← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على كل حال: الأصل في الفعل الواقع من أهله الحل. لكن لو ادعى مدعٍ أن المراد بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ما طبخوه من خبز ومرق وما أشبه ذلك، هل يقبل؟ الجواب: لا؛ لأن هذا حل من أهل الكتاب ومن غيرهم بالإجماع، حتى لو أن مجوسيًّا صنع لنا خبزًا نأكله، وذلك أن المحللات كما تقدم تنقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حلال من الكتابي وغير الكتابي. الثاني: ما يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب، وقد تقدم هذا في التفسير. لو قال قائل: إذا علم الإنسان أن لحم أهل الكتاب حرام لكونه ميتة أو لكونه ذبحه من لا تحل ذبيحته، أو لكون الذابح لم يذبحه على الطريقة المشروعة، فهل يخبر الناس أم يسكت؟ الجواب: يجب عليه أن يخبر، وقد ذكر العلماء ﵏ مثل ذلك فقالوا: يجب على من علم أن الماء النجس أن يخبر من أراد أن يستعمله، وكذلك لو رأيت إنسانًا يريد أن يأكل شيئًا مضرًا يجب عليك أن تخبره أنه ضار، هذا من باب النصيحة. لو قال قائل: إن الدجاج الذي يرد من أوروبا إلى البلاد الإسلامية مذبوح على غير الطريقة الإسلامية، وقد ذهب نفر من التجار إلى بعض البلاد الأوروبية وتأكدوا من ذلك؟ الجواب: هل الدجاج الذي يذبح على غير الطريقة الإسلامية هو الذي يرد إلى البلاد الإسلامية أم يرد إلى بلاد أخرى، لا ندري، ثم لو أخبروا الجزارين لذبحوا على الطريقة الإسلامية؛ لأنهم يريدون الفائدة وإلا قالوا لهم: سنقاطعكم.

стр. 72

الفائدة السابعة: أنه لا بأس أن نطعم أهل الكتاب ويطعموننا، لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وحينئذٍ نقول: هل تجوز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب؟ الجواب: نعم، تجوز، فإن النبي ﷺ قَبِلَ هديتهم كما أهدت إليه المرأة اليهودية في خيبر الشاة المسمومة؛ لأن هذه المرأة سألت: أي شيء يعجب محمدًا؟ قالوا: يعجبه من الشاة ذراعها. فملأت الذراع بالسم وأهدتها للرسول ﵊، والنبي ﵊ لا يعلم الغيب فأكل هو ومن معه، من الذين أكلوا معه من مات، أما هو ﵊ فإنه تأثرت لهواته، ولكن بإذن الله لم يؤثر فيه السم شيئًا، لكنه قال في مرض موته، كما روته عنه عائشة ﵂: "ما زالت كلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني" (١) الأبهر: عرق معروف إذا انقطع هلك الإنسان. ولهذا قال الزهري وغيره: إن رسول الله ﷺ مات شهيدًا بقتل اليهود له. المهم: كون طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم يدل على جواز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب، لاسيما إذا رجونا منهم الإسلام، أو إذا أردنا أن نبين لهم أن الإسلام دين السلام، وأن الإسلام ما أنزله الله ليفرض على الناس أن يسلموا، إنما فرض الله على البشر أن تكون كلمته هي العليا، سواء بإسلام أم بجزية، ولذلك لو أن الكافر أراد أن يبذل الجزية ويبقى

стр. 73

على دينه، نقول: ابقَ على دينك ولكن سلم الجزية، وتسليم الجزية متى يكون؟ إذا كنا نحن المسلمين لنا الكلمة، وليس كحالنا اليوم، حالنا اليوم -نسأل الله أن يرحم ضعفنا- على العكس من ذلك، الكلمة العليا لغيرنا؛ وذلك لأننا ما قمنا بدين الله حق القيام، لو قمنا بالدين حق القيام لكان دين الله لا بد أن يظهر على جميع الأديان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة؛ ٣٣] لكن مَنْ منا إلا من شاء الله يريد هذا، أكثر المسلمين الآن على خلاف ذلك، فتجد في بلاد المسلمين شركًا، لو كان الرسول حيًّا لكان يقاتلهم عليه، وتجد غلوًا في قوم صالحين أو غير صالحين، والأشياء لا تخفى على كثير من الناس. على كل حال: دين الإسلام هو دين السلام لكنه مع ذلك هو دين العزم والقوة والحذر من الأعداء، وكيدهم، ومكرهم، وخيانتهم. الفائدة الثامنة: حل المحصنات من أهل الكتاب كحل المحصنات من المؤمنات؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قد يقول قائل: حل المحصنات المؤمنات أمر معلوم؛ لأن المحصنات من المؤمنات حلها مذكور، في سورة النساء وهي قبل هذه السورة وهي صريحة بذلك، فما وجه ذكرها في هذه الآية؟ الجواب والله أعلم: أن يبين أن المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب سواء في الحل، ولكن لا يلزم من تساويهن في الحل أن يتساوين في الإقدام عليهن، قد يكون الشيء حلالًا ولكن نقول: الأفضل ألا تقدم عليه، يعني: لا يلزم من حل المحصنات من المؤمنات ومن أهل الكتاب أن

стр. 74

يتساوين في الإقدام، فقد تحل المرأة للإنسان ويقال: لا تقدم عليها. الفائدة التاسعة: علو مرتبة المؤمن وإن لم يكن عالمًا لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقدم المحصنات المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، مع أن أهل الكتاب عندهم علم، والمؤمن قد لا يكون عنده علم. الفائدة العاشرة: اشتراط المهر في حل المرأة، لقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ولها صور: الصورة الأولى: أن يتزوج الرجل المرأة بشرط ألا مهر لها، فهل يصح العقد؛ ظاهر الآية الكريمة هنا وظاهر الآية الكريمة في سورة النساء أنه لا يصح العقد. في سورة النساء، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ماذا؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤، يعني: ليس مجانًا بل لا بد من المهر، وفي الآية الكريمة هنا: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهذا القول هو الراجح، وأنه إذا تزوج امرأة بشرط أن لا مهر لها فالنكاح باطل، ووجه ذلك: أنه إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها صار هذا النكاح نكاح هبة، ونكاح الهبة لا يجوز إلا للرسول ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فإذا اشترط أن لا مهر فهذا هو نكاح الهبة. وقال بعض العلماء: النكاح صحيح والشرط فاسد، وحينئذ يجب لها مهر المثل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة تمنعه.

стр. 75

الصورة الثانية: تزوجها وسكت ولم يذكر مهرًا، فالنكاح صحيح بنص القرآن، ولكن لها مهر المثل، لقول الله ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فنقول: إذا دخل بها فلها مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسر زوجها وعسره. والفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى واضح، ففي الصورة الأولى شَرَطَ عدم المهر، وفي الثانية سكت. الصورة الثالثة: أن يتزوجها بشرط المهر، فهذه جائزة، وشرط المهر ما هو إلا تأكيد لمقتضى العقد، وهل يشترط إذا شرط المهر أن يعين؟ الجواب: لا يشترط أن يعينه، إن عينه فلها ما عين، وإن لم يعينه فلها مهر المثل. لو قال قائل: هل يجوز للزوج أن يؤجل المهر، وهل يجوز للمرأة أن تهب الرجل مالًا ليكون مهرًا لها؟ الجواب: يجوز للزوج أن يعطي المهر معجلًا ومؤجلًا كله ولا بأس بذلك وليس هناك مانع؛ لأن هذا المهر ثبت في ذمته ولو مات لأخذ من تركته، وأما المرأة فيجوز لها أن تهب مالًا للرجل ليكون مهرًا لها، ولكن أخشى إذا وهبته المال قال: الحمد لله الآن أنظر أحسن منك، وأيضًا يجوز للمرأة إذا تم العقد أن ترد المهر إليه وهذا يقع كثيرًا، وكان الناس في السابق في بلادنا كان الرجل يمهر المرأة، أي: يصدقها صداقًا وهو فقير، ثم ترده المرأة إليه، وحدث مرة أن تزوج رجل امرأة وأعطاها مهرًا قدره ريال واحد، وفي ضحى يوم الزواج قرع الباب عليه

стр. 76

رجل وهو مع أهله وقال: أعطني الريال الذي أطلبك، قال: ما عندي شيء، قال: أعطني وإلا ذهبت إلى القاضي، وارتفعت أصواتهما، فجاءت المرأة وقالت: ماذا يريد؟ قال: إنه يطلبني ريالًا ويقول: أعطني إياه وإلا ذهبت إلى القاضي. قالت: خذ الريال وأعطه إياه، فأعطته المهر وأوفى به الدائن. وكذلك يجوز لولي المرأة إذا كان راغبًا في رجل ويريد أن يزوجه ابنته يجوز أن يعطيه المهر ليدفعه للبنت. الفائدة الحادية عشرة: أن المهر بمنزلة الأجرة، لقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ وحينئذٍ يرد إشكال يقال: الأجرة يشترط فيها معرفة العوض والمعوض وعلمهما، وهنا "العوض" يجوز أن يكون مجهولًا وهو المهر الذي لا يسمى، والمعوض كذلك، المعوض هو منفعة المرأة إلى الموت أو الطلاق، وهذا أمر مجهول، فقد تبقى مع زوجها عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو مائة سنة، وقد تموت في أسبوعها الأول، وقد يطلقها في الأسبوع الأول، ومهر الأولى والثانية سواء، مثال ذلك: تزوج امرأة بألف ريال وبقيت معه مائة سنة، اقْسم السنة على المائة ريال كل سنة بريال، وامرأة أخرى تزوجها بمائة ريال وماتت بعد مائة يوم، فاليوم بريال، فرق بين هذه وتلك، فإذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بمنزلة الأجرة مع هذا الاختلاف العظيم؟ قلنا: نظرًا لتطلع الشرع للنكاح من أجل كثرة الأمة، وتحصين الفروج، والمصالح العظيمة، خفف فيه، ولو قلنا: يشترط العلم بالعوض والمعوض صار في ذلك مشقة عظيمة، وصارت النساء تختلف في مقدار المهر، وعدنا إلى مسألة ثانية

стр. 77

ممنوعة في الشرع وهي نكاح المتعة؛ لأننا لو قلنا: لا بد من معرفة العوض والمعوض قلنا: كم مدة النكاح؟ كما لو استأجرت امرأة خادمة نقول: كم مدة الخدمة؟ فلأجل هذه المصالح العظيمة عفا الشرع عن مقدار المدة والعوض والمعوض. الفائدة الثانية عشرة: أن المقصود الأعظم من النكاح هو الإحصان، لقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. الفائدة الثانية عشرة: الإشارة إلى أنه ينبغي إعلان النكاح؛ لأنه قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، فلا بد أن يكون النكاح معلنًا ظاهرًا، وهل يكفي في إعلانه أن يقع بشهود، أو لا بد من إظهاره وإعلانه؟ الجواب: الثاني على القول الراجح. لكن إذا كان هناك شهود مع الكتمان، فإن اشترط كتمانه فهو غير صحيح، لا بد من إعادته وإعلانه، وإن لم يشترط ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح، وبعضهم يقول: يصح، لكن العلماء كلهم متفقون على أن إعلان النكاح أفضل وأبعد عن التهمة وأبعد عن اتخاذ الأخدان. الفائدة الرابعة عشرة: أن الاستمتاع بالنساء ينقسم إلى أقسام: تحصين، وسفاح، واتخا ذ أخدان، والفرق بينهما، الأول: عقد شرعي، والثاني: زنا معلن، والثالث: زنا سري. الفائدة الخامسة عشرة: أنه إذا قصد المسافحة، أو اتخاذ الخدن فإنه لا يكون نكاحًا صحيحًا؛ لأنه اشترط فقال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وقد استدل علماء السنة بذلك على بطلان نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة إن أعلن فهو سفاح؛ لأن الرجل لم يقصد إلا أن

стр. 78

يستمتع فقط، وليس قصده إحصان الفرج، بل لذة يقذفها في فرج هذه المرأة وينتهي، وإن كان مخفيًا فهو من جنس اتخاذ الأخدان، وهذا القول هو بإجماع أهل السنة على أن نكاح المتعة حرام. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه حرام إلى يوم القيامة" (١) وهذا يدل على أنه لا يمكن نسخه، لأن قوله ﵊: "حرام إلى يوم القيامة" خبر يتضمن حكمًا مغيًّا إلى يوم القيامة، وإذا كان الخبر يتضمن حكمًا مغيًّا إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ هو رفع الحكم، وما كان غايته يوم القيامة فإنه لا يمكن أن يرفع. الفائدة السادسة عشرة والسابعة عشرة: طهارة بدن الكافر؛ لأنه لا بد أن يلامس الطعام، وأيضًا في النكاح لا بد أن يكون الزوج مع زوجته الكتابية ما يقتضي التنجيس لو كانت نجسة. وفي الآية أيضًا دليل على أن آنيتهم طاهرة، إلا ما علم نجاستها فهي نجسة، كأواني المسلمين. لو قال قائل: إن في الآية دليل واضح على جواز الزواج من الكتابية، فكيف نجمع بين هذه الآية وبين ما رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح: "ثلاثة يدعون ولا يستجاب لهم" (٢) وذكر منهم رجل تحته امرأة عاصية ولم يطلقها؟

стр. 79

الجواب: إن صح الحديث فهو يحمل على المرأة غير العفيفة؛ لأنه إذا أبقى أهله وليس فيهم عفة صار ديوثًا، ويكون هذا للتحذير من هذا الأمر. الفائدة الثامنة عشرة: أن الإماء من أهل الكتاب لا يبحن للمسلم ولو خاف العنت، دليله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فإن قال قائل: إذًا الإماء من المؤمنات كذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؟ قلنا: نعم، لولا آية النساء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] لولا هذه الآية لقلنا بذلك، فالجارية المسلمة تحل للمسلم عند الضرورة على حسب ما سبق في سورة النساء. الفائدة التاسعة عشرة: أن الأعمال داخلة في الإيمان، لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ والمذكور في هذه الآية أعمال، فدل ذلك على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، أن الأعمال من الإيمان، وله دليل من الكتاب والسنة، دليله من القرآن قال الله ﵎ حين ذكر توجيه الناس إلى المسجد الحرام بعد أن كانوا يتجهون إلى بيت المقدس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال المفسرون: أي صلاتكم إلى بيت المقدس. وأما من السنة فقال النبي ﷺ : ("الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إلى إلا الله" وهذا قول "وأدناها إماطة الأذى

стр. 80

عن الطريق" وهذا فعل "والحياء شعبة من الإيمان") (١) وهذا انفعال النفس من أثر القلب وهو من أعمال القلوب، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، لكن إذا قرنت الأعمال بالإيمان صارت الأعمال علانية والإيمان في القلب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. الفائدة العشرون: أن العمل قد يحبط بعد أن عمله الإنسان، وذكرنا التفصيل في هذا، وأن الردة لا تحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان على ذلك. الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الآخرة. الفائدة الثانية والعشرون: أن الناس في الآخرة ما بين خاسر ورابح، لقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فدل هذا على أن الآخرة فيها رابح وفيها خاسر. * * * ° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].

стр. 81

قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ الخطاب في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا. قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمره الله به. وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الصلاة عبادة معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها، ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام، فقولنا: "مفتتحة بالتكبير" هذا فصل يخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ليس فيها افتتاح بالتكبير، وقولنا: "مختتمة بالتسليم" يخرج ما يبتدئ بالتكبير ولا يختتم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يخرج بقولنا: مختتمة بالتسليم، فإن الطواف لا يختتم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول ﵊: "أن الطواف بالبيت صلاة" (١) لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس ﵄ وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا. ولهذا كان القول الراجح أن الطواف لا تشترط له الطهارة؛

стр. 82

لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يدخل في هذه الآية لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يشترط له الطهارة. ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد. لو قال قائل: قلنا في تعريف الصلاة: إنها عبادة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وقلنا: إن قولنا: "مختتمة بالتسليم" أخرج ما ليس بصلاة، ألا يقوي هذا القول أن سجود التلاوة ليس بصلاة لا سيما أننا إذا قلنا إنه صلاة لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم على المأمومين وأنهم لا يسبقونه يعني في القيام من السجود والتزامات أخرى؟ الجواب: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبر له عند السجود وعند الرفع، وإن كان خارج الصلاة فإن من العلماء من قال: لا يكبر له، لا عند السجود ولا عند النهوض من السجود ولا يسلم له، ومن العلماء من قال: يكبر للسجود ولا يكبر للرفع ولا يسلم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم ﵀، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة، وإلى غير القبلة، وأما أنا فأميل إلى أنه صلاة من وجه أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على غير طهارة، وأيضًا لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله الأمر ليس بواجب لكن على القول بأنه صلاة إذا قرأ والناس يستمعون ثم سجد، فإن من خلفه يصفون ويسجدون وراءه. قوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ لو قال قائل: ﴿الصَّلَاةِ﴾ في اللغة الدعاء فيكون المراد إذا قمتم إلى الدعاء؟

стр. 83

قلنا: لا، ما ثبت أنه نقل عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي، ولهذا يقول الرسول ﵊: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (١) هل نقول: المعنى: لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تحمل على الحقائق الشرعية في لسان الشارع. قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الغسل المعروف هو إمرار الماء جريًا على العضو، يعني: يجري الماء عليه، احترازًا من المسح على العضو، "والوجوه" جمع وجه، وإنما سمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة وأيضًا من وجه آخر لأنه وجه القلب، فالإنسان يعرف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سر الإنسان استنار وجهه، وإذا غم انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب. إذًا: "الوجه" ما تحصل به المواجهة، وحدّه العلماء بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس؛ لزم أن تقول المعتاد، ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض

стр. 84

الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع إلى الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق، وأيضًا هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء أي: لأعلى. ومسترسل اللحية من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنها داخلة في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر والظفر والسن، فنقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه لأنه تحصل به المواجهة ولأنه قد روي عن النبي ﷺ في حديث إسناده حسن أنه كان يخلل لحيته في الوضوء (١). فإذا قال قائل: هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب؟ قلنا: الفعل لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّنًا لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق. قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أيدي جمع يد، ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هنا قَيَّدَ اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسمي مرفقًا لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.

стр. 85

وقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قال العلماء: ﴿إِلَى﴾ هنا بمعنى "مع"، وإنما أولوها بمعنى "مع"؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه (١)، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيرًا في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني: أموال اليتامى ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢، ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم أن الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة. قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، أي: امسحوا الرؤوس بالماء، ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلبًا، وأن المعنى امسحوا رؤوسكم بالماء، ونحن نقول: إن "الباء" هنا ليست لتعدية الفعل بالباء ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضًا، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، وأما الاستيعاب فلأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] يدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب. وقوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ما حد الرأس؟ الرأس ما ترأس، والعضو المترئس على البدن كله هو ما بين مفصل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم

стр. 86

إذا أخرجت من الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأس، وهل يدخل في ذلك الأذنان؟ الجواب: نعم يدخل في ذلك الأذنان، أولًا: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانيًا: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمسح بأذنيه (١). قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح، والثانية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالكسر. فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول. وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء: منهم من قال: إنها جُرت على سبيل المجاورة، والمجاورة أن تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثلوا لذلك بقول العرب: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فخربٍ لا تصلح أن تكون نعتًا للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جر على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من

стр. 87

النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرهة، ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، واليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر معروف، لكن رجليها طويلة، ويديها قصيرة جدًّا، ولها ذنب طويل، وهي ذات حيل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له بابًا واضحًا ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة إلى أقصاه، حتى إذا لم يبقَ على أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت، من أجل إذا حجرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تسمى نافقاء اليربوع. فنقول: إن القول بأنها مجرورة على سبيل المجاورة فيه نظر. لكن ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: "وأرجلَكم" بالفتح و"أرجلِكم" بالكسر لأن للرِّجل حالين: حالًا تكون فيها مكشوفة ففرضها الغسل، وحالًا تكون فيها مستورة ففرضها المسح. وقوله : ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما معروفان. قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ في الآية إشكال من جهة أن المخاطب جماعة، والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جُنُبِين، بل قال: ﴿جُنُبًا﴾، وهذا جوابه سهل؛ لأن كلمة جنب في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والاثنين والجماعة، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها

стр. 88

على جنبين، لكن اللغة المشهورة الفصحى: أن كلمة جنب تطلق على الواحد والجماعة، فمن هو الجنب؟ الجنب من أنزل مَنِيًّا، وألحقت السنة به من جامع وإن لم ينزل، لقول النبي ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل" (١). وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾، أصلها بالتاء لكن قلبت التاء طاءً، ولم يبيّن الله جلَّ وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهروا جزءًا من أبدانكم، أو عضوًا من أعضائكم، بل قال: "اطهروا"، وهو شامل لكل البدن وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد. وبهذا انتهى الكلام على مُوجب الحدث الأكبر، وقد ذكر في كلمتين فقط، وموجب الحدث الأصغر ذكر في كلمات متعددة، ووجه ذلك: أن الأعضاء في موجب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى، بالماء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية، من هنا انتقل الكلام إلى

стр. 89

الطهارة الأخرى وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء. قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ كلمة مرضى جمع مريض، والمريض هو من اعتلت صحته، والمراد "إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء". فإذا قال قائل: لماذا قَيَّدْتَ والله أطلق؟ قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء بل ربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس بحاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب. قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، وسمي سفرًا؛ لأن الإنسان يسفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد. قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط. فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل أي: إتيان ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو؟ قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الهم والغم: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (١) فـ ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى "الواو"؛ لأن ما أنزله في

стр. 90

كتابه قد سمى به نفسه، فلا يستقيم المعنى في الآية إلا بجعل ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، لأننا إذا لم نقل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو صارت قسيمة للسفر والمرض يعني هذا أو هذا، والآية ليس هذا معناها، بل المعنى إذا حصل سفر أو مرض وحصل حدث وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ أيُّ أحد ذكر أو أنثى، صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة. وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا -أي: العرب- ينتابون هذا المكان -أي: الهابط من الأرض- ينتابونه لقضاء الحاجة، ليستتروا به عن الناس، فليس في البيوت كنف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس، وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملًا لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط بأنه المكان المنخفض من الأرض. قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لامستم فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعًا من الطرفين الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء ﵏ هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد، أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس ﵄: المراد به الجماع وليس الجس باليد. فإن قال قائل: عندنا قراءة صحيحة سبعية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾

стр. 91

واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مس المرأة؟ قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية ﴿لَامَسْتُمُ﴾ تشير إلى أن المراد به الجماع، هذا من جهة اللفظ، أما من جهة المعنى: فلو حملناها على أن المراد بذلك المس باليد لكان الله تعالى ذكر موجبين للطهارة من جنس واحد، مع أنه في طهارة الماء ذكر موجبين من جنسين، أي: إذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بمعنى اللمس باليد، فلا يوجب إلا الوضوء، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يوجب الوضوء فقط، فذكر موجبين وأهمل موجب الغسل الذي هو الجنابة، فيكون ذَكَرَ موجبين من جنس واحد وأَهْمَلَ آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى. وقوله: ﴿النِّسَاءَ﴾ هن الإناث، وليس كل امرأة بل المراد كل امرأة تجامع، وأما من لا تجامع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحدًا سلط على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى آخره. قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: ماءً تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى. قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ تيمموا أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة القصد، ومنه قول الشاعر: تيممتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي

стр. 92

فمعنى تيممتها أي: قصدتها، من أذرعات: هي بلدة في الشام، وأهلها بيثرب: أي: بالمدينة، أدنى دارها نظر عالي. وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾ الصعيد كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك. قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيب من الحيوان ما حل أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضيًا عند الله ، وكل موضع يفسر الطيب فيه بما يناسبه. قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ امسحوا بوجوهكم من هذا الصعيد، والمسح الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد إمرار إحدى اليدين على الأخرى. قوله: ﴿مِنْهُ﴾ قيل: إن ﴿من﴾ للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن ﴿من﴾ للابتداء، أي: مسحًا يكون ابتداؤه من هذا الصعيد. قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿يُرِيدُ﴾: هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله ، وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، "اللام" هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها وليست زائدة، ونقدر الكلام: ما يريد الله ليجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ليُصير عليكم من حرج، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ زائدة إعرابًا لكنها لها معنى وهي: تأكيد النفي وعمومه، و"الحرج" هو الضيق، أي: إن الله

стр. 93

تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئًا يضيق علينا. قوله: ﴿وَلَكِنْ﴾ هذا استدراك، ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ نقول في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ كما قلنا في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: طهارة حسية ظاهرة، وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية، أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية، وذلك لأن فيه كمال التعبد لله حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه. قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ يعني: ويريد أيضًا ليتم نعمته ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أي: بما شرعه لكم من العبادات، إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله ، ولكنه شرعها لتكون عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتذلل بها عند الله . قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لعل هنا للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل، وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على نعمه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح.

стр. 94

وعلى هذا قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا معنى البيت: أن نعماءكم عليّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبا، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة، فملكتموها. فالشكر بالقلب: أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله ويحب الله لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١)، والشكر باللسان الثناء على الله بها، كما قال الله ﵎: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] ومن ذلك -أي: من الشكر باللسان- القيام بكل قول يقرب إلى الله . أما الثالث فالشكر بالجوارح، أي: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فإذا كانت مالًا فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضًا: إذا كانت عملًا آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذًا: محله القلب واللسان والجوارح. فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟ قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهي، ومعنى وجهي أي: أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر من وجه، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال المحمود حتى وإن لم ينعم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله فإننا نحمده على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه.

стр. 95

وأما المتعلق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أهمية الوضوء للصلاة وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثًا مرسلًا هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطب، فتقول: يا فلان افعل كذا، واترك كذا وما أشبه ذلك. الفائدة الثانية: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا وكذا. الفائدة الثالثة: أن الإيمان يزيد بالطهارة، وضوءًا كانت أو غسلًا أو تيممًا؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها. الفائدة الرابعة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء أو بدون غسل أو بدون تيمم فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا، لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: على أنه لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدثًا لم يكفر، وقال أبو حنيفة ﵀: إن من صلى محدثًا كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله ، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافيًا لأصل الإيمان. الفائدة الخامسة: مشروعية الوضوء أو الغسل أو التيمم عند

стр. 96

كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلًا: لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ، لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ و"أل" هذه للعموم، ولم أعلم أن أحدًا من الناس قال: إنه يشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه يشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى الصلوات الخمس بطهور واحد (١)، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة (٢)، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني: وجوب الوضوء لكل صلاة. الفائدة السادسة: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغير ذلك من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا لصلاة.

стр. 97

ولهذا لما قيل للنبي ﷺ : أتتوضأ؟ -من عمل عمله-. قال: "إني لم أرد أن أصلي" (١) أو كما قال ﵊، مما يدل علي أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادعي أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة. فلننظر: مس المصحف اختلف فيه العلماء: هل تجب له الطهارة أو لا؟ فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدلوا بقوله تعالي: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، واستدل آخرون بقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: "ألا يمس القرآن إلا طاهر" (٢). فأما استدلال الأولين بقوله تعالي: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ضمير المفعول به يعود إلي الكتاب المكنون، واقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] الضمير يعود إلي أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضًا يقول: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل:

стр. 98

إلا المطَّهِّرُون، وفرق بين المطَهر والمتطهر، والمطَهَّرون هم الملائكة. وأما حديث عمرو بن حزم: فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلًا فالمرسل من قسم الضعيف فلا نئبت به حكمًا نلزم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، ففي هذه الآية نعبر بقولنا: لا يستقيم الاستدلال، وفي هذا الحديث نعبر بقولنا: لا يستقيم الدليل، ومن رأي أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، وعملوا بهذا الحديث فإن كان خبرًا فبالتصديق، وإن كان عملًا فباعتباره حكمًا، والعلماء الذين صححوه أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل وقد اعتبروه دليلًا، والحديث وإن كان مرسلًا فإن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دل ذلك علي أن له أصلًا، وهذه الفائدة الحديثية تفوت علي كثير من الناس، وما أحسن البحث الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة التفسير حول هذا الموضوع. وإذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتي لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: "إلا طاهر" يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال. وعلي هذا: فلا تجب الطهارة لمس المصحف، فنقول في رد هذا: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، هذا إذا تساوي الاحتمالان، فليس أحدهما بأولي من الآخر، وأما مع رجحان

стр. 99

أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة. فنقول: أيهما أرجح أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟ الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول ﵊ كان يعبر عن المؤمن بالطاهر، لأن وصف المؤمن أحب إلي النفوس وأقوي في الثناء من وصف الطاهر. لكن قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول ﵊ ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلي اليمن، فهذه قرينة علي أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجه إلي قوم كفار يدعوهم إلي الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول ﵊ لم يستعمل قط كلمة طاهر تعبيرًا عن المؤمن، يضعف هذا الوجه. فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر. لو قال قائل: كيف الجواب علي حديث: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله علي كل أحيانه" (١) والقرآن داخل في عموم الذكر، فلا يشترط لقراءة القرآن الوضوء؟

стр. 100

الجواب: إن سلمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر فإن هذا العموم خصص بقوله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" والمسألة ليست قراءة القرآن فهي داخلة في العموم بلا شك، لكن المسألة هي مس المصحف، أما القراءة فالرسول ﷺ يقرأ القرآن بلا وضوء، فهذا الحديث لا يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، فهما مسألتان كل واحدة مستقلة، ولهذا نقول لمن ليس علي وضوء وأراد أن يقرأ من المصحف: اجعل بينك وبينه حائلًا واقرأ. لو قال قائل: بعض الناس منع الكتابة علي المصحف هل قوله معتبر؟ الجواب: في الزمن السابق الكتابة غير معربة لا في الأصل ولا فيما يكتب علي الحواشي، فَكَرِهَ بعض السلف أن يكتب علي المصحف شيئًا؛ لئلا يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فاذا كانت الكتابة لا تؤثر علي الحروف فلا بأس، بمعني أن الكتابة لا تكون بين الأسطر فتختلط بالقرآن. بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل علي أن الطواف تشترط له الطهارة؟ نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس ﵄: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام" (١) وهذا

стр. 101

الحديث روي مرفوعًا إلي الرسول ﵊، وروي موقوفًا علي ابن عباس، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني: لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأن الراوي كثيرًا ما يعبر عما رواه مرفوعًا بقولٍ من عنده، فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول ﵊ لا يتناقض ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض، لا يصح طردًا ولا عكسًا. فلننظر: إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلي فيه وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلي القبلة، وألا يأكل فيه، ولا يشرب وهلمَّ جرًا، فنجد أنه يخالف الصلاة أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يرد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يرد، ولهذا ليس في هذا الحديث دليل علي أن الطواف تشترط له الطهارة، وهنا النظر في الاستدلال وفي الدليل أي النظر فيهما جميعًا؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام، الذي تتوافر الدواعي علي نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهش لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر علي الأقل، وثانيًا: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعًا لكونه متناقضًا. إذًا: لا تشترط الطهارة للطواف. فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟

стр. 102

الجواب: لا، لا نقول ذلك، بل نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطًا في صحته، فنقول: إن كان الماء قريبًا ذهب وتوضأ وصلي، وإن كان لا يجد ماءً إلا بعيدًا فإن الصلاة تسقط عنه. فإذا قال قائل: إن النبي ﷺ بلا شك طاف متطهرًا وصلي ركعتين خلف المقام، وقال: "خذوا عني مناسككم" (١)؟ قلنا: هذا الحديث: "خذوا عني مناسككم" (٢) ليس علي عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول ﷺ وكانت علي سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف علي طهارة ولا إشكال في ذلك، أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف وأن من طاف محدثًا فطوافه غير صحيح حتي ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة كما لو كان الطوافُ بغير طهارة طوافَ الإفاضة، ثم قدم إلي بلده وقلنا: إن حجك لم يتم، قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيرًا أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار؛ لأن الزحام يكون شديدًا، ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحْدث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ، وإذا قلنا: اخرج وتوضأ خرج وتوضأ ثم رجع ثم أحدث مرة ثانية هذا فيه مشقة شديدة. والذي نري في هذه المسألة أنه لا يشترط للطواف وضوء،

стр. 103

وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة يحتاج إلي دليل. لو قال قائل: ما الجواب على منع النبي ﵊ عائشة ﵂ من الطواف، وكذلك صفية؟ الجواب: الرسول ﷺ منع عائشة ﵂ من الطواف لأنها حائض (١) وكذلك صفية (٢)، فالحائض لا يرخص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلي أن تطوف قلنا لها: طوفي وتلجمي حتي لا يتلوث المسجد بالدم، فتطوف للضرورة، فعائشة وصفية كانا عليهما الحيض، وكلامنا في الوضوء فلا إشكال علي هذا. الفائدة السابعة والثامنة: وجوب غسل الوجه، لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ ويتفرع علي ذلك: أنه لو مسح وجهه مسحًا لم يصح وضوؤه لقوله: "اغْسِلُوا". الفائدة التاسعة: وجوب استيعاب الوجه بالغسل، فلا بد أن يغسل كل الوجه، لقوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾. الفائدة العاشرة: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافًا

стр. 104

لما ذهب إليه بعض الأصوليين وقال: يجب أن يغسل جزءًا من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيه طهارتان، مسح وغسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسل. الفائدة الحادية عشرة: وجوب غسل الأيدي من أطراف الأصابع إلي المرافق، لقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. لو قال قائل: الآية لم تذكر أن غسل اليدين قبل الوجه مما يدل علي عدم الوجوب، لكن لو قيل إن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي ﷺ علي غسلها؟ الجواب: هذا يرده قوله ﵊: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتي يغسلها ثلاثًا" (١) فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل والفعل لا يدل علي الوجوب، خاصة إذا كان عندنا نص من القرآن وظاهر السنة، وأما كونهم يستدلون بالمداومة علي الوجوب في بعض الأحكام هذا إذا لم يوجد معارض، وهنا يوجد معارض وهو ظاهر الآية.

стр. 105

الفائدة الثانية عشرة: أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن ﴿إِلَي﴾ تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي تعتبر فيه البداية والنهاية إذا جاءت ﴿مِن﴾ و ﴿إِلَي﴾ وأما إذا حددت النهاية فقط وسكت عن البداية، فإنه لا يدل علي أن الأفضل البداية من الجانب الآخر، بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن يحدد النهاية، مهما كان، بدأنا من الأول أو من الأطراف أو من الوسط. وعليه: فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلي المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت. الفائدة الثالثة عشرة: أن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط، وجه الدلالة، أن الله قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ولو كانت اليد عند الإطلاق ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لكان هذا القيد لا فائدة منه، والأمر كذلك: أعني أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل على ذلك: يد السارق تقطع من مفصل الكف، لقوله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا يجوز أن يتجاوز مفصل الكف، في التيمم إنما يطهر الكف فقط ولا يتجاوز إلي المرفق، وهذا أمره واضح. إذًا نستفيد من هذا: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف فقط، وإن قيدت فهي بما قيدت به. الفائدة الرابعة عشرة: وجوب مسح الرأس، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن "الباء" للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقًا،

стр. 106

قال ابن برهان: من ادعي أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون. الفائدة الخامسة عشرة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) وعلي هذا فلو أدلى برأسه حتي صب الماء من الماسورة وعم جميع الرأس فإنه لا يجزئه. وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًا بنظر لا بأثر، فيقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا علي العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شرع للصائم أن يفطر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلي السحر، وبعض العلماء قال: له أن يواصل اليومين والثلاثة، لكن هذا القول فيه نظر، أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح؛ لأن حديث عائشة ﵂: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) يقتضي رده، أي: رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون" (٣). الفائدة السادسة عشرة: وجوب غسل الرِّجل، لقوله:

стр. 107

﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب. أما على قراءة الجر فقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل؛ أخذًا بالقراءة الثانية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخري، يغسلها بناءً على قراءة النصب، ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوع من الوجاهة، يعني: لكان وجهة نظر جيدة لكن السنة تأبي ذلك، فإن النبي ﷺ كان يغسل قدميه ولم يرد حرف عنه ﷺ أنه كان يمسحها، بل إنه لما رأي بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغسل نادي بأعلي صوته: "ويل للأعقاب من النار" (١) فدل ذلك على وجوب غسل القدم. إذًا: كيف ننزل الآية؟ أما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقة النصب، أو ننزلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة، فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح، ولهذا لم يأتِ مثله في اليدين؛ لأن اليدين ليس فيهما مسح، حتي إن الرسول ﵊ لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة وغسلها عليه

стр. 108

الصلاة والسلام كما هو ثابت في الصحيح (١)، إذًا: نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلي المسح على الخفين. وبناءً على ذلك: هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خفي النبي ﷺ قال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" (٢). الفائدة السابعة عشرة: وجوب غسل الرِّجل إلي الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل، لقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أطلق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟ الجواب: نعم، وذلك أن الرجل عند الإطلاق حدها مفصل العقب، وكما نعلم أن قطاع الطريق الذين تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطعون من مفصل العقب، ويبقي العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلي الكعبين دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وذهبت الرافضة إلي أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير ﵀: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:

стр. 109

الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلي العظم الناتئ على ظهر القدم. الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرِّجل هو المسح دون الغسل. الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام على بن أبي طالب ﵁، إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه. على كل حال: لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق. الفائدة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ جواب للشرط، وجواب الشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتب على فعل الشرط، ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ .. فَاَغسِلُواْ فقوله: "اغسلوا" إلي آخره مرتب على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتب على شيء هو بنفسه مرتبًا. الوجه الثاني: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله أي: بين غسل اليدين وغسل الرِّجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السنة: فقد قال النبي ﷺ أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: "أبدأ بما بدأ الله به" (١) وفي لفظ

стр. 110

في غير الصحيح قال: "ابدءوا" (١) بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلي هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية ومن دليل منفصل من السنة ويتفرع على هذا أنه لو توضأ مُنكسًا فبدأ بالرِّجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟ الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، أي لا يصح الوضوء في أي عضو من الأعضاء، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يطهر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفو عنه وحينئذٍ نقول: كأنك ابتدأت من الآن، وقد غسلت الوجه فأكمل الباقي. الفائدة العشرون: وجوب الموالاة، وجهه: أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يعقبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر، فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة فإذا جزأه المتوضئ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني: لو غسل وجهه الساعة الواحدة، وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة فإنه لا يتبين أن هذه عبادة واحدة، إذًا: لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحد الموالاة؟
следующие страницы →