أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله ﵎: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب: أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذُكر مع الإيمان صار له معنىً آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني: لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن: "لما" تفيد النفي مع قرب المنفي، إذًا كيف نُخَرِّج هذه الآية؟ نخرجها: أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان في القلوب، والإسلام في الجوارح، يعني: أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
الفائدة الثامنة: أن الحواريين مع كونهم خُلصًا عندهم شيء من الجفاء، لقولهم: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة، فقد قال الله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى ابن مريم ﵊ باسمه مع أنهم يريدون أن يدعو الله لهم بحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدونه أن يسأل الله لهم أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؛ الجواب الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
стр. 1017
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، والدليل أنهم أول ما بدؤوا بالأكل قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم أي: على أدبارهم، يقولون: حنطة، أمروا أن يقولوا: حطة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نريد شيئًا ثانٍ، وهو ملئ البطن حنطة، هؤلاء قولهم يشبه هذا القول، والأصل واحد، فكلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا والله أعلم.
الفائدة العاشرة: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة" (١) ولهذا أمثلة منها: قول إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، نأخذ هذا من قولهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
الفائدة الحادية عشرة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقًا، لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: أخبرتنا بالصدق.
الفائدة الثانية عشرة: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين، لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضوان الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأفهم شاهدوا النبي ﷺ ، وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
* * *
стр. 1018
* قال الله : ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: ١١٤].
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ الإعراب في قوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ هو أن لفظ الجلالة "الله" منادى مبني على الضم في محل نصب، و"رب": بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة، أي: نعتًا، وصار منصوبًا؛ لأنه مضاف.
قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ الجملة صفة لمائدة، و"عيدًا": خبر تكون، واسمها مستتر.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من قوله: "لنا"، لكنه بإعادة حرف الجر، أي: بإعادة العامل؛ لأن قوله: "لنا" يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.
وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ معطوفة على "أعيدًا".
وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجملة تدل على أن الله ﵎ موصوف بهذا الوصف.
وقوله: "ارزقنا": فعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله أنه فعل أمر؟
الجواب: لا يقال تأدبًا مع الله، ولكن يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك.
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: قال عيسى ابن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء: يحتمل أن تكون العلو أو تكون السماء هي السقف المحفوظ، كما سبق.
стр. 1019
وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي: نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد: اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية، وهي: عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أولهم: الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم: الذين كانوا من بعده.
وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى ﵊؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم.
وقوله: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله ﵎: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم منه.
وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله .
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يطلب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.
الفائدة الثانية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين الألوهية والربوبية، لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ لأن هذا نوع من التوسل؛ يتوسل الإنسان بإلوهية الله وربوبيته.
الفائدة الثالثة: أن عيسى ﵊ أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢].
стр. 1020
الفائدة الرابعة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى كلما جاء زمنها فهو عيد لهم.
فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيدًا؟
الجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس وهي كانت عيدًا بطلب نبيهم ﵊.
لو قال قائل: أيصح أن يدعو الإنسان بدعاء سورة المائدة: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء"؟
الجواب: أقول للسائل: أعندك شك في رسالة محمد ﷺ ؟
فإذا لم يكن عندك شك، فإذا جئت تدعو فقل: اللهم ارزقني مائدة وتكفيك مائدة الأرض.
لو قال قائل: لو أن داعية سأل الله مثل هذه الأشياء التي سألها عيسى ﵇ وذلك لِيُري الناس صدق دعوته؟
الجواب: هذا لا ينبغي إلا في مقام التحدي، في مقام التحدي لا بأس، كما يذكر عن خالد بن الوليد ﵁ أنه أكل السم، لكن بغير تحدي، لا، واصبر ولا تستعجل الآيات حتى تتم دعوتك، قد يكون الله أخر عنك الآيات الدالة على صدقك وهي الكرامات؛ لأن الآيات للأولياء من الكرامات، قد يكون ذلك لرفعة درجاتك وصبرك، أما في مقام التحدي فنعم، وليعلم أن من الاعتداء في الدعاء أن يكون الشيء المسؤول مستحيلًا كونًا وشرعًا، مثال المستحيل كونًا: أن يسأل الله تعالى أن يجعله مغيرًا للخلق، فهذا مستحيل؛ لأنه لا يملك التغيير إلا الله ، وكذلك أن يدعو أن يمكنه الله من
стр. 1021
نفخ الروح في الأشياء، هذا إذا نظرنا إلى قدرة الإنسان، أما إذا كان بيد الله، فالله على كل شيءٍ قدير، ومثال المستحيل شرعًا يقول: اللهم اجعلني نبيًّا.
الفائدة الخامسة: أن ما جاء على خلاف المعهود وكان خارقًا للعادة فهو آية، لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ وجه ذلك أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح، فيكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة.
الفائدة السادسة والسابعة: أن عيسى ابن مريم مفتقر إلى الله تعالى وإلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى: أنه إلههم.
الفائدة الثامنة: أن الله ﵎ خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٥]، فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.
الفائدة التاسعة: إطلاق الرزق على غير الله ، بمعنى: أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى: العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله ﵎.
* * *
° قال الله : ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥].
قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وفي قراءة: "مُنْزِلُهَا" هذا للحال أو للمستقبل، يعني: هل أن الله وعد بإنزالها وأنزلها أو
стр. 1022
هو وَعْدٌ لكن لم يتحقق؛ لأن الله تعالى اشترط شرطًا لم يلتزمه بنو إسرائيل؟
في ذلك قولان للعلماء: فمنهم من قال: إن الله أنزلها؛ لأن وعده حق وهو لا يخلف الميعاد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أو "مُنْزِلُهَا عَلَيْكُمْ" ثم توعد من كفر بعد إنزال هذه الآية، وإن كان هذا مما يرجح أنها نزلت، لكن كونها لم تذكر في كتب النصارى ولم يعرفوها، وعيسى سأل الله تعالى أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم يشكل على هذا، وإن كان ليس ذاك الإشكال البعيد؛ لأنه قد يقال: إن الله تعالى لم يجب عيسى في كل ما سأل.
وقال بعضهم: إنه لم ينزلها؛ لأن الله اشترط فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ ولما رأوا هذا الشرط الثقيل الذي يصعب أن يحقق عدلوا عن طلبهم فلم تنزل مائدة، وهؤلاء أيدوا رأيهم بأن النصارى لا يعرفون عن هذه المائدة شيئًا في كتبهم، وقالوا: إنها لو نزلت لكانت عيدًا لأولهم وآخرهم كما طلب عيسى ﵊، ولما لم يكن عندهم علم بهذه المائدة، علمنا أنهم لم يقبلوا الشرط الذي اشترطه الله، فلم ينزلها الله ، والآية في الحقيقة محتملة، يعني: لا يستطيع الإنسان يجزم بهذا ولا هذا.
فإن قال قائل: لماذا لا نجزم بأنها لم تنزل؛ لأنها لم توجد في كتبهم؟ فالجواب عن هذا سهل لعلها من جملة ما نسي وترك من دين النصارى فلم يكن عندهم علم منها، والله أعلم أنزلت أم لم تنزل، ومتى احتملت الآية معنيين على السواء ولا مرجح، فإن
стр. 1023
كانا لا يتنافيان حملت عليهما جميعًا، وإن كانا يتنافيان فالتوقف، وهنا فيما أرى أن الآية محتملة هل نزلت أم لم تنزل، وأما ما ذكره ابن كثير ﵀ من الإسرائيليات في تعيين هذه المائدة، لو أنه ﵀ تركها لكان أحسن.
لكن لو قال قائل: أليس هذا التعيين يدل على أن كتبهم دلت على هذه المائدة؟
الجواب: لا أدري، لكن الأناجيل الموجودة بأيديهم ليس فيها ذكر المائدة، وإن كان أحبارهم قد حرفوا هذه الأناجيل، أنا ما قرأتها، لكن يذكرون أن فيها اختلافًا كثيرًا، كل يدير أن هذا الإنجيل الذي معه هو الذي نزل على عيسى.
قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْد﴾ أي: بعد إنزالها، وبنيت "بعدُ" على الضم؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، و (قبل) و (بعد) إذا حذف المضاف إليه ونُوِيَ معناه بُنِيَا على الضم، وإذا حذف ونُوِيَ لفظه أعربا لكن بدون تنوين، وإذا حذف ولم ينوِ لفظه أعربا ولبهن بتنوين، فمثلًا إذا قلت: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، هنا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
وفي قول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنتُ قبلًا ... أكاد أغُصُ بالماءِ الفراتِ
لم ينوِ لا لفظه ولا معناه، وإذا قلت: "سأزورك من قبلِ ومن بعدِ مجيء فلان"، الأولى: حُذِفَ المضاف إليه ونوي لفظه، والثانية: وُجِدَ المضاف إليه، فصار إما أن يحذف المضاف إليه وإما أن يوجد في "قبل وبعد وأخواتهما"، إن وجد المضاف إليه فهما معربان بلا تنوين، وإن حذف ونوي لفظه فهما معربان بلا
стр. 1024
تنوين أيضًا، وإن حذف ونوي معناه فهما مبنيان على الضم، وإن حذف ولم ينوِ لفظه ولا معناه فهما معربان منونان، فالأحوال إذًا أربعة، ففي قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؟ حذف المضاف إليه ونوي المعنى.
قوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الفاء: رابطة للجواب، أي: جواب الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ﴾، وإنما ارتبطت بالفاء؛ لأن الجملة اسمية، وكلما وقعت جملة الشرط اسمية وجب قرنها بالفاء أو بـ (إذا) الفجائية.
قوله: ﴿فَإِنِّي﴾ فيها قراءتان: ﴿فَإِنِّي﴾، "فَإِنِّيَ"، فأما على قراءة السكون فالياء مبنية على السكون، وأما على الفتح فهي مبنية على الفتح؛ لأنها ضمير المتكلم.
قوله: ﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ﴾، الضمير يعود في قوله: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ أعني بذلك الهاء يعود إلى العذاب، يعني: لا أعذب أحدًا مثل هذا العذاب.
قوله: ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ فأعذب: نصبت هنا مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر لأنك لو حذفت العامل، وجعلت ضمير المفعول به في: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ ضمير رفع لم يصح، لو قلت: هو أحد، ما صح؛ لأن الضمير يعود على العذاب.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ألا يجوز أن يكون هذا خاص بعالمي زمانهم؟
الجواب: إذا دل دليل على هذا فلا بأس، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]، أما إذا لم يدل دليل فالأصل العموم.
стр. 1025
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات الكلام لله ، لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
الفائدة الثانية: أن كلامه ﵎ بحرف وصوت؛ لأنه تعالى قال قولًا وصل إليه، ولا يمكن أن يصل إليه إلا بصوت.
الفائدة الثالثة: أن كلام الله ﵎ بحرف بل بحروف متتابعة؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ﴾ وهذه حروف متتابعة لا إشكال فيها.
الفائدة الرابعة: إثبات أفعال الله الاختيارية بمعنى: أنه يفعل ما يشاء اختيارًا بلا مكره؛ لأن هذا الكلام المرتب بالحروف، أفعال أو غير أفعال؟ هو فعل وقول، فمن جهة إحداثه فعل، ومن جهة أنه كلام قول.
الفائدة الخامسة: خطر طلب الآيات من الأمم، وأنه إذا جاءت الآيات المطلوبة فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أنه متى طلبت الأمة آية معينة وحصلت لهم؛ حق عليهم العذاب.
فإن قال قائل: هذه القاعدة تنتقض بما تواتر عن انشقاق القمر، وذلك أن قريشًا طلبوا من النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (١)؟
فالجواب عن هذا: أن قريشًا لم يطلبوا آية معينة، وإنما
стр. 1026
طلبوا آية فقط، والنبي ﷺ هو الذي عينها فأراهم انشقاق القمر.
الفائدة السادسة: إثبات أن العذاب له أعلى وله أدنى، لقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا دليل على أن العذاب يتفاوت من شخص لآخر، وتفاوت العذاب أسبابه كثيرة، منها: قلَّة الداعي إلى الذنب فإن قلَّة الداعي إلى الذنب توجب شدة العقوبة عليه، وانظر إلى قول النبي ﷺ : "ثلاثة لا يكنمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وهم: أشيمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه" (١).
الشاهد الأول: "أشيمط زانٍ": يعني: رجلًا شمطه الشيب، وهذا يدل على ضعف قوته في طلب النكاح، وصَغَّرَهُ بقوله: أشيمط تحقيرًا له، إذًا: زنا الشيخ أعظم عقوبة من زنا الشاب؛ لأن الداعي في الشيخ أقل.
الشاهد الثاني: "عائل مستكبر" عائل يعني: فقيرًا مستكبرًا، الفقير يجب أن يعرف نفسه وقدره، فكيف يستكبر؟ الاستكبار من الغني أهون بلا شك ومتوقع، كما قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي: استغنى عن غيره، وهذا عائل فيستكبر فلذلك اشتدت عقوبته، فكلما قوي السبب في طلب المعصية صارت العقوبة عليها أهون، وكلما ضعف الطلب صارت العقوبة عليها أشد، هنا بيَّن الله أنه: لا يعذب هذا العذاب أحدًا من العالمين.
стр. 1027
الفائدة السابعة: أن كفر من رأوا الآيات ليس ككفر من لم يروها، فالأول: أعظم أي: من رأى الآيات؛ لأن من رأى الآيات فقد رآها عين اليقين، ومن نقلت إليه فقد علمها علم اليقين أي: بواسطة.
* * *
° قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦].
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾، مقول القول هو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ إذًا: فالجملة في محل نصب، واعلم أن مقول القول لا يكون إلا جملة إلا إذا أجري مجرى الظن فإنه قد يسلط على المفرد، وإلا فلا يكون إلا جملة، والجملة هنا ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
في "أأنت" قراءتان: "أأنت"، بمد الهمزة الثانية، وبالقصر "أأنت" قلت للناس، ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ فيها قراءتان: "أميْ" بالسكون "وأميَ" بالفتح، و"اتخذ" تنصب مفعولين: الأول في هذه الآية هو "الياء"، في قوله: ﴿اتَّخِذُونِي﴾، والثاني قوله: ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
قوله: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل واجب الحذف، ولهذا لا تجد الفعل مع سبحان أبدًا، وإنما قلنا: إنه مفعول مطلق؛ لأن المصدر تسبيح، وكل لفظ يكون بمعنى المصدر، ولكنه لا يشتمل على حروفه، يسمى مفعولًا مطلقًا، ويسمى اسم مصدر.
стр. 1028
قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ﴿بِحَقٍّ﴾ الباء: حرف جر زائد، ومعنى: زائد، أي: إعرابًا، إذ لا شيء في القرآن زائد معنى أبدًا، ولكنها زائدة إعرابًا، وأما معنىً فإن لها معنىً عظيمًا وهو التوكيد.
كيف نعرب "بحق"؟
خبر ليس منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، واسم ليس مستتر يعود على "ما".
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ هذه جملة شيطية، فعل الشرط: (كنت)، و (التاء): اسم كان، ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ جواب الشرط، واقترن بالفاء؛ لأن الجزاء صدر بـ "قد".
قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ الإعراب واضح.
قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الجملة استئنافية تفيد عموم علم الله .
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يعني: اذكر يا محمد لهؤلاء القوم هذا الذي صدر من عيسى ﵊ بل من الله إلى عيسى، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وهذا القول يكون يوم القيامة.
قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الاستفهام هنا لا شك أنه لا يراد به الاستعلام؛ لأن الله تعالى يعلم ولكن المراد به توبيخ من قالوا: إن عيسى وأمه إلهان، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ ماذا؟ ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ
стр. 1029
قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]، هي لم تفعل شيئًا، ولكنها تسأل توبيخًا لمن فعلوا، فهنا: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، توبيخ من جعلوا عيسى وأمه إلهين من دون الله.
وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ يقول علماء البلاغة: هناك فرق بين أن تقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾ وبين أن تقول: "أقلت"، قالوا: إنه إذا وقع المستفهم عنه بعد همزة الاستفهام مصدرًا باسم، فالمطلوب به تعيين الفاعل، وإذا جاء الفعل بعد الهمزة، فالمقصود به تعيين الفعل الحادث، إذا قلت: أقام زيد؟ تستفهم عن الفعل الحادث، يعني: هل قام أو قعد، وإذا قلت: أزيد القائم؟ المراد تعيين الفاعل، ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾، تعيين الفاعل.
وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ أي: اجعلوني، ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: معبودين، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله ، وقد تأتي "دون" بمعنى أقل، لكن هنا بمعنى سوى، أي: من سوى الله ، كان جواب عيسى ﵊: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك، أنزهك عما لا يليق بك، ولا يليق بالله أن يكون له شريك في العبادة، كما أنه ليس له شريكٌ في الملك، واعلم أن تنزيه الله يكون عن شيئين: الأول: النقص، والثاني: المشابهة للمخلوقين، ومشابهة المخلوقين وإن كانت نقصًا لكن ينبغي أن ينص عليها بعينها، لئلا يظن ظان أن الكمال الذي للخالق يكون مثل الكمال الذي للمخلوق، والمخلوق مهما كان ناقصًا، فلا بد من تنزيه الله عن مماثلة المخلوق.
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ يعني: لا يمكن، فنفي الكون في مثل هذا، يعني أنه مستحيل، ﴿أَنْ أَقُولَ﴾ يعني: للناس، ﴿مَا لَيْسَ
стр. 1030
لِي بِحَقٍّ﴾ لأنه ليس من حق عيسى أن يقول للناس: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بل إن رسالته إنما كانت من أجل النهي عن الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ هذه جملة تدل على أن عيسى ﵊ يعلم أنه لو صدر منه ذلك لعلمه الله وهو حق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن هذا تنديد بالذين يعبدون عيسى؛ لأنه لو قال للناس: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لعلمه الله ولم يُمَكِّنه من هذه الدعوة.
وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ النفس هنا بمعنى: الذات، وكما في قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] وأيضًا قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فالنفس بمعنى الذات، والمعنى: أن ما في نفسي تعلمه، وما في نفسك لا أعلمه، والفرق ظاهر؛ لأن الله هو الخالق، وعيسى مخلوق، والخالق يعلم مخلوقه، والمخلوق لا يعلم عن خالقه إلا ما أخبره به، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه الجملة استئنافية توكيد لمضمون ما سبق.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات القول لله لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ وفي القرآن إثبات الكلام، وإثبات النداء، وإثبات المناجاة، وكل هذا يدل على أن الله يتكلم بكلام حقيقة بحرف وصوت وهذا مذهب
стр. 1031
أهل السنة والجماعة وهو الذي نعتقده وندين الله به، وهو الواجب على كل مؤمن.
الفائدة الثانية: أن قول الله بحرف وصوت، أما كونه بحرف: فلأن الكلمات التي جاءت بعد القول حروف، وأما كونه بصوت فلأن الله تعالى يخاطب به عيسى، وعيسى يرد عليه.
الفائدة الثالثة: توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين، لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؛ وسبق أن المراد من هذا الاستفهام هو توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين.
الفائدة الرابعة: بُعْدُ الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك، لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وهذا أمر مُسلَّم؛ لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد.
الفائدة الخامسة: تنزيه الله ﵎ أن يكون له شريك، لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ وتقدم أن قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ بمعنى: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بك، والمقام الآن في اتخاذ الشريك؛ فيكون معناه: تنزيه الله عن كل شريك.
الفائدة السادسة: اعتراف عيسى ﵊ بما لا يستحق، لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وهكذا إخوانه من الرسل؛ فإن النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت؛ قال له: "أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده" (١) فكل الرسل يعرفون قدر أنفسهم فلا يمكن أن يقروا ما لا يستحقونه.
الفائدة السابعة: أن الألوهية حق خاص لله، لقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وإذا كان الرسل بل خلاصة الرسل ليس لهم حق
стр. 1032
في الألوهية فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلهًا، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله .
الفائدة الثامنة: أن الله عنر وجل يعلم ما يصدر من الإنسان، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾.
الفائدة التاسعة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جلَّ وعلا لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وإذا كنت علمته فإنه صادر عن علم من عندك يا رب وعن قضاء وقدر ولا يخفى عليك.
الفائدة العاشرة: إطلاق النفس على الذات، بل إن بعض العلماء يقول: إن إطلاق الذات على النفس غلط، وأن أصل "ذات " بمعنى: صاحبة فلا تقال إلا مضافة، كما قال الله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١]، أي: صاحبة البروج، وأن إطلاق الذات على النفس من الكلمات المحدثة، وقد صرح بهذا شيخ الإسلام ﵀، وقال: إنها ليست من كلام العرب العرباء، يعني: هذا تفسير لاحق، فلا يوجد لا في القرآن ولا في السنة إثبات الذات لله ، وأما قول خبيب ﵁: "وذلك في ذات الإله"، فالمعنى: في جنب الإله.
فشيخ الإسلام ﵀ يقول: إطلاق الذات يراد به النفس، هذا دخيل على اللغة العربية؛ يعني تفسير ابن كثير مثلًا نسميه ذاتًا ونسميه نفسًا، لكن أيهما الفصحى؟ النفس، فشيخ الإسلام ﵀ يقر به؛ لأن الناس مشوا عليه، فقالوا: الذات والصفات، فهو ﵀ يعبر به، لكن يقول: ليس من كلام العرب العرباء، أي: إطلاق الذات على النفس، وإنما يعبر عن
стр. 1033
الذات بالنفس، بمعنى: أن ذات الرجل هي نفسه، ولكن الاصطلاح شيء آخر، واللغة العربية الفصحى شيءٌ آخر.
فإذًا: معنى قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يعني: ولا أعلم ما في ذاتك، وليست النفس شيئًا زائدًا على الذات؛ يعني ليست كالعلم والقدرة والسمع والبصر وما أشبه ذلك، وقول بعض أهل العلم: أثبت الله لنفسه نفسًا فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ من باب التسامح والتجاوز، وإلا فإن نفس الله هي ذات الله .
الفائدة الحادية عشرة والثانية عشرة: إثبات علم الله بما في نفس الإنسان، لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، فالله يعلم ما في قلبك، فاحذر أن يكون في قلبك ما يخالف أمر الله .
ومن هنا نأخذ فائدة ثانية: وهي وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأنك إذا غفلت وفكرت في غير ما يتعلق بالصلاة فقد أعرضت عن الله ، هكذا قرره بعض أهل العلم، ولكن في مسألة وجوب الخشوع في الصلاة نظر؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه إذا أقيمت الصلاة ولى الشيطان وله ضراط، فاذا انتهت الإقامة جاء أي: المصلي، وجعل يحدثه حتى يقول: اذكر كذا في يوم كذا، فلا يدري كم صلى ثلاثًا أم أربعًا (١).
стр. 1034
وقد يقال: إن النبي ﷺ أخبر عن الواقع، ولا يلزم من الإخبار عن الواقع أن يكون الواقع جائزًا، كما أخبر أننا نركب سنن من كان قبلنا: اليهود والنصارى (١)، ومع ذلك لا يحل لنا هذا، وكما أخبر أن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا وحدها (٢)، ومع ذلك لا يحل للظعينة أن تسافر يلا محرم، لكن الذي يظهر لي أن إيجاب الخشوع في الصلاة فيه مشقة، يعني: كون الإنسان لا تأتيه الهواجس ولا يوسوس في شيء فيه مشقة شديدة.
الفائدة الثالثة عشرة: أننا لا نعلم ما عند الله ، فلا نعلم ما في نفسه مما يقدره جلَّ وعلا ويريده، ولا نعلم عن إرادة الله إلا بوقوع المراد، يعني نحن لا نعلم أن الله أراد أن تمطر حتى ينزل المطر، ولا نعلم أن الله تعالى قضى بحروب تقع بين الناس إلا إذا وقعت هذه الحروب، فإذا وقعت علمنا أن الله أرادها، إذ لا يكون في ملكه ما لا يريد.
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات علم الله ﵎ بالغيب، لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ومعنى علَّام الغيوب: أي: أنك موصوف بهذا، وليس المراد الكثرة، بل المراد المبالغة في هذا الوصف بقطع النظر عن أفراده؛ لأنها لا تحصر، وقد ذكر بعض العلماء أن كل ما جاء بصيغة المبالغة في حق الله فليس معناه الكثرة وإنما معناه الكمال، لكن من تأمل وجد أنه يأتي لهذا وهذا.
стр. 1035
الفائدة الخامسة عشرة: أن من ادعى علم الغيب فقد ادعى أنه شريك لله، وجه الدلالة أنه أتى بضمير فصل: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وضمير الفصل يدل على الحصر، يعنى: أنت لا غيرك علام الغيوب.
وليعلم أن الغيب نوعان: غيب نسبي، وغيب مطلق، فما هو الغيب الذي اختص الله به؟ هو الغيب المطلق، وأما الغيب النسبي الذي يعلمه فلان دون فلان فهذا يشترك في علمه من قَدَّرَه وهو الله ، ومن وقع منه.
لو قال قائل: ما حكم الذين يَدَّعون الغيب ويجمعون الأموال على هذا، وهل إذا مات واحد منهم هل يصلى عليه، وما حكم من قال لشخص نعرفه: أنت من أهل النار؟
الجواب: لا يصلى عليه، كل من ادعى علم الغيب فإنه كافر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وهذا نفي، يعني: حصرًا، لا أحد يعلم الغيب في السموات والأرض إلا الله ، لكن إن كان عندهم قرائن، فتكون دعواه خرصًا وتخمينًا، مثل أن يتوسم في شخص أنه مميكون ضالًا، هذا ربما يُعْرَفُ من ملامح وجهه، وقد وقع هذا من رجلٍ تلمح في شخص له مؤلفات مفيدة جدًّا في الدين الإسلامي، ولكنه قال: إن هذا الرجل سيرتد، وفعلًا ارتد، ومات على ردته وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر: ٧٥]، أما مجرد علم الغيب، فهذا لا شك أنه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
وأما من قال لشخص: أنت من أهل النار، فلا بد أنه استند أيضًا إلى قرائن، يعني: أنه يفعل أفعالًا توجب أن يكون من أهل
стр. 1036
النار فلا يكون هذا من علم الغيب؛ لأنه لم يقل هذا مستندًا إلى شيء، فيقال: المحذور في هذا أنك شهدت له أنه من أهل النار بعينه، وهذا لا يجوز.
* * *
* قال الله : ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧].
قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ أي: للناس، ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ "أن" هذه تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، وهو: ﴿أَمَرْتَنِي﴾
قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ربي: هذه بدل أو صفة من لفظ الجلالة.
قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إعرابها واضح لا إشكال فيه.
قوله: ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ "ما دام" تعمل عمل "كان" إذا سبقت بما المصدرية الظرفية، أما إذا سبقت بما النافية فليست من أخوات (كان)، فإذا قلت: ما دمت قائمًا، يعني: لم أقم قيامًا دائمًا، فهذه نافية، وإذا قلت: لا أجلس ما دمت قائمًا، فهذه مصدرية ظرفية، الجملة الأخيرة إثبات، والجملة الأولى نفي، لكن هنا هل هي مصدرية ظرفية؟ نعم، فعليه تكون التاء اسمها والجار والمجرور خبرها.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا إشكال فيها في الإعراب.
стр. 1037
يقول عيسى ﵊: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: إلا الذي أمرتني به، وما هو؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وأتى بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ قبل أن يقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ليبين أنه ﵊ رسول مبلغ، مأمور، فبدأ بما يدل على رسالته وأنه مأمور قبل أن يذكر ما أرسل به.
وقوله: ﴿أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: كلفتني بإبلاغه أمرًا منك، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ العبادة تطلق على معنيين: المعنى الأول: التعبد، والمعنى الثاني: المتعبد به، فإذا قلت: الصلاة عبادة، فالمراد بذلك المتعبد به، وإذا قلت: صلى هذا الرجل لعبادة الله ، فالمراد تعبده هو، وقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ من أجل أن يبرهن لهم أنه ليس برب.
وقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يعني: كنت أشهد عليهم بما هم عليه من التوحيد والإخلاص ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، يعني: مدهّ دوامي فيهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: قبضتني، يقال: توفى الرجل حقه، أي: قبضه، ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنت المراقب الذي تحفظ أعمالهم وتشهدها وتعلمها، ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هذا التعميم بعد التخصيص، يعني: أنت على كل شيء شهيد من أفعالهم وغيرها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلفون بالرسالة أمرًا من الله، لقوله: ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ وهذا له شواهد في القرآن كثيرة مثل قول الله تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
стр. 1038
الفائدة الثانية: حسن أدب الرسل مع الله ، حيث قال: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ وجه ذلك أنه يشعر بأن عيسى رسول مأمور مكلف بالأمر.
الفائدة الثالثة: أن عيسى ﵊ أمر أن يبلغ الناس بأنه عبدٌ والله تعالى رب، لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ والرب مقابله العبد.
الفائدة الرابعة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية، ولذا تبرأ عيسى ﵇ من ذلك وقال: إنه ليس بحق له، ونزه الله تعالى أن يكون له شريك، لقوله: "ربي"، ومن ليس له ربوبية ليس له ألوهية.
فإن قال قائل: أليس يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص؟ الجواب: بلى، ولكن بإذن الله.
الفائدة الخامسة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم، لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ومع ذلك هم شهداء على ما يرون أو يسمعون، وليسوا شهداء على غائب بعيد لا يرونه ولا يسمعونه؛ لأن الرسل لا يعلمون الغيب.
الفائدة السادسة: أن عيسى ﵊ قد توفاه الله لقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ وقد جاء في ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، إلى آخره، فأثبت أنه متوفيه.
وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه الوفاة.
стр. 1039
القول الأول: أنها بمعنى: القبض ولا يلزم منها نوم ولا موت، والاستيفاء بمعنى: "القبض"، أو التوفي بمعنى: "القبض" وارد في اللغة العربية، إذ يقال: توفى الرجل حقه أي: قبضه، وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا.
القول الثاني: إنه موت حقيقي، وهؤلاء أنكروا نزول عيسى في آخر الزمان، وقالوا: إنه مات كما مات الأنبياء، وهذا قول باطل يبطله ظاهر القرآن وصريح السنة.
القول الثالث: أن المراد بالوفاة النوم، وهو أن الله تعالى ألقى عليه النوم ثم رفعه إلى السماء، وهذا القول له وجهة نظر، لكنه ليس ظاهرًا كثيرًا، فإن صح هذا التفسير دل ذلك على أن محمدًا ﷺ أقوى جأشًا من عيسى ﵇؛ لأن محمدًا عُرِجَ به إلى السماء في حال اليقظة وشاهد من آيات الله ما شاهد، وعيسى ألقى الله عليه النوم ثم رفعه؛ لأنه سوف يشاهد مخلوقات عجيبة عظيمة، والمسافة بعيدة.
إذًا: عندنا ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه وفاة موت، وهذا ضعيف.
القول الثاني: أنه وفاة نوم وهذا له وجهة نظر.
القول الثالث: أنه بمعنى: القبض؛ لأن النوم أمر زائد على القبض، فيحتاج في ثبوته إلى دليل واضح أنه من القبض ولا إشكال فيه، وهذا القول لا إشكال فيه.
الفائدة السابعة: إحاطة علم الله تبارك تعالى ورقابته، لقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
стр. 1040
فإن قال قائل: إن الله قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، والمراد المَلَك، والإشكال أن الله جلَّ وعلا أضاف الرقابة إليه في سورة المائدة، وفي سورة "ق" أضافها إلى الملكين، فكيف نجمع بين الآيتين؟
الجواب: أن الله رقيب عليهم بملائكته، أي: أن رقابة الملكين بأمر الله ، فيكون هو الرقيب كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨] ومن المعلوم أن الذي يقرأ على الرسول جبريل ﵇، فأضاف قراءة الرسول إليه لأنه بأمره، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فإن كثيرًا من العلماء يقول في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أي: بملائكتنا، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] وليس المراد قرب نفسه ﵎، بخلاف قول النبي ﷺ : "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم" (١) وفَرَّق بين المعنيين بأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني إلى الإنسان عامة، ومعلوم أن قرب الله تعالى إلى العبد خاص بعابده أو داعيه، أي: بمن يعبده أو يدعوه، فالقرب ليس كالمعية ينقسم إلى قسمين بل القرب خاص بمن يعبده أو يدعوه، أما من يعبده فكقول الرسول ﷺ : "أقرب مما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢)، وأما داعيه فهو كقول الرسول عليه الصلاة
стр. 1041
والسلام: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (١).
الفائدة الثامنة والتاسعة: إثبات أن الله تعالى شهيد على كل شيء، لقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وهذا يستلزم فائدة أخرى وهي: أنه يجب على العبد كمال مراقبة الله ﵎، حيث لا يفقده عند أمره، ولا يجده عند نهيه؛ لأن الله رقيب عليك، فلا بد أن تتحاشى هذه الرقابة، وأن لا يفقدك الله تعالى حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك.
لو قال قائل: بعض العلماء فرقوا بين النبي والرسول بأن النبي هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، هل هذا صحيح؟
الجواب: نعم صحيح، هذا الذي عليه الجمهور وهو لا يسلم من النقض، شيخ الإسلام ﵀ يرى أن النبي كالعالم في هذه الأمة، يعني: يكمل شريعة من سبق، ولكن يرد عليه أن آدم نبي ولم يسبقه شريعة، على رأي الجمهور لا إشكال؛ لأن آدم تعبد لله بما أوحاه الله إليه، وكانت ذريته إذ ذاك قليلة تتأسى به، فلما كثر الناس وانتشروا اختلفوا، فحينئذٍ دعت الضرورة إلى الرسل، وأما على رأي شيخ الإسلام لا أدري
стр. 1042
لعله ﵀ يرى أنه مستثنى وليس له وجه، وهذا رأي الجمهور وهو الصواب.
* * *
° قال الله : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ بمعنى: إن تقدر لهم ما يستحقون أن يعذبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جرم، فإنه منزهٌ عن ذلك غاية التنزيه، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ولقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، لكن المعنى: إن تعذبهم بأن تُقَدِّرَ عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك، ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يقدر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا علم ما في قلوبهم من الإعراض وعدم قبول الحق، قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض والعياذ بالله، وقال الله : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، إذًا: كلمة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لا بد لها من مقدمات:
الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب.
الثانية: أنه يقدر لهم ما يحصل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك، إذ إن الله تعالى وعد فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]، لكن الذنب ذنب العبد، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ هذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأن العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يعذب، ولكن
стр. 1043
المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الجملة لا يخفى أنها جواب الشرط واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط، سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:
اسميةٌ طلبيةٌ وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
سبعة مواضع، هنا من أي المواضع؟
الجواب: من الجملة الاسمية، لكنها جملة اسمية أكدت بـ "إن" فاقترنت بالفاء.
قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يعني: إن قدرت لهم أسباب المغفرة فغفرت لهم.
لو قال قائل: قولكم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: قدرت لهم أسباب المغفرة، ألا يشكل عليه أن الله جلَّ وعلا قد يغفر الله لعباده بفضله ورحمته؟
الجواب: الله جلَّ وعلا يغفر ما دون الشرك بفضله ومَنِّهِ، لكن كونه لم يشرك من أسباب المغفرة التي تكون تحت مشيئة الله جلَّ وعلا.
وقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العزيز): الغالب، قالوا: العزة ثلاثة أنواع: عزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع، وعزة الشرف التي يعبر عنها بحضهم بعزة القدر.
أما عزة الغلبة: فظاهرة، مثل قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ
стр. 1044
رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، واضح أن المراد بها الغلبة هنا.
أما عزة الامتناع: قالوا معناها: إن الله أعظم من أن يناله ما يكون عيبًا أو نقصًا، يعني: يمتنع عليه النقص، رجعوا في ذلك إلى الاشتقاق، قالوا: لأنه يقال: أرضٌ عزازٌ، أي: صلبة لا تؤثر فيها المعاول لامتناعها وشدتها.
والثالث: عزة الشرف، يعني: أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم، كما تقول لصديقك: أنت عزيز عليَّ، معناه أنت ذو قدر عظيم عندي.
قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ الحكيم: مشتقة من حَكَمَ وأحْكَم، فإن كانت من حكم ففعيل بمعنى: فاعل، وإن كانت من أحكم، ففعيل بمعنى: مُحْكِمْ، وإتيان فعيل بمعنى فاعل كثير، كسميع بمعنى سامع، وبصير بمعنى باصر، وهكذا، لكن فعيل بمعنى مُفْعِل قليل في اللغة العربية، لكنه ثابت، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعِ السميعُ ... يؤرقني وأصحابي هجوعُ
فمعنى السميع: المسمع، إذًا: الحكيم: مأخوذة من الحُكْم والإحكام، فإذا كانت من الحكم فهي بمعنى: حاكم، أي: هو الحاكم في كل شيء، وإن كانت من الإحكام فهي بمعنى: محكم، والمحكم هو الذي منه الحكمة، فاحكم: أى: أتقن كل شيء، كما قال : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وما زلنا في شرح هذه الكلمة العظيمة، أولًا: يجب أن نعلم أن هذا وصف الله أن له الحكم فهو الحاكم قدرًا
стр. 1045
وشرعًا، دنيا وأخرى، وأن نعلم أن له الحكمة في كل ما يفعله، وكل ما يحكم به من أمور كونية وأمور شرعية، وإذا علمنا هذا استسلمنا تمامًا للأحكام الشرعية والأحكام الكونية، فلا نقول مثلًا: إذا قدر الله تعالى وباءً أو قدر زلازل وما أشبه ذلك، لا نقول: هذا عبث، بل نقول: هذا لحكمة، فالحكمة تكون في ذات الشيء، وتكون في غايات الشيء، وتكون في الشرع، وتكون في القدر، فالأقسام إذًا أربعة:
الحكمة في ذات الشيء: بمعنى: أن يقدر هذا الشيء إن كان قدريًّا على وجهٍ مناسب تمامًا، انظر في المخلوقات تجد كونها على هذا الوجه الذي خلقت عليه موافقة تمامًا للحكمة، واسأل أهل التشريح للأجساد البشرية وغير البشرية، اسألهم: كيف ركب الله هذه الأبدان على أباع ما يكون وأدق ما يكون، كم في الإنسان من معامل في جسمه؟ معامل عظيمة! انظر إلى الطعام يدخل متنوعًا ويخرج نوعًا واحدًا! انظر إلى الطعام يدخل على وجه الصعوبة أو الليونة ويخرج على مستوىً الواحد! كل هذا بسبب المعامل، ثم هذه المعامل -سبحان الله- تباشر العمل فلا تتأخر، فالمعدة من حين يصل إليها الطعام تبدأ تشتغل، والإفرازات عليها من المرارة أو غيرها شيء عجيب، كون الإنسان خلق على هذا الوجه، عَدَّله الله وجعله سويًّا ليس كالأنعام، مناسب تمامًا لما خلق له العبد من كونه مخلوقًا للطاعة والعبادة، حتى يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود وغير ذلك مما يكلفه الله به، وعلى هذا فقس.
كذلك أيضًا الحكمة في الأمور الشرعية، في ذات الأوامر
стр. 1046
الشرعية حكمة عظيمة، فالصلاة صلة بين الإنسان وبين الله ، إنه يناجي ربه قائمًا في قراءته وإنه يبتهل إليه في سجوده، وإنه يخشع له بقلبه، فكونه على هذا الوجه هذه حكمة.
أما الغايات: فالغايات أيضًا حكمة، الغايات فيما يقدره الله تعالى قدرًا، غايات حميدة، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] الغاية من هذا ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١]، والغاية من هذه العقوبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]، فهذه غاية بعد غاية، مع أن الإنسان لو تصور الأمر من أول وهلة لقال: الفساد فساد، كيفما يكون، فنقول: إن له غاية حميدة.
فالمصالح لها غايات حميدة أيضًا، فهي بنفسها حميدة ولها غايات حميدة أيضًا، ومنها الشكر على النعم، فإن الله تعالى يبتلي بالشر والخير، إذا صبر الإنسان على الشر فهي غاية حميدةٌ، وإذا شكر على الخير فهي غاية حميدة أيضًا.
أيضًا المخلوقات لها غاية: إذا رأيت الشمس تطلع كل يوم من مطلع غير المطلع الذي بالأمس، وبين مطلعها اليوم ومطلعها بالأمس مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله ؛ لأن مع هذا البعد العظيم الذي نظنه مثل الشعرة تجد مساحته أعوامًا، ونحن نظن: أن المساحة يسيرة ما هي إلا كشعرة انحرفت الشمس عنها وهي ليست كذلك، بل مسافات عظيمة جدًّا، وهذا كل يوم، وترجع في نفس الخط، لأجل المصالح العظيمة.
الناس تختلف مصالحهم في الشتاء عنها في الصيف، وفي الخريف عنها في الربيع، مصالح عظيمة، الشمس أيضًا في نضج
стр. 1047
الأشجار وتدفئة الجو لها - سبحان الله - شيء لا يتصور، انظر مثلًا إلى الجو والأفق تجده ونحن في شدة الصيف تجده باردًا جدًّا جدًّا؛ لأن أضواء الشمس ليس لها ما يعكسها، هي تنعكس على الأرض ثم تولد حرارة، لكن في الجو لا يوجد شيء يعكس، تخرقه خرقًا وتمضي إلى الأرض، فلكل مخلوق غاية ولكل مشروع غاية حميدة، فالحكمة إذًا تكون في المقدور، أي: في ذات المقدور كونه على هذا الوجه حكمة. ثانيًا: في الغاية منه. ثالثًا: في المشروع. رابعًا: في الغاية منه.
وتأمل الشرائع تجد أنها صلاحٌ للبدن وصلاح للقلب، صوم، صلاة، زكاة، حج، توحيد وإخلاص، مصلحة للبدن، وأَسَرُّ ما يكون الإنسان وأنشط ما يكون وأفرح ما يكون إذا اصطبغ قلبه بالإخلاص لله ، ولذلك يمر على الإنسان أحيانًا وهو في العبادة، يمر عليه حالٌ يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم فهو كافٍ، وتأتي الغفلة تستولي كثيرًا، فربما يثقل عليه ما كان خفيفًا عليه بالأمس، والقلوب بيد الله .
فالمهم أن الحكمة تكون على هذه الوجوه الأربعة: حكمة في المخلوق، حكمة في المشروع نفسه، حكمة في الغاية من المخلوق، حكمة في الغاية من المشروع، وهذا واضح.
والغريب أن هذه الحكمة العظيمة أنكرها الأشاعرة والجهمية وقالوا: إن الله لا يفعل لحكمة؛ لأن الحكمة غرض، والله منزهٌ عن الأغراض والأعراض والأبعاض، سجعٌ باطل.
منزه عن الأغراض يعني ليس له حكمة، لا يفعل لحكمة، هكذا مجرد مشيئة.
стр. 1048
ومنزه عن الأعراض: يعني ليس له صفات، لا يضحك ولا يغضب.
ومنزه عن الأبعاض: يعني ليس له وجه ولا يد ولا عين وما أشبه ذلك.
لكن نقول: إن هذا باطل، فالله تعالى منزه عن النقص، أما الحكمة فليست غرضًا ينتفع بها الله ، إنما ينتفع بها الخلق لتظهر آثار رحمته وآثار حكمته في خلقه، حتى يعبدوه وإلا فالله غني عنا، لو أن أهل الأرض كلهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم أينقص الله شيئًا؟ لا ينقصه، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين كلهم، لا ينتفع بالطاعة، ولا تضره المعصية، لكن تظهر آثار رحمته وحكمته وسلطانه وقوته، جعل هذه الشرائع، فليست الحكمة غرضًا ينتفع به الحكيم بالنسبة لله ، أو يدفع به ضررًا عنه.
أما قولهم: منزه عن الأعراض، يعني: أنه لا ينزل ولا يستوي على السماء ولا يضحك ولا يفرح ولا يحب ولا يكره، فنقول: هذا يعني: إبطال ما وصف الله به نفسه، وهذا الإبطال هو بمنزلة الجحد؛ لأنهم يبطلون أشياء واضحة المعنى، فهي كما لو قال الذي اشترى فرسًا قال: اشتريت خبزًا هل يصدق بهذا؟ لا يصدق، هم تحريفاتهم للنصوص مثل تحريفات من قال: اشتريت خبزًا يريد اشتريت فرسًا، لكنهم لا يصرحون بالنفي يقولون: إن الله لا يغضب، لا، يقولون: يغضب لكن المراد بغضبه الانتقام أو إرادة الانتقام.
стр. 1049
الثالث: الأبعاض، يقولون: لا يمكن أن يكون لله وجه ولا عين ولا يد ولا قدم ولا ساق، فنقول: سبحان الله أأنتم أعلم أم الله؟ فإذا قالوا: الله أعلم، نقول: هل يُحَدِّث الله تعالى بالكذب؟ إذا قالوا: لا، لا يمكن أن يَكْذِب هو أصدق القائلين، قلنا: إذًا كيف تقولون إنه ليس له يد حقيقية، وليس له وجهٌ حقيقي.
فالحاصل أننا نقول: إن نفي الحكمة يعني: أن أفعال الله تعالى كلها سفه؛ لأنه إذا انتفت الحكمة حل العبث ضدها لابد، إذ لا يعقل أن فاعلًا يفعل ما ليس له حكمة إلا وله ضدها، فالحمد لله الذي هدانا، نسأل الله أن يثبتنا، إذًا الآية هذه تفيد الحكمة على الوجوه الأربعة.
من فوائد الآية الكريمة:
نذكر ما يفتح الله علينا من فوائد هذه الآية:
الفائدة الأولى: أن عيسى ﵇ وهو أحد أولو العزم من الرسل، يفوض الأمر إلى الله حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عابدون لله .
الفائدة الثانية: تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله ، لأن هذا من عيسى ﵊ وهو أحد الأنبياء أولي العزم.
стр. 1050
الفائدة الثالثة: إطلاق العبودية على من استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة وعامة، والخاصة نوعان: أخص وأعم.
النوع الأول: العامة، هي عبودية القدر، يعني: عبودية التكوين هذه عامة لكل أحد، قال الله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، فلا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله فيه، وهذه عامة لكل الخلق للمسلم والكافر والبر والفاجر.
لو قال قائل: هل الحيوانات من عباد الله؟
الجواب: غير الآدميين والجن عباد لله تعالى بالشرع والقدر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].
النوع الثاني: خاصة وهي العبودية للشرع، أي: العبودية لشريعة الله: أن يتذلل الإنسان لشريعة الله وهذه خاصة بمن أسلم وجهه لله، فيخرج منها الكافر فليس بعبد لله بهذا المعنى، هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى أعم وأخص، أخص هذه العبودية الخاصة، عبودية الرسل عليهم الصلاة السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] , والأمثلة كثيرة، وقال في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا
стр. 1051
شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، هذه أخص أنواع العبودية وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلفون بأمرٍ زائد على ما كلف المرسل إليهم، في تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.
الفائدة الرابعة: أن لله ﵎ أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: إنه يعذب ويغفر لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: إنه يعذب من يستحق التعذيب؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا لا يستحق التعذيب، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢].
الفائدة الخامسة: حكمة الله في جعل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب ومغفور له، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شرع الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
الفائدة السادسة: إثبات المغفرة، أي: مغفرة الله لمن شاء من عباده، لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقد تقدم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة فإنها مشتقة من المِغْفر وهو الذي يتقى به السهام يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
الفائدة السابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين "العزيز" و"الحكيم"، وإثبات ما تضمناه من صفة وهي: العزة والحكم والحكمة، واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معانٍ أخرى لا
стр. 1052
يدل عليها اللفظ باشتقاقه، لكن تكون من اللوازم، مثلًا الخالق من أسماء الله، الخلاق من أسماء الله، يدل على صفة الخلق ويدل على صفات أخرى لازماتٍ لذلك وهي: العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء، وجه ذلك: أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يشتق منها اسمٌ، فلهذا نقول: صفات الله التي بلغتنا أكثر من أسمائه.
فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ , جوابـ "إِن تَغْفِرْ لَهُمْ"، والمناسب أن يقول: إنك أنت الغفور الرحيم، فما الجواب؟
قيل: إن الجواب: أن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنىً واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وجوابها، ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جوابها: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة للذين يستحقون المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة هذا من وجه، ومن وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة، فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون والله أعلم بمراده.
* * *
стр. 1053
° قال الله : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩].
قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ "هذا": المشار إليه يوم القيامة، و ﴿يَوْمُ﴾: خبر المبتدأ، ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا، إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب: "هذا يومَ ينفع"، وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع.
وقوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصدق: يكون بالقول وبالعمل، يعني: بالفعل والاعتقاد، أما الصدق بالقول: فهو مطابقة الخبر للواقع، وأما الصدق بالاعتقاد: فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: "لا إله إلا الله" هذا خبر، صدق أو كذب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب، بمعنى: هل القلب يؤمن بهذا: بأنه "لا إله إلا الله" أو لا؟ إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه، صدق القول وصدق الاعتقاد.
وأما صدق الفعل بأن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة، ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.
قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في الفوائد.
قوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 1054
الْأَنْهَارُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم وهذا يقتضي الاختصاص، أي: لهم دون غيرهم، ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الجنات: جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله للمتقين، "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (١)، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة، أما الإفراد فباعتبار الجنس، فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مائة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢].
قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و"الأنهار": جمع نَهَرْ: وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة، ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾، هذا في الشراب، وفي المأكل قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا، ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟
الجواب: لا، من تحتها، أي: من تحت هذه الأشجار، والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة: بدون أخدود وبدون حفر (٢)، تجري على السطح لا تحتاج إلى أخدود
стр. 1055
يُقَوَّم ولا حفر تحفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين، يصرفها الإنسان كما يشاء.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ الخلود: هو المكث الطويل، فإن أكد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليلٌ على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أكد بالأبدية انقطع القول بأنه خلودٌ طويل؛ لأنه أكد بالأبدية.
قوله: ﴿﵃﴾ بما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة، فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون؟ فيعدون عليه نعمه عليهم فيقول: إن لكم أن أحل عليكم رضواني فلا أغضب عليكم بعده أبدًا (١)، وهذا الرضوان الدائم الكامل.
قوله: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة، فإن المؤمن لا شك مسرورٌ بطاعة الله راضٍ بها، فرحٌ بها.
قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "ذلك ": المشار إليه ما ذكره الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب، لكن أشار إليه لعلو مرتبته، فإنه فوز لا نظير له.
قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يقال: فاز الرجل إذا غلب غلبة