شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، هذه أخص أنواع العبودية وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلفون بأمرٍ زائد على ما كلف المرسل إليهم، في تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.
الفائدة الرابعة: أن لله ﵎ أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: إنه يعذب ويغفر لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: إنه يعذب من يستحق التعذيب؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا لا يستحق التعذيب، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢].
الفائدة الخامسة: حكمة الله في جعل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب ومغفور له، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شرع الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
الفائدة السادسة: إثبات المغفرة، أي: مغفرة الله لمن شاء من عباده، لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقد تقدم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة فإنها مشتقة من المِغْفر وهو الذي يتقى به السهام يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
الفائدة السابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين "العزيز" و"الحكيم"، وإثبات ما تضمناه من صفة وهي: العزة والحكم والحكمة، واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معانٍ أخرى لا
стр. 1052
يدل عليها اللفظ باشتقاقه، لكن تكون من اللوازم، مثلًا الخالق من أسماء الله، الخلاق من أسماء الله، يدل على صفة الخلق ويدل على صفات أخرى لازماتٍ لذلك وهي: العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء، وجه ذلك: أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يشتق منها اسمٌ، فلهذا نقول: صفات الله التي بلغتنا أكثر من أسمائه.
فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ , جوابـ "إِن تَغْفِرْ لَهُمْ"، والمناسب أن يقول: إنك أنت الغفور الرحيم، فما الجواب؟
قيل: إن الجواب: أن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنىً واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وجوابها، ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جوابها: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة للذين يستحقون المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة هذا من وجه، ومن وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة، فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون والله أعلم بمراده.
* * *
стр. 1053
° قال الله : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩].
قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ "هذا": المشار إليه يوم القيامة، و ﴿يَوْمُ﴾: خبر المبتدأ، ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا، إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب: "هذا يومَ ينفع"، وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع.
وقوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصدق: يكون بالقول وبالعمل، يعني: بالفعل والاعتقاد، أما الصدق بالقول: فهو مطابقة الخبر للواقع، وأما الصدق بالاعتقاد: فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: "لا إله إلا الله" هذا خبر، صدق أو كذب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب، بمعنى: هل القلب يؤمن بهذا: بأنه "لا إله إلا الله" أو لا؟ إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه، صدق القول وصدق الاعتقاد.
وأما صدق الفعل بأن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة، ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.
قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في الفوائد.
قوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 1054
الْأَنْهَارُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم وهذا يقتضي الاختصاص، أي: لهم دون غيرهم، ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الجنات: جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله للمتقين، "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (١)، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة، أما الإفراد فباعتبار الجنس، فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مائة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢].
قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و"الأنهار": جمع نَهَرْ: وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة، ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾، هذا في الشراب، وفي المأكل قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟
الجواب: لا، من تحتها، أي: من تحت هذه الأشجار، والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة: بدون أخدود وبدون حفر (٢)، تجري على السطح لا تحتاج إلى أخدود
стр. 1055
يُقَوَّم ولا حفر تحفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين، يصرفها الإنسان كما يشاء.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ الخلود: هو المكث الطويل، فإن أكد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليلٌ على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أكد بالأبدية انقطع القول بأنه خلودٌ طويل؛ لأنه أكد بالأبدية.
قوله: ﴿﵃﴾ بما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة، فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون؟ فيعدون عليه نعمه عليهم فيقول: إن لكم أن أحل عليكم رضواني فلا أغضب عليكم بعده أبدًا (١)، وهذا الرضوان الدائم الكامل.
قوله: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة، فإن المؤمن لا شك مسرورٌ بطاعة الله راضٍ بها، فرحٌ بها.
قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "ذلك ": المشار إليه ما ذكره الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب، لكن أشار إليه لعلو مرتبته، فإنه فوز لا نظير له.
قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يقال: فاز الرجل إذا غلب غلبة
стр. 1056
مرضية ولا يكون هذا إلا بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، و ﴿الْعَظِيمُ﴾ أي: ذو العظمة البالغة التي ليس لها نظير.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات القول لله ، لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾.
الفائدة الثانية: أن قول الله تعالى بحروف وليس المعنى القائم بنفسه؛ وجه ذلك؛ لأن مقول القول حروف، والله تعالى يخاطب من يخاطب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، كما هو مذهب الأشعري، وقصدي بالأشعري المنتسب إلى أبي الحسن لا نفس أبي الحسن.
الفائدة الثالثة: أن قول الله تعالى بصوت مسموع؛ لأن كل هذا في سياق المحاورة مع عيسى ﵊، ثم اعلم أن القول عند الإطلاق لا يراد به إلا اللفظ المسموع، لا يمكن أن يراد بالقول عند الإطلاق المعنى القائم بالنفس أبدًا، بل إذا أريد به المعنى القائم بالنفس قيد كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].
الفائدة الرابعة: الفائدة العظيمة في الصدق؛ لأن الإنسان في يوم القيامة أحوج ما يكون إلى ما ينفعه، والصدق يوم القيامة ينفع.
الفائدة الخامسة: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحَرِج يدل على الترغيب فيه
стр. 1057
والحث عليه، وقد حث عليه النبي ﷺ في قوله: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا" (١) والصديقية: أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خلفوا، أي خلف أمرهم ولم يقض فيه بشيء حتى جاء الوحي وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي ﷺ منها، جاء المعذرون يعتذرون إلى النبي ﵊، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي ﷺ إلى المدينة، وقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]، أما الثلاثة فصدقوا وأخبروه بالصدق، وأنزل الله فيهم آيات تتلى في الصلاة وخارج الصلاة ويثاب على قراءتها، وحث على أن نكون مثلهم فقال له بعد ذكر الآيات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
لو قال قائل: أحيانًا إذا أراد الإنسان أن يصدق فإن الصدق
стр. 1058
قد يدخله في إحراج، كأن يطلب منه رجل مالًا قرضًا فيقول له: ما عندي لأنه يخاف المماطلة؟
الجواب: هذه سهلة، يتأول، وفي التأويل مندوحة عن الكذب، يقول: ما عندي شيء أقرضك إياه، ينوي هذا، والنية تخصص العام، وليأخذ طالب العلم هذه الفائدة وينتفع بها، أن في التأويل لمندوحة عن الكذب.
الفائدة السادسة: إثبات الثواب بالجنة، لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.
الفائدة السابعة: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، وجه ذلك تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الحصر.
الفائدة الثامنة: وصف الجنات بأن الأنهار المضطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذه من مخبر، اللهم اجعلنا منهم.
الفائدة التاسعة: أن أهل الجنة مخلدون فيها أبدًا، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وهل هي موجودة الآن؟ نعم هي الآن موجودة في السموات، قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والإعداد يكون مهيئًا لأهله، والنبي ﷺ دخلها حين عُرِجَ به، ورأى فيها ما رأى، ومثلت له حين قام يصلي صلاة الكسوف، هي والنار (١).
стр. 1059
الفائدة العاشرة: إثبات رضا الله ، لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وهل الرضا صفة فعلية أو ذاتية؟ فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية، وهل هي حقيقة أو هي كناية عن إرادة الثواب أو هي الثواب نفسه؟
الجواب: فيها قولان:
القول الأول: أنها حقيقة وهذا القول هو الذي يجب اتباعه؛ لأنه ظاهر الكتاب، والواجب إجراء الكتاب على ظاهره بدون تحريف.
فإن قال قائل: الرضا معنىً يقوم بالنفس، يقوى ويضعف ويزول ويبقى، قلنا: وما المانع أن نثبت هذا لله وقد أثبته لنفسه! لكن نعلم أن رضا الله ليس كرضا المخلوق الذي يزول بأدنى سبب أو يوجد بأدنى سبب بل له أسبابه المقتضيات له، وله ما يزيله على وجهٍ يختص بالله ؛ لأن لدينا قاعدة عامة، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
القول الثاني: قول أهل التحريف، قالوا: إن الله لا يمكن أن يرضى، الرضا صفة عارضة، والله منزهٌ عن الصفات العارضة؛ لأن الصفات العارضة صفاتٌ حادثة، والحادث لا يقوم إلا بمحْدَث، وكل هذه التعليلات وهمية لا عقلية، وهي مردودة بدلالة الكتاب والسنة على ثبوت ذلك، ولهذا أي: لكونهم لا يعتقدون رضا حقيقي، قالوا: معنى الرضا: إرادة الثواب، ولم يقولوا: إنه الثواب بل قالوا: إرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، ومن المعروف أن الأشعرية يثبتون سبع صفات: الحياة، والعلم،
стр. 1060
والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، فقالوا: الرضا إرادة الثواب، ومنهم من يقول - وهم الذين لا يثبتون الإرادة - يقولون: إن الرضا هو: الثواب، والثواب كما نعلم شيء منفصل عن الله مخلوق، يكون بالكلمة: كلمة الله ، ولا شك أن هذا تحريف، وكما هو معلوم مما ذكرنا في الحديث أن الرضا الذي يعطيه الله أهل الجنة أعظم مُناهم وأكمل من كل ما يجدوه في الجنة من النعيم، فكيف نفسره بما هو أدنى ونقول: هو الثواب أو إرادة الثواب!
الفائدة الحادية عشرة: رضا أهل الصدق عن الله ، وهذا فيه شيء من الإشكال، لكن هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟ الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا، لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ رسولًا.
فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ، لما قال : ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد به مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت، وإذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب، فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًا، لكن رضاهم عنه، إما أنه من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلا فالمراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به ولم يبغوا عنه حولًا كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ
стр. 1061
لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
الفائدة الثانية عشرة: أن الفوز حقيقة ليس بربح الدينار والدرهم والجاه والرئاسة، الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلنا من الفائزين بها - ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
* * *
° قال الله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
لما ذكر الله ما جرى بينه وبين عيسى ﵊ وأن عيسى تبرأ مما يدعي النصارى فيه، بَيَّنَ أن لله ملك السموات والأرض، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا لا هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السموات والأرض، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿لِلَّهِ﴾ وحده، واستفدنا أن ملك السموات والأرض لله وحده من تقديم الخبر، أي: لله وحده لا غير، يتصرف فيه كما يشاء ولا يشاركه أحدٌ في ملكة، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جَمَعَ السموات، لأن عددها سبع، وأفرد الأرض باعتبار الجنس، وإلا فإن الأرضين سبع.
قوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾، (ما): هنا اسم موصول، وعبر بـ (ما)
стр. 1062
التي يعبر بها عن غير العاقل، قالوا: لأن أكثر ما في السموات والأرض من غير العقلاء، فلهذا قال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾، وقيل: بل عبر بـ (ما)؛ لأنها تشمل الأعيان والأحوال فكأنه قال: وما فيهن من أعيان وأحوال، و (مَنْ): إنما يعبر بها في العاقل لتعيين الشخص نفسه، وهذه الفائدة لا تكاد تجدها عند كثير من النحويين، لكن ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد أشار إليها، أن (مَنْ) للعاقل إذا قصدت التعيين، يعني: عينه، أما إذا قصد عموم الأعيان والأحوال فإنه يؤتى بـ (ما)، وأبين مثال لذلك قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ولم يقل: "مَنْ".
لكن لو قال قائل لشخص: تزوج من شئت من بناتي فـ "من" هنا جاءت لأجل التعيين، وهذا معنًى لطيف.
وأما قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] هذا من باب التغليب لأجل العطف.
وقوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ من المخلوقات العظيمة، واسمع إلى قول النبي: "أطتِ السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ" (١) "أطت" يعني: صار لها صوت، كصرير الرحل عند ثقل الحمل، البعير إذا حملت عليه فإن رَحْلَه يكون له صوت يسمى: أطيطًا.
стр. 1063
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مع عموم ملكه قدرته أيضًا عامة على كل شيء، ما من موجودٍ إلا وهو قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا وهو قادر على إيجاده ﵎، ولا يستثنى من هذا شيء هو قادر على كل شيء، وأخطأ صاحب الجلالين في تفسيره حيث قال عند هذه الآية: "وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر" فإن هذا قول منكر، لكن هذا مقتضى مذهبه حيث ينفي أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله، يعني: عنده أن الله لا ينزل ولا يستوي على العرش ولا يضحك ولا يفرح، ومن المعلوم أن الأفعال الاختيارية تكون بمشيئته فهو قادر على إيجادها وهو قادر على إعدامها، فالقول هذا منكر، مبني على عقيدة فاسدة، ونحن نقول: إن الله على كل شيء قدير ولا نستثني، يفعل ما يشاء .
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: اختصاص ملك السموات والأرض وما فيهن بالله ، وجه الاختصاص: تقديم الخبر، والقاعدة: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، سواء كان هذا الذي حقه التأخير خبرًا أم مفعولًا أو غير ذلك مما حقه التأخير.
الفائدة الثانية: عموم ملك الله للسموات والأرض يؤخذ من الإضافة، في قوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمفرد المضاف يفيد العموم، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]، فإن (نعمة) مفرد ولا يحتاج إلى عدد، لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: (لا تحصوها).
стр. 1064
ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر، وعنده أعبد، يعتق الجميع إلا إذا كان له نية بعبد خاص، ولو قال: زوجتي طالق، وعنده أربع، تطلق الزوجات كلهن ما لم ينوِ واحدةً؛ لأن المفرد المضاف يكون للعموم.
الفائدة الثالثة: أن السموات جمع، أي: عدد، وقد بَيَّنَ الله في كتابه أنها سبع سموات، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، إذًا: فالسموات سبع وهي طباق كما قال الله تعالى عن نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح: ١٥]، أي: متطابقة بعضها فوق بعض، وبينها مسافات كما دل على ذلك حديث المعراج، حيث كان جبريل ﵇ يصعد بالنبي ﷺ سماءً بعد سماء، كلما أتى سماءً استفتح واستفهم أهلها: من هذا، من معك، هل هو رسول؟ فعلينا أن نؤمن بهذا وأن ننكر قول أولئك الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس هناك شيء، ليس هناك سموات، وإنما هي مجرات ونجوم وما أشبه ذلك وفضاء لا نهاية له فإن هذا كذب؛ لأنه يخالف ما جاء في الكتاب والسنة، وليسوا أعلم بخلق الله من الله .
الفائدة الرابعة: بيان الحكمة من إفراد الأرض وجمع السموات، فالأرض أفردها الله في كل موضعٍ ذكرها، وإن كان في القرآن إشارة إلى أنها سبع كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ولعل من فائدة ذلك وحكمته أن الإنسان إذا ملك ظاهر الأرض ملك إلى تخومها، كل ما تحته من أراضين فهي ملكٌ له، ويشهد
стр. 1065
لهذا قول النبي ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أراضين" (١)؛ لأنه يملك القرار إلى آخر الأرض السابعة.
وقد أخذ العلماء من هذا: أنه كما يملك القرار يملك الهواء إلى السماء، فلو أراد أحدٌ أن يبني على ساحة بيته رفًا ويسمونه في غير هذه البلاد برندة أو بلكونة، فلو أراد أن يبني على فناء بيت جاره بلكونة، فإنه يمنعه حتى لو كانت عالية، ولو أن أشجاره امتدت أغصانها إلى هواء جاره، طالبه بقطعها أو ليها إذا أمكن، إذًا: الهواء إلى أين؟ إلى السماء، والقرار إلى الأرض السابعة؛ لأنها كلها أرض واحدة عبر الله عنها بالإفراد.
الفائدة الخامسة: أن السموات والأرض فيهنّ شيء، لقوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ وهذا أمر معلوم، السموات فيها الملائكة، والأرض فيها الإنس والجن والشياطين، كذلك أيضًا هناك الجمادات التي ليس فيها حياة كالجبال، والسحب، والنجوم، كلها ملكها ثابت لله .
الفائدة السادسة: عموم قدرة الله على كل شيء، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذه الصفة مطلقة، وهل هو قدير على ما لا يشاء؟ نعم قدير على ما لا يشاؤه فإذا شاءه وقع، وبهذا نعرف خطأ من يعبر من الناس، يقول: إنه على ما يشاء قدير، لا يجوز هذا؛ لأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء، وقدمت أيضًا المعمول خصصت قدرته بما يشاء دون ما لا يشاء، وهذا غلط فهو قادر على ما يشاء وما لا يشاء، لكن ما شاء الله كان
стр. 1066
وما لم يشأ لم يكن، قال بعض المتأخرين: وإذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، فقد وافقت القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يشاء أفعال العبد، وإذا كان لا يشاؤها لم يكن له قدرة عليها، فالجملة هذه أيضًا ترمي إلى قول مبتدع وهو قول القدرية، فإذا سمعت أحدًا يقول: إنه على ما يشاء قدير، قل له: وعلى ما لا يشاء قدير، وليس لك حق أن تقيد ما أطلقه الله من الصفة، الله تعالى أطلقها فقال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فلا تقيد.
فإذا قال قائل: إذا قررتم هذا فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، قلنا: المشيئة هنا عائدة إلى الجمع، يعني: أنه إذا شاء جمعهم، فهو قدير عليه لا يعجز عنه، خلافًا لمن يقول: إنه لا يقدر على جمعهم وأنكروا البعث، فيكون التقييد بالمشيئة هنا للجمع لا للقدرة.
فإن قال قائل: ما تقولون في آخر رجل يدخل الجنة، فإذا قال الله له: هذا لك قال الله تعالى: "إني على ما أشاء قادر" (١)؟ نقول: نعم هنا المشيئة قيدت بفعلٍ معين، يعني: كأن الله يقول له: إني شئته فأنا قادر عليه مثل قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.
والمهم أنه ليس لنا أن نقيد ما أطلقه الله ، بل
стр. 1067
نقول: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
* * *
وبذلك، وفي شهر ذي القعدة عام ١٤١٩ هـ، انتهت الدروس العلمية المسجلة في تفسير سورة المائدة والتي كان يعقدها فضيلة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في جامعه بمدينة عنيزة.
رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومَنَّ عليه بمغفرته ورضوانه وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.