← Тафсир

Тафсир · id 5487

دقائق التفسير

ابن تيمية

Полный текст (300 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَأما الْخَلِيل فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك وأرنا مناسكنا وَتب علينا إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم﴾ ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فقد أخبر تَعَالَى أَنه أَمر الْخَلِيل بِالْإِسْلَامِ وَأَنه قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين وَأَن إِبْرَاهِيم وصّى بنيه وَيَعْقُوب وصّى بنيه أَن لَا يموتن إِلَّا وهم مُسلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي وَالَّذين آمنُوا وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن يُوسُف الصّديق بن يَعْقُوب أَنه قَالَ ﴿رب قد آتيتني من الْملك وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى عَن مُوسَى ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قوم إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِن كُنْتُم مُسلمين﴾ وَقَالَ عَن السَّحَرَة الَّذين آمنُوا بمُوسَى ﴿قَالُوا لَا ضير إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون إِنَّا نطمع أَن يغْفر لنا رَبنَا خطايانا أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تنقم منا إِلَّا أَن آمنا بآيَات رَبنَا لما جاءتنا رَبنَا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مُسلمين﴾ قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة سُلَيْمَان ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَلا تعلوا عَليّ وأتوني مُسلمين﴾

стр. 37

و ﴿قَالَ يَا أَيهَا الْمَلأ أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا قبل أَن يأتوني مُسلمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن بلقيس الَّتِي آمَنت بِسُلَيْمَان ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين﴾ وَقَالَ عَن أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن الحواريين ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر الله تَعَالَى أَنهم كَانُوا مُسلمين وَهَذَا مِمَّا يبين أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَقَوله ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ لَا يخْتَص بِمن بعث إِلَيْهِ مُحَمَّد ﷺ بل هُوَ حكم عَام فِي الْأَوَّلين والآخرين وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾

стр. 38

فصل قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ الله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع إِلَّا مَا ذكيتم﴾

стр. 39

وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا ذكيتم﴾ عَائِد إِلَى مَا تقدم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكلية السَّبع عِنْد عَامَّة الْعلمَاء كالشافعي وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي حنيفَة وَغَيرهم فَمَا أَصَابَهُ الْمَوْت قبل أَن يَمُوت أُبِيح لَكِن تنَازع الْعلمَاء فِيمَا يذكى من ذَلِك فَمنهمْ من قَالَ مَا تَيَقّن مَوته لَا يذكى كَقَوْل مَالك وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَمِنْهُم من يَقُول مَا يعِيش مُعظم الْيَوْم ذكي وَمِنْهُم من يَقُول مَا كَانَت فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة ذكي كَمَا يَقُوله من يَقُوله من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يَقُول الْحَيَاة المستقرة مَا يزِيد على حَرَكَة الْمَذْبُوح وَمِنْهُم من يَقُول مَا يُمكن أَن يزِيد على حَيَاة الْمَذْبُوح وَالصَّحِيح أَنه إِذا كَانَ حَيا فذكي حل أكله وَلَا يعْتَبر فِي ذَلِك حَرَكَة مَذْبُوح فَإِن حركات الْمَذْبُوح لَا تنضبط بل فِيهَا مَا يطول زَمَانه وتعظم حركته وفيهَا مَا يقل زَمَانه وتضعف حركته وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا فَمَتَى جرى الدَّم الَّذِي يجْرِي من الْمَذْبُوح الَّذِي ذبح وَهُوَ حَيّ حل أكله وَالنَّاس يفرقون بَين دم مَا كَانَ حَيا وَدم مَا كَانَ مَيتا فَإِن الْمَيِّت يجمد دَمه ويسود وَلِهَذَا حرم الله الْميتَة لاحتقان الرطوبات فِيهَا فَإِذا جرى مِنْهُ الدَّم الَّذِي يخرج من الْمَذْبُوح الَّذِي ذبح وَهُوَ حَيّ حل أكله وَإِن تَيَقّن أَنه يَمُوت فَإِن الْمَقْصُود ذبح وَمَا فِيهِ حَيَاة فَهُوَ حَيّ وَإِن تَيَقّن أَنه يَمُوت بعد سَاعَة فعمر بن الْخطاب ﵁ تَيَقّن أَنه يَمُوت وَكَانَ حَيا جَازَت وَصيته وَصلَاته وعهوده وَقد أفتى غير وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ بِأَنَّهَا إِذا مصعت بذنبها أَو طرفت بِعَينهَا أَو ركضت برجلها بعد الذّبْح حلت وَلم يشترطوا أَن تكون حركتها قبل ذَلِك أَكثر من حَرَكَة الْمَذْبُوح وَهَذَا قَالَه الصَّحَابَة لِأَن الْحَرَكَة دَلِيل على الْحَيَاة وَالدَّلِيل لَا ينعكس فَلَا يلْزم إِذا لم يُوجد هَذَا مِنْهَا أَن تكون ميتَة بل قد تكون حَيَّة وَإِن لم يُوجد مِنْهَا مثل ذَلِك وَالْإِنْسَان قد يكون نَائِما فَيذْبَح وَهُوَ نَائِم وَلَا يضطرب وَكَذَلِكَ المغمي عَلَيْهِ يذبح وَلَا يضطرب وَكَذَلِكَ الدَّابَّة قد تكون حَيَّة فتذبح وَلَا تضطرب لِضعْفِهَا عَن الْحَرَكَة وَإِن كَانَت حَيَّة وَلَكِن خُرُوج الدَّم الَّذِي لَا يخرج إِلَّا من مَذْبُوح وَلَيْسَ هُوَ دم الْمَيِّت دَلِيل على الْحَيَاة وَالله أعلم

стр. 40

فصل وَتجوز ذَكَاة الْمَرْأَة وَالرجل وتذبح الْمَرْأَة وَإِن كَانَت حَائِضًا فَإِن حَيْضَتهَا لَيست فِي يَدهَا وذكاة الْمَرْأَة جَائِزَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقد ذبحت امْرَأَة شَاة فَأمر النَّبِي ﷺ بأكلها فصل وَالتَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة مَشْرُوعَة لَكِن قيل هِيَ مُسْتَحبَّة كَقَوْل الشَّافِعِي وَقيل وَاجِبَة مَعَ الْعمد وَتسقط مَعَ السَّهْو كَقَوْل أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَقيل تجب مُطلقًا فَلَا تُؤْكَل الذَّبِيحَة بِدُونِهَا سَوَاء تَركهَا عمدا أَو سَهوا كالرواية الْأُخْرَى عَن أَحْمد اخْتَارَهَا أَبُو الْخطاب وَغَيره وَهُوَ قَول غير وَاحِد من السّلف وَهَذَا أظهر الْأَقْوَال فَإِن الْكتاب وَالسّنة قد علقا الْحل بِذكر اسْم الله فِي غير مَوضِع كَقَوْلِه ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَقَوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا لكم أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلُوا وَفِي الصَّحِيح أَنه قَالَ لعدي إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله فَقتل فَكل وَإِن خالط كلبك كلاب آخر فَلَا تَأْكُل فَإنَّك إِنَّمَا سميت على كلبك وَلم تسم على غَيره وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن الْجِنّ سَأَلُوهُ الزَّاد لَهُم ولدوابهم فَقَالَ لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بَعرَة علف لدوابكم قَالَ النَّبِي ﷺ فَلَا تستنجوا بهما فَإِنَّهُمَا زَاد إخْوَانكُمْ من الْجِنّ فَهُوَ ﷺ لم يبح للجن الْمُؤمنِينَ إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكيف بالإنس وَلَكِن إِذا وجد الْإِنْسَان لَحْمًا قد ذبحه غَيره جَازَ لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ وَيذكر اسْم الله عَلَيْهِ لحمل أَمر النَّاس على الصِّحَّة والسلامة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن قوما قَالُوا يَا رَسُول الله إِن نَاسا حَدِيثي عهد بِالْإِسْلَامِ يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ وَلَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهِ أم لم يذكرُوا فَقَالَ سموا أَنْتُم وكلوا فصل أما عظم الْميتَة وقرنها وظفرها وَمَا هُوَ من جنس ذَلِك كالحافر وَنَحْوه وشعرها وريشها ووبرها

стр. 41

فَفِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ للْعُلَمَاء ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا نَجَاسَة الْجَمِيع كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْمَشْهُور وَذَلِكَ رِوَايَة عَن أَحْمد وَالثَّانِي أَن الْعِظَام وَنَحْوهَا نَجِسَة والشعور وَنَحْوهَا طَاهِرَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَأحمد وَالثَّالِث أَن الْجَمِيع طَاهِر كَقَوْل أبي حنيفَة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب مَالك وَأحمد وَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب لِأَن الأَصْل فِيهَا الطَّهَارَة وَلَا دَلِيل على النَّجَاسَة وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الْأَعْيَان هِيَ من الطَّيِّبَات لَيست من الْخَبَائِث فَتدخل فِي آيَة التَّحْلِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لم تدخل فِيمَا حرمه الله من الْخَبَائِث لَا لفظا وَلَا معنى أما اللَّفْظ فكقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ لَا يدْخل فِيهَا الشُّعُور وَمَا أشبههَا وَذَلِكَ لِأَن الْمَيِّت ضد الْحَيّ والحياة نَوْعَانِ حَيَاة الْحَيَوَان وحياة النَّبَات فحياة الْحَيَوَان خاصتها الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وحياة النَّبَات النمو والاغتذاء وَقَوله ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ إِنَّمَا هُوَ بِمَا فارقته الْحَيَاة الحيوانية دون النباتية فَإِن الزَّرْع وَالشَّجر إِذا يبس لم ينجس بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقد تَمُوت الأَرْض وَلَا يُوجب ذَلِك نجاستها بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِنَّمَا الْميتَة الْمُحرمَة مَا كَانَ فِيهَا الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَأما الشّعْر فَإِنَّهُ يَنْمُو ويغتذي وَيطول كالزرع لَيْسَ فِيهِ حس وَلَا يَتَحَرَّك بِإِرَادَة وَلَا تحله الْحَيَاة الحيوانية حَتَّى يَمُوت بمفارقتها وَلَا وَجه لتنجيسه وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الشّعْر جُزْءا من الْحَيَوَان لما أُبِيح أَخذه فِي حَال الْحَيَاة فَإِن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن قوم يحبونَ أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فَقَالَ مَا أبين من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء فَلَو كَانَ حكم الشّعْر حكم السنام والألية لما جَازَ قطعه فِي حَال الْحَيَاة فَلَمَّا اتّفق الْعلمَاء على أَن الشّعْر وَالصُّوف إِذا جز من الْحَيَوَان كَانَ حَلَالا طَاهِرا علم أَنه لَيْسَ مثل اللَّحْم وَأَيْضًا فقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ أعْطى شعره لما حلق رَأسه للْمُسلمين وَكَانَ النَّبِي ﷺ يستنجي ويستجمر فَمن سوى بَين الشّعْر وَالْبَوْل والعذرة فقد أَخطَأ خطأ مُبينًا وَأما الْعِظَام وَنَحْوهَا فَإِذا قيل أَنَّهَا دَاخِلَة فِي الْميتَة لِأَنَّهَا تنجس قيل لمن قَالَ ذَلِك لم تَأْخُذُوا بِعُمُوم اللَّفْظ فَإِن مَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة كالذباب وَالْعَقْرَب والخنفساء لَا ينجس عنْدكُمْ

стр. 42

وَعند جُمْهُور الْعلمَاء مَعَ أَنَّهَا ميتَة موتا حيوانيا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليمقله فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء وَمن نجس هَذَا قَالَ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ أَنه لَا ينجس الْمَائِعَات الْوَاقِعَة فِيهِ لهَذَا الحَدِيث وَإِذا كَانَ كَذَلِك علم أَن عِلّة نَجَاسَة الْميتَة إِنَّمَا هُوَ احتباس الدَّم فِيهَا فَمَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَإِذا مَاتَ لم يحتبس فِيهِ الدَّم فَلَا ينجس فالعظم وَنَحْوه أولى بِعَدَمِ التَّنْجِيس من هَذَا فَإِن الْعظم لَيْسَ فِيهِ دم سَائل وَلَا كَانَ متحركا بالإرادة إِلَّا على وَجه التبع فَإِذا كَانَ الْحَيَوَان الْكَامِل الحساس المتحرك بالإرادة لَا ينجس لكَونه لَيْسَ فِيهِ دم سَائل فَكيف ينجس الْعظم الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سَائل وَمِمَّا يبين صِحَة قَول الْجُمْهُور أَن الله إِنَّمَا حرم علينا الدَّم المسفوح كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا﴾ فَإِذا عُفيَ عَن الدَّم غير المسفوح مَعَ أَنه من جنس الدَّم حَيْثُ علم أَن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين الدَّم الَّذِي يسيل وَبَين غَيره فَلهَذَا كَانَ الْمُسلمُونَ يصنعون اللَّحْم فِي المرق وخيوط الدَّم فِي الْقدر تبين ويأكلون ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ كَمَا أخْبرت بذلك عَائِشَة ﵂ وَلَوْلَا هَذَا لاستخرجوا الدَّم من الْعُرُوق كَمَا يفعل الْيَهُود وَالله تَعَالَى حرم مَا مَاتَ حتف أَنفه أَو لسَبَب غير جارح محدد كالموقودة والمتردية والنطيحة وَحرم ﷺ مَا صيد بِغَيْرِهِ من المعراض وَقَالَ إِنَّه وقيذ وَالْفرق بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ سفح الدَّم فَدلَّ على أَن سَبَب التَّنْجِيس هُوَ احتقان الدَّم واحتباسه وَإِذا سفح بِوَجْه خَبِيث بِأَن يذكر عَلَيْهِ غير اسْم الله كَانَ الْخبث هُنَا من وَجه آخر فَإِن التَّحْرِيم تَارَة لوُجُود الدَّم وَتارَة لفساد التذكية كذكاة الْمَجُوسِيّ وَالْمُرْتَدّ والذكاة فِي غير الْمحل فَإِذا كَانَ كَذَلِك فالعظم وَالظفر والقرن والظلف وَغير ذَلِك لَيْسَ فِيهِ دم مسفوح فَلَا وَجه لتنجيسه وَهَذَا قَول جُمْهُور السّلف قَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ خِيَار هَذِه الْأمة يتمشطون بِأَمْشَاط من عِظَام الْفِيل وَقد رُوِيَ فِي العاج حَدِيث مَعْرُوف لَكِن فِيهِ نظر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فَإنَّا لَا نحتاج إِلَى الِاسْتِدْلَال بذلك وَأَيْضًا فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي شَاة مَيْمُونَة هلا أَخَذْتُم إهابها

стр. 43

فانتفعتم بِهِ قَالُوا إِنَّهَا ميتَة قَالَ إِنَّمَا حرم أكلهَا وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ ذكر الدّباغ وَلم يذكرهُ عَامَّة أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ وَلَكِن ذكره ابْن عُيَيْنَة وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَقد طعن الإِمَام أَحْمد فِي ذَلِك وَأَشَارَ إِلَى غلط ابْن عُيَيْنَة فِيهِ وَذكر أَن الزُّهْرِيّ وَغَيره كَانُوا يبيحون الِانْتِفَاع بجلود الْميتَة بِلَا دباغ لأجل هَذَا الحَدِيث وَحِينَئِذٍ فَهَذَا النَّص يَقْتَضِي جَوَاز الِانْتِفَاع بهَا بعد الدبغ بطرِيق الأولى لَكِن إِذا قيل أَن الله حرم بعد ذَلِك الِانْتِفَاع بالجلود حَتَّى تدبغ أَو قيل إِنَّهَا لَا تطهر بالدباغ لم يلْزم تَحْرِيم الْعِظَام وَنَحْوهَا لِأَن الْجلد جُزْء من الْميتَة فِيهِ الدَّم كَمَا فِي سَائِر أَجْزَائِهِ وَالنَّبِيّ ﷺ جعل ذَكَاته دباغه لِأَن الدبغ ينشف رطوبته فَدلَّ على أَن سَبَب التَّنْجِيس هُوَ الرطوبات والعظم لَيْسَ فِيهِ نفس سَائِلَة وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يجِف وييبس وَهِي تبقى وَتحفظ أَكثر من الْجلد فَهِيَ أولى بالجهارة من الْجلد وَالْعُلَمَاء تنازعوا فِي الدّباغ هَل يطهر فَذهب مَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا أَنه لَا يطهر وَمذهب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَالْجُمْهُور أَنه يطهر وَإِلَى هَذَا القَوْل رَجَعَ الإِمَام أَحْمد كَمَا ذكر ذَلِك عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَحَدِيث ابْن حَكِيم يدل على أَن النَّبِي ﷺ نَهَاهُم أَن ينتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب بعد أَن كَانَ أذن لَهُم فِي ذَلِك لَكِن هَذَا قد يكون قبل الدّباغ فَيكون قد رخص فَإِن حَدِيث الزُّهْرِيّ بَين أَنه قد رخص فِي جُلُود الْميتَة قبل الدّباغ فَيكون قد رخص لَهُم فِي ذَلِك لما نَهَاهُم عَن الِانْتِفَاع بهَا قبل الدّباغ نَهَاهُم ﷺ عَن ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَة من أهل اللُّغَة أَن الإهاب اسْم لما لَا يدبغ وَلِهَذَا قرن مَعَه العصب والعصب لَا يدبغ فصل وَأما لبن الْميتَة وأنفحتها فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء أَحدهمَا أَن ذَلِك طَاهِر كَقَوْل أبي حنيفَة وَغَيره وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الإِمَام أَحْمد وَالثَّانِي أَنه نجس كَقَوْل الشَّافِعِي وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد وعَلى هَذَا النزاع انبنى نزاعهم فِي جبن الْمَجُوس فَإِن ذَبَائِح الْمَجُوس حرَام عِنْد جُمْهُور السّلف وَالْخلف وَقد قيل أَن ذَلِك مجمع عَلَيْهِ بَين الصَّحَابَة فَإِذا صَنَعُوا جبنا والجبن يصنع بالأنفحة كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَالْأَظْهَر أَن أنفحة الْميتَة ولبنها طَاهِر لِأَن الصَّحَابَة لما فتحُوا بِلَاد الْعرَاق أكلُوا من جبن الْمَجُوس وَكَانَ هَذَا ظَاهرا سائغا بَينهم وَمَا ينْقل عَن بَعضهم من كَرَاهَة ذَلِك فَفِيهِ نظر

стр. 44

فَإِنَّهُ من نقل بعض الْحِجَازِيِّينَ وَفِيه نظر وَأهل الْعرَاق كَانُوا أعلم بِهَذَا فَإِن الْمَجُوس كَانُوا ببلادهم وَلم يَكُونُوا بِأَرْض الْحجاز وَيدل على ذَلِك أَن سلمَان الْفَارِسِي كَانَ نَائِب عمر بن الْخطاب على الْمَدَائِن وَكَانَ يَدْعُو الْفرس إِلَى الْإِسْلَام وَقد ثَبت عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن شَيْء من السّمن والجبن وَالْفراء فَقَالَ الْحَلَال مَا حلله الله فِي كِتَابه وَالْحرَام مَا حرم الله فِي كِتَابه وَمَا سكت عَنهُ فَهُوَ مِمَّا عَفا عَنهُ وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَنه لم يكن السُّؤَال عَن جبن الْمُسلمين وَأهل الْكتاب فَإِن هَذَا أَمر بَين وَإِنَّمَا كَانَ السُّؤَال عَن جبن الْمَجُوس فَدلَّ ذَلِك على أَن سلمَان كَانَ يُفْتِي بحلها وَإِذا كَانَ ذَلِك رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ انْقَطع النزاع بقول النَّبِي ﷺ وَأَيْضًا فاللبن والأنفحة لم يموتا وَإِنَّمَا نجسها من نجسها لكَونهَا فِي وعَاء نجس فَتكون مَائِعا فِي وعَاء نجس فالنجس مَبْنِيّ على مقدمتين على أَن الْمَائِع لَاقَى وعَاء نجسا وعَلى أَنه إِذا كَانَ كَذَلِك صَار نجسا فَيُقَال أَولا لَا نسلم أَن الْمَائِع ينجس بملاقاة النَّجَاسَة وَقد تقدم أَن السّنة دلّت على طَهَارَته لَا على نَجَاسَته وَيُقَال ثَانِيًا الملاقاة فِي الْبَاطِن لَا حكم لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغا للشاربين﴾ وَلِهَذَا يجوز حمل الصَّبِي الصَّغِير فِي الصَّلَاة مَعَ مَا فِي بَاطِنه وَالله أعلم فصل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام عَن جمَاعَة من الْمُسلمين اشْتَدَّ نكيرهم على من أكل من ذَبِيحَة يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ مُطلقًا وَلَا يدْرِي مَا حَالهم هَل دخلُوا فِي دينهم قبل نسخه وتحريفه وَقبل مبعث النَّبِي ﷺ أم بعد ذَلِك بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عِنْد جَمِيع النَّاس وهم أهل ذمَّة يؤدون الْجِزْيَة وَلَا يعرف من هم وَلَا من هم آباؤهم فَهَل للمنكرين عَلَيْهِم مَنعهم من الذّبْح للْمُسلمين أم لَهُم الْأكل من ذَبَائِحهم كَسَائِر بِلَاد الْمُسلمين أجَاب ﵁ لَيْسَ لأحد أَن يُنكر على أحد أكل من ذَبِيحَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الزَّمَان وَلَا يحرم ذبحهم للْمُسلمين وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ جَاهِل مخطىء مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين فَإِن أصل هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا نزاع مَشْهُور بَين عُلَمَاء الْمُسلمين ومسائل الِاجْتِهَاد لَا يسوغ فِيهَا الْإِنْكَار إِلَّا بِبَيَان الْحجَّة وإيضاح المحجة لَا الْإِنْكَار الْمُجَرّد الْمُسْتَند إِلَى مَحْض التَّقْلِيد فَإِن هَذَا فعل أهل الْجَهْل والأهواء كَيفَ وَالْقَوْل بِتَحْرِيم ذَلِك

стр. 45

فِي هَذَا الزَّمَان وَقَبله قَول ضَعِيف جدا مُخَالف لما علم من سنة رَسُول الله ﷺ وَلما علم من حَال أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَذَلِكَ لِأَن الْمُنكر لهَذَا لَا يخرج عَن قَوْلَيْنِ إِمَّا أَن يكون مِمَّن يحرم ذَبَائِح أهل الْكتاب مُطلقًا كَمَا يَقُول ذَلِك من يَقُوله من الرافضة وَهَؤُلَاء يحرمُونَ نِكَاح نِسَائِهِم وَأكل ذَبَائِحهم وَهَذَا لَيْسَ من أَقْوَال أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين الْمَشْهُورين بالفتيا وَلَا من أَقْوَال أتباعهم وَهُوَ خطأ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع الْقَدِيم فَإِن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ فَإِن قيل هَذِه الْآيَة مُعَارضَة بقوله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قيل الْجَواب من ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا أَن الشّرك الْمُطلق فِي الْقُرْآن لَا يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب وَإِنَّمَا يدْخلُونَ فِي الشّرك الْمُقَيد قَالَ الله تَعَالَى ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ فَجعل الْمُشْركين قسما غير أهل الْكتاب وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا﴾ فجعلهم قسما غَيرهم فَأَما دُخُولهمْ فِي الْمُقَيد فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ فوصفهم بِأَنَّهُم مشركون وَسبب هَذَا أَن أصل دينهم الَّذِي أنزل الله بِهِ الْكتب وَأرْسل بِهِ الرُّسُل لَيْسَ فِيهِ شرك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَلَكنهُمْ بدلُوا وغيروا فابتدعوا من الشّرك مَا لم ينزل بِهِ الله سُلْطَانا فَصَارَ فيهم شرك بِاعْتِبَار مَا ابتدعوا لَا بِاعْتِبَار أصل الدّين وَقَوله تَعَالَى وَلَا تمسكوا بعصم

стр. 46

الكوافر هُوَ تَعْرِيف للكوافر المعروفات اللَّاتِي كن فِي عصم الْمُسلمين وَأُولَئِكَ كن مشركات لَا كتابيات من أهل مَكَّة وَنَحْوهَا وَالْوَجْه الثَّانِي إِذا قدر أَن لفظ المشركات وَلَفظ الكوافر يَعْنِي الكتابيات فآية الْمَائِدَة خَاصَّة وَهِي مُتَأَخِّرَة نزلت بعد سُورَة الْبَقَرَة والممتحنة بِاتِّفَاق بِاتِّفَاق الْعلمَاء كَمَا فِي الحَدِيث الْمَائِدَة من آخر الْقُرْآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وَالْخَاص الْمُتَأَخر يقْضِي على الْعَام الْمُتَقَدّم بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْمُسلمين لَكِن الْجُمْهُور يَقُولُونَ أَنه مُفَسّر لَهُ فَتبين أَن صُورَة التَّخْصِيص لم ترد بِاللَّفْظِ الْعَام وَطَائِفَة يَقُولُونَ أَن ذَلِك نسخ بعد أَن شرع الْوَجْه الثَّالِث إِذا فَرضنَا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذَبَائِحهم ونكاحهم وَالْآخر أحلهما فالنص الْمُحَلّل لَهما هُنَا يجب تَقْدِيمه لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن سُورَة الْمَائِدَة هِيَ الْمُتَأَخِّرَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء فَتكون ناسخة للنَّص الْمُتَقَدّم وَلَا يُقَال أَن هَذَا نسخ للْحكم مرَّتَيْنِ لِأَن فعل ذَلِك قبل التَّحْرِيم لم يكن بخطاب شَرْعِي حلل ذَلِك بل كَانَ لعدم التَّحْرِيم بِمَنْزِلَة شرب الْخمر وَأكل الْخِنْزِير وَنَحْو ذَلِك وَالتَّحْرِيم الْمُبْتَدَأ لَا يكون نسخا لاستصحاب حكم الْفِعْل وَلِهَذَا لم يكن تَحْرِيم النَّبِي ﷺ لكل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير نَاسِخا لما دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة من أَن الله لم يحرم قبل نزُول الْآيَة إِلَّا هَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة فَإِن هَذِه الْآيَة نفت تَحْرِيم مَا سوى الثَّلَاثَة إِلَى حِين نزُول الْآيَة وَلم يثبت تَحْلِيل مَا سوى ذَلِك بل كَانَ مَا سوى ذَلِك عفوا لَا تَحْلِيل فِيهِ وَلَا تَحْرِيم كَفعل الصَّبِي وَالْمَجْنُون وكما فِي الحَدِيث الْمَعْرُوف الْحَلَال مَا حلله الله فِي كِتَابه وَالْحرَام مَا حرمه الله فِي كِتَابه وَمَا سكت عَنهُ فَهُوَ مِمَّا عَفا عَنهُ وَهَذَا مَحْفُوظ عَن سلمَان الْفَارِسِي مَوْقُوفا عَلَيْهِ أَو مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ وَيدل على ذَلِك أَنه قَالَ فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ فَأخْبر أَنه أحلهَا ذَلِك الْيَوْم وَسورَة الْمَائِدَة مَدَنِيَّة بِالْإِجْمَاع وَسورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع فَعلم أَن تَحْلِيل الطَّيِّبَات كَانَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّة وَقَوله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا أحل لَهُم قل أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم﴾ إِلَى آخرهَا فَثَبت

стр. 47

نِكَاح الكتابيات وَقبل ذَلِك كَانَ إِمَّا عفوا على الصَّحِيح وَإِمَّا محرما ثمَّ نسخ يدل عَلَيْهِ أَن آيَة الْمَائِدَة لم ينسخها شَيْء الْوَجْه الثَّانِي أَنه قد ثَبت حل طَعَام أهل الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْكَلَام فِي نِسَائِهِم كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحهم فَإِذا ثَبت حل أَحدهمَا ثَبت حل الآخر وَحل أطعمتهم لَيْسَ لَهُ معَارض أصلا وَيدل على ذَلِك أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان تزوج يهوديه وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة فَدلَّ على أَنهم كَانُوا مُجْتَمعين على جَوَاز ذَلِك فَإِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ مَحْمُول على الْفَوَاكِه والحبوب قيل هَذَا خطأ لوجوه أَحدهَا أَن هَذِه مُبَاحَة من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين وَالْمَجُوس فَلَيْسَ فِي تخصيصها بِأَهْل الْكتاب فَائِدَة الثَّانِي أَن إِضَافَة الطَّعَام إِلَيْهِم يَقْتَضِي أَنه صَار طَعَاما بفعلهم وَهَذَا إِنَّمَا يسْتَحق فِي الذَّبَائِح الَّتِي صَارَت لَحْمًا بذكاتهم فَأَما الْفَوَاكِه فَإِن الله خلقهَا مطعومة لم تصر طَعَاما بِفعل آدَمِيّ الثَّالِث أَنه قرن حل الطَّعَام بِحل النِّسَاء وأباح طعامنا لَهُم كَمَا أَبَاحَ طعامهم لنا وَمَعْلُوم أَن حكم النِّسَاء مُخْتَصّ بِأَهْل الْكتاب دون الْمُشْركين وَكَذَلِكَ حكم الطَّعَام والفاكهة وَالْحب لَا يخْتَص بِأَهْل الْكتاب الرَّابِع أَن لفظ الطَّعَام عَام وتناوله اللَّحْم وَنَحْوه أقوى من تنَاوله للفاكهة فَيجب إِقْرَار اللَّفْظ على عُمُومه لَا سِيمَا وَقد قرن بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وطعامكم حل لَهُم﴾ وَنحن يجوز لنا أَن نطعمهم كل أَنْوَاع طعامنا فَكَذَلِك يحل لنا أَن نَأْكُل أَنْوَاع طعامهم وَأَيْضًا فقد ثَبت فِي الصِّحَاح بل بِالنَّقْلِ المستفيض أَن النَّبِي ﷺ أَهْدَت لَهُ الْيَهُودِيَّة عَام خَيْبَر شَاة مشوية فَأكل مِنْهَا لقْمَة ثمَّ قَالَ إِن هَذِه تُخبرنِي أَن فِيهَا سما وَلَوْلَا أَن ذَبَائِحهم حَلَال لما تنَاول من تِلْكَ الشَّاة وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنهم لما غزوا خَيْبَر أَخذ بعض الصَّحَابَة جرابا فِيهِ شَحم قَالَ قلت لَا أطْعم الْيَوْم من هَذَا أحدا فَالْتَفت فَإِذا رَسُول الله ﷺ يضْحك وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ الْعلمَاء على جَوَاز أكل جَيش الْمُسلمين من طَعَام أهل الْحَرْب قبل الْقِسْمَة وَأَيْضًا فَإِن رَسُول الله ﷺ أجَاب دَعْوَة يَهُودِيّ إِلَى خبز شعير وإهالة سنخة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد والإهالة فِي الودك الَّذِي يكون من الذَّبِيحَة وَمن السّمن وَنَحْوه الَّذِي يكون فِي أوعيتهم الَّتِي يطبخون فِيهَا فِي الْعَادة وَلَو كَانَت ذَبَائِحهم مُحرمَة لكَانَتْ أوانيهم كأواني الْمَجُوس وَنَحْوهم

стр. 48

وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن الْأكل فِي أوعيتهم حَتَّى رخص أَن يغسل وَأَيْضًا فقد استفاض أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما فتحُوا الشَّام وَالْعراق ومصر كَانُوا يَأْكُلُون من ذَبَائِح أهل الْكتاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَإِنَّمَا امْتَنعُوا من ذَبَائِح الْمَجُوس وَوَقع فِي جبن الْمَجُوس من النزاع مَا هُوَ مَعْرُوف بَين الْمُسلمين لِأَن الْجُبْن يحْتَاج إِلَى الأنفحة وَفِي أنفحة الْميتَة نزاع مَعْرُوف بَين الْعلمَاء فَأَبُو حنيفَة يَقُول بطهارتها وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يَقُولَانِ بنجاستها وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ فصل المأخذ الثَّانِي الْإِنْكَار على من يَأْكُل ذَبَائِح أهل الْكتاب هُوَ كَون هَؤُلَاءِ الْمَوْجُودين لَا يعلم أَنهم من ذُرِّيَّة من دخل فِي دينهم قبل النّسخ والتبديل وَهُوَ المأخذ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام السَّائِل وَهُوَ المأخذ الَّذِي تنَازع فِيهِ عُلَمَاء الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَهَذَا مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ هَل المُرَاد بِهِ من هُوَ بعد نزُول الْقُرْآن متدين بدين أهل الْكتاب أَو المُرَاد بِهِ من كَانَ آباؤه قد دخلُوا فِي دين أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فَالْقَوْل الأول هُوَ قَول جُمْهُور الْمُسلمين من السّلف وَالْخلاف وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد بل هُوَ الْمَنْصُوص عَنهُ صَرِيحًا وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وأصل هَذَا القَوْل أَن عليا وَابْن عَبَّاس تنَازعا فِي ذَبَائِح بني تغلب فَقَالَ عَليّ لَا تُبَاح ذَبَائِحهم وَلَا نِسَاؤُهُم فَإِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من النَّصْرَانِيَّة إِلَّا بِشرب الْخمر وَرُوِيَ عَنهُ تغزوهم لأَنهم لم يقومُوا بِالشُّرُوطِ الَّتِي شَرطهَا عَلَيْهِم عُثْمَان فَإِنَّهُ شَرط عَلَيْهِم أَن لَا وَغير ذَلِك من الشُّرُوط وَقَالَ ابْن عَبَّاس بل تُبَاح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ وَعَامة الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَغَيرهم لم يحرموا ذَبَائِحهم وَلَا يعرف ذَلِك إِلَّا عَن عَليّ وَحده وَقد رُوِيَ معنى قَول ابْن عَبَّاس عَن عمر بن الْخطاب فَمن الْعلمَاء من رجح قَول عمر وَابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول الْجُمْهُور كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وصححها طَائِفَة من أَصْحَابه بل هِيَ آخر قوليه بل عَامَّة الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم على هَذَا القَوْل وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم مَا علمت أحدا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كرهه إِلَّا عليا وَهَذَا قَول جَمَاهِير فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق وفقهاء الحَدِيث والرأي كالحسن وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَغَيرهم وَهُوَ الَّذِي نَقله عَن أَحْمد أَكثر

стр. 49

أَصْحَابه وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث كَانَ آخر قولي أَحْمد على أَنه لَا يرى بذبائحهم بَأْسا وَمن الْعلمَاء من رجح قَول عَليّ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَأحمد إِنَّمَا اخْتلف اجْتِهَاده فِي بني تغلب وهم الَّذين تنَازع فيهم الصَّحَابَة فَأَما سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْعَرَب مثل تنوخ وبهراء وَغَيرهمَا من الْيَهُود فَلَا أعرف عَن أَحْمد فِي حل ذَبَائِحهم نزاعا وَلَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَغَيرهم من السّلف وَإِنَّمَا كَانَ النزاع بَينهم فِي بني تغلب خَاصَّة وَلَكِن من أَصْحَاب أَحْمد من جعل فيهم رِوَايَتَيْنِ كبني تغلب والحل مَذْهَب الْجُمْهُور كَأبي حنيفَة وَمَالك وَمَا أعلم لِلْقَوْلِ الآخر قدوة من السّلف ثمَّ هَؤُلَاءِ المذكورون من أَصْحَاب أَحْمد قَالُوا بِأَنَّهُ من كَانَ أحد أَبَوَيْهِ غير كتابي بل مجوسيا لم تحل ذَبِيحَته ومناكحته نِسَائِهِ وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي فِيمَا إِذا كَانَ الْأَب مجوسيا وَأما الْأُم فَلهُ فِيهَا قَولَانِ فَإِن كَانَ الأبوان مجوسيين حرمت ذَبِيحَته عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه من أَصْحَاب أَحْمد وَحكي ذَلِك عَن مَالك وغالب ظَنِّي أَن هَذَا غلط على مَالك فَإِنِّي لم أَجِدهُ فِي كتب أَصْحَابه وَهَذَا تَفْرِيع على الرِّوَايَة المخرجة عَن أَحْمد فِي سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الْعَرَب وَهَذَا مَبْنِيّ على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي نَصَارَى بني تغلب وَهِي الرِّوَايَة الَّتِي اخْتَارَهَا هَؤُلَاءِ فَأَما إِذا جعل الرِّوَايَتَيْنِ فِي بني تغلب دون غَيرهم من الْعَرَب أَو قيل أَن النزاع عَام وفرعنا على القَوْل بِحل ذَبَائِح بني تغلب وَنِسَائِهِمْ كَمَا هُوَ قَول الْأَكْثَرين فَإِنَّهُ على هَذِه الرِّوَايَة لَا عِبْرَة بِالنّسَبِ بل لَو كَانَ الأبوان جَمِيعًا مجوسيين أَو وثنيين وَالْولد من أهل الْكتاب فَحكمه حكم أهل الْكتاب على هَذَا القَوْل بِلَا ريب كَمَا صرح بذلك الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم وَمن ظن من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم أَن تَحْرِيم نِكَاح من أَبَوَاهُ مجوسيان أَو أَحدهمَا مَجُوسِيّ قَول وَاحِد فِي مذْهبه فَهُوَ مخطىء خطأ لَا ريب فِيهِ لِأَنَّهُ لم يعرف أصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ من يتناقض فَيجوز أَن يقر بالجزية من دخل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل وَيَقُول مَعَ هَذَا بِتَحْرِيم نِكَاح نَصْرَانِيّ الْعَرَب مُطلقًا وَمن كَانَ أحد أَبَوَيْهِ غير كتابي كَمَا فعل ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَهَذَا تنَاقض وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَإِن كَانَ قد قَالَ هَذَا القَوْل هُوَ وَطَائِفَة من أَتْبَاعه فقد رَجَعَ عَن هَذَا القَوْل فِي الْجَامِع الْكَبِير وَهُوَ آخر كتبه فَذكر فِيمَن انْتقل إِلَى دين أهل الْكتاب من عَبدة الْأَوْثَان كالروم وقبائل من الْعَرَب وهم تنوخ وبهراء وَمن بني تغلب هَل تجوز مناكحتهم وَأكل ذَبَائِحهم وَذكر أَن الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا بَأْس بِنِكَاح نَصَارَى بني تغلب وَأَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مخرجة على الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي ذَبَائِحهم وَاخْتَارَ أَن الْمُنْتَقل إِلَى دينهم حكمه حكمهم

стр. 50

سَوَاء كَانَ انْتِقَاله بعد مَجِيء شريعتنا أَو قبلهَا وَسَوَاء انْتقل إِلَى دين المبدلين أَو دين لم يُبدل وَيجوز مناكحته وَأكل ذَبِيحَته وَإِذا كَانَ هَذَا فِيمَن أَبَوَاهُ مُشْرِكَانِ من الْعَرَب وَالروم فَمن كَانَ أحد أَبَوَيْهِ مُشْركًا فَهُوَ أولى بذلك هَذَا هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد فَإِن قد نَص على أَنه من دخل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل كمن دخل فِي دينهم فِي هَذَا الزَّمَان فَإِنَّهُ يقر بالجزية قَالَ أَصْحَابه وَإِذا أقررناه بالجزية حلت ذَبَائِحهم وَنِسَاؤُهُمْ وَهُوَ مَذْهَب ابي حنيفَة وَمَالك وَغَيرهمَا وأصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا ذكرته من نزاع عَليّ وَغَيره من الصَّحَابَة فِي بني تغلب وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَالْجُمْهُور أحلوها وَهِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد ثمَّ الَّذين كَرهُوا ذَبَائِح بني تغلب تنازعوا فِي مَأْخَذ عَليّ فَظن بَعضهم أَن عليا إِنَّمَا حرم ذَبَائِحهم ونساءهم لكَونه لم يعلم أَن آبَاءَهُم دخلُوا فِي دين أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل وبنوا على هَذَا أَن الِاعْتِبَار فِي أهل الْكتاب بِالنّسَبِ لَا بِنَفس الرجل وَأَن من شككنا فِي أجداده هَل كَانُوا من أهل الْكتاب أم لَا أَخذنَا بِالِاحْتِيَاطِ فحقنا دَمه بالجزية احْتِيَاطًا وحرمنا ذَبِيحَته ونساءه احْتِيَاطًا وَهَذَا مَأْخَذ الشَّافِعِي وَمن وَافقه من أَصْحَاب أَحْمد وَقَالَ آخَرُونَ بل عَليّ لم يكره ذَبَائِح بني تغلب إِلَّا لكَوْنهم مَا تدينوا بدين أهل الْكتاب فِي واجباته ومحظوراته بل أخذُوا مِنْهُ حل الْمُحرمَات فَقَط وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من دين أهل الْكتاب إِلَّا بِشرب الْخمر وَهَذَا المأخذ من قَول عَليّ هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْل بِأَن أهل الْكتاب الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن هم من كَانَ دخل جده فِي ذَلِك قبل النّسخ والتبديل قَول ضَعِيف وَالْقَوْل بِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَرَادَ ذَلِك قَول ضَعِيف بل الصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ أَن كَون الرجل كتابيا أَو غير كتابي هُوَ حكم مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَا بنسبه وكل من تدين بدين أهل الْكتاب فَهُوَ مِنْهُم سَوَاء كَانَ أَبوهُ أَو جده دخل فِي دينهم أَو لم يدْخل وَسَوَاء كَانَ دُخُوله قبل النّسخ والتبديل أَو بعد ذَلِك وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَمَالك وَهُوَ الْمَنْصُوص الصَّرِيح عَن أَحْمد وَإِن كَانَ بَين أَصْحَابه فِي ذَلِك نزاع مَعْرُوف وَهَذَا القَوْل هُوَ الثَّابِت عَن الصَّحَابَة ﵃ وَلَا أعلم بَين الصَّحَابَة فِي ذَلِك نزاعا وَقد ذكر الطَّحَاوِيّ أَن هَذَا إِجْمَاع قديم وَاحْتج بذلك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على من لَا يقر الرجل فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل كمن هُوَ فِي زَمَاننَا إِذا انْتقل إِلَى دين أهل الْكتاب فَإِنَّهُ تُؤْكَل ذَبِيحَته وَتنْكح نساؤه وَهَذَا يبين خطأ من يُنَاقض مِنْهُم

стр. 51

وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ قَول الْجُمْهُور يَقُولُونَ من دخل هُوَ أَو أَبَوَاهُ أَو جده فِي دينهم بعد النّسخ والتبديل أقرّ بالجزية سَوَاء دخل فِي زَمَاننَا هَذَا أَو قبله وَأَصْحَاب القَوْل الآخر يَقُولُونَ مَتى علمنَا أَنه لم يدْخل إِلَّا بعد النّسخ والتبديل لم تقبل مِنْهُ الْجِزْيَة كَمَا يَقُوله بعض أَصْحَاب أَحْمد مَعَ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالصَّوَاب قَول الْجُمْهُور وَالدَّلِيل عَلَيْهِ من وُجُوه أَحدهَا أَنه قد ثَبت أَنه كَانَ من أَوْلَاد الْأَنْصَار جمَاعَة تهودوا قبل مبعث النَّبِي ﷺ بِقَلِيل كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس أَن الْمَرْأَة كَانَت مقلاتا والمقلات الَّتِي لَا يعِيش لَهَا ولد كَثِيرَة القلت والقلت الْمَوْت والهلاك كَمَا ياقل امْرَأَة مذكار ميناث إِذا كَانَت كَثِيرَة الْولادَة للذكور وَالْإِنَاث والسما الْكَثِيرَة الْمَوْت قَالَ ابْن عَبَّاس فَكَانَت الْمَرْأَة تنذر إِن عَاشَ لَهَا ولدان تجْعَل أَحدهمَا يَهُودِيّا لكَون الْيَهُود كَانُوا أهل علم وَكتاب وَالْعرب كَانُوا أهل شرك وأوثان فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا كَانَ جمَاعَة من أَوْلَاد الْأَنْصَار تهودوا فَطلب آباؤهم أَن يكرهوهم على الْإِسْلَام فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي﴾ الْآيَة فقد ثَبت أَن هَؤُلَاءِ كَانَ آباؤهم موجودين تهودوا وَمَعْلُوم أَن هَذَا دُخُول بِأَنْفسِهِم فِي الْيَهُودِيَّة قبل الْإِسْلَام وَبعد مبعث الْمَسِيح صلوَات الله عَلَيْهِ وَهَذَا بعد النّسخ والتبديل وَمَعَ هَذَا نهى الله عَن إِكْرَاه هَؤُلَاءِ الَّذين تهودوا بعد النّسخ والتبديل على الْإِسْلَام وأقرهم بالجزية وَهَذَا صَرِيح فِي جَوَاز عقد الذِّمَّة لمن دخل بِنَفسِهِ فِي دين أهل الْكتاب بعد النّسخ والتبديل فَعلم أَن هَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب دون الآخر وَمَتى ثَبت أَنه يعْقد لَهُ الذِّمَّة ثَبت أَن الْعبْرَة بِنَفسِهِ لَا بنسبه وَأَنه تُبَاح ذَبِيحَته وَطَعَامه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن الْمَانِع لذَلِك لم يمنعهُ إِلَّا بِنَاء على أَن هَذَا الصِّنْف لَيْسُوا من أهل الْكتاب فَلَا يدْخلُونَ فَإِذا ثَبت بِنَصّ السّنة أَنهم من أهل الْكتاب دخلُوا فِي الْخطاب بِلَا نزاع الْوَجْه الثَّانِي أَن جمَاعَة من الْيَهُود الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وحولها كَانُوا عربا ودخلوا فِي دين الْيَهُود وَمَعَ هَذَا فَلم يفصل النَّبِي ﷺ فِي أكل طعامهم وَحل نِسَائِهِم وإقرارهم بِالذِّمةِ بَين من دخل أَبَوَاهُ بعد مبعث عِيسَى ﵇ وَمن دخل قبل ذَلِك وَلَا بَين الْمَشْكُوك فِي نَفسه بل حكم فِي الْجَمِيع حكما وَاحِدًا عَاما فَعلم أَن التَّفْرِيق بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَجعل طَائِفَة لَا تقر بالجزية وَطَائِفَة تقر وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم وَطَائِفَة يقرونَ وتؤكل ذَبَائِحهم تَفْرِيق لَيْسَ لَهُ أصل فِي سنة رَسُول الله ﷺ الثَّابِتَة عَنهُ وَقد علم من النَّقْل الصَّحِيح المستفيض أَن أهل الْمَدِينَة كَانَ فيهم يهود كثير من الْعَرَب وَغَيرهم من بني كنَانَة وحمير وَغَيرهمَا من الْعَرَب وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن

стр. 52

إِنَّك تَأتي قوما أهل كتاب وَأمره أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا وعدله مغافر وَلم يفرق بَين من دخل أَبوهُ قبل النّسخ أَو بعده وَكَذَلِكَ وَفد نَجْرَان وَغَيرهم من النَّصَارَى الَّذين كَانَ فيهم عرب كَثِيرُونَ أقرهم بالجزية وَكَذَلِكَ سَائِر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من قبائل الْعَرَب لم يفرق رَسُول الله ﷺ وَلَا أحد من خلفائه وَأَصْحَابه بَين بَعضهم وَبَعض بل قبلوا مِنْهُم الْجِزْيَة وأباحوا ذَبَائِحهم ونساءهم وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرّوم وَغَيرهم لم يفرقُوا بَين صنف وصنف وَمن تدبر السِّيرَة النَّبَوِيَّة علم كل هَذَا بِالضَّرُورَةِ وَعلم أَن التَّفْرِيق قَول مُحدث لَا أصل لَهُ فِي الشَّرِيعَة الْوَجْه الثَّالِث أَن كَون الرجل مُسلما أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وَنَحْو ذَلِك من أَسمَاء الدّين هُوَ حكم يتَعَلَّق بِنَفسِهِ لَا باعتقاده وإرادته وَقَوله وَعَمله لَا يلْحقهُ هَذَا الِاسْم بِمُجَرَّد اتصاف آبَائِهِ بذلك لَكِن الصَّغِير حكمه فِي أَحْكَام الدُّنْيَا حكم أَبَوَيْهِ لكَونه لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَإِذا بلغ وَتكلم بِالْإِسْلَامِ أَو بالْكفْر كَانَ حكمه مُعْتَبرا بِنَفسِهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو كَانَ أَبَوَاهُ يهودا أَو نَصَارَى فَأسلم كَانَ من الْمُسلمين بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلَو كَانُوا مُسلمين فَكفر كَانَ كَافِرًا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فقد كفر بردة لم يقر عَلَيْهِ لكَونه مُرْتَدا لأجل آبَائِهِ وكل حكم علق بأسماء الدّين من إِسْلَام وإيمان وَكفر ونفاق وردة وتهود وَتَنصر إِنَّمَا يثبت لمن اتّصف بِالصِّفَاتِ الْمُوجبَة لذَلِك وَكَون الرجل من الْمُشْركين أَو أهل الْكتاب هُوَ من هَذَا الْبَاب فَمن كَانَ بِنَفسِهِ مُشْركًا فَحكمه حكم أهل الشّرك وَإِن كَانَ أَبَوَاهُ غير مُشْرِكين وَمن كَانَ أَبَوَاهُ مُشْرِكين وَهُوَ مُسلم فَحكمه حكم الْمُسلمين لَا حكم الْمُشْركين فَكَذَلِك إِذا كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا وآباؤه مُشْرِكين فَحكمه حكم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أما إِذا تعلق عَلَيْهِ حكم الْمُشْركين مَعَ كَونه من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأجل كَونه آبَائِهِ قبل النّسخ والتبديل كَانُوا مُشْرِكين فَهَذَا خلاف الْأُصُول الْوَجْه الرَّابِع أَن يُقَال قَوْله تَعَالَى ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ وَقَوله ﴿وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين أأسلمتم فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا﴾ وأمثال ذَلِك إِنَّمَا هُوَ خطاب لهَؤُلَاء الْمَوْجُودين وإخبار عَنْهُم المُرَاد بِالْكتاب هُوَ الْكتاب الَّذِي بِأَيْدِيهِم الَّذِي جرى عَلَيْهِ من النّسخ والتبديل مَا جرى لَيْسَ المُرَاد بِهِ من كَانَ متمسكا بِهِ قبل النّسخ والتبديل فَإِن أُولَئِكَ لم يَكُونُوا كفَّارًا وَلَا هم مِمَّن خوطبوا بشرائع الْقُرْآن وَلَا قيل لَهُم فِي الْقُرْآن يَا أهل الْكتاب فَإِنَّهُم قد مَاتُوا قبل نزُول الْقُرْآن وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَكل من تدين بِهَذَا الْكتاب الْمَوْجُود عِنْد أهل الْكتاب فَهُوَ من أهل الْكتاب وهم كفار تمسكوا بِكِتَاب مبدل مَنْسُوخ وهم مخلدون فِي نَار جَهَنَّم كَمَا يخلد سَائِر أَنْوَاع الْكفَّار وَالله تَعَالَى مَعَ ذَلِك سوغ إقرارهم بالجزية وَأحل طعامهم ونساءهم الْوَجْه الْخَامِس أَن يُقَال هَؤُلَاءِ الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب بِالْقُرْآنِ هم كفار وَإِن كَانَ أجدادهم كَانُوا مُؤمنين وَلَيْسَ عَذَابهمْ فِي الْآخِرَة بأخف من عَذَاب من كَانَ أَبوهُ من غير

стр. 53

أهل الْكتاب بل وجود النّسَب الْفَاضِل هُوَ إِلَى تَغْلِيظ كفرهم أقرب مِنْهُ إِلَى تَخْفيف كفرهم فَمن كَانَ أَبوهُ مُسلما وارتد كَانَ كفره أغْلظ من كفر من أسلم هُوَ ثمَّ ارْتَدَّ وَلِهَذَا تنَازع النَّاس فِيمَن ولد على الْفطْرَة إِذا ارْتَدَّ ثمَّ عَاد إِلَى الْإِسْلَام هَل تقبل تَوْبَته على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن كَانَ أَبوهُ من أهل الْكتاب قبل النّسخ والتبديل ثمَّ إِنَّه لما بعث الله عِيسَى ومحمدا صلى الله عَلَيْهِمَا كفر بهما وَبِمَا جَاءَا بِهِ من عِنْد الله وَاتبع الْكتاب الْمُبدل الْمَنْسُوخ كَانَ كفره من أغْلظ الْكفْر وَلم يكن كفره أخف من كفر من دخل بِنَفسِهِ فِي هَذَا الدّين الْمُبدل وَلَا لَهُ بِمُجَرَّد نسبه حُرْمَة عِنْد الله وَلَا عِنْد رَسُوله وَلَا يَنْفَعهُ دين آبَائِهِ إِذا كَانَ هُوَ مُخَالفا لَهُم فَإِن آباءه كَانُوا إِذْ ذَاك مُسلمين فَإِن دين الله هُوَ الْإِسْلَام فِي كل وَقت فَكل من آمن بكتب الله وَرُسُله فِي كل زمَان فَهُوَ مُسلم وَمن كفر بِشَيْء من كتب الله فَلَيْسَ مُسلما فِي أَي زمَان كَانَ وَإِذا لم يكن لأَوْلَاد بني إِسْرَائِيل إِذا كفرُوا مزية على أمثالهم من الْكفَّار الَّذين ماثلوهم فِي اتِّبَاع الدّين الْمُبدل الْمَنْسُوخ علم بذلك بطلَان الْفرق بَين الطَّائِفَتَيْنِ وإكرام هَؤُلَاءِ بإقرارهم بالجزية وَحل ذَبَائِحهم وَنِسَائِهِمْ دون هَؤُلَاءِ وَأَنه فرق مُخَالف لأصول الْإِسْلَام وَأَنه لَو كَانَ الْفرق بِالْعَكْسِ كَانَ أولى وَلِهَذَا يوبخ الله بني إِسْرَائِيل على تكذيبهم بِمُحَمد ﷺ مَا لَا يوبخه غَيرهم من أهل الْكتاب لِأَنَّهُ تَعَالَى أنعم على أجدادهم نعما عَظِيمَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَكَفرُوا نعْمَته وكذبوا رسله وبدلوا كِتَابه وغيروا دينه فَضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباؤوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون فهم مَعَ شرف آبَائِهِم وَحقّ دين أجدادهم من أَسْوَأ الْكفَّار عِنْد الله وَهُوَ أَشد غَضبا عَلَيْهِم من غَيرهم لِأَن فِي كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة وَالْقَسْوَة وكتمان الْعلم وتحريف الْكتاب وتبديل النَّص وَغير ذَلِك مَا لَيْسَ فِي كفر هَؤُلَاءِ فَكيف يَجْعَل لهَؤُلَاء الأرجاس الأنجاس الَّذين هم من أبْغض الْخلق إِلَى الله مزية على سَائِر إخْوَانهمْ الْكفَّار مَعَ أَن كفرهم إِمَّا مماثل لكفر إخْوَانهمْ الْكفَّار وَإِمَّا أغْلظ مِنْهُ إِذْ لَا يُمكن أحدا أَن يَقُول إِن كفر الداخلين أغْلظ من كفر هَؤُلَاءِ مَعَ تماثلهما فِي الدّين بِهَذَا الْكتاب الْمَوْجُود الْوَجْه السَّادِس أَن تَعْلِيق الشّرف فِي الدّين بِمُجَرَّد النّسَب هُوَ حكم من أَحْكَام الْجَاهِلِيَّة الَّذين اتبعتهم عَلَيْهِ الرافضة وأشباههم من أهل الْجَهْل فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لعجمي على عَرَبِيّ وَلَا لأسود على

стр. 54

أَبيض وَلَا لأبيض على أسود إِلَّا بالتقوى النَّاس من آدم وآدَم من تُرَاب وَلِهَذَا لَيْسَ فِي كتاب الله آيَة وَاحِدَة يمدح فِيهَا أحدا بنسبه وَلَا يذم أحدا بنسبه وَإِنَّمَا يمدح الْإِيمَان وَالتَّقوى ويذم الْكفْر والفسوق والعصيان وَقد ثَبت أَنه ﷺ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ أَربع من أَمر الْجَاهِلِيَّة فِي أمتِي لن يدعوهن الْفَخر بِالْأَحْسَابِ والطعن فِي الْأَنْسَاب والنياحة وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم فَجعل الْفَخر بِالْأَحْسَابِ من أمول الْجَاهِلِيَّة فَإِذا كَانَ الْمُسلم لَا فَخر لَهُ على الْمُسلم بِكَوْن أجداده لَهُم حسب شرِيف فَكيف يكون لكَافِر من أهل الْكتاب فَخر على كَافِر من أهل الْكتاب بِكَوْن أجداده كَانُوا مُؤمنين وَإِذا لم تكن مَعَ التَّمَاثُل فِي الدّين فَضِيلَة لأجل النّسَب علم أَنه لأَفْضَل لمن كَانَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى آباؤه مُؤمنين مُتَمَسِّكِينَ بِالْكتاب الأول قبل النّسخ والتبديل على من كَانَ أَبوهُ دَاخِلا فِيهِ بعد النّسخ والتبديل وَإِذا تماثل دينهما تماثل حكمهمَا فِي الدّين والشريعة إِنَّمَا علقت بِالنّسَبِ أحكاما مثل كَون الْخلَافَة من قُرَيْش وَكَون ذَوي الْقُرْبَى لَهُم الْخمس وَتَحْرِيم الصَّدَقَة على آل مُحَمَّد ﷺ وَنَحْو ذَلِك لِأَن النّسَب الْفَاضِل مَظَنَّة أَن يكون أَهله أفضل من غَيرهم كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا والمظنة تعلق الحكم بِمَا إِذا خفيت الْحَقِيقَة أَو انتشرت فَأَما إِذا ظهر دين الرجل الَّذِي بِهِ تتَعَلَّق الْأَحْكَام وَعرف نوع دينه وَقدره لم يتَعَلَّق بنسبه الْأَحْكَام الدِّينِيَّة وَلِهَذَا لم يكن لأبي لَهب مزية على غَيره لما عرف كفره كَانَ أَحَق بالذم من غَيره وَلِهَذَا جعل لمن يَأْتِي بِفَاحِشَة من أَزوَاج النَّبِي ﷺ ضعفين من الْعَذَاب كَمَا جعل لمن يقنت مِنْهُنَّ لله وَرَسُوله أَجْرَيْنِ من الثَّوَاب فذووا الْأَنْسَاب الفاضلة إِذا أساؤوا كَانَ إساءتهم أغْلظ من إساءة غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَكفر من كفر من بني إِسْرَائِيل إِن لم يكن أَشد من كفر غَيرهم وعقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فَلَا أقل من الْمُسَاوَاة بَينهم وَلِهَذَا لم يقل أحد من الْعلمَاء أَن من كفر وَفسق من قُرَيْش وَالْعرب تخفف عَنهُ الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة بل إِمَّا أَن تكون عقوبتهم أَشد عُقُوبَة من غَيرهم فِي أشهر الْقَوْلَيْنِ أَو تكون عقوبتهم أغْلظ فِي القَوْل الآخر لِأَن من أكْرمه بنعمته وَرفع قدره إِذا قَابل حُقُوقه بِالْمَعَاصِي وقابل نعمه بالْكفْر كَانَ أَحَق بالعقوبة مِمَّن لم ينعم عَلَيْهِ كَمَا أنعم عَلَيْهِ

стр. 55

الْوَجْه السَّابِع أَن يُقَال أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما فتحُوا الشَّام وَالْعراق ومصر وخراسان وَغَيرهم كَانُوا يَأْكُلُون ذَبَائِحهم لَا يميزون بَين طَائِفَة وَطَائِفَة وَلم يعرف عَن أحد من الصَّحَابَة الْفرق بَينهم بالأنساب وَإِنَّمَا تنازعوا فِي بني تغلب خَاصَّة لأمر يخْتَص بهم كَمَا أَن عمر ضعف عَلَيْهِم الزَّكَاة وَجعل جزيتهم مُخَالفَة لجزية غَيرهم وَلم يلْحق بهم سَائِر الْعَرَب وَإِنَّمَا ألحق بهم من كَانَ بمنزلتهم الْوَجْه الثَّامِن أَن يُقَال هَذَا القَوْل مُسْتَلْزم أَن لَا يحل لنا طَعَام جُمْهُور من أهل الْكتاب لأَنا لَا نَعْرِف نسب كثير مِنْهُم وَلَا نعلم قبل أَيَّام الْإِسْلَام أَن أجداده كَانُوا يهودا أَو نَصَارَى قبل النّسخ والتبديل وَمن الْمَعْلُوم أَن حل ذَبَائِحهم وَنِسَائِهِمْ ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَإِذا كَانَ هَذَا القَوْل مستلزما رفع مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع علم أَنه بَاطِل الْوَجْه التَّاسِع أَن يُقَال مَا زَالَ الْمُسلمُونَ فِي كل عصر ومصر يَأْكُلُون ذَبَائِحهم فَمن أنكر ذَلِك فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَهَذِه الْوُجُوه كلهَا لبَيَان رُجْحَان القَوْل بالتحليل وَأَنه مُقْتَضى الدَّلِيل فَأَما أَن مثل هَذِه الْمَسْأَلَة أَو نَحْوهَا من مسَائِل الِاجْتِهَاد يجوز لمن تمسك فِيهَا بِأحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على الآخر بِغَيْر حجَّة وَدَلِيل فَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين فقد تنَازع الْمُسلمُونَ فِي جبن الْمَجُوس وَالْمُشْرِكين وَلَيْسَ لمن رجح أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يُنكر على صَاحب القَوْل الآخر إلابحجة شَرْعِيَّة وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة وَفِي ذَبَائِح أهل الْكتاب إِذا سموا عَلَيْهَا غير الله وَفِي شَحم الثرب والكليتين وذبحهم لذوات الظفر كَالْإِبِلِ والبط وَنَحْو ذَلِك مِمَّا حرمه الله عَلَيْهِم وَتَنَازَعُوا فِي ذبح الْكِتَابِيّ للضحايا وَنَحْو ذَلِك من الْمسَائِل وَقد قَالَ بِكُل قَول طَائِفَة من أهل الْعلم الْمَشْهُورين فَمن صَار إِلَى قَول مقلد لقائله لم يكن لَهُ أَن يُنكر على من صَار إِلَى القَوْل الآخر مُقَلدًا لقائله لَكِن إِن كَانَ مَعَ أَحدهمَا حجَّة شَرْعِيَّة وَجب الانقياد للحجج الشَّرْعِيَّة إِذا ظَهرت وَلَا يجوز لأحد أَن يرجح قولا على قَول بِغَيْر دَلِيل وَلَا يتعصب لقَوْل على قَول وَلَا لقَائِل على قَائِل بِغَيْر حجَّة بل من كَانَ مُقَلدًا لزم حل التَّقْلِيد فَلم يرجح وَلم يزيف وَلم يصوب وَلم يخطىء وَمن كَانَ عِنْده من الْعلم وَالْبَيَان مَا يَقُوله سمع ذَلِك مِنْهُ فَقبل مَا تبين أَنه حق ورد مَا تبين أَنه بَاطِل ووقف مَا لم يتَبَيَّن فِيهِ أحد الْأَمريْنِ وَالله تَعَالَى قد فاوت بَين النَّاس فِي قوى الأذهان كَمَا فاوت بَينهم فِي قوى الْأَبدَان وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَنَحْوهَا فِيهَا من أغوار الْفِقْه وحقائقه مَا لَا يعرفهُ إِلَّا من عرف أقاويل الْعلمَاء ومآخذهم فَأَما من لم يعرف إِلَّا قَول عَالم وَاحِد وحجته دون قَول الْعَالم الآخر وحجته فَإِنَّهُ من الْعَوام المقلدين لَا من الْعلمَاء الَّذين يرجحون ويزيفون وَالله تَعَالَى يهدينا وإخواننا لما

стр. 56

يُحِبهُ ويرضاه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَالله أعلم فصل قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فِيهِ قراءتان مشهورتان النصب والخفض فَمن قَرَأَ بِالنّصب فَإِنَّهُ مَعْطُوف على الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالْمعْنَى فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ وامسحوا برؤوسكم وَمن قَرَأَ بالخفض فَلَيْسَ مَعْنَاهُ وامسحوا أَرْجُلكُم كَمَا يَظُنّهُ بعض النَّاس لأوجه أَحدهَا أَن الَّذين قرؤوا ذَلِك من السّلف قَالُوا عَاد الْأَمر إِلَى الْغسْل الثَّانِي أَنه لَو كَانَ عطفا على الرؤوس لَكَانَ الْمَأْمُور بِهِ مسح الأرجل لَا الْمسْح بهَا وَالله إِنَّمَا أَمر فِي الْوضُوء وَالتَّيَمُّم بِالْمَسْحِ بالعضو لَا مسح الْعُضْو فَقَالَ تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَقَالَ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَلم يقْرَأ الْقُرَّاء المعروفون فِي آيَة التَّيَمُّم وَأَيْدِيكُمْ بِالنّصب كَمَا قرؤوا فِي آيَة الْوضُوء فَلَو كَانَ عطفا لَكَانَ الموضعان سَوَاء وَذَلِكَ أَن قَوْله ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَقَوله ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ يقضتي إلصاق الْمَمْسُوح لِأَن الْبَاء للإلصاق وَهَذَا يَقْتَضِي إِيصَال المَاء والصعيد إِلَى أَعْضَاء الطَّهَارَة وَإِذا قيل امسح رَأسك ورجلك لم يقتض إِيصَال المَاء إِلَى الْعُضْو وَهَذَا يبين أَن لباء حرف جَاءَ لِمَعْنى لَا زَائِدَة كَمَا يَظُنّهُ بعض النَّاس وَهَذَا خلاف قَوْله معاوى إننا بشر فَأَسْجِحْ فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا فَإِن الْبَاء هُنَا مُؤَكدَة فَلَو حذفت لم يخْتل الْمَعْنى وَالْبَاء فِي آيَة الطَّهَارَة إِذا حذفت اخْتَلَّ الْمَعْنى فَلم يجز أَن يكون الْعَطف على مَحل الْمَجْرُور بهَا بل على لفظ الْمَجْرُور بهَا أَو على مَا قبله الثَّالِث أَنه لَو كَانَ عطفا على الْمحل لقرىء فِي آيَة التَّيَمُّم ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فَكَانَ فِي الْآيَة مَا يبين فَسَاد مَذْهَب الشَّارِح بِأَنَّهُ قد دلّت عَلَيْهِ ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾

стр. 57

بِالنّصب لِأَن اللَّفْظَيْنِ سَوَاء فَلَمَّا اتَّفقُوا على الْجَرّ فِي آيَة التَّيَمُّم مَعَ إِمْكَان الْعَطف على الْمحل لَو كَانَ صَوَابا علم أَن الْعَطف على اللَّفْظ وَلم يكن فِي آيَة التَّيَمُّم مَنْصُوب مَعْطُوف على اللَّفْظ كَمَا فِي آيَة الْوضُوء الرَّابِع أَنه قَالَ ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وَلم يقل إِلَى الكعاب فَلَو قدر أَن الْعَطف على الْمحل كالقول الآخر وَأَن التَّقْدِير أَن فِي كل رجلَيْنِ كعبين وَفِي كل رجل كَعْب وَاحِد لقيل إِلَى الكعاب كَمَا قيل إِلَى الْمرَافِق لما كَانَ فِي كل يَد مرفق وَحِينَئِذٍ فالكعبان هما العظمان الناتئان فِي جَانِبي السَّاق لَيْسَ هُوَ معقد الشرَاك مجمع السَّاق والقدم كَمَا يَقُوله من يرى الْمسْح على الرجلَيْن فَإِذا كَانَ الله ﵎ إِنَّمَا أَمر بِطَهَارَة الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ الناتئين والماسح يمسح إِلَى مجمع الْقدَم والساق علم أَنه مُخَالف الْقُرْآن الْوَجْه الْخَامِس أَن الْقِرَاءَتَيْن كالآيتين وَالتَّرْتِيب فِي الْوضُوء إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا مُسْتَحبّ مُؤَكد الِاسْتِحْبَاب فَإِذا فصل مَمْسُوح بَين مغسولين وَقطع النظير عَن النظير دلّ ذَلِك على التَّرْتِيب الْمَشْرُوع فِي الْوضُوء الْوَجْه السَّادِس أَن السّنة تفسر الْقُرْآن وتدل عَلَيْهِ وتعبر عَنهُ وَهِي قد جَاءَت بِالْغسْلِ الْوَجْه السَّابِع أَن التَّيَمُّم جعل بَدَلا عَن الْوضُوء عِنْد الْحَاجة فَحذف شطر أَعْضَاء الْوضُوء وخف الشّطْر الثَّانِي وَذَلِكَ فَإِنَّهُ حذف مَا كَانَ ممسوحا وَمسح مَا كَانَ مغسولا وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى وَهِي قِرَاءَة من قَرَأَ وأرجلكم بالخفض فَهِيَ لَا تخَالف السّنة المتواترة إِذْ القراءتان كالآيتين وَالسّنة الثَّابِتَة لَا تخَالف كتاب الله بل توافقه وَتصدقه وَلَكِن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عَن فهم الْقُرْآن فَإِن الْقُرْآن فِيهِ دلالات خُفْيَة تخفى على كثير من النَّاس وَفِيه مَوَاضِع ذكرت مجملة تفسرها السّنة وتبينها وَالْمسح اسْم جنس يدل على إلصاق الْمَمْسُوح بِهِ بالممسوح وَلَا يدل على لَفظه وجريانه لَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات قَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره الْعَرَب تَقول تمسحت للصَّلَاة فتسمي الْوضُوء كُله مسحا وَلَكِن من عَادَة الْعَرَب وَغَيرهم إِذا كَانَ الِاسْم عَاما تَحْتَهُ نَوْعَانِ خصوا أحد نوعيه باسم خَاص وأبقوا الِاسْم الْعَام للنوع الآخر كَمَا فِي لَفْظَة الدَّابَّة فَإِنَّهُ عَام للْإنْسَان وَغَيره من الدَّوَابّ لَكِن للْإنْسَان اسْم يَخُصُّهُ فصاروا يطلقونه على غَيره وَكَذَلِكَ لفظ الْحَيَوَان وَلَفظ ذَوي الْأَرْحَام يتَنَاوَل لكل ذِي رحم لَكِن للْوَارِث بِفَرْض أَو تعصيب اسْم يَخُصُّهُ وَكَذَلِكَ لفظ الْمُؤمن يتَنَاوَل من آمن بِاللَّه وبملائكته وَكتبه وَرُسُله وَمن آمن بالجبت

стр. 58

والطاغوت فَصَارَ لهَذَا النَّوْع اسْم يَخُصُّهُ وَهُوَ الْكَافِر وأبقي اسْم الْإِيمَان مُخْتَصًّا بِالْأولِ وَكَذَلِكَ لفظ الْبشَارَة ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ثمَّ إِنَّه مَعَ الْقَرِينَة تَارَة وَمَعَ الْإِطْلَاق أُخْرَى يسْتَعْمل اللَّفْظ الْعَام فِي مَعْنيين كَمَا إِذا أوصى لِذَوي رَحمَه فَإِنَّهُ يتَنَاوَل أَقَاربه من مثل الرِّجَال وَالنِّسَاء فَقَوله تَعَالَى فِي آيَة الْوضُوء ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ يَقْتَضِي إِيجَاب مُسَمّى الْمسْح بَينهمَا وكل وَاحِد من الْمسْح الْخَاص الْخَالِي عَن الإسالة وَالْمسح الَّذِي مَعَه إسالة يُسمى مسحا فاقتضت الْآيَة الْقدر الْمُشْتَرك فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلم يكن فِي لفظ الْآيَة مَا يمْنَع كَون الرجل يكون الْمسْح بهَا هُوَ الْمسْح الَّذِي مَعَه إسالة وَدلّ على ذَلِك قَوْله ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فَأمر بمسحهما إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَأَيْضًا فَإِن الْمسْح الْخَاص هُوَ إسالة المَاء مَعَ الْغسْل فهما نَوْعَانِ الْمسْح الْعَام الَّذِي هُوَ إِيصَال المَاء وَمن لغتهم فِي مثل ذَلِك أَن يَكْتَفِي بِأحد اللَّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِم علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا وَالْمَاء سقِِي لَا علف وَقَوله ... وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا ... وَالرمْح لَا يتقلد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس﴾ إِلَى قَوْله ﴿وحور عين﴾ فَكَذَلِك اكْتفى بِذكر أحد اللَّفْظَيْنِ وَإِن كَانَ مُرَاده الْغسْل وَدلّ عَلَيْهِ قَوْله ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وَالْقِرَاءَة الْأُخْرَى مَعَ السّنة المتواترة وَمن يَقُول يمسحان بِلَا إسالة يمسحهما إِلَى الكعاب لَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ مُخَالف لكل وَاحِدَة من الْقِرَاءَتَيْن كَمَا أَنه مُخَالف للسّنة المتواترة وَلَيْسَ مَعَه لَا ظَاهر وَلَا بَاطِن وَلَا سنة مَعْرُوفَة وَإِنَّمَا هُوَ غلط فِي فهم الْقُرْآن وَجَهل بِمَعْنَاهُ وبالسنة المتواترة وَذكر الْمسْح بِالرجلِ مِمَّا يشْعر بِأَن الرجل يمسح بهَا بِخِلَاف الْوَجْه وَالْيَد فَإِنَّهُ لَا يمسح بهما بِحَال وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ اللَّذين على الرجلَيْن مَا لم يجىء مثله فِي الْوَجْه وَالْيَد وَلَكِن دلّت السّنة مَعَ دلَالَة الْقُرْآن على الْمسْح بِالرجلَيْنِ وَمن مسح على الرجلَيْن فَهُوَ مُبْتَدع مُخَالف للسّنة المتواترة وللقرآن وَلَا يجوز لأحد أَن يعْمل بذلك مَعَ إِمْكَان الْغسْل وَالرجل إِذا كَانَت ظَاهِرَة وَجب غسلهَا وَإِذا كَانَت فِي الْخُف كَانَ حكمهَا مِمَّا بَينته السّنة كَمَا فِي آيَة الْفَرَائِض فَإِن السّنة بيّنت حَال الْوَارِث إِذا كَانَ عبدا أَو كَافِرًا أَو قَاتلا ونظائره مُتعَدِّدَة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

стр. 59

فصل فِي مجادلة أهل الْكتاب فِي أَمر الْمَسِيح قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قل فَمن يملك من الله شَيْئا إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾

стр. 60

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ فقد قَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ فِي موضِعين وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ فَذكر الله عَنْهُم هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَالنَّصَارَى قَالَت الْأَقْوَال الثَّلَاثَة لَكِن من النَّاس من يظنّ أَن هَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَهَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَهَذَا وَهَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَقَوْلهمْ ثَالِث ثَلَاثَة قَول النسطورية وَقَوْلهمْ أَنه ابْن الله قَول الملكانية وَمِنْهُم من يَقُول قَوْله أَن الله هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم قَول اليعقوبية وَقَوْلهمْ وَالِابْن وروح الْقُدس وَظن ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَن هَذِه الطوائف كَانُوا قبل اليعقوبية والنسطورية والملكية كَمَا ذكره طَائِفَة من الْمُفَسّرين كَابْن جرير الطَّبَرِيّ والثعلبي وَغَيرهمَا ثمَّ تَارَة يحكون عَن اليعقوبية أَن عِيسَى هُوَ الله وَعَن النسطورية أَنه ابْن الله وَعَن المريوسية أَنه ثَالِث ثَلَاثَة وَتارَة يحكون عَن النسطورية أَنه ثَالِث ثَلَاثَة وَعَن الملكية أَنه الله ويفسرون قَوْلهم ثَالِث ثَلَاثَة بِالْأَبِ وَالِابْن وروح الْقُدس

стр. 61

وَالصَّوَاب أَن هَذِه الْأَقْوَال جَمِيعهَا قَول طوائف النَّصَارَى الْمَشْهُورَة الملكية واليعقوبية والنسطورية فَإِن هَذِه الطوائف كلهَا تَقول بالأقانيم الثَّلَاثَة الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس فَتَقول إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَتقول عَن الْمَسِيح إِنَّه الله وَتقول إِنَّه ابْن الله وهم متفقون على اتِّحَاد اللاهوت والناسوت وَأَن المتحد هُوَ الْكَلِمَة وهم متفقون على عقيدة إِيمَانهم الَّتِي تَتَضَمَّن ذَلِك وَهُوَ قَوْلهم نؤمن بإله وَاحِد أَب ضَابِط الْكل خَالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض كل مَا يرى وَمَا لَا يرى وبرب وَاحِد يسوع الْمَسِيح ابْن الله الوحيد الْمَوْلُود من الْأَب قبل كل الدهور نور من نور إِلَه حق من إِلَه حق من إِلَه حق مَوْلُود غير مَخْلُوق وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة﴾ وَقَوله ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ فقد فسروه بالتثليث الْمَشْهُور عَنْهُم الْمَذْكُور فِي امانتهم وَمن النَّاس من يَقُول إِن الله هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم قَول اليعقوبية وَقَوْلهمْ ثَالِث ثَلَاثَة هُوَ قَول النَّصَارَى الَّذين يَقُولُونَ بِالْأَبِ وَالِابْن وهم قد جعلُوا الله فِيهَا ثَالِث ثَلَاثَة وَسموا كل وَاحِد من الثَّلَاثَة بالإله والرب وَقد فسره طَائِفَة بجعلهم عِيسَى وَأمه إِلَهَيْنِ يعبدان من دون الله قَالَ السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ قَالَ قَالَت النَّصَارَى إِن الله هُوَ الْمَسِيح وَأمه فَذَلِك قَوْله ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَقد قيل قَول ثَالِث أغرب من ذَلِك عَن أبي صَخْر قَالَ لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة قَالَ هُوَ قَول الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَول النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله فَجعلُوا الله ثَالِث ثَلَاثَة وَهَذَا ضَعِيف وَقد ذكر سعيد بن البطريق فِي أَخْبَار النَّصَارَى أَن مِنْهُم طَائِفَة يُقَال لَهُم المرسية يَقُولُونَ إِن مَرْيَم إِلَه وَإِن عِيسَى إِلَه فقد يُقَال إِن هَذَا قَول هَؤُلَاءِ كَمَا أَن القَوْل بِأَن عُزَيْرًا ابْن الله قَول طَائِفَة من الْيَهُود وَأما الأول فمتوجه فَإِن النَّصَارَى المتفقين على الْأَمَانَة كلهم يَقُولُونَ إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَالله تَعَالَى قد نَهَاهُم عَن أَن يَقُولُوا ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم﴾

стр. 62

فَذكر سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْآيَة التَّثْلِيث والاتحاد ونهاهم عَنْهُمَا وَبَين أَن الْمَسِيح إِنَّمَا هُوَ رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَقَالَ ﴿فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم﴾ وَلم يذكر هُنَا أمه وَقَوله تَعَالَى ﴿وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ قَالَ معمر عَن قَتَادَة وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَهُوَ قَوْله كن فَكَانَ وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَة لَيْسَ الْكَلِمَة صَار عِيسَى وَلَكِن بِالْكَلِمَةِ صَار عِيسَى وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُصَنفه الَّذِي صنفه فِي كتبه فِي الرَّد على الْجَهْمِية وَذكره عَنهُ الْخلال وَالْقَاضِي أَبُو يعلى قَالَ أَحْمد ثمَّ إِن الجهم ادّعى أمرا آخر فَقَالَ إِنَّا وجدنَا فِي كتاب الله آيَة تدل على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق قُلْنَا أَي آيَة قَالَ قَول الله ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم﴾ فَقُلْنَا إِن الله منعكم الْفَهم فِي الْقُرْآن عِيسَى ﵇ تجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظ لَا تجْرِي على الْقُرْآن لِأَن عِيسَى يجْرِي عَلَيْهِ نسمَة ومولود وطفل وَصبي وَغُلَام يَأْكُل وَيشْرب وَهُوَ يُخَاطب بِالْأَمر وَالنَّهْي يجْرِي عَلَيْهِ الْوَعْد والوعيد هُوَ من ذُرِّيَّة نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَلَا يحل لنا أَن نقُول فِي الْقُرْآن مَا نقُول فِي عِيسَى هَل سَمِعْتُمْ الله يَقُول فِي الْقُرْآن مَا قَول عِيسَى وَلَكِن الْمَعْنى فِي قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ فالكلمة الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم حِين قَالَ لَهُ كن فَكَانَ عِيسَى بكن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكن وَلَكِن بالكن كَانَ عِيسَى فالكن من الله قَوْله وَلَيْسَ الْكن مخلوقا وكذبت النَّصَارَى والجهمية على الله فِي أَمر عِيسَى وَذَلِكَ أَن الْجَهْمِية قَالُوا عِيسَى روح الله وكلمته لِأَن الْكَلِمَة مخلوقة قَالَت النَّصَارَى روح الله من ذَات الله وَكلمَة الله من ذَات الله كَمَا يُقَال هَذِه الْخِرْقَة من هَذَا الثَّوْب وَقُلْنَا نَحن إِن عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَة قَالَ أَحْمد وَأما قَوْله جلّ ثناءه ﴿وروح مِنْهُ﴾ يَقُول من أمره كَانَ الرّوح فِيهِ كَقَوْلِه ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يَقُول من أمره وَتَفْسِير روح الله إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا روح بِكَلِمَة الله خلقهَا الله كَمَا يَقُول عبد الله وسماء الله وَفِي نُسْخَة روح يملكهَا الله خلقهَا الله وَقَالَ الشّعبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم﴾ الْكَلِمَة حِين قَالَ لَهُ كن

стр. 63

فَكَانَ عِيسَى ب كن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكن وَلَكِن بالكن كَانَ وَقَالَ اللَّيْث عَن مُجَاهِد وروح مِنْهُ قَالَ رَسُول مِنْهُ يُرِيد مُجَاهِد قَوْله ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ وَالْمعْنَى أَن عِيسَى خلق من هَذِه الرّوح وَهُوَ جِبْرِيل روح الْقُدس سمي روحا كَمَا سمي كلمة لِأَنَّهُ خلق بِالْكَلِمَةِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أمانتهم تجسد من مَرْيَم وَمن روح الْقُدس لِأَنَّهُ جَاءَ كَذَلِك فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة لَكِن ظنُّوا أَن روح الْقُدس هُوَ صفة لله وجعلوها حَيَاته وَقدرته وَهُوَ رب وَهَذَا غلط مِنْهُم فَإِنَّهُ لم يسم أحد من الْأَنْبِيَاء حَيَاة الله وَلَا قدرته وَلَا شَيْئا من صِفَاته روح الْقُدس بل روح الْقُدس فِي غير مَوضِع من كَلَام الْأَنْبِيَاء ﵈ يُرَاد بهَا مَا ينزله الله على قُلُوب الْأَنْبِيَاء كالوحي وَالْهدى والتأييد وَيُرَاد بهَا الْملك وَهَكَذَا فِي تَفْسِير ابْن السَّائِب عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَن عِيسَى بن مَرْيَم اسْتقْبل رهطا من الْيَهُود فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا قد جَاءَ السَّاحر ابْن الساحرة وَالْفَاعِل ابْن الفاعلة فقذفوه وَأمه فَلَمَّا سمع عِيسَى ذَلِك قَالَ اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي وَأَنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني وَلم أتهم من تِلْقَاء نَفسِي وَذكر تَمام الحَدِيث وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾ فَهَذَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر وَالْمَقْصُود هُنَا أَنهم سَوَاء صدقُوا مُحَمَّدًا أَو كذبوه فَإِنَّهُ يلْزم بطلَان دينهم على التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ نَبيا صَادِقا فقد بلغ عَن الله فِي هَذَا الْكتاب كفر النَّصَارَى فِي غير مَوضِع ودعاهم إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَأمر بجهادهم فَمن علم أَنه نَبِي وَلَو إِلَى طَائِفَة مُعينَة فَيجب تَصْدِيقه فِي كل مَا أخبر بِهِ وَقد أخبر بِكفْر النَّصَارَى وضلالهم فَإِذا ثَبت هَذَا لم يغن

стр. 64

عَنْهُم الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْكتب وَلَا الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْمَعْقُول بل يعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة أَن كل مَا يحتجون بِهِ على صِحَة دينهم فَهُوَ بَاطِل وَإِن لم يبين فَسَاد حججهم على التَّفْصِيل لِأَن الْأَنْبِيَاء لَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًا كَمَا أَن الْمَسِيح ﵇ لما حكم بِكفْر من كذبه من الْيَهُود كَانَ كل مَا يحْتَج بِهِ الْيَهُود على خلاف ذَلِك بَاطِلا فَكل مَا عَارض قَول النَّبِي ﷺ الْمَعْصُوم فَهُوَ بَاطِل وَإِن كذبُوا مُحَمَّدًا تَكْذِيبًا عَاما مُطلقًا وَقَالُوا لَيْسَ هُوَ نَبِي أصلا وَلَا أرسل إِلَى أحد لَا إِلَى الْعَرَب وَلَا إِلَى غَيرهم بل كَانَ من الْكَذَّابين امْتنع مَعَ هَذَا أَن يصدقُوا بنبوة غَيره فَإِن الطَّرِيق الَّذِي يعلم بِهِ بنوة مُوسَى وَعِيسَى يعلم بِهِ نبوة مُحَمَّد بطرِيق الأولى فَإِذا قَالُوا علمت نبوة مُوسَى والمسيح بالمعجزات وَعرفت المعجزات بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر إِلَيْنَا قيل لَهُم معجزات مُحَمَّد ﷺ أعظم وتواترها أبلغ وَالْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ أكمل وَأمته أفضل وَشَرَائِع دينه أحسن ومُوسَى جَاءَ بِالْعَدْلِ وَعِيسَى جَاءَ بتكميلها بِالْفَضْلِ وَهُوَ ﷺ قد جمع فِي شَرِيعَته بَين الْعدْل وَالْفضل فَإِن سَاغَ لقَائِل أَن يَقُول هُوَ مَعَ هَذَا كَاذِب مفتر كَانَ على هَذَا التَّقْدِير الْبَاطِل غَيره أولى أَن يُقَال فِيهِ ذَلِك فَيبْطل بتكذيبهم مُحَمَّدًا ﷺ جَمِيع مَا مَعَهم من النبوات إِذْ حكم اُحْدُ الشَّيْئَيْنِ حكم مثله فَكيف بِمَا هُوَ أولى مِنْهُ فَلَو قَالَ قَائِل إِن هَارُون ويوشع وَدَاوُد وَسليمَان كَانُوا أَنْبيَاء ومُوسَى لم يكن نَبيا أَو أَن دَاوُد وَسليمَان ويوشع وَيحيى كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح لم يكن نَبيا أَو قَالَ مَا يَقُوله السامرة إِن يُوشَع كَانَ نَبيا وَمن بعده كداود وَسليمَان والمسيح لم يَكُونُوا أَنْبيَاء أَو قَالَ مَا يَقُوله الْيَهُود إِن دَاوُد وَسليمَان وشيعا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح بن مَرْيَم لم يكن نَبيا كَانَ هَذَا قولا متناقضا مَعْلُوم الْبطلَان فَإِن الَّذين نفى هَؤُلَاءِ عَنْهُم النُّبُوَّة احق بِالنُّبُوَّةِ وأكمل نبوة مِمَّن أثبتوها لَهُ وَدَلَائِل نبوة الْأَكْمَل أفضل فَكيف يجوز إِثْبَات النُّبُوَّة للنَّبِي الْمَفْضُول دون الْفَاضِل وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو قَالَ قَائِل إِن زفر وَابْن الْقَاسِم والمزني والأثرم كَانُوا فُقَهَاء وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لم يَكُونُوا فُقَهَاء اَوْ قَالَ إِن الْأَخْفَش وَابْن الْأَنْبَارِي والمبرد كَانُوا نحاة والخليل وسيبويه وَالْفراء لم يَكُونُوا نحاة أَو قَالَ إِن صَاحب الملكي والمسيحي وَنَحْوهمَا من كتب الطِّبّ كَانُوا أطباء وبقراط وجالينوس وَنَحْوهمَا لم يَكُونُوا أطباء أَو قَالَ إِن كوشيار والخرقي وَنَحْوهمَا كَانُوا يعْرفُونَ علم الْهَيْئَة وبطليموس وَنَحْوه لم يكن لَهُ علم بالهيئة وَمن قَالَ إِن دَاوُد وَسليمَان ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء وَمُحَمّد بن عبد الله لم يكن نَبيا فتناقضه أظهر وَفَسَاد قَوْله أبين من هَذَا جَمِيعه بل وَكَذَلِكَ من قَالَ إِن

стр. 65

مُوسَى وَعِيسَى رسولان رسولان والتوراة وَالْإِنْجِيل كِتَابَانِ منزلان من عِنْد الله ومحمدا لَيْسَ برَسُول وَالْقُرْآن لم ينزل من الله فبطلان قَوْله فِي غَايَة الظُّهُور وَالْبَيَان لن تدبر مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ من قبله وتدبر كِتَابه والكتب الَّتِي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هَؤُلَاءِ وَشَرَائِع دينه وَشَرَائِع دين هَؤُلَاءِ وَهَذِه الْجُمْلَة مفصلة مشروحة فِي غير هَذَا الْموضع لَكِن الْمَقْصُود هُنَا التَّنْبِيه على مجامع جوابهم وَهَؤُلَاء الْقَوْم لم يَأْتُوا بِدَلِيل وَاحِد يدل على صدق من احْتَجُّوا بِهِ من الْأَنْبِيَاء فَلَو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الْأَنْبِيَاء كلهم من الْمُشْركين والملاحدة لم يكن فِيمَا ذَكرُوهُ حجَّة لَهُم وَلَا حجَّة لَهُم أَيْضا على الْمُسلمين الَّذين يقرونَ بنبوة هَؤُلَاءِ فَإِن جُمْهُور الْمُسلمين إِنَّمَا عرفُوا صدق هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء بِإِخْبَار مُحَمَّد أَنهم أَنْبيَاء فَيمْتَنع أَن يصدقُوا بالفرع مَعَ الْقدح فِي الأَصْل الَّذِي بِهِ علمُوا صدقهم وَأَيْضًا فالطريق الَّذِي بِهِ علمت نبوة هَؤُلَاءِ بِمَا ثَبت من معجزاتهم وأخبارهم فَكَذَلِك تعلم نبوة مُحَمَّد بِمَا ثَبت من معجزاته وأخباره بطرِيق الأولى فَيمْتَنع أَن يصدق أحد من الْمُسلمين بنبوة وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ تَكْذِيبه لمُحَمد فِي كلمة مِمَّا جَاءَ بِهِ فصل فِي عُقُوبَة الْمُحَاربين بَين وقطاع الطَّرِيق قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد روى الشَّافِعِي ﵀ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس ﵁ فِي قطاع الطَّرِيق إِذا قتلوا وَأخذُوا المَال قتلوا وصلبوا وَإِذا قتلوا وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَلم يصلبوا وَإِذا أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا قطعت أَيْديهم وأرجلهم من خلاف وَإِذا أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا مَالا نفوا من الأَرْض وَهَذَا قَول كثير من أهل الْعلم

стр. 66

كالشافعي وَأحمد وَهُوَ قريب من قَول أبي حنيفَة ﵀ وَمِنْهُم من قَالَ للْإِمَام أَن يجْتَهد فيهم فَيقْتل من رأى قَتله مصلحَة وَإِن كَانَ لم يقتل مثل أَن يكون رَئِيسا مُطَاعًا فيهم وَيقطع من رأى قطعه مصلحَة وَإِن كَانَ لم يَأْخُذ المَال مثل أَن يكون ذَا جلد وَقُوَّة فِي أَخذ المَال كَمَا أَن مِنْهُم من يرى أَنه إِذا أخذُوا المَال قتلوا وَقَطعُوا وصلبوا وَالْأول قَول الْأَكْثَر فَمن كَانَ من الْمُحَاربين قد قتل فَإِنَّهُ يقْتله الإِمَام حدا لَا يجوز الْعَفو عَنهُ بِحَال بِإِجْمَاع الْعلمَاء ذكره ابْن الْمُنْذر وَلَا يكون أمره إِلَى وَرَثَة الْمَقْتُول بِخِلَاف مَا لَو قتل رجلا لعداوة بَينهمَا أَو خُصُومَة أَو نَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الْخَاصَّة فَإِن هَذَا دَمه لأولياء الْمَقْتُول إِن أَحبُّوا قتلوا وَإِن أَحبُّوا عفوا وَإِن أَحبُّوا أخذُوا الدِّيَة لِأَنَّهُ قَتله لغَرَض خَاص وَأما المحاربون فَإِنَّمَا يقتلُون لأخذ أَمْوَال النَّاس فضررهم عَام بِمَنْزِلَة السراق فَكَانَ قَتلهمْ حدا لله وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْفُقَهَاء حَتَّى لَو كَانَ الْمَقْتُول عير مكافىء للْقَاتِل مثل أَن يكون الْقَاتِل حرا والمقتول عبدا أَو الْقَاتِل مُسلما والمقتول ذِمِّيا أَو مستأمنا فقد اخْتلف الْفُقَهَاء هَل يقتل فِي الْمُحَاربَة والأقوى أَنه يقتل لِأَنَّهُ قتل للْفَسَاد الْعَام حدا كَمَا يقطع إِذا أَخذ أَمْوَالهم وكما يحبس بحقوقهم وَإِذ كَانَ المحاربون الحرامية جمَاعَة فالواحد مِنْهُم بَاشر الْقَتْل بِنَفسِهِ وَالْبَاقُونَ لَهُ أعوان وردء لَهُ فقد قيل إِنَّه يقتل الْمُبَاشر فَقَط وَالْجُمْهُور على أَن الْجَمِيع يقتلُون وَلَو كَانُوا مائَة وَأَن الردء والمباشر سَوَاء وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُور عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فَإِن عمر بن الْخطاب ﵁ قتل ربيئة الْمُحَاربين والربيئة هُوَ النَّاظر الَّذِي يجلس على مَكَان عَال ينظر مِنْهُ لَهُم من يَجِيء وَلِأَن الْمُبَاشر إِنَّمَا يُمكن من قَتله بِقُوَّة الردء ومعونته والطائفة إِذا انتصر بَعْضهَا بِبَعْض حَتَّى صَارُوا ممتنعين فهم مشتركون فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب كالمجاهدين فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم وَيرد متسريهم على قعدهم يَعْنِي أَن جَيش الْمُسلمين إِذا تسرت مِنْهُ سَرِيَّة

стр. 67

فَغنِمت مَالا فَإِن الْجَيْش يشاركها فِيمَا غنمت لِأَنَّهَا بظهره وقوته تمكنت وَلَكِن تنفل عَنهُ نفلا فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ ينفل السّريَّة إِذا كَانُوا فِي بدايتهم الرّبع بعد الْخمس فَإِذا رجعُوا إِلَى أوطانهم وتسرت سَرِيَّة نفلهم الثُّلُث بعد الْخمس وَكَذَلِكَ لَو غنم الْجَيْش غنيمَة شاركته السّريَّة لِأَنَّهَا فِي مصلحَة الْجَيْش كَمَا قسم النَّبِي ﷺ لطلْحَة وَالزُّبَيْر يَوْم بدر لِأَنَّهُ كَانَ قد بعثهما فِي مصلحَة الْجَيْش فأعوان الطَّائِفَة الممتنعة وأنصارها مِنْهَا فِيمَا لَهُم وَعَلَيْهِم وَهَكَذَا المقتتلون على بَاطِل لَا تَأْوِيل فِيهِ مثل المقتتلين على عصبية وَدَعوى جَاهِلِيَّة كقيس ويمن نَحْوهمَا ظالمتان كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قيل يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ أَرَادَ قتل صَاحبه أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وتضمن كل طَائِفَة أتلفته الْأُخْرَى من نفس وَمَال وَإِن لم يعرف عين الْقَاتِل لِأَن الطَّائِفَة الْوَاحِدَة الْمُمْتَنع بَعْضهَا بِبَعْض كالشخص الْوَاحِد وَأما إِذا أخذُوا المَال فَقَط وَلم يقتلُوا كَمَا قد يَفْعَله الْأَعْرَاب كثيرا فَإِنَّهُ يقطع من كل وَاحِد يَده الْيُمْنَى وَرجله الْيُسْرَى عِنْد أَكثر الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَهَذَا معنى قَول الله تَعَالَى ﴿أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم﴾ تقطع الْيَد الَّتِي يبطش بهَا وَالرجل الَّتِي يمشي عَلَيْهَا وتحسم يَده وَرجله بالزيت المغلي وَنَحْوه لينحسم الدَّم فَلَا يخرج فيفضي إِلَى تلفه وَكَذَلِكَ تحسم يَد السَّارِق بالزيت وَهَذَا الْفِعْل قد يكون أزْجر من الْقَتْل فَإِن الْأَعْرَاب وفسقة الْجند وَغَيرهم إِذا رَأَوْا دَائِما من هُوَ بَينهم مَقْطُوع الْيَد وَالرجل ذكرُوا بذلك جرمه فَارْتَدَعُوا بِخِلَاف الْقَتْل فَإِنَّهُ قد ينسى وَقد يُؤثر بعض النُّفُوس الأبية قَتله على قطع يَده وَرجله من خلاف فَيكون هَذَا أَشد تنكيلا لَهُ ولأمثاله وَأما إِذا شهروا السِّلَاح وَلم يقتلُوا نفسا وَلم يَأْخُذُوا مَالا ثمَّ اغمدوه أَو هربوا أَو تركُوا الحراب فَإِنَّهُم ينفون فَقيل نفيهم تشريدهم فَلَا يتركون يأوون فِي بلد وَقيل هُوَ حَبسهم وَقيل هُوَ مَا يرَاهُ الإِمَام أصلح من نفي أَو حبس أَو نَحْو ذَلِك وَالْقَتْل الْمَشْرُوع هُوَ ضرب الرَّقَبَة بِالسَّيْفِ وَنَحْوه لِأَن ذَلِك أوحى أَنْوَاع الْقَتْل

стр. 68

وَكَذَلِكَ شرع الله قتل مَا يُبَاح قَتله من الْآدَمِيّين والبهائم إِذا قدر عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته وَقَالَ إِن أعف النَّاس قتلة أهل الْإِيمَان وَأما الصلب الْمَذْكُور فَهُوَ رفعهم على مَكَان عَال ليراهم النَّاس ويشتهر أَمرهم وَهُوَ بعد الْقَتْل عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء وَمِنْهُم من قَالَ يصلبون ثمَّ يقتلُون وهم مصلبون وَقد جوز بعض الْعلمَاء قَتلهمْ بِغَيْر السَّيْف حَتَّى قَالَ يتركون على الْمَكَان العالي حَتَّى يموتوا حتف أنوفهم بِلَا قتل فَأَما التَّمْثِيل فِي الْقَتْل فَلَا يجوز إِلَّا على وَجه الْقصاص وَقد قَالَ عمرَان بن حُصَيْن ﵄ مَا خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة إِلَّا أمرنَا بِالصَّدَقَةِ ونهانها عَن الْمثلَة حَتَّى الْكفَّار إِذا قتلناهم فَإنَّا لَا نمثل بهم بعد الْقَتْل وَلَا نجدع آذانهم وأنوفهم وَلَا نبقر بطونهم إِلَّا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك بِنَا فنفعل بهم مَا فعلوا وَالتّرْك أفضل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين واصبر وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ قيل إِنَّهَا نزلت لما مثل الْمُشْركُونَ بِحَمْزَة وَغَيره من شُهَدَاء أحد ﵃ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَئِن أَظْفرنِي الله بهم لَأُمَثِّلَن بضعفي مَا مثلُوا بِنَا فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة وَإِن كَانَت قد نزلت قبل ذَلِك بِمَكَّة مثل قَوْله ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ وَقَوله ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ وَغير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي نزلت بِمَكَّة ثمَّ جرى بِالْمَدِينَةِ سَبَب يَقْتَضِي الْخطاب فأنزلت مرّة ثَانِيَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ بل نصبر وَفِي صَحِيح مُسلم عَن بُرَيْدَة بن الخصيب ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا بعث

стр. 69

أَمِيرا على سَرِيَّة أَو جَيش أَو فِي حَاجَة نَفسه أوصاهم بتقوى الله تَعَالَى وبمن مَعَه من الْمُسلمين خيرا ثمَّ يَقُول اغزوا بِسم الله وَفِي سَبِيل الله قَاتلُوا من كفر بِاللَّه لَا تغلوا وَلَا تغدروا وَلَا تمثلوا وَلَا تقتلُوا وليدا وَلَو شهروا السِّلَاح فِي الْبُنيان لَا فِي الصَّحرَاء لأخذ المَال فقد قيل إِنَّهُم لَيْسُوا محاربين بل هم بِمَنْزِلَة المختلس والمنتهب لِأَن الْمَطْلُوب يُدْرِكهُ الْغَوْث إِذا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ وَقَالَ أَكْثَرهم إِن حكمهم فِي الْبُنيان والصحراء وَاحِد وَهَذَا قَول مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر أَصْحَاب أَحْمد وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة بل هم فِي الْبُنيان أَحَق بالعقوبة مِنْهُم فِي الصَّحرَاء لِأَن الْبُنيان مَحل الْأَمْن والطمأنينة وَلِأَنَّهُ مَحل تناصر النَّاس وتعاونهم فإقدامهم عَلَيْهِ يَقْتَضِي شدَّة الْمُحَاربَة والمغالبة وَلِأَنَّهُم يسلبون الرجل فِي دَاره جَمِيع مَاله وَالْمُسَافر لَا يكون مَعَه غَالِبا إِلَّا بعض مَاله وَهَذَا الصَّوَاب لَا سِيمَا هَؤُلَاءِ المحترفون الَّذين تسميهم الْعَامَّة فِي الشَّام ومصر المنسر وَكَانُوا يسمون بِبَغْدَاد العيارين وَلَو حَاربُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَة والمقذوفة بِالْأَيْدِي أَو المقاليع وَنَحْوهَا فهم محاربون أَيْضا وَقد حُكيَ عَن بعض الْفُقَهَاء لَا محاربة إِلَّا بالمحدد وَحكى بَعضهم الْإِجْمَاع على أَن الْمُحَاربَة تكون بالمحدد والمثقل وَسَوَاء كَانَ فِيهِ خلاف أَو لم يكن فَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسلمين أَن من قَاتل على أَخذ المَال بِأَيّ نوع كَانَ من أَنْوَاع الْقِتَال فَهُوَ محَارب قَاطع كَمَا أَن من قَاتل الْمُسلمين من الْكفَّار بِأَنِّي نوع كَانَ من أَنْوَاع الْقِتَال فَهُوَ حَرْبِيّ وَمن قَاتل الْكفَّار من الْمُسلمين بِسيف أَو رمح أَو سهم أَو حِجَارَة أَو عَصا فَهُوَ مُجَاهِد فِي سَبِيل الله وَأما إِذا كَانَ يقتل النُّفُوس سرا لأخذ المَال مثل الَّذِي يجلس فِي خَان يكريه لأبناء السَّبِيل فَإِذا انْفَرد بِقوم مِنْهُم قَتلهمْ وَأخذ أَمْوَالهم أَو يَدْعُو إِلَى منزله من يستأجره لخياطة أَو طب أَو نَحْو ذَلِك فيقتله وَيَأْخُذ مَاله وَهَذَا يُسمى الْقَتْل غيلَة ويسميهم بعض الْعَامَّة المعرجين فَإِذا كَانَ المَال فَهَل هم كالمحاربين أَو يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْقود فِيهِ قَولَانِ للفقهاء أَحدهمَا أَنهم كالمحاربين لِأَن الْقَتْل بالحيلة كَالْقَتْلِ مُكَابَرَة كِلَاهُمَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز مِنْهُ بل قد يكون ضَرَر هَذَا أَشد لِأَنَّهُ لَا يدْرِي بِهِ وَالثَّانِي أَن الْمُحَارب هُوَ المجاهر بِالْقِتَالِ وَأَن هَذَا المغتال يكون أمره إِلَى ولي الدَّم وَالْأول أشبه بأصول الشَّرِيعَة بل قد يكون هَذَا أَشد لِأَنَّهُ لَا يدْرِي بِهِ

стр. 70

وَاخْتلف الْفُقَهَاء أَيْضا فِيمَن يقتل السُّلْطَان كقتلة عُثْمَان وَقَاتل عَليّ ﵄ هَل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أَو يكون أَمرهم إِلَى أَوْلِيَاء الدَّم على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره لِأَن فِي قَتله فَسَادًا فصل وَهَذَا كُله إِذا قدر عَلَيْهِ فَأَما إِذا طَلَبهمْ السُّلْطَان أَو نوابه لإِقَامَة الْحَد بِلَا عدوان فامتنعوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجب على الْمُسلمين قِتَالهمْ بِاتِّفَاق الْعلمَاء حَتَّى يقدر عَلَيْهِم كلهم وَمَتى لم ينقادوا إِلَّا بِقِتَال يُفْضِي إِلَى قَتلهمْ كلهم قوتلوا وَإِن أفْضى إِلَى ذَلِك سَوَاء كَانُوا قد قتلوا أَو لم يقتلُوا وَيقْتلُونَ فِي الْقِتَال كَيْفَمَا أمكن فِي الْعُنُق وَغَيره وَيُقَاتل من قَاتل مَعَهم مِمَّن يحميهم ويعينهم فَهَذَا قتال وَذَاكَ إِقَامَة حد وقتال هَؤُلَاءِ أوكد من قتال الطوائف الممتنعة عَن شرائع الْإِسْلَام فَإِن هَؤُلَاءِ قد تحزبوا لفساد النُّفُوس وَالْأَمْوَال وهلاك الْحَرْث والنسل لَيْسَ مقصودهم إِقَامَة دين وَلَا ملك وَهَؤُلَاء كالمحاربين الَّذين يأوون إِلَى حصن أَو مغارة أَو رَأس جبل أَو بطن وَاد وَنَحْو ذَلِك يقطعون الطَّرِيق على من مر بهم وَإِذا جَاءَهُم جند ولي الْأَمر يطلبهم للدخول فِي طَاعَة الْمُسلمين وَالْجَمَاعَة لإِقَامَة الْحُدُود قاتلوهم ودفعوهم مثل الْأَعْرَاب الَّذين يقطعون الطَّرِيق على الْحَاج أَو غَيره من الطرقات أَو الجبلية الَّذين يعتصمون برؤوس الْجبَال أَو المغارات لقطع الطَّرِيق وكالأحلاف الَّذين تحالفوا لقطع الطَّرِيق بَين الشَّام وَالْعراق ويسمون ذَلِك النهيضة فَإِنَّهُم يُقَاتلُون كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلَكِن قِتَالهمْ لَيْسَ بِمَنْزِلَة قتال الْكفَّار إِذا لم يَكُونُوا كفَّارًا وَلَا تُؤْخَذ أَمْوَالهم إِلَّا أَن يَكُونُوا أخذُوا أَمْوَال النَّاس بِغَيْر حق فَإِن عَلَيْهِم ضَمَانهَا فَيُؤْخَذ مِنْهُم بِقدر مَا أخذُوا وَإِن لم نعلم عين الْآخِذ وَكَذَلِكَ لَو علم عينه فَإِن الردء والمباشر سَوَاء كَمَا قُلْنَاهُ لَكِن إِذا عرف عينه كَانَ قَرَار الضَّمَان عَلَيْهِ وَيرد مَا يُؤْخَذ مِنْهُ على أَرْبَاب الْأَمْوَال فَإِن تعذر الرَّد عَلَيْهِم كَانَ لمصَالح الْمُسلمين من رزق الطَّائِفَة الْمُقَاتلَة لَهُم وَغير ذَلِك بل الْمَقْصُود من قِتَالهمْ التَّمَكُّن مِنْهُم لإِقَامَة الْحُدُود ومنعهم من الْفساد فَإِذا جرح الرجل مِنْهُم جرحا مثخنا لم يُجهز عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوت إِلَّا أَن يَمُوت يكون قد وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل وَإِذا هرب وكفانا شَره لم نتبعه إِلَّا أَن يكون عَلَيْهِ حد أَو نَخَاف عاقبته وَمن أسر مِنْهُم أقيم عَلَيْهِ الْحَد الَّذِي يُقَام على غَيره وَمن الْفُقَهَاء من يشدد فيهم حَتَّى يرى غنيمَة أَمْوَالهم وتخميسها وَأَكْثَرهم يأبون ذَلِك فَأَما إِذا تحيزوا إِلَى مملكة طَائِفَة خَارِجَة عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام وأعانوهم على الْمُسلمين قوتلوا كقتالهم وَأما من كَانَ لَا يقطع الطَّرِيق وَلكنه يَأْخُذ خفارة أَو ضريبة من أَبنَاء السَّبِيل على الرؤوس

стр. 71

وَالدَّوَاب والأحمال وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا مكاس عَلَيْهِ عُقُوبَة المكاسين وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء جَوَاز قَتله وَلَيْسَ هُوَ من قطاع الطَّرِيق فَإِن الطَّرِيق لَا يَنْقَطِع بِهِ مَعَ أَنه أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الغامدية لقد تابت تَوْبَة لَو تابها صَاحب مكس لغفر لَهُ وَيجوز للمظلومين الَّذين ترَاد أَمْوَالهم قتل الْمُحَاربين بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَلَا يجب أَن يبْذل لَهُم من المَال لَا قَلِيل وَلَا كثير إِذا أمكن قِتَالهمْ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون حرمته فَهُوَ شَهِيد وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه الْفُقَهَاء الصَّائِل وَهُوَ الظَّالِم بِلَا تَأْوِيل وَلَا ولَايَة فَإِذا كَانَ مَطْلُوبه المَال جَازَ مَنعه بِمَا يُمكن فَإِذا لم ينْدَفع إِلَّا بِالْقِتَالِ قوتل وَإِن ترك الْقِتَال وَأَعْطَاهُمْ شَيْئا من المَال جَازَ وَأما إِذا كَانَ مَطْلُوبه الْحُرْمَة مثل أَن يطْلب الزِّنَا بمحارم الْإِنْسَان أَو يطْلب من الْمَرْأَة أَو الصَّبِي الْمَمْلُوك أَو غَيره الفجوربه فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يدْفع نَفسه بِمَا يُمكن وَلَو بِالْقِتَالِ وَلَا يجوز التَّمْكِين مِنْهُ بِحَال بِخِلَاف المَال فَإِنَّهُ يجوز التَّمْكِين مِنْهُ لِأَن بذل المَال جَائِز وبذل الْفُجُور بِالنَّفسِ أَو بِالْحُرْمَةِ غير جَائِز وَأما إِذا كَانَ مَقْصُوده قتل الْإِنْسَان جَازَ لَهُ الدّفع عَن نَفسه وَهل يجب عَلَيْهِ قَتله أم لَا على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهَذَا إِذا كَانَ للنَّاس سُلْطَان فَأَما إِذا كَانَ وَالْعِيَاذ بِاللَّه فتْنَة مثل أَن يخْتَلف سلطانان للْمُسلمين ويقتتلان على الْملك فَهَل يجوز للْإنْسَان إِذا دخل أَحدهمَا بلد الآخر وَجرى السَّيْف أَن يدْفع عَن نَفسه فِي الْفِتْنَة أَو يستسلم فَلَا يُقَاتل فِيهَا على قَوْلَيْنِ لأهل الْعلم فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره فَإِذا ظفر السُّلْطَان بالمحاربين الحرامية وَقد أخذُوا الْأَمْوَال الَّتِي للنَّاس فَعَلَيهِ أَن يسْتَخْرج مِنْهُم الْأَمْوَال الَّتِي للنَّاس ويردها عَلَيْهِم مَعَ إِقَامَة الْحَد على أبدانهم وَكَذَلِكَ السَّارِق فَإِن امْتَنعُوا من إحضارهم المَال بعد ثُبُوته عَلَيْهِم عاقبهم بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب حَتَّى يمكنوا من أَخذه بإحضاره أَو تَوْكِيل من يحضرهُ والإخبار بمكانه كَمَا يُعَاقب كل مُمْتَنع من حق وَجب عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فَإِن الله قد أَبَاحَ للرجل فِي كِتَابه أَن يضْرب امْرَأَته إِذا نشزت فامتنعت من الْحق الْوَاجِب عَلَيْهَا حَتَّى تُؤَدِّيه فَهَؤُلَاءِ أولى وَأَحْرَى وَهَذَا الْمُطَالبَة والعقوبة حق لرب المَال فَإِن أَرَادَ هبتهم المَال أَو الْمُصَالحَة عَلَيْهِ أَو الْعَفو عَن عقوبتهم فَلهُ ذَلِك بِخِلَاف إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى الْعَفو عَنهُ بِحَال

стр. 72

وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يلْزم رب المَال بترك شَيْء من حَقه وَإِن كَانَت الْأَمْوَال قد تلفت بِالْأَكْلِ وَغَيره عِنْدهم أَو عِنْد السَّارِق فَقيل يضمنونها لأربابها كَمَا يضمن سَائِر الغارمين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد ﵄ وَتبقى مَعَ الْإِعْسَار فِي ذمتهم إِلَى ميسرَة وَقيل لَا يجْتَمع الْغرم وَالْقطع وَهُوَ قَول أبي حنيفَة ﵀ وَقيل يضمنونها مَعَ الْيَسَار فَقَط دون الْإِعْسَار وَهُوَ قَول مَالك ﵀ وَلَا يحل للسُّلْطَان أَن يَأْخُذ من أَرْبَاب الْأَمْوَال جعلا عَن طلب الْمُحَاربين وَإِقَامَة الْحَد وارتجاع أَمْوَال النَّاس مِنْهُم وَلَا على طلب السارقين لَا لنَفسِهِ وَلَا للجند الَّذين يرسلهم فِي طَلَبهمْ بل طلب هَؤُلَاءِ من نوع الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَيخرج فِيهِ جند الْمُسلمين كَمَا يخرج فِي غَيره من الْغَزَوَات الَّتِي تسمي البيكار وَينْفق على الْمُجَاهدين فِي هَذَا من المَال الَّذِي ينْفق مِنْهُ على سَائِر الْغُزَاة فَإِن كَانَ لَهُ أقطاع أَو عَطاء يكفيهم وَإِلَّا أَعْطَاهُم تَمام كِفَايَة غزوهم من مَال الْمصَالح من الصَّدقَات فَإِن هَذَا من سَبِيل الله فَإِن كَانَ على أَبنَاء السَّبِيل المأخوذين زَكَاة مثل التُّجَّار الَّذين قد يؤخذون فَأخذ الإِمَام زَكَاة أَمْوَالهم وأنفقها فِي سَبِيل الله كَنَفَقَة الَّذين يطْلبُونَ الْمُحَاربين جَازَ وَلَو كَانَت لَهُم شَوْكَة قَوِيَّة تحْتَاج إِلَى تأليف فَأعْطى الإِمَام من الْفَيْء والمصالح أَو الزَّكَاة لِبُغْض رُؤَسَائِهِمْ يعينهم على إِحْضَار البَاقِينَ أَو لترك شَره فيضعف الْبَاقُونَ وَنَحْو ذَلِك جَازَ وَكَانَ هَؤُلَاءِ من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَقد ذكر مثل ذَلِك غير وَاحِد من الْأَئِمَّة كأحمد وَغَيره وَهُوَ ظَاهر بِالْكتاب وَالسّنة وأصول الشَّرِيعَة وَلَا يجوز أَن يُرْسل الإِمَام من يضعف عَن مقارمة الحرامية وَلَا من يَأْخُذ مَالا من المأخوذين التُّجَّار وَنَحْوهم من أَبنَاء السَّبِيل بل يُرْسل من الْجند الأقوياء الْأُمَنَاء إِلَّا أَن يتَعَذَّر ذَلِك فَيُرْسل الأمثل فالأمثل فَإِن كَانَ بعض نواب السُّلْطَان أَو رُؤَسَاء الْقرى وَنَحْوهم يأمرون الحرامية بِالْأَخْذِ فِي الْبَاطِن أَو الظَّاهِر حَتَّى إِذا أخذُوا شَيْئا قاسمهم ودافع عَنْهُم وأرضى المأخوذين بِبَعْض أَمْوَالهم أَو لم يرضهم فَهَذَا أعظم جرما من مقدم الحرامية لِأَن ذَلِك يُمكن دَفعه بِدُونِ مَا ينْدَفع بِهِ هَذَا وَالْوَاجِب أَن يُقَال فِيهِ الردء والعون لَهُم فَإِن قتلوا قتل هُوَ على قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَأكْثر أهل الْعلم وَإِن أخذُوا المَال قطعت يَده وَرجله وَإِن قتلوا وَأخذُوا المَال قتل وصلب وعَلى قَول طَائِفَة من أهل الْعلم يقطع وَيقتل ويصلب وَقيل يُخَيّر بَين هذَيْن وَإِن كَانَ لم يَأْذَن لَهُم لَكِن لما قدر عَلَيْهِم قاسمهم الْأَمْوَال وعطل بعض الْحُقُوق وَالْحُدُود

стр. 73

وَمن آوى مُحَاربًا أَو سَارِقا أَو قَاتلا وَنَحْوهم مِمَّن وَجب عَلَيْهِ حد أَو حق لله تَعَالَى أَو لآدَمِيّ وَمنعه مِمَّن يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْوَاجِب بِلَا عدوان فَهُوَ شَرِيكه فِي الجرم وَقد لَعنه الله وَرَسُوله روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا وَإِذا ظفر بِهَذَا الَّذِي آوى الْمُحدث فَإِنَّهُ يطْلب مِنْهُ إِحْضَاره أَو الْإِعْلَام بِهِ فَإِن امْتنع عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب مرّة بعد مرّة حَتَّى يُمكن من ذَلِك الْمُحدث كَمَا ذكرنَا أَنه يُعَاقب الْمُمْتَنع من أَدَاء المَال الْوَاجِب فَمَا وَجب حُضُوره من النُّفُوس وَالْأَمْوَال يُعَاقب من منع حُضُورهَا وَلَو كَانَ رجلا يعرف مَكَان المَال الْمَطْلُوب بِحَق أَو الرجل الْمَطْلُوب بِحَق وَهُوَ الَّذِي يمنعهُ فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْإِعْلَام بِهِ وَالدّلَالَة عَلَيْهِ وَلَا يجوز كِتْمَانه فَإِن هَذَا من بَاب التعاون على الْبر وَالتَّقوى وَذَلِكَ وَاجِب بِخِلَاف مَا لَو كَانَ النَّفس أَو المَال مَطْلُوبا بباطل فَإِنَّهُ لَا يحل الْإِعْلَام بِهِ لِأَنَّهُ من التعاون على الْإِثْم والعدوان بل يجب الدّفع عَنهُ لِأَنَّهُ نصر الْمَظْلُوم وَاجِب فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس ابْن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما قلت يَا رَسُول الله أنصره مَظْلُوما فَكيف أنصره ظَالِما قَالَ تَمنعهُ من الظُّلم فَذَلِك نصرك إِيَّاه وروى مُسلم نَحوه عَن جَابر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِسبع ونهانا عَن سبع أمرنَا بعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجِنَازَة وتشميت الْعَاطِس وإبرار الْقسم وَإجَابَة الدعْوَة وَنصر الْمَظْلُوم ونهانا عَن خَوَاتِيم الذَّهَب وَعَن الشّرْب بِالْفِضَّةِ وَعَن المياثر وَعَن لبس الْحَرِير والقسي والديباج والاستبرق فَإِن امْتنع هَذَا الْعَالم بِهِ من الْإِعْلَام بمكانه جَازَ عُقُوبَته بِالْحَبْسِ وَغَيره حَتَّى يخبر بِهِ لِأَنَّهُ امْتنع من حق وَاجِب عَلَيْهِ لَا تدخله النِّيَابَة فَعُوقِبَ كَمَا تقدم ولاتجوز عُقُوبَته على ذَلِك إِلَّا إِذا عرف أَنه عَالم بِهِ وَهَذَا مطرد فِي مَا تتولاه الْوُلَاة والقضاة وَغَيرهم فِي كل من امْتنع من وَاجِب من قَول أَو فعل وَلَيْسَ هَذَا مُطَالبَة للرجل بِحَق وَجب على غَيره وَلَا عُقُوبَة على جِنَايَة غَيره حَتَّى يدْخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَفِي قَول النَّبِي ﷺ أَلا لَا يجني جَان إِلَى على نَفسه وَإِنَّمَا ذَلِك مثل أَن يُطَالب بِمَال قد وَجب على غَيره وَهُوَ لَيْسَ وَكيلا وَلَا ضَامِنا وَلَا لَهُ عِنْده مَال

стр. 74

أَو يُعَاقب الرجل بجريمة قَرِيبه أَو جَاره من غير أَن يكون قد أذْنب لَا بترك وَاجِب وَلَا بِفعل محرم فَهَذَا الَّذِي لَا يحل فَأَما هَذَا فَإِنَّمَا يُعَاقب على ذَنْب نَفسه وَهُوَ أَن يكون قد علم مَكَان الظَّالِم الَّذِي يطْلب حُضُوره لِاسْتِيفَاء الْحق أَو مَكَان المَال الَّذِي قد تعلق بِهِ حُقُوق الْمُسْتَحقّين فَيمْتَنع من الْإِعَانَة والنصرة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع إِمَّا مُحَابَاة وحمية لذَلِك الظَّالِم كَمَا قد يفعل أهل الْمعْصِيَة بَعضهم بِبَعْض وَإِمَّا معاداة أَو بغضا للمظلوم وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ وَإِمَّا إعْرَاضًا عَن الْقيام لله وَالْقِيَام بِالْقِسْطِ الَّذِي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا لدينِهِ كَمَا يَفْعَله التاركون لنصر الله وَرَسُوله وَدينه وَكتابه الَّذين إِذا قيل لَهُم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلوا إِلَى الأَرْض وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا الضَّرْب يسْتَحق الْعقُوبَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَمن لم يسْلك هَذِه السبل عطل الْحُدُود وضيع الْحُقُوق وَأكل الْقوي الضَّعِيف وَهُوَ يشبه من عِنْده مَال الظَّالِم المماطل من عين أَو دين وَقد امْتنع من تَسْلِيمه لحَاكم عَادل يُوفى بِهِ دينه أَو يُؤَدِّي مِنْهُ النَّفَقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ لأَهله أَو أَقَاربه أَو مماليكه أَو بهائمه وَكَثِيرًا مَا يجب على الرجل حق بِسَبَب غَيره كَمَا تجب عَلَيْهِ النَّفَقَة بِسَبَب حَاجَة قريبَة وكما تجب الدِّيَة على عَاقِلَة الْقَاتِل وَهَذَا الضَّرْب من التَّعْزِير عُقُوبَة لمن علم أَن عِنْده مَالا أَو نفسا يجب إِحْضَاره وَهُوَ لَا يحضرهُ كالقطاع والسراق وحماتهم أَو علم أَنه خَبِير بِهِ وَهُوَ لَا يخبر بمكانه فَأَما إِن امْتنع من الْإِخْبَار والإحضار لِئَلَّا يعتدي عَلَيْهِ الطَّالِب أَو يَظْلمه فَهَذَا محسن وَكَثِيرًا مَا يشْتَبه أَحدهمَا بِالْآخرِ ويجتمع شبهه وشهرته وَالْوَاجِب تَمْيِيز الْحق من الْبَاطِل وَهَذَا يَقع كثيرا فِي الرؤساء من أهل الْبَادِيَة والحاضرة وَإِذا استجار بهم مستجير أَو كَانَ بَينهمَا قرَابَة أَو صداقة فَإِنَّهُم يرَوْنَ الحمية الْجَاهِلِيَّة والعزة بالإثم والسمعة عِنْد الأوباش أَنهم ينصرونه وَإِن كَانَ ظَالِما مُبْطلًا على المحق الْمَظْلُوم لَا سِيمَا إِن كَانَ الْمَظْلُوم رَئِيسا يناوئهم ويناوؤنه فيرون فِي تَسْلِيم المستجير بهم إِلَى من يناوئهم ذلا أَو عَجزا وَهَذَا على الْإِطْلَاق جَاهِلِيَّة مَحْضَة وهم من أكبر أَسبَاب فَسَاد الدّين وَالدُّنْيَا وَقد ذكر أَنه إِنَّمَا كَانَ سَبَب حروب من حروب الْأَعْرَاب كحرب البسوس الَّتِي كَانَت بَين بني بكر وتغلب إِلَى نَحْو هَذَا وَكَذَا سَبَب دُخُول التّرْك المغول دَار الْإِسْلَام واستيلاؤهم على مُلُوك مَا وَرَاء النَّهر وخراسان كَانَ سَببه نَحْو هَذَا وَمن أذلّ نَفسه لله أعزها وَمن بذل الْحق من نَفسه فقد أكْرم نَفسه فَإِن أكْرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم وَمن اعتز بالظلم فِي منع وَفعل الْإِثْم فقد أذلّ نَفسه وأهانها قَالَ الله تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد الْعِزَّة فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا﴾

стр. 75

وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي صفة هَذَا الضَّرْب ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد﴾ وَإِنَّمَا الْوَاجِب على من استجار بِهِ مستجير إِن كَانَ مَظْلُوما ينصره وَلَا يثبت أَنه مظلوم بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ فطالما اشْتَكَى الرجل وَهُوَ ظَالِم بل يكْشف خَبره من خَصمه وَغَيره فَإِن كَانَ ظَالِما رده عَن الظُّلم بالرفق إِن أمكن أما من صلح أَو حكم بِالْقِسْطِ وَإِلَّا فبالقوة وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا ظَالِما كَأَهل الْأَهْوَاء من قيس ويمن وَنَحْوهم وَأكْثر المتداعين من أهل الْأَمْصَار والبوادي أَو كَانَا جَمِيعًا غير ظالمين لشُبْهَة أَو تَأْوِيل أَو غلط وَقع فِيمَا بَينهمَا سعى بَينهمَا بالإصلاح أَو الحكم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قيل لَهُ أَمن العصبية أَن ينصر الرجل قومه فِي الْحق قَالَ لَا قَالَ وَلَكِن من العصبية أَن ينصر الرجل قومه فِي الْبَاطِل وَقَالَ خَيركُمْ الدَّافِع عَن قومه مَا لم يَأْثَم وَقَالَ مثل الَّذِي ينصر قومه بِالْبَاطِلِ كبعير تردى فِي بِئْر فَهُوَ يجر بِذَنبِهِ وَقَالَ من سمعتموه يتعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة فأعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا
следующие страницы →