← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 55

التباريح في صلاة التراويح

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (150 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي أمر النَّاس أن يعبدوه مخلصين له الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]. يجتمع على الإنسان جواذب النفس من دواعي الراحة، ونداء الفراش الوثير في صورةٍ من المجاهدة والمدافعة تنتصر فيها القلوب المؤمنة الحية التي شُغِلَت بربها، وعاشت بين خشيته والخوف من عذابه، والطمع في رضاه ورجاء رحمته. فهي صورةٌ مشرقةٌ وضيئةٌ لعدم الركون إلى مُتَع الحياة التي لا يراها المؤمن هدفًا من أهدافه الكبيرة، فلئن ركن الناس إلى ملذات الدنيا يغوصون فيها، يسترخون ويستمتعون وينامون ملء أجفانهم، فإن المؤمن يدفعه القلق على مصيره، وعلى حسن خاتمته، ساعيًا إلى سعادة

стр. 2

الأبد في ظل الكرم الرباني في صورةٍ من الجزاء الرفيع الذي لا حدود لعطائه ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. تعبيرٌ عجيبٌ أَخَّاذٌ يَشي بتكريم الله لهذه الثُّلَّة والصفوة الذين أراد الله أن تَقَرَّ أعينهم بنعيم الآخرة، الذي جاء بيان حقيقته على لسان النبي ﷺ حينما وصف الجنة بقوله: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (١). يا لله! كم ذا يفيض الله على عباده من العطاء! كم ذا يغمرهم بالنعيم والكرم! وفي صورةٍ مرهفة أخرى يرسم القرآن مشهدًا من مشاهد عبودية أولئك في الليل، فيقول سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧، ١٨]، إنهم أيقاظٌ أبدانًا وقلوبًا؛ يبيتون مناجاةً لله في جُنْحِ الليل، وتذللًا لربهم في الظلام والناس نيام، ذاقوا لذيذ القيام؛ فهجروا المنام، تبتلًا وقرآنًا ودعاءً واستغفارًا، لا يَطْعَمُون الكرى (٢) إلا قليلًا، ولا يهجعون (٣) إلا يسيرًا.

стр. 3

ما الذي أطار نومهم؟ إنه الأنس بالله! ولذة مناجاة الله؛ فلأجلها كابدوا الليل، فلا ينامون من الليل إلا أَقَلَّه. أما وقت الأسحار - الذي ينزل فيه ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر - فَهُمْ في عالمٍ من نعيم الأرواح؛ يستغفرون ربهم، ويدعونه ويسألونه، فيفيض عليهم من رحماته، ويمنحهم من سوابغ هِبَاتِهِ؛ فيجدون لتلك اللحظات من البركات في نهارهم ما لو وُزِنَت لهم بذلك الدنيا ما وَزَنَت عندهم لحظة من لحظات تلك العبادة الخاشعة. إن لديهم طموحًا عارمًا بغسل ثياب الذنوب؛ لتعود القلوب نقيةً زكيةً مشرقةً كإشراقة الصبح. وفي إطلالة قرآنيةٍ أخرى: نجد أن القرآن يرسم نماذج من القدوات الرفيعة في الانكسار بين يدي الله والبكاء والخرور سجدًا لله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. إنهم أنبياء الله، وخيرة خلقه الذين كانوا في تلك اللحظات الروحانية يبلغون مبلغ الخرور إلى الأرض، بعيونٍ دامعةٍ وبكاءٍ وخشوعٍ في مشهد عظيم من مشاهد الصدق. مشهد السجود الذي يمثل ذروة الذل والتذلل للواحد القهار.

стр. 4

عجيبٌ والله! ماذا صنع الوحي في نفوسهم؟ عجبًا لهاتيك القلوب النقية! ولكي لا يتطرق الوهم إلى الأذهان، فيظن ظانٌّ أن تلك الهيئة الخاشعة مخصوصةٌ بالأنبياء الكرام؛ فإن القرآن يُجَلِّي ذلك فيذكر مشاهد لأقوامٍ من المؤمنين، كانت تفيض دموعهم خشيةً لله، حين يسمعون كلام الله، فلا يستطيعون لذلك دفعًا؛ لأن ذلك يفوق قدرتهم على الاحتمال، استثارت آيات الله قلوبهم، فتساقطت تلك الدموع وتلامعت في المحَاجِرِ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، بل إن القرآن يكشف صورةً أخرى من صور التأثير في الجوارح التي تهتز حين سماع القرآن؛ فتعلوها قشعريرة لا يتمالكها السامع، فتسري آثارها في أوصال الإنسان وخبايا جسده: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر:٢٣]. هنا تفصح هذه الآية الكريمة عن صورةٍ دقيقةٍ عجيبةٍ لمراحل التأثر بآيات الله: قشعريرة الجلود، ثم لينها، ثم لين القلوب الذي يعقبه الخضوع الإيماني، والانكسار النفسي، وهذا الأثر الوجداني الغريب لا يمكن أن يكون لغير القرآن؛ لقوة وقع كلام الله على النفس البشرية فيرتقي بها إلى حالةٍ من الإخبات، كما جاء ذلك في

стр. 5

قول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤] (١). إنها درجةٌ من أرفع درجات الإيمان التي جاءت بها آيات القرآن، والإخبات في الآية، هو: الخضوع والتَّذلُّل لله مع المحبَّة له (٢). ولما سبق فإن من أَجَلِّ مقاصد صلاة التراويح في رمضان: صياغة القلوب صياغةً مهذبةً بالإيمان من خلال القرآن؛ ولهذا قال الإمام ابن تيمية ﵀: «مِن أَجَلِّ مقصود التراويح: قراءة القرآن فيها؛ ليسمع المسلمون كلام الله» (٣). ليكون القرآن والصيام والصلاة خير زادٍ للمسلم في هذه الدنيا؛ لتحمُّل مشاق الحياة، وللنهوض بأعبائها؛ ولهذا جاءت دعوة السماء للنبي الكريم ﷺ في أول مراحل دعوته: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزَّمل: ١ - ٤]. إنها الدعوة الربانية لصفوة البشر؛ ليتهيأ للمهمة الصعبة، ويقوم بالدور العظيم الذي ينتظره، وينهض بالعبء الثقيل الذي اصْطُفِيَ له ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

стр. 6

كلمةٌ مجلجلةٌ رهيبةٌ تجتذب خير الورى من الفراش الدافئ؛ ليكون ذلك أعظم وقود له على متاعب الطريق، ومضايق الحياة؛ إذ إنه ﷺ سيحمل أمانةً عظيمةً وقولًا ثقيلًا ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزَّمل:٥]. إن الذي يعيش لنفسه ومصالحه الذاتية، يمكن أن يعيش مستريحًا بعيدًا عن مصارع المخاض بين الزعازع (١) والأنواء (٢)، لكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا. أما من كان كبير الهمة، عظيم النفس والطموح، فهذا هو من يصنع - بإذن الله - المجد التليد. إنه كبيرٌ يحمل عبئًا كبيرًا، فما لهذا والنوم؟ وكيف سيجد سبيلًا للراحة؟ وإخلادًا للفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ ولهذا جاء الأمر الإلهي للنبي الكريم أن يقوم نصف الليل أو أكثره؛ ليتهيأ للمهمة الكبرى، وهكذا كل من حَمَلَ أمانةً، وتحمل أعباءً من أعباء الحياة الثقيلة، يحسن به ويتأكد في حقه أن يَتَزَوَّدَ لتلك المشاق بزاد الليل، ومعين القرآن.

стр. 7

تأمل معي أخي في هذه الأسرار الثلاثة: (الصيام - القرآن - التراويح) وما لها من أثرٍ عجيبٍ في رمضان، إنها علاقةٌ ثلاثيةٌ لها أبعادها وآثارها في تهذيب النفس البشرية؛ لتصبح نفسًا هادئةً مؤمنةً تحوطُها السكينة، ويلفّها اليقين، فيا ليتنا نجدد حياتنا في رمضان بروحٍ جديدةٍ مع الصيام، وعيشٍ كريمٍ مع القرآن، وخشوع وصفاء بين يدي ربنا في التراويح. يا ليتنا نعيش رمضان بمضامين جديدة توازي عظمة القرآن، وجمال التراويح. وفي هذه الرسالة التي بين يديك خلاصة (تباريح في صلاة التراويح)، نفع الله بها وجعلها خالصةً لوجهه الكريم. د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل الأستاذ المساعد بقسم السنة في كلية الشريعة بجامعة القصيم وإمام وخطيب جامع ابن القيم بمدينة بريدة ٨/ ٨/١٤٣٧ هـ

стр. 8

المبحث الأول: مفهوم صلاة التراويح ومشروعيتها وفضلها: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تسمية صلاة التراويح. المطلب الثاني: مشروعية صلاة التراويح. المطلب الثالث: فضل صلاة التراويح.

стр. 9

المطلب الأول: تسمية صلاة التراويح التراويح: على وزن (تفاعيل)، وهي من صيغ منتهى الجموع، ومفردها: ترويحة، وهي: المرة الواحدة من الراحة، مشتقة من الفعل رَوَّح يروِّح ترويحًا، يُقال: رَاوحَ بين رجليه: إذا قام على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة (١). وأصل هذه المادة يدل على الفسحة والسعة، قال ابن فارس: «الراء والواو والحاء: أصل كبير مطرد، يدل على سَعَة وفُسحة واطِّرَاد» (٢). والتراويح في الاصطلاح، هي: صلاة القيام جماعة في ليالي رمضان بعد صلاة العشاء (٣).

стр. 10

وسُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنَّ السلف أوَّل ما اجتمعوا عليها كانوا يطيلون القيام، ويستريحون بين كل تسليمتين (١). وقد روى البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن المغيرة بن زياد الموْصِلِيِّ، عن عطاء، عن عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ يَتَرَوَّحُ، فَأَطَالَ حَتَّى رَحِمْتُهُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟». قال البيهقي: «وقوله: (ثُمَّ يَتَرَوَّحُ) إنْ ثبت؛ فهو أصل في تَرَوُّح الإمام في صلاة التراويح» (٢).

стр. 11

المطلب الثاني: مشروعية صلاة التراويح ثبتت مشروعية صلاة التراويح، بالسُّنَّة، والإجماع. فأما السنة، فمنها: ١) حديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» (١). ٢) حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ

стр. 12

إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). قال النووي ﵀: «المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح» (٢). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على مشروعية صلاة التراويح، واتَّفق العلماء على استحبابها. قال السَّرَخْسي ﵀: «الأمة أجمعت على شَرْعِيَّتها وجوازِها، ولم ينكرها أحد من أهل العلم؛ إلا الروافض، لا بارك الله فيهم» (٣). وقال النووي ﵀: «صلاة التراويح سُنَّة باتفاق العلماء» (٤). وقال أيضًا: «اتفق العلماء على استحبابها» (٥).

стр. 13

المطلب الثالث: فضل صلاة التراويح صلاة التراويح: هي من جملة قيام الليل، فتَشْمَلُها نصوصُ الكتاب والسنة التي وردت في بيان فضل قيام الليل، ومن هذه النصوص: قوله تعالى عن المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]. وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. وقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]. وفي الصحيحين من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» (٢).

стр. 14

قال الحسن البصري ﵀: «ما نعلم عملًا أشدَّ من مكابدة الليل ونفقة المال، قيل له: ما بالُ المتهجدين أحسنُ الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (١). بَكَى الْبَاكُونَ لِلرَّحْمَنِ لَيْلًا ... وَبَاتُوا دَمْعَهُمْ مَا يَسْأَمُونَا بِقَاعُ الْأَرْضِ مِنْ شَوقٍ إِلَيْهِمْ ... تَحِنُّ مَتَى عَلَيْهَا يَسْجُدُونَا وكان السلف ﵏ يجِدُون لقيام الليل لذَّة وسرورًا، يفرحون بمجيئه، ويحزنون لانقضائه. قال ثابت البُناني ﵀: «ما شيءٌ أجدُه في قلبي ألذُّ عندي من قيام الليل» (٢). وقال سفيان الثوري ﵀: «إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت» (٣). وقال أبو سليمان الداراني ﵀: «لَأَهْلُ الطاعة بليلهم أَلَذُّ من أهل اللهو بلهوهم, ولولا الليلُ ما أحببت البقاء في الدنيا» (٤).

стр. 15

وقال بعضهم: «مساكينُ أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أَطْيَبَ ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، ومعرفته وذكره» (١). وقال ابن تيمية ﵀: «إنَّ في الدنيا جنةً مَنْ لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» (٢). - أيُّ أوقات القيام أفضلُ؟ كل الليل وقت للقيام، فللمرء أن يصلي أولَ الليل أو أوسطَه أو آخرَه، فقد جاء في صحيح مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (٣). إلا أن صلاة آخر الليل أفضل؛ لما سبق، ولما رَوَى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مسروق عن عائشة ﵂، قالت: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٤).

стр. 16

ولحديث النزول الإلهي الثابت في الصحيحين من طريق أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (١). وينبغي أن يكون للمرء قسط من الليل بحسَب وُسعه، وما تيسر له، من أول الليل، أو أوسطه، أو آخره، ولو كان قليلًا، أما القيام في رمضان فذلك ما تنبعث له سوابق الهمم.

стр. 17

المبحث الثاني: صفة صلاة التراويح وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: عدد ركعات صلاة التراويح. المطلب الثاني: صفة ركعات صلاة التراويح. المطلب الثالث: ما يقال بين تسليمات التراويح. المطلب الرابع: القراءة في صلاة التراويح. المطلب الخامس: القنوت في صلاة التراويح.

стр. 18

المطلب الأول: عدد ركعات صلاة التراويح الثابت في السنة من غير وجهٍ أنه ﷺ لم يكن يزيدُ على إحدى عشرةَ ركعةً لا في رمضانَ ولا في غيرِه، جاء في الصحيحين من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ... » الحديثَ (١). قال ابن عبد البر ﵀: «وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة» (٢). وكذلك الثابت عن الصحابة القيام بإحدى عشرة ركعة، كما جاء في الموطأ بسند صحيح عن محمد بن يوسفَ، عن السائب ابن يزيد ﵁، قال: «أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» (٣).

стр. 19

وأما الأثر المشهور: «كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (١)، فقد رواه مالك عن يزيدَ بن رُومان، عن عمر، ويزيد لم يدرك عمر، فالسند منقطع (٢)، وهو معارض لما صح عن عمر من أمره بإحدى عشرة ركعة في الأثر السابق. وجاء عند عبد الرزاق، عن داودَ بنِ قيس، عن محمدِ بنِ يوسفَ، عن السائب بن يزيد: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيٍّ وَتَمِيم عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (٣)، ولكن هذا الأثر غير محفوظ، والرواية الثابتة ما رواه الإمام مالك، عن محمد بن يوسف، عن السائب: «أَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»، وأئمة الحديث يقدِّمون مالكًا على داود بن قيس, بل يقدمون مَنْ دون مالك في الحفظ على داود بن قيس. والخلاصة: أن الأصح عن عمر أنه جمع الناس على أبيٍّ وتميم بإحدى عشرة ركعة، ولكن ما سبق تقريره عن النبي ﷺ ، وعن عمر لا يعني عدمَ جوازِ الزيادة على إحدى عشرة ركعة. فصلاة القيام غير محصورة بعدد معين، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.

стр. 20

فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: من غير تحديد بوقت، وعبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠]، أي: بقراءتك (١). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (٢). وأما السُّنَّة: فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: «قُلْتُ: يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ الله ﷺ ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ الله ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا» (٣).

стр. 21

وعن ابن عباس ﵂، قال: «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يَعْنِي بِاللَّيْلِ» (١). وعن عائشة ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» (٢). وأما الإجماع: فقال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أنه لا حَدَّ ولا شيءَ مقدرٌ في صلاة الليل ... فمَنْ شاء أطال فيها القيام وقَلَّتْ رَكَعاتُه, ومن شاء أكثرَ الركوعَ والسجودَ» (٣). وقال أيضًا: «لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حَدٌّ محدود، وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر» (٤). وقال ابن الملقن ﵀: «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعله ﵊ وما اختاره لنفسه» (٥).

стр. 22

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض حديثه عن عدد الركعات في صلاة التراويح -: «والصواب أن ذلك جميعه حسن ... فيكون تكثيرُ الركعات وتقليلها بحسَب طول القيام وقصره» (١). وقال أيضًا: «قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عددًا معينًا ... وكان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن. والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام؛ فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره، هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه؛ فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر، وبين الأربعين. وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه؟ كل ذلك سائغ حسن، وقد ينشط

стр. 23

الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها. وكانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة؛ إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، هكذا كان يفعل في المكتوبات، وقيام الليل، وصلاة الكسوف، وغير ذلك» (١). ومن كلام شيخ الإسلام نصل إلى هذه الخلاصة: أن القيام لا يُحدُّ بعدد الركعات وإنما يُحدُّ بالزمن، كما بيَّن ذلك العلامةُ الشيخ ابن جبرين ﵀ وقال: «ومن كلام شيخ الإسلام وغيره من الآثار يُعلم أن قيام الليل يُحدد بالزمان لا بعدد الركعات، وأن النبي ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة في نحو خمس ساعات، وأحيانًا يصلي الليل كله» (٢).

стр. 24

المطلب الثاني: صفة ركعات صلاة التراويح أكمل القيام ما وافق فيه المصلي السُّنَّة كمية وكيفية: أما الكمية: فيراد بها العدد وهي إحدى عشرة ركعة كما سبق معنا فيما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂. وأما الكيفية: فإنه ﷺ ، كان يصلي مثنى مثنى، ويطيل القيام والركوع والسجود، فقد قام ﷺ في ركعةٍ بسورة البقرة والنساء وآل عمران كما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة (١)، وعند ابن حبان، عن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً» (٢). وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ المشروع في صلاة الليل مثنى مثنى، ولكنهم اختلفوا في حكم ذلك هل هو على الوجوب، أم الاستحباب؟

стр. 25

فذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، إلى أن المشروع في صلاة الليل السلامُ من كل ركعتين؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل، فقال: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (٤). ومعنى (مَثْنَى مَثْنَى) أي ركعتين ركعتين. وأكثر أهل العلم على أنَّ هذا على سبيل الوجوب، وجاء عن أحمد فيمن قام في التراويح إلى الثالثة: «يرجع وإن قرأ ولا بد» (٥). وفي رواية أخرى مشهورة عن الإمام أحمد: «أن القيام في هذه الحالة مكروه» (٦). وذهب آخرون إلى جواز صلاة أربع ركعات بتسليم واحد، وهذا هو رأي أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (٧)، قال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا وثمانيًا لا تسلمُ إلا في آخرهن (٨).

стр. 26

وعلى رأي أبي حنيفة يُخير الإمام بين ذلك، لكن الأفضل في مذهبه صلاة أربع بتسليم واحد؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت لأبي سلمة حين سألها عن صلاة النبي ﷺ : «يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا» (١). وهذا الحديث ظاهره الجواز، لكنه ليس صريحًا فيه. وحديث ابن عمر: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، ليس صريحًا في وجوب التسليم من كل ركعتين، فيُحْمَل على الاستحباب، وأنه ينبغي أن يكون هو الهديَ الغالبَ، ولكن من نسي فقام إلى الثالثة فله أن يجعلهن أربعًا ولا يلزمه الرجوع على رأي أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهذا فيه توسعة على الناس، لا سيما أن حديث عائشة: «يُصَلِّي أَرْبَعًا ... » يحتمل ذلك، وظاهره أنه يصلي أربعًا بتسليم واحد، يفعل ذلك أحيانًا، وإن كان هديه الغالب ﷺ أنه يسلم من اثنتين كما يدل عليه حديث ابن عمر ﵁.

стр. 27

المطلب الثالث: ما يقال بين تسليمات التراويح لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من السلف الصالح، تخصيصُ ما بين تسليمات التراويح بذكر معيَّن، ولكن إذا ذَكَر الإمام أو المأموم بين تسليمات التراويح شيئًا من ذكر الله تعالى، أو الصلاة على رسوله؛ استنادًا على عموم الأدلة في الذكر المطلق، دون تخصيص ذلك المحل بذكر معين أو هيئة محددة، فلا بأس بذلك. وقد سُئل ابن حجر الهيتمي ﵀: هل تسن الصلاة عليه ﷺ بين تسليمات التراويح أو هي بدعة ينهى عنها؟ فأجاب، بقوله: «الصلاة في هذا المحل بخصوصه لم نَرَ فيها شيئًا في السنة، ولا في كلام أصحابنا، فهي بدعة يُنهَى عنها مَنْ يأتي بها بقصد كونها سنة في هذا المحل بخصوصه دون من يأتي بها لا بهذا القصد، كأن يقصد أنها في كل وقت سنة من حيث العموم، بل جاء في أحاديث ما يؤيد الخصوص إلا أنه غير كاف في الدلالة لذلك» (١).

стр. 28

وقال ابن الحاج المالكي ﵀: «وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه من الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح، ومن رفع أصواتهم بذلك والمشي على صوت واحد، فإن ذلك كله من البدع ... والحدث في الدين ممنوع وخير الهدي هدي محمد ﷺ ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يُذْكَر عن أحد من السلف فعل ذلك فيسعنا ما وسعهم» (١). والمقصود أنَّه «لا أصل لذلك - فيما نعلم - من الشرع المطهر، بل هو من البدع المحدثة، فالواجب تركه، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أَصلح أولَها، وهو اتباع الكتاب والسنة، وما سار عليه سلف الأمة، والحذر مما خالف ذلك» (٢). وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «الأذكار أو الصلاة على النبي ﷺ جماعة عقب الصلاة - فريضة أو نافلة أو بين ركعات التراويح - بدعة محدثة» (٣).

стр. 29

المطلب الرابع: القراءة في صلاة التراويح في هذا المطلب عدد من المسائل المتعلقة بالقراءة في صلاة التراويح، وهي: - المسألة الأولى: مَنْ أفضل القراء ؟ المقصود بالسؤال هل الأفضل المُجَوِّد لحروف القرآن؟ أم صاحب الصوت الندي؟ أم المتقن للقرآن حفظًا وحرفًا؟ بالتأكيد ليس هؤلاء جميعًا أفضلَ القراء، وإنما أفضلُ القراء ما جاء بيانه على لسان النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عندما سئل عن أحسن الناس قراءة: «مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ، رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللهَ» (١).

стр. 30

فالزم الخشية أيها الإمام، وراقب ربك، وجاهد نفسك، واتق يوم العرض الأكبر ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨، ٨٩]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. وحينما تقف بين يدي الله إمامًا بالناس، فاعلم أنَّ لحظات القيام تلك، هي لحظات الذل والانكسار، والعون من الجبَّار، فاخضع لربك، وأخلص لله في صلاتك وتلاوتك. - المسألة الثانية: حكم القراءة من المصحف للإمام والمأموم: الأفضل للإمام أن يقرأ من حفظه؛ لأنه أدعى للخشوع، وأحفظ لهيئة الصلاة من الحركة الكثيرة، ولكن إذا احتاج إلى القراءة من المصحف لضعف حفظه فلا بأس. وقد ثبت عن عائشة ﵂، «أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي المصْحَفِ فِي رَمَضَانَ» (١).

стр. 31

وسئل الإمام أحمد ﵀: هل يؤم في المصحف في شهر رمضان؟ فقال: «ما يعجبني، إلا أن يُضطروا إلى ذلك، فليس به بأس» (١). وقال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن الرجل يؤم في شهر رمضان في المصحف؟ فرخص فيه» (٢). وقد سئل شيخنا ابن باز ﵀ عن ذلك، فأجاب: «إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس، مثل التراويح، والقيام في رمضان، لا حرج، وإذا كان الإنسان يقرأ عن ظهر قلب؛ يكون أخشع، إذا تيسر له ذلك» (٣). وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «القراءة بالمصحف في صلاة التراويح لا بأس بها؛ إذا كان الإمام غير حافظ، وقد ثبت ذلك عن جماعة من السلف» (٤). وأما متابعة المأموم للإمام من المصحف: فهذا غير مشروع، إلا للحاجة، «بل لو قيل بكراهيته لكان له وجه؛ لأن ذلك يؤدي إلى حركة لا حاجة إليها، فالإنسان يتحرك

стр. 32

لفتح المصحف، وإغلاقه، وحمله، وتفوته سنة وضع اليدين على الصدر، ويكون منه حركة بصرية كثيرة؛ لأن عينيه تجول في الصفحات؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى بطلان صلاة الإنسان إذا قرأ من المصحف، والصحيح أن الصلاة لا تبطل، لكن لا شك أن متابعة الإمام في المصحف إذا لم يكن هناك حاجة مكروه، أما لو كان الإمام محتاجًا إلى من يتابعه لكونه ضعيف الحفظ فطلب من أحد المصلين أن يتابعه ليقرأ عليه إن أخطأ، فإن ذلك لا بأس به» (١). - المسألة الثالثة: حكم تكرار الآيات في التراويح: جاء عند النسائي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه قام بآية حتى أصبح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]» (٢). وجاء عن تميم الداري ﵁ أنه كرر آية حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (٣).

стр. 33

وجاء عن أسماء ﵂ أنها كررت: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] (١). والذي يظهر لي - والله أعلم - أنَّ هذا خاصٌّ بصلاة المرء وحده، أما في صلاة الإمام بالناس فلم أجد دليلًا يدل على مشروعية ذلك، ولم أجد ما يدل على أن النبي ﷺ فعل ذلك في صلاة جماعة، وقد يتأكد المنع من ذلك لمن يتطرق إليه الرياء بسبب ذلك؛ لأنَّ تَكرارَ الآيات طريق إلى التباكي والبكاء، وهذا مما ينبغي أن يدفعه الإنسان في العلانية دون السر، وهو هدي السلف كما سيتبين لنا في مسألة: هل المشروع طلب الخشوع أو دفعه؟ - ا لمسألة الرابعة: حكم التباكي عند قراءة القرآن: ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: «قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» (٢).

стр. 34

وعن عبد الله بن عيسى قال: «كان في وجه عمر بن الخطاب ﵁ خَطَّان أسودان من البكاء» (١). وقال أبو رجاء العُطارِدي: «رأيت ابن عباس وأسفلَ من عينيه مثلُ الشِّراك البالي من الدموع» (٢). والآثارُ عن الصحابة والتابعين كثيرة، لكن هذا منهم حينما يصلي المرء وحده. وكذلك التباكي عند قراءة القرآن هو مشروع في الخلوات، وعليه يُحمل الحديث المشهور: «ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا» (٣)، علمًا بأن الحديث ضعيف (٤). فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا عليه (٥)، وجاء عن أنس عند أبي يعلى (٦) بسند ضعيف؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو

стр. 35

ضعيف عند الأئمة (١)، وجاء عن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه (٢)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه من رواية إسماعيل بن رافع، وهو ضعيف (٣). والخلاصة: أن البكاء والتباكيَ مما ينبغي إخفاؤه لا إفشاؤه، قال ابن القيم ﵀: «وأما بكاؤه ﷺ فكان من جنس ضحكه؛ لم يكن بشهيقٍ ورفع صوتٍ» (٤). ومن أعظم مداخل الشيطان على القراء التباكي في صلاة التراويح دون لحظات الخلوات، فمن وجد هذا من نفسه فهو مفتون مُبتلى عليه أن يتوب عاجلًا بمداواة القلب، ومحاسبة النفس، ولزوم عبادة السر فهي دواء بإذن الله من كل داء. قال سفيان الثوري ﵀: «البكاء عشرة أجزاء: تسعةٌ لغير الله, وواحدٌ لله, فإذا جاء الذي لله في السَّنَةِ مَرَّةً فهو كثير» (٥). يا الله! كم هو دقيق وعجيب هذا الكلام من إمام كبير من أئمة السلف! لله درك يا سفيان!

стр. 36

تسعة أعشار البكاء لغير الله! اللهم عفوك وصفحك يا الله! - المسألة الخامسة: حكم تقليد أصوات القراء: سئل عن ذلك شيخنا ابن عثيمين ﵀ فقال: «إذا قلَّد إمامُ المسجد شخصًا حسنَ الصوت والقراءة من أجل أن يحسن صوته وقراءته لكتاب الله ؛ فإن هذا أمر مشروع لذاته، ومشروع لغيره أيضًا؛ لأن فيه تنشيطًا للمصلين خلفه، وسببًا لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة» (١). - المسألة السادسة: بم يقرأ في الوتر ؟ يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بالأعلى، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبيِّ بن كعب، قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (٢).

стр. 37

وذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، إلى مشروعية قراءة المعوِّذتين بعد الإخلاص؛ لما جاء عند أبي داود، والترمذي من طريق خُصيف، عن ابن جُريج، عن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمعَوِّذَتَيْنِ» (٣). لكنه ضعيف لحال خصيف، ولم يثبت في قراءة المعوذتين في الوتر بعد الإخلاص شيء، وقد أنكر ثبوتَ ذلك الإمامُ أحمد، وابن معين، وغيرهما (٤). - المسألة السابعة: ماذا عن دعاء ختم القرآن في الصلاة ؟ الجواب: فيه تفصيل: فإن كان ذلك في وتر فلا إشكال فيه. وإن كان ذلك في شفع ففيه خلاف مشهور، والناس فيه طرفان ووسط: طرف شَنَّعَ على من فعلها، وعدَّها بدعة، وطرف آخر تمسك بها تمسكًا كبيرًا وكأنها عنده من السنن المؤكدة، والحق هو الوسط، بأن لا

стр. 38

يقال: إنها بدعة ولا تعد من السنن المؤكدة، بل الأمر فيها واسع، ولا تثريب على من ختم قراءته في الصلاة بالدعاء (الختمة) فقد أقره بعض أئمة السلف كالإمام أحمد ﵀، وقد وقفت على نقلين عن الإمام أحمد في هذه المسألة: الأول: قول ابن قدامه في المغني: «(فصل في ختم القرآن): قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو التراويح؟ قال: اجعله في التراويح (١)، حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن، فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه» (٢). والثاني: قول حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة، قال العباس ابن

стр. 39

عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئًا، وذكر عن عثمان بن عفان ﵁ (١). ومما سبق نخلص إلى ما يلي: ١) أنَّ النقل عن الإمام أحمد في ختمة التراويح جاء عنه من طريقين: طريق ابنه حنبل، وطريق الفضل بن زياد. ٢) اختار الإمام أحمد ﵀ أن يكون الدعاء بختم القرآن في شفع لا في وتر. ٣) أنه ﵀ أوصى إمامَه بذلك، وصلى خلفه مؤتمًّا به رافعًا يديه، وهو من الأئمة المشهورين باتباع السُّنة. ٤) أن حجته في هذا عمل أهل مكة مع توافر أئمتها؛ كسفيان ابن عيينة الذي كان يفعلها، ولو كان هذا غير مشروع؛ لما تواردوا على ذلك. ٥) رُوِيَ ذلك أيضًا عن أهل البصرة، وفيه رواية عن أهل المدينة. ٦) رُوِيَ ذلك عن عثمان بن عفان ﵁، ولم أقف عليه مسندًا.

стр. 40

وقد سئل سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ عن الختمة في الصلاة فاحتج بفعل السلف لها (١). والخلاصة: أنه ينبغي ترك التعنيف على من ختم في شفع، وإن جعلها في وتر كان أسلم خروجًا من النزاع.
следующие страницы →