن تَيْمِية قدس الله روحه عَن قَول النَّبِي ﷺ دَعْوَة أخي ذِي النُّون ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ مَا دَعَا بهَا مكروب إِلَّا فرج الله كربته مَا معنى هَذِه الدعْوَة وَلم كَانَت كاشفة للكرب وَهل لَهَا شُرُوط باطنة عِنْد النُّطْق بلفظها وَكَيف مُطَابقَة اعْتِقَاد الْقلب لمعناها حَتَّى يُوجب كشف ضره وَمَا مُنَاسبَة ذكره ﴿إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ مَعَ أَن التَّوْحِيد يُوجب كشف الضّر وَهل يَكْفِيهِ اعترافه أم لَا بُد من التَّوْبَة والعزم فِي الْمُسْتَقْبل وَمَا هُوَ السِّرّ فِي أَن كشف الضّر وزواله يكون عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاء عَن الْخلق والتعلق بهم وَمَا الْحِيلَة فِي انصراف الْقلب عَن الرَّجَاء للمخلوقين والتعلق بهم بِالْكُلِّيَّةِ وتعلقه بِاللَّه تَعَالَى ورجائه وانصرافه إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا السَّبَب الْمعِين على ذَلِك
فَأجَاب الْحَمد لله رب الْعَالمين
لفظ الدُّعَاء والدعوة فِي الْقُرْآن يتَنَاوَل مَعْنيين
دُعَاء الْعِبَادَة
وَدُعَاء الْمَسْأَلَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَقَالَ ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وَقَالَ ﴿إِن يدعونَ من دونه إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يدعونَ إِلَّا شَيْطَانا مرِيدا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ ببالغه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ وَقَالَ فِي آخر السُّورَة ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾
стр. 231
قيل لَوْلَا دعاؤكم إِيَّاه وَقيل لَوْلَا دعاؤه إيَّاكُمْ فَإِن الْمصدر يُضَاف إِلَى الْفَاعِل تَارَة وَإِلَى الْمَفْعُول تَارَة وَلَكِن إِضَافَته إِلَى الْفَاعِل أقوى لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من فَاعل فَلهَذَا كَانَ هَذَا أقوى الْقَوْلَيْنِ أَي مَا يعبأ بكم لَوْلَا أَنكُمْ تَدعُونَهُ فتعبدونه وتسألونه ﴿فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون لزاما﴾ أَي عَذَاب لَازم للمكذبين
وَلَفظ الصَّلَاة فِي اللُّغَة أَصله الدُّعَاء وَسميت الصَّلَاة دُعَاء لتضمنها معنى الدُّعَاء وَهُوَ الْعِبَادَة وَالْمَسْأَلَة
وَقد فسر قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ بِالْوَجْهَيْنِ قيل اعبدوني وامتثلوا أَمْرِي أَسْتَجِب لكم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ أَي يستجيب لَهُم وَهُوَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة يُقَال استجابه واستجاب لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر
... وداع دعايا من يُجيب إِلَى الندى ... فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب ...
وَقيل سلوني أعطكم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسالني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ فَذكر أَولا لفظ الدُّعَاء ثمَّ ذكر السُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار والمستغفر سَائل كَمَا أَن السَّائِل دَاع لَكِن ذكر السَّائِل لدفع الشَّرّ بعد السَّائِل الطَّالِب للخير وذكرهما جَمِيعًا بعد ذكر الدَّاعِي الَّذِي تناولهما وَغَيرهمَا فَهُوَ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾
وكل سَائل رَاغِب رَاهِب فَهُوَ عَابِد للمسؤول وَلَك عَابِد لَهُ فَهُوَ أَيْضا رَاغِب وراهب يَرْجُو رَحمته وَيخَاف عَذَابه فَكل عَابِد سَائل وكل سَائل عَابِد فأحد الاسمين يتَنَاوَل الآخر عِنْد تجرده عَنهُ وَلَكِن إِذا جمع بَينهمَا فَإِنَّهُ يُرَاد بالسائل الَّذِي يطْلب جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة بصيغ السُّؤَال والطلب وَيُرَاد بالعابد من يطْلب ذَلِك بامتثال الْأَمر وَإِن لم يكن فِي ذَلِك صِيغ سُؤال
وَالْعَابِد الَّذِي يُرِيد وَجه الله وَالنَّظَر إِلَيْهِ هُوَ أَيْضا راج خَائِف رَاغِب رَاهِب يرغب فِي حُصُول مُرَاده ويرهب من فَوَاته قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع يدعونَ رَبهم خوفًا وَطَمَعًا﴾ وَلَا يتَصَوَّر أَن يَخْلُو دَاع لله دُعَاء عبَادَة أَو دُعَاء مَسْأَلَة من الرغب والرهب من الْخَوْف والطمع
وَمَا يذكر عَن بعض الشُّيُوخ أَنه جعل الْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة فَهَذَا قد يُفَسر
стр. 232
مُرَاده بِأَن المقربين يُرِيدُونَ وَجه الله فيقصدون التَّلَذُّذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يتلذذون بِهِ وَهَؤُلَاء يرجون حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب وَيَخَافُونَ حرمانه فَلم يخلوا عَن الْخَوْف والرجاء لَكِن مرجوهم بِحَسب مطلوبهم
وَمن قَالَ من هَؤُلَاءِ لم أعبدك شوقا إِلَى جنتك وَلَا خوفًا من نارك فَهُوَ يظنّ أَن الْجنَّة اسْم لما يتمتع فِيهِ بالمخلوقات وَالنَّار اسْم لما لَا عَذَاب فِيهِ إِلَّا ألم الْمَخْلُوقَات وَهَذَا قُصُور وتقصير مِنْهُم عَن فهم مُسَمّى الْجنَّة بل كل مَا أعده الله لأوليائه فَهُوَ من الْجنَّة وَالنَّظَر إِلَيْهِ هُوَ من الْجنَّة وَلِهَذَا كَانَ أفضل الْخلق يسْأَل الله الْجنَّة ويستعيذ بِهِ من النَّار وَلما سَأَلَ بعض أَصْحَابه عَمَّا يَقُول فِي صلَاته قَالَ إِنِّي أسأَل الله الْجنَّة وَأَعُوذ بِاللَّه من النَّار أما إِنِّي لَا أحسن دندنتك وَلَا دندنة معَاذ فَقَالَ حولهَا فدندن
وَقد أنكر على من قَالَ هَذَا الْكَلَام يَعْنِي أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك فريق من أهل الْكَلَام ظنُّوا أَن الله لَا يتلذذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَأَنه لَا نعيم إِلَّا بمخلوق فغلط هَؤُلَاءِ فِي معنى الْجنَّة كَمَا غلط أُولَئِكَ لَكِن أُولَئِكَ طلبُوا مَا يسْتَحق أَن يطْلب وَهَؤُلَاء أَنْكَرُوا ذَلِك
وَأما التألم بالنَّار فَهُوَ أَمر ضَرُورِيّ وَمن قَالَ لَو أدخلني النَّار لَكُنْت رَاضِيا فَهُوَ عزم مِنْهُ على الرِّضَا والعزائم قد تَنْفَسِخ عِنْد وجود الْحَقَائِق وَمثل هَذَا يَقع فِي كَلَام طَائِفَة مثل سمنون الَّذِي قَالَ
... وَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ ... فَكيف مَا شِئْت فامتحني ...
فابتلي بعسر الْبَوْل فَجعل يطوف على صبيان الْمكَاتب وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾
وَبَعض من تكلم فِي علل المقامات جعل الْحبّ وَالرِّضَا وَالْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة بِنَاء على مُشَاهدَة الْقدر وَأَن من شهد الْقدر فَشهد تَوْحِيد الْأَفْعَال حَتَّى فني من لم يكن وَبَقِي من لم يزل يخرج عَن هَذِه الْأُمُور وَهَذَا كَلَام مُسْتَدْرك حَقِيقَة وَشرعا
أما الْحَقِيقَة فَإِن الْحَيّ لَا يتَصَوَّر أَن لَا يكون حساسا محبا لما يلائمة مبغضا لما ينافره وَمن قَالَ إِن إِن الْحَيّ يَسْتَوِي عِنْده جَمِيع المقدورات فَهُوَ أحد رجلَيْنِ إِمَّا أَنه لَا يتَصَوَّر مَا يَقُول بل هُوَ جَاهِل وَإِمَّا أَنه مكابر معاند وَلَو قدر أَن الْإِنْسَان حصل لَهُ حَال أَزَال عقله سَوَاء سمى اصطلاما أَو محوا أَو فنَاء أَو غشيا أَو ضعفا فَهَذَا لم يسْقط إحساس نَفسه بِالْكُلِّيَّةِ بل لَهُ إحساس بِمَا يلائمه وَمَا ينافره وَإِن سقط إحساسه بِبَعْض الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ لم يسْقط بجميعها
стр. 233
فَمن زعم أَن الْمشَاهد لتوحيد الربوبية يدْخل إِلَى مقَام الْجمع والفناء فَلَا يشْهد فرقا فَإِنَّهُ غالط بل لَا بُد من الْفرق فَإِنَّهُ أَمر ضَرُورِيّ
لَكِن إِذا خرج عَن الْفرق الشَّرْعِيّ بَقِي فِي الْفرق الطبعي فَيبقى مُتبعا لهواه لَا مُطيعًا لمَوْلَاهُ
وَلِهَذَا لما وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بَين الْجُنَيْد وَأَصْحَابه ذكر لَهُم الْفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يفرق بَين الْمَأْمُور والمحظور وَبَين مَا يُحِبهُ الله وَمَا يكرههُ مَعَ شُهُوده للقدر الْجَامِع فَيشْهد الْفرق فِي الْقدر الْجَامِع وَمن لم يفرق بَين الْمَأْمُور والمحظور خرج عَن دين الْإِسْلَام
وَهَؤُلَاء الَّذين يَتَكَلَّمُونَ فِي الْجمع لَا يخرجُون عَن الْفرق الشَّرْعِيّ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن خَرجُوا عَنهُ كَانُوا كفَّارًا من شَرّ الْكفَّار وهم الَّذين يخرجُون إِلَى التَّسْوِيَة بَين الرُّسُل وَغَيرهم ثمَّ يخرجُون إِلَى القَوْل بوحدة الْوُجُود فَلَا يفرقون بَين الْخَالِق والمخلوق وَلَكِن لَيْسَ كل هَؤُلَاءِ ينتهون إِلَى هَذَا الْإِلْحَاد بل يفرقون من وَجه دون وَجه فيطيعون الله وَرَسُوله تَارَة كالعصاة من أهل الْقبْلَة وَهَذِه الْأُمُور مبسوطة فِي غير هَذَا الْموضع
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن لفظ الدعْوَة وَالدُّعَاء يتَنَاوَل هَذَا وَهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَفِي الحَدِيث أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد لله رَوَاهُ ابْن ماجة وَابْن أبي الدُّنْيَا وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره دَعْوَة أخي ذِي النُّون لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين مَا دَعَا بهَا مكروب إِلَّا فرج الله كربته سَمَّاهَا دَعْوَة لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن نَوْعي الدُّعَاء فَقَوله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت اعْتِرَاف بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية يتَضَمَّن اُحْدُ نَوْعي الدُّعَاء فَإِن الْإِلَه هُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يدعى دُعَاء عباده وَدُعَاء مَسْأَلَة وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
وَقَوله ﴿إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ اعْتِرَاف بالذنب وَهُوَ يتَضَمَّن طلب الْمَغْفِرَة فَإِن الطَّالِب السَّائِل تَارَة يسْأَل بِصِيغَة الطّلب وَتارَة يسْأَل بِصِيغَة الْخَبَر إِمَّا يُوصف حَاله وَإِمَّا بِوَصْف حَال المسؤول وَإِمَّا بِوَصْف الْحَالين كَقَوْل نوح ﵇ ﴿رب إِنِّي أعوذ بك أَن أَسأَلك مَا لَيْسَ لي بِهِ علم وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ فَهَذَا لَيْسَ صِيغَة طلب وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الله أَنه إِن لم يغْفر لَهُ ويرحمه خسر
وَلَكِن هَذَا الْخَبَر يتَضَمَّن سُؤال الْمَغْفِرَة وَكَذَلِكَ قَول آدم ﵇ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ هُوَ من هَذَا الْبَاب وَمن ذَلِك قَول
стр. 234
مُوسَى ﵇ ﴿رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ فَإِن هَذَا وصف لحاله بِأَنَّهُ فَقير إِلَى مَا أنزل الله إِلَيْهِ من الْخَيْر وَهُوَ مُتَضَمّن لسؤال الله إِنْزَال الْخَيْر إِلَيْهِ
وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من شغله قِرَاءَة الْقُرْآن عَن ذكري ومسألتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ مَالك بن الْحُوَيْرِث وَقَالَ من شغله ذكري عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين وأظن الْبَيْهَقِيّ رَوَاهُ مَرْفُوعا بِهَذَا اللَّفْظ
وَقد سُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن قَوْله أفضل الدُّعَاء يَوْم عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فَذكر هَذَا الحَدِيث وَأنْشد قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن جدعَان
أأذكر حَاجَتي أم قد كفاني
حباؤك إِن شيمتك الحباء ... إِذا أثنى عَلَيْك الْمَرْء يَوْمًا
كَفاهُ من تعرضه الثَّنَاء
قَالَ فَهَذَا مَخْلُوق يُخَاطب مخلوقا فَكيف بالخالق تَعَالَى
وَمن هَذَا الْبَاب الدُّعَاء الْمَأْثُور عَن مُوسَى ﵇ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد وَإِلَيْك المشتكى وَأَنت الْمُسْتَعَان وَبِك المستغاث وَعَلَيْك التكلان فَهَذَا خبر يتَضَمَّن السُّؤَال
وَمن هَذَا الْبَاب قَول أَيُّوب ﵇ ﴿أَنِّي مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ فوصف نَفسه وَوصف ربه بِوَصْف يتَضَمَّن سُؤال رَحمته بكشف ضره وَهِي صِيغَة خبر تَضَمَّنت السُّؤَال وَهَذَا من بَاب حسن الْأَدَب فِي السُّؤَال وَالدُّعَاء فَقَوْل الْقَائِل لمن يعظمه ويرغب إِلَيْهِ أَنا جَائِع أَنا مَرِيض حسن أدب فِي السُّؤَال وَإِن كَانَ فِي قَوْله أَطْعمنِي وداوني وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ بِصِيغَة الطّلب طلب جازم من المسؤول فَذَاك فِيهِ إِظْهَار حَاله وإخباره على وَجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الْحَال وَهَذَا فِيهِ الرَّغْبَة التَّامَّة وَالسُّؤَال الْمَحْض بِصِيغَة الطّلب
وَهَذِه الصِّيغَة صِيغَة الطّلب والاستدعاء إِذا كَانَت لمن يحْتَاج إِلَيْهِ الطَّالِب أَو مِمَّن يقدر على قهر الْمَطْلُوب مِنْهُ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهَا تقال على وَجه الْأَمر إِمَّا لما فِي ذَلِك من حَاجَة الطَّالِب وَإِمَّا لما فِيهِ من نفع الْمَطْلُوب فَأَما إِذا كَانَت من الْفَقِير من كل وَجهه للغني من كل وَجه فَإِنَّهَا سُؤال مَحْض بتذلل وافتقار وَإِظْهَار الْحَال
стр. 235
وَوصف الْحَاجة والافتقار هُوَ سُؤال بِالْحَال وَهُوَ أبلغ من جِهَة الْعلم وَالْبَيَان
وَذَلِكَ أظهر من جِهَة الْقَصْد والإرادة فَلهَذَا كَانَ غَالب الدُّعَاء من الْقسم الثَّانِي لِأَن الطَّالِب السَّائِل يتَصَوَّر مَقْصُوده وَمرَاده فيطلبه ويسأله فَهُوَ سُؤال بالمطابقة وَالْقَصْد الأول وتصريح بِهِ بِاللَّفْظِ وَإِن لم يكن فِيهِ وصف لحَال السَّائِل والمسؤول فَإِن تضمن وصف حَالهمَا كَانَ أكمل من النَّوْعَيْنِ فَإِنَّهُ يتَضَمَّن الْخَبَر وَالْعلم الْمُقْتَضى للسؤال والإجابة ويتضمن الْقَصْد والطلب الَّذِي هُوَ نفس السُّؤَال فيتضمن السُّؤَال والمقتضى لَهُ والإجابة كَقَوْل النَّبِي ﷺ لأبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما قَالَ لَهُ عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي فَقَالَ قل اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
فَهَذَا فِيهِ وصف العَبْد لحَال نَفسه الْمُقْتَضِي حَاجته إِلَى الْمَغْفِرَة وَفِيه وصف ربه الَّذِي يُوجب أَنه لَا يقدر على هَذَا الْمَطْلُوب غَيره وَفِيه التَّصْرِيح بسؤال العَبْد لمطلوبه وَفِيه بَيَان الْمُقْتَضى للإجابة وَهُوَ وصف الرب بالمغفرة وَالرَّحْمَة فَهَذَا وَنَحْوه أكمل أَنْوَاع الطّلب
وَكثير من الْأَدْعِيَة يتَضَمَّن بعض ذَلِك كَقَوْل مُوسَى ﵇ ﴿أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الغافرين﴾ فَهَذَا طلب وَوصف للْمولى بِمَا يَقْتَضِي الْإِجَابَة وَقَوله ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي﴾ فِيهِ وصف حَال النَّفس والطلب وَقَوله ﴿إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ فِيهِ الْوَصْف المتضمن للسؤال بِالْحَال فَهَذِهِ أَنْوَاع لكل نوع مِنْهَا خَاصَّة
يبْقى أَن يُقَال فَصَاحب الْحُوت وَمن أشبهه لماذا ناسب حَالهم صِيغَة الْوَصْف وَالْخَبَر دون صِيغَة الطّلب
فَيُقَال لِأَن الْمقَام مقَام اعْتِرَاف بِأَن مَا أصابني من الشَّرّ كَانَ بذنبي فَأصل الشَّرّ هُوَ الذَّنب وَالْمَقْصُود دفع الضّر وَالِاسْتِغْفَار جَاءَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي فَلم يذكر صِيغَة طلب كشف الضّر لاستشعاره أَنه مسيء ظَالِم وَهُوَ الَّذِي أَدخل الضّر على نَفسه فَنَاسَبَ حَاله أَن يذكر مَا يرفع سَببه من الِاعْتِرَاف بظلمه وَلم يذكر صِيغَة طلب الْمَغْفِرَة لِأَنَّهُ مَقْصُود للْعَبد المكروب بِالْقَصْدِ الثَّانِي بِخِلَاف كشف الكرب فَإِنَّهُ مَقْصُود لَهُ فِي حَال وجوده بِالْقَصْدِ الأول إِذْ النَّفس بطبعها تطلب مَا هِيَ محتاجة إِلَيْهِ من زَوَال الضَّرَر الْحَاصِل من الْحَال قبل طلبَهَا زَوَال مَا تخَاف وجوده من الضَّرَر فِي الْمُسْتَقْبل بِالْقَصْدِ الثَّانِي وَالْمَقْصُود الأول فِي هَذَا الْمقَام هُوَ الْمَغْفِرَة وَطلب كشف الضّر فَهَذَا مقدم فِي قَصده وإرادته وأبلغ مَا ينَال بِهِ رفع سَببه فجَاء بِمَا يحصل مَقْصُوده
стр. 236
وَهَذَا يتَبَيَّن بالْكلَام على قَوْله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ فَإِن هَذَا اللَّفْظ يتَضَمَّن تَعْظِيم الرب وتنزيهه وَالْمقَام يَقْتَضِي تنزيهه عَن الظُّلم والعقوبة بِغَيْر ذَنْب يَقُول أَنْت مقدس ومنزه عَن ظلمي وعقوبتي بِغَيْر ذَنْب بل أَنا الظَّالِم الَّذِي ظلمت نَفسِي قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا هم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ آدم ﵇ ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾
وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي فِي مُسلم فِي دُعَاء الاستفتاح اللَّهُمَّ أَنْت الْملك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ سيد الاسْتِغْفَار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعتمك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لايغفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت من قَالَهَا إِذا أصبح موقنا بهَا فَمَاتَ من يَوْمه دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا إِذا أَمْسَى موقنا بهَا فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة
فَالْعَبْد عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بِعدْل الله وإحسانه فَإِنَّهُ لايظلم النَّاس شَيْئا فَلَا يُعَاقب أحدا إِلَّا بِذَنبِهِ وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم فَكل نقمة مِنْهُ عدل وكل نعْمَة مِنْهُ فضل
فَقَوله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فِيهِ إِثْبَات انْفِرَاده بالإلهية والألهية تَتَضَمَّن كَمَال علمه وَقدرته وَرَحمته وحكمته فَفِيهَا إِثْبَات إحسانه إِلَى الْعباد فَإِن الْإِلَه هُوَ المألوه والمألوه هُوَ الَّذِي يسْتَحق أَن يعبد وَكَونه يسْتَحق أَن يعبد هُوَ بِمَا اتّصف بِهِ من الصِّفَات الَّتِي تستلزمك أَن يكون هُوَ المحبوب غَايَة الْحبّ المخضوع لَهُ غَايَة الخضوع وَالْعِبَادَة تَتَضَمَّن غَايَة الْحبّ بغاية الذل
وَقَوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يتَضَمَّن تَعْظِيمه وتنزيهه عَن الظُّلم وَغَيره من النقائص فَإِن التَّسْبِيح وَإِن كَانَ يُقَال يتَضَمَّن نفي النقائص وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث مُرْسل من مَرَاسِيل مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَول العَبْد سُبْحَانَ الله إِنَّهَا بَرَاءَة الله من السوء فالنفي لَا يكون مدحا إِلَّا إِذا تضمن ثبوتا وَإِلَّا فالنفي الْمَحْض لَا مدح فِيهِ وَنفي السوء وَالنَّقْص عَنهُ يسْتَلْزم إِثْبَات محاسنه وكماله وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى
وَهَكَذَا عَامَّة مَا يَأْتِي بِهِ الْقُرْآن فِي نفي السوء وَالنَّقْص عَنهُ يتَضَمَّن إِثْبَات محاسنه وكماله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ فنفي أَخذ السّنة وَالنَّوْم لَهُ يتَضَمَّن كَمَال حَيَاته وقيوميته وَقَوله ﴿وَمَا مسنا من لغوب﴾ يتَضَمَّن كَمَال قدرته وَنَحْو ذَلِك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عَن السوء وَنفي النَّقْض عَنهُ يتَضَمَّن تَعْظِيمه فَفِي قَوْله
стр. 237
﴿سُبْحَانَكَ﴾ تبرئته من الظُّلم وَإِثْبَات العظمة الْمُوجبَة لَهُ بَرَاءَته من الظُّلم فَإِن الظَّالِم إِنَّمَا يظلم لِحَاجَتِهِ إِلَى الظُّلم أَو لجهله وَالله غَنِي عَن كل شَيْء عليم بِكُل شَيْء وَهُوَ غَنِي بِنَفسِهِ وكل مَا سواهُ فَقير إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَال العظمة
وَأَيْضًا فَفِي هَذَا الدُّعَاء للتهليل وَالتَّسْبِيح فَقَوله ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت﴾ تهليل وَقَوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تَسْبِيح وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر
والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع لَهُ وَالتَّكْبِير مقرون بالتهليل وتابع لَهُ وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ أَي الْكَلَام أفضل قَالَ مَا اصْطفى الله لملائكته سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَفِي الْقُرْآن ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ وَقَالَت الْمَلَائِكَة ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك﴾
وَهَاتَانِ الكلمتان إِحْدَاهمَا مقرونة بالتحميد وَالْأُخْرَى بالتعظيم فَإنَّا قد ذكرنَا أَن التَّسْبِيح فِيهِ نفي السوء والنقائص المتضمن إِثْبَات المحاسن والكمال وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون على المحاسن وَقرن بَين الْحَمد والتعظيم كَمَا قرن بَين الْجلَال وَالْإِكْرَام إِذْ لَيْسَ كل مُعظم محبوبا مَحْمُودًا وَلَا كل مَحْبُوب مَحْمُودًا مُعظما وَقد تقدم أَن الْعِبَادَة تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ المتضمن معنى الْحَمد وتتضمن كَمَال الذل المتضمن معنى التَّعْظِيم فَفِي الْعِبَادَة حبه وحمده على المحاسن وفيهَا الذل لَهُ الناشىء عَن عَظمته وكبريائه فَفِي إجلاله وإكرامه وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَحق للجلال وَالْإِكْرَام فَهُوَ مُسْتَحقّ غَايَة الإجلال وَغَايَة الْإِكْرَام
وَمن النَّاس من يحْسب أَن الْجلَال هُوَ الصِّفَات السلبية وَالْإِكْرَام الصِّفَات الثبوتية كَمَا ذكر ذَلِك الرَّازِيّ وَنَحْوه وَالتَّحْقِيق أَن كليهمَا صِفَات ثبوتية وَإِثْبَات الْكَمَال يسْتَلْزم نفي النقائص لَكِن ذكر نَوْعي الثُّبُوت وَهُوَ مَا يسْتَحق أَن يعظم كَقَوْلِه ﴿إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لَهُ الْملك وَله الْحَمد﴾ فَإِن كثيرا مِمَّن يكون لَهُ الْملك والغنى لَا يكون مَحْمُودًا بل مذموما إِذْ الْحَمد يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن الْمَحْمُود بمحاسنه المحبوبة فيتضمن إِخْبَارًا بمحاسن المحبوب محبَّة لَهُ
وَكثير مِمَّن لَهُ نصيب من الْحَمد والمحبة يكون فِيهِ عجز وَضعف وذل يُنَافِي العظمة والغنى وَالْملك فَالْأول يهاب وَيخَاف وَلَا يحب وَهَذَا يحب ويحمد وَلَا يهاب وَلَا يخَاف والكمال اجْتِمَاع الوصفين كَمَا ورد فِي الْأَثر أَن الْمُؤمن رزق حلاوة ومهابة وَفِي نعت النَّبِي ﷺ كَانَ من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه
стр. 238
فقرن التَّسْبِيح بالتحميد وَقرن التهليل بِالتَّكْبِيرِ كَمَا فِي كَلِمَات الْأَذَان ثمَّ إِن كل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ يتَضَمَّن الآخر إِذا أفرد فَإِن التَّسْبِيح والتحميد يتَضَمَّن التَّعْظِيم ويتضمن إِثْبَات مَا يحمد عَلَيْهِ وَذَلِكَ يسْتَلْزم الإلهية فَإِن الإلهية تَتَضَمَّن كَونه محبوبا بل تَتَضَمَّن أَنه لَا يسْتَحق كَمَال الْحبّ إِلَّا هُوَ وَالْحَمْد هُوَ الْإِخْبَار عَن الْمَحْمُود بِالصِّفَاتِ الَّتِي يسْتَحق أَن يجب فالإلهية تَتَضَمَّن كَمَال الْحَمد وَلِهَذَا كَانَ الْحَمد لله مِفْتَاح الْخطاب وكل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أجدم وَسُبْحَان الله فِيهَا إِثْبَات عَظمته كَمَا قدمْنَاهُ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فسبح باسم رَبك الْعَظِيم﴾ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم رَوَاهُ أهل السّنَن وَقَالَ اما الرُّكُوع فَعَظمُوا فِيهِ الرب وَأما السُّجُود فاجتهدوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ فقمن أَن يُسْتَجَاب لكم رَوَاهُ مُسلم فَجعل التَّعْظِيم فِي الرُّكُوع أخص مِنْهُ بِالسُّجُود وَالتَّسْبِيح يتَضَمَّن التَّعْظِيم
فَفِي قَوْله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ إِثْبَات تنزيهه وتعظيمه وإلهيته وحمده وَأما قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر فَفِي لَا إِلَه إِلَّا الله إِثْبَات محامده فَإِنَّهَا كلهَا دَاخِلَة فِي إِثْبَات إلهيته وَفِي قَوْله الله أكبر إِثْبَات عَظمته فَإِن الْكِبْرِيَاء تَتَضَمَّن العظمة وَلَكِن الْكِبْرِيَاء أكمل
وَلِهَذَا جَاءَت الْأَلْفَاظ الْمَشْرُوعَة فِي الصَّلَاة وَالْأَذَان بقول الله أكبر فَإِن ذَلِك أكمل من قَول الله أعظم كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته فَجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء وَمَعْلُوم أَن الرِّدَاء أشرف فَلَمَّا كَانَ التَّكْبِير أبلغ من التَّعْظِيم صرح بِلَفْظِهِ وتضمن ذَلِك التَّعْظِيم وَفِي قَوْله سُبْحَانَ الله صرح فِيهَا بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم فَصَارَ كل من الْكَلِمَتَيْنِ متضمنا معنى الْكَلِمَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ إِذا أفردتا وَعند الاقتران تُعْطِي كل كلمة خاصيتها
وَهَذَا كَمَا أَن كل اسْم من أَسمَاء الله فَإِنَّهُ يسْتَلْزم معنى الآخر لَكِن هَذَا باللزوم وَأما دلَالَة كل اسْم على خاصيته وعَلى الذَّات بمجموعهما فبالمطابقة ودلالتها على أَحدهمَا بالتضمن
فَقَوْل الدَّاعِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ يتَضَمَّن معنى الْكَلِمَات الْأَرْبَع اللَّاتِي هن أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن وَهَذِه الْكَلِمَات تَتَضَمَّن مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى وَصِفَاته الْعليا فَفِيهَا كَمَال الْمَدْح
وَقَوله ﴿إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ فِيهِ اعْتِرَاف بِحَقِيقَة حَاله وَلَيْسَ لأحد من الْعباد أَن يبرىء نَفسه عَن هَذَا الْوَصْف لَا سِيمَا فِي مقَام مناجاته لرَبه وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول أَنا خير من يُونُس بن مَتى وَقَالَ من قَالَ أَنا خير من يُونُس بن مَتى فقد كذب فَمن ظن أَنه خير من يُونُس بِحَيْثُ يعلم أَنه لَيْسَ
стр. 239
عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بظُلْم نَفسه فَهُوَ كَاذِب وَلِهَذَا كَانَ سَادَات الْخَلَائق لَا يفضلون أنفسهم على يُونُس فِي هَذَا الْمقَام بل يَقُولُونَ كَمَا قَالَ أبوهم آدم وخاتمهم مُحَمَّد ﷺ
فصل
فِي بطلَان الِاحْتِجَاج بقوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام حَسَنَة الْأَيَّام أحد الْمُجْتَهدين قامع المبتدعين تَقِيّ الدّين أَحْمد بن عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي ﵁ عَن قوم يحتجون بِالْقدرِ وَيَقُولُونَ قد قضي الْأَمر من الذَّر فالسعيد سعيد والشقي شقي من الذَّر ويحتجون بقوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ وَيَقُولُونَ مَا لنا فِي جَمِيع الْأَفْعَال قدرَة وَإِنَّمَا الْقُدْرَة لله تَعَالَى قدر الْخَيْر وَالشَّر وَكتبه علينا وَالْمرَاد بَيَان خطأ هَؤُلَاءِ بالأدلة القاطعة وَيَقُولُونَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة ويحتجون بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ قَوْله ﷺ وَإِن زنا وَإِن سرق وَبِغير ذَلِك فَمَا الْجَواب عَن هَذَا جَمِيعه أفتونا مَأْجُورِينَ
فَأجَاب نفعنا الله بِعُلُومِهِ الْحَمد لله رب الْعَالمين هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِذا صَبَرُوا على هَذَا الِاعْتِقَاد كَانُوا أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِن النَّصَارَى وَالْيَهُود يُؤمنُونَ بِالْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب لَكِن حرفوا وبدلوا وآمنوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا وأعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ فَإِذا كَانَ من آمن بِبَعْض وَكفر بِبَعْض فَهُوَ كَافِر حَقًا فَكيف بِمن كفر بِالْجَمِيعِ وَمن لم يقر بِأَمْر الله وَنَهْيه ووعده ووعيده بل ترك ذَلِك محتجا بِالْقدرِ فَهُوَ أكفر مِمَّن آمن بِبَعْض وَكفر بِبَعْض وَقَول هَؤُلَاءِ يظْهر بُطْلَانه من وُجُوه
أَحدهَا أَن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ إِمَّا أَن يرى الْقدر حجَّة للْعَبد وَإِمَّا أَن لَا يرَاهُ حجَّة للْعَبد فَإِن كَانَ الْقدر حجَّة للْعَبد فَهُوَ حجَّة لجَمِيع النَّاس فَإِنَّهُم كلهم مشتركون فِي الْقدر
стр. 240
وَحِينَئِذٍ يلْزمه أَن لَا يُنكر على من يَظْلمه ويشتمه وَيَأْخُذ مَاله وَيفْسد حريمه وَيضْرب عُنُقه وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَهَؤُلَاء جَمِيعهم كذابون متناقضون فَإِن أحدهم لَا يزَال يذم هَذَا وَيبغض هَذَا وَيُخَالف هَذَا حَتَّى إِن الَّذِي يُنكر عَلَيْهِم يبغضونه ويعادونه وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِ فَإِذا كَانَ الْقدر حجَّة لمن فعل الْمُحرمَات وَترك الْوَاجِبَات لَزِمَهُم أَن لَا يذموا أحدا وَلَا يبغضوا أحدا وَلَا يَقُولُونَ عَن أحد أَنه ظَالِم وَلَو فعل مَا فعل وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَا يُمكن أحدا فعله وَلَو فعل النَّاس هَذَا لهلك الْعَالم فَتبين أَن قَوْلهم فَاسد فِي الْعقل كَمَا أَنه كفر فِي الشَّرْع وَأَنَّهُمْ كذابون مفترون فِي قَوْلهم إِن الْقدر حجَّة للْعَبد
الْوَجْه الثَّانِي أَن هَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَقوم نوح وَقوم هود وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورين وَهَذَا من الْكفْر الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أَرْبَاب الْملَل
الْوَجْه الثَّالِث أَن هَذَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يفرق بَين أَوْلِيَاء الله وأعداء الله وَلَا بَين الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار وَلَا أهل الْجنَّة وَأهل النَّار وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير وَلَا الظُّلُمَات وَلَا النُّور وَلَا الظل وَلَا الحرور وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ جَمِيعهم سبقت لَهُم من الله تَعَالَى السوابق وَكتب الله تَعَالَى مقاديرهم قبل أَن يخلقهم وهم مَعَ هَذَا قد انقسموا إِلَى سعيد بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَإِلَى شقي بالْكفْر والفسوق والعصيان فَعلم بذلك أَن الْقَضَاء وَالْقدر لَيْسَ بِحجَّة لأحد على معاصي الله تَعَالَى
الْوَجْه الرَّابِع أَن الْقدر نؤمن بِهِ وَلَا نحتج بِهِ فَمن احْتج بِالْقدرِ فحجته داحضة وَمن اعتذر بِالْقدرِ فعذره غير مَقْبُول وَلَو كَانَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ مَقْبُولًا لقبل من إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة للعباد لم يعذب الله أحدا من الْخلق لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَلَو كَانَ الْقدر حجَّة لم يقطع سَارِق وَلَا قتل قَاتل وَلَا أقيم حد على ذِي جريمة وَلَا جوهد فِي سَبِيل الله وَلَا أَمر بِمَعْرُوف وَلَا نهي عَن مُنكر
الْوَجْه الْخَامِس أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من النَّار ومقعده من الْجنَّة فَقيل يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على
стр. 241
الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي حَدِيث آخر فِي الصَّحِيح أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس فِيهِ ويكدحون أفيما جَفتْ بِهِ الأقلام وطويت بِهِ الصُّحُف فَقيل فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
الْوَجْه السَّادِس أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى علم الْأُمُور وكتبها على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ قد كتب أَن فلَانا يُؤمن وَيعْمل صَالحا فَيدْخل الْجنَّة وَفُلَانًا يفسق ويعصي فَيدْخل النَّار كَمَا علم وَكتب أَن فلَانا يتَزَوَّج امْرَأَة ويطؤها فيأتيه ولد وَأَن فلَانا يَأْكُل وَيشْرب فيشبع ويروى وَأَن فلَانا يبذر الْبذر فينبت الزَّرْع فَمن قَالَ إِن كنت من أهل الْجنَّة فَأَنا أدخلها بِلَا عمل صَالح كَانَ قَوْله قولا بَاطِلا متناقضا لما علمه الله وَقدره وَمِثَال من يَقُول أَنا لَا أَطَأ امْرَأَة فَإِن كَانَ الله قضى لي بِولد فَهُوَ يُولد فَهَذَا جَاهِل فَإِن الله تَعَالَى إِذا قضى بِالْوَلَدِ قضى أَن أَبَاهُ يطَأ امْرَأَة فتحبل وتلد فَأَما الْوَلَد بِلَا حَبل وَلَا وَطْء فَإِن الله لم يقدره وَلم يَكْتُبهُ كَذَلِك الْجنَّة إِنَّمَا أعدهَا الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين فَمن ظن أَنه يدْخل الْجنَّة بِلَا إِيمَان كَانَ ظَنّه بَاطِلا وَإِذا اعْتقد أَن الْأَعْمَال الَّتِي أَمر الله بهَا لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وَلَا فرق بَين أَن يعملها أَو لَا يعملها كَانَ كَافِرًا وَالله قد حرم الْجنَّة إِلَّا على أَصْحَابهَا
فصل وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ الْآيَة فَمن سبقت لَهُ من الله الْحسنى فَلَا بُد أَن يصير مُؤمنا تقيا فَمن لم يكن من الْمُؤمنِينَ لم تسبق لَهُ من الله الْحسنى لَكِن الله إِذا سبقت للْعَبد مِنْهُ سَابِقَة اسْتَعْملهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يصل بِهِ إِلَى تِلْكَ السَّابِقَة كمن سبق لَهُ من الله تَعَالَى أَن يُولد لَهُ ولد فَلَا بُد أَن يطَأ امْرَأَة يحبلها فَإِن الله قدر الْأَسْبَاب والمسببات فَسبق مِنْهُ هَذَا وَهَذَا فَمن ظن أَن أحدا سبق لَهُ من الله الْحسنى بِلَا سَبَب فقد ضل بل هُوَ سُبْحَانَهُ ميسر الْأَسْبَاب والمسببات وَهُوَ قد قدر فِيمَا مضى هَذَا وَهَذَا
فصل وَمن قَالَ أَن آدم ﵊ مَا عصى فَهُوَ مكذب لِلْقُرْآنِ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتباه ربه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهدى﴾ وَالْمَعْصِيَة هِيَ مُخَالفَة الْأَمر الشَّرْعِيّ فَمن خَالف أَمر الله الَّذِي أرسل فِيهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه فقد عَصَاهُ وَإِن كَانَ دَاخِلا فِيمَا قدره الله وقضاه وَهَؤُلَاء ظنُّوا أَن الْمعْصِيَة هِيَ الْخُرُوج عَن قدر الله فَإِن لم تكن الْمعْصِيَة إِلَّا هَذَا فَلَا يكون إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَقوم نوح وَقوم عَاد وَثَمُود وَجَمِيع الْكفَّار عصاة أَيْضا لأَنهم داخلون فِي قدر الله تَعَالَى ثمَّ قَائِل هَذَا يضْرب ويهان فَإِذا تظلم مِمَّن فعل ذَلِك بِهِ قيل لَهُ هَذَا الَّذِي فعل هَذَا لَيْسَ هُوَ بعاص لله
стр. 242
تَعَالَى فَإِنَّهُ دَاخل فِي قدر الله كَسَائِر الْخلق وَقَائِل هَذَا القَوْل متناقض لَا يثبت على حَال
فصل وَأما قَول الْقَائِل مَا لنا فِي جَمِيع أفعالنا قدرَة فقد كذب فَإِن الله تَعَالَى فرق بَين المستطيع الْقَادِر وَغير المستطيع وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وَشَيْبَة﴾ وَالله تَعَالَى قد أثبت للْعَبد مَشِيئَة وفعلا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ لَكِن الله سُبْحَانَهُ خالقه وخالق كل مَا فِيهِ من قدرَة ومشيئة وَعمل فَإِنَّهُ لَا رب غَيره وَلَا إِلَه سواهُ وَهُوَ خَالق كل شَيْء وربه ومليكه
فصل وَأما قَول الْقَائِل الزِّنَا من الْمعاصِي مَكْتُوب فَهُوَ كَلَام صَحِيح لَكِن هَذَا لَا يَنْفَعهُ الِاحْتِجَاج بِهِ فَإِن الله تَعَالَى كتب أَفعَال الْعباد خَيرهَا وشرها وَكتب مَا يصيرون إِلَيْهِ من السَّعَادَة والشقاوة وَجعل الْأَعْمَال سَببا للثَّواب وَالْعِقَاب وَكتب ذَلِك كَمَا كتب الْأَمْرَاض وَجعلهَا سَببا للثَّواب وَالْعِقَاب وَكتب ذَلِك كَمَا كتب الْأَمْرَاض وَجعلهَا سَببا للمرض وَالْمَوْت فَمن أكل السم فَإِنَّهُ يمرض أَو يَمُوت وَالله تَعَالَى قدر وَكتب هَذَا وَهَذَا كَذَلِك من فعل مَا نهي عَنهُ من الْكفْر والفسوق والعصيان فَإِنَّهُ فعل مَا كتب عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَحقّ لما كتبه الله من الْجَزَاء لمن عمل ذَلِك وَحجَّة هَؤُلَاءِ بِالْقدرِ على الْمعاصِي من جنس حجَّة الْمُشْركين الَّذين قَالَ الله تَعَالَى عَنْهُم ﴿وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾
стр. 243
٤٥٤
- فصل
قَالَ شيخ الْإِسْلَام قدس الله روحه وَنور ضريحه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾
стр. 244
فِي طرده الْكَلَام على مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْآيَة وَغَيرهَا فَقَالَ وَأما الْجَواب الْمفصل فَمن ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن هَذِه الْآيَة فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة فِي قَول كثير من أهل الْعلم فروى هشيم عَن الْعَوام بن حَوْشَب ثَنَا شيخ من بني كَاهِل قَالَ فسر ابْن عَبَّاس سُورَة النُّور فَلَمَّا أَتَى على هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات﴾ إِلَى آخر الْآيَة قَالَ هَذِه فِي شَأْن عَائِشَة وَأَزْوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَهِي مُبْهمَة لَيْسَ فِيهَا تَوْبَة وَمن قذف امْرَأَة مُؤمنَة فقد جعل الله لَهُ تَوْبَة ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ فَجعل لهَؤُلَاء تَوْبَة وَلم يَجْعَل لأولئك تَوْبَة قَالَ فهم رجل أَن يقوم فَيقبل رَأسه من حسن مَا فسر
وَقَالَ أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا عبد الله بن خرَاش عَن الْعَوام عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات﴾ نزلت فِي عَائِشَة خَاصَّة واللعنة فِي الْمُنَافِقين عَامَّة فقد بَين ابْن عَبَّاس أَن هَذِه الْآيَة إِنَّمَا نزلت فِيمَن يقذف عَائِشَة وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ لما فِي قذفهن من الطعْن على رَسُول الله ﷺ وعيبه فَإِن قذف الْمَرْأَة أَذَى لزَوجهَا كَمَا هُوَ أَذَى لابنها لِأَنَّهُ نِسْبَة لَهُ إِلَى الدياثة وَإِظْهَار لفساد فرَاشه فَإِن زنا امْرَأَته يُؤْذِيه أَذَى عَظِيما وَلِهَذَا جوز لَهُ الشَّارِع أَن يقذفها إِذا زنت وَدَرَأَ الْحَد عَنهُ بِاللّعانِ وَلم يبح لغيره أَن يقذف امْرَأَة بِحَال
وَلَعَلَّ مَا يلْحق بعض النَّاس من الْعَار والخزي بِقَذْف أَهله أعظم مِمَّا يلْحقهُ لَو كَانَ هُوَ الْمَقْذُوف وَلِهَذَا ذهب الإِمَام أَحْمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ المنصوصتين عَنهُ إِلَى أَن من قذف امْرَأَة غير مُحصنَة كالأمة والذمية وَلها زوج أَو ولد مُحصن حد لقذفها لما ألحقهُ من الْعَار بِوَلَدِهَا وَزوجهَا المحصنين وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَنهُ وَهِي قَول الْأَكْثَرين أَنه لَا حد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَذَى لَهما لَا قذف لَهما وَالْحَد التَّام إِنَّمَا يجب بِالْقَذْفِ وَفِي جَانب النَّبِي ﷺ بِعَيْب أَزوَاجه فَهُوَ مُنَافِق وَهَذَا معنى قَول ابْن عَبَّاس اللَّعْنَة فِي الْمُنَافِقين عَامَّة
وَقد وَافق ابْن عَبَّاس جمَاعَة فروى الإِمَام أَحْمد والأشج عَن خصيف قَالَ سَأَلت سعيد بن جُبَير فَقلت الزِّنَا أَشد أَو قذف المحصنة قَالَ لَا بل الزِّنَا قَالَ قلت فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾
стр. 245
فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي عَائِشَة خَاصَّة وروى أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الجوزاء فِي هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي عَائِشَة خَاصَّة وروى أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الجوزاء فِي هَذِه الْآيَة ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ قَالَ هَذِه الْآيَة لأمهات الْمُؤمنِينَ خَاصَّة وروى الْأَشَج بِإِسْنَادِهِ عَن الضَّحَّاك فِي هَذِه الْآيَة قَالَ هن نسَاء النَّبِي ﷺ وَقَالَ معمر عَن الْكَلْبِيّ إِنَّمَا عَنى بِهَذِهِ الْآيَة أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَأَما من رمى امْرَأَة من الْمُسلمين فَهُوَ فَاسق كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو يَتُوب﴾
وَوجه هَذَا أَن لعنة الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا تستوجب بِمُجَرَّد الْقَذْف فَتكون اللَّام فِي قَوْله ﴿الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات﴾ لتعريف الْمَعْهُود والمعهود هُنَا أَزوَاج النَّبِي ﷺ لِأَن الْكَلَام فِي قصَّة الْإِفْك وَوُقُوع من وَقع فِي أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة أَو يقصر اللَّفْظ الْعَام على سَببه للدليل الَّذِي يُوجب ذَلِك وَيُؤَيّد هَذَا القَوْل أَن الله سُبْحَانَهُ رتب هَذَا الْوَعْد على قذف محصنات غافلات مؤمنات وَقَالَ فِي أول السُّورَة ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ الْآيَة فرتب الْحُدُود وَالشَّهَادَة وَالْفِسْق على مُجَرّد قذف الْمُحْصنَات فَلَا بُد أَن يكون الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لَهُنَّ مزية على مُجَرّد الْمُحْصنَات وَذَلِكَ وَالله أعلم لِأَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ مشهود لَهُنَّ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهن أَزوَاج نبيه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وعوام المسلمات إِنَّمَا يعلم مِنْهُنَّ فِي الْغَالِب ظَاهر الْإِيمَان وَلِأَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فِي قصَّة عَائِشَة وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم فتخصيصه مُتَوَلِّي كبره دون غَيره دَلِيل على اخْتِصَاصه بِالْعَذَابِ الْعَظِيم وَقَالَ ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ فَعلم أَن الْعَذَاب الْعَظِيم لَا يمس كل من قذف وَإِنَّمَا يمس مُتَوَلِّي كبره فَقَط وَقَالَ هُنَا ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَعلم أَن الَّذِي رمى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ يعيب بذلك رَسُوله ﷺ وَتَوَلَّى كبر الْإِفْك وَهَذِه صفة الْمُنَافِق ابْن أبي وَالله أعلم على هَذَا القَوْل تكون هَذِه الْآيَة حجَّة أَيْضا مُوَافقَة لتِلْك الْآيَة لِأَنَّهُ لما كَانَ رمي أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ أَذَى للنَّبِي ﷺ لعن صَاحبه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهَا تَوْبَة لِأَن مؤذي النَّبِي ﷺ لَا تقبل تَوْبَته أَو يُرِيد إِذا تَابَ من الْقَذْف حَتَّى يسلم إسلاما جَدِيدا وعَلى هَذَا فرميهن نفاق مُبِيح للدم إِذا قصد بِهِ أَذَى النَّبِي ﷺ أَو بعد الْعلم بأنهن أَزوَاجه فِي الْآخِرَة فَإِنَّهُ مَا بَغت امْرَأَة نَبِي قطّ
стр. 246
وَمَا يدل على أَن قذفهن أَذَى للنَّبِي ﷺ مَا خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث الْإِفْك عَن عَائِشَة قَالَت فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قَالَت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَا معشر الْمُسلمين من يعذرني من رجل قد بَلغنِي أَذَاهُ عَن أهل بَيْتِي فوَاللَّه مَا علمت على أهل بَيْتِي إِلَّا خيرا وَلَقَد ذكرُوا رجلا مَا علمت عَلَيْهِ إِلَّا خيرا وَمَا كَانَ يدْخل على أَهلِي إِلَّا معي فَقَامَ سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَنا أعذرك مِنْهُ يَا رَسُول الله إِن كَانَ من الْأَوْس ضربنا عُنُقه وَإِن كَانَ من إِخْوَاننَا الْخَزْرَج أمرتنا فَفَعَلْنَا أَمرك فَقَامَ سعد بن عبَادَة وَهُوَ سيد الْخَزْرَج وَكَانَ رجلا صَالحا وَلَكِن احتملته الحمية فَقَالَ لسعد بن معَاذ لعمر الله لَا تقتلنه وَلَا تقدر على قَتله فَقَامَ أسيد بن حضير وَهُوَ ابْن عَم سعد بن معَاذ فَقَالَ لسعد بن عبَادَة كذبت لعمر الله لنقتلنه فَإنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين قَالَت فثار الْحَيَّانِ الْأَوْس والخزرج حَتَّى هموا أَن يقتتلوا وَرَسُول الله ﷺ قَائِم على الْمِنْبَر فَلم يزل رَسُول الله ﷺ يخفضهم حَتَّى سكتوا وَسكت
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة أَن هَذِه الْآيَة فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَيَقُول آخَرُونَ يَعْنِي أَزوَاج الْمُؤمنِينَ عَامَّة وَقَالَ أَبُو سَلمَة قذف الْمُحْصنَات من الموجبات ثمَّ قَرَأَ ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ الْآيَة وَعَن عمر بن قيس قَالَ قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رَوَاهَا الأشنج وَهَذَا قَول كثير من النَّاس وَوَجهه ظَاهر الْخطاب فَإِنَّهُ عَام فَيجب إجراؤه على عُمُومه إِذْ لَا مُوجب لخصوصه وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِنَفس السَّبَب بالِاتِّفَاقِ لِأَن حكم غير عَائِشَة من أَزوَاج النَّبِي ﷺ دَاخل فِي الْعُمُوم وَلَيْسَ هُوَ من السَّبَب وَلِأَنَّهُ لفظ جمع وَالسَّبَب فِي وَاحِدَة هُنَا وَلِأَن قصر عمومات الْقُرْآن على أَسبَاب نُزُولهَا بَاطِل فَإِن عَامَّة الْآيَات نزلت بِأَسْبَاب اقْتَضَت ذَلِك وَقد علم أَن شَيْئا مِنْهَا لم يقصر على سَببه وَالْفرق بَين الْآيَتَيْنِ أَنه فِي أول السُّورَة ذكر الْعُقُوبَات الْمَشْرُوعَة على أَيدي الْمُكَلّفين من الْجلد ورد الشَّهَادَة والتفسيق وَهنا ذكر الْعقُوبَة الْوَاقِعَة من الله سُبْحَانَهُ وَهِي اللَّعْنَة فِي الدَّاريْنِ وَالْعَذَاب الْعَظِيم وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من غير وَجه عَن أَصْحَابه أَن قذف الْمُحْصنَات من الْكَبَائِر وَفِي لفظ فِي الصَّحِيح قذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَبُو حَمْزَة الثمالِي بلغنَا أَنَّهَا نزلت فِي مُشْركي أهل مَكَّة إِذْ كَانَ بَينهم وَبَين رَسُول الله ﷺ عهد فَكَانَت الْمَرْأَة إِذا خرجت إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة
стр. 247
مهاجرة قَذفهَا الْمُشْركُونَ من أهل مَكَّة وَقَالُوا إِنَّهَا خرجت تفجر فعلى يكون يكون فِيمَن قذف الْمُؤْمِنَات قذفا يصدهن بِهِ عَن الْإِيمَان ويقصد بذلك ذمّ الْمُؤمنِينَ لينفر النَّاس عَن الْإِسْلَام كَمَا فعل كَعْب بن الْأَشْرَف وعَلى هَذَا فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَهُوَ بِمَنْزِلَة من سبّ النَّبِي ﷺ
وَقَوله إِنَّهَا نزلت زمن الْعَهْد يَعْنِي وَالله أعلم أَنه عَنى بهَا مثل أُولَئِكَ الْمُشْركين المعاهدين وَإِلَّا فَهَذِهِ الْآيَة نزلت ليَالِي الْإِفْك فِي غَزْوَة بني المصطلق قبل الخَنْدَق والهدنة كَانَت بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ
وَمِنْهُم من أجراها على ظَاهرهَا وعمومها لِأَن سَبَب نُزُولهَا قذف عَائِشَة وَكَانَ فِيمَن قَذفهَا مُؤمن ومنافق وَسبب النُّزُول لَا بُد أَن ينْدَرج فِي الْعُمُوم وَلِأَنَّهُ لَا مُوجب لتخصيصها وَالْجَوَاب على هَذَا التَّقْدِير أَنه سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَا ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ على بِنَاء الْفِعْل للْمَفْعُول وَلم يسم اللاعن وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَإِذا لم يسم الْفَاعِل جَازَ أَن يلعنهم غير الله من الْمَلَائِكَة وَالنَّاس وَجَاز أَن يلعنهم الله فِي وَقت ويلعنهم بعض خلقه فِي وَقت وَجَاز أَن الله يتَوَلَّى لعنة بَعضهم وَهُوَ من كَانَ قذفه طَعنا فِي الدّين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وَإِذا كَانَ اللاعن مخلوقا فلعنه قد يكون بِمَعْنى الدُّعَاء عَلَيْهِم وَقد يكون بِمَعْنى أَنهم يبعدونهم عَن رَحْمَة الله
وَيُؤَيّد هَذَا أَن الرجل إِذا قذف امْرَأَته تلاعنا وَقَالَ الزَّوْج فِي الْخَامِسَة لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين فَهُوَ يَدْعُو على نَفسه إِن كَانَ كَاذِبًا فِي الْقَذْف أَن يلعنه الله كَمَا أَمر الله وَرَسُوله أَن يباهل من حَاجَة فِي الْمَسِيح بعد مَا جَاءَهُ من الْعلم بِأَن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الْكَاذِبين فَهَذَا مِمَّا يعلن بِهِ الْقَاذِف وَمِمَّا يلعن بِهِ أَن يجلد وَأَن ترد شَهَادَته ويفسق فَإِنَّهُ عُقُوبَة لَهُ وإقصاء لَهُ عَن مَوَاطِن الْأَمْن وَالْقَبُول وَهِي من رَحْمَة الله وَهَذَا بِخِلَاف من أخبر الله أَنه لَعنه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِن لعنة الله توجب زَوَال النَّصْر عَنهُ من كل وَجه وَبعده عَن أَسبَاب الرَّحْمَة فِي الدَّاريْنِ
وَمِمَّا يُؤَيّد الْفرق أَنه قَالَ ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَلم يَجِيء إعداد الْعَذَاب المهين فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي حق الْكفَّار كَقَوْلِه ﴿الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل ويكتمون مَا آتَاهُم الله من فَضله وأعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ وَقَوله ﴿وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾
стр. 248
وَقَوله ﴿فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عَذَاب مهين﴾ ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِك لَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَإِذا علم من آيَاتنَا شَيْئا اتخذها هزوا أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ ﴿وَقد أنزلنَا آيَات بَيِّنَات وللكافرين عَذَاب مهين﴾ ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم جنَّة فصدوا عَن سَبِيل الله فَلهم عَذَاب مهين﴾
وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ فَهِيَ وَالله أعلم فِيمَن جحد الْفَرَائِض واستخف بهَا على أَنه لم يذكر أَن الْعَذَاب أعد لَهُ وَأما الْعَذَاب الْعَظِيم فقد جَاءَ وعيدا للْمُؤْمِنين فِي قَوْله ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقَوله ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ وَفِي الْمُحَارب ﴿ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ وَفِي الْقَاتِل ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا وتذوقوا السوء بِمَا صددتم عَن سَبِيل الله وَلكم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمن يهن الله فَمَا لَهُ من مكرم﴾ وَذَلِكَ لِأَن الإهانة إذلال وتحقير وخزي وَذَلِكَ قدر زَائِد على ألم الْعَذَاب فقد يعذب الرجل الْكَرِيم وَلَا يهان فَلَمَّا قَالَ فِي هَذِه الْآيَة ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ علم أَنه من جنس الْعَذَاب الَّذِي توعد بِهِ الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَلما قَالَ هُنَاكَ ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾
стр. 249
جَازَ أَن يكون من جني الْعَذَاب فِي قَوْله ﴿لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾
وَمِمَّا يبين بِهِ الْفرق أَيْضا سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَاكَ ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَالْعَذَاب إِنَّمَا أعد للْكَافِرِينَ فَإِن جَهَنَّم لَهُم خلقت لأَنهم لَا بُد أَن يدخلوها وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين
وَأهل الْكَبَائِر من الْمُؤمنِينَ يجوز أَن يدخلوها إِذا غفر الله لَهُم وَإِذا دخلوها فَإِنَّهُم يخرجُون مِنْهَا وَلَو بعد حِين قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ فَأمر سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ أَن لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا وَأَن يتقوا الله وَأَن يتقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ فَعلم أَنهم يخَاف عَلَيْهِم من دُخُول النَّار إِذا أكلُوا الرِّبَا وفعلوا الْمعاصِي مَعَ أَنَّهَا معدة للْكَافِرِينَ لَا لَهُم وَلذَلِك جَاءَ فِي الحَدِيث أما أهل النَّار هم أَهلهَا فَإِنَّهُم لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَأما أَقوام لَهُم ذنُوب فيصيبهم سفع من نَار ثمَّ يخرجهم الله مِنْهَا
وَهَذَا كَمَا أَن الْجنَّة أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَإِن كَانَ يدخلهَا الْأَبْنَاء بِعَمَل آبَائِهِم ويدخلها قوم بالشفاعة وَقوم بِالرَّحْمَةِ وينشىء الله لما فضل مِنْهَا خلقا آخر فِي الدَّار الْآخِرَة فيدخلهم إِيَّاهَا وَذَلِكَ لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يعد لمن يستوجبه ويستحقه وَلمن أولى النَّاس بِهِ ثمَّ قد يدْخل مَعَه غَيره بطرِيق التبع أَو لسَبَب آخر وَالله أعلم
стр. 250
فصل
اعْتِرَاض وَجَوَابه
قَالَ الْمُعْتَرض فِي أَسمَاء الله الْحسنى النُّور الْهَادِي يجب تَأْوِيله قطعا إِذْ النُّور كَيْفيَّة قَائِمَة بالجسمية وَهُوَ ضد الظلمَة وَجل الْحق سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ضد وَلَو كَانَ نورا لم تجز إِضَافَته إِلَى نَفسه فِي قَوْله ﴿مثل نوره﴾ فَتكون إِضَافَته الشَّيْء إِلَى نَفسه وَهُوَ غير جَائِز وَقَوله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي هادي أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ ضَعِيف لِأَن ذكر الْهَادِي بعده يكون تَكْرَارا وَقيل منور السَّمَاوَات بالكواكب وَقيل بالأدلة والحجج الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فَلَا يجوز على الله والتأويل مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَسَالم وَهَذَا يبطل دَعْوَاهُ أَن التَّأْوِيل يبطل الظَّاهِر وَلم ينْقل عَن السّلف وَلَو كَانَ نورا حَقِيقَة كَمَا يَقُوله المشبهة لوَجَبَ أَن يكون الضياء لَيْلًا وَنَهَارًا على الدَّوَام
وَقَوله ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَمَعْلُوم أَنه ﷺ لم يكن السراج الْمَعْرُوف وَإِنَّمَا سمي سِرَاجًا بِالْهدى الَّذِي جَاءَ بِهِ ووضوح أدلته بِمَنْزِلَة السراج الْمُنِير
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى وَأبي الْعَالِيَة وَالْحسن يَعْنِي منور السَّمَاوَات وَالْأَرْض شمسها وقمرها ونجومها وَمن كَلَام العارفين النُّور هُوَ الَّذِي نور قُلُوب الصَّادِقين بتوحيده وَنور أسرار المحبين بتأييده وَقيل هُوَ الَّذِي أَحْيَا قُلُوب العارفين بِنور مَعْرفَته ونفوس العابدين بِنور عِبَادَته
وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام وَأَمْثَاله لَيْسَ باعتراض علينا وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاء نقص حرمته مِنْهُم لما يظنّ أَنه يلْزمنَا أَو يظنّ أَنا نقُوله على الْوَجْه الَّذِي حَكَاهُ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿اجتنبوا كثيرا من الظَّن إِن بعض الظَّن إِثْم﴾
следующие страницы →