← Тафсир

Тафсир · id 549

تفسير العثيمين: الأنعام

ابن عثيمين

Полный текст (269 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نُبْعَثُ وقد كنا عظامًا ورفاتًا؟ ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] الفائدة السابعة: أن هؤلاء الكفار عندهم عناد - والعياذ بالله - وذلك أنهم قرنوا كفرهم بالاستهزاء، فلم يسلم الشرع ولا من جاء بالشرع من استهزائهم. * * * * قال الله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ [الأنعام: ٦]. قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي (ألم)، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناه للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] يعني: قد علم من خلق؛ وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، يعني: قد شرحنا لك صدرك، فإذا أتي حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير. وقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا: الرؤية العلمية أو الرؤية البصرية، فالبلاد التي مروا بها مدمرةً رؤيتها بصرية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾، [الصافات: ١٣٧, ١٣٨] والبلاد التي لم يروها ولم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار. وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، أي: أتلفنا و (كم) هنا للتكثير يعني أممًا أهلكناهم من قبلهم.

стр. 37

وقوله: ﴿مِّن قَرْنٍ﴾ (القرن) بعضهم حدده بمائة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده فقال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون، مثلًا. في خلال سبعين سنة ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفهم غيرهم، وعللوا ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" (١) قرنه: هم الصحابة هلكوا في حدود المائة. قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا، أي: مكنَّا هؤلاء القرون في الأرض. قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، يعني: جعلنا لهم ما يتمكنون به ويثبتون به ما لم نمكن لكم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها. وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيبة إلى الخطاب وهو الحضور، والالتفات يكون من الغيبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغيبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم أَنَّ له أنواعًا، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف ونظر ما الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبهًا للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية. قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. المراد بالسماء هنا

стр. 38

المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، وقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من السماء، أي: حال كونه مدرارًا يدر عليهم كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ (الأنهار) يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم. قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: أتلفناهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ والباء هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي. قوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، أي: خلقنا من جديد، من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصي، ومنهم من إطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ [المؤمنون: ٤٤]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تهديد المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل. الفائدة الثانية: الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء، فقد أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم فمن دونهم من باب أولى.

стр. 39

الفائدة الثالثة: بيان عظمة الله وغَيْرَتِه، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَعْمَةِ. الفائدة الرابعة: أن ما يحصل من النعم، واندفاع النقم، فإنه من الله لقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. الفائدة الخامسة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. الفائدة السادسة: أن الذنوب من أسباب الهلاك لكن هل المراد الهلاك الحسي بمعنى أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟ لظاهر أنه كلاهما، يعني: يشمل هذا وهذا؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] فجعل توليهم من أسباب الذنوب. الفائدة السابعة: تمام قدرة الله ﵎ وسلطانه، حيث يهلك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره ، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء. * * * * قال الله : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [الأنعام: ٧]. قال تعالى مبينًا عتو هؤلاء المكذبين لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - و (لو) هنا شرطية بدليل وجود فعل الشرط وجوابه، فعل الشرط ﴿نَزَّلْنَا﴾ وجواب الشرط ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

стр. 40

وقوله: ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾، يعني: كتابًا عاديًا يدركه الناس. قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، يعني: لم يتخيلوه من بُعْدٍ بل هو بين أيديهم يلمسونه نازلًا من السماء إلى الرسول ﷺ . فإذا قال قائل: وهل هناك لمس بغير اليد حتى يقول الله ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾؟ فالجواب إن شئت فقل: نعم؛ لأن الإنسان يمس بقدمه، ويمس بلسانه، ويمس بكل أجزاء جلده؛ وإن شئت فقل إن اللمس يكون باليد لكن ذكرت اليدُ هنا من باب التوكيد؛ كقوله ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناح. قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هذا جواب الشرط، وفي قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إظهار في موضع الإضمار لم يقل لقالوا: إشارة إلى فائدتين فائدة متعدية وفائدة لازمة، الفائدة اللازمة هي الحكم عليهم بالكفر، والمتعدية هي أن من قال قولهم فهو كافر. وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ بدليل قوله: ﴿إلَّا﴾ فـ (إِنْ) إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي، وقد تكون للنفي وإن لم تَأتِ بعدها إلا. و (إنْ) تأتي نافية كما في هذه الآية، وتأتي شرطية مثل قوله تعالى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وتأتي مخففة من الثقيلة؛ كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] أصلها إنَّ هذين لساحران، وتأتي زائدة كما في قول الشاعر:

стр. 41

بني غُدَانَةَ ما إنْ أنتمُ ذَهبٌ ... لا صريفٌ، ولكن أنتم الخزفُ (١) والتقدير (ما أنتمُ ذهبٌ) لكنها جاءت زائدة، وهذا ليس بغريب، وهو مما يدل على أن اللغة العربية واسعة، خلافًا لمن قال: إنها ضيقة؛ لأن معانيها أكثر من ألفاظها، نقول كون الحرف الواحد أو الكلمة الواحدة تأتي بمعانٍ متعددة هذا يدل على مرونة اللغة العربية، لا على قلة مواردها، ولا شك أنه إذا كانت اللغة مرنة كان ذلك أوسع للمتخاطبين بها وأيسر عليهم. وقوله: ﴿إِنْ هَذَا﴾ المشار إليه الكتاب في القرطاس. وقوله: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (السحر): كل شيء خفيِّ يسمى سِحْرًا، مأخوذٌ من السَحَر الذي هو آخر الليل، والغالب أن آخر الليل يكون خفيًا، الناس لا يخرجون من بيوتهم، فيكون هناك خفاء في الأمور التي تحدث، لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن عُقد ورقي وأدوية تصدر من الساحر بواسطة الشياطين، كما قال الله ﵎ في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، يعني: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، هذان اسمان لملكين ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولذلك كثيرًا ما يكون السحر مرتبطًا بالجن، حتى إن الجني يتكلم ويقول: إني لا أستطيع أن أخرج لأني مسحور، لكن إذا أراد الله عُثِرَ على السحر وَأُتْلِفَ، ثم برئ المريض.

стр. 42

وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيّن ظاهر، وذلك؛ لأن (بان) و (أبان) يأتيان بمعنى واحد تقول: (بأن الصبحُ) و (أبان الصبح) أبان رباعي وبان ثلاثي، (بأن) يقال: بيِّن، و (أبان) يقال: مبين على أن أبان يأتي متعديًا لا بمعنى بأن مثل أن تقول: أبان الحقّ، وأبان الأمرَ لي، بمعنى أظهره. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان عناد المكذبين للرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وجه ذلك: أن الله ذكر أنه لو نُزِّل عليه كتاب في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا هذا سحر وليس بصحيح، وجه هذا الاستنتاج - مع أنه قد لا يكون من اللائق أن نقول استنتاج فنقول وجه ذكر الله ذلك عنهم -؛ أنه أتاهم من الآيات ما يؤمن على مثله البشر ومع ذلك ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢] فعلم الله من حالهم أنهم لو وصلت بهم الحال إلى هذا وأنزل إليهم كتابًا في قرطاس كما عهدوه ولمسوه بأيديهم قالوا: هذا سحر مبين. الفائدة الثانية: الإشارة إلى أن الكتاب إذا كان في قرطاس فهو أبين وأظهر، وإلا يمكن أن يكتب على غير القرطاس في لوح من خشب، أو في لوح من عظام، أو في لوح من أحجار، أو في لوح من جريد النخل، كما كان في أول الأمر، لكن القرطاس أثبت وألين وأسهل. الفائدة الثالثة: أن هؤلاء المكذبين لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية؛ لأن من أعظم الآيات أن ينزل الكتاب يشاهدونه بقرطاس ويلمسونه ثم ينكرونه، ويفسر هذا قول الله ﵎: ﴿إِنَّ

стр. 43

الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال : ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٤ - ٦]، وهنا تقف على قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٦] ولا تصل؛ لأنك لو وصلت فسد المعنى فصار ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، متى؟ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] هذه واحدة، وفي الآية التي بعدها ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] قف ولا تصل؛ لأنك لو وصلت ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] صار قوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ من قولهم، وليس كذلك لكن ﴿وَازْدُجِرَ﴾ معطوفة على قالوا، أي: قالوا مجنون وازدجروه. ومثل هذه الأشياء في الواقع يجب أن ينتبه لها الإنسان؛ لأن القرآن الكريم ليس كالكلام الذي نكتبه نحن أو نقوله، نحن نحاول أن يكون الكلام على نسق واحد، لكن في القرآن - سبحان الله وهو من إعجازه - أنك تري أحيانًا الكلمة ليس بينها وبين الأخرى صلة من أجل أن ينتبه المخاطب أو القارئ ويتأمل ويتفكر، وهذه نقطة لا يحس بها كثير من الناس، تجده يقرأ قراءة مرسلة ولا ينتبه للمواقف، ونحن تعلمنا هذا من شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ كان يقوم بنا في رمضان التراويح والقيام، ويقف المواقف اللائقة فتتعجب كيف هذا؟ وكنا قبل ذلك نقرأ القرآن مرسلًا ولا نلتفت للمعنى، حتى إن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] تقف على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾

стр. 44

لأن الله جعلها موقفًا فإذا قلت: سبحان الله، كيف نقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ قال الشاعر الملحد: ما قالَ رَبُّكَ ويلٌ للأُلى سَكِرُوا ... بَلْ قالَ رَبُّكَ: وَيْلٌ للمُصَلِّينا نقول قال ذلك لأنه ملحد لم يقرأ الآية الثانية، فالوقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] فيه فائدة، قد لا تظهر لبعض الناس؛ لأنه إذا سمع القارئ يقرأ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ووقف تجده يشوش كيف يكون الويل للمصلين؟ ثم تأتي الآية التي بعدها ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]، فتكون كأنها الغيث نزل على أرض يابسة، وهذا هو السر في أن الأَوْلَى إذا أمكن أن تقف على كل آية ولو تعلق ما بعدها بها. لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، هل نقف على قوله تعالى: ﴿وَأَطَعْنَا﴾؟ الجواب: نعم تقف على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ لأنك لو قلت: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ صرت سامعًا مطيعًا غفران الله، وليس كذلك. لو قال قائل: في أثناء قراءة القرآن أو قراءة الحزب بسرعة من غير تأمل وتدبر هل يراعي الإنسان هذه الوقوف؟ الجواب: نعم ينبغي أن يراعي هذا ويقف حتى وإن كان مُدْرجًا. الفائدتان الرابعة والخامسة: أنه ينبغي الإظهار في موضع الإضمار إذا دعت الحاجة، لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا يقع كثيرًا في القرآن في آيات متعددة، مثل قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ

стр. 45

لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، لم يقل (عدو له) مع أن الآية فيها مناسبة أخرى وهي مراعاة فواصل الآيات. ويتفرع على هذه الفائدة أن هؤلاء كفار؛ لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وكان مقتضى السياق أن يقول: (لقالوا) لكنه أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد منها: ١ - الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه الوصف الظاهر، والوصف الظاهر في هذه الآية ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومرجع الضمير لو كان ضميرًا أولئك المكذبون. ٢ - القياس، بمعنى أن كل من قال قولهم فهو كافر؛ لأنه لو قال: (لقالوا) لم نستفد أن من قال مثل قولهم يكون كافرًا بالنص، فإذا كان هذا الوصف ظاهرًا قسنا عليه كل ما ماثله، أو كل مَنْ اتصف بهذا الوصف. الفائدة السادسة: مكابرة أولئك المشركين الذين يكذبون النبي ﷺ بصرفهم الحق إلى باطل، الحق أنه قرآن من عند الله وهم يصرفونه إلى السحر، وهذا السحر هل هو في بلاغة القرآن، وفصاحة القرآن، وبيان القرآن، أو في كونه أتي بكتاب نزل من السماء فموّه على أبصارهم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين، يقولون هذا ليس بحقيقة، أي: سحرتنا يا محمد، أو يقولون إنه لِبيانه وفصاحته سَحرهم، وأيًا كان فالجاحد - والعياذ بالله - يتشبث بكل شيء. الفائدة السابعة: علم الله ﵎ بما سيكون لو كان؛ لأنه عَلِمَ ماذا سيكون قول هؤلاء لو نُزِّل عليهم الكتاب في قرطاس.

стр. 46

الفائدة الثامنة: تأكيد المعلوم بالمحسوس، وإن شئت فقل: تأكيد المعقول بالمحسوس ، لقوله: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾؛ لأن هذا تأكيد بشيء محسوس ينظر إليه أنه في قرطاس ويُلْمَسُ باليد. الفائدة التاسعة: أن للسحر تأثيرًا، وهل التأثير يكون بقلب الحقائق أو بالتخييل على الحواس؟ الجواب: الثاني، وإلا فإنه لا يقلب الحقائق، فالعصي والحبال التي ألقاها سحرة فرعون لم تنقلب حيات، ولكن خيل للرائين أنها حيات، وإلا فهي على حقيقتها عصي وحبال. وبهذا نجمع بين قول من قال: إنه لا يؤثر، وقول من قال: إنه يؤثر، فيقال: أما تأثيره بقلب الحقائق فهذا لا يمكن؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله ، وأما تأثيره بالتخييل فإنه يمكن؛ لأن التخييل في الواقع مرض في الإدراك، والمرض قد ينتج من السحر؛ لأن السحرة أحيانًا يسحرون الإنسان حتى يكون مريضًا، أو يختل ذهنه، أو ما أشبه ذلك. لو قال قائل: ما حكم مَنْ يدعي أنه يستطيع أن يخبر بمكان السحر ؟ قلنا: هذا يسمى نقض السحر بالسحر، وقد نقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب "التوحيد" عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه قال: "لا بأس به، وقال: إنما يريدون به الإصلاح، وأما ما ينفع فلم ينهَ عنه"، ولعله أخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ومن قوله ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 47

ونحن لا نفتي به؛ لأنه يخشى أولًا من دجل السحرة، وثانيًا من تكاثرهم وخيانتهم وخداعهم، فيقول أحدهم للآخر: اسحر فلانًا وأنا أنقضه، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ثالثًا: لا ينقض الساحر السحر إلا بتعلم السحر، ولذلك لا ينبغي فتح الباب للناس في هذه المسألة العظيمة (١). * * * * قال الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٨، ٩]. قوله: ﴿قَالُوا﴾، أي: المكذبون للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. وقوله: ﴿لَوْلَا﴾، أي: هلَّا. وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة. وإنما طلبوا ذلك ليكون ذلك مصدقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنت، وإلا فقد جاء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، حيث انشق القمر نصفين وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز. قوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾، أي: لقضي شأن هؤلاء وذلك بإهلاكهم. وقوله: ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾، أي: ثم لا يمهلون، بل يعاجلون بالعقوبة - والعياذ بالله -.

стр. 48

يعني: لو أنزلنا ملكاً لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة، ثم أعطوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا أخذوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد أرنا آية فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذبون للرسل آية معينة، ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب. قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾، يعني: لو جعلنا الرسول ملكاً ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ حتى لو فرض أننا جعلناه ملكاً فلا بد أن نجعله بشراً؛ لأنه لا يتلاءم المَلَكُ مع البشر، ولهذا قال الله ﵎ في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥] لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن يرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب. وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذٍ يبقى الإشكال ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر، كما خلطوه على أنفسهم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تعنت المكذبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنتون. الفائدة الثانية: أن المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يؤمنون بالملائكة لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.

стр. 49

الفائدة الثالثة: أن المكذبين للنبي ﷺ يعلمون أن الملائكة فى السماء، وأنها مقرهم ومسكنهم، والدليل ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. الفائدة الرابعة: أن المَلَك آية من آيات الله إذا نزل مساعداً للبشر؛ لأنهم أقروا بأنه آية تدل على صدق النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. الفائدة الخامسة: أن الله يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. الفائدة السادسة: أن المكذبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عجلت لهم العقوبة. الفائدة السابعة: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكاً لم ينزل ملكاً بصورته الملكية، بل يجعله رجلاً من أجل تناسب الرسل والمرسل إليهم. الفائدة الثامنة: حكمة الله ﵎ في إرسال الرسل من البشر، من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله ﵎ يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، ولا يضر أن يجعل الله ﵎ للرسل من يحميهم من أقوامهم ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، يعني: إلى قوم يكونون عماداً لي.

стр. 50

الفائدة التاسعة: حسن المحاجة في القرآن الكريم وهو أنه لو جاء الأمر على اقتراح هؤلاء لم يكن على ما اقترحوه، أي: لم يكن ملكاً لعدم المناسبة بين الرسول والمرسل إليهم، فإذا كان رجلاً عاد اللبس والاقتراح الذي اقترحوه، لقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. * * * * قال الله : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]. قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (اللام) هنا موطئة للقسم ومؤكدة له، و (قد) للتحقيق وهذا يرد في القرآن كثيراً، وعلى هذا فالجملة تكون مؤكدة بثلاثة مؤكدات: قسم مقدر، والثاني (اللام)، والثالث (قد). وقوله: ﴿اسْتُهْزِئَ﴾، أي: سُخِر، بدليل قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، أي: سخروا به، وقالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وقال تعالى أيضاً ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ [هود: ٣٨]. وقوله: ﴿بِرُسُلٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، أي: لا تدل على أن جميع الرسل سُخِر بهم، واعلم أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على هذا العموم، مثل قول الله ﵎: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ٥] وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير: ١٤] فهنا (نفس) نكرة في سياق الإثبات، لكنها للعموم إذ معنى الآية: (علمت كل نفس).

стр. 51

وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: في الزمن. قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، أي: نزل بهم عقوبة ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أو جزاء ما كانوا به يستهزئون، وإنما عبر الله تعالى عن الجزاء بالفعل للإشارة إلى سببه من وجه، وليعلم أن الجزاء بقدر العمل من وجه آخر، فالعقوبة سببها العمل الذي استحق به العامل أن يعاقب، فأطلق العقوبة على نفس العمل الذي هو السبب، ثانياً: إذا كان الإنسان يجازى بنفس العمل فهذا يعني أن الجزاء والعقوبة بقدر عمله. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: توكيد الجملة بأنواع المؤكدات. فإذا قال قائل: أليس خبر الله تعالى صدقاً سواء اقترن بالقسم وأدوات التوكيد أو لا؟ فالجواب: بلى، لكن يذكر التأكيد لأسباب، منها: أولاً: أن القرآن الكريم جاء باللسان العربي، واللسان العربي، يحسن فيه التأكيد إذا اقتضت الحال ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الله إذا أخبر بخبر - وإن لم يؤكد - فهو حق وصدق، كما نشاهد الشمسَ، لكن القرآن بلسان عربي مبين. ثانياً: تأكيد الله له بالقسم يدل على أهميته، وأنه من الأمور التي لا بد أن يقبلها الإنسان ويصدق بها. ثالثاً: أنه قد يراد به دفع إنكار من أنكر مدلول الخبر، ككون الله يؤكد قيام الساعة بالمؤكدات الكثيرة لرد إنكار المكذبين. الفائدة الثانية: أنه ليس بغريب أن يستهزئ المشركون

стр. 52

بالنبي ﷺ ؛ لأن هذا قد سبق من الأمم السابقة، واستهزاء المكذبين للرسول بأنواع متعددة منها قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١] كأنهم يقولون: محمد لا يستحق هذا، وكما في قولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] والاستفهام هنا للتحقير، يعني: مَنْ هذا الرجل الذي يذكر آلهتكم بالسوء؟ ليس بشيء وليس له قيمة، ومنها وصفهم إياه بأنه مجنون مخرف وما أشبه ذلك. الفائدة الثالثة: عناية الله ﵎ بنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث ينزل عليه من القرآن ما يسليه به، وجهه أن ذكر استهزاء الأمم السابقة برسلها تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن كونه يعلم بأن الأمم السابقة كَذّبت رسلها يهون عليه الأمر، فإن الإنسان يتسلى بالمصائب إذا أصابت غيره وتهون عليه مصيبته، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] مع أنه لو كان في الدنيا واشترك الناس في العذاب لهان عليهم ونفعهم وحملهم على الصبر، لكن في القيامة لا ينفع. الفائدة الرابعة: تهديد المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾، يعني: فاحذروا أيها المكذبون لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، المستهزؤون به. الفائدة الخامسة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد ﷺ ، ولكن قد لا تؤخذ هذه الفائدة من هذه الآية؛ لأن قوله تعالى:

стр. 53

﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هذا تسلية للرسول ﷺ بما مضى، ولا يمنع لو كان ممكناً أن يوجد رسل آخرون بعد الرسول ﷺ ، فليس فيها دليل على هذا. الفائدة السادسة: أن السخرية والاستهزاء بالرسل موجب للعقاب ، لقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فإن قيل: هل هذا العقابُ عقابٌ على كفر أو على فسوق؟ فالجواب: أنه عقاب على كفر، فكل من سخر بالرسل، أو استهزأ بهم فهو كافر، ولا إشكال في ذلك. ولكن هل تقبل توبته؟ الجواب: نعم، تقبل توبته؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وكذلك هناك دليل عقلي، وهو أن سب النبي ﷺ إنما كان كفراً لنبوته لا لشخصيته، والنبوة والعمل بالشريعة التي جاءت بها من حقوق الله في الواقع، وحقوق الله تقبل فيها التوبة بالاتفاق، فالصحيح أن من سخر بالنبي أو استهزأ به فإنه إذا تاب إلى الله توبة نصوحاً ارتفع عنه وصف الردة، وصار مسلماً، وارتفع عنه القتل. فإن قيل: إذا سب الرسولَ ثم تاب وقبلنا توبته، هل يرتفع عنه القتل أو لا؟ فالجواب: أن في هذا خلافاً، فمن العلماء من قال: إنها تقبل توبته؛ وذلك؛ لأن سب الرسول ﷺ ليس سبّاً شخصياً، وإنما السبُّ مُنْصَبٌّ على النبوة والرسالة، والنبوة والرسالة من حق الله فلا يقتل ما دام قبلنا توبته، واختار شيخ الإسلام ابن

стр. 54

تيمية ﵀ أنها تقبل توبته، ولكنه يُقتل حداً، وعلل ذلك بأن سب النبي ﵊ لا شك أنه عدوان على شخصه وعلى رسالته، فاعتبارها عدواناً على رسالته نقول: تقبل التوبة منه، وأما باعتبارها عدواناً على شخصه فلا بد أن نثأر لنبينا ﷺ ، ونأخذ بالثأر ونقتله، فيتحتم قتل سابّ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وإن قبلنا توبته. فإن قيل: ما الفائدة إذا قلنا (تقبل توبته) ويقتل؟ قلنا: الفائدة أنه يقتل مسلماً، يُغَسَّل ويكفن، ويصلى عليه، ويرثه أقاربه المسلمون، ويبقى على حكم الإسلام، بخلاف ما إذا قلنا إنه مرتد فلا يثبت له هذا الحكم. فإن قال قائل: أليس قد وجد من سب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في حياته، وتاب وقبل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - توبته؟ فالجواب: بلى. أولاً؛ لأن الحق له فإذا عفى عنه فله الحق. ثانياً: أن رفع القتل عنه ترغيباً له في التوبة. ثالثاً: أنه إذا تاب فسيكون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقد قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حين استأذن في قتل المنافقين: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (١). أما بعد موته ﵊ فكل هذه العلل

стр. 55

منتفية، فيجب على أمته أن يقتلوا من سبّه ﵊. الفائدتان السابعة والثامنة: أن المعاصي سببٌ للعقوبة لقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وأن العقوبة بقدر العمل ولذلك عُبِّر به عنها، وهذا من عدل الله ، أما المثوبة فالحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. * * * * قال الله : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١١]. قوله: ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (في) بمعنى (على)، وإنما أتت (في) بمعنى (على) لبيان أنه ينبغي أن يكون السير عميقاً، كأنما يسيرون في أجواف الأرض. وهل السير هنا بالقلوب، أو بالأقدام؟ الجواب: يحتمل هذا وهذا، فالسير بالقلوب بأن يتأمل الإنسان ما جرى للأمم السابقة بما صح من تاريخهم، وأصح تاريخ للأمم السابقة ما جاء في القرآن، أو صحت به السُّنَّة، أو يكون المعنى سيروا في الأرض بأقدامكم، بأن ينظروا آثار المكذبين المهْلَكين كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] فصار السيرُ هنا يشمل السيرَ بالقلب، والسيرَ بالقدم لأجل الاعتبار. فإن قال قائل: قولكم: (إن السير يشمل السير بالقدم لينظر

стр. 56

بالبصر) يشكل عليه أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن دخول ديار المكذبين أو المهلَكِين؟ فالجواب: أنه ﵊ لم ينه عنها مطلقاً، بل نهى أن ندخل فرحين بطرين معجبين بالآثار، وما أشبه ذلك، أما أن ندخل معتبرين باكين خائفين فلا، ولهذا قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين" (١)، فهناك فرق بين من يدخل هذه الديار ليعتبر ويخاف ويبكي، وآخر يدخلها للبطر والأشر والنزهة والإعجاب بالآثار، فالأول محمود، والثاني مذموم، وبذلك يزول الإشكال. قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿انْظُرُوا﴾ بأبصاركم أو ببصائركم؟ إذا قلنا السير بالقلب فالمراد انظروا بالبصائر، وإذا قلنا بالقدم فالمراد بالبصر وينبني على ما سبق. وقوله: ﴿كَيْفَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم، ويتعين أن يكون مقدماً؛ لأنه اسم استفهام، واسم الاستفهام له صدر الكلام؛ لأنه المقصودُ بالجملة، وإذا كان المقصودُ بالجملة كان حقه أن يقدم، ولهذا إذا قلت: أين زيد؟ تعين أن تكون (أين) خبراً مقدماً، ولا يجوز أن تقول: زيد أين، (فكيف) في محل نصب خبر (كان) مقدماً ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها مؤخر، باعتبار تقديم الخبر وإلا فهو في مكانه. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، فماذا كانت؟ كانت

стр. 57

أسوأ عاقبة - والعياذ بالله - دمرهم الله ، وجعلهم مثلاً للآخرين يعتبرون به. من فوائد الآية الكريمة: الفائدتان الأولى والثانية: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار، لقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، وأفضل نقرؤه منه هو القرآن وصحيح السُّنَّة؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله ، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة. الفائدة الثالثة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب لقوله: ﴿انْظُرُوا﴾ وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم أو بمن أثابهم، فإن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، هان كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية الاعتبار بمن انتقم الله منه. الفائدة الرابعة: أن الآثار تدل على المؤثر، وهذا أمر معلومٌ بالحس والواقع، وقد سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: "الأثر يدل على المسير"، يعني: على السير، "والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ " (١) الجواب: بلى والله تدل على الخلاق الخبير، السميع البصير.

стр. 58

الفائدة الخامسة: عقوبة المكذب، والتكذيب أحد شقّي ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين، إما التكذيب وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كذب إلا أنه يرى أنه فوق المرسل. * * * * قال الله : ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الأنعام: ١٢]. قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اسأل هؤلاء المكذبين المنكرين لتوحيد الألوهية: لمن ما في السماوات والأرض ألزيد أو لعمرو، أو لفلان أو لفلان؟ ثم أمر نبيه ﷺ أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، وهنا نقول هل الجواب من الله أو من الرسول؟ الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله ؛ لأن الله أمر رسوله أن يقول هذا. قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (كتب) بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] كُتِبَ بمعنى فُرض وأوجب وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: فريضة مؤقتة. وقوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾، أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته

стр. 59

وليست صفة بل هي الذات قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وليس المعنى يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى يحذركم الله إياه، أي: ذات الله، فمعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علماً مهماً فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨] فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب. الترهيب والتحذير في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، والترغيب في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأمرنا أن نعلم عن أفعاله وصفاته ترهيباً وترغيباً، وهنا قال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة ولأنه يخاطب المشركين المكذبين. وقوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾، يعني: أن يرحم عباده ، ففرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١)، وهذه الرحمة فرضها الله تعالى على نفسه، ولسنا نحن الذين فرضناها عليه. فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟ فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه رحمة؛ لأنه إذا صبر أثيب ثواب الصابرين، وإذا

стр. 60

احتسب أثيب ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رزقوا صحة ومالاً وأولاداً لبطروا، وأفسدهم الغنى وكم من أناس بالعكس، فكل شيء يصيب المؤمن - والحمد لله - فهو رحمة وكفارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كتب له بذلك أجر، فاللهم لك الحمد - حتى جاء في الحديث لو أن الإنسان فقد شيئاً في جيبه، ثم فزع وخاف أن يكون قد ضاع منه فله أجر (١)، انظر إلى هذا الحد من الرحمة ولله الحمد والشكر. وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها (٢)، والآلام والبؤس والتعب والهم والغم في الدنيا كلها تزول، إما أن تزول إلى ضدها، وإما أن تصل بصاحبها إلى الهلاك، لكن الأجر باقٍ. فإذا قال قائل: ماذا عن الكافر؟ فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسره له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وما أشبه ذلك. * * *

стр. 61

* قال الله : ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢]. صدق الله ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه أيضاً جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم المقدر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، أي: ليجمعنكم أيها الناس كلكم، كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] فَنُجمع مع آبائنا، وأجدادنا، وأجداد أجدادنا، إلى آدم ﵇ كلنا نجمع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، ولما أورد المكذبون بالبعث قولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] قيل لهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية: ٢٦]، فأنتم ما قيل لكم الآن تبعثون حتى تحتجوا وتقولوا (هاتوا آبائنا)، بل قيل لكم: إنكم مجموعون ليوم القيامة لا ريب فيه. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ هو اليوم الآخر وسمي بهذا لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه - والله أعلم - إذا كان وراء ذلك شيء. الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم، فكل العالم بصيحة واحدة يُحضَرون، لا يتخلف أحد فهو قيام عظيم جداً جداً، حتى الذي أكلته السباع وأحرقته النار، وأغرقه الماء لا بد أن يخرج. الثاني؛ لأنه يقام فيه العدل، فيقتص حتى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

стр. 62

الثالث: أنه تقام فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يكون شهيداً على هذه الأمة. فلهذه الأمور الثلاثة سمي يوم القيامة، فإذا قيل ما هو الدليل؟ قلنا: أما الأول فدليله قول الله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]، وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: لليوم الذي يقام فيه العدل، وأما الثالث فقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، أي: جمعاً مؤكداً لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفياً محضًا، بل لبيان كمال إثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه، وقيل إن النفي بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فإذا ارتاب إنسان فلخلل في عقله؛ لأن ما نُفِي فيه الريب مطلقاً لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى. قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر قد يكون محذوفاً، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] فيكون المعنى الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقاً.

стр. 63

قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ توكيد، أو بيان للسبب الذي كان به الخسران، ويحتمل أن تكون جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، وقرنت بالفاء؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، وهو مفيد للعموم، والاسم الموصول يشبه الشرط في عمومه، فجاز اقتران الفاء بخبره. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن جميع مَن في السماوات والأرض لله ، والدليل: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾. فإن قال قائل: كيف أخذتم العموم مع أن (مَنْ) للعاقل، و (ما) لغير العاقل؟ فالجواب: أن هذين الاسمين يتناوبان، بمعنى أن أحدهما يقع مكان الآخر، والدليل قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة: ١]، وفي آية أخرى ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهذا يدل على أن (مَن) و (ما) يتناوبان، وإن كان الأكثر استعمالاً أن (ما) لغير العاقل، و (مَنْ) للعاقل؛ وعليه فنقول: (مَنْ) هنا تشمل العاقل وغير العاقل، أو نقول: (من) للعاقل لكن عبر بـ (ما)؛ لأنه إذا كان الله تعالى يملك العاقل وهو مختار مريد فغيره من باب أولى. الفائدة الثانية: إثبات السماوات والأرض، وهذا متكرر كثيراً، ومعلوم أن السماواتِ سبعٌ والأراضين سبع. الفائدة الثالثة: أننا متى آمنا بهذا وأن من في السماوات والأرض لله، فإننا لن نلجأ إلا إلى الله، ولن نخاف إلا من الله ؛ لأنه مالكُ مَنْ في السماوات والأرض،

стр. 64

وليتنا نتوكل على الله حق توكله، فلو توكلنا على الله حق توكله لكان الأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً" (١) (تغدوا خماصاً)، أي: تطير في أول النهار وهي جائعة، وترجع في آخر النهار وهي ممتلئة البطون - سبحان الله -، وهذا شيء مشاهد، تجد الطيور في أول الصباح تطير في الجو، وقد أعطاها الله تعالى قوة النظر من رحمة الله ، تنظر للحَبِّ وهي في جو السماء، فتنزل عليه، وتنظر للحبة الصغيرة التي لا يدركها الإنسان إلا بمشقة، تنظرها بسهولة، تجد أنها تأخذ الحبة الصغيرة جداً في وسط القطيفة المفروشة من بين الخمل الذي فيها، لكن الله أعطاها قوة بصر حتى تعيش، المهم أنك متى علمت أن من في السماوات والأرض لله فعلى من تتوكل؟ على الله : وممن تخاف؟ من الله . ومن ترجو؟ الله . الفائدة الرابعة: جواز إجابة السائل نفسه إذا كان الأمر واضحاً لقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ مع أن الله أمره أن يسأل ثم أمره أن يجيب، فإذا كان الأمر واضحاً لا نزاع فيه فأجب أنت؛ لأن المسؤول قد يمنعه من الإجابة استكباره وكبرياؤه. الفائدة الخامسة: أن لله تعالى أن يكتب على نفسه ما شاء لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فإذا قال قائل: كيف يكون الشيء لازماً على الله؟

стр. 65

فالجواب: أن الله ألزم نفسه به، وله أن يفعل ما شاء، نحن لا نلزم الله بشيء وليس لنا على الله حق إلا ما أوجبه على نفسه، لكن الله له أن يلزم نفسه بشيء، فكتابة الله على نفسه الرحمة لا تنافي كماله، بل هي من كماله . قال ابن القيم ﵀ في النونية: ما للعبادِ عليهِ حَقٌّ واجبُ ... هو أوجَبَ الأجرَ العظيمَ الشانِ إنْ عُذِّبوا فبعدلِه أو نُعْمِّوا ... فبفضلهِ والفَضْلُ للمَنَّانِ قوله: "هو أوجب": أي: هو سبحانه أوجب على نفسه، وليس نحن. قوله: "فبعدله"؛ لأن الذنب ذنبهم. الفائدة السادسة: أن الله يعبر عن نفسه بالنفس لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولها نظائر قال الله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال عيسى ﵊ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وليست نفس الله كنفس الإنسان؛ فالإنسان له نفس، قال الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهنا ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾، يعني: الروح التي في البدن وليست الجسم؛ لأنه عند موت الجسم لا يقبض الجسم في الأرض، بل يتولاه أهل الأرض، بل الذي يُقبض هو الروح، فالإنسان له نفس وهي الروح، ويعبر عن ذاته بالنفس فيقول: كلمتك بنفسي، وتقول: جاء الرجل نفسه، أما الله فليس له نفس مستقلة عن الذات بل نفسه هي ذاته .

стр. 66

الفائدة السابعة: إثبات البعث لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الفائدة الثامنة: تأكيد الشيء بالقسم وغيره من المؤكدات إذا دعت الحاجة إليه، وذلك في مواطن، منها إذا كان المخاطب منكراً، فهنا يجب أن يؤكد الكلام حسب البلاغة، ومنها إذا كان الأمر بعيداً يستغرب فإنه يؤكد - لكن ليس كالأول، فالأول يؤكد وجوباً - بل توكيده أحسن من عدمه، ونقول استحساناً كلما دعت الحاجة إلى توكيد الكلام أكد، ولا يعد هذا تطويلاً ولا إخلالاً بالبلاغة. الفائدة التاسعة: حكمة الله في جمع الأولين والآخرين، حتى يكون هذا اليوم يوماً مشهوداً كما قال : ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] يشهده الأولون والآخرون، نحن نشهد هابيل وقابيل، ونشهد آخر واحد من هذه الأمة، كل العالم مشهود بل كل شيء مشهود، الجن والبهائم والوحوش، قال الله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ في الأرض ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فوق الأرض ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] كل شيء، لو تصور الإنسان هذا اليوم لرأى مشهداً عظيماً عظيماً، لا يستطيع أن يدركه الآن، لكننا نفهم معناه ولا ندرك حقيقته؛ لأن حقيقته أبلغ مما نتصوره، اللهم اجعله علينا يسيراً. الفائدة العاشرة: تسمية يوم البعث بيوم القيامة، للوجوه التي تقدمت في التفسير. الفائدة الحادية عشرة: أنه لا ريب في هذا اليوم، شرعاً

стр. 67

وعقلاً، شرعاً؛ لأن الله أخبر به وأكده وضرب له الأمثال، وعقلاً؛ لأنه ليس من المعقول أن الله تعالى يوجد هذه الخليقة، ويأمرها وينهاها، ويرسل إليها الرسل، وتستباح الأنفس والأموال والذرية في القتال في سبيل الله، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبلعهم فقط، هذا ينافي الحكمة، فالعقل يوجب أن يكون هناك بعث، حتى وإن لم يكن نص، فكيف والنصوص كثيرة، ومن رحمة الله وله الحمد والفضل والمنة - أنه يكثر من إثبات يوم القيامة ويضرب له الأمثال؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان حقيقة على الإيمان؛ إذ لولا اعتقاد المؤمن أنه سيبعث ويجازى (إن خيراً فخير وإن شراً فشر) ما عمل أبداً، ولصارت الأمة موطناً للسلب والنهب والأخذ والعدوان. لو قال قائل: عبارة: (لولا البعث لبطلت الحياة) هل هي صحيحة أم لا؟ فالجواب: العبارة صحيحة، فلولا البعث لبطلت أهمية الحياة؛ لأن الحياة في الواقع ليست حياة كاملة، فليس من الأهمية في شيء أن الإنسان يُعمَّر ما يُعمَّر ثم يفنى إلى غير شيء، والذي ينكر البعث فإنه ينكر أن يكون للدنيا فائدة، لنفرض أن الإنسان فعل كل شيء وصار عنده إنتاجات واختراعات ماذا ينتفع إذا لم يكن له آخرة يجازى عليها؟ لو قيل: ستدر عليه الأموال، نقول: والأموال ما مآلها؟ مآلها بيت الخلاء، الآن أشد عموم الانتفاع هو الأكل والشرب، أين يذهب؟ إلى الأماكن القذرة هذه نهاية المال، ولهذا فإن إنكار البعث بقطع النظر عن كونه كفراً وضلالاً يعتبر سفهاً.

стр. 68

الفائدة الثانية عشرة: أن هؤلاء المكذبين خسروا أنفسهم، يعني: كأن لم يوجدوا على الأرض؛ لأنهم لم يستفيدوا من حياتهم، ولذلك لمّا لم يستفيدوا من حياة الدنيا لم يستفيدوا من حياة الآخرة، فكانوا مخلدين في نار جهنم والعياذ بالله. الفائدة الثالثة عشرة: أنه من الفصاحة أن يذكر السبب بعد المسبَّب ، هذا إذا جعلنا جملة: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبراً، لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وجه ذلك: أن سبب خسرانهم هو عدم الإيمان، فأُخر السبب وقدم المسبّب، أما إذا جعلناها جملة مستقلة فلا تتأتى هذه الفائدة؛ لأنها على الترتيب. * * * * قال الله : ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾ [الأنعام: ١٣]. قوله: ﴿وَلَهُ﴾ الضمير يعود على الله . قوله: ﴿سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يصح أن تكون من السكنى، ويصح أن تكون من السكون الذي هو ضد الحركة، فإن كانت من السكون، بقي أن يقال: وأين المتحرك؟؛ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر ، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يلبس عند حرارة الجو، والثاني يلبس عند حرارة القتال، فاستغنى بذكر الحر عن ذكر البرد.

стр. 69

أما إذا جعلناها من السكنى فالمعنى أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارّها. فإن قيل: وإذا كان اللفظ صالحاً لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟ فالجواب: نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أخذ بما يرجحه الدليل، تأمل قوله: ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تجد أنه عام في الزمان، وقوله: في الآية التي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عام في المكان، فذكر الله ﵎ عموم المكان وعموم الزمن. قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ذكر السميع لكل صوت، والعليم بكل حال، و أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه قسمان: سمع إجابة وسمع صوت: سَمْعِ الإجابة: في مثل قول الله ﵎: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وهذا يشمل سمع الإجابة وسمع الصوت، ومنه قول المصلي: "سمع الله لمن حمده". وسمع الصوت: أقسام، وإن شئت قل "أنواع"؛ لأننا ذكرنا أنَّ الأول أقساماً: النوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني المراد به التهديد، والثالث المراد به الإحاطة. مثال الذي يقصد له التأييد: قول الله ﵎ لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. ومثال الذي يقصد به التهديد: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠].

стр. 70

ومثال الذي يراد به الإحاطة: قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]. فقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ المراد بالسمع هنا سمع الإجابة وسمع الصوت، إذاً يراد بها المعنيان، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] يشمل سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعه ثم يجيبه، وأيضاً قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١] هذا نص صريح؛ لأن قوله: ﴿سَمِعْنَا﴾، يعني: إدراك الصوت وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، أي: لا يستجيبون، وإلا فهم يسمعون بآذانهم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: اختصاص الله ﵎ بملك كل شيء، وجه الاختصاص تقديم الخبر ﴿وَلَهُ﴾؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ، ولهذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] توحيد خالص بمعنى: لا نعبد إلا إياك، وكذلك نقول: في إياك نستعين. الفائدة الثانية: أن السكون والحركة بيد الله ؛ لأن مالك مَنْ يسكن ويتحرك مالك للحركة والسكون، فيكون في هذا دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف وأهل السُّنَّة، وهو وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية. الفائدة الثالثة: إثبات هذين الاسمين (السميع والعليم)، وإثبات ما تضمناه من صفة، صفة السمع في السميع، والعلم في العليم. * * *

стр. 71

* قال الله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤]. أمر الله نبيه ﷺ أن يقول معلناً: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به، ويتولى أمري، وأتولى شرعه، والاستفهام هنا للنفي. قوله: ﴿أَتَّخِذُ﴾ فعل ينصب مفعولين، المفعول الأول ﴿أَغَيْرَ﴾ مقدّماً، والثاني: ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية (قل أتخذُ غيرَ الله ولياً). وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقهما على غير مثال سبق، والسماوات والأرض تقدم الكلام عليهما مراراً. قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، فالله هو الذي يُطعِم، ما من طاعم يُطْعَمُ إلا والله الذي أطعمه، بأن يسر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعامُ قال الله مبيناً هذا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. الجواب: بل أنت يا ربنا. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطاماً ما طعمناه، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] والجواب: بل أنت يا ربنا هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع وهو طعام، والماء وهو الشراب، ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي

стр. 72

الذي يكون بالنار ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة: ٧١، ٧٢]، إذاً الذي يطعم هو الله ، ثم لو شاء الله تعالى ما طعمنا، حتى مع وجود الطعام لو أراد الله لم يخلق لنا أفواهاً ولا أمعاء ولا معدات، فلا نطعم إذاً. قوله: ﴿يُطْعِمُ﴾، أي: يُوجِد الطعامَ من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يُوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به، ذكر بعض أهل العلم ﵏: أنه لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاثمائة شخص؛ لأنك تبدأ من الحرث والسقي، وتصريف الماء والشراء والطحن والعجن وغير ذلك، تجد مراحل كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه المراحل. وقوله: ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ إذاً غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو لا يُطعم لغناه عن كل أحد، ثم هو - جل وعلا - لا يَطْعم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجاً لطعام، وهذا مستحيل على الله . * * * * قال الله : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. قوله: ﴿قُلْ﴾ إعلان آخر. وقوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة

стр. 73

﴿قُلْ﴾، أي: للناس معلناً ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله ظاهراً وباطناً؛ لأن الإسلام يطلق على هذا، وإذا كان الإسلام بهذا المعنى دخل فيه الإيمان. قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أخلص العبادة والإسلام لله . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أمر النبي ﷺ أن يعلن أنه لن يتخذ ولياً من دون الله ، وهذا واجب عليه؛ لأنه رسول وإمام مقتدىً به، فلا بد أن يعلن تحقيق الربوبية. الفائدة الثانية: أن لا يلجأ العبد إلَّا إلى الله ؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. الفائدة الثالثة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال، يعني: أنه لم يخلق سماوات وأراضين قبلُ ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه. الفائدة الرابعة: تمام قدرة الله ﵎ حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله ﵎. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ... ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٨، ٣٩] لم تختلف. الفائدتان الخامسة والسادسة: أن الله ﵎ هو

стр. 74

المُطعِم لا مطعم سواه، وينبني على هذه الفائدة ألا نسأل الإطعام إلا من الله ﵎، ولو أننا - ونستغفر الله ونتوب إليه - تمسكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضموناً، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان - مع الأسف - يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً"، أي: تذهب في أول النهار جائعة "وتروح بطاناً ترجع في آخر النهار" (١). الفائدة السابعة: أن الله لا يطعمه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره؛ لأنه لا يحتاج للطعام، وأيضاً لأنه لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه وكل من سواه مفتقر إليه. الفائدة الثامنة: وجوب إعلان النبي ﷺ عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، يعني: من هذه الأمة وهذا الذي وقع. الفائدة التاسعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك ﵊ حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم، يا فلان بن فلان إلى أن وصل إلى بنته فقال: "يا فاطمة

стр. 75

بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" (١). الفائدة العاشرة: صحة النهي عما لا يمكن أن يقع لقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فشرك النبي ﷺ لا يمكن أن يقع شرعاً، ومع ذلك نُهي عنه. إذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟ قلنا: الحكمة فيما نعلم من وجهين: الوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص، وإن كان الشرك لا يقع منه، حتى لا يشرك في المستقبل. والثاني: طمأنة أمته إذا نهوا عن الشرك، بأن ذلك ليس بمستنكر، وليس فيه بأس؛ لأن الله أمر إمامهم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ألا يكون من المشركين. وهل يؤخذ من هذا أنه يجوز أن نقول للشخص: (أنت مشرك) إذا فعل ما يكون شركاً؟ قلنا: يمكن أن نقول هذا، وذلك على حسب ما تقتضيه الحال، إن كنا نظن أننا إذا قلنا: (أنت مشرك) أخذته الحمية الجاهلية فاستكبر واستنكف؛ فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كنا نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: (هذا شرك فإن فعلت فأنت مشرك، وإن قلت فأنت مشرك) أخذه خوفُ الله فأبعد عن ذلك إبعاداً كاملاً، فإننا لا بأس أن نقول له ذلك. * * *
следующие страницы →