بالبصير؟ المراد بالأعمى الكافر، كما قال تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] والمراد بالبصير المؤمن.
قوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: أبعد هذا تعرضون فلا تتفكرون؟
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه يجب على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يُعْلِنَ للأمة ما أمر الله به ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
الفائدة الثانية: أن كل ما صُدِّر بـ ﴿قُلْ﴾ بالنسبة للرسول ﷺ كان ذلك دليلاً على أهميته، وأن الله تعالى أوصى نبيه أن يبلغه خاصة مما يدل على العناية به.
الفائدة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله ، أي: خزائن الرزق، ولذلك يعيش ﷺ الشهرين والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولو كان عنده خزائن الله لأدركها، مع أنه لو شاء دعا ربه أن يحقق له ما يريد، لكنه ﷺ خُيّر بين أن يكون عبداً نبياً، أو ملكاً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً.
الفائدة الرابعة: أنه إذا كان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله، فإنه لا يجوز أن يطلب الرزق من الرسول مباشرة؛ لأنه لو طلب الرزق من الرسول مباشرة لكان هذا شركاً وتجاوزاً لما هو - عليه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
стр. 247
أما السؤال في حياته ففيه تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها (١)، وقد يعطي وقد لا يعطي كما منع الأشعريين حين طلبوا رواحل يجاهدون عليها، قال: لا أجد ما أحملكم عليه.
الفائدة الخامسة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يعلم الغيب لقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ يحدِّث عن أشياء مستقبلة؟
فالجواب: بلى، ولكن بوحي من الله ، والله ﵎ يعلم الغيب، ولهذا نقول: كل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من أمور المستقبل فهو بوحي خاص من الله ، وحينئذٍ لا ينافي ما أخبر به من أمور الغيب ما ذكره الله تعالى في هذه الآية ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ لأن علمه بالمستقبل بما أوحى الله إليه ليس علماً ذاتياً أدركه بنفسه، لكنه علم من عند الله، كما أن الإنسان يرى الرؤيا الصالحة في المنام وينتفع بها في المستقبل، و"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" (٢).
الفائدة السادسة: الرد الصريح على من قالوا: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يعلم الغيب، ثم لبَّسوا وشبهوا بما أخبر به من المغيبات التي أوحى الله إليه بها فيقال: الأصل أنه لا يعلم الغيب، وإذا جاء شيء تحدث به النبي ﷺ عن
стр. 248
المستقبل، فإننا نعلم كما تقدم أن ذلك وحي خاص من الله ﵎.
لو قال قائل: بعض الناس يستعين بالجن فيخبر بأشياء بعيدة، فهل يكفر بهذا كفراً أكبر؛ لأنه يدعي علم الغيب النسبي؟
فالجواب: الذي يستعين بالجن فيخبرونه بأشياء بعيدة لا يكفر، وماذا فعل حتى يكفر؟ لكن إذا كان يتمتم وينزل رأسه فإنا نمنعه؛ لأنه شيء عارض، ولا نقول هذا شرك، والذي يراجع كلام شيخ الإسلام في الفتاوى في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة وفي كتاب النبوات وبعض فتاويه في المجموع، عرف الموضوع وأن الجن ربما يُنتفع بهم على وجه مباح في أشياء مباحة.
الفائدة السابعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بشر كغيره، لا يعلم الغيب، وينسى كما ننسى، ويلحقه الجوع والظمأ، والبرد والحر، وكل الخصائص البشرية تلحق النبي ﷺ .
الفائدة الثامنة: أن المَلَكَ قد يتصور بصورة إنسان لقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأنه لولا أنه يمكن تصوره بصورة إنسان ما احتيج إلى النفي، إذ إنه معلوم بدون نفي، وهذا هو الواقع، وقد جاء جبريل ﵇ بصورة البشر.
الفائدة التاسعة: الرد على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فإن الملائكة لا يمكن أن ينزلوا ليكونوا رسلاً إلى البشر، كما قال الله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩].
الفائدة العاشرة: كمال عبودية النبي - صلى الله عليه وعلى
стр. 249
آله وسلم - لله لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ لا يزيد ولا ينقص، حتى لو كان الذي نزل إليه على شخصه ﵊ فإنه لا يمكن أن يدعه، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] كلمات عظيمة، يوجهها الله إلى نبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولو كان كاتماً شيئاً مما أوحاه الله إليه لكتم هذا؛ لأنه شيء عظيم وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١].
الفائدة الحادية عشرة: أن الشرائع توقيفية ، فلا يجوز لأحد أن يبتدع منها شيئاً لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
ولهذا قرر أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله تعالى بشيء إلا ما أذن الله فيه شرعاً، وهذا حق مستند إلى آيات متعددة وإلى قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١).
فإن قيل: لو أن أحداً استحسن شيئاً يتعبد لله به هل يكون حسناً؟
стр. 250
فالجواب: لا يكون حسناً أبداً، وبذلك يبطل تقسيم من قسّم البدعة إلى نوعين: ضلالة وحسنى، أو إلى خمسة أنواع، فإن هذا باطل لاشك فيه؛ لأن أعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق وأنصح الخلق محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: "كل بدعة ضلالة" (١) بصيغة العموم (كل) التي هي أعم صيغ العموم، وهذا العموم المحكم لا يخرج منه شيء، ولا يرد على هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس في رمضان على أُبي بن كعب وتميم الداري، وكان الناس بعد أن امتنع النب ﷺ من إقامة قيام رمضان بهم جماعة صاروا يقومون أفراداً، أو الرجل مع آخر، أو الرجل مع اثنين وما أشبه ذلك، فيحصل التشويش، فخرج عمر ذات ليلة وهم على هذا، فأمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ففعلاً، وقاما بالناس بإحدى عشرة ركعة، ثم خرج مرة أخرى ورآهم على هذه الحال فقال: "نِعْمَ البدعة هذه" (٢)، فسماها بدعة وأثنى عليها، فاستدل بهذا الأثر جميع أهل البدع على استساغة بدعهم، ونحن نجيبهم بأمرين:
الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب ﵁ من الخلفاء الراشدين الذين بدعتهم - إن صارت بدعة - هي سُنَّة، فهل أنتم أيها الخلف المتخلف هل أنتم كعمر ﵁؟ طبعاً
стр. 251
لا، إذاً لو صح أنها بدعة شرعية لكان عمر ممن يُقتدى به وسُنَّته متبعة بأمر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
ثانياً: أنها بدعة نسبية باعتبار هجرها من عهد الرسول ﵊ إلى أن أقامها عمر، ولا يصح أن نقول: إنها بدعة لغوية؛ لأن البدعة اللغوية لا بد تكون غير مسبوقة، لكن نقول: هي بدعة نسبية باعتبار أنها هجرت من عهد الرسول ﷺ ماراً بعهد أبي بكر، ثم أول خلافة عمر.
ثالثاً: هذه البدعة لها أصل في السُّنَّة، وهو أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في قيام رمضان ثلاث ليالٍ وتخلف في الرابعة، وقال: "إني خشيت أن تفرض عليكم وتعجزوا عنها" (١)، هذه علة تأخر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن إقامتها جماعة، وهل هي باقية في عهد عمر؟
الجواب: لا؛ لأن الحكم يدور مع علته وهذه العلة في عهد عمر لا يمكن أن تكون، فبطل تشبث أهل البدع بمثل هذه الكلمة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
فإن قال قائل: ابتدعت أشياء أقرّها المسلمون؛ كجمع القرآن على مصحف واحد، وتبويب الأحاديث، وبناء المدارس، وأشياء كثيرة، ما تقول في هذا؟
فالجواب: هذه ليست مقصودة بذاتها، بل هي مقصودة لغيرها، فجمع الناس على مصحف واحد لئلا تتفرق الأمة، ولو
стр. 252
كان الناس يقرؤون في المصاحف التي في عهد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لتمزقت الأمة تمزقاً عظيماً، ولقالت النصارى: إذا كان عندنا أربعة أناجيل، أو خمسة فعندكم عشرات، فلهذا كان توحيد المصحف مقصوداً لغيره وهو جمع كلمة المسلمين وعدم تنازعهم.
كذلك أيضاً تبويب الأحاديث، أو جمعها على المسانيد هو أيضاً مقصود لغيره حتى يتيسر على المسلمين أصول السّنَّة، أرأيت لو أنها لم تبوب على الأبواب ولا على المسانيد لكان الإنسان إذا أراد مسألة أن يقرأ كل حديث ورد عن النبي ﷺ ، ولا يخفى ما في هذا من التعب العظيم ومن تعطل الشريعة، فكان هذا مقصوداً لغيره.
ولو قال قائل: محاريب المساجد هذه بدعة لا بد أن نهدمها، ولو أن الإنسان أوصى أن يبنى له مسجد فيه محراب بطلت الوصية؛ لأن المحاريب نهى عنها الرسول ﵊ في قوله محذراً: "إياكم ومذابح النصارى" (١)، أو كلمة نحوها فما الجواب؟
فالجواب فيما يلي:
أولاً: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قيد فقال: "كمذابح النصارى"، فإذا كان المحراب على غير الشكل النصراني فلا بأس به، هذا إن صح الحديث مع أن الحديث فيه مقال.
стр. 253
ثانياً: أن نقول إذا انتفى أن تكون هذه المحاريب؛ كمحاريب النصارى بقي أن يقال: هل فيها مصلحة أو لا؟
الجواب: فيها مصلحة، منها: أنها تغني عن صف كامل؛ فإذا كان المسجد ضيقاً، ثم دخل الإمام في المحراب أغنى عن صف كامل؛ لأن مكانه الذي يفترض أن يقوم فيه لولا المحراب صف كامل هذه واحدة.
وثانياً: الدلالة على القبلة، ولهذا قال العلماء ﵏: يستدل على القبلة بالمحاريب الإسلامية، وهذا أمر مشاهد فلو كانت المساجد كحجرة مغلقة ليمس فيها إلا الزوايا الأربع ما عرف الناس القبلة وهذا واضح، إذاً فيها مصلحة، فإذا كان فيها مصلحة فكيف نقول: إنها بدعة محرمة يجب هدمها.
فإذا قال قائل: يمكن أن يستعاض عنها بالتلوين، أو بوضع بلاط يخالف بلاط المسجد؟
قلنا: ما الذي يحوجنا إلى هذا، ونحن نقول فيها غير هذه الفائدة، وهي التوسعة للمصلين إذا ضاق المسجد.
ولو قال قائل: تعليلكم لمسألة المحراب واعتباره مصلحة قد يفتح باباً عريضاً لأهل البدع؛ لأن أهل البدع يفعلون البدع ويقولون: فيها مصالح؛ كاجتماعهم على قراءة القرآن جماعة سيقولون: إن أحدنا لا يستطيع أن يقرأ القرآن وحده فمسألة المصالح قد تفتح باباً عريضاً؟
فالجواب: ينظر إذا كانت مصلحة حقيقية فلتتبع، لكن كونك تحدث عبادة ما أحدثها الرسول ﷺ وتتقرب بها إلى الله هذا لا يجوز، ونحن نضع المحاريب لا للقربة بها بذاتها، ولكن علامة على شيء مقصود شرعي.
стр. 254
بقي أن بعض الناس يكتب على المحراب ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] فيحرفون الكلم عن مواضعه، وهل هذا المحراب هو الذي دخل زكريا على مريم فيه؟ طبعاً لا، ثم إن المحراب في اللغة القديمة مكان العبادة، سواء كان محراباً، أو حجرة، أو أي شيء، فأخطأ هؤلاء من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس المراد بالمحراب في الآية محراب القبلة.
والوجه الثاني: أن زكريا لم يدخل على مريم في هذا المحراب.
ولكن هذا هو الجهل الفاضح، ولذلك يجب على وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تتتبع المساجد التي كتب فيها هذا وتطمسه، كيف يحرف كلام الله في قبلة المسلمين؟! والحمد لله فإنه لا يلزمنا أنَّ كل ما حدث لا بد أن يكون له شاهد من القرآن.
ولو قال قائل: ما حكم كثير من المساجد التي يكون مكتوباً فوق محرابها على اليمين (الله)، وعلى اليسار (محمد)؟
فالجواب: هذا أصلاً بدعة، وما كان السلف يفعلون هذا، ولو فرضنا أنَّ إنساناً لا يعرف هذه العبارة (الله) (محمد) يعرف فقط أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكتب أمامه على خط مستوٍ (الله محمد) فإنه يفهم أنهما متساويان.
فيجب على المسؤولين إزالة هذه الكتابة، لكن لو لم يفعلوا فلا يزيلها الأفراد، وهذه الأمور المتعلقة بالمسؤولين لا نفتي فيها، فلو أن أحداً من العسكر مثلاً جاء يشكو من شيء مفعول
стр. 255
على سبيل العموم لا نفتيه؛ لأنه يحدث باب شر وفتن، ولكن أقول لهذا السائل: هات كتاباً رسمياً من مسؤول يمكنه أن يغير، وإذا جاءنا بهذا الكتاب وجب على الإنسان أن يفتي بما يرى، وهذه المسألة أرجو أن ينتبه لها طلاب العلم الذين نرجو من الله أن يكون لهم مستقبل حافل بالمنافع، إذا أتاك أحد من الأفراد تحت مظلة إدارة أو وزارة، وسألك لا تُفْتِه؛ لأنك إذا أفتيته فسوف تحدث فتنة، هو نفسه قد يترك هذا الشيء الذي سألك عنه فيكون عليه علامة استفهام أو يجمع حوله أناساً، ثم يحدثون فتنة، فالواجب أن تقول له: اطلب من المسؤول الذي فوقك أن يكتب لي كتابة رسمية، وحينئذٍ يجب أن تفتيه.
الفائدة الثانية عشرة: كمال تعبد النبي ﷺ لله لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات وحي الله له لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وأنواع الوحي مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
الفائدة الرابعة عشرة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير ولا يمكن أن يستويا لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾، ووجهه أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، والاستفهام بمعنى النفي مضمَّنٌ، أو مشرب معنى التحدي.
الفائدة الخامسة عشرة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير حسّاً، كما لا يستويان معنىً، فالجاهل أعمى والعالم بصير.
الفائدة السادسة عشرة: الحث على التفكر لقوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
стр. 256
الفائدة السابعة عشرة: ذم من لم يتفكر؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ، والمراد هو التفكر في الأمور على حسب الواقع، لا يتخيل أشياء لا تَمُتُّ للواقع بصلة، ولا يتفكر في أشياء لا يمكنه الوصول إليها، فلو أراد أحد أن يتفكر في ذات الله فإنه لا يجوز، هذا ممنوع؛ لأنه لا يمكن الوصول إليه، ولو أراد أن يتفكر في كيفية النزول إلى السماء الدنيا فلا يجوز؛ لأن ذلك لا يمكن الوصول إليه، والله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإذا كان البصر الذي يدرك الأشياء إدراكاً حسياً لا يمكن أن يدرك الله فالفكر من باب أولى.
ومما يطلب أن نتفكر فيه من الأمور الواقعة آيات الله الكونية والشرعية:
فالآيات الكونية: هي المخلوقات، وما أبدع الله فيها من الحكم والأسرار العظيمة.
والآيات الشرعية: هي الأحكام الشرعية التي شرعها الله للعباد، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، يعني: إذا طبقت الشريعة فهي صالحة لكل زمان ومكان.
وهنا نشير إلى من توسَّل بهذه العبارة إلى تكييف الشريعة حسب الواقع؛ فنقول: إنَّ هذا غلط عظيم، والواجب تكييف الواقع حسب الشريعة، وإذا كُيِّفَ الواقع حسب الشريعة صلحت الأمور، أما أن نكيف الشريعة حسب الواقع ويكون لنا في كل زمان شريعة، أو في كل مكان شريعة، أو في كل أمة شريعة، فهذا يعني: أن الشريعة تبدل وتعدل وتدخلها الأهواء، وهذا شيء
стр. 257
ممتنع، فالتفكر يكون في آيات الله الكونية والشرعية، كذلك أيضاً التفكر في أسماء الله وصفاته، تفكر في الاسم، ماذا يدل عليه من الصفة، سواء كانت الدلالة دلالة تضمن، أو دلالة مطابقة، أو دلالة التزام.
* * *
° قال الله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١].
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن، والإنذار الإعلام بالشيء على وجه التخويف.
قوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، يعني: يؤمنون بالبعث ويخافون من اليوم الذي يبعثون فيه كما قال في الأبرار: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، أي: لا يتولاهم أحد من دون الله ، ولا يشفع لهم أحد من فى ون الله، فالولاية: أن يتولاهم أحد بدون شفاعة، يعني هو يقوم بكشف الضر عنهم أو جلب النفع لهم، والشفاعة: أن يتوسط لهم إلى الله ؛ لأن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
فشفاعة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لأهل الموقف أن يُقضى بينهم من دفع الضرر؛ لأن الناس يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون.
وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من جلب النفع.
стр. 258
ومثاله في الواقع لو أن إنساناً شفع لشخص إلى مدير من أجل أن يوظفه في عمل فهذا جلب منفعة، ولو شفع في شخص إلى مدير من أجل أن يرفع عنه التعزير سواء بالمال أو بالحبس فهذا من باب دفع الضرر، فهؤلاء الذين أمر الله أن ينذر النبي ﷺ بالقرآن إياهم ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (لعل) للتعليل، يعني: لأجل أن يتقوا، والمراد؟ يتقون الله ، أو يتقون اليوم الذي يحشرون فيه إلى الله، وهما متلازمان، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وتتكرر كثيراً في القرآن الكريم، ومعناها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه وتصديق أخباره على علم وبصيرة.
ومنهم من قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم نظم ذلك في أبيات فقال (١):
خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدتان الأولى والثانية: وجوب الإنذار بالقرآن، ويتفرع على هذا أن خير ما ينذر به هو القرآن، يعني هو أبلغ المواعظ في الإنذار، لكن كما قال الله : ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
стр. 259
الفائدة الثالثة: أنه لا ينتفع بالإنذار بالقرآن إلا الذين يؤمنون باليوم الآخر لقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
الفائدة الرابعة: إثبات الحشر إلى الله ، وهذا يكون يوم القيامة، تحشر الخلائق إلى ربها ليقضي بينهم قضاء دائراً بين العدل والفضل، العدل للكفار، والفضل للمؤمنين.
الفائدة الخامسة: أنه لا أحد يمنع من الله، لقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
الفائدة السادسة: إثبات الشفاعة؛ لأنه لولا وجودها ما صح نفيها، والشفاعة أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى ليقضي بين الناس، وهذه خاصة بالرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فيعتذر أولوا العزم عنها، وتستقر لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولم ينكرها أحد من طوائف الملة بل يقرون بها.
النوع الثاني: الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين أن يُخرجوا من النار، وهذه ينازع فيها طائفتان من أهل الملة حسب انتسابهم، وهم الخوارج والمعتزلة؛ لأن هاتين الطائفتين يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار - والعياذ بالله - وإذا كان الله قد قضى عليه أن يخلد في النار فإن الشفاعة لا تنفعه، وهناك شفاعة أخرى ليس هذا موضع ذكرها.
الفائدة السابعة: إثبات العلل والأسباب، لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر سبق فلا حاجة إلى الإعادة، وكل إنسان يعرف أن الأمور لها أسباب ولها علل.
стр. 260
° قال الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].
قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ هذه الآية تحتاج إلى إعراب فـ (لا) ناهية والفعل مجزوم بها، ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، الإعراب الثاني ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قوله: (شيٌ) مبتدأ لكن دخل عليه حرف الجر الزائد فعمل فيه لفظاً لا محلاً، ولهذا نعرب (من) حرف جر زائد إعراباً، و ﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ (الفاء) للسببية، والفعل بعدها منصوب بها على رأي الكوفيين، و (أن) مضمرة بعدها على رأي البصريين.
فإن قيل: هل هي جواب للنفي، أو للنهي؛ لأنها سبقت بنفي ونهي، فقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ نهي وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾ نفي؟
فالجواب: للنفي يعني: ليس من حسابك عليهم من شيء ولا من حسابهم عليك من شيء فتطردهم، فلماذا تطردهم.
قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الفاء) للسببية و (تَكُونَ) فعل مضارع منصوب بـ (أن) بعد فاء السببية على رأي البصريين، أو بها على رأي الكوفيين، وهي جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾، يعني: لا تطردهم فتكون من الظالمين.
نعود إلى المعاني ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ الطرد معناه الإبعاد، يعني: لا تبعدهم.
قولى: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ يدعون دعاء مسألة ودعاء عبادة، ودعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، ودعاء العبادة أن يقوموا بعبادة الله من صلاة وغيرها.
стр. 261
فإذا قال قائل: ما وجه كون العابد داعياً ؟
فالجواب: للدليل الأثري والنظري، أما الأثري فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] فجعل الله الدعاء عبادة، وأما كون العبادة دعاء فلأن العابد لو سئل لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو ثوابه وأخاف عقابه، إذاً فهو دعاء بلسان الحال لا بلسان المقال، على أن كثيراً من العبادات لا يخلو من دعاء صريح.
وقوله: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (الباء) هنا بمعنى: (في)، وتأتي (الباء) بمعنى: (في) كثيراً كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، يعني: (في) الليل فهل هناك من حكمة في أن تأتي (الباء) بمعنى (في)؟
الجواب: اعلم أن القرآن الكريم لا يمكن أن يَعْدل عن الشيء المتعارف لغة إلا لسبب، والسبب هنا أن الباء التي للظرفية أشربت معنى الاستيعاب؛ لأن الباء تأتي للاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فـ (الباء) للاستيعاب، أي: أنهم قد استوعبوا الغداة والعشي بالدعاء، والغداة أول النهار، والعشي آخر النهار.
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ حال من الفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ المعنى أنهم مخلصون لله، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة.
قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، يعني: أن حسابك ليس عليهم وحسابهم ليس عليك، وإذا كان كذلك فلماذا تطردهم؟ دعهم يحضرون مجالس ينتفعون
стр. 262
بها وينفعون بها، ليس عليك من حسابهم من شيء ولا من حسابك عليهم من شيء ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ هذا مبني على قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه العبارة تلطف في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث لم يقل فتكون ظالماً بل قال: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا فيه شيء من التسلية أن هناك من هو ظالم، والظالمون كثيرون، ومعلوم أن كون الإنسان مع عَالَمٍ يشاركونه في الوصف أهون من كونه ينفرد بذلك.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تحريم طرد المؤمنين الصالحين.
الفائدة الثانية: الثناء على أولئك القوم الذين يحضرون جلسات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بما ذكر الله أنهم يدعون الله بالغداة والعشي مع الإخلاص لله .
الفائدة الثالثة: إثبات وجه الله لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، والوجه صفة حقيقية لله ، يجب علينا أن نؤمن بذلك ولكن على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما من فسر ذلك بأن المراد بالوجه الثواب فقد أخطأ؛ لأن ذلك مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، ثم إن الله قال في القرآن الكريم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] جعله وصفاً للوجه ولا يمكن أن يقال: إن الثواب هو الموصوف بأنه ذو الجلال والإكرام.
وتأمل هذا مع قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ
стр. 263
وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨] فـ (ذي) بالجر صفة لـ (رب)، ولم تكن بالرفع صفة للاسم، مع أن أسماء الله لها من الجلالة والتعظيم ما لها، ولكن نسأل الله العافية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وسبحان الله لا أدري؛ بماذا يلاقي الإنسان ربه يوم القيامة؟ إذا كان الله تعالى قد قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وما أشبه ذلك من الآيات، ثم يقول: لا وجه لك يا رب، والمراد بوجهك الثواب، لا أدري كيف يستطيع الإنسان أن يجيب الله ؟
والمسألة ليست جدلاً دنيوياً ومغالبة دنيوية، المسألة عقيدة يجب على الإنسان أن يتهيأ للجواب عنها يوم القيامة، والإنسان قد يتخلص في الدنيا بالمجادلة والمغالبة، لكن عند الله لا ينفعه كما قال الله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩] نقول: أنتم إذا غلبتم في الجدل في الدنيا فلن تغلبوا الله يوم القيامة، والله لا يغلبون، والمسألة خطيرة.
وفي ظني أن هؤلاء المحرفين لمثل هذه الآيات، عند تلاوتها وتحريفها ينسون أنهم سيقابلون الله ، وإلا لو كانوا على ذكر ذلك، ما ذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه في أعظم الأشياء، إذا كانت آيات الأحكام وأحاديث الأحكام تجري على ظاهرها، وهي أحكام للعقل فيها مجال، فكيف لا تجري هذه الأخبار العظيمة على ظاهرها وهي تتعلق بالله .
لو قال قائل: هل في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ دلالة على رؤية الله ؟
стр. 264
فالجواب: هذا سؤال جيد، نعم هذه الآية يصح أن نجعلها من الأدلة على إثبات الرؤية لله ؛ لأن أفضل شيء وأطيب شيء لأهل الجنة أن ينظروا إلى وجه الله ، اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك، ولهذا يجب التنبيه من بعض المصنفين الأذكياء، فمثلاً الزمخشري صاحب الكشاف جيد في البلاغة واللغة وكل من بعده عيال عليه يأخذون من كلامه، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أي فوز أعظم من هذا؟ هذا الكلام إذا قرأته وجدته عادياً لا تستنكر منه شيئاً، لكن هو يريد إنكار الرؤية لله ؛ لأن رؤية الله أعظم من هذا الفوز، لكنَّه رجل ذكي قال: أي فوز أعظم من هذا؟ نقول: أعظم من هذا أن يرى الإنسان ربه رؤية حقيقية.
الفائدة الرابعة: أن كل إنسان لا يحاسب عن الآخر لقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهذا العموم مقيد بما إذا لم يفرط الإنسان في حق أخيه، فإن فرط جوزي على ذلك، ولهذا قال العلماء ﵏: يجب على الإنسان إذا رأى نائماً وقد ضاق الوقت عن الصلاة يجب أن يوقظه ويعلمه، مع أن النائم معذور ليس عليه إثم، لكن أنت أيها اليقظان جب أن توقظه وتعلمه، لو لم تفعل صار عليك من حسابه؛ لأنك تركت الواجب، وكذلك قال العلماء: يجب على من رأى شخصاً يريد أن يتوضأ بماء نجس أن يعلمه، ويجب على من رأى في ثوب أخيه بقعة نجسة أن ينبهه عليها، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
الفائدة الخامسة: كمال عدل الله ؛ لأنه خاطب نبيه بهذا الخطاب القوي من أجل قوم من أصحابه، والنبي ﷺ -
стр. 265
عند الله أعظم جاهاً وأعلى منزلة، لكن الله حَكَمٌ عدل يقضي بالحق .
الفائدة السادسة: أن منع الإنسان حقه ظلم وإن لم يكن عدواناً بضرب أو أخذ مال، لكن إذا منعه حقه فإنه ظالم، لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا حق، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - "مطل الغني ظلم" (١) مع أن هذا لم يأخذ من مال الفقير لكن ماطله، يعني: منع حقه، فكل من منع صاحب حق حقه فهو ظالم له، كما لو اعتدى بأخذ شيء من ماله.
* * *
° قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
صلة الآية بما قبلها واضحة جداً؛ لأن الذين يأتون إلى الرسول ﵊ ويجلسون إليه فقراء، وأما الملأ فلا يجلسون؛ لأنهم يحتقرون هؤلاء ويقولون: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا.
وذكر التناسب بين الآيات لا بأس به لكن رأيت بعض المؤلفين يتكلف في هذا كلافة عظيمة، ثم إن هذا قد لا يتأتى في بعض الأحيان كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
стр. 266
[البقرة: ٢٣٩] الآية التي بعدها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ما المناسبة؟! المهم أن بعض الآيات لا شك أن المناسبة قد تكون فيها واضحة وبعض الآيات لا تستطيع معرفة المناسبة مما يجعل الإنسان يستسلم استسلاماً كاملاً لترتيب الآيات، وأنها أمر توقيفي وليس عقلياً، وبعض الآيات تكون مقاربة غير واضحة.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: أضللنا بعضهم ببعض ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني: أن الأغنياء لا يؤمنون - فتنة - لماذا لا يؤمنون؟ يقولون: كيف يسبقنا إلى الإيمان هؤلاء؟ فنحن لن نؤمن، وهذه فتنة قد تقع من الإنسان، وذلك بأن يقول: أي شيء ابتدأه فلان أنا لا أشارك فيه، أو أي شيء عمله فلان لا أعمل فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (اللام) هنا للعاقبة، وليست للتعليل، المعنى: فتنا بعضهم ببعض فقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.
الاستفهام هنا للتحقير، مثل قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١]. قال الله رداً عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، يعني: وقد علم أن هؤلاء يشكرون الله إذا أنعم الله عليهم، وأما أنتم فلا فهو يرد عليهم.
بعضهم فسر (أعلم) بـ (عالم) وهذا خطأ، أكمل من (عالم) لأنها (أعلم) اسم تفضيل عَمِل عَمَلَ الفعل في (مَن)، فهي مفعول به، والغالب كما هو معروف أن تتعدى بـ (الباء)، أو بـ (مِن) و (أعلم) مجرورة بالفتحة؛ لأنها ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن أفعل، وإذا قلنا: ووزن الفعل يكون أعم، والمعنى: إن ربك هو يعلم مَن يضل عن سبيله.
стр. 267
و (عالم) ليس اسم تفضيل فلا يمنع التساوي، قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] هل نقول: سبح اسم ربك (العالي)؟ فهم مخطئون، وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] يقولون: الله عالم - سبحان الله - الله يصف نفسه بالأكمل وهم يصفونه بالأدنى.
فإذا قال: أنت إذا قلت: (أعلم) قارنت بينه وبين العالمين الآخرين وفضلته عليهم؟
فالجواب: وأنتم إذا قلتم (عالم) وصفتموه بما يوصف به الآخرون بدون تفضيل، فانظر كيف صار تحريفهم حجة عليهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الله يفتن بعض الناس ببعض فيضل بسبب الآخر، وهذا واقع، مثلاً تفتح باب مساهمة في الخير فيسبق فلان وفلان، فيقول الآخرون: شيء تدخَّل فيه فلان لا نوافق عليه ولا نريده، ولا يمكن أن يسبقنا إليه.
الفائدة الثانية: إقرار الكافرين بأن الإيمان والإسلام مِنَّة من الله تعالى، لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.
الفائدة الثالثة: أن أعداء المؤمنين يأتون بكل أسلوب للتنفير عن المؤمنين، لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وهذا مشاهد في كل شيء، الرسل - عليهم الصلاة والسلام - هل ذكر أعداؤهم ما ينفر عنهم من الأوصاف؟
الجواب: نعم، واقرأ الآية العامة الجامعة الشاملة: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]، كذلك أيضاً أعداء أهل السّنَّة والجماعة، يصفهم أهل التعطيل بأوصاف تنفر عنهم،
стр. 268
يقولون: هذا مجسم؛ لأنه أثبت الصفات، ويقولون: هذا تجسيم حتى ينفر الناس عنه، وأهل الكلام يقولون: هؤلاء حشوية لا خير فيهم وليس عندهم فَهم، وليس عندهم معرفة بالمعاني، ولا عندهم عقول، ويسمونهم نوابت، جمع نابتة، وهي التي تنبت في الزرع من ذات الأوراق التي لا خير فيها، وكذلك فإن ألقاب السوء لأهل الخير من أهل الشر لا تزال موجودة، ولكن هل يصمد صاحب الخير أمام هذه الألقاب، أو ينهزم؟ الواجب أن يثبت ولا ينهزم؛ لأنه إذا انهزم فانهزامه ليس انهزاماً لشخصه، بل هو انهزام للحق الذي جاء به، أو الذي كان عليه.
الفائدة الرابعة: تقرير علم الله في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، فالله عالم بمن هو شاكر، وهل المعنى عالم بمن هو شاكر الآن أو بمن سيشكر، أو بالجميع؟
الجواب: بالجميع.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
* * *
وبذلك وفي الأسبوع الأخير من شهر صفر عام ١٤٢١ هـ انتهت الدروس العلمية المسجلة صوتياً في تفسير سورة الأنعام والتي كان يعقدها فضيلة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في جامعه بمدينة عنيزة (١).
رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومَنَّ
стр. 269
عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء. وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* * *