← Тафсир

Тафсир · id 5487

دقائق التفسير

ابن تيمية

Полный текст (300 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَالدَّوَاب والأحمال وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا مكاس عَلَيْهِ عُقُوبَة المكاسين وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء جَوَاز قَتله وَلَيْسَ هُوَ من قطاع الطَّرِيق فَإِن الطَّرِيق لَا يَنْقَطِع بِهِ مَعَ أَنه أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الغامدية لقد تابت تَوْبَة لَو تابها صَاحب مكس لغفر لَهُ وَيجوز للمظلومين الَّذين ترَاد أَمْوَالهم قتل الْمُحَاربين بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَلَا يجب أَن يبْذل لَهُم من المَال لَا قَلِيل وَلَا كثير إِذا أمكن قِتَالهمْ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون حرمته فَهُوَ شَهِيد وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه الْفُقَهَاء الصَّائِل وَهُوَ الظَّالِم بِلَا تَأْوِيل وَلَا ولَايَة فَإِذا كَانَ مَطْلُوبه المَال جَازَ مَنعه بِمَا يُمكن فَإِذا لم ينْدَفع إِلَّا بِالْقِتَالِ قوتل وَإِن ترك الْقِتَال وَأَعْطَاهُمْ شَيْئا من المَال جَازَ وَأما إِذا كَانَ مَطْلُوبه الْحُرْمَة مثل أَن يطْلب الزِّنَا بمحارم الْإِنْسَان أَو يطْلب من الْمَرْأَة أَو الصَّبِي الْمَمْلُوك أَو غَيره الفجوربه فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يدْفع نَفسه بِمَا يُمكن وَلَو بِالْقِتَالِ وَلَا يجوز التَّمْكِين مِنْهُ بِحَال بِخِلَاف المَال فَإِنَّهُ يجوز التَّمْكِين مِنْهُ لِأَن بذل المَال جَائِز وبذل الْفُجُور بِالنَّفسِ أَو بِالْحُرْمَةِ غير جَائِز وَأما إِذا كَانَ مَقْصُوده قتل الْإِنْسَان جَازَ لَهُ الدّفع عَن نَفسه وَهل يجب عَلَيْهِ قَتله أم لَا على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهَذَا إِذا كَانَ للنَّاس سُلْطَان فَأَما إِذا كَانَ وَالْعِيَاذ بِاللَّه فتْنَة مثل أَن يخْتَلف سلطانان للْمُسلمين ويقتتلان على الْملك فَهَل يجوز للْإنْسَان إِذا دخل أَحدهمَا بلد الآخر وَجرى السَّيْف أَن يدْفع عَن نَفسه فِي الْفِتْنَة أَو يستسلم فَلَا يُقَاتل فِيهَا على قَوْلَيْنِ لأهل الْعلم فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره فَإِذا ظفر السُّلْطَان بالمحاربين الحرامية وَقد أخذُوا الْأَمْوَال الَّتِي للنَّاس فَعَلَيهِ أَن يسْتَخْرج مِنْهُم الْأَمْوَال الَّتِي للنَّاس ويردها عَلَيْهِم مَعَ إِقَامَة الْحَد على أبدانهم وَكَذَلِكَ السَّارِق فَإِن امْتَنعُوا من إحضارهم المَال بعد ثُبُوته عَلَيْهِم عاقبهم بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب حَتَّى يمكنوا من أَخذه بإحضاره أَو تَوْكِيل من يحضرهُ والإخبار بمكانه كَمَا يُعَاقب كل مُمْتَنع من حق وَجب عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فَإِن الله قد أَبَاحَ للرجل فِي كِتَابه أَن يضْرب امْرَأَته إِذا نشزت فامتنعت من الْحق الْوَاجِب عَلَيْهَا حَتَّى تُؤَدِّيه فَهَؤُلَاءِ أولى وَأَحْرَى وَهَذَا الْمُطَالبَة والعقوبة حق لرب المَال فَإِن أَرَادَ هبتهم المَال أَو الْمُصَالحَة عَلَيْهِ أَو الْعَفو عَن عقوبتهم فَلهُ ذَلِك بِخِلَاف إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى الْعَفو عَنهُ بِحَال

стр. 72

وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يلْزم رب المَال بترك شَيْء من حَقه وَإِن كَانَت الْأَمْوَال قد تلفت بِالْأَكْلِ وَغَيره عِنْدهم أَو عِنْد السَّارِق فَقيل يضمنونها لأربابها كَمَا يضمن سَائِر الغارمين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد ﵄ وَتبقى مَعَ الْإِعْسَار فِي ذمتهم إِلَى ميسرَة وَقيل لَا يجْتَمع الْغرم وَالْقطع وَهُوَ قَول أبي حنيفَة ﵀ وَقيل يضمنونها مَعَ الْيَسَار فَقَط دون الْإِعْسَار وَهُوَ قَول مَالك ﵀ وَلَا يحل للسُّلْطَان أَن يَأْخُذ من أَرْبَاب الْأَمْوَال جعلا عَن طلب الْمُحَاربين وَإِقَامَة الْحَد وارتجاع أَمْوَال النَّاس مِنْهُم وَلَا على طلب السارقين لَا لنَفسِهِ وَلَا للجند الَّذين يرسلهم فِي طَلَبهمْ بل طلب هَؤُلَاءِ من نوع الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَيخرج فِيهِ جند الْمُسلمين كَمَا يخرج فِي غَيره من الْغَزَوَات الَّتِي تسمي البيكار وَينْفق على الْمُجَاهدين فِي هَذَا من المَال الَّذِي ينْفق مِنْهُ على سَائِر الْغُزَاة فَإِن كَانَ لَهُ أقطاع أَو عَطاء يكفيهم وَإِلَّا أَعْطَاهُم تَمام كِفَايَة غزوهم من مَال الْمصَالح من الصَّدقَات فَإِن هَذَا من سَبِيل الله فَإِن كَانَ على أَبنَاء السَّبِيل المأخوذين زَكَاة مثل التُّجَّار الَّذين قد يؤخذون فَأخذ الإِمَام زَكَاة أَمْوَالهم وأنفقها فِي سَبِيل الله كَنَفَقَة الَّذين يطْلبُونَ الْمُحَاربين جَازَ وَلَو كَانَت لَهُم شَوْكَة قَوِيَّة تحْتَاج إِلَى تأليف فَأعْطى الإِمَام من الْفَيْء والمصالح أَو الزَّكَاة لِبُغْض رُؤَسَائِهِمْ يعينهم على إِحْضَار البَاقِينَ أَو لترك شَره فيضعف الْبَاقُونَ وَنَحْو ذَلِك جَازَ وَكَانَ هَؤُلَاءِ من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَقد ذكر مثل ذَلِك غير وَاحِد من الْأَئِمَّة كأحمد وَغَيره وَهُوَ ظَاهر بِالْكتاب وَالسّنة وأصول الشَّرِيعَة وَلَا يجوز أَن يُرْسل الإِمَام من يضعف عَن مقارمة الحرامية وَلَا من يَأْخُذ مَالا من المأخوذين التُّجَّار وَنَحْوهم من أَبنَاء السَّبِيل بل يُرْسل من الْجند الأقوياء الْأُمَنَاء إِلَّا أَن يتَعَذَّر ذَلِك فَيُرْسل الأمثل فالأمثل فَإِن كَانَ بعض نواب السُّلْطَان أَو رُؤَسَاء الْقرى وَنَحْوهم يأمرون الحرامية بِالْأَخْذِ فِي الْبَاطِن أَو الظَّاهِر حَتَّى إِذا أخذُوا شَيْئا قاسمهم ودافع عَنْهُم وأرضى المأخوذين بِبَعْض أَمْوَالهم أَو لم يرضهم فَهَذَا أعظم جرما من مقدم الحرامية لِأَن ذَلِك يُمكن دَفعه بِدُونِ مَا ينْدَفع بِهِ هَذَا وَالْوَاجِب أَن يُقَال فِيهِ الردء والعون لَهُم فَإِن قتلوا قتل هُوَ على قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَأكْثر أهل الْعلم وَإِن أخذُوا المَال قطعت يَده وَرجله وَإِن قتلوا وَأخذُوا المَال قتل وصلب وعَلى قَول طَائِفَة من أهل الْعلم يقطع وَيقتل ويصلب وَقيل يُخَيّر بَين هذَيْن وَإِن كَانَ لم يَأْذَن لَهُم لَكِن لما قدر عَلَيْهِم قاسمهم الْأَمْوَال وعطل بعض الْحُقُوق وَالْحُدُود

стр. 73

وَمن آوى مُحَاربًا أَو سَارِقا أَو قَاتلا وَنَحْوهم مِمَّن وَجب عَلَيْهِ حد أَو حق لله تَعَالَى أَو لآدَمِيّ وَمنعه مِمَّن يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْوَاجِب بِلَا عدوان فَهُوَ شَرِيكه فِي الجرم وَقد لَعنه الله وَرَسُوله روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لعن الله من أحدث حَدثا أَو آوى مُحدثا وَإِذا ظفر بِهَذَا الَّذِي آوى الْمُحدث فَإِنَّهُ يطْلب مِنْهُ إِحْضَاره أَو الْإِعْلَام بِهِ فَإِن امْتنع عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب مرّة بعد مرّة حَتَّى يُمكن من ذَلِك الْمُحدث كَمَا ذكرنَا أَنه يُعَاقب الْمُمْتَنع من أَدَاء المَال الْوَاجِب فَمَا وَجب حُضُوره من النُّفُوس وَالْأَمْوَال يُعَاقب من منع حُضُورهَا وَلَو كَانَ رجلا يعرف مَكَان المَال الْمَطْلُوب بِحَق أَو الرجل الْمَطْلُوب بِحَق وَهُوَ الَّذِي يمنعهُ فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْإِعْلَام بِهِ وَالدّلَالَة عَلَيْهِ وَلَا يجوز كِتْمَانه فَإِن هَذَا من بَاب التعاون على الْبر وَالتَّقوى وَذَلِكَ وَاجِب بِخِلَاف مَا لَو كَانَ النَّفس أَو المَال مَطْلُوبا بباطل فَإِنَّهُ لَا يحل الْإِعْلَام بِهِ لِأَنَّهُ من التعاون على الْإِثْم والعدوان بل يجب الدّفع عَنهُ لِأَنَّهُ نصر الْمَظْلُوم وَاجِب فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس ابْن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما قلت يَا رَسُول الله أنصره مَظْلُوما فَكيف أنصره ظَالِما قَالَ تَمنعهُ من الظُّلم فَذَلِك نصرك إِيَّاه وروى مُسلم نَحوه عَن جَابر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِسبع ونهانا عَن سبع أمرنَا بعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجِنَازَة وتشميت الْعَاطِس وإبرار الْقسم وَإجَابَة الدعْوَة وَنصر الْمَظْلُوم ونهانا عَن خَوَاتِيم الذَّهَب وَعَن الشّرْب بِالْفِضَّةِ وَعَن المياثر وَعَن لبس الْحَرِير والقسي والديباج والاستبرق فَإِن امْتنع هَذَا الْعَالم بِهِ من الْإِعْلَام بمكانه جَازَ عُقُوبَته بِالْحَبْسِ وَغَيره حَتَّى يخبر بِهِ لِأَنَّهُ امْتنع من حق وَاجِب عَلَيْهِ لَا تدخله النِّيَابَة فَعُوقِبَ كَمَا تقدم ولاتجوز عُقُوبَته على ذَلِك إِلَّا إِذا عرف أَنه عَالم بِهِ وَهَذَا مطرد فِي مَا تتولاه الْوُلَاة والقضاة وَغَيرهم فِي كل من امْتنع من وَاجِب من قَول أَو فعل وَلَيْسَ هَذَا مُطَالبَة للرجل بِحَق وَجب على غَيره وَلَا عُقُوبَة على جِنَايَة غَيره حَتَّى يدْخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَفِي قَول النَّبِي ﷺ أَلا لَا يجني جَان إِلَى على نَفسه وَإِنَّمَا ذَلِك مثل أَن يُطَالب بِمَال قد وَجب على غَيره وَهُوَ لَيْسَ وَكيلا وَلَا ضَامِنا وَلَا لَهُ عِنْده مَال

стр. 74

أَو يُعَاقب الرجل بجريمة قَرِيبه أَو جَاره من غير أَن يكون قد أذْنب لَا بترك وَاجِب وَلَا بِفعل محرم فَهَذَا الَّذِي لَا يحل فَأَما هَذَا فَإِنَّمَا يُعَاقب على ذَنْب نَفسه وَهُوَ أَن يكون قد علم مَكَان الظَّالِم الَّذِي يطْلب حُضُوره لِاسْتِيفَاء الْحق أَو مَكَان المَال الَّذِي قد تعلق بِهِ حُقُوق الْمُسْتَحقّين فَيمْتَنع من الْإِعَانَة والنصرة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع إِمَّا مُحَابَاة وحمية لذَلِك الظَّالِم كَمَا قد يفعل أهل الْمعْصِيَة بَعضهم بِبَعْض وَإِمَّا معاداة أَو بغضا للمظلوم وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ وَإِمَّا إعْرَاضًا عَن الْقيام لله وَالْقِيَام بِالْقِسْطِ الَّذِي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا لدينِهِ كَمَا يَفْعَله التاركون لنصر الله وَرَسُوله وَدينه وَكتابه الَّذين إِذا قيل لَهُم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلوا إِلَى الأَرْض وعَلى كل تَقْدِير فَهَذَا الضَّرْب يسْتَحق الْعقُوبَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَمن لم يسْلك هَذِه السبل عطل الْحُدُود وضيع الْحُقُوق وَأكل الْقوي الضَّعِيف وَهُوَ يشبه من عِنْده مَال الظَّالِم المماطل من عين أَو دين وَقد امْتنع من تَسْلِيمه لحَاكم عَادل يُوفى بِهِ دينه أَو يُؤَدِّي مِنْهُ النَّفَقَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ لأَهله أَو أَقَاربه أَو مماليكه أَو بهائمه وَكَثِيرًا مَا يجب على الرجل حق بِسَبَب غَيره كَمَا تجب عَلَيْهِ النَّفَقَة بِسَبَب حَاجَة قريبَة وكما تجب الدِّيَة على عَاقِلَة الْقَاتِل وَهَذَا الضَّرْب من التَّعْزِير عُقُوبَة لمن علم أَن عِنْده مَالا أَو نفسا يجب إِحْضَاره وَهُوَ لَا يحضرهُ كالقطاع والسراق وحماتهم أَو علم أَنه خَبِير بِهِ وَهُوَ لَا يخبر بمكانه فَأَما إِن امْتنع من الْإِخْبَار والإحضار لِئَلَّا يعتدي عَلَيْهِ الطَّالِب أَو يَظْلمه فَهَذَا محسن وَكَثِيرًا مَا يشْتَبه أَحدهمَا بِالْآخرِ ويجتمع شبهه وشهرته وَالْوَاجِب تَمْيِيز الْحق من الْبَاطِل وَهَذَا يَقع كثيرا فِي الرؤساء من أهل الْبَادِيَة والحاضرة وَإِذا استجار بهم مستجير أَو كَانَ بَينهمَا قرَابَة أَو صداقة فَإِنَّهُم يرَوْنَ الحمية الْجَاهِلِيَّة والعزة بالإثم والسمعة عِنْد الأوباش أَنهم ينصرونه وَإِن كَانَ ظَالِما مُبْطلًا على المحق الْمَظْلُوم لَا سِيمَا إِن كَانَ الْمَظْلُوم رَئِيسا يناوئهم ويناوؤنه فيرون فِي تَسْلِيم المستجير بهم إِلَى من يناوئهم ذلا أَو عَجزا وَهَذَا على الْإِطْلَاق جَاهِلِيَّة مَحْضَة وهم من أكبر أَسبَاب فَسَاد الدّين وَالدُّنْيَا وَقد ذكر أَنه إِنَّمَا كَانَ سَبَب حروب من حروب الْأَعْرَاب كحرب البسوس الَّتِي كَانَت بَين بني بكر وتغلب إِلَى نَحْو هَذَا وَكَذَا سَبَب دُخُول التّرْك المغول دَار الْإِسْلَام واستيلاؤهم على مُلُوك مَا وَرَاء النَّهر وخراسان كَانَ سَببه نَحْو هَذَا وَمن أذلّ نَفسه لله أعزها وَمن بذل الْحق من نَفسه فقد أكْرم نَفسه فَإِن أكْرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم وَمن اعتز بالظلم فِي منع وَفعل الْإِثْم فقد أذلّ نَفسه وأهانها قَالَ الله تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد الْعِزَّة فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا﴾

стр. 75

وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمُنَافِقين ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي صفة هَذَا الضَّرْب ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا وَيهْلك الْحَرْث والنسل وَالله لَا يحب الْفساد وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد﴾ وَإِنَّمَا الْوَاجِب على من استجار بِهِ مستجير إِن كَانَ مَظْلُوما ينصره وَلَا يثبت أَنه مظلوم بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ فطالما اشْتَكَى الرجل وَهُوَ ظَالِم بل يكْشف خَبره من خَصمه وَغَيره فَإِن كَانَ ظَالِما رده عَن الظُّلم بالرفق إِن أمكن أما من صلح أَو حكم بِالْقِسْطِ وَإِلَّا فبالقوة وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا ظَالِما كَأَهل الْأَهْوَاء من قيس ويمن وَنَحْوهم وَأكْثر المتداعين من أهل الْأَمْصَار والبوادي أَو كَانَا جَمِيعًا غير ظالمين لشُبْهَة أَو تَأْوِيل أَو غلط وَقع فِيمَا بَينهمَا سعى بَينهمَا بالإصلاح أَو الحكم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِن فاءت فأصلحوا بَينهمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِن الله يحب المقسطين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قيل لَهُ أَمن العصبية أَن ينصر الرجل قومه فِي الْحق قَالَ لَا قَالَ وَلَكِن من العصبية أَن ينصر الرجل قومه فِي الْبَاطِل وَقَالَ خَيركُمْ الدَّافِع عَن قومه مَا لم يَأْثَم وَقَالَ مثل الَّذِي ينصر قومه بِالْبَاطِلِ كبعير تردى فِي بِئْر فَهُوَ يجر بِذَنبِهِ وَقَالَ من سمعتموه يتعزى بعزاء الْجَاهِلِيَّة فأعضوه بِهن أَبِيه وَلَا تكنوا

стр. 76

وكل مَا خرج عَن دَعْوَة الْإِسْلَام وَالْقُرْآن من نسب أَو بلد أَو جنس أَو مَذْهَب أَو طَريقَة فَهُوَ من عزاء الْجَاهِلِيَّة بل لما اخْتصم رجلَانِ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَقَالَ الْمُهَاجِرِي يَا للمهاجرين وَقَالَ الْأنْصَارِيّ يَا للْأَنْصَار قَالَ النَّبِي ﷺ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة وَأَنا بَين أظْهركُم وَغَضب لذَلِك غَضبا شَدِيدا فصل وَأما السَّارِق فَيجب قطع يَده الْيُمْنَى بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَلَا يجوز بعد ثُبُوت الْحَد بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ تَأْخِيره لَا بِحَبْس وَلَا مَال يفتدي بِهِ وَلَا غَيره بل تقطع يَده فِي الْأَوْقَات المعظمة وَغَيرهَا فَإِن إِقَامَة الْحَد من الْعِبَادَات كالجهاد فِي سَبِيل الله فَيَنْبَغِي أَن يعرف أَن إِقَامَة الْحَد لَا تَأْخُذهُ رأفة فِي دين الله فيعطله وَيكون قَصده رَحْمَة الْخلق بكف النَّاس عَن الْمُنْكَرَات لَا شِفَاء غيظه وَإِرَادَة الْعُلُوّ على الْخلق بِمَنْزِلَة الْوَالِد إِذا أدب وَلَده فَإِنَّهُ لَو كف عَن تأيب وَلَده كَمَا تُشِير بِهِ الْأُم رقة ورأفة لفسد الْوَلَد وَإِنَّمَا يؤدبه رَحْمَة بِهِ وإصلاحا لحاله مَعَ أَنه يود ويؤثر أَن لَا يحوجه إِلَى تَأْدِيب وبمنزلة الطَّبِيب الَّذِي يسْقِي الْمَرِيض الدَّوَاء الكريه وبمنزلة قطع الْعُضْو المتآكل والحجم وَقطع الْعُرُوق بالفصاد وَنَحْو ذَلِك بل بِمَنْزِلَة شرب الْإِنْسَان الدَّوَاء الكريه وَمَا يدْخلهُ على نَفسه من الْمَشَقَّة لينال بِهِ الرَّاحَة فَهَكَذَا شرعت الْحُدُود وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تكون نِيَّة الْوَالِي فِي إِقَامَتهَا فَإِنَّهُ مَتى كَانَ قَصده صَلَاح الرّعية وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرَات بجلب الْمَنْفَعَة لَهُم وَدفع الْمضرَّة عَنْهُم وآبتغي بذلك وَجه الله تَعَالَى وَطَاعَة أمره ألان الله لَهُ الْقُلُوب وتيسرت لَهُ أَسبَاب الْخَيْر وَكَفاهُ الْعقُوبَة البشرية وَقد يرضى الْمَحْدُود إِذا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد وَأما إِذا كَانَ غَرَضه الْعُلُوّ عَلَيْهِم وَإِقَامَة رياسته ليعظموه أَو ليبذلوه لَهُ مَا يُرِيد من الْأَمْوَال انعكس عَلَيْهِ مَقْصُوده ويروى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قبل أَن يَلِي الْخلَافَة كَانَ نَائِبا للوليد بن عبد الْملك على مَدِينَة النَّبِي ﷺ وَكَانَ قد ساسهم سياسة صَالِحَة فَقدم الْحجَّاج من الْعرَاق وَقد سامهم سوء الْعَذَاب فَسَأَلَ أهل الْمَدِينَة عَن عمر كَيفَ هيبته فِيكُم قَالُوا مَا نستطيع أَن نَنْظُر إِلَيْهِ قَالَ كَيفَ محبتكم لَهُ قَالُوا هُوَ أحب إِلَيْنَا من أهلنا قَالَ فَكيف أدبه فِيكُم قَالُوا مَا بَين

стр. 77

الثَّلَاثَة الأسواط إِلَى الْعشْرَة هَذِه هيبته وَهَذِه محبته وَهَذَا أدبه هَذَا أَمر من السَّمَاء وَإِذا قطعت يَده حسمت وَاسْتحبَّ أَن تعلق فِي عُنُقه فَإِن سرق ثَانِيًا قطعت رجله الْيُسْرَى فَإِن سرق ثَالِثا ورابعا فَفِيهِ قَولَانِ للصحابة وَمن بعدهمْ من الْعلمَاء أَحدهمَا تقطع أربعته فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وَهُوَ قَول أبي بكر ﵁ وَمذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالثَّانِي أَنه يحبس وَهُوَ قَول عَليّ ﵁ والكوفيين وَأحمد فِي رِوَايَته الْأُخْرَى وَإِنَّمَا تقطع يَده إِذا سرق نِصَابا وَهُوَ ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء من أهل الْحجاز وَأهل الحَدِيث وَغَيرهم كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمِنْهُم من يَقُول دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم فَمن سرق ذَلِك قطع بالِاتِّفَاقِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قطع فِي مجن ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم وَفِي لقظ لمُسلم قطع سَارِقا فِي مجن قِيمَته ثَلَاث دَرَاهِم والمجن الترس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ تقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قَالَ اقطعو فِي ربع دِينَار وَلَا تقطعوا فِيمَا هُوَ أدنى من ذَلِك وَكَانَ ربع الديار يَوْمئِذٍ دَرَاهِم وَالدِّينَار اثْنَي عشر درهما وَلَا يكون السَّارِق سَارِقا حَتَّى يَأْخُذ المَال من حرز فَأَما المَال الضائع من صَاحبه وَالثَّمَر الَّذِي يكون فِي الشّجر فِي الصَّحرَاء بِلَا حَائِط والماشية الَّتِي لَا راعي عِنْدهَا وَنَحْو ذَلِك فَلَا قطع فِيهِ لَكِن يُعَزّر الْأَخْذ ويضاعف عَلَيْهِ الْغرم كَمَا جَاءَ بِهِ الحَدِيث وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي التَّضْعِيف وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمد وَغَيره قَالَ رَافع بن خديج سَمِعت رَسُول الله ﷺ لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر والكثر جمار النّخل رَوَاهُ أهل السّنَن وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده ﵁ قَالَ سَمِعت رجلا من مزينة يسْأَل رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا رَسُول الله جِئْت أَسأَلك عَن الضَّالة من الْإِبِل قَالَ مَعهَا حذاؤها وسقاؤها تَأْكُل الشّجر وَترد المَاء فدعها حَتَّى يَأْتِيهَا باغيها قَالَ فالضالة من الْغنم قَالَ لَك أَو لأخيك أَو للذئب تجمعها حَتَّى يَأْتِيهَا باغيها قَالَ فالحريسة الَّتِي تُؤْخَذ من مراتعها قَالَ فِيهَا ثمنهَا مرَّتَيْنِ وَضرب نكال وَمَا أَخذ من عطنه فَفِيهِ الْقطع

стр. 78

إِذا بلغ مَا يُؤْخَذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن قَالَ يَا رَسُول الله فالثمار وَمَا أَخذ مِنْهَا من أكمامها قَالَ من أَخذ مِنْهَا بفمه وَلم يتَّخذ خبنة فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَمن احْتمل فَعَلَيهِ ثمنه مرَّتَيْنِ وَضرب نكال وَمَا أَخذ من أجرانه فَفِيهِ الْقطع إِذا بلغ مَا يُؤْخَذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلية وجلدات نكال رَوَاهُ أهل السّنَن لَكِن هَذَا سِيَاق النَّسَائِيّ وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ على المنتهب وَلَا على المختلس وَلَا الخائن قطع فالمنتهب الَّذِي ينهب الشَّيْء وَالنَّاس ينظرُونَ والمختلس الَّذِي يجتذب الشَّيْء فَيعلم بِهِ قبل أَخذه وَأما الطرار وَهُوَ البطاط الَّذِي يبط الْجُيُوب والمناديل والأكمام وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يقطع على الصَّحِيح فصل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ قَالَ عَامَّة الْمُفَسّرين كَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْفراء الْوَسِيلَة الْقرْبَة قَالَ قَتَادَة تقربُوا إِلَى الله بِمَا يرضيه قَالَ أَبُو عُبَيْدَة توسلت إِلَيْهِ أَي تقربت وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد تحببوا إِلَى الله والتحبب والتقرب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِطَاعَة رَسُوله فالإيمان بالرسول وطاعته هُوَ وَسِيلَة الْخلق إِلَى الله لَيْسَ لَهُم وَسِيلَة يتوسلون بهَا الْبَتَّةَ إِلَّا الْإِيمَان بِرَسُولِهِ وطاعته وَلَيْسَ لأحد من الْخلق وَسِيلَة إِلَى الله ﵎ إِلَّا توسله بِالْإِيمَان بِهَذَا الرَّسُول الْكَرِيم وطاعته وَهَذِه يُؤمر بهَا الْإِنْسَان حَيْثُ كَانَ من الْأَمْكِنَة وَفِي كل وَقت وَمَا خص من الْعِبَادَات بمَكَان كَالْحَجِّ أَو زمَان كَالصَّوْمِ وَالْجُمُعَة فَكل فِي مَكَانَهُ وزمانه وَلَيْسَ لنَفس الْحُجْرَة من دَاخل فضلا عَن جدارها من خَارج اخْتِصَاص شَيْء فِي شرع الْعِبَادَات وَلَا فعل شَيْء مِنْهَا فالقرب من الله أفضل مِنْهُ بالبعد مِنْهُ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالْمَسْجِد خص بالفضيلة فِي حَيَاته ﷺ قبل وجود الْقَبْر فَلم تكن فَضِيلَة مَسْجده لذَلِك وَلَا اسْتحبَّ هُوَ ﷺ وَلَا أحد من أَصْحَابه وَلَا عُلَمَاء أمته أَن يجاور أحد عِنْد قبر ولايعكف عَلَيْهِ لَا قَبره المكرم وَلَا قبر غَيره وَلَا أَن يقْصد السُّكْنَى قَرِيبا من قبر أَي قبر كَانَ وسكنى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة هُوَ أفضل فِي حق من تَتَكَرَّر طَاعَته لله وَرَسُوله فِيهَا أَكثر كَمَا كَانَ الْأَمر لما كَانَ النَّاس مأمورين بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا فَكَانَت الْهِجْرَة إِلَيْهَا وَالْمقَام بهَا أفضل من جَمِيع الْبِقَاع مَكَّة وَغَيرهَا بل كَانَ ذَلِك

стр. 79

وَاجِبا من أعظم الْوَاجِبَات فَلَمَّا فتحت مَكَّة قَالَ النَّبِي ﷺ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَكَانَ من اتى من اهل مَكَّة وَغَيرهم ليهاجر ويسكن الْمَدِينَة يَأْمُرهُ أَن يرجع إِلَى مدينته وَلَا يَأْمُرهُ بسكناها كَمَا كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَأْمر النَّاس عقب الْحَج أَن يذهبوا إِلَى بِلَادهمْ لِئَلَّا يضيقوا على أهل مَكَّة وَكَانَ يَأْمر كثيرا من أَصْحَابه وَقت الْهِجْرَة أَن يخرجُوا إِلَى أَمَاكِن أُخْرَى لولاية مَكَان وَغَيره وَكَانَت طَاعَة الرَّسُول بِالسَّفرِ إِلَى غير الْمَدِينَة يخرجُوا إِلَى أَمَاكِن أُخْرَى لولاية مَكَان وَغَيره وَكَانَت طَاعَة الرَّسُول بِالسَّفرِ إِلَى غير الْمَدِينَة أفضل من الْمقَام عِنْده بِالْمَدِينَةِ حِين كَانَت دَار الْهِجْرَة فَكيف بهَا بعد ذَلِك إِذْ كَانَ الَّذِي ينفع النَّاس طَاعَة الله وَرَسُوله وَأما مَا سوى ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعهُمْ لَا قرَابَة وَلَا مجاورة وَلَا غير ذَلِك كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَنه قَالَ يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا صَفِيَّة عمَّة رَسُول الله لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا يَا عَبَّاس عَم رَسُول الله لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا وَقَالَ ﷺ إِن آل أبي فلَان لَيْسُوا لي بأولياء إِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ وَقَالَ إِن أوليائي المتقون حَيْثُ كَانُوا وَمن كَانُوا قَالَ الشَّيْخ الْإِسْلَام ﵀ فصل قَوْله ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ قيل اللَّام لَام كي أَي يسمعُونَ ليكذبوا ويمسعون لينقلوا إِلَى قوم آخَرين لم يأتوك فيكونون كَذَّابين ونمامين جواسيس وَالصَّوَاب أَنَّهَا لَام التَّعْدِيَة مثل قَوْله سمع الله لمن حَمده فالسماع مُتَضَمّن معنى القَوْل أَي قَائِلُونَ للكذب ويسمعون من قوم آخَرين لم يأتوك ويطيعونهم فَيكون ذما لَهُم على قبُول الْخَبَر الْكَاذِب وعَلى طَاعَة غَيره من الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ مثل قَوْله ﴿ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ أَي هم يطْلبُونَ أَن يفتنوكم وَفِيكُمْ من يسمع مِنْهُم فَيكون قد ذمهم على اتِّبَاع الْبَاطِل فِي نَوْعي الْكَلَام خَبره وإنشائه فَإِن بَاطِل الْخَبَر الْكَذِب وباطل الْإِنْشَاء طَاعَة غير الرُّسُل وَهَذَا بعيد

стр. 80

٩ - ثمَّ قَالَ ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ فَذكر أَنهم فِي غذاءي الْجَسَد وَالْقلب يغتدون الْحَرَام بِخِلَاف من يَأْكُل الْحَلَال وَلَا يقبل إِلَّا الصدْق وَفِيه ذمّ لمن يروج عَلَيْهِ الْكَذِب ويقبله أَو يؤثره لموافقته هَوَاهُ فَيدْخل فِيهِ قبُول الْمذَاهب الْفَاسِدَة لِأَنَّهَا كذب لَا سِيمَا إِذا اقْترن بذلك قبُولهَا لأجل الْعِوَض عَلَيْهَا سَوَاء كَانَ الْعِوَض من ذِي سُلْطَان أَو وقف أَو فتوح أَو هَدِيَّة أَو أُجْرَة أَو غير ذَلِك وَهُوَ شَبيه بقوله ﴿إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ اهل الْبدع وَأهل الْفُجُور الَّذين يصدقون بِمَا كذب بِهِ على الله وَرَسُوله وَأَحْكَامه وَالَّذين يطيعون فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَمثله ﴿هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون﴾ فَإِنَّمَا تنزلت بِالسَّمْعِ الَّذِي يخلط فِيهِ بِكَلِمَة الصدْق ألف كلمة من الْكَذِب على من هُوَ كَذَّاب فَاجر فَيكون سَمَاعا للكذب من مسترقة السّمع ثمَّ قَالَ فِي السُّورَة ﴿لَوْلَا ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلهم الْإِثْم وأكلهم السُّحت﴾ فَقَوْل الْإِثْم وَسَمَاع الْكَذِب وَأكل السُّحت أَعمال متلازمة فِي الْعَادة وللحكام مِنْهَا خُصُوص فَإِن الْحَاكِم إِذا ارتشى سمع الشَّهَادَة المزورة وَالدَّعْوَى الْفَاجِرَة فَصَارَ سَمَاعا للكذب أكالا للسحت قَائِلا للإثم وَلِهَذَا خير نبيه ﷺ بَين الحكم بَينهم وَبَين تَركه لِأَنَّهُ لَيْسَ قصدهم قبُول الْحق وسماعه مُطلقًا بل يسمعُونَ مَا وَافق أهواءهم وَإِن كَانَ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ الْعلمَاء الَّذين يتقولون الرِّوَايَات المكذوبة فصل قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾

стр. 81

يعلم من هَذَا أَن التَّوْرَاة الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة بعد خراب بَيت الْمُقَدّس وَبعد مَجِيء بخْتنصر وَبعد مبعث الْمَسِيح وَبعد مبعث مُحَمَّد ﷺ فِيهَا حكم الله والتوراة الَّتِي كَانَت عِنْد يهود الْمَدِينَة على عهد رَسُول الله ﷺ وَإِن قيل أَنه غير بعض ألفاظها بعد مبعثه فَلَا نشْهد على كل نُسْخَة فِي الْعَالم بِمثل ذَلِك فَإِن هَذَا غير مَعْلُوم لنا وَهُوَ أَيْضا مُتَعَذر بل يُمكن تَغْيِير كثير من النّسخ وإشاعة ذَلِك عِنْد الأتباع حَتَّى لَا يُوجد عِنْد كثير من النَّاس إِلَّا مَا غير بعد ذَلِك وَمَعَ هَذَا فكثير من نسخ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل متفقة فِي الْغَالِب إِنَّمَا يخْتَلف فِي الْيَسِير من ألفاظها فتبديل أَلْفَاظ الْيَسِير من النّسخ بعد مبعث الرَّسُول مُمكن لَا يُمكن أحدا أَن يجْزم بنفيه وَلَا يقدر أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يشْهد بِأَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم بالكتابين متفقة الْأَلْفَاظ إِذْ هَذَا لَا سَبِيل لأحد إِلَى علمه وَالِاخْتِلَاف الْيَسِير فِي أَلْفَاظ هَذِه الْكتب مَوْجُود فِي الْكثير من النّسخ كَمَا قد تخْتَلف نسخ بعض كتب الحَدِيث أَو تبدل بعض أَلْفَاظ بعض النّسخ وَهَذَا بِخِلَاف الْقُرْآن الْمجِيد الَّذِي حفظت أَلْفَاظه فِي الصُّدُور وبالنقل الْمُتَوَاتر لَا يحْتَاج أَن يحفظ فِي كتاب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَذَلِكَ أَن الْيَهُود قبل النَّبِي ﷺ وعَلى عَهده وَبعده منتشرون فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَعِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدهم نسخ كَثِيرَة من التَّوْرَاة وَلم يتَمَكَّن أحد من جمع هَذِه النّسخ وتبديلها وَلَو كَانَ هَذَا مُمكنا لَكَانَ ذَلِك من الوقائع الْعَظِيمَة الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نقلهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل قَالَ تَعَالَى ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ فَعلم أَن فِي هَذَا الْإِنْجِيل حكما أنزلهُ الله تَعَالَى لَكِن الحكم هُوَ من بَاب الْأَمر وَالنَّهْي وَذَلِكَ لَا يمْنَع أَن يكون التَّغْيِير فِي بَاب الْأَخْبَار وَهُوَ الَّذِي وَقع فِيهِ التبديل لفظا وَأما الْأَحْكَام الَّتِي فِي التَّوْرَاة فَمَا يكَاد أحد يَدعِي التبديل فِي ألفاظها وَقد ذكر طَائِفَة من الْعلمَاء أَن قَوْله تَعَالَى فِي الْإِنْجِيل ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ هُوَ خطاب لمن كَانَ على دين الْمَسِيح قبل النّسخ والتبديل لَا الْمَوْجُودين بعد مبعث مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا القَوْل يُنَاسب مُنَاسبَة ظَاهِرَة لقِرَاءَة من قَرَأَ وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِكَسْر اللَّام كَقِرَاءَة حَمْزَة فَإِن هَذِه لَام كي فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾

стр. 82

فَإِذا قَرَأَ وليحكم كَانَ الْمَعْنى وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل لكذا وَكَذَا وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَهَذَا يُوجب الحكم بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل الْحق وَلَا يدل على أَن الْإِنْجِيل الْمَوْجُود فِي زمن الرَّسُول هُوَ ذَلِك الْإِنْجِيل وَأما قِرَاءَة الْجُمْهُور ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل﴾ فَهُوَ أَمر بذلك فَمن الْعلمَاء من قَالَ هُوَ أَمر لمن كَانَ الْإِنْجِيل الْحق مَوْجُودا عِنْدهم أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِيهِ وعَلى هَذَا يكون قَوْله تَعَالَى ﴿وليحكم﴾ أمرا لَهُم قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ آخَرُونَ لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكْلِيف فَإِن القَوْل فِي الْإِنْجِيل كالقول فِي التَّوْرَاة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم سماعون للكذب أكالون للسحت فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ إِن الله يحب المقسطين وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص فَمن تصدق بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل﴾ فَهَذَا قد صرح بِأَن أُولَئِكَ الَّذين تحاكموا إِلَى النَّبِي ﷺ من الْيَهُود عِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله ثمَّ توَلّوا عَن حكم الله وَقَالَ بعد ذَلِك ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ وَهَذِه لَام الْأَمر وَهُوَ أَمر من الله أنزلهُ على لِسَان مُحَمَّد وَأمر من مَاتَ قبل هَذَا الْخطاب

стр. 83

مُمْتَنع وَإِنَّمَا يكون الْأَمر لمن آمن بِهِ من بعد خطاب الله لِعِبَادِهِ بِالْأَمر فَعلم أَنه أَمر لمن كَانَ مَوْجُودا حِينَئِذٍ أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل وَالله أنزل فِي الْإِنْجِيل الْأَمر بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ كَمَا أَمر بِهِ فِي التَّوْرَاة فليحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْإِنْجِيل مِمَّا لم ينسخه مُحَمَّد ﷺ كَمَا أَمر أهل التَّوْرَاة أَن يحكموا بِمَا أنزلهُ مِمَّا لم ينسخه الْمَسِيح وَمَا نسخه فقد أمروا فِيهِ بِاتِّبَاع الْمَسِيح وَقد أمروا فِي الْإِنْجِيل بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ لمن حكم من أهل الْكتاب بعد مبعث مُحَمَّد ﷺ بِمَا أنزلهُ الله فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَلم يحكم بِمَا يُخَالف حكم مُحَمَّد ﷺ إِذْ كَانُوا مأمورين فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق﴾ فَجعل الْقُرْآن مهيمنا والمهيمن الشَّاهِد الْحَاكِم المؤتمن فَهُوَ يحكم بِمَا فِيهَا مِمَّا لم ينسخه الله وَيشْهد بِتَصْدِيق مَا فِيهَا مِمَّا لم يُبدل وَلِهَذَا قَالَ ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد هَذَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه قَالَ إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكرُوا لَهُ أَن امْرَأَة مِنْهُم ورجلا زَنَيَا فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن الرَّجْم قَالُوا نفضحهم ويجلدون فَقَالَ عبد الله بن سَلام كَذبْتُمْ إِن فِيهَا الرَّجْم فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فنشروها فَوضع أحدهم يَده على آيَة الرَّجْم فَقَرَأَ مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا فَقَالَ لَهُ عبد الله ارْفَعْ يدك فَرفع يَده فَإِذا فِيهَا آيَة الرَّجْم فَقَالُوا صدق يَا مُحَمَّد فَأمر بهما النَّبِي ﷺ فَرُجِمَا وَأخرج البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عمر أَنه قَالَ أُتِي رَسُول الله ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا فَانْطَلق حَتَّى جَاءَ يَهُودِيّ فَقَالَ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى قَالُوا نسود وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما قَالَ فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين قَالَ فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا فَقَالَ عبد الله بن سَلام وَهُوَ مَعَ رَسُول الله ﷺ مره فَليرْفَعْ يَده فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم قَالُوا صدق فِيهَا آيَة الرَّجْم ولكننا نتكاتمه بَيْننَا وَإِن أحبارنا أَحْدَثُوا التحميم

стр. 84

والتحبية فَأمر رَسُول الله وَسلم برجمهما فَرُجِمَا وَأخرج مُسلم عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَنه قَالَ مر على رَسُول الله ﷺ بِيَهُودِيٍّ محمم مجلود فَدَعَاهُمْ فَقَالَ هَكَذَا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ قَالُوا نعم فدعى رجلا من عُلَمَائهمْ فَقَالَ أنْشدك الله الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى أهكذا تَجِدُونَ حد الزَّانِي فِي كتابكُمْ قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّك نشدتني بِهَذَا لم أخْبرك نجد الرَّجْم وَلكنه كثير فِي أشرافنا فَكُنَّا إِذا أَخذنَا الشريف تَرَكْنَاهُ وَإِذا أَخذنَا الضَّعِيف أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد فَقُلْنَا تَعَالَوْا فلنجتمع على شَيْء نقيمه على الشريف والوضيع فَجعلنَا التحميم وَالْجَلد مَكَان الرَّجْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أول من أَحْيَا أَمرك إِذا أماتوه فَأمر بِهِ فرجم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إِلَى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ قَالَ هِيَ فِي الْكَفَّارَة كلهَا وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله أَنه قَالَ رجم النَّبِي ﷺ رجلا من أسلم ورجلا من الْيَهُود وَأما السّنَن فَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ أَتَى نفر من الْيَهُود فدعوا رَسُول الله ﷺ إِلَى القف فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة فاحكم بَينهم فوضعوا لرَسُول الله ﷺ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ ائْتُونِي التَّوْرَاة فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا وَقَالَ آمَنت بك وبمن أنزلك ثمَّ قَالَ ائْتُونِي بأعمالكم فَأتي بشاب ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم وَأخرج أَيْضا ابو دَاوُد وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ زنى رجل من الْيَهُود بِامْرَأَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي فَإِنَّهُ نَبِي بعث بِالتَّخْفِيفِ فَإِن أَفتانا بِفُتْيَا دون الرَّجْم قبلناها واحتججنا بهَا عِنْد الله فَقُلْنَا نَبِي من أنبيائك قَالُوا فَأتوا النَّبِي ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم مَا ترى فِي رجل وَامْرَأَة مِنْهُم زَنَيَا فَلم يكلمهم كلمة حَتَّى أَتَى بَيت مدارسهم فَقَامَ على الْبَاب فَقَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى إِذا أحصن قَالُوا نحمم ونحبيه ونجلده والتحبية أَن يحمل الزانيان على حمَار ويقابل

стр. 85

أقفيتهما وَيُطَاف بهما قَالَ وَسكت شَاب مِنْهُم فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي ﷺ ساكتا أنْشدهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِذا نَشَدتنَا فَإنَّا نجد فِي التَّوْرَاة الرَّجْم فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَمَا أول مَا ارتخصتم أَمر الله قَالَ زنى ذُو قرَابَة من ملك من مُلُوكنَا فَأخر عَنهُ الرَّجْم ثمَّ زنى رجل فِي أسرة من النَّاس فَأَرَادَ رجمه فحال قومه دونه وَقَالُوا لَا يرْجم صاحبنا حَتَّى تَجِيء بصاحبك فترجمه فَاصْطَلَحُوا هَذِه الْعقُوبَة بَينهم قَالَ النَّبِي ﷺ فَإِنِّي أحكم بِمَا فِي التَّوْرَاة فَأمر بهما فَرُجِمَا قَالَ الزُّهْرِيّ فَبَلغنَا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فيهم ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا﴾ وَكَانَ النَّبِي ﷺ مِنْهُم وَأَيْضًا فقد تحاكموا إِلَيْهِ فِي الْقود الَّذِي كَانَ بَين بني قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل بعض إِحْدَى القبيلتين قَتِيلا من الْأُخْرَى فيقتلونه وَلم يضعفوا الدِّيَة وَإِذا قتل من الْقَبِيلَة الشَّرِيفَة قتلوا بِهِ وأضعفوا الدِّيَة قَالَ أَبُو دَاوُد سلمَان بن الْأَشْعَث فِي سنَنه حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعلَا حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن عَليّ بن صَالح عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ النَّضِير أشرف من قُرَيْظَة فَكَانَ إِذا قتل رجل من قُرَيْظَة رجلا من النَّضِير قتل بِهِ وَإِذا قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة ودي مائَة وسق من تمر فَلَمَّا بعث النَّبِي ﷺ قتل رجل من النَّضِير رجلا من قُرَيْظَة فَقَالُوا ادفعوه إِلَيْنَا نَقْتُلهُ فَقَالُوا بَيْننَا وَبَيْنكُم مُحَمَّد فَأتوهُ فَنزلت ﴿وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ والقسط النَّفس بِالنَّفسِ ثمَّ نزلت ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ قَالَ أَبُو دَاوُد قُرَيْظَة وَالنضير من ولد هَارُون وَبسط هَذَا لَهُ مَوضِع آخر وعَلى كل قَول فقد أخبر الله أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد الْمَسِيح ﵇ حكم الله وَأَن أهل الْكتاب الْيَهُود تركُوا حكم الله الَّذِي فِي التَّوْرَاة مَعَ كفرهم بالمسيح وَهَذَا ذمّ من الله لَهُم على مَا تَرَكُوهُ من حكمه الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكتاب الأول وَلم ينسخه الرَّسُول الثَّانِي وَهَذَا من التبديل الثَّانِي الَّذِي ذموا عَلَيْهِ وَدلّ على أَن فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بعد مبعث الْمَسِيح حكما أنزلهُ الله أمروا أَن يحكموا بِهِ وَهَكَذَا يُمكن أَن يُقَال فِي الْإِنْجِيل وَمَعْلُوم أَن

стр. 86

الحكم الَّذِي أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام التَّوْرَاة لم ينسخه الْإِنْجِيل وَلَا الْقُرْآن فَكَذَلِك مَا أمروا أَن يحكموا بِهِ من أَحْكَام الْإِنْجِيل هُوَ مِمَّا لم ينسخه الْقُرْآن وَذَلِكَ أَن الدّين الْجَامِع أَن يعبد الله وَحده وَيَأْمُر بِمَا أَمر الله بِهِ وَيحكم بِمَا أنزلهُ الله فِي أَي كتاب أنزلهُ وَلم ينسخه فَإِنَّهُ يحكم بِهِ وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب جَمَاهِير السّلف وَالْأَئِمَّة أَن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم يرد شرعنا بِخِلَافِهِ وَمن حكم بِالشَّرْعِ الْمَنْسُوخ فَلم يحكم بِمَا أنزل الله كَمَا أَن الله أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ أَن يحكموا بِمَا أنزل الله فِي الْقُرْآن وَفِيه النَّاسِخ والمنسوخ فَهَكَذَا القَوْل فِي جنس الْكتب الْمنزلَة قَالَ تَعَالَى سُورَة الْمَائِدَة الْآيَات ٤٨ ٥٦ فقد أَمر نبيه مُحَمَّدًا ﷺ أَن يحكم بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ وحذره اتِّبَاع أهوائهم وَبَين أَن الْمُخَالف لحكمه وَهُوَ حكم الْجَاهِلِيَّة حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾

стр. 87

وَأخْبرهُ تَعَالَى أَنه جعل لكل من أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن شرعة ومنهاجا وَأمره تَعَالَى بالحكم بِمَا أنزل الله أَمر عَام لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن لَيْسَ لأحد فِي وَقت من الْأَوْقَات أَن يحكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَالَّذِي أنزلهُ الله هُوَ دين وَاحِد اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب وَالرسل وهم متفقون فِي أصُول الدّين وقواعد الشَّرِيعَة وَإِن تنوعوا فِي الشرعة والمنهاج بَين نَاسخ ومنسوخ فَهُوَ شَبيه بتنوع حَال الْكتاب فَإِن الْمُسلمين كَانُوا أَولا مأمورين بِالصَّلَاةِ لبيت الْمُقَدّس ثمَّ أمروا أَن يصلوا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي كلا الْأَمريْنِ إِنَّمَا اتبعُوا مَا أنزل الله وَكَذَلِكَ مُوسَى ﵇ كَانَ مَأْمُورا بالسبت محرما عَلَيْهِ مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزلهُ الله والمسيح ﷺ أحل بعض مَا حرمه الله فِي التَّوْرَاة وَهُوَ مُتبع مَا أنزل الله فَلَيْسَ فِي أَمر الله لأهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ كَمَا أَنه لَيْسَ فِي أَمر أهل الْقُرْآن أَن يحكموا بِمَا أنزل الله أَمر بِمَا نسخ بل كَانَ إِذا نَاسخ ومنسوخ فَالَّذِي أنزل الله هُوَ الحكم بالناسخ دون الْمَنْسُوخ فَمن حكم بالمنسوخ فقد حكم بِغَيْر مَا أنزل الله وَمِمَّا يُوضح هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا فَلَا تأس على الْقَوْم الْكَافرين﴾ فَإِن هَذَا يبين أَن هَذَا أَمر لمُحَمد ﷺ أَن يَقُول لأهل الْكتاب الَّذِي بعث إِلَيْهِم أَنهم لَيْسُوا على شَيْء حَتَّى يقيموا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم فَدلَّ ذَلِك على أَنهم عِنْدهم مَا يعلم أَنه منزل من الله وَأَنَّهُمْ مأمورون بإقامته إِذا كَانَ ذَلِك مِمَّا قَرَّرَهُ مُحَمَّد ﷺ وَلم ينسخه وَمَعْلُوم أَن كل مَا أَمر الله بِهِ على لِسَان نَبِي وَلم ينسخه النَّبِي الثَّانِي بل أقره كَانَ الله آمرا بِهِ على لِسَان نَبِي بعد نَبِي وَلم يكن فِي بعثة الثَّانِي مَا يضاد وجوب اتِّبَاع مَا أَمر بِهِ النَّبِي الأول وَقَررهُ النَّبِي الثَّانِي وَلَا يجوز أَن يُقَال إِن الله ينْسَخ بِالْكتاب الثَّانِي جَمِيع مَا شَرعه بِالْكتاب الأول إِنَّمَا الْمَنْسُوخ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتّفقت عَلَيْهِ الْكتب والشرائع وَأَيْضًا فَفِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا دلّ على نبوة مُحَمَّد ﷺ فَإِذا حكم أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فيهمَا حكمُوا بِمَا أوجب عَلَيْهِم اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَهَذَا يدل على أَن فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يعلمُونَ أَن الله أنزلهُ إِذْ لَا يؤمرون أَن يحكموا بِمَا أنزل الله وَلَا يعلمُونَ

стр. 88

مَا أنزل الله وَالْحكم إِنَّمَا يكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْعلم بِبَعْض مَعَاني الْكتب لَا يُنَافِي عدم الْعلم بِبَعْضِهَا وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْمعَانِي فَإِن الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى متفقون على أَن فِي الْكتب الإلهية الْأَمر بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَنه أرسل إِلَى الْخلق رسلًا من الْبشر وَأَنه أوجب الْعدْل وَحرم الظُّلم وَالْفَوَاحِش والشرك وأمثال ذَلِك من الشَّرَائِع الْكُلية وَأَن فِيهَا الْوَعْد بالثواب والوعيد بالعقاب بل هم متفقون على الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر وَقد تنازعوا فِي بعض مَعَانِيهَا وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير ذَلِك كَمَا اخْتلفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيح المبشر بِهِ النبوات هَل هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم ﵇ أَو مسيح آخر ينْتَظر والمسلمون يعلمُونَ أَن الصَّوَاب فِي هَذَا مَعَ النَّصَارَى لَكِن لَا يوافقنهم على مَا أَحْدَثُوا فِيهِ من الْإِفْك والشرك وَكَذَلِكَ يُقَال إِذا بدل قَلِيل من ألفاظها الخبرية لم يمْنَع ذَلِك أَن يكون أَكثر ألفاظها لم يُبدل لَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي نفس الْكتاب مَا يدل على الْمُبدل وَقد يُقَال إِن مَا بدل من أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَفِي نفس التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا يدل على تبديله فَبِهَذَا يحصل الْجَواب على شُبْهَة عَن يَقُول إِنَّه لم يُبدل شَيْء من ألفاظها فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِذا كَانَ التبديل قد وَقع فِي أَلْفَاظ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل قبل مبعث مُحَمَّد ﷺ لم يعلم الْحق من الْبَاطِل فَسقط الِاحْتِجَاج بهما وَوُجُوب الْعَمَل بهما على أهل الْكتاب فَلَا يذمون حِينَئِذٍ على ترك اتباعهما وَالْقُرْآن قد ذمهم على ترك الحكم بِمَا فِيهَا وَاسْتشْهدَ بهما فِي مَوَاضِع وَجَوَاب ذَلِك أَن ماوقع من التبديل قَلِيل وَالْأَكْثَر لم يُبدل وَالَّذِي لم يُبدل فِيهِ أَلْفَاظ صَرِيحَة بَيِّنَة بِالْمَقْصُودِ تبين غلط مَا خالفها وَلها شَوَاهِد ونظائر مُتعَدِّدَة يصدق بَعْضهَا بَعْضًا بِخِلَاف الْمُبدل فَإِنَّهُ أَلْفَاظ قَليلَة وَسَائِر نُصُوص الْكتب يناقضها وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة كتب الحَدِيث المنقولة عَن النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ إِذا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَو غَيرهمَا أَحَادِيث قَليلَة ضَعِيفَة كَانَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يبين ضعف تِلْكَ بل وَكَذَلِكَ صَحِيح مُسلم فِيهِ أَلْفَاظ قَليلَة غلط وَفِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ الْقُرْآن مَا يبين غلطها مثل مَا رُوِيَ أَن الله خلق التربة يَوْم السبت وَجعل خلق الْمَخْلُوقَات فِي الْأَيَّام السَّبْعَة فَإِن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَئِمَّة الحَدِيث كيحيى بن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم أَنه غلط وَأَنه لَيْسَ فِي كَلَام النَّبِي ﷺ بل صرح البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَنه من كَلَام كَعْب الْأَحْبَار كَمَا قد بسط فِي مَوْضِعه وَالْقُرْآن يدل على غلط هَذَا وَبَين أَن الْخلق فِي سِتَّة أَيَّام وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن آخر الْخلق كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَيكون أول الْخلق يَوْم الْأَحَد وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنه ﷺ صلى الْكُسُوف بركوعين أَو ثَلَاثَة فَإِن الثَّابِت الْمُتَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَغَيرهم أَنه صلى كل رَكْعَة بركوعين وَلِهَذَا لم يخرج البُخَارِيّ إِلَّا ذَلِك وَضعف الشَّامي وَالْبُخَارِيّ وَأحمد فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا

стр. 89

صلى الْكُسُوف مرّة فِي أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَغَيرهم حَدِيث الثَّلَاثَة والأربع فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا صلى مرّة وَاحِدَة وَفِي حَدِيث الثَّلَاث والأربع أَنه صلاهَا يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنه وَأَحَادِيث الركوعين كَانَت ذَلِك الْيَوْم فَمثل هَذَا الْغَلَط إِذا وَقع كَانَ فِي نفس الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا يبين أَنه غلط وَالْبُخَارِيّ إِذا روى الحَدِيث بطرق فِي بَعْضهَا غلط فِي بعض الْأَلْفَاظ ذكر مَعَه الطّرق الَّتِي تبين ذَلِك الْغَلَط كَمَا قد بسطنا الْكَلَام على ذَلِك فِي مَوْضِعه فَكَذَلِك إِذا قيل أَنه وَقع تَبْدِيل فِي بعض أَلْفَاظ الْكتب الْمُتَقَدّمَة كَانَ فِي الْكتب مَا يبين ذَلِك الْغَلَط وَقد قدمنَا أَن الْمُسلمين لَا يدعونَ أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم من زمن مُحَمَّد ﷺ بِكُل لِسَان من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور بدلت ألفاظها فَإِن هَذَا لَا أعرف أحدا من السّلف قَالَه وَإِن كَانَ من الْمُتَأَخِّرين من قد يَقُول ذَلِك كَمَا فِي بعض الْمُتَأَخِّرين من يجوز الِاسْتِنْجَاء بِكُل مَا فِي الْعَالم من نسخ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَلَيْسَتْ هَذِه الْأَقْوَال وَنَحْوهَا من أَقْوَال سلف الْأمة وأئمتها وَعمر بن الْخطاب ﵁ لما رأى بيد كَعْب الْأَحْبَار نُسْخَة من التَّوْرَاة قَالَ يَا كَعْب إِن كنت تعلم أَن هَذِه هِيَ التَّوْرَاة الَّتِي أنزلهَا الله على مُوسَى بن عمرَان فاقرأها فعلق الْأَمر على مَا يمْتَنع الْعلم بِهِ وَلم يجْزم عمر ﵁ بِأَن أَلْفَاظ تِلْكَ مبدلة لما لم يتَأَمَّل كل مَا فِيهَا وَالْقُرْآن وَالسّنة المتواترة يدلان على أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْمَوْجُودين فِي زمن النَّبِي ﷺ فيهمَا مَا أنزلهُ الله والجزم بتبديل ذَلِك فِي جَمِيع النّسخ الَّتِي فِي الْعَالم مُتَعَذر وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره وَلَا علم لنا بذلك وَلَا يُمكن أحدا من أهل الْكتاب أَن يَدعِي أَن كل نُسْخَة فِي الْعَالم بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة من الْكتب متفقة على لفظ وَاحِد فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يعرفهُ بِاخْتِيَارِهِ وامتحانه وَإِنَّمَا يعلم مثل هَذَا بِالْوَحْي وَإِلَّا فَلَا يُمكن أحدا من الْبشر أَن يُقَابل كل نُسْخَة مَوْجُودَة فِي الْعَالم بل نُسْخَة من جَمِيع الْأَلْسِنَة بالكتب الْأَرْبَعَة وَالْعِشْرين وَقد رأيناها مُخْتَلفَة فِي الْأَلْفَاظ اخْتِلَافا بَينا والتوراة هِيَ أصح الْكتب وأشهرها عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمَعَ هَذَا فنسخة السامرة مُخَالفَة لنسخة الْيَهُود وَالنَّصَارَى حَتَّى فِي نفس الْكَلِمَات الْعشْر ذكر فِي نُسْخَة السامرة مِنْهَا من أَمر اسْتِقْبَال الطّور مَا لَيْسَ فِي نُسْخَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَهَذَا مِمَّا يبين أَن التبديل وَقع فِي كثير من نسخ هَذَا الْكتب فَإِن عِنْد السامرة نسخا مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ رَأينَا فِي الزبُور نسخا مُتعَدِّدَة تخَالف بَعْضهَا بَعْضًا مُخَالفَة كَثِيرَة فِي كثير من الْأَلْفَاظ والمعاني يقطع من رَآهَا أَن كثيرا مِنْهَا كذب على زبور دَاوُد ﵇ وَأما الأناجيل فالاضطراب فِيهَا أعظم مِنْهُ فِي التَّوْرَاة فَإِن قيل فَإِذا كَانَت الْكتب الْمُتَقَدّمَة مَنْسُوخَة فلماذا ذمّ أهل الْكتاب عَن ترك الحكم بِمَا أنزل الله مِنْهَا قيل النّسخ لم يَقع إِلَّا فِي قَلِيل من الشَّرَائِع وَإِلَّا فالأخبار عَن الله وَعَن

стр. 90

الْيَوْم الآخر وَغير ذَلِك فَلم تنسخ وَكَذَلِكَ الدّين الْجَامِع والشرائع الْكُلية لَا نسخ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذمهم على ترك اتِّبَاع الْكتاب الأول لِأَن أهل الْكتاب كفرُوا من جِهَتَيْنِ من جِهَة تبديلهم الْكتاب الأول وَترك الْإِيمَان وَالْعَمَل بِبَعْضِه وَمن جِهَة تكذيبهم بِالْكتاب الثَّانِي وَهُوَ الْقُرْآن كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا نؤمن بِمَا أنزل علينا ويكفرون بِمَا وَرَاءه وَهُوَ الْحق مُصدقا لما مَعَهم قل فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَبين أَنهم كفرُوا قبل مبعثه بِمَا أنزل عَلَيْهِم وَقتلُوا الْأَنْبِيَاء كَمَا كفرُوا حِين مبعثه بِمَا أنزل عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار قل قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَالْكتاب الْمُنِير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم الْحق من عندنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى أَو لم يكفروا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل قَالُوا سحران تظاهرا وَقَالُوا إِنَّا بِكُل كافرون قل فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهْدى مِنْهُمَا أتبعه إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَهُوَ سُبْحَانَهُ يذمهم على ترك اتِّبَاع مَا أنزلهُ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وعَلى ترك اتِّبَاع مَا أنزلهُ فِي الْقُرْآن وَبَين كفرهم بِالْكتاب الأول وبالكتاب الثَّانِي وَلَيْسَ فِي شَيْء من ذَلِك أَمرهم أَن يحكموا بالمنسوخ من الْكتاب الأول كَمَا لَيْسَ فِي أَمرهم أَن يحكموا بالمنسوخ فِي الْكتاب الثَّانِي فصل قَوْله فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾

стр. 91

فَهَذَا ثَنَاء مِنْهُ على الْمَسِيح وَالْإِنْجِيل وَأمر لِلنَّصَارَى بالحكم بِمَا أنزل الله فِيهِ كَمَا أثنى على مُوسَى والتوراة بأعظم مِمَّا عظم بِهِ الْمَسِيح وَالْإِنْجِيل فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ أَي قَائِلُونَ للكذب مصدقون مستجيبون مطيعون لقوم آخَرين لم يأتوك فهم مصدقون للكذب مطيعون لما يخالفك وَأَنت رَسُول الله فَكل من تَصْدِيق الْكَذِب وَالطَّاعَة لمن خَالف رَسُول الله من أعظم الذُّنُوب وَلَفظ السَّمِيع يُرَاد بِهِ الإحساس بالصوت وَيُرَاد بِهِ فهم الْمَعْنى وَيُرَاد بِهِ قبُوله فَيُقَال فلَان سمع مَا يَقُول فلَان أَي يصدقهُ أَو يطيعه وَيقبل مِنْهُ بقوله سماعون للكذب أَي مصدقون بِهِ وَإِلَّا مُجَرّد سَماع صَوت الْكَاذِب وَفهم كَلَامه لَيْسَ مذموما على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك أَي مستجيبون لَهُم مطيعون لَهُم كَمَا قَالَ فِي حق الْمُنَافِقين وَفِيكُمْ سماعون لَهُم أَي مستجيبون لَهُم مطيعون لَهُم وَمن قَالَ إِن المُرَاد بِهِ الجاسوس فَهُوَ غالط كغلط من قَالَ سماعون لَهُم هم الجواسيس فَإِن الجاسوس إِنَّمَا ينْقل خبر الْقَوْم إِلَى من لَا يعرفهُ وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَا يذكرهُ وَيَأْمُر بِهِ ويفعله يرَاهُ ويسمعه كل من بِالْمَدِينَةِ مؤمنهم ومنافقهم وَلم يكن يقْصد أَن يكتم يهود الْمَدِينَة مَا يَقُوله ويفعله خلاف من كَانَ يَأْتِيهم من الْيَهُود وهم يصدقون الْكَذِب ويطيعون للْيَهُود الآخرين الَّذين لم يأتوه وَالله نهى نبيه ﷺ أَن يحزنهُ المسارعون فِي الْكفْر من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ المنافقتين الَّذين أظهرُوا الْإِيمَان بِهِ وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن أهل الْكتاب الَّذين يطْلبُونَ أَن يحكم بَينهم وَلَيْسَ مقصودهم أَن يطيعوه ويتبعوا حكمه بل إِن حكم بِمَا يهوونه قبلوه وَإِن حكم بِخِلَاف ذَلِك لم يقبلوه لكَوْنهم مُطِيعِينَ لقوم آخَرين لم يأتوه قَالَ تَعَالَى ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ أَي لم يأتك أُولَئِكَ الْقَوْم الْآخرُونَ يَقُولُونَ أَي يَقُول السماعون ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾

стр. 92

وَالْحكم يفْتَقر إِلَى الصدْق وَالْعدْل فَلَا بُد أَن يكون الشَّاهِد صَادِقا وَالْحَاكِم عادلا وَهَؤُلَاء يصدقون الْكَاذِبين من الشُّهُود ويتبعون حكم الْمُخَالفين للرسل الَّذين يحكمون بِغَيْر مَا أنزل الله وَإِذا لم يكن قصدهم اتِّبَاع الصدْق وَالْعدْل فَلَيْسَ عَلَيْك أَن تحكم بَينهم بل إِن شِئْت فاحكم بَينهم وَإِن شِئْت فَلَا تحكم وَلَكِن إِذا حكمت فَلَا تحكم إِلَّا بِمَا أنزل الله إِلَيْك إِذْ هُوَ الْعدْل قَالَ تَعَالَى ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ إِن الله يحب المقسطين﴾ ثمَّ قَالَ سُورَة الْمَائِدَة الْآيَات ٤٣ ٤٦ فَهَذَا ثَنَاؤُهُ على التَّوْرَاة وإخباره أَن فِيهَا حكم الله وَأَنه أنزل التَّوْرَاة وفيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا وَقَالَ عقب ذكرهَا ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَهَذَا أعظم مِمَّا ذكره فِي الْإِنْجِيل فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِنْجِيل ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور﴾ وَقَالَ فِيهِ ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَقَالَ فِي التَّوْرَاة ﴿يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا﴾ وَقَالَ عقب ذكرهَا ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إخْبَاره بإنزال

стр. 93

الْكِتَابَيْنِ يصف التَّوْرَاة بأعظم مِمَّا يصف بِهِ الْإِنْجِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا﴾ وَإِذا كَانَ مَا ذكره من مدح مُوسَى والتوراة لم يُوجب ذَلِك مدح الْيَهُود الَّذين كذبُوا الْمَسِيح ومحمدا صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم تَسْلِيمًا وَلَيْسَ فِيهِ ثَنَاء على دين الْيَهُود الْمُبدل الْمَنْسُوخ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالنَّصَارَى فَكَذَلِك مَا ذكره من مدح الْمَسِيح وَالْإِنْجِيل لَيْسَ فِيهِ مدح النَّصَارَى الَّذين كذبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وبدلوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَاتبعُوا الْمُبدل الْمَنْسُوخ وَالْيَهُود توَافق الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر مدح لِلنَّصَارَى وَالنَّصَارَى توَافق الْمُسلمين على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر مدح للْيَهُود بعد النّسخ والتبديل فَعلم اتِّفَاق أهل الْملَل كلهَا الْمُسلمُونَ وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى على أَنه لَيْسَ فِيمَا ذكر فِي الْقُرْآن من ذكر التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ومُوسَى وَعِيسَى مدح لأهل الْكتاب الَّذين كذبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا مدح لدينهم الْمُبدل قبل مبعثه فَلَيْسَ فِي ذَلِك مدح لمن تمسك بدين مبدل وَلَا بدين مَنْسُوخ فَكيف بِمن تمسك بدين مبدل مَنْسُوخ فصل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ وَهَذِه حَال من قَاتل الْمُرْتَدين وأولهم الصّديق وَمن اتبعهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فهم الَّذين جاهدوا الْمُرْتَدين كأصحاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب ومانعي الزَّكَاة وَغَيرهمَا وهم الَّذين فتحُوا الْأَمْصَار وغلبوا فَارس وَالروم وَكَانُوا أزهد النَّاس كَمَا قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لأَصْحَابه أَنْتُم أَكثر صَلَاة وصياما من أَصْحَاب مُحَمَّد وهم كَانُوا خيرا مِنْكُم قَالُوا لم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ لأَنهم كَانُوا أزهد فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الْآخِرَة فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم بِخِلَاف الرافضة فَإِنَّهُم أَشد النَّاس خوفًا من لوم اللائم وَمن عدوهم وهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾

стр. 94

وَلَا يعيشون فِي أهل الْقبْلَة إِلَّا من جنس الْيَهُود فِي أهل الْملَل ثمَّ يُقَال من هَؤُلَاءِ الَّذين زهدوا فِي الدُّنْيَا وَلم تأخذهم فِي الله لومة لائم مِمَّن لم يُبَايع أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وَبَايع عليا فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن فِي زمن الثَّلَاثَة لم يكن أحد منحازا عَن الثَّلَاثَة مظْهرا لمخالفتهم ومبايعة عَليّ بل كل النَّاس كَانُوا مبايعين لَهُم فغاية مَا يُقَال أَنهم كَانُوا يكتمون تَقْدِيم عَليّ وَلَيْسَت هَذِه حَال من لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَأما فِي حَال ولَايَة عَليّ فقد كَانَ ﵁ من أَكثر النَّاس لوما لمن مَعَه على قلَّة جهادهم ونكولهم عَن الْقِتَال فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم من هَؤُلَاءِ الشِّيعَة وَإِن كذبُوا على أبي ذَر من الصَّحَابَة وسلمان وعمار وَغَيرهم فَمن الْمُتَوَاتر أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا من أعظم النَّاس تَعْظِيمًا لأبي بكر وَعمر واتباعا لَهما وَإِنَّمَا ينْقل عَن بَعضهم التعنت على عُثْمَان لَا على أبي بكر وَعمر وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مَا جرى لعُثْمَان ﵁ فَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان لم يكن أحد يُسمى من الشِّيعَة وَلَا تُضَاف الشِّيعَة إِلَى أحد لَا عُثْمَان وَلَا غَيرهمَا فَلَمَّا قتل عُثْمَان تفرق الْمُسلمُونَ فَمَال قوم إِلَى عُثْمَان وَمَال قوم إِلَى عَليّ واقتتلت الطائفتان وَقتل حِينَئِذٍ شيعَة عُثْمَان شيعَة عَليّ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن هِشَام أَنه أَرَادَ أَن يَغْزُو فِي سَبِيل الله وَقدم الْمَدِينَة فَأَرَادَ أَن يَبِيع عقارا لَهُ بهَا فَيَجْعَلهُ فِي السِّلَاح والكراع ويجاهد الرّوم حَتَّى يَمُوت فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة لَقِي أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة فنهوه عَن ذَلِك وَأَخْبرُوهُ أَن رهطا سِتَّة أَرَادوا ذَلِك فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فنهاهم نَبِي الله ﷺ وَقَالَ أَلَيْسَ لكم بِي أُسْوَة فَلَمَّا حدثوه بذلك رَاجع امْرَأَته وَقد كَانَ طَلقهَا وَأشْهد على رَجعتهَا فَأتى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ عَن وتر رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس أَلا أدلك على أعلم أهل الأَرْض بِوتْر رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَالَ عَائِشَة ﵂ فَأْتِهَا فاسألها ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي بردهَا عَلَيْك قَالَ فَانْطَلَقت إِلَيْهَا فَأتيت على حَكِيم بن أَفْلح فاستلحقته إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أَنا بقاربها لِأَنِّي نهيتها أَن تَقول فِي هَاتين الشيعتين شَيْئا فَأَبت فيهمَا إِلَّا مضيا قَالَ فأقسمت عَلَيْهِ فجَاء فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَة ﵂ وَذكر الحَدِيث

стр. 95

وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ عَبَّاس أَنْت على مِلَّة عَليّ فَقَالَ لَا على مِلَّة عَليّ وَلَا على مِلَّة عُثْمَان أَنا على مِلَّة رَسُول الله ﷺ وَكَانَت الشِّيعَة أَصْحَاب عَليّ يقدمُونَ عَلَيْهِ أَبَا بكر وَعمر وَإِنَّمَا كَانَ النزاع فِي تقدمه على عُثْمَان وَلم يكن حِينَئِذٍ يُسمى أحد لَا إماميا وَلَا رافضا وَإِنَّمَا سموا رافضة وصاروا رافضة لما خرج زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة هِشَام فَسَأَلته الشِّيعَة عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِم فرفضه قوم فَقَالَ رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم فسموا زيدية لانتسابهم إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ انقسمت الشِّيعَة إِلَى رافضة إمامية وزيدية وَكلما زادوا فِي الْبِدْعَة زادوا فِي الشَّرّ فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وَأَشْجَع ثمَّ بعد أبي بكر عمر بن الْخطاب وَهُوَ الَّذِي لم تكن تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَكَانَ أزهد النَّاس بِاتِّفَاق الْخلق كَمَا قيل فِيهِ رحم الله عمر لقد تَركه الْحق مَاله من صديق فصل وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب التَّفْسِير إِلَّا مَا هُوَ خطأ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَعبد الطاغوت﴾ وَالصَّوَاب عطفه على قَوْله ﴿من لَعنه الله﴾ فعل مَاض مَعْطُوف على مَا قبله من الْأَفْعَال الْمَاضِيَة لَكِن الْمُتَقَدّمَة الْفَاعِل الله مظْهرا أَو مضمرا وَهَذَا الْفِعْل اسْم من عبد الطاغوت وَهُوَ الضَّمِير فِي عبد وَلم يعد حرف من لِأَن هَذِه الْأَفْعَال لصنف وَاحِد وهم الْيَهُود وَالله أعلم فصل فِي بطلَان الِاسْتِدْلَال بالمتشابه قَالَ تَعَالَى ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾

стр. 96

فَذكر القسيسين والرهبان لِئَلَّا يُقَال إِن هَذَا قيل عَن غَيرنَا فَدلَّ هَذَا على أفعالنا وَحسن نياتنا وَنفى عَنَّا اسْم الشّرك بقوله الْيَهُود وَالَّذين أشركوا أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا وَالَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أقربهم مَوَدَّة وَالْجَوَاب أَن يُقَال تَمام الْكَلَام ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يعد بالثواب فِي الْآخِرَة إِلَّا لهَؤُلَاء الَّذين آمنُوا بِمُحَمد ﷺ الَّذين قَالَ فيهم ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ والشاهدون هم الَّذين شهدُوا لَهُ بالرسالة فَشَهِدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وهم الشُّهَدَاء الَّذين قَالَ فيهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره ﴿فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ قَالَ مُحَمَّد ﷺ وَأمته وكل من شهد للرسل بالتصديق فَهُوَ من الشَّاهِدين كَمَا قَالَ الحواريون ﴿رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس﴾

стр. 97

وَأما قَوْله فِي أول الْآيَة ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ فَهُوَ كَمَا أخبر فَإِن عَدَاوَة الْمُشْركين وَالْيَهُود للْمُؤْمِنين أَشد من عَدَاوَة النَّصَارَى وَالنَّصَارَى أقرب مَوَدَّة لَهُم وَهَذَا مَعْرُوف من أَخْلَاق الْيَهُود فَإِن الْيَهُود فيهم من البغض والحسد والعداوة مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى وَفِي النَّصَارَى من الرَّحْمَة والمودة مَا لَيْسَ فِي الْيَهُود والعداوة أَصْلهَا البغض فاليهود كَانُوا يبغضون أنبياءهم فَكيف ببغضهم للْمُؤْمِنين واما النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي الدّين الَّذِي يدينون بِهِ عَدَاوَة وَلَا بغض لأعداء الله الَّذين حَاربُوا الله وَرَسُوله وَسعوا فِي الأَرْض فَسَادًا فَكيف بعداوتهم وبغضهم للْمُؤْمِنين المعتدلين أهل مِلَّة إِبْرَاهِيم الْمُؤمنِينَ بِجَمِيعِ الْكتب وَالرسل وَلَيْسَ فِي هَذَا مدح لِلنَّصَارَى بِالْإِيمَان بِاللَّه وَلَا وعد لَهُم بالنجاة من الْعَذَاب وَاسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَإِنَّمَا فِيهِ أَنهم أقرب مَوَدَّة وَقَوله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَي بِسَبَب هَؤُلَاءِ وَسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من الْمَوَدَّة مَا يصيرهم بذلك خيرا من الْمُشْركين وَأقرب مَوَدَّة من الْيَهُود وَالْمُشْرِكين ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ فَهَؤُلَاءِ الَّذين مدحهم بِالْإِيمَان وَوَعدهمْ بِثَوَاب الْآخِرَة وَالضَّمِير وَإِن عَاد إِلَى الْمُتَقَدِّمين فَالْمُرَاد بِهِ جنس الْمُتَقَدِّمين لَا كل وَاحِد مِنْهُم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ وَكَانَ جنس النَّاس قَالُوا لَهُم إِن جنس النَّاس قد جمعُوا وَيمْتَنع الْعُمُوم فَإِن الْقَائِل من النَّاس وَالْمقول لَهُ عَنهُ من النَّاس وَالْمقول عَنهُ من النَّاس وَيمْتَنع أَن يكون جَمِيع النَّاس قَالَ لجَمِيع النَّاس إِنَّه قد جمع لكم جَمِيع النَّاس وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ أَي جنس الْيَهُود قَالَ هَذَا لم يقل هَذَا كل يَهُودِيّ وَمن هَذَا أَن فِي النَّصَارَى من رقة الْقُلُوب الَّتِي توجب لَهُم الْإِيمَان مَا لَيْسَ فِي الْيَهُود وَهَذَا حق وَأما قَوْلهم وَنفى عَنَّا اسْم الشّرك فَلَا ريب أَن الله فرق بَين الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فِي عدَّة مَوَاضِع وَوصف من أشرك مِنْهُم فِي بعض الْمَوَاضِع بل قد ميز بَين الصابئين وَالْمَجُوس وَبَين الْمُشْركين فِي عدَّة مَوَاضِع وكلا الْأَمريْنِ حق فَالْأول كَقَوْلِه

стр. 98

تَعَالَى ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا﴾ وَأما وَصفهم بالشرك فَفِي قَوْله ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ فنزه نَفسه عَن شركهم وَذَلِكَ أَن أصل دينهم لَيْسَ فِيهِ شرك فَإِن الله إِنَّمَا بعث رسله بِالتَّوْحِيدِ وَالنَّهْي عَن الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾ فالمسيح صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وَمن قبله من الرُّسُل إِنَّمَا دعوا إِلَى عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَفِي التَّوْرَاة من ذَلِك مَا يعظم وَصفه لم يَأْمر أحد من الْأَنْبِيَاء بِأَن يعبد ملك وَلَا نَبِي وَلَا كواكب وَلَا وثن وَلَا أَن تسْأَل الشَّفَاعَة إِلَى الله من ميت وَلَا غَائِب وَلَا نَبِي وَلَا ملك فَلم يَأْمر أحد من الرُّسُل بِأَن يَدْعُو الْمَلَائِكَة وَيَقُول اشفعوا لنا إِلَى الله وَلَا يَدْعُو الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ الْمَوْتَى والغائبين وَيَقُول اشفعوا لنا إِلَى الله وَلَا تصور تماثيلهم لَا مجسدة ذَات ظلّ وَلَا مصورة فِي الْحِيطَان وَلَا يَجْعَل دُعَاء تماثيلهم وتعظيمها قربَة وَطَاعَة سَوَاء قصدُوا دُعَاء أَصْحَاب التماثيل أَو تعظيمهم والاستشفاع بهم وطلبوا مِنْهُم أَن يسْأَلُوا الله تَعَالَى وَجعلُوا تِلْكَ التماثيل تذكرة بأصحابها وقصدوا دُعَاء التماثيل وَلم يستشعروا أَن الْمَقْصُود دُعَاء أَصْحَابهَا كَمَا فعله جهال الْمُشْركين وَإِن كَانَ فِي هَذَا جَمِيعه إِنَّمَا يعْبدُونَ الشَّيْطَان وَإِن كَانُوا لَا يقصدون عِبَادَته فَإِنَّهُ يتَصَوَّر لَهُم فِي صُورَة مَا يظنون أَنَّهَا صُورَة الَّذِي يعظمونه وَيَقُول أَنا الْخضر أَنا الْمَسِيح أَنا جرجس أَنا الشَّيْخ فلَان كَمَا قد وَقع هَذَا لغير وَاحِد من المنتسبين إِلَى الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَقد يدْخل الشَّيْطَان فِي

стр. 99

بعض التماثيل فيخاطبهم وَقد يقْضِي بعض حاجاتهم فَبِهَذَا السَّبَب وَأَمْثَاله ظهر الشّرك قَدِيما وحديثا وَفعل النَّصَارَى وأشباههم مَا فَعَلُوهُ من الشّرك وَأما الْأَنْبِيَاء وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه فنهوا عَن هَذَا كُله وَلم يشرع أحد مِنْهُم شَيْئا من ذَلِك فالنصارى لَا يأمرون بتعظيم الْأَوْثَان المجسدة وَلَكِن بتعظيم التماثيل المصورة فليسوا على التَّوْحِيد الْمَحْض وَلَيْسوا كالمشركين الَّذين يعْبدُونَ الْأَوْثَان ويكذبون الرُّسُل فَلهَذَا جعلهم الله نوعا غير الْمُشْركين تَارَة وذمهم على مَا أحدثوه من الشّرك تَارَة وَإِذا أطلق لفظ الشّرك فطائفة من الْمُسلمين تدخل فِيهِ جَمِيع الْكفَّار من أهل الْكتاب وَغَيرهم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا﴾ ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ فَمن النَّاس من يَجْعَل اللَّفْظ عَاما لجَمِيع الْكفَّار لَا سِيمَا النَّصَارَى ثمَّ من هَؤُلَاءِ من ينْهَى عَن نِكَاح هَؤُلَاءِ كَمَا كَانَ عبد الله بن عمر يُنْهِي عَن نِكَاح هَؤُلَاءِ وَيَقُول لاأعظم شركا من أَن يَقُول عِيسَى رَبنَا وَهَذَا قَول طَائِفَة من الشِّيعَة وَغَيرهم وَأما جُمْهُور السّلف وَالْخلف فيجوزون نِكَاح الكتابيات ويبيحون ذَبَائِحهم لَكِن إِذا قَالُوا لفظ الْمُشْركين عَام قَالُوا هَذِه الْآيَة مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَائِدَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين وَلَا متخذي أخدان﴾ وَطَائِفَة أُخْرَى تجْعَل لفظ الْمُشْركين إِذا أطلق لَا يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب وَأما كَون النَّصَارَى فيهم شرك كَمَا ذكره الله فَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن كَمَا أَن الْمُسلمين متفقون على أَن قَوْله ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لِأَن النَّصَارَى لم يدخلُوا فِي لفظ الَّذين أشركوا كَمَا لم يدخلُوا فِي لفظ الْيَهُود وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين﴾ وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا لِأَن لفظ الْوَاحِد تتنوع دلَالَته بِالْإِفْرَادِ والاقتران فَيدْخل فِيهِ مَعَ الْأَفْرَاد والتجريد مَا لَا

стр. 100

يدْخل فِيهِ عِنْد الاقتران كَلَفْظِ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر﴾ فَإِنَّهُ يتَنَاوَل جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ فَإِنَّهُ مَعْرُوف وَجَمِيع مَا نهى عَنهُ فَإِنَّهُ مُنكر وَفِي قَوْله ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس﴾ فَهُنَا قرن الصَّدَقَة بِالْمَعْرُوفِ والإصلاح بَين النَّاس وَكَذَلِكَ الْمُنكر فِي قَوْله ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ قرن الْفَحْشَاء بالمنكر وَقَوله ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ قرن الْفَحْشَاء بالمنكر وَالْبَغي وَكَذَلِكَ لفظ الْبر وَالْإِيمَان وَإِذا أفرده دخل فِيهِ الْأَعْمَال وَالتَّقوى كَقَوْلِه ﴿وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين﴾ وَقَالَ ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ وَقد يقرنه بِغَيْرِهِ كَقَوْلِه ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَقَوله ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وَكَذَلِكَ لفظ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ لفظ الآخر وَقد يجمع بَينهمَا فِي قَوْله ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ فيكونان هُنَا صنفين وَفِي تِلْكَ الْمَوَاضِع صنف وَاحِد فَكَذَلِك لفظ الشّرك فِي مثل قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ يدْخل فِيهِ جَمِيع الْكفَّار

стр. 101

أهل الْكتاب وَغَيرهم عِنْد عَامَّة الْعلمَاء لِأَنَّهُ أفرده وجرده وَإِن كَانُوا إِذا قرن بِأَهْل الْكتاب كَانَا صنفين وَفِي صَحِيح مُسلم عَن بُرَيْدَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا أرسل أَمِيرا على سَرِيَّة أَو جَيش أوصاه فِي خَاصَّة نَفسه بتقوى الله وأوصاه بِمن مَعَه من الْمُسلمين خيرا وَقَالَ لَهُم اغزوا بِسم الله فِي سَبِيل الله فِي دعة قَاتلُوا من كفر بِاللَّه اغزوا وَلَا تغلوا وَلَا تغدروا وَلَا تمثلوا وَلَا تقتلُوا وليدا وَإِذا لقِيت عَدوك من الْمُشْركين فادعهم إِلَى إِحْدَى خلال ثَلَاث فَإِنَّهُم مَا أجابوك إِلَيْهَا فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجابوك إِلَى ذَلِك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم ثمَّ ادعهم إِلَى التَّحَوُّل من دَارهم إِلَى دَار الْمُهَاجِرين وَأخْبرهمْ أَنهم إِن فعلوا ذَلِك فَإِن لَهُم مَا للمهاجرين وَعَلَيْهِم مَا عَلَيْهِم فَإِن أَبَوا أَن يَتَحَوَّلُوا عَنْهَا فَأخْبرهُم أَنهم يكونُونَ كأعراب الْمُسلمين يجْرِي عَلَيْهِم حكم الله الَّذِي يجْرِي على الْمُسلمين وَلَيْسَ لَهُم فِي الْغَنِيمَة والفيء نصيب إِلَّا أَن يجاهدوا مَعَ الْمُسلمين فَإِن هم أَبَوا فاسألهم الْجِزْيَة فَإِن هم أجابوا فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم وَهَذَا الحَدِيث كَانَ بعد نزُول آيَة الْجِزْيَة وَهِي إِنَّمَا نزلت عَام تَبُوك لما قَاتل النَّبِي ﷺ النَّصَارَى بِالشَّام وَالْيَهُود بِالْيمن وَهَذَا الحكم ثَابت فِي أهل الْكتاب بِاتِّفَاق الْمُسلمين كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَلَكِن تنازعوا فِي الْجِزْيَة هَل تُؤْخَذ من غير أهل الْكتاب وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوْضِعه فصل فِي ادِّعَاء النَّصَارَى أَن الْقُرْآن سوى بَين الْأَدْيَان قَالُوا فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا والصابئون وَالنَّصَارَى من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فساوى بِهَذَا القَوْل بَين سَائِر النَّاس الْيَهُود والمسلمون وَغَيرهم وَالْجَوَاب أَن يُقَال أَولا لَا حجَّة لكم فِي هَذِه الْآيَة على مطلوبكم فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنكُم وَبَين الْيَهُود وَالصَّابِئِينَ وَأَنْتُم مَعَ الْمُسلمين متفقون على أَن الْيَهُود كفار من بعث الْمَسِيح إِلَيْهِم فَكَذبُوهُ وَكَذَا الصابئون من حَيْثُ بعث إِلَيْهِم رَسُول فَكَذبُوهُ فهم كفار فَإِن كَانَ فِي الْآيَة مدح

стр. 102

لدينكم الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ بعد مبعث مُحَمَّد ﷺ فَفِيهَا مدح دين الْيَهُود أَيْضا وَهَذَا بَاطِل عنْدكُمْ وَعند الْمُسلمين وَإِن لم يكن فِيهَا مدح الْيَهُود بعد النّسخ والتبديل فَلَيْسَ فِيهَا مدح لدين النَّصَارَى بعد النّسخ والتبديل وَكَذَلِكَ يُقَال لِلْيَهُودِيِّ إِن احْتج بهَا على صِحَة دينه وَأَيْضًا فَإِن النَّصَارَى يكفرون الْيَهُود فَإِن كَانَ دينهم حَقًا لزم كفر الْيَهُود وَإِن كَانَ بَاطِلا لزم بطلَان دينهم فَلَا بُد من بطلَان أحد الدينَيْنِ فَيمْتَنع أَن تكون الْآيَة مدحتهما وَقد سوت بَينهمَا فَعلم أَنَّهَا لم تمدح وَاحِدًا مِنْهُمَا بعد النّسخ والتبديل وَإِنَّمَا معنى الْآيَة أَن الْمُؤمنِينَ بِمُحَمد ﷺ وَالَّذين هادوا الَّذين اتبعُوا مُوسَى ﵇ وهم الَّذين كَانُوا على شرعة قبل النّسخ والتبديل وَالنَّصَارَى الَّذين اتبعُوا الْمَسِيح ﵇ وهم الَّذين كَانُوا على شَرِيعَته قبل النّسخ والتبديل والصابئون وهم الصائبون الحنفاء كَالَّذِين كَانُوا من الْعَرَب وَغَيرهم على دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق قبل التبديل والنسخ فَإِن الْعَرَب من ولد إِسْمَاعِيل وَغَيره الَّذين كَانُوا جيران الْبَيْت الْعَتِيق الَّذِي بناه إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل كَانُوا حنفَاء على مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَى أَن غير دينه بعض وُلَاة خُزَاعَة وَهُوَ عَمْرو بن لحي وَهُوَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم بالشرك وَتَحْرِيم مَا لم يحرمه الله وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ رَأَيْت عَمْرو بن لحي يجر قصبه أَي أمعاءه فِي النَّار وَهُوَ أول من بَحر الْبحيرَة وسيب السوائب وَغير دين إِبْرَاهِيم وَكَذَلِكَ بَنو إِسْحَاق الَّذين كَانُوا قبل مبعث مُوسَى مُتَمَسِّكِينَ بدين إِبْرَاهِيم كَانُوا من السُّعَدَاء المحمودين فَهَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا على دين مُوسَى والمسيح وَإِبْرَاهِيم وَنَحْوهم الَّذين مدحهم الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَأهل الْكتاب بعد النّسخ والتبديل لَيْسُوا مِمَّن آمن بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَعمل صَالحا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾

стр. 103

٣ - فصل فِي كَفَّارَة الْيَمين قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية كَفَّارَة الْيَمين هِيَ الْمَذْكُورَة فِي سُورَة الْمَائِدَة قَالَ تَعَالَى ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ فَمَتَى كَانَ وَاحِدًا فَعَلَيهِ أَن يكفر بِإِحْدَى الثَّلَاث فَإِن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام وَإِذا اخْتَار أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين فَلهُ ذَلِك وَمِقْدَار مَا يطعم مَبْنِيّ على أصل وَهُوَ أَن إطعامهم هَل هُوَ مُقَدّر بِالشَّرْعِ أَو بِالْعرْفِ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء مِنْهُم من قَالَ هُوَ مُقَدّر بِالشَّرْعِ وَهَؤُلَاء على أَقْوَال مِنْهُم من قَالَ يطعم كل مِسْكين صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير أَو نصف صَاع من بر كَقَوْل أبي حنيفَة وَطَائِفَة وَمِنْهُم من قَالَ يطعم كل وَاحِد نصف صَاع من تمر أَو شعير أَو ربع صَاع من بر وَهُوَ مد كَقَوْل أَحْمد وَطَائِفَة وَمِنْهُم من قَالَ بل يجزىء فِي الْجَمِيع مد من الْجَمِيع كَقَوْل الشَّافِعِي وَطَائِفَة وَالْقَوْل الثَّانِي أَن ذَلِك مُقَدّر بِالْعرْفِ لَا بِالشَّرْعِ فيطعم أهل كل بلد من أَوسط مَا يطْعمُون أَهْليهمْ قدرا ونوعا وَهَذَا معنى قَول مَالك قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق كَانَ مَالك يرى فِي كَفَّارَة الْيَمين أَن الْمَدّ يجزىء بِالْمَدِينَةِ قَالَ مَالك وَأما الْبلدَانِ فَإِن لَهُم عَيْشًا غير عيشنا فَأرى أَن يكفروا بالوسط من عيشهم لقَوْل الله تَعَالَى ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم﴾ وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَأَصْحَابه مُطلقًا وَالْمَنْقُول عَن أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ هَذَا القَوْل وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ الْأَوْسَط خبز وَلبن خبز وَسمن خبز وتمر والأعلى خبز وَلحم وَقد بسطنا الْآثَار عَنْهُم فِي غير هَذَا الْموضع وَبينا أَن هَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَالِاعْتِبَار وَهُوَ قِيَاس مَذْهَب أَحْمد وأصوله فَإِن أَصله أَن مَا لم يقدره الشَّارِع فَإِنَّهُ يرجع فِيهِ إِلَى الْعرف وَهَذَا لم يقدره الشَّارِع فَيرجع فِيهِ إِلَى الْعرف لَا سِيمَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ فَإِن أَحْمد لَا يقدر طَعَام الْمَرْأَة وَالْولد وَلَا الْمَمْلُوك وَلَا يقدر أُجْرَة الْأَجِير الْمُسْتَأْجر بطعامه وَكسوته فِي ظَاهر مذْهبه وَلَا يقدر الضِّيَافَة الْوَاجِبَة عِنْده قولا وَاحِدًا وَلَا يقدر الضِّيَافَة الْمَشْرُوطَة على أهل الذِّمَّة للْمُسلمين فِي ظَاهر مذْهبه هَذَا مَعَ أَن هَذِه وَاجِبَة بِالشّرطِ فَكيف يقدر طَعَاما وَاجِبا بِالشَّرْعِ بل وَلَا يقدر الْجِزْيَة فِي أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَلَا الْخراج وَلَا يقدر أَيْضا الْأَطْعِمَة الْوَاجِبَة مُطلقًا سَوَاء وَجَبت بشرع أَو شَرط وَلَا غير الْأَطْعِمَة مِمَّا وَجَبت مُطلقًا فطعام الْكَفَّارَة أولى أَن لَا يقدر والأقسام ثَلَاثَة فَمَا لَهُ حد فِي الشَّرْع أَو اللُّغَة رَجَعَ فِي ذَلِك إِلَيْهِمَا وَمَا لَيْسَ لَهُ حد فيهمَا رَجَعَ فِيهِ إِلَى الْعرف وَلِهَذَا لَا يقدر للعقود ألفاظا بل أَصله فِي هَذِه الْأُمُور من جنس أصل مَالك كَمَا أَن قِيَاس مذْهبه أَن يكون الْوَاجِب فِي صَدَقَة الْفطر نصف صَاع من بر وَقد

стр. 104

دلّ على كَلَامه أَيْضا كَمَا قد بَين فِي مَوضِع آخر وَإِن كَانَ الْمَشْهُور عَنهُ تَقْدِير ذَلِك وبالصاع كالتمر وَالشعِير وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي الْأدم هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ على قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيح أَنه إِن كَانَ يطعم أَهله بأدم أطْعم الْمَسَاكِين بأدم وَإِن كَانَ إِنَّمَا يُطعمهُمْ بِلَا أَدَم لم يكن عَلَيْهِ أَن يفضل الْمَسَاكِين على أَهله بل يطعم الْمَسَاكِين من أَوسط مَا يطعم أَهله وعَلى هَذَا فَمن الْبِلَاد من يكون أَوسط طَعَام أَهله مدا من حِنْطَة كَمَا يُقَال عَن أهل الْمَدِينَة وَإِذا صنع خبْزًا جَاءَ نَحْو رطلين بالعراقي وَهُوَ بالدمشقي خَمْسَة أَوَاقٍ وَخَمْسَة أَسْبَاع أُوقِيَّة فَإِن جعل بعضه أدما كَمَا جَاءَ عَن السّلف كَانَ الْخبز نَحوا من أَرْبَعَة أَوَاقٍ وَهَذَا لَا يَكْفِي أَكثر أهل الْأَمْصَار فَلهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء يطعم فِي غير الْمَدِينَة أَكثر من هَذَا إِمَّا مدان أَو مد وَنصف على قدر طعامهم فيطعم من الْخبز إِمَّا نصف رَطْل بالدمشقي وَإِمَّا ثلثا رَطْل وَإِمَّا رَطْل وَإِمَّا أَكثر وَإِمَّا مَعَ الْأدم وَإِمَّا بِدُونِ الْأدم على قدر عَادَتهم فِي الْأكل فِي وَقت فَإِن عَادَة النَّاس تخْتَلف بالرخص والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف وَغير ذَلِك وَإِذا حسب مَا يُوجِبهُ أَبُو حنيفَة خبْزًا كَانَ رطلا وَثلثا بالدمشقي فَإِنَّهُ يُوجب نصف صَاع عِنْده ثَمَانِيَة أَرْطَال وَأما مَا يُوجِبهُ من التَّمْر وَالشعِير فَيُوجب صَاعا ثَمَانِيَة أَرْطَال وَذَلِكَ بِقدر مَا يُوجِبهُ الشَّافِعِي سِتّ مَرَّات وَهُوَ بِقدر مَا يُوجِبهُ أَحْمد بن حَنْبَل ثَلَاث مَرَّات وَالْمُخْتَار أَن يرجع فِي ذَلِك إِلَى عرف النَّاس وعادتهم فقد يجزىء فِي بلد مَا أوجبه أَبُو حنيفَة وَفِي بلد مَا أوجبه أَحْمد وَفِي بلد آخر مَا بَين هَذَا وَهَذَا على حسب عَادَته عملا بقوله تَعَالَى ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ وَإِذا جمع عشرَة مَسَاكِين وعشاهم خبْزًا أَو أدما من أَوسط مَا يطعم أَهله أَجزَأَهُ ذَلِك عِنْد أَكثر السّلف وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَغَيرهم وَهُوَ أظهر الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيل فَإِن الله تَعَالَى أَمر بِالْإِطْعَامِ لم يُوجب التَّمْلِيك وَهَذَا إطْعَام حَقِيقَة وَمن أوجب التَّمْلِيك احْتج بحجتين إِحْدَاهمَا أَن الطَّعَام الْوَاجِب مُقَدّر بِالشَّرْعِ وَلَا يعلم إِذا أكلُوا أَن كل وَاحِد يَأْكُل قدر حَقه وَجَوَاب الأولى أَنا لَا نسلم أَنه مُقَدّر بِالشَّرْعِ وَإِن قدر أَنه مُقَدّر بِهِ فَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ إِذا أشْبع كل وَاحِد مِنْهُم غداء وعشاء وَحِينَئِذٍ فَيكون قد أَخذ كل وَاحِد قدر حَقه وَأكْثر وَأما التَّصَرُّف بِمَا شَاءَ فَالله تَعَالَى لم يُوجب ذَلِك إِنَّمَا أوجب الْإِطْعَام وَلَو أَرَادَ ذَلِك لأوجب مَالا

стр. 105

من النَّقْد وَالزَّكَاة وَنَحْوه وَهُوَ لم يُوجب ذَلِك وَالزَّكَاة إِنَّمَا أوجب فِيهَا التَّمْلِيك لِأَنَّهُ ذكرهَا بِاللَّامِ بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ وَلِهَذَا حَيْثُ ذكر الله التَّصَرُّف كَقَوْلِه ﴿وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله﴾ فَالصَّحِيح أَنه لَا يجب التَّمْلِيك بل يجوز أَن يعْتق من الزَّكَاة وَإِن لم يكن تَمْلِيكًا للْمُعْتق وَيجوز أَن يَشْتَرِي مِنْهَا سِلَاحا يعين بِهِ فِي سَبِيل الله وَغير ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من الْعلمَاء الْإِطْعَام أولى من التَّمْلِيك لِأَن المملك قد يَبِيع مَا أَعْطيته وَلَا يَأْكُلهُ بل قد يكنزه فَإِذا أطْعم الطَّعَام حصل مَقْصُود الشَّارِع قطعا وَغَايَة مَا يُقَال أَن التَّمْلِيك قد يُسمى إطعاما كَمَا يُقَال أطْعم رَسُول الله ﷺ الْجدّة السُّدس وَفِي الحَدِيث مَا أطْعم الله نَبيا طعمة إِلَّا كَانَت لمن يَلِي الْأَمر من بعده لَكِن يُقَال لَا ريب أَن اللَّفْظ يتَنَاوَل الْإِطْعَام الْمَعْرُوف بطرِيق الأولى وَلِأَن ذَلِك إِنَّمَا يُقَال إِذا ذكر الْمطعم فَيُقَال أطْعمهُ كَذَا فَأَما إِذا أطلق وَقيل أطْعم هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين فَإِنَّهُ لَا يفهم مِنْهُ إِلَّا نفس الْإِطْعَام لَكِن لما كَانُوا يَأْكُلُون مَا يأخذونه سمى التَّمْلِيك للطعام إطعاما لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الْإِطْعَام أما إِذا كَانَ الْمَقْصُود مصرفا غير الْأكل فَهَذَا لَا يُسمى إطعاما عِنْد الْإِطْعَام

стр. 106

٩١ - فصل فِي معنى روح الْقُدس قَالَ تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس﴾ فَيُقَال هَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ وَلَا حجَّة لكم فِيهِ بل هُوَ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن الله أيد الْمَسِيح ﵇ بِروح الْقُدس كَمَا ذكر ذَلِك فِي هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى فِي الْبَقَرَة ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بالمسيح بل قد أيد غَيره بذلك وَقد ذكرُوا هم أَنه قَالَ لداود روحك الْقُدس لَا تنْزع مني وَقد قَالَ نَبينَا ﷺ لحسان بن ثَابت اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس وَفِي لفظ روح الْقُدس مَعَك مَا دمت تنافح عَن نبيه وكلا اللَّفْظَيْنِ فِي الصَّحِيح

стр. 107

وَعند النَّصَارَى أَن الحواريين حلت فيهم روح الْقُدس وَكَذَلِكَ عِنْدهم روح الْقُدس حدث فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَقد قَالَ تَعَالَى سُورَة النَّحْل الْآيَات ٩٨ ١٠٢ وَقد قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ وَقَالَ ﴿قل من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك بِإِذن الله﴾ فقد تبين أَن روح الْقُدس هُنَا جِبْرِيل وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق﴾ فَهَذِهِ الرّوح الَّتِي أوحاها وَالَّتِي تنزل بهَا الْمَلَائِكَة على من يَشَاء من عباده غير الرّوح الْأمين الَّتِي تنزل بِالْكتاب وَكِلَاهُمَا يتسمى روحا وهما متلازمان فالروح الَّتِي ينزل بهَا

стр. 108

الْملك مَعَ الرّوح الْأمين الَّتِي ينزل بهَا روح الْقُدس يُرَاد بهَا هَذَا وَهَذَا وبكلا الْقَوْلَيْنِ فسر الْمُفَسِّرُونَ قَوْله فِي الْمَسِيح ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ وَلم يقل أحد أَن المُرَاد بذلك حَيَاة الله وَلَا اللَّفْظ يدل على ذَلِك وَلَا اسْتعْمل فِيهِ وهم إِمَّا أَن يسلمُوا أَن روح الْقُدس فِي حق غَيره لَيْسَ المُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِذا ثَبت أَن لَهَا معنى غير الْحَيَاة فَلَو اسْتعْمل فِي حَيَاة الله أَيْضا لم يتَعَيَّن أَن يُرَاد بهَا ذَلِك فِي حق الْمَسِيح فَكيف وَلم يسْتَعْمل فِي حَيَاة الله فِي حق الْمَسِيح وَإِمَّا أَن يدعوا أَن المُرَاد بهَا حَيَاة الله فِي حق الْأَنْبِيَاء والحواريين فَإِن قَالُوا ذَلِك لَزِمَهُم أَن يكون اللاهوت حَالا فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء والحواريين وَحِينَئِذٍ فَلَا فرق بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الْمَسِيح ويلزمهم أَيْضا أَن يكون فِي الْمَسِيح لاهوتان لاهوت الْكَلِمَة ولاهوت الرّوح فَيكون قد اتَّحد بِهِ أقنومان ثمَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ يمْتَنع أَن يُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِن حَيَاة الله صفة قَائِمَة بِذَاتِهِ لَا تقوم بِغَيْرِهِ وَلَا تخْتَص بِبَعْض الموجودات غَيره وَأما عِنْدهم فالمسيح هُوَ الله الْخَالِق فَكيف يُؤَيّد بِغَيْرِهِ وَأَيْضًا فالمتحد بالمسيح هُوَ الْكَلِمَة دون الْحَيَاة فَلَا يَصح تأييده بهَا فَتبين أَنهم يُرِيدُونَ أَن يحرفوا الْقُرْآن كَمَا حرفوا غَيره من الْكتب الْمُتَقَدّمَة وَأَن كَلَامهم فِي تَفْسِير الْمُتَشَابه من الْكتب الإلهية من جنس وَاحِد فصل عِيسَى عبد الله وَرَسُوله قَالَ تَعَالَى سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة ٨٧ فَأخْبر عَن الْمَسِيح أَنه لم يقل لَهُم إِلَّا مَا أمره الله بِهِ بقوله أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكَانَ عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دَامَ فيهم وَبعد وَفَاته كَانَ الله الرَّقِيب عَلَيْهِم فَإِذا كَانَ بَعضهم قد

стр. 109

غلط فِي النَّقْل عَنهُ أَو فِي تَفْسِير كَلَامه أَو تعمد تَغْيِير دينه لم يكن على الْمَسِيح ﵇ من ذَلِك دَرك وَإِنَّمَا هُوَ رَسُول عَلَيْهِ الْبَلَاغ الْمُبين وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أَن أول مَا تكلم بِهِ الْمَسِيح أَن قَالَ ﴿إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾ ثمَّ طلب لنَفسِهِ السَّلَام فَقَالَ ﴿وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا﴾ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ علينا مِنْهُ السَّلَام كَمَا يقوم الغالية فِيمَن يدعونَ فِيهِ الإلهية كالنصيرية فِي عَليّ والحاكمية فِي الْحَاكِم الْوَجْه الثَّانِي أَن يُقَال إِن الله لم يذكر أَن الْمَسِيح مَاتَ وَلَا قتل وَإِنَّمَا قَالَ ﴿يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ وَقَالَ الْمَسِيح ﴿فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾ وَقَالَ تَعَالَى سُورَة النِّسَاء الْآيَات ١٥٥ ١٦١ فذم الله الْيَهُود بأَشْيَاء مِنْهَا ﴿وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهَا بغي وَمِنْهَا قَوْلهم ﴿إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ وأضاف هَذَا القَوْل إِلَيْهِم

стр. 110

وذمهم عَلَيْهِ وَلم يذكر النَّصَارَى لِأَن الَّذين توَلّوا صلب المصلوب الْمُشبه بِهِ هم الْيَهُود وَلم يكن أحد من النَّصَارَى شَاهدا مَعَهم بل كَانَ الحواريون خَائِفين غائبين فَلم يشْهد أحد مِنْهُم الصلب وَإِنَّمَا شهده الْيَهُود وهم الَّذين أخبروا النَّاس أَنهم صلبوا الْمَسِيح وَالَّذين نقلوا أَن الْمَسِيح صلب من النَّصَارَى وَغَيرهم إِنَّمَا نقلوه عَن أُولَئِكَ الْيَهُود وهم شَرط من أعوان الظلمَة لم يَكُونُوا خلقا كثيرا يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ فنفى عَنهُ الْقَتْل ثمَّ قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ وَهَذَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء مَعْنَاهُ قبل موت الْمَسِيح وَقد قيل قبل موت الْيَهُود وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قيل إِنَّه قبل موت مُحَمَّد ﷺ وَهُوَ أَضْعَف فَإِنَّهُ لَو آمن بِهِ قبل الْمَوْت لنفعه إيمَانه بِهِ فَإِن الله يقبل تَوْبَة العَبْد مَا لم يُغَرْغر وَإِن قيل المُرَاد بِهِ الْإِيمَان الَّذِي يكون بعد الغرغرة لم يكن فِي هَذَا فَائِدَة فَإِن كل أحد بعد مَوته يُؤمن بِالْغَيْبِ الَّذِي كَانَ يجحده فَلَا اخْتِصَاص للمسيح بِهِ وَلِأَنَّهُ قَالَ قبل مَوته وَلم يقل بعد مَوته وَلِأَنَّهُ وَلَا فرق بَين إيمَانه بالمسيح وَبِمُحَمَّدٍ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه واليهودي الَّذِي يَمُوت على الْيَهُودِيَّة فَيَمُوت كَافِرًا بِمُحَمد والمسيح عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ وَقَوله ﴿ليُؤْمِنن بِهِ﴾ فعل مقسم عَلَيْهِ وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْمُسْتَقْبل فَدلَّ ذَلِك على أَن هَذَا الْإِيمَان بعد إِخْبَار الله بِهَذَا وَلَو أُرِيد قبل موت الْكِتَابِيّ لقَالَ وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا من يُؤمن بِهِ لم يقل ليُؤْمِنن بِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ إِن من أهل الْكتاب وَهَذَا يعم الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَدلَّ ذَلِك على أَن جَمِيع أهل الْكتاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤمنُونَ بالمسيح قبل موت الْمَسِيح وَذَلِكَ إِذا نزل آمَنت الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ رَسُول الله لَيْسَ كَاذِبًا كَمَا يَقُول الْيَهُود وَلَا هُوَ الله كَمَا تَقوله النَّصَارَى والمحافظة على هَذَا الْعُمُوم أولى من أَن يَدعِي أَن كل كتابي ليُؤْمِنن بِهِ قبل أَن يَمُوت الْكِتَابِيّ فَإِن هَذَا يسْتَلْزم إِيمَان كل يَهُودِيّ وَنَصْرَانِي وَهَذَا خلاف الْوَاقِع وَهُوَ لما قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ وَدلّ على أَن المُرَاد بإيمَانهمْ قبل أَن يَمُوت هُوَ علم أَنه أُرِيد بِالْعُمُومِ عُمُوم من كَانَ مَوْجُودا حِين نُزُوله أَي لَا يتَخَلَّف مِنْهُم أحد عَن الْإِيمَان بِهِ لَا إِيمَان من كل مِنْهُم مَيتا وَهَذَا كَمَا يُقَال إِنَّه لَا يبْقى بلد إِلَّا دخله الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة أَي فِي الْمَدَائِن الْمَوْجُودَة حِينَئِذٍ وَسبب إِيمَان أهل الْكتاب بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهر فَإِنَّهُ يظْهر لكل أحد أَنه رَسُول مؤيد لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَلَا هُوَ رب الْعَالمين
следующие страницы →