← Тафсир

Тафсир · id 549

تفسير العثيمين: الأنعام

ابن عثيمين

Полный текст (269 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* قال الله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤]. أمر الله نبيه ﷺ أن يقول معلناً: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به، ويتولى أمري، وأتولى شرعه، والاستفهام هنا للنفي. قوله: ﴿أَتَّخِذُ﴾ فعل ينصب مفعولين، المفعول الأول ﴿أَغَيْرَ﴾ مقدّماً، والثاني: ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية (قل أتخذُ غيرَ الله ولياً). وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقهما على غير مثال سبق، والسماوات والأرض تقدم الكلام عليهما مراراً. قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، فالله هو الذي يُطعِم، ما من طاعم يُطْعَمُ إلا والله الذي أطعمه، بأن يسر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعامُ قال الله مبيناً هذا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. الجواب: بل أنت يا ربنا. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطاماً ما طعمناه، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] والجواب: بل أنت يا ربنا هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع وهو طعام، والماء وهو الشراب، ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي

стр. 72

الذي يكون بالنار ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة: ٧١، ٧٢]، إذاً الذي يطعم هو الله ، ثم لو شاء الله تعالى ما طعمنا، حتى مع وجود الطعام لو أراد الله لم يخلق لنا أفواهاً ولا أمعاء ولا معدات، فلا نطعم إذاً. قوله: ﴿يُطْعِمُ﴾، أي: يُوجِد الطعامَ من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يُوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به، ذكر بعض أهل العلم ﵏: أنه لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاثمائة شخص؛ لأنك تبدأ من الحرث والسقي، وتصريف الماء والشراء والطحن والعجن وغير ذلك، تجد مراحل كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه المراحل. وقوله: ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ إذاً غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو لا يُطعم لغناه عن كل أحد، ثم هو - جل وعلا - لا يَطْعم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجاً لطعام، وهذا مستحيل على الله . * * * * قال الله : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. قوله: ﴿قُلْ﴾ إعلان آخر. وقوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة

стр. 73

﴿قُلْ﴾، أي: للناس معلناً ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله ظاهراً وباطناً؛ لأن الإسلام يطلق على هذا، وإذا كان الإسلام بهذا المعنى دخل فيه الإيمان. قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أخلص العبادة والإسلام لله . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أمر النبي ﷺ أن يعلن أنه لن يتخذ ولياً من دون الله ، وهذا واجب عليه؛ لأنه رسول وإمام مقتدىً به، فلا بد أن يعلن تحقيق الربوبية. الفائدة الثانية: أن لا يلجأ العبد إلَّا إلى الله ؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. الفائدة الثالثة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال، يعني: أنه لم يخلق سماوات وأراضين قبلُ ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه. الفائدة الرابعة: تمام قدرة الله ﵎ حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله ﵎. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ... ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٨، ٣٩] لم تختلف. الفائدتان الخامسة والسادسة: أن الله ﵎ هو

стр. 74

المُطعِم لا مطعم سواه، وينبني على هذه الفائدة ألا نسأل الإطعام إلا من الله ﵎، ولو أننا - ونستغفر الله ونتوب إليه - تمسكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضموناً، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان - مع الأسف - يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً"، أي: تذهب في أول النهار جائعة "وتروح بطاناً ترجع في آخر النهار" (١). الفائدة السابعة: أن الله لا يطعمه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره؛ لأنه لا يحتاج للطعام، وأيضاً لأنه لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه وكل من سواه مفتقر إليه. الفائدة الثامنة: وجوب إعلان النبي ﷺ عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، يعني: من هذه الأمة وهذا الذي وقع. الفائدة التاسعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك ﵊ حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم، يا فلان بن فلان إلى أن وصل إلى بنته فقال: "يا فاطمة

стр. 75

بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" (١). الفائدة العاشرة: صحة النهي عما لا يمكن أن يقع لقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فشرك النبي ﷺ لا يمكن أن يقع شرعاً، ومع ذلك نُهي عنه. إذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟ قلنا: الحكمة فيما نعلم من وجهين: الوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص، وإن كان الشرك لا يقع منه، حتى لا يشرك في المستقبل. والثاني: طمأنة أمته إذا نهوا عن الشرك، بأن ذلك ليس بمستنكر، وليس فيه بأس؛ لأن الله أمر إمامهم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ألا يكون من المشركين. وهل يؤخذ من هذا أنه يجوز أن نقول للشخص: (أنت مشرك) إذا فعل ما يكون شركاً؟ قلنا: يمكن أن نقول هذا، وذلك على حسب ما تقتضيه الحال، إن كنا نظن أننا إذا قلنا: (أنت مشرك) أخذته الحمية الجاهلية فاستكبر واستنكف؛ فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كنا نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: (هذا شرك فإن فعلت فأنت مشرك، وإن قلت فأنت مشرك) أخذه خوفُ الله فأبعد عن ذلك إبعاداً كاملاً، فإننا لا بأس أن نقول له ذلك. * * *

стр. 76

* قال الله : ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [الأنعام: ١٥، ١٦]. قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: لهؤلاء وغيرهم معلناً هذا الإعلان المهم (إنك إن عصيت الله فإنك ستعذب). وفي قوله: ﴿إِنِّي﴾ قراءتان (إنِّي) و (إنْ) وهما سبعيتان. ﴿عَذَابَ﴾ مفعول. قوله: ﴿أَخَافُ﴾، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، واليوم العظيم هو يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: أنه يجب على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يعلن الجزاء يوم القيامة وأنه يخافه إن عصى ربه. الفائدة الثانية: أن المعصية سبب للعذاب، والمعاصى على نوعين معاصٍ لا يغفرها الله وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تكفرها الأعمال الصالحة وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله ، أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصال احقهم إليهم، إما باستحلال منهم في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخذ من أعمال هذا الظالم. فإن قيل: إذا تاب الإنسان من ذنب فيه جناية على غيره فهل يسقط حق الغير أم لا؟ فالجواب: ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مال،

стр. 77

كالذي يزني بامرأة كرهاً ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه ويُرْضِي التي أكرهت على الزنا. * * * * قال الله : ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [الأنعام: ١٦]. قوله: ﴿يُصْرَفْ﴾ فيها قراءتان (من يَصْرِفُ)، و ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ ﴿عَنْهُ﴾ يعني: العذاب. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: ﵀ والضمير في قوله: ﴿رَحِمَهُ﴾ يعود على الله . وقد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله ؟ فيقال؛ لأنه تقدم ذكره في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ هذا العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: ربي. قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ المشار إليه الصرف المفهوم من قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾، واسم الإشارة في محل رفع مبتدأ وقوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ، و ﴿الْمُبِينُ﴾ صفة للفوز. في هذه الآية دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرفِ اللهِ العذابَ عن الإنسان يوم القيامة؛ لأن (أل) في قوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ لبيان الحقيقة الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى من وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سبباً للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة.

стр. 78

﴿الْمُبِينُ﴾، أي: البين وهو اسم فاعل من (أبان)، وأبان يصح أن تكون لازمة ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلمُ للطالب معنى الكتاب فهذه متعدية، وإذا قلت: أبان الصبحُ، بمعنى انجلى فهذه لازمة، فالمبين هنا بمعنى بيِّن. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: فوز من يصرف عنه العذاب يوم القيامة. الفائدة الثانية: إثبات الرحمة لله بلفظ الفعل لقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ورحمة الله ﵎ من الصفات الذاتية الفعلية، فباعتبار المرحوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفاً ثابتاً لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب والنجاة من المرهوب. فإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أم أنها عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟ فالجواب: هي حقيقية، ولكنها ليست كرحمة المخلوق التي يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده . وقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يوصف برحمة حيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله ، فإذا قلنا لهم: فسروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة وإما الثواب، والفضل الذي حصل برحمة الله، فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا؛ لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم.

стр. 79

فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جداً، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه ، ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدلان على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيماً لمن يستحق الرحمة، فنمنع أولاً الدعوى، ثم لو سلمنا جدلاً بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق. الفائدة الثالثة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز بالنجاة من العذاب يوم القيامة - نسأل الله أن يرزقنا ذلكْ -. * * * * قال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. قال الله مسلياً رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومثبتاً له ومقوياً عزيمته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾، والضر هنا يشمل الضر في البدن والعقل والمال وكل ما يكون به الضرر على الإنسان، وكلمة ﴿بِضُرٍّ﴾ نكرة في سياق الشرط، و النكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فأيُّ ضرٍّ يمسسك الله به يعني يصيبك ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾، أي: لا مزيل له إلا الله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ الخير هنا المراد به ضد الضرر، من الصحة والعقل والمال والأهل والأمن وشرح الصدر وغير ذلك، ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادر على أن يزيل الضرر

стр. 80

الذي أصابك إلى خير، وفي الآية الأخرى ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنه ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه بالله ؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله . الفائدة الثانية: تقوية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوه بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراده. الفائدة الثالثة: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضر هو الله فلا بد أن تصبر؛ لأنك عبده، يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضرر. الفائدة الرابعة: قوة رجاء العبد بالله إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر، وجه ذلك قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلت إلى اليأس والقنوط فكشفها الله ، وكم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله ، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى أن لا يجد قوت يومه فأغناه الله ، وكم من إنسان كان وحيداً فرزقه الله، وهلم جرَّا؛ لأن الله على كل شيء قدير. الفائدة الخامسة: تمام سلطان الله ، وأنه هو المتصرف كما يشاء بعباده لقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾.

стр. 81

الفائدة السادسة: عموم قدرة الله تعالى لقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ويقابل القدرةَ العجزُ، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان، القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، فالقدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف، والدليل قول الله ﵎ في القدرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، والدليل في القوة قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]. لكن أيهما أعم؟ نقول: أما القوة فهي أعم؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره، يعني في ذي الإرادة وغيره، فتقول: فلان قوي وتقول: الحديد قوي، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة، إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة. وأيهما أكمل؟ القوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلاً لهذا برجل قيل له: (احمل هذا الحجر) فحمله لكن بمشقة، فبماذا نصف هذا الرجل؟ نصفه بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: (احمل هذا الحجر) فأقبل ليحمله فعجز فنقول: هذا عاجز غير قادر، ورجل ثالث قلنا له: احمل هذا الحجر فأخذه وكأنه ريشة، فهذا قوي، وهو قادر من باب أولى. فكل شيء حتى وإن بعد في ذهنك فالله قادر عليه، لقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ولهذا نبه الله تعالى زكريا حين

стр. 82

قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨] قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، فالذي خلقك من قبل ولم تكن شيئاً قادر على أن يخلق لك ولداً، وهذا قياس أولوية واضح، أو على الأقل قياس مثلي واضح، فالقادر على العدم قادر على الإيجاد، والقادر على الإيجاد قادر على العدم. إذاً يا أخي لا تستكثر أن تسأل الله ﵎ شيئاً لا تكون فيه معتدياً في الدعاء، ولو كان في نظرك بعيداً؛ لأن الله - تعالى - على كل شيء قدير. * * * * قال الله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨]. قوله: ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله ، ومرجعه ما سبق من الآيات. وقوله: ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القهر: هو الغلبة مع السلطان يعني السُّلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سلطة، لكن قهر الله غلبة مع سلطة تامة. وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هل المراد فوقية المكانة، أو فوقية المكان، أو هما جميعاً؟ المراد هما جميعاً، فوقية المكان، وفوقية المكانة، وعليه فيكون المعنى: هو القاهر فوق عباده من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قوة، ومن حيث المكان فالله - جل وعلا - فوق كل شيء.

стр. 83

وقوله: ﴿عِبَادِهِ﴾ جمع عبد، والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص. العبودية العامة: هي أن جميع المخلوقات لكونها ذليلة أمام الله ، فهي عابدة له، قال الله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]. والعبودية الخاصة: هي عبودية المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. والعبودية الأخص: هي عبودية الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، والمراد بها في قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ العبودية العامة، أي: عبودية القدر، فكلٌّ خاضع لله ، لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون عبدُ لله بالمعنى العام، وموسى عبدُ لله بالمعنى العام والخاص، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة، بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية، فالعبودية الشرعية خاصة، والعبودية الكونية عامة. قوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ تصح أن تكون بمعنى مُحكِم، والشاهد على مجيء (فعيل) بمعنى (مُفعِل) قول الشاعر (١): أمِنْ ريحانَة الداعي السميعُ ... يؤرقني وأصحابي هجوعُ

стр. 84

السميع، أي: المُسْمِع ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ والشواهد على ذلك كثيرة وحكيم أيضاً تكون بمعنى حاكم، إذاً هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على أنها من الحكم قول الله ﵎: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] وأما الدليل على أنها مشتقة من الحكمة فقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] والجواب بلى؛ إذاً الحكيم مشتقة من الإحكام والحكم، فإذا كانت مشتقة من الإحكام أو الحكمة فهي بمعنى محكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله ﵎ موصوف بهذا وهذا. ثم اعلم أن الحكم كوني وشرعي، فمن الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، أي: يقدر لي، هذا حكم قدري. وأما الشرعي فكما في قول الله ﵎ في سورة الممتحنة ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أي: شرعه. فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين: الأول: أنه إذا حكم الله تعالى بشيء حكماً قدرياً فلا بد أن يقع، فإذا حكم بالخوف فلا بد أن يقع الخوف، وإذا حكم بالجدب فلا بد أن يقع الجدب، وإذا حكم بالرخاء فلا بد أن يقع رخاء، وهلم جرَّا. أما الحكم الشرعي فإذا حكم بشيء فقد ينفذ وقد لا ينفذ،

стр. 85

فإذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فهل نقول: إن هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يأكل الميتة أحد؟ الجواب: لا، بل قد يأكل وقد لا يأكل. الفرق الثاني: أن الحكم الشرعي سواء كان إيجاباً أو تحريماً لا يكون إلا فيما يرضي الله ، إذ لا يمكن أن يأمر الله تعالى عباده بما يكره، ولا أن ينهاهم عما يحبه، أما الحكم الكوني فيكون فيما يحبه ويرضاه، وفيما يكرهه ويسخطه. والحكمة أيضاً نوعان: الأولى: حكمة صورية؛ وهي أن يكون الشيء على هذه الصورة المعينة. والثانية: حكمة غائية؛ وهي أن يكون هذا الشيء لغاية محمودة، فإذا تأملت المخلوقات كلها وجدت أنها في غاية الحكمة، شمس وقمر ونجوم ورياح وأمطار، كلها لحكمة، وإذا نظرت الغاية منها وجدتها غاية حميدة مطابقة للحكمة. كذلك أيضاً الشرع، فإذا تأملت الشرائع وجدت كون هذا الشيء على صورة معينة حكمة، وكونه لغاية حميدة حكمة، في الزكاة. مثلاً نجد الزروع ما سقي بمؤنة فيه نصف العشر، وما سقي بلا مؤنة فيه العشر، لماذا اختلف؟ لأن الواقع يقتضي ذلك، فما سقي بمؤنة فقد تعب عليه صاحبه وأنفق مالاً كثيراً في استخراج الماء، أما ما سُقي بلا مؤنة لم يكن على صاحبه مشقة ذلك.

стр. 86

كذلك إذا تأملت الحكمة في الزكاة أيضاً، وجدت أن المال القليل لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه لا يحتمل المواساة، بخلافِ الكثير، ووجدت ما يشق إخراج الزكاة عنه لا تجب فيه الزكاة؛ كالثياب والمراكب والبيوت وما أشبهها، الآن عرفنا أن الزكاة على الصورة المعينة حكمة. فإن قيل: ما الحكمة من الزكاة ؟ قلنا: اقرأ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَةِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] هذا أفضل شيء، تطهرهم من الذنوب؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، أي: تزكي أخلاقهم ودينهم؛ لأنه يبذل ما يحب فيما يحبه الله ، ولا يمكن أن يبذل الإنسانُ محبوباً له إلا لما هو أحب، كذلك تزكي أخلاقهم بالكرم والسخاء والرخاء. وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن من أسباب انشراح الصدر الصدقةَ والبذلَ، وهذا معنى خفي كلما كان الإنسان أشد بذلاً للمال كان أوسع صدراً، لا سيما إذا كان يؤمن بأنه يقربه إلى الله ، وأنه يكفر سيئاته، وما أشبه ذلك. فالخلاصة أن الحكم كوني وشرعي، والإحكام صوري وغائي، وأيضاً الحكمة تكون في المشروعات وفي المخلوقات. وقوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾، يعني: ذا الخبرة، قال أهل العلم: الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، مشتقة من خبير الزرع الذي يدفن في الأرض ويكون خفياً، ولهذا جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن المخابرة (١)، يعني:

стр. 87

المزارعة التي تشتمل على الغرر، حتى إن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] الذي يحدث به الإنسان نفسه يعلمه الله قبل أن يحدث به لسانه، وقبل أن يعلم به إخوانه. وهل نقول إذا كان خبيراً لزم أن يكون عليماً؟ نعم يلزم أن يكون عليماً، وقرن الله تعالى هنا بين الحكيم والخبير؛ ليعلم الناسُ أن حكمة الله عن خبرة وعلم ببواطن الأمور، وعلى هذا فقد تكون الحكمة خفيةً على كثير من الناس؛ لأنه لا يدرك الحكمة إلا من كان خبيراً، ففي قرن هذين الاسمين فائدةٌ وهي أن الخبرة قد تكون خفية لا يعلمها إلا الله . ومن ثَمَّ قلنا: إن جميع أوامر الشرع ونواهيه حكمة، ولا حاجة أن نعرف العلة؛ لأننا نعلم أن الله حكيم، وأنه ما شرعه إلا لحكمة، وما موقفنا من الأوامر والنواهي إلا أن نقول: (سمعنا وأطعنا)، فإن تيسر لنا معرفة الحكمة فهذا منّة من الله ، ومساعدة ومعونة من الله، حتى يطمئن القلب ويقوى الإيمان، وإن لم تتبين فالمؤمن يكفيه أن هذا حكم الله ، ولذلك ربما تكون العبادة التي تخفى حكمتها أبلغ في التعبد؛ لأن الشيء إذا علمت علته قد يكون عقلك يأمرك به، لكن إذا كنت لا تعرف العلة فإن تذلُّلَك لله به وعبادتك إياه أبلغ في التذلل. مثال ذلك: رمي الجمرات، وهي حصى تأخذها من

стр. 88

الأرض وترمي بها في مكان معين، الإنسان قد يعلم العلة وقد لا يعلم، أكبر علة فيها أنها ذِكر الله كما جاء في الحديث: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (١)، فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حجرات، حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع؛ لأن فيه كمالَ التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول: (سمعنا وأطعنا)، مع أن فيه ذكراً لله بالقلب، وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأنه يشرع مع كل حصاة ترميها أن تقول: (الله أكبر). من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات اسم (القاهر) لله ؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ وجاء بصيغة أخرى: ﴿الْقَهَّارِ﴾ كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فيستفاد من إثبات الاسم إثبات الصفة وهي القهر؛ لأن أسماء الله كلها دالة على معنى واحد أو أكثر؛ لأنها أسماء وأوصاف؛ فهي باعتبار تعيين الذات أسماء، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، ولهذا نقول: أسماء الله ليست كأسماء بني آدم، فإن بني آدم قد يُسمى الإنسان باسمٍ، وهو من أبعد الناس عن وصفه، بخلاف أسماء الله .

стр. 89

الفائدة الثانية: إثبات الفوقية لله لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وتقدم أنها فوقية مكان، وفوقية مكانة، أما فوقية المكانة فما أحدُ من المسلمين يتنازع فيها، وهي الفوقية المعنوية، أما فوقية المكان فقد تنازع المسلمون فيها على طرفين ووسط. الطرف الأول: يقول إنه في كل مكان في السماء وفي الأرض وفي الأسواق وفي المساجد وفي المدارس وفي كل مكان، ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من اللوازم الفاسدة، كمخالفة النصوص ومخالفة الفِطَر، ومخالفة العقول، ووصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وعظمته. ولو قال قائل: من يقول إن الله في كل مكان هل نعتبره مسلماً؟ فالجواب: هم ينتسبون للإسلام، ولذلك يعدون من الفرق الإسلامية، وبعض العلماء ﵏ أخرج الجهمية من الفرق الإسلامية. والطرف الثاني: على العكس مما قاله الطرف الأول، فقالوا: لا يجوز أبداً أن نثبت أن الله في مكان، لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ومعلوم أن هذا القول؛ يعني العدم. ولهذا قال محمود بن سُبَكْتَكِين ﵀، وهو من أقوى الأمراء والسلاطين في المشرق، لمحمد بن فورك لما سأله عن علو الله فقال: إننا لا نقول: فوق ولا تحت إلى آخره، قال: فرِّق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين العدم (١) وصدق ﵀.

стр. 90

والوسط هو الذي هدى الله إليه سلف الأمة وأئمة الأمة وأهل السُّنَّة، أن الله تعالى في مكان فوق كل شيء، وليس معنى ذلك أنه في مكان يحيط به، كما لو كنا في مسجد تحيط بنا جدران المسجد، بل هو فوق كل شيء؛ لأن ما فوق المخلوقات عدم، ليس فوقها شيء حتى نقول: (إن الله قد أحاط به شيء من مخلوقاته)، فهو فضاء عدمي، والله تعالى فوق كل شيء. وقد دل على فوقية المكان الكتابُ والسُّنَّة فقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦]، وقال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. ومن السُّنَّة أن النبي ﷺ لما سأل الجارية أين الله؟ قالت: في السماء، فأقرها، وقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (١). ومن السُّنَّة الفعلية أن النبي ﷺ في حجة الوداع كان يقول: "اللهم اشهد" ويرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكتها إلى الناس يردها إليهم (٢). وأما الدليل العقلي على علو الله : أن العلو صفة كمال، والله تعالى موصوف بصفات الكمال، فلزم أن يكون عالياً ولأن ضد العلو السفل؛ لأنهما متقابلان، فإذا انعدم علوه لزم ثبوت سفوله، وهذا مستحيل على الله . وأما من الفطرة: فإن الإنسان كلما دعا يجد من نفسه

стр. 91

ضرورة بطلب العلو، وما قال: (يا الله) إلا ويجد قلبه يرتفع إلى السماء بدون أي دراسة، وبدون أي تعليم، فهو دليل فطري حتى قيل: إن البهائم تقر بذلك، وفي الحديث الضعيف أن سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - خرج مرة يستسقي - أي: يطلب نزول المطر - فوجد نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك فلا تمنع عنا رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (١)، هذا الأثر ضعيف لكن لا نستبعد أن البهائم العجماء تعترف بعلو الله . وقد أخبرني أحد الطلاب أنه رأى ناقة من شدة الولادة ترفع رأسها إلى السماء، يقول كانت مضطجعة على جنبها وبين الحين والآخر ترفع رأسها إلى السماء، وهذا لا يُستبعد أنها رفعت رأسها إلى ربها ، وأخبرني طالب آخر أنه في سفر رأى حشرة كالجرادة تقف؛ كالإنسان على رجليها وتمد يدها وترفع رأسها إلى السماء، وكذلك من الحشرات نوع إذا آذاه أحد وقف على رجليه ورفع يديه، لكن بعض الطلاب يقول: إنه يرفع يديه ليبرز سلاحه؛ لأن يديه فيها شوك. فتبين أن الأدلة كلها من الكتاب والسُّنَّة والعقل والفطرة وكذلك هناك إجماع على هذا، وكل هذه الأدلة متفقة على علو الله ﵎ علوَّ مكانٍ ليس فيه أي نقصر، وأما تدجيل المنكرين على كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأنه يلزم من ذلك أن يكون جسماً، فنقول: إذا لزم هذا

стр. 92

من كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فليكن ولا يضرنا إذا لزم، ولا شك أن الله له ذاتٌ مُخالِفةٌ لذوات المخلوقات من كل وجه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، حتى في الوجود والحدوث مخالفة، فإن الله لم يزل ولا يزال موجوداً بخلاف غيره من المخلوقات، ولكن إياك أن تتصور هذه الذات العلية؛ لأنك لا تستطيع أن تتصورها بصورة مطابقة إطلاقاً، كما قال : ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] الفائدة الثالثة: إثبات العبودية لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وهذه هي العبودية الكونية، فكل الخلق عباد الله ، يفعل فيهم ما يشاء ولا يمكن لأي أحد براً أو فاجراً مؤمناً أو كافراً أن يستعصي على ربه من هذه الناحية. الفائدة الرابعة: إثبات اسمي الله (الحكيم والخبير) وما تضمناه من صفة، فالذي تضمنه الحكيم صفتان الإحكام والحكم، وإن شئت فقل: الحِكْمة والحُكْم، وقد سبق في التفسير أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وقال بعضهم: (إن الشرع ما أمر بأمر فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه)؛ لأن أوامر الشرع ونواهيه مطابقة تماماً للحكمة، كذلك الأمور الكونية كلها مطابقة للحكمة كما سبق في التفسير. وأيضاً بالنسبة للحُكْم فحكم الله نوعان: شرعي وقدري، وإن شئت قل كوني،، وهى أيضاً موافقة للحكمة، وتقدم أيضاً أن الحكمة

стр. 93

نوعان: حكمة غايةٍ وحكمةُ صورةٍ، فالغاية أن كل ما قضاه الله كوناً أو شرعه فإنه على وفق الحكمة، والغاية منه حكمة أيضاً. الفائدة الخامسة: إثبات وصف الخبرة لله ، وهي العلم ببواطن الأمور، ويترتب على إيماننا بهذا أن نستسلم لحكم الله الشرعي، كما أننا مستسلمون لحكمه القدري، وأن لا نكلف أنفسنا بالاطلاع على الحكمة فيما لا تدركه عقولنا، بل نؤمن ونسلم، وكذلك يقال في الأحكام القدرية: (نؤمن بالله ونسلم لقضائه) إذاً يستلزم من جهة المنهج والمسلك أن الإنسان يرضى بالحكم الشرعي، فلا يقول: (ليته لم يحرّم، أو ليته لم يوجب)، وكذلك يستسلم للقَدَر. ومن الفوائد المسلكية والمنهجية أنك تلتزم بأحكام الله الشرعية؛ لأن الحكم له، والحكمة فيما شرع، فلا مناص لك عن أحكام الله الشرعية. فإن قيل: وهل هذا يمنع من أن نسأل عن الحكمة؟ قلنا: لا يمنع، لكن بشرط أن نستسلم تماماً قبل معرفة الحكمة، أما ألا نستسلم إلا إذا عرفنا الحكمة فهذا غلط عظيم. وبالنسبة لقوله تعالى: ﴿الْخَبِيرُ﴾ متى علمت أن الله خبير بكل شيء يقع منك، فإنك سوف تخاف من مخالفة الله ، وسوف ترغب بالقيام بأمره لأنك تعلم أنك لم تعمل عملاً إلا علم الله بك، وهذه نتيجة مهمة جداً، من يترك الزنا مثلاً في مكان لا يطّلع عليه إلا الله وبدون معارضة من المرأة والنفس تدعو لذلك لا يترك هذا في مثل هذه الحال إلا مؤمن يعلم أن الله يراقبه.

стр. 94

وتأمل في قصة يوسف ﵇، دعته سيدته إلى نفسها في مكان خالٍ، ولا يمكن الوصول إليه؛ لأنها غلقت الأبواب، وهي امرأة العزيز، ستكون على جانب كبير من الجمال أو التجمل، ولمّا همت به وهمّ بها رأى برهان الله أي: ما في قلبه من الإيمان - لأن الرؤية قد تكون بصريةً وقد تكون علمية، أما قولهم إنه تمثل له أبوه، أو ما أشبه ذلك فليس بصحيح، وإنما انصرف عنها وتركها خوفاً من الله ﵎ وقال الله في ذلك: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: كان الأمر كذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وتأمل قول النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، منهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله" (١)، فالمهم أنك متى آمنت بعلم الله بجميع أحوالك، وبما في قلبك فإنك لن تخالفه فتعصيه، كيف تخالف الله وتعصيه وهو يعلم؟ هذا لا يقع إلا ممن أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية. * * * * قال الله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩].

стр. 95

قيل: إن هذه الآية لها سبب، وهو أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : من يشهد لك بأنك حق، اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟ فأنزل الله هذه الآية، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن فلا شك أن الشيطان يلقي في قلوب المشركين، ويقول: ماذا عند محمد من الآيات؟ وماذا عنده من الشهادة؟ فقال الله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين أي شيء أكبر شهادة فإن أجابوا خصموا، وإن لم يجيبوا فأجب أنت، ولهذا أمر الله نبيه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء، لئلا يكابروا ويعاندوا فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ والمتبادر إلى الذهن أن قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواباً لهم لو قالوا: من الشاهد؟ لكن الرسول ﷺ يسألهم يقول: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. نُعرب هذه الآية: لأن فيها أوجهاً: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هو شهيد بيني وبينكم ليكون مطابقاً لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. الوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هو الله، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ يجوز فيها وجهان: الوجط الأول: أن تكون خبراً ثانياً للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيدٌ).

стр. 96

الوجه الثاني: أن تكون (شهيد) خبر لمبتدأ محذوف، يعني: (هو الله هو شهيد بيني وبينكم)، هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف فتقف على كلمة ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. هناك وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه، أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره (شهيد)، وإذا كان الله شهيداً بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله، لا أحد أكبر، كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا يعدو أن يكون المعنى: (الله أكبر شهادة من كل شيء)، ولا شك في هذا. فإن قيل: وبماذا شهد الله للرسول ﵊؟ قلنا: شهد الله للرسول ﷺ بصدقه باللفظ وبالفعل. أما باللفظ: فقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقال : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١]، فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حق. وأما الفعل: فإن الآيات التي يظهرها الله على يده النبي ﷺ هي شهادة فعلية من الله والتمكين له في الأرض، وتمكينه من أن يضرب الأعناق، ويسبي الأموال والذرية، وتمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول هذا كلام الله، وقد قال اللّ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] بعضها ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥، ٤٦]، فشهادة الله الفعلية كثيرة بأنه حق.

стр. 97

قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ ﴿وَأُوحِيَ﴾ أبهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله . والوحي في اللغة العربية: هو الإعلام بسرعة وخفاء، أي: أن تُعلم صاحبك بسرعة فتعطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء، لئلا يطلع عليها أحد، فأصل الوحي السر. لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن تكليم الله بواسطة أو بغير واسطة، لأحد من عباده بشريعة يبلغها الناس، وسُمي بذلك؛ لأن الوحي خفي، تارة يكون في روع الرسول ﷺ ، وتارة يكون بتكليم الله للرسول من وراء حجاب، وتارة يكون بإرسال رسول يرسله الله فيوحي بإذنه ما يشاء. وقوله: ﴿الْقُرْآنُ﴾ مصدر؛ كالغفران والشكران، وهل هذا المصدر بمعنى اسم المفعول، أو بمعنى اسم الفاعل؟ فالمصدر قد يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، تقول: هذا عدل رِضَى، أي: عادل راضٍ، وفي الحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، أي: مردود. وكلمة (القرآن) هنا مصدر يشمل المعنيين، فهو بمعنى اسم فاعل، أي: قارئ؛ لأنه جامعٌ آياته وكلماته وما يحتاج الناس إليه، وبمعنى مفعول، أي: مقروء، وكلا الوصفين ثابت للقرآن الكريم. قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ (اللام) هنا متعلقة بـ ﴿أُوحِيَ﴾، أي:

стр. 98

أوحي إليَّ لأكون منذرًا لكم، وهذه هي الحكمة من الوحي، أنَّ الله يوحي للرسول ﷺ لينذر به، وإذا أورث الله ﵎ رجلًا هذا الوحي فإنما أورثه الله لينذر به، ويقول الحق، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد. قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَنْ) اسم موصول معطوف على الكاف في قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، يعني: وأُنْذِر من بلغ، والفاعل يعود على القرآن، والمعنى فمن بلغه القرآن فكأنما خاطبه النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يوم القيامة؛ لأنه قال: (لأنذركم أيها المخاطبون ومن بلغ) فمن بلغه القرآن بأي واسطة فقد أنذر، ولكن من بلغه القرآن بغير اللغة العربية، ولم يفهم منه شيئًا فلا تقوم عليه الحجة، ومن بلغه باللغة العربية وهو لا يفهمها فإنها لا تقوم عليه الحجة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣]، جعلناه يعني: صيرناه باللغة العربية. قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ هذا الاستفهام للإنكار، وهو استفهام داخل على جملة مؤكدة بـ (إنَّ) و (اللام)، فهي كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، فالهمزة داخلة على جملة مؤكدة ب (إنَّ) و (اللام). وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يؤكد أنهم شهدوا أن مع الله آلهة أخرى، وينكر عليهم هذه الشهادة؛ لأن هذه أكذب شهادة، ولقد قال هؤلاء: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٥، ٦]، أي: الأشراف

стр. 99

﴿أَنِ امْشُوا﴾ دعوا هذه الدعوة لا تغرنكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٦، ٧]. قوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، يعني: إن شهدتم فأنا بريء منكم، لا أشهد أن مع الله آلهة أخرى، ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، كرر الأمر بالقول لأهمية الموضوع، فأمر أولًا بنفي شهادتهم، ثم أمر ثانيًا بإثبات شهادته أن الله إله واحد. قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿بَرِيءٌ﴾ البراءة بمعنى الخلو، ومنه أبرأ الرجل غريمه، أي: أخلاه من الدين الذي عليه، فمعنى ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، أي: أني خلي مما تشركون فأنبذه، ولا أقرُّ به. وقوله: ﴿مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يعم كل ما يشركون به. فإن قال قائل: هل هو بريء من عيسى؟ فالجواب: إن عيسى ﵇ لا يتبرأ منه الرسولُ ﵊، وبناءً على هذا فإما أن نجعل (ما) مصدرية، ويكون المعنى بريء من شرككم، وإما أن نجعلها موصولة ويستثنى من ذلك من يُعبَد من دون الله وهو صالح من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وهذا نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. لما نزلت هذه الآية احتج المشركون على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقالوا: إذًا عيسى من أهل النار؛ لأنه

стр. 100

يُعبد من دون الله، فأنزل الله تعالى ردًا لهذه الشبهة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فيكون عيسى ﵇ مستثنى من هذا العموم، وكذلك نقول في هذه الآية، فصار المخرج أحد أمرين، إما أن نجعل (ما) مصدرية فيكون المعنى بريء من شرككم، أو نجعلها موصولة ويستثنى من ذلك من جُعل شريكًا. مع الله وهو لا يرضى بذلك، من الأنبياء والملائكة والصالحين. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إطلاق اسم (الشيء) على الله لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾؛ لأن اسم الاستفهام إذا أضيف إلى كلمة، صارت هذه الكلمة صادقة على جواب الاستفهام، وهنا جواب الاستفهام ﴿اللَّهُ﴾، فيكون الله تعالى شيئًا، يعني يصدق أن نسميه شيئًا، وقد قال البخاري ﵀: (وسمى الله نفسه شيئًا) (١)، ولكن يجب أن نعلم أنه يخبر بكلمة شيء عن الله، ولكن لا يسمى به، دليلُ هذا أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وكلمة (شيء) لا تدل على هذا المعنى. لو قال قائل: هل يجوز أن نطلق على القرآن أنه شيء ؟ فالجواب: نعم هو (شيء) بلا شك، قالت الجهمية: إذا أطلقتم على القرآن بأنه شيء فقد أقررتم بأنه مخلوق؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وجوابنا على هذا أن نقول: القرآن كلامُ الله ، وكلام الله هو

стр. 101

وصفه، ووصف الخالق غير مخلوق؛ لأن الوصف تابع للذات، فكما أن الذات غير مخلوقة فكذلك الوصف، ثم لا يمنع أن يكون المراد بقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] أن يكون المرادُ بهذا العمومِ الخصوصَ، أي: خالق كل شيء من المخلوقات، والعموم قد يراد به الخصوص كما في قول الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ومعلوم أنها لم تدمر السماء ولا الأرض بل ولا المساكن، كما قال : ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. الفائدة الثانية: أن شهادةَ اللهِ أكبرُ شهادةٍ ، ونعم واللهِ إن شهادة الله أكبر شهادة؛ لأنها مبنية على علم ويقين وعدل، والخلل في الشهادة أن تكون مبنية على ظن أو على جهل أو على جور؛ لأن الشاهد إما أن يبني شهادته على أشياء ظنية، أو يشهد عن جهل تام، أو يشهد على جور، كل هذا يخل بالشهادة، وشهادة الله منزهة عن هذا، صادرة عن علم يقيني، وعن عدل لا يمكن أن يجور في الشهادة - جل وعلا -. ومما يدل لذلك القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦] يكفي شهادة الله، وقال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤]. انظر قوله: ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿بَعْضَ﴾ هذه مضافة لأقاويل، يعني: قولًا من أقاويل كثيرة، فمثلًا لو أوحينا إليه ألفَ قولٍ فَتَقَوَّلَ قولًا واحدًا ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥، ٤٦]، وهل قُطِعَ من الرسول ﷺ الوتين؟

стр. 102

الجواب: لا، بل بقي حيًا إلى الأجل المحتوم له، ونصره الله، فدل هذا على أنه ﷺ حق، وشهادة الله كما سبق في التفسير أنها نوعان: قولية وفعلية، فالقولية كما تقدم في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، والفعلية نصره إياه وتمكينه إياه. الفائدة الثالثة: أن الله ﵎ حاكم بين النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وخصومه لقوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. فإن قال قائل: و هل يطلق الشاهد على الحاكم ؟ فالجواب: نعم واقرأ قول الله في سورة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، فقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، يعني: حكم حاكم؛ لأنه لم يشهد إذ إنه يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ الآية. ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ... ﴾ الآية. ثم نقول: الحاكم في الواقع شاهد من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أنه يشهد بأن الحكم كذا وكذا. الوجه الثاني: أنه يشهد على المحكوم عليه بأن الحق عليه. الوجه الثالث: أنه يشهد للمحكوم له بأن الحق له. فالحكم متضمن الشهادة بلا شك، فيصح أن يطلق على الحاكم أنه شاهد. الفائدة الرابعة: أن هذا القرآن موحى إلى الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كله، ليس فيه ولا كلمة ولا حرف غير

стр. 103

موحى إليه، وأبهم الفاعل؛ لأنه معلوم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أُمِرَ أن يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]. الفائدة الخامسة: عظمة هذا القرآن؛ حيث أوحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولا شك في هذا - وآثار تعظيمه وعظمته كثيرة. منها: أنه لا يقرأه جنب حتى يغتسل. ومنها: أنه لا يمسه المحدث حتى يتوضأ. ومنها: أنه لا يجوز أن تُدْخَلَ به الأماكن القذرة. ومنها: أنه لا تجوز إهانته بأن يوضع بين القدمين مثلًا. ومنها: أنه لا يسافر به إلى أرض العدو إذا كان يخشى عليه من الإهانة. ومنها: أنه لا يجوز بيع المصحف على قول بعض العلماء، وعللوا ذلك بأنه ابتذال له، حتى قال ابن عمر ﵄: "وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف" (١)؛ لأن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله لغيره. فالمهم أن تعظيم القرآن واجب وله صور، ذكرنا منها ما شاء الله. الفائدة السادسة: أن القرآن الكريم كافٍ في الإنذار؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، فمن لم يتعظ بالقرآن فلا وعظه الله، قال الله

стр. 104

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. الفائدة السابعة: أن من بلغه القرآنُ فقد قامت عليه الحجة؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولكن هل من بلغه القرآن وهو لا يعرف اللغة العربية هل يقال: إنه قامت عليه حجة؟ الجواب: لا، والدليل قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. الفائدة الثامنة: أنه يجب على علماء المسلمين أن يبلغوا القرآن كلَّ أحد؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ولكن من لم يكن لسانه عربيًا فإنه يُبلَّغ معنى القرآن بلسانه، ثم يُعطى القرآن فيقرؤه باللفظ العربي، ولهذا نرى بعض الذين لا ينطقون العربية يقرؤون القرآن بالعربية وهم لا يعرفون معناه، وهذا من آيات الله، أن الله تعالى يسر القرآن لهم حتى صاروا ينطقون به بالعربية مع أنك لو أعطيتهم قطعة من سطرين فقط ما استطاعوا أن يقرؤوها، لكن هذا من آيات الله، وربما نقول: إنه داخل في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]. عندنا أيضًا مسألة أخرى إذا بلغ القرآن قومًا يعرفون اللغة العربية ولكنَّهم عاشوا في أحضان أئمة الضلال ولا يدرون شيئًا، إذ إن أئمة الضلال عندهم هم المبلغون عن الله ورسوله، فهل هؤلاء معذورون، أو غير معذورين؟. والذي أرى أنهم معذورون، ولكن عليهم إذا نُبِّهوا للحق أن يبحثوا عنه فإن أصروا مع التنبيه، وقالوا: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) فهم كفار، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة عندي أنهم إن

стр. 105

بقوا على جهلهم، ولم ينبهوا للحق فهم معذورون وإلا فهم غير معذورين، وهذا فيمن يدين بدين الإسلام. وأما من عَرَف أنه على غير الإسلام يتبع أئمته أئمة الضلال، وهو يعرف أنه غير مسلم؛ كالنصارى مثلًا واليهود، فهؤلاء كفرهم ظاهر، حتى هم بأنفسهم يعرفون أنهم من أمة الكفر، ولا ينتسبون إلى الإسلام. ولو قال قائل: مسألة العذر مشكلة جدًا، وأنتم ذكرتم أنه يجب على صاحب البدعة الكفرية أن يبحث إذا بلغته الحجة، فهذا المبتدع إذا أخبره أحد من أهل السُّنَّة سيقول: هذا سني كافر، كيف آخذ من كافر فهو لن يقبل منا صرفًا ولا عدلًا، فكيف نأمره بأن يبحث؟ الجواب: إذا بلغه الحق من القرآن والسنة، فإن الحق فيهما واضح والحمد لله، فإن قال: (الحق على خلاف ما أنت عليه أيها السني) قلت له: بيني وبينك كتاب الله . فإن قال المبتدع: ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢]. قلت: بلى أقرؤها لكن هذه الآية بالنسبة لهم ليس لك أنت. فإن قال: لنا فَهْمُنا ولكم فهمكم، وفهمنا هو الصواب. قلنا: معنى هذا أن هؤلاء مكابرون، مَنْ يفهم من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ أن هذا يعني: جواز عبادتهم، والله تعالى ملأ القرآن بالنهي عن عبادة غيره.

стр. 106

فإن قلت: كيف نحكم على هذا المبتدع أن الحجة بلغته حقًا أو لا؟ قلنا: المبتدع إذا كابر بعد ما أريناه الآيات فالسيف أمامه ونحكم بكفره في الدنيا ونقتله، وإن كان ما يقوله حقًا من أنه لم تبلغه الدعوة إلا مشوشة فأمره إلى الله لا يجوز أن تقرن أحكام الدنيا بأحكام الآخرة، أحكام الدنيا لها حال وأحكام الآخرة لها حال؛ هذا الرجل الذي قتله أسامة بن زيد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن أحكام الدنيا أن نرفع عنه القتل مع أنه ربما يكون قد قالها تعوذًا ولا ندري، وعلى كل حال فلا شك أن المسألة عويصة، لكن الذي تبيَّن لي هو ما قررته. لو قال قائل: ما حكم أتباع أهل الضلال من العوام ، هل يعذرون بالجهل؟ فالجواب: هذا يختلف فيه الحكم، فإذا كان هؤلاء الأتباع لم يُذكر لهم الرسول ﵊، ولم يعلموا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا فلا بد أن يتبعوا. وليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، فغيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد سماع الرسول ﵊ تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال الرسول ﵊: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا

стр. 107

يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار" (١)، ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول ﷺ ، فما بقي عليهم إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة. ولو قال قائل: الذين يأتون الأفعال الشركية هل نتعامل معهم معاملة المسلمين؟ فالجواب: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم فالمصلي يستثني يقول: (اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا). لو قال قائل: بعض العوام الذين اتبعوا أئمة الضلال هؤلاء قد طعنوا في مشايخ الحق أمثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكيف نبلغ لهم تفسير كتاب الله؟ فالجواب: نقول: دعونا من فلان وفلان، القرآن بيننا والسُّنَّة بيننا، وكما قال الله يخاطب فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، نقول لهؤلاء: كل من يُدعى من دون الله فلن يستجيب لأحد، ودعاؤه ضلال، قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فإن لم يذعنوا صاروا مكابرين، وهذا جهل عظيم ولا عجب، فالكفار كان الواحد منهم يصنع الصنم بيده ثم يعبده، رغم أنه أعلى منه، ثم الغريب أن بعضهم يصنعه من التمر العبيط، ثم إذا جاع أكله، ثم خرج من دبره قذرًا نسأل الله السلامة.

стр. 108

لو قال قائل: ما حكم قول العوام في بعض أشعارهم يا أبا الأفراج؟ فالجواب: هذه مشكلة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها فقد جعلوا الإله أبًا، لكني أعلم أنهم يريدون بمعنى يا أبا الأفراج، أي: (يا صاحب الأفراج) فنقول: قولوا: يا صاحب الأفراج وأحسن من هذا أن تقولوا: يا مفرج الكُربات. الفائدة التاسعة: الإنكار الشديد على من يشهدون أن مع الله آلهة أخرى؛ لقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، فالاستفهام للإنكار، وتأمل كيف أتت الجملة التي دخلها الاستفهام مؤكدة بـ (إنَّ) و (اللام)، حتى لا ينكروا، يعني: أؤكد أؤكد أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى وأنكر عليكم. الفائدة العاشرة: سفه أولئك المشركين الذين يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ولو سئلوا عنها: أتخلق شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا من سفههم، أن يعبدوا من لا يخلق. الفائدة الحادية عشرة: وجوب التبرؤ من أهل الباطل وما هم عليه، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، يعني: أؤكد أنكم تشهدون، ولكني أنا لا أشهد، وهذا واجب أن يتبرأ الإنسان من كل ما يعبد من دون الله، فإن لم يشهد ببطلان الآلهة سوى الله فإنه لم يخلص ولم يوحد؛ إذ إن التوحيد مبني على النفي والإثبات. الفائدة الثانية عشرة: وجوب البراءة مما عليه المشركون ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، فيجب أن يتبرأ الإنسان مما يشرك به هؤلاء من المعبودات، أو من عملهم الشركي، ولا تجوز

стр. 109

المداهنة في هذا، ولا تجوز الموافقة، بل تجب البراءة، والعجب أن بعض الناس يداهن هولاء الكفار ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، يعني: فنحن مؤمنون بعيسى، يقولون ذلك أمام النصارى، وأمام اليهود يقولون: نحن مؤمنون بموسى والمسألة ليست هي الإيمان بموسى وبعيسى، نحن نؤمن بهذا، إنما المسألة هي الكفر بمحمد ﵊، هؤلاء كافرون بمحمد ﷺ ، فهم غير مؤمنين لا بموسى ولا عيسى، وقد سبق أن من كذَّب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، واستدللنا لذلك بقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. لكن لو قال قائل: ما الفرق بين المداهنة والمداراة ؟ فالجواب: المداهنة: أن الإنسان يُبقي لصاحبه على ما هو عليه ولا يتكلم معه، والمداراة: أنه يريد أن ينقله مما هو عليه لكن بتلطف. * * * * قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الأنعام: ٢٠]. قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ خبر.

стр. 110

وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتابها، فهم الذين أوتوا الكتاب. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والثاني أقرب، ويؤيده قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، فإن الأبناء بشر، والنبي ﷺ من البشر، يعني: أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما يعرف الرجل ابنه، وخص الأبناء؛ لأن تعلق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات، فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه، ووجه آخر أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ذَكَرٌ، فهو من الأبناء. قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم الذين خسروا أنفسهم، ويحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والفاء دخلت على جملة الخبر، لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء، الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون، ومؤدى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون، أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.
следующие страницы →