← Тафсир

Тафсир · id 549

تفسير العثيمين: الأنعام

ابن عثيمين

Полный текст (269 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، أي: تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم فتنسون كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك، أي: أنهم يدعون الله بحضور قلب وذكر وهما متلازمان في الواقع؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضاً عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه فهي صالحة للأمرين، وفسرها بهذا كثيرٌ من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك كما قال : ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]، وقال ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا، وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكراً له من قبل، فالنسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن المعلوم، أما المنفي عن الله، فهو الذي يكون بمعنى الذهول. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه؛ وذلك بأن يقرر بشيء يقرّ به ولا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟! الفائدة الثانية: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجئون إلا إلى الله لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. الفائدة الثالثة: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً، بل ويعلم أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم

стр. 212

من الكرب، وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم، فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافراً، فهذان الصنفان تجاب دعوتهما: الأول المضطر، والثاني المظلوم، يجيب الله دعوتهما، أما المضطر: فلأن رحمة الله سبقت غضبه فيرحم المضطر، وجيب دعوته، وأما المظلوم: فلكمال عدل الله أن يجيب المظلوم انتصاراً له على الظالم. الفائدتان الرابعة والخامسة: أنه لا يصرف السوء إلا الله ، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله . فإن قيل: وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر أنه شرعي عقلي؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجأون إلى الله؛ كالرافضة مثلاً: إذا أصابهم الضر يلجأون إلى أئمتهم على بن أبي طالب، أو الحسين ﵄، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله . الفائدة السادسة: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله ، ثم يعود، ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ هنا بمعنى تتركون، يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد تقدم في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك، أو الذهول لشدة ما نزل بهم. * * *

стр. 213

* قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤]. قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير قال أهل العلم: و (اللام) للقسم، يعني: أنها تمهد للقسم فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له و (قد) مؤكدة أيضاً، فيكون في هذه الآية مؤكدات ثلاث. قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، يعني: أرسلنا رسلاً. قوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾ جمع أمة، والأمة في القرآن الكريم ترد على معاْنٍ متعددة، فهي ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماماً، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة، كما في هذه الآية، أي: طائفة وشَعْب وما أشبه ذلك، وترد لمعنى رابع وهو الدين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. قوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل قبل الرسول ﵊؛ لأنه خاتمهم. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (الفاء) عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذف تقديره: فكذبوا، أو

стр. 214

كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر: وهو أن تكون الكلماتُ القليلةُ تحمل معانِيَ كثيرةً. وإيجاز حذف: وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في الكلام شيئاً محذوفاً تقديره فكذبوا. وقوله: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (البأساء)، يعنى: الشدة، و (الضراء) التضرر. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا (للتعليل)، أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله ، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله : ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾، أي: عذابنا ﴿تَضَرَّعُوا﴾، و (لولا) هنا بمعنى: هلّا، يعني: فهلا إذ جاءهم البأس تضرعوا؟. الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: صلبت ولم تلن، وبقوا على ما هم عليه. قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زين)، بمعنى: حسّن لهم، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: من المعاصي والكفر والشرك، ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلبه بل زينه لهم. وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الشيطان) المراد هنا جنس الشياطين، وليس شيطاناً واحداً معيناً، كما تقول: (الإنسان) تريد به الجنس.

стр. 215

قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (نسوا)، بمعنى: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به. قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يعني: من نعيم الدنيا، فتح الله لهم أبواب كل شيء، من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾، أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾، أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾، أي: شيئاً مباغتاً لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف، ونسوا العذاب. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فجائية، والمعنى فاجأهم الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله . من فوائد الآية الكريمة: الفائدتان الأولى والثانية: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذه كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أنهم أرسلوا بلسان قومهم، أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة، ويتفرع على هذا أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا فلا الفائدة، إلا أنه يجب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سداً لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحياناً يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين.

стр. 216

الفائدة الثالثة: رحمة الله ﵎ بالخلق، حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة، ولبيان المحجة، يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا الطريق إلى الله ، فلولا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بيّن لنا كيف نتوضأ، ما عرفنا كيف نصلي، وما عرفنا كيف نزكي، وكيف نصوم، وكيف نحج، وكيف نتعامل، فإرسال الرسل من رحمة الله . الفائدة الرابعة: حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة، ليكون ذلك أشد وقعاً وهيبة في قلوب المخاطبين؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾، ولم يذكر التكذيب، حتى يكون أشد وأدعى لأن يبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقْعَاً في قلوب المخاطبين. الفائدة الخامسة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة، لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق. فإن فيل: وما الحكمة؟ قلنا: بيّنها في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق. الفائدة السادسة: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، أي قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلاً: الخوف والجوع وما أشبه ذلك، هذه شدة، أما المرض المباشر للشخص فهذا ضرر، فالأخذ إما بهذا وإما بهذا.

стр. 217

الفائدة السابعة: إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع. فإن قيل: هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلوماً لنا حكمته؟ فالجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله ، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة، ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: "ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ " ما ذهبت تعلل، فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له - في السنة - يقوم مقامه، والصلاة لها نظير، وإذا لم تصلِّ اليوم صلّت غداً، لم تقل هذا، بل قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (١)، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله، وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد تُعلم وقد لا تُعلم. والفقهاء ﵏ يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي، بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به، لا أن نعلم حكمته، وأحياناً يقولون: عن شيء أنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحياناً يكون قولهم صواباً.

стр. 218

ومن هذه الأمة من أنكر الحكمة، وقالوا: إن الله يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص، ومن عباراتهم الفاسدةِ في المعنى الحسنةِ منظراً أو مسمعاً، (أن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض)، أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل، أو ترك، أو نحو ذلك، ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، وينكرون النزول إلى السماء الدنيا، والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين وما أشبهها، والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كانت أفعاله لحكمة وشرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض. فنقول في الرد عليهم: هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة لمصلحة الله، أو لمصلحة الخلق؛ ولا شك أنها في مصلحة الخلق، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فهذه الحكمة التي يتضمنها الفعل، أو الشرع، أو الحكم إنما هي لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالاً. الفائدة الثامنة: وجوب التضرع إلى الله ، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من عقيدة أو قول أو عمل. الفائدة التاسعة: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، وذلك أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار الأمر بالعكس، بل زاد ذلك قسوة في قلوبهم نسأل الله العافية، وكان ينبغي عليهم أن يتضرعوا

стр. 219

إلى الله ، وهذا قد يقع من الإنسان، أن لا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطاً على الله والعياذ بالله، وشعوراً بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ما هذا؟ لماذا يظلمني؟ لماذا يصيبني بما لم يصب به غيري؛ ثم يقسو قلبه والعياذ بالله. ومن ثَمَّ وجب الصبر على من أصيب بالمصيبة، حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد الله والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل في السماء ما يشاء، ويفعل في الأرض ما يشاء، ويفعل في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، فأنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء، ومع ذلك - والحمد لله - الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيراً لسيئاته، وما أكثر السيئات! فأي شيء يصيبك - حتى الشوكة إذا أصابتك - فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أُثْبِتَ ثواب الصابرين، فلم يفرط الله ﵎ بشيء فيما ينفع الخلق. الفائدة العاشرة: إثبات قسوة القلب بعد لينه، لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضاً فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائماً قلبه أَلَيِّنٌ هو أم لا، أمخبت لله أم لا، أمخلص لله أم لا؟ فكلٌّ يستطيع أن يأتي بالأعمال الظاهرة على أحسن وجه، المنافق يمكنه أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمالَ القلوب هي والله الصعبة، فحرِّر قلبك من رق المعاصي حتى تتحرر.

стр. 220

فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب ؟ قلنا: هذا سؤال يرد كثيراً من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب. والجواب عليه: أن من أسباب إزالة القسوة كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأَنْ تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله كلام الله خالق السماوات والأرض، لا كلام البشر، وحينئذٍ تُعَظِّمُ هذا الكلام وتنتفع به. ومنها: كثرة ذكر الله ، فأَكْثِر من ذكر الله، وذكر الله ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان، قال الله : ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيراً كثيراً، وفي الحديث "أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك" - أي: يعطيك تبرعاً - "وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة" (١)، فاحرص على مصاحبة الأخيار وانتفع بهم وانفعهم؛ لأنه ليس كلُّ أحد معصوماً. ومن أسباب لين القلب: رحمة الصغار، ولا سيما اليتامى، فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي ﷺ : "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٢)، وهذا يشمل

стр. 221

كل شيء حتى الحيوان يجب أن ترحمه فلا تكلف البعير أكثر مما يطيق؛ لأنه يحس ولذا إذا ضربت الناقة فإنها ترغي. وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعاً لذكره ولطاعته إنه على كل شيء قدير. لو قال قائل: هل تجويع النفس وتأديبها بقلة المال يُعد من أسباب لين القلب؟ فالجواب: واللهِ لا يظهر هذا، بل ليس من الشرع أيضاً، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يُجوّع نفسه فهذا ليس من الشريعة، بل قَلِّل الأكل، اجعل ثلثاً للطعام، وثلثاً للشراب، وثلثاً للنَفَس، لكن الإشكال أن بعض الناس يقول: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مسلكاً (١)، فنقول إن أبا هريرة ﵁ فعل هذا مرة، وهؤلاء يجعلون ذلك في كل مرة، والعامي يقول: "الماء دقيق ينفذ"، لو كانت المعدة مملوءة بالطعام و"النَفَس حربة" يشق عن نَفْسِه، وكأن هذا العامي يقول املأ البطن، والحقيقة أن ملأ البطن دائماً يضر، والإنسان إذا خفف الطعام كان أصحٍ له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيباً شهيًا، ولا تستطيع أن تأكل قليلاً، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيراً، لكن مرن نفسك. الفائدة الحادية عشرة: أنّ الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل

стр. 222

كما قال : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧]. الفائدة الثانية عشرة: أن الله ﵎ قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلماً من الله ، كلا؛ لأن الله قد بيَّن لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا. الفائدة الثالثة عشرة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسناً، وصار الحسن سيئاً لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي. الفائدة الرابعة عشرة: أن الله تعالى عجل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج " لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. الفائدة الخامسة عشرة: أن يحذر الإنسان عقوبة الله إذا منَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكنٍ، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجاً، ولهذَا رُوي "إذا رأيت الله يُعطي العبدَ من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج" (١)، وصدقوا، فلا تغتر أيها الإنسان فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم. الفائدة السادسة عشرة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء﴾.

стр. 223

الفائدة السابعة عشرة: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾، أي: فرح بطر أما إذا فرح الإنسان بما يَسُرُّهُ من أمور الدنيا، أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله، فإن هذا لا بأس به، قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. الفائدة الثامنة عشرة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبيْنا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمساً في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عاماً شاملاً أو كان خاصاً، فقد يبتلى بمرض، أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل، ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: أَخْذَ بغتة، أي: مباغت والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع من غير توقع له. الفائدة التاسعة عشرة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به أَخْذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، أي: آيسون من كل خير. * * * * قال الله : ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥]. قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾، (الفاء) عاطفة، وتدل على الترتيب والتعقيب، أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر وهو الآخر فما سبقه من باب أولى.

стр. 224

قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ المراد الكفار؛ لأن كل إنسان كافر فهو ظالم في حق نفسه، كما قال : وَ ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ حيث لم يقم بالواجب عليه وقد أتى قوله تعالى: (قُطِعَ) بصيغة ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأنه معلوم وهو الله ، ولكنَّ اللهَ ﵎ في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسمَّ فاعله، وهو كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠] الجن يؤمنون بأن مريد الشر هو الله ويعرفون أن الخير والشر بيد الله ، وهو المدبر، لكن كرِهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات الأسباب لقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سبباً للعقوبة، وهذا من كمال الله ﵎ أن تكون أفعاله لحكمة، وأحكامه الشرعية لحكمة. الفائدة الثانية: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له يزداد الحكم قوة بقوته وينقص بنقصه. الفائدة الثالثة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين لقوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهو كذلك، فهو، محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالمٍ إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالاً لما بين يديه وما خلفه. * * *

стр. 225

* قال الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾ [الأنعام: ٤٦]. قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، أي: (قل) يا محمد أخبروني ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بحيث لا تسمعون الكلام، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بحيث لا ترون الأفعال، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾، بحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله ، وبما يترتب عليها. قوله: ﴿انظُرْ﴾، يعني: نظر اعتبار ونظر بصيرة ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، أي: ننوعها، والآيات: جمع آية، وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة لاشتمالها على الدليل، يعني: أن الآية ليست مجرد علامة ، بل هي العلامة التي تكون دليلاً على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، والآيات كالشمس والقمر والليل والنهار والرخاء والشدة والحر والبرد وهلم جرَّا، آيات منوعة ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾، أي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي، يعني: ثم بعد أن يتبيَّن لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله في هذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرها، وهي أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنهم لن ينصرفوا إلا إلى الله ، وهذا تحدٍّ لهم.

стр. 226

الفائدة الثانية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه، أو بصره، أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى الله ؛ لأنه لا أحد ينفعه. فإن قال قائل: إذاً لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟ فالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يَسْتَرْقُون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي إلا أنَّا لا نتداوى بمحرَّم. الفائدة الثالثة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة وهي السمع بحيث لا يسمعون الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة. الفائدة الرابعة: رحمة الله حيث صرّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله ورحمته بعباده أنه يريهم الآيات ويصرفها وينوعها لهم فإذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريب لهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآله فعادوا إلى الله . الفائدة الخامسة: التشنيع على هؤلاء الذين صُرِّفت لهم الآيات فأعرضوا، لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ

стр. 227

يَصْدِفُونَ﴾، أي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأن الأقسام عندنا ثلاثة: (المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة)، فيكون من المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق ولكنه تمرد عليه. * * * * قال : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ [الأنعام: ٤٧]. قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾، يعني: أخبروني، وقد مر بنا إعراب مثلها. * قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّه﴾، أي: عقوبة الله ﴿بَغْتَةً﴾، كما لو أتتكم وأنتم نيام ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾، كما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف: ٩٧] الأول بغتة والثاني جهرة. قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ ﴿هَلْ﴾، بمعنى: (ما)، والاستفهام، بمعنى: النفي والاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول: (أثبت لي هذا الشيء)، والمعنى: إذا أتاكم عذاب الله على الوجهين فهل أنتم مظلومون؟ والجواب: لا. وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ الجملة تقرير لأخذ العذاب وأنهم لم يؤخذوا ظلماً، بل لعملهم السيئ، والظلم ينقسم

стр. 228

إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله: فدواؤه التوبة، مهما عظم حتى لو كان شركاً بالله تعالى، بل حتى لو كان سباً لله على القول الراجح فإنه يزول بالتوبة، وأما حق الآدمي فلا يزول إلا برده إليه، أو استحلاله منه، وإلا مهما تاب الإنسان وأخلص لله وندم، فإنه لا يكفيه حتى يرد الحقوق إلى أهلها، بل إن رد المظالم إلى أهلها من شروط التوبة، والتي من شروطها أيضاً أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: التحذير من نزول العذاب إما بغتة وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصياً أن ينزل به العذاب، لكن أيظن أن العذاب هو عقوبة الجسد فقط، فرغم أن عقوبة الجسد عذاب في حدِّ ذاتها إلا أنه هناك ما هو أكبر منها، وهو الإعراض عن دين الله كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. ولهذا قال العلماء ﵏: "إن المعاصي بريد الكفر " (١)، ينزلها الإنسان مرحلة مرحلة، كما ينزل البريد المسافة مرحلة مرحلة حتى يصل إلى الكفر - والعياذ بالله -، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب، وتسود القلب، وتيبس القلب، حتى يصبح ميتاً وتحل الكارثة، ولكن الحمد لله - جعل الله لكل داء دواء، فالمعصية اتبعها بالتوبة، فإذا تبت فالتوبة تهدم ما

стр. 229

قبلها وتكون كأنك لم تذنب - ولله الحمد -، بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبةً نصوحاً ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية. انظر إلى قول الله ﵎: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمراً على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك، فصار يفعل العبادات وكأنها غريزة، وإذا أذنب خجل من الله ، واستحيا من الله وأخبت لله ﵎، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا (١) - وأشار بيده فوق أنفه -. * * * * قال الله : ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ [الأنعام: ٤٨ - ٤٩]. قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ﴾ (ما): نافية، و (إلا): أداة حصر، و (الإرسال) هو تحميل الغير إبلاغ رسالة ممن أرسله، ولهذا كان القول الراجح في المسألة أن الرسل هم مَنْ أوحي إليهم - بالشرع،

стр. 230

وأمروا، بتبليغه وأما النبي فمأخوذ من النبأ، وهو الخبر، أُخبِر بالوحي ولكنه لم يكلف بتبليغه، وإنما يتعبد به هو نفسه، ومن اتبعه فعلى هدى، لكن الرسول مكلف أن يبلغ ما أرسل به، وهذا الذي عليه جمهور العلماء وهو ظاهر؛ لأن آدم نبي وليس مكملاً لشريعة من قبله، بل شريعته مستقلة، فدل هذا على أن القول بأن النبي هو من تعبد بشريعة من سبقه قول ضعيف، وأن قول الجمهور أصح. قوله: ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ لمن اتبعهم بالخير، أي: بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من خالفهم بالنار، هذه وظيفتهم، والبشارة هي الإخبار بما يسر، والإنذار هو التخويف بما يسوء. لو قال قائل: كيف تقول إن البشارة هي الإخبار بما يسر مع أن الله تعالى جعلها إخباراً بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]؟ فالجواب: أن الإنذار يؤثر في البشرة كما يؤثر التبشير وأصل تسميته تبشيراً؛ لأنه تتأثر به البشرة فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره، أو يقال: إن قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ على سبيل التهكم حيث جعل الإنذار بلفظ البشارة، نظير هذا قول الله : ﴿ذُقْ﴾ أمر إهانة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] قال بعض المفسرين: إن هذا من باب التهكم به حتى يزداد غماً إلى غمه، وقيل: المعنى أنت العزيز الكريم في الدنيا وليس لك في الآخرة إلا الإهانة.

стр. 231

ولو قال قائل: لماذا حصر وظيفة الرسل في البشارة والإنذار؟ فالجواب: حتى لا يدَّعي مدع أن وظيفة الرسل تتعلق بالربوبية، وأن لهم نصيباً من تدبير الخلق، فالرسل ليس لهم إلا أن يبشروا الناس وينذروهم فقط، أما أن يهدوهم، أو يرزقوهم، أو يدفعوا عنهم السوء فليس من وظائفهم. قوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ بقلبه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لكن قوله: ﴿آمَنَ﴾ هذه مطلقة لم تقيد بشيء، إلا أن النصوص الأخرى قيدت كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١). قوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾، أي: أصلح العمل وإصلاح العمل لا يتم إلا بأمرين: الأول: الإخلاص لله ، فمن أشرك مع الله في العبادة فإنه لم يُصلح العمل حتى وإن كان الشرك أصغر؛ لقول الله ﵎ فيِ الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢).

стр. 232

ولو قال قائل: إذا كان الإنسان يحلف بغير الله معتقداً تعظيمه فهل يكفر؟ فالجواب: لا يكفر إلا إذا اعتقد أن له من التعظيم مثل ما لله من التعظيم، أو أشد وكثير من الجهال قد يعتقدون أن رؤساءهم لهم من التعظيم أكثر من تعظيم الله جلَّ وعلا فهذا شرك أكبر، أما ما دون ذلك فليس أكبر. لو قال قائل: هناك كثير من الناس إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، أما إذا قلت لأحدهم قل والله لم يصدق هؤلاء؟ فالجواب: هذا من جهلهم؛ لأن تعظيم الحلف بالمصحف من تعظيم الله إذ إن المصحف كلام الله تعالى لكن هذا من الجهل، كما أن بعضهم يحلف بالله ولا يبالي إن كان كذباً لكن إذا قلت له: احلف بالنبي لا يحلف إلا وهو صادق. الثاني: المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فمن لم يتابع الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في العبادة فعبادته غير صحيحة، وهو غير مصلح، حتى لو خشع ورق قلبه، ودمعت عينه فإن ذلك لا ينفعه، لقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، أي: مردود عليه والمتابعة لا تتحقق إلا إذا وافق العمل الشريعة في الأمور الستة التي سبقت وهي الموافقة، في السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان. وقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: لما يُستقبل ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي: لما مضى، فلا يحزنون على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم استغرقوه في طاعة الله، ولا يخافون العذاب.

стр. 233

قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ هذا القسم الثاني من الذين أرسل إليهم رسل، القسم الأول: الذي آمن وأصلح، والثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، أي: ردوها ولم يقبلوها، ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: يصيبهم إصابة مباشرة كمس الجسم للجسم ﴿الْعَذَابُ﴾، أي: عقوبة الله . قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، أي: بما كانوا يخرجون عن طاعة الله و (الباء) للسببية و (ما) مصدرية، ويقدر الكلام بكونهم يفسقون. لو قال قائل: بعض الناس إذا خوفوا من عذاب القبر، ومن العذاب عموماً قالوا: هل رأيت القبر، وهل رأيت عذاب القبر هل يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟ الجواب: يدخلون في الآية فهم مكذبون؛ لأن الذي لا يؤمن إلا بما يحسه فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بالغيب، لكن إنكار عذاب القبر على نوعين: فالذي ينكر عذاب القبر على البدن هذا لا يكفر؛ لأن بعض العلماء من علماء الملة قال به، والذي ينكر عذاب القبر مطلقاً فيقول: العذاب لا يقع لا على البدن، ولا على الروح فهذا كافر؛ لأنه مكذب لما تواتر عن النبي ﷺ وتلقته الأمة بالقبول فكل مصلٍّ يقول: "أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر" (١)، والقرآن الكريم أشار إلى هذا في عدة آيات.

стр. 234

من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: مِنة الله على عباده بإرسال الرسل، ولا بد من إرسال الرسل، يعني: أن حكمة الله تقضي بإرسال الرسل؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ما يجب لله من الأسماء والصفات والأحكام، ولا يمكن أن يستقل بمعرفة العبادات، فالناس مضطرون غاية الضرورة إلى الرسل، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾، أي: على دين واحد، فلما كثروا تفرقوا واختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. الفائدة الثانية والثالثة: أن رسالة الرسل تتضمن هذين الشيئين وهما: البشارة والإنذار، فلمن تكون البشارة، ولمن يكون الإنذار؟ تكون البشارة لمن أطاع واتبع الرسل، والإنذار بالعقوبة لمن كذب، ويتفرع على هذه الفائدة أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لم يأتوا بمجرد الأحكام، أي: لمجرد أن يقولوا: (هذا حلال وهذا حرام)، بل قرنوا ذلك بالبشارة والإنذار؛ لأن البشارة تحمل الإنسان على فعل المأمور؛ لأنك لو بشرت إنساناً بأنه سيحصل على كنز في المكان الفلاني تجده يسابق فيفعل ما يوصله إليه، والإنذار يحصل به البعد عن المعاصي، وعلى هذا تتركب دعوة الرسل. الفائدة الرابعة: أن الناس انقسموا في تقبل وقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن ومكذب. الفائدة الخامسة: حكمة الله في انقسام الناس

стр. 235

بالنسبة إلى قبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن يعمل عملاً صالحاً، ومكذب يرتكب المعاصي، هذا من الحكمة بل ومن الرحمة؛ لأنه لو لم يكن كفرٌ لم يُعرف قدر الإسلام، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ فيما يروى عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" (١)، فمن عرف الكفر لا يمكن أن ينقض الإسلام، ومن رحمة الله وحكمة الله أنه قسم الناس إلى قسمين؛ لأنه لولا هذا الانقسام لما حصلت فروض من الشريعة: مثل الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتحان والاختبار؛ لأن الناس كلهم كانوا سيصيرون على وتيرة واحدة، والإنسان لا يمكن أن يخرج عن الناس، لكن إذا انقسموا إلى مؤمن وكافر حصل الامتحان والاختبار للمؤمن والكافر، فلا تظن أن الله إذا أزاغ قلوب الكافرين أن في ذلك لغوا بل هو عين الحكمة. الفائدة السادسة: أن من جمع بين هذين الوصفين الإيمان والإصلاح فليبشر أنه لا خَوفٌ عليه ولا حَزَن، لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإن قال قائل: أليس المؤمنون المصلحون ينالهم خوف من الأعداء؟ فالجواب: بلى، ينالهم خوف من الأعداء، لكن ليس هذا الخوف المنفي في الآية؛ لأن هذا الخوف بعده أمن، ومع قوة الإيمان لا يرى المؤمن أن في هذا خوفاً، ولهذا نجد الصحابة ﵃ في جهادهم وقتالهم مع النبي

стр. 236

- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبعده أيضاً هم بأنفسهم يتلقون الموت بكل رحب وسعة. الفائدة السابعة: تشجيع الإنسان على الإيمان والعمل الصالح، والحث على ذلك بذكر عاقبة هذا المؤمن المصلح. الفائدة الثامنة: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد معه من إصلاح، لكن هل نقول: إنه بمجرد الإفساد أو مجرد ترك العمل الصالح يكون الإنسان كافراً؟ نقول: لا نستطيع أن نحكم على شخص بأنه كافر أو مؤمن إلا بدليل من الكتاب والسُّنَّة، فالذي يحكم بالكفر ويحكم بالإيمان هو الله ورسله، ونحن ليس لنا حق أن نقول: هذا كافر وهذا مؤمن إلا بدليل من الشرع، ولذلك نعتب على أولئك الذين يرددون الأسئلة: هل الأعمال شرط في كمال الإيمان، أو شرط في أصل الإيمان، أو ما أشبه ذلك من العبارات، ونرى أن كل هذا لا حاجة إليه، وبحثهم هذا - في الحقيقة - لا أصل له، ولو أنهم سلكوا في الأحكام الشرعية ما سلكوا في أسماء الله وصفاته، وقالوا: ما ذكره الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، فكذلك نقول هنا من كَفَّرَهُ الله كفرناه، ومن لم يكفره لا نكفره، لو سلكوا ذلك لسلموا، وما ضر الناسَ إلا مثلُ هذا التأويل؛ هذا يقول: هذا كفر مخرج من الملة، وذاك يقول: غير مخرج، حتى إن بعضهم أنكر ما ورد عن ابن عباس ﵁: "كفر دون كفر" (١)، وقال هذه الرواية لا

стр. 237

تثبت، وقد حققها بعض تلاميذنا، وقال: إنها مشهورة عنه ثابتة، والعلماء كلهم ينقلونها عن ابن عباس ﵄ مقرين لها. المهم أن لدينا أدلة كفر واضحة من القرآن والسُّنَّة، وأدلة إيمان من القرآن والسُّنَّة، وإذا دار الأمر بين أن يكون هذا الرجل كافراً أو مؤمناً، وهو من المسلمين، فالأصل بقاء إسلامه، ولا يحل لنا أن نكفره، فكما لا يمكننا أن نجعل الأبيض أسود أو الأسود أبيض، كذلك الأحكام الشرعية، ما لنا حق أن نكفر أحداً إلا بدليل، ولا أن نقول: هذا مؤمن إلا بدليل، وبهذا نستريح من الخوض واللعب بآراء الناس وعقول الناس. الفائدة التاسعة: القول بالمفهوم، فمفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن من لم يكن كذلك فعليه الخوف والحزن. الفائدة العاشرة: أن التكذيب بآيات الله سبب للعقوبة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾، وليُعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية، فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من شرائع الله؛ لأنك لو تأملت هذه الأحكام سواء في الأمة الإسلامية، أو في الأمم السابقة لوجدتها مطابقة تماماً للحكمة والمصلحة، وأنه لو اجتمع كل أهل الأرض على أن يأتوا بمثل ذلك ما أتوا، قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، فلا تظن أن أي نظام، أو قانون يُصلِح من الخلق ما تصلحه الشريعة الإسلامية.

стр. 238

ولذلك ضل أولئك القوم الذين ذهبوا إلى تحكيم القوانين الوضعية التي وضعها بشر، فهذا البشر الذي وضعها معرض للخطأ بلا شك. كما أنه غير محيط بجميع مصالح الخلق في جميع أقطار الدنيا، ولا بمصالحهم؟ لأن في جميع الأزمان المقبلة؛ لأن الأمور تتغير، إذاً فلا يجوز الاعتماد على هذه القوانين، ويجب أن تؤخذ القوانين من كتاب الله وسُّنَّة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الله تعالى أعلم بالخلق حالاً ومستقبلاً، ولأنه أرحم بالخلق، ولأنه أحكم الحاكمين. أما الآيات القدرية - يعني: المخلوقات - الليل والنهار والشمس والقمر وإحياء الأرض بعد موتها وغير ذلك، كيف يكون التكذيب بهذا وهذا؟ نقول: أما التكذيب بالشرائع فهو إما أن يكذب الأخبار، فيقول: هذا غير صحيح لا يدخل العقل ولا يمكن، وإما بتحريف النصوص مثل قول بعضهم: المراد بالاستواء استولى، والمراد باليد القدرة، أو القوة أو النعمة، أو ما أشبه ذلك، وهذا تحريف، وإما بالاستكبار عنها فلا يعمل بها، وأما التكذيب بآيات الله الكونية، فإما أن ينسبها لغير الله، كما يفعل السببيون الملحدون الذين ينسبون الأشياء لأسبابها المحضة ويرون أن السبب فاعل بنفسه، أو يقولون: هي من الله ومعه غيره، هذا أيضاً تكذيب بآيات الله الكونية؛ لأنه شرك، أو يقولون: هي لله وحده لكن له مُعِيْنٌ، فهذا أيضاً كفر بالآيات الكونية، فصارت

стр. 239

الآيات الكونية هي المخلوقات كلها، والشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي. الفائدة الحادية عشرة: أن هؤلاء المكذبين سيصيبهم العذاب مباشرة لقوله: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾، وإن أفلتوا من العذاب في الدنيا لن يفلتوا منه في الآخرة. الفائدة الثانية عشرة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ لأن (الباء) للسببية، وإثبات الأسباب دل عليه العقل والسمع ولا ينكره إلا أحمق، والقرآن مملوء من هذا، وأنا أنصح طلاب العلم أن يتدبروا القرآن، ويستنبطوا الآيات التي فيها ذكر السبب؛ لأنه قد قيل إن في القرآن أكثر من ألف دليل يدل على إثبات الأسباب، وهذا حقيقة، والقرآن نفسه سبب، قال الله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وقد انقسم الناس في الأسباب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: جعلها مؤثرة بنفسها، وأنه متى وجد السبب لزم وجود المسبب، وهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا يعترفون بالله ، ولا يخفى حكمهم أنهم كفرة. القسم الثاني: أنكر تأثير الأسباب في مسبباتها، وقال: إن الأسباب مجرد علامات فقط، وأن المسبب حصل عند السبب لا بالسبب، وهؤلاء ضلوا سمعاً وعقلاً، حتى إنه لو رمى الإنسان زجاجة بحجر ثم تكسرت، لقال: الحجر لم يكسر الزجاجة؛ لأنك لو قلت هذا لكنت مشركاً - والله المستعان -، أنا لو قلت هذا لكنت موحداً في الواقع، مثبتاً لله الحكمة ،

стр. 240

لكن هؤلاء أناس ذوو عقول، أعني: عقول إدراك لا عقول رشد يقولون: الأسباب لا تؤثر بل حصل الشيء عند السبب لا بالسبب. القسم الثالث: أثبتوا الأسباب لكن جعلوا تأثيرها في مسبباتها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وجعلوا الخالق أولاً وآخراً هو الله ، وقالوا: لو شاء الله لم تؤثر هذه الأسباب، فمثلاً النار محرقة لا إشكال، ولما ألقي فيها إبراهيم ﵊ قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت برداً وسلاماً، وهنا لم يؤثر أثر هذا السبب في مسببه؛ لأن الله قال: كوني برداً وسلاماً، وهذا القول هو المتعين، ولا أقول الراجح، وما سواه فهو ضلال باطل. الفائدة الثالثة عشرة: أن الفسق يطلق على الكفر لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، والتكذيب بالآيات كفر، ثم قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، واقرأ قول الله تعالى في تنزيل السجدة: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٩ - ٢٠] الفسق هنا الكفر، وقد يطلق الفسق على ما دون الكفر وهذا هو المراد من كلام الفقهاء ﵏، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، فهنا الفسوق ما دون الكفر وهو المتعين، وجه التعيين العطف على الكفر، والعطف يقتضي المغايرة.

стр. 241

لو قال قائل: ذكرتم أن الفسق يطلق على الكفر، فهل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والظالمون والفاسقون، من باب تغير الألفاظ فقط؟ الجواب: بعضهم يقول في هذه المسألة: إن هذا مُنزَّل على أحوال، فمن كان حاكماً بغير ما أنزل الله فهو كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله لمحبته للعدوان وظلم الناس فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لا رداً لحكم الله ولكن لأن نفسه تهواه فهذا فاسق. ونضرب مثلاً لهذا بثلاثة حكام: حاكم حكم بالقانون المخالف للشرع وردَّ حكم الله وقال: (لا نقبله) فهذا كافر. والثاني في نفسه شيء على شخص معين، وحكم عليه دون خصمه، فهذا ظالم. والثالث: حكم بغير ما أنزل الله لا رداً لما أنزل الله ولا إرادةً لظلم، لكن تهواه نفسه بمعنى أنه لو حكم لشخص بأن له الأرض الفلانية ليس ظلماً لكن تهواه نفسه إما لصداقته له أو لقرابته له أو لأنه قال له: الأرض ستكون بيني وبينك، فهذا فاسق. فتُنزل الآيات على أحوال، ومنهم من قال: إنها على حال واحدة، وأن الكافر فاسق وظالم، والأقرب عندي أنها منزلة على أحوال؛ لأننا لو قلنا: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد صارت شبه مكررة. الفائدة الرابعة عشرة: تمام عدل الله حيث إنه لم يعذب هؤلاء؛ إلا لأنهم استحقوا العذاب لفسقهم جزاء وفاقاً.

стр. 242

فإن قال قائل: جاء في الحديث الصحيح: "أن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم" (١). فالجواب، لا إشكال في هذا، يعني: أنه لو وقع تعذيب أهل الأرض والسماوات لكان هذا العذاب مستحقاً عليهم، وهو غير ظالم لهم، وليس المعنى أنه لو عذبهم بدون جرم لم يكن ظالماً؛ لأن تعذيبهم بغير ظلم قد أحاله الله ، ومنع منه نفسه فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، لكن لو عذبهم لكانوا مستحقين للعذاب وبهذا يزول الإشكال في هذا الحديث. * * * * قال الله : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]. قوله: ﴿قُلْ﴾ الخطاب هنا للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وهو أمر من الله إليه وهذا أمر بإبلاغ خاص، وإلا فكل القرآن قد أُمر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يبلغه، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لكن تأتي بعض الأحكام مصدرة بـ (قل) إشارة إلى أهميتها؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

стр. 243

وكقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، والأمثلة على هذا كثيرة فيكون في هذا الحكم المذكور وصية خاصة بإبلاغه. قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ للمشركين المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. قوله: ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ هذا مقول القول، أي: لا أقول عندي خزائن الله، أي: خزائن رزقه فأرزقكم وأَحْرِمُ من أشاء. قوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، يعني: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، والغيب ما غاب، وهو نوعان غيب نسبي، وهذا قد يعلم فمثلاً الشارع فيه أناس أنا لا أعلمهم، والذي يشاهدهم يعلمهم هذا غيب نسبي، وغيب مطلق حقيقي، وهو ما غاب عن الناس كلهم، كالعلم بما سيحدث في المستقبل، فهذا لا يمكن أن يعلمه أحد لا الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولا غيره. والدليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب النسبي ولا الحقيقي، لكن في النسبي ما شاهده عَلِمَ به، ولذلك لما انخنس منه أبو هريرة ﵁ وكان أبو هريرة جنباً، قال له: "أين كنت؟ " (١) فالنبي ﷺ لا يعلم، كذلك لما دخل بيته وطلب الطعام وأتوا إليه بتمر، وطلب اللحم قال: "ألم أرَ البرمة على النار؟ " (٢) فلم يجزم بأن فيها لحماً مع أنها عنده في البيت؛ لأنه ﷺ لا يعلم الغيب.

стр. 244

قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ خاطبهم مخاطبة غير الأولى، يعني: كرر المخاطبة؛ لأن المقام هنا وهو نَفْي أن يكون مَلكًا أبلغ وأشد والإتيان بكاف الخطاب يدل على شدة توجيه الخطاب للمخاطب، ولهذا اقرأ في سورة الكهف قول الخضر لموسى في الآية الأولى ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢]، وفي الثانية: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]. قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (الملك) مفرد الملائكة، إذاً النبي ﷺ هو بشر من بني آدم، ثم ذكر الله تعالى وظيفته بقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (إن) بمعنى (ما) فهي نافية، و (إن) في اللغة العربية لها معانٍ حسب السياق، فتأتي نافية، وتأتي شرطية، ومثالها: إن اجتهدت نجحت، وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: إنهم كانوا، وتأتي زائدة لا معنى لها إلا بالتوكيد كقول الشاعر: بني غدانة ما إن أنتمُ ذهبٌ ... ولا صَريف ولكن أنتم الخَزَفُ (١) الصريف الفضة، الشاهد في قوله: [ما إن أنتم ذهب] فـ (إن) زائدة، ولهذا لو قال الشاعر: (ما أنتم ذهبٌ) صحّ لكن ما الذي يعيِّن هذه المعاني؟ الذي يعينه السياق، فدل ذلك على أن الألفاظ يتعين معناها بالسياق ، وهو مما يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ألا مجاز في اللغة؛ لأن الكلمة يتعين معناها بسياقها، حتى وإن استعملت بمعنى آخر في غير هذا السياق، وكذلك يعين المعنى القرينة الحالية؛ لأن السياق قرينة

стр. 245

لفظية، والقرينة الحالية وهي أن يدل حال المتحدث عنهم على المعنى، مثل قول الشاعر: أنا ابنُ أباة الضيم من آل مالك ... وإنْ مالكٌ كَانتْ كرام المعادن (١) هنا لا يمكن أن تكون (إنْ) نافية؛ لأنه كان يفتخر بقومه فيتعين أن تكون مخففة من الثقيلة. وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾، أي: ما أتبع ﴿إِلَّا مَا يُوحَى﴾، يعني: إلا ما أوحاه الله إليَّ من العبادات والمعلومات، يعني: علم الغيب لا أعلمه فلا أتبع إلا ما أوحي إليَّ وكذلك لا أتعبد له إلا بما أوحاه إليَّ، و (الوحي): هو إعلام الله ﵎ لأحد أنبيائه بالشرع، وسمي بذلك من الإيحاء وهو السر والإخفاء؛ لأن الوحي يقع خفياً، ليس كل أحد يدري عنه، ولم يبين الموحي وذلك للعلم به كما قال : ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فالموحي هو الله ، فهذه وظيفة النبي ﷺ وتلك ما لا يختص بها ولا تقع منه. قوله: ﴿قُلْ﴾، يعني: يا محمد بعد أن تبيَّنَ هذا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير﴾ (هل) بمعنى (ما) وجاءت أداة الاستفهام بمعنى النفي؛ لأنها مُشْرَبَة معنى التحدي، يعني: لا يستوي الأعمى والبصير وإن كنتم صادقين فبينوا لي. وقوله: ﴿الْأَعْمَى﴾ صفة مشبهة ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مَنْ يبصر، فبصير من البصيرة، وبصير من البصر، ومن المعلوم أنه لا أحد يقول: إن الأعمى والبصير سواء، فما المراد بالأعمى هنا، وما المراد

стр. 246

بالبصير؟ المراد بالأعمى الكافر، كما قال تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] والمراد بالبصير المؤمن. قوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: أبعد هذا تعرضون فلا تتفكرون؟ من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنه يجب على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يُعْلِنَ للأمة ما أمر الله به ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. الفائدة الثانية: أن كل ما صُدِّر بـ ﴿قُلْ﴾ بالنسبة للرسول ﷺ كان ذلك دليلاً على أهميته، وأن الله تعالى أوصى نبيه أن يبلغه خاصة مما يدل على العناية به. الفائدة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله ، أي: خزائن الرزق، ولذلك يعيش ﷺ الشهرين والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولو كان عنده خزائن الله لأدركها، مع أنه لو شاء دعا ربه أن يحقق له ما يريد، لكنه ﷺ خُيّر بين أن يكون عبداً نبياً، أو ملكاً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً. الفائدة الرابعة: أنه إذا كان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله، فإنه لا يجوز أن يطلب الرزق من الرسول مباشرة؛ لأنه لو طلب الرزق من الرسول مباشرة لكان هذا شركاً وتجاوزاً لما هو - عليه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

стр. 247

أما السؤال في حياته ففيه تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها (١)، وقد يعطي وقد لا يعطي كما منع الأشعريين حين طلبوا رواحل يجاهدون عليها، قال: لا أجد ما أحملكم عليه. الفائدة الخامسة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يعلم الغيب لقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ يحدِّث عن أشياء مستقبلة؟ فالجواب: بلى، ولكن بوحي من الله ، والله ﵎ يعلم الغيب، ولهذا نقول: كل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من أمور المستقبل فهو بوحي خاص من الله ، وحينئذٍ لا ينافي ما أخبر به من أمور الغيب ما ذكره الله تعالى في هذه الآية ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ لأن علمه بالمستقبل بما أوحى الله إليه ليس علماً ذاتياً أدركه بنفسه، لكنه علم من عند الله، كما أن الإنسان يرى الرؤيا الصالحة في المنام وينتفع بها في المستقبل، و"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" (٢). الفائدة السادسة: الرد الصريح على من قالوا: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يعلم الغيب، ثم لبَّسوا وشبهوا بما أخبر به من المغيبات التي أوحى الله إليه بها فيقال: الأصل أنه لا يعلم الغيب، وإذا جاء شيء تحدث به النبي ﷺ عن

стр. 248

المستقبل، فإننا نعلم كما تقدم أن ذلك وحي خاص من الله ﵎. لو قال قائل: بعض الناس يستعين بالجن فيخبر بأشياء بعيدة، فهل يكفر بهذا كفراً أكبر؛ لأنه يدعي علم الغيب النسبي؟ فالجواب: الذي يستعين بالجن فيخبرونه بأشياء بعيدة لا يكفر، وماذا فعل حتى يكفر؟ لكن إذا كان يتمتم وينزل رأسه فإنا نمنعه؛ لأنه شيء عارض، ولا نقول هذا شرك، والذي يراجع كلام شيخ الإسلام في الفتاوى في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة وفي كتاب النبوات وبعض فتاويه في المجموع، عرف الموضوع وأن الجن ربما يُنتفع بهم على وجه مباح في أشياء مباحة. الفائدة السابعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بشر كغيره، لا يعلم الغيب، وينسى كما ننسى، ويلحقه الجوع والظمأ، والبرد والحر، وكل الخصائص البشرية تلحق النبي ﷺ . الفائدة الثامنة: أن المَلَكَ قد يتصور بصورة إنسان لقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأنه لولا أنه يمكن تصوره بصورة إنسان ما احتيج إلى النفي، إذ إنه معلوم بدون نفي، وهذا هو الواقع، وقد جاء جبريل ﵇ بصورة البشر. الفائدة التاسعة: الرد على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فإن الملائكة لا يمكن أن ينزلوا ليكونوا رسلاً إلى البشر، كما قال الله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩]. الفائدة العاشرة: كمال عبودية النبي - صلى الله عليه وعلى

стр. 249

آله وسلم - لله لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ لا يزيد ولا ينقص، حتى لو كان الذي نزل إليه على شخصه ﵊ فإنه لا يمكن أن يدعه، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] كلمات عظيمة، يوجهها الله إلى نبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولو كان كاتماً شيئاً مما أوحاه الله إليه لكتم هذا؛ لأنه شيء عظيم وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]. الفائدة الحادية عشرة: أن الشرائع توقيفية ، فلا يجوز لأحد أن يبتدع منها شيئاً لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. ولهذا قرر أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله تعالى بشيء إلا ما أذن الله فيه شرعاً، وهذا حق مستند إلى آيات متعددة وإلى قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١). فإن قيل: لو أن أحداً استحسن شيئاً يتعبد لله به هل يكون حسناً؟

стр. 250

فالجواب: لا يكون حسناً أبداً، وبذلك يبطل تقسيم من قسّم البدعة إلى نوعين: ضلالة وحسنى، أو إلى خمسة أنواع، فإن هذا باطل لاشك فيه؛ لأن أعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق وأنصح الخلق محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: "كل بدعة ضلالة" (١) بصيغة العموم (كل) التي هي أعم صيغ العموم، وهذا العموم المحكم لا يخرج منه شيء، ولا يرد على هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حين جمع الناس في رمضان على أُبي بن كعب وتميم الداري، وكان الناس بعد أن امتنع النب ﷺ من إقامة قيام رمضان بهم جماعة صاروا يقومون أفراداً، أو الرجل مع آخر، أو الرجل مع اثنين وما أشبه ذلك، فيحصل التشويش، فخرج عمر ذات ليلة وهم على هذا، فأمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ففعلاً، وقاما بالناس بإحدى عشرة ركعة، ثم خرج مرة أخرى ورآهم على هذه الحال فقال: "نِعْمَ البدعة هذه" (٢)، فسماها بدعة وأثنى عليها، فاستدل بهذا الأثر جميع أهل البدع على استساغة بدعهم، ونحن نجيبهم بأمرين: الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب ﵁ من الخلفاء الراشدين الذين بدعتهم - إن صارت بدعة - هي سُنَّة، فهل أنتم أيها الخلف المتخلف هل أنتم كعمر ﵁؟ طبعاً
следующие страницы →