تسعة أعشار البكاء لغير الله!
اللهم عفوك وصفحك يا الله!
- المسألة الخامسة: حكم تقليد أصوات القراء:
سئل عن ذلك شيخنا ابن عثيمين ﵀ فقال: «إذا قلَّد إمامُ المسجد شخصًا حسنَ الصوت والقراءة من أجل أن يحسن صوته وقراءته لكتاب الله ؛ فإن هذا أمر مشروع لذاته، ومشروع لغيره أيضًا؛ لأن فيه تنشيطًا للمصلين خلفه، وسببًا لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة» (١).
- المسألة السادسة: بم يقرأ في الوتر ؟
يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بالأعلى، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبيِّ بن كعب، قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (٢).
стр. 37
وذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، إلى مشروعية قراءة المعوِّذتين بعد الإخلاص؛ لما جاء عند أبي داود، والترمذي من طريق خُصيف، عن ابن جُريج، عن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمعَوِّذَتَيْنِ» (٣).
لكنه ضعيف لحال خصيف، ولم يثبت في قراءة المعوذتين في الوتر بعد الإخلاص شيء، وقد أنكر ثبوتَ ذلك الإمامُ أحمد، وابن معين، وغيرهما (٤).
- المسألة السابعة: ماذا عن دعاء ختم القرآن في الصلاة ؟
الجواب: فيه تفصيل: فإن كان ذلك في وتر فلا إشكال فيه.
وإن كان ذلك في شفع ففيه خلاف مشهور، والناس فيه طرفان ووسط:
طرف شَنَّعَ على من فعلها، وعدَّها بدعة، وطرف آخر تمسك بها تمسكًا كبيرًا وكأنها عنده من السنن المؤكدة، والحق هو الوسط، بأن لا
стр. 38
يقال: إنها بدعة ولا تعد من السنن المؤكدة، بل الأمر فيها واسع، ولا تثريب على من ختم قراءته في الصلاة بالدعاء (الختمة) فقد أقره بعض أئمة السلف كالإمام أحمد ﵀، وقد وقفت على نقلين عن الإمام أحمد في هذه المسألة:
الأول: قول ابن قدامه في المغني: «(فصل في ختم القرآن): قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو التراويح؟ قال: اجعله في التراويح (١)، حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن، فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه» (٢).
والثاني: قول حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة، قال العباس ابن
стр. 39
عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئًا، وذكر عن عثمان بن عفان ﵁ (١).
ومما سبق نخلص إلى ما يلي:
١) أنَّ النقل عن الإمام أحمد في ختمة التراويح جاء عنه من طريقين: طريق ابنه حنبل، وطريق الفضل بن زياد.
٢) اختار الإمام أحمد ﵀ أن يكون الدعاء بختم القرآن في شفع لا في وتر.
٣) أنه ﵀ أوصى إمامَه بذلك، وصلى خلفه مؤتمًّا به رافعًا يديه، وهو من الأئمة المشهورين باتباع السُّنة.
٤) أن حجته في هذا عمل أهل مكة مع توافر أئمتها؛ كسفيان ابن عيينة الذي كان يفعلها، ولو كان هذا غير مشروع؛ لما تواردوا على ذلك.
٥) رُوِيَ ذلك أيضًا عن أهل البصرة، وفيه رواية عن أهل المدينة.
٦) رُوِيَ ذلك عن عثمان بن عفان ﵁، ولم أقف عليه مسندًا.
стр. 40
وقد سئل سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ عن الختمة في الصلاة فاحتج بفعل السلف لها (١).
والخلاصة: أنه ينبغي ترك التعنيف على من ختم في شفع، وإن جعلها في وتر كان أسلم خروجًا من النزاع.
стр. 41
المطلب الخامس:
القنوت في صلاة التراويح
في هذا المطلب عدد من المسائل المتعلقة بالقنوت في صلاة التراويح، وهي:
- المسألة الأولى: هل ثبت في قنوت الوتر شيء ؟
سُئل الإمام أحمد ﵀ عن القنوت في الوتر، فقال: «ليس يروى فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن كان عمر يقنت من السَّنَةِ إلى السَّنَةِ» (١).
وقال ابن خزيمة ﵀: «ولستُ أحفظُ خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر» (٢).
وقال ابن القيم ﵀: «ولم يحفظ عنه ﷺ أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه»، ثم ذكر حديث أبي بن كعب: «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ» (٣)، (٤).
стр. 42
ثم بيَّن ﵀ أنَّ القنوت في الوتر محفوظٌ عن عمر، وابن مسعود (١).
وسُئل عطاء عن القنوت، فقال: «كان أصحاب رسول الله يفعلونه» (٢).
فالقنوت في الوتر إذن ثابت عن صحابة النبي ﷺ ، ولم يثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه.
- المسألة الثانية: هل تُشرع المداومة على القنوت ؟
جاء عند ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن نافع: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ لا يَقْنُت إِلا فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ» (٣).
وقال الزُّهْري ﵀: «لا قُنُوتَ فِي السَّنَة كُلِّها إِلَّا فِي النِّصف الآخِرِ مِنْ رمضانَ» (٤).
وقال أبو داود ﵀: «قلت لأحمد: القنوت في الوتر السَّنَة كلها؟ قال: إن شاء، قلت: فما تختار أنت؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلا في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف إمام يقنت فأقنت معه» (٥).
стр. 43
وقيل: يُقنت في الوتر في جميع رمضان دون بقية السَّنة.
وقيل: يُقنت في وتر السَّنة كلها.
والأمر في هذا واسع «إن شاء فعله، وإن شاء تركه ... فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن لم يقنت بحال فقد أحسن» (١).
وإن قيل بأن المشروع الفعل أحيانًا والترك أحيانًا فهو جيد.
قال شيخنا ابن باز ﵀: «القنوت سُنَّة في الوتر، وإذا تركه في بعض الأحيان فلا بأس» (٢).
وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «إذا قنت أحيانًا فهو خير، وإذا ترك أحيانًا فهو خير» (٣).
قال ابن سَحْمان:
ولا تَقْنُتَنْ في كلِّ وترِك يا فَتى ... فتجعلَه كالواجبِ المتأَكِّد
وَكُنْ قانتًا حينًا وحينًا فتارِكًا ... لذلك تسعدْ بالدَّليل وتهتَد
стр. 44
ففعلٌ وتركٌ سُنَّةٌ وكلاهما ... أَتتْ عن رسولِ اللهِ إِن كنتَ مقتد
- المسألة الثالثة: ما مقدار القنوت ؟
من المآخذ على بعض الأئمة في التراويح تطويل الدعاء في القنوت، وهو خلاف المشروع، والآثار في هذا تدل على أنَّ القنوت قصيرٌ لا يستغرق دقائق معدودة، ويقدر ذلك بمدة قراءة سورة الانشقاق، أو يزيد.
قال أبو داود ﵀: «سمعتُ أحمد سُئِلَ عن قول إبراهيم في القنوت: قَدْرَ إذا السماء انشقت؟ قال: هذا قليل، يُعْجِبُنِي أن يَزِيدَ» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «الذي ينبغي أن يُقتصَر على الكلمات الواردة ... ولا شك أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومن الناس من يكون وراءه أعمال ولا يحب أن ينصرف قبل الإمام ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بين بين» (٢).
وقال الشيخ ابن جبرين ﵀: «لا تنبغي الإطالة الزائدة التي تُوقِع المأمومين في الملل والضجر» (٣).
стр. 45
- المسألة الرابعة: هل القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده ؟
قيل: إنه قبل الركوع، وقيل: بعده، وسبب الاختلاف أنه لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء، وبعضهم قاسه على قنوت النوازل، والصواب جواز الأمرين، واختار الإمام أحمد أن يكون بعد الركوع (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: «أما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط؛ منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجيزون كِلَا الأمرين؛ لمجيء السنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثرُ وأقيس؛ فإنَّ سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن حمده» (٢).
والأمر في هذا واسع والأولى أن يكون القنوت بعد الركوع عند خوف التشويش، أو وجود بعض العامة ممن ينكر القنوت قبل الركوع، ويحدث بسببهم لغط وغلط.
- المسألة الخامسة: ما الأدعية المشروعة في القنوت ؟
يجوز للداعي أن يدعو بما يشاء؛ شريطةَ ألَّا يتضمنَ الدعاءُ مخالفةً شرعيةً.
قال شيخنا ابن باز ﵀: «لا بأس أن يدعو الإنسان بما يتيسَّر من
стр. 46
الدعوات، وإن لم تنقل؛ إذا كانت الدعوات في نفسها صحيحة» (١).
لكن الأفضل اختيار أدعية الكتاب والسنة؛ لأنها أدعية جامعة مثل:
- ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وهذا أجمع الأدعية (٢).
- ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
- ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].
- ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
- ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
المبحث الثالث:
مسائل متفرقة في صلاة التراويح
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: هل الأفضل صلاة التراويح جماعة أم فُرَادى؟
المطلب الثاني: حكم صلاة التراويح للنساء في المسجد.
المطلب الثالث: ترك الإيتار مع الإمام في التراويح.
المطلب الرابع: حكم التعقيب في ليالي رمضان.
المطلب الخامس: حكم قول "صلاة القيام أثابكم الله".
стр. 49
المطلب الأول:
هل الأفضل صلاة التراويح جماعة أم فُرَادى ؟
السُّنة صلاة التراويح جماعة؛ لأن النبي ﷺ صلاها ثلاث ليال جماعة بالمسجد، ثم تركها خشية أن تُفْرَض على المسلمين، كما في حديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» (١).
قال ابن حجر ﵀ معلقًا على الحديث -: «وفي حديث الباب: ... نَدْبُ قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أُمِنَت
стр. 50
بعد النبي ﷺ ؛ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أُبَيِّ بن كعب» (١).
فعمر ﵁ لما رأى أن النبي ﷺ ترك ذلك لمصلحة رآها، وقد تحققت تلك المصلحة، أعاد صلاة التراويح جماعة كما صلاها النبي ﷺ أول الأمر، قال عبد الرحمن بن عبدٍ القاريُّ: «خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ ﵁، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ» (٢).
والمراد بقوله: (نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ) البدعة اللغوية؛ لأن عمر ﵁ لم يأت بما لم يُسبَق إليه، وإنما أخذه من فعل النبي ﷺ ، وقد أقر الصحابة فعلَ عمر ﵁.
قال ابن تيمية ﵀: «هذا الاجتماع العام لَمَّا لم يكن قد فُعل سَمَّاهُ بدعة؛ لأن ما فُعِل ابتداءً يسمى بدعة في اللغة، وليس ذلك بدعة شرعية؛ فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة، هي: ما فُعِلَ بغير دليل
стр. 51
شرعي، كاستحباب ما لم يحبه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم يحرمه الله» (١).
وقال ابن حجر الهيتمي ﵀ مُعَدِّدًا الأمثلة على ما ليس ببدعة -: «وكذا ... الاجتماع على قيام شهر رمضان وأمثال ذلك، مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي. وقولُ عمر ﵁ في التراويح: (نعمت البدعة هي)، أراد البدعة اللغوية ... وليست بدعة شرعًا، فإنَّ البدعة الشرعية ضلالة» (٢).
والأفضل صلاة التراويح جماعة في المسجد، كما قال به جمهور أهل العلم، واستدلوا بفعل النبي ﷺ ، وفعل عمر ﵁ من بعده، وإقرار الصحابة له، واستدلوا أيضًا: بحديث أَبِي ذَرٍّ ﵁ أنَّ النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٣).
قال أبو داود: «سمعت أحمد، وقيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وَحْده؟ قال: يصلي مع الناس» (٤).
стр. 52
المطلب الثاني:
حكم صلاة التراويح للنساء في المسجد
دلَّت السُّنَّة على أنَّ الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن، سواء كانت فريضة أو نافلة؛ فعن ابن عمر ﵂، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١).
وعن أم حميد امرأة أبي حميد السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي» (٢).
стр. 53
ولكن إذا استأذنت المرأة زوجها أو ولِيَّها للخروج إلى المسجد، فلا بأس بذلك، وأفضلية صلاتها في بيتها لا تعني عدم جواز صلاتها في المسجد، وعلى ولِيِّها أن يأذن لها.
لما رواه سالم بن عبد الله، أنَّ عبد الله بن عمر ﵂، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»، فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله؛ فسَبَّه سَبًّا سيِّئًا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن؟! (١).
والخلاصة: أن صلاتها في بيتها خير وأحب إلى الله، ويجوز ذهابها إلى المسجد لصلاة التراويح، بشرط الإذن من الزوج أو الوليِّ كما في الحديث، وعدم التبرج، والتطيُّب، وهي شروط خروج المرأة من بيتها التي دلت عليها نصوص كثيرة.
قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «لا بأس بحضور النساء صلاة التراويح؛ إذا أمنت الفتنة، بشرط: أن يخرجن محتشمات، غير متبرجات بزينة، ولا متطيبات» (٢).
стр. 54
المطلب الثالث:
ترك الإيتار مع الإمام في التراويح
الأفضل للمأموم في صلاة التراويح أن يتابع الإمام حتى ينصرف من الوتر؛ لحديث أَبِي ذَرٍّ ﵁ أنَّ النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (١).
وقد بَوَّبَ النسائي على الحديث: (ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف) (٢).
قال أبو داود: «سمعت أحمد، وقيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وَحْده؟ قال: يصلي مع الناس، وسمعته أيضًا، يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه» (٣).
وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀ معلقًا على الحديث -: «فينبغي أن يكون الوتر مع التراويح جماعة» (٤).
стр. 55
وقد رأينا بعض الأحبة يندفع لقصر العدد في التراويح على إحدى عشرة ركعة ولا يكملون صلاة التراويح مع الإمام، بل يفارقونه إذا اكتمل العدد عشرة، ثم يأتون بركعة الوتر بمفردهم، وهذا الفعل مخالف للسنة من عدة أوجه:
الوجه الأول: ترك الائتمام بالإمام:
والنبي ﷺ يقول: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (١).
والحديث «يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة ليس منهيًّا عنها، وحينئذ نتابع الإمام، أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل: أن يصلي الإمام صلاة الظهر خمسًا، فإننا لا نتابعه» (٢).
الوجه الثاني: فوات فضل قيام ليلة:
وهذا بنص حديث أبي ذر السابق (٣).
ومفهوم المخالفة من الحديث: أن من لم يصل مع الإمام حتى ينصرف لم يُكْتَب له قيام ليلة؛ لأن من صلى مع الإمام التراويح، ولم يوتر معه لم يكن قد صلى مع الإمام حتى ينصرف، فيُحْرَم من هذا
стр. 56
الأجر العظيم، وهو أن يُكْتَب له قيام ليلة كاملة تامة (١).
الوجه الثالث: الاختلاف على الإمام:
ترك إكمال التراويح مع الإمام يؤدي إلى الاختلاف عليه واللغط والتشويش، والعامة يستغربون مفارقة هؤلاء للإمام، وموكب هؤلاء وهم يفارقون الإمام يشعر بالتدابر والتباعد.
وقد حذر النبي ﷺ من الاختلاف على الإمام، فقال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (٢).
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بالاجتماع والائتلاف، ونبذ الفرقة والشتات، والأدلة في ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
فهذا ابن مسعود ﵁ يصلي بِمِنًى أربع ركعات خلف عثمان ابن عفان ﵁، مع أنه يعتقد أن الصحيح ركعتان لا أربع، ولكنه يتابع الإمام؛ لأن الخلاف شر.
فعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ الله: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ؛
المطلب الرابع:
حكم التعقيب في ليالي رمضان
لا خلاف بين الفقهاء في سُنِّية قيام ليالي رمضان واستحبابه، لكن الخلاف في التعقيب وحكمه.
والتَّعْقِيْبُ هو: التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر.
وقد كره بعض الفقهاء أنْ يختم الإمام صلاة التراويح بالوتر، ثم يصلي بهم آخر الليل جماعة؛ وسبب الكراهة أن السنة أن يجعل المصلي آخر صلاته بالليل وترًا، وفي التعقيب لا يكون آخر صلاته وترًا.
قال إسحاق بن راهويه ﵀: «إنْ أتمَّ الإمام التراويح في أول الليل (١) كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته، وإن لم يتم بهم في أول الليل وأخَّر تمامها إلى آخر الليل لم يكره» (٢).
وقال الشيخ أبابطين ﵀: «ما يظنه بعض الناس من أن صلاتنا في
стр. 59
العشر هي صلاة التعقيب الذي كرهه بعض العلماء، فليس كذلك؛ لأن التعقيب هو التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر؛ هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب؛ أنه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح، فكلامهم ظاهر في أن الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب» (١).
وبعض الفقهاء أجاز صلاة التعقيب بلا كراهة، حتى إن أتمَّ الإمام صلاة التراويح وأوتر.
قال ابن قدامة ﵀: «فأما التعقيب، وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة، أو يصلي التراويح في جماعة أخرى؛ فعن أحمد: أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه. وكان لا يرى به بأسًا. ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قول قديم، والعمل على ما رواه الجماعة. وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل، أو إلى آخره، لم تكره رواية واحدة، وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة، فلم يكره، كما لو أخره إلى آخر الليل» (٢).
ونُقِل عن الإمام أحمد الروايتان: الجواز، والكراهة، قال ابن رجب
стр. 60
- ﵀: «اختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان» (١).
وقد رجَّح شيخنا ابن عثيمين ﵀ الكراهة، فقال: «القولُ الرَّاجحُ: أنَّ التَّعقيب المذكور مكروه، وهذا القول إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد ﵀، وأطلق الروايتين في (المقنع) و (الفروع) و (الفائق) وغيرها، أي: أنَّ الروايتين متساويتان عن الإمام أحمد، لا يُرَجَّح إحداهما على الأخرى. لكن لو أنَّ هذا التَّعقيبَ جاء بعد التَّراويح وقبل الوِتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل النَّاس اليوم في العشر الأواخر من رمضان، يُصلِّي النَّاس التَّراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجَّدون» (٢).
والمقصود أنه لا كراهة في الاستزادة من صلاة القيام آخر الليل لمن لم يوتر أول الليل، والخلاف فيمن أوتر أول الليل هل له أن يستزيد بعد ذلك أم لا؟
الذي يترجح لي جواز ذلك بلا كراهة، وحديث ابن عمر مرفوعًا: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (٣)، يحمل على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب، كما قال بذلك عددٌ من الفقهاء (٤).
стр. 61
المطلب الخامس:
حكم قول «صلاة القيام أثابكم الله»
لم يَرد في السُّنَّة الأذان أو الإقامة لشيء من الصلوات، سوى الخمس المفروضة، إلا ما ورد في صلاة الكسوف، حيث ينادى لها بـ (الصلاة جامعة)؛ لما جاء من حديث عبد الله بن عمرو ﵂، قال: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ» (١).
وصلاة العيدين مع عظمها لم يشرع لها أذان ولا إقامة، فعن جابر بن عبد الله ﵂، قال: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» (٢).
فإذا تقرر ذلك؛ عُلِمَ أنَّ قول بعضهم عند القيام لصلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله)، غير مشروع، والأصل في العبادات التوقيف، وأيضًا لم ينقل عن أحد من السلف فعله.
стр. 62
قال ابن حزم ﵀: «لا يُؤَذَّن ولا يُقَام لشيء من النوافل» (١).
وقال المرداوي ﵀: «الصحيح من المذهب: أنه لا يُنَادَى على الجنازة والتراويح» (٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «قول الناس: (صلاة القيام أثابكم الله)، وقول الإمام: (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد) بصوت مرتفع، وقول المأمومين ذلك بعده، وقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين بصوت مرتفع بعد صلاة الركعتين؛ كل هذا من البدع المحدثة» (٣).
стр. 63
المبحث الرابع:
شذرات وإشارات
وفيه ثلاثة عشر مطلبًا:
المطلب الأول: الإمامة رسالة وأمانة.
المطلب الثاني: يُنال التوفيق بفعلِ أسبابه.
المطلب الثالث: استجماع القوى الثلاث.
المطلب الرابع: أثر الوقف الصحيح في فهم الآيات.
المطلب الخامس: مكايد الشيطان.
المطلب السادس: الشرك الخفي.
المطلب السابع: ليكن لك خبيئة.
المطلب الثامن: السِّر العجيب.
المطلب التاسع: إياك والتكلف.
المطلب العاشر: الداء الدفين.
المطلب الحادي عشر: تَصَنُّع الخشوع.
المطلب الثاني عشر: فتنة الدهماء.
المطلب الثالث عشر: الاعتداء في الدعاء.
стр. 64
أيها الإمام الموفق:
في هذا المبحث سطور وحروف منقوشة بمداد الحب لأئمة التراويح، الذين اختارهم الله لحمل هذه الرسالة العظيمة، والمهمة الجسيمة، فمَكَّنَهُم من إقامة هذه الشعيرة، وجعلهم للناس قدوة، وشرَّفَهم بحمل كتابه بين جنبات قلوبهم؛ فأنار بصائرهم بالقرآن.
هي مباحث في بعض أحيانها جوانب قلبيةٌ دقيقة يدركها من وفَّقَه الله لطلب صلاح قلبه واستحضار عظم الأمانة وإدراك جمال الغاية ونبل المقصود.
وفي أحيانها الأخرى معالجةٌ لواقعٍ يكثرُ في بعض الصور ويقل في غيرها، فهي تحتاج منك - أيها الإمام الموفق - إلى وقفات وتأملات.
جُمِعَت هذه الإشارات لتُعنى بجوانب خاصة من النفس البشرية وما يعتريها ويطرأ عليها من مداخل وخطرات قد لا ينجو منها أحد إلا بتوفيق الله ثم مجاهدة النفس وفهم خصائصها وسبر أغوارها.
فبين يديك أخي شذرات أخاطب بها نفسي وإخوتي الأئمة الذين شرفهم الله وجعلهم لعباده قدوة يأتمون بهم في أعظم المواقف، قيامًا بين يدي خالقهم، وعلى قدر شرف المنزلة تعظم المسؤولية.
فاجعل هذه الشذرات محلّ عنايتك، واستجمع لها فكرك، وليهنكَ مقامُ الإمامة، فيا سعادة إمام جمع أسباب التوفيق وأدرك
стр. 65
اصطفاء الله له، وأعطى الإمامة حقها، واستنَّ بسنة إمام المرسلين ﷺ ، فكم تستوجب هذه النعمة من شكر، فأي خير بعد أن يجمع الله للإنسان منزلة حمل القرآن، والصلاة بالمؤمنين، وأن يكون محل قدوتهم.
زادك الله توفيقًا، وسدد خطاك، وبارك لك فيما أعطاك.
стр. 66
المطلب الأول:
الإمامة رسالة وأمانة
الإمامة في الصلاة رسالة عظيمة تحمل في طياتها معانيَ كبيرة تشتمل على القدوة الخلُقِيَّة والعلمية، وتقريب كتاب الله للناس، وإسماعهم كلام ربهم، والاحتساب في نفع المسلمين وهدايتهم، ولهذا فإن إمام المسجد في أزمانٍ سالفة كان يُعد مِشْعلَ نور، ونبراسَ هداية، ومحورَ خير، يهتدي الناس بعلمه وخلقه وأدبه وحكمته.
ففي جامع الترمذي من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (١)، وفي هذا إشارة إلى حاجة الإمام إلى الرشد
стр. 67
والفقه الذي يُعَرِّف الناسَ من خلاله أمورَ دينهم.
«والإمامة كما أنها تعني تقدم المصلين في الصلاة فهي كذلك تعني - تبعًا لذلك - تعليمهم وإرشادهم وتَفَقُّد أحوالهم، وتوجيههم إلى أن يكونوا على المستوى اللائق في دينهم ودنياهم.
لذا فإن من أهم الضمانات في تحقيق رسالة المسجد أن يتولى العلماء والمشايخ إمامة المساجد ثم الأمثل فالأمثل. وإذا أهمل العلماء هذا الأمر
стр. 68
تَصَدَّر للإمامة من يَقَلُّ فقههم وعلمهم من العوام وأشباه العوام، أو ذوي النزعات غير المرضيَّة، مما يؤدي إلى ظهور نزعات الأهواء والاجتهادات الخاطئة، ونحو ذلك» (١).
стр. 69
المطلب الثاني:
يُنال التوفيق بفعل أسبابه
من أعظم أسباب التوفيق الإخلاص لله تعالى، فهو رُوح الأعمال الصالحة، وكل عملٌ لا إخلاص فيه كالجسد بلا روح، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وعن أبي أمامة ﵁: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : لا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (١).
واحذر شائبة التَّطَلُّع للذكر، قال الفضيل بن عياض ﵀: «من
стр. 70
أحبَّ أن يُذكَر لم يُذكَر، ومن كَرِه أن يُذكَر ذُكِر» (١)، فاحذر هذه الشائبة، وعالج النية؛ فإنها سر العبودية، وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، فالزم حبل الإخلاص، وتعاهد نفسك.
قال ابن القيم ﵀: «العمل بلا إخلاص ولا اقتداءٍ كمسافر يملأ جِرابَه رملًا يثقلُه، ولا ينفعُه» (٢).
ولئن كان تَحرِّي الإخلاص واجبًا في كل شيء؛ فإن حمل النفس عليه في هذا الباب أوجب وآكد.
ومتى ما آنست من نفسك تَحقُّق الإخلاص، وخُيِّل إليك أنك مخلص، فاعلم أن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص، وإذا ظن الإنسان هذا من نفسه فهو أبعد ما يكون عنه، وإذا لم يَرَ في نفسه شيئًا من ذلك وكان مُتَّهِمًا لنفسه فهو إلى توفيق الله أقرب.
وقد عاش السلف وماتوا وهم يَشْكون عُسر الإخلاص، وتقلُّب النية، قال سفيان الثوري ﵀: «ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من نِيَّتي، إنها تَقَلَّبُ عليَّ» (٣).
стр. 71
المطلب الثالث:
استجماع القوى الثلاث
ينبغي لمن وُفِّق لإمامة الناس أن يستجمع قبل الشروع في الإمامة أنواع القوى المُعِينَة على كمال الصلاة، وخشوعها، وهي:
١) قوة استحضار الوقوف بين يدي الله.
٢) قوة الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به.
٣) قوة استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن.
وفيما يلي تفصيل لهذه القوى:
- أولاً: استحضار الوقوف بين يدي الله:
فهذا الموقف هو أعظم المواقف وأَجلِّها وأشرفها؛ إذ يقف العبد بين يدي مولاه تاليًا لكتابه في بيت من بيوته، قد اصطف الناس من خلفه يُسْمِعُهم كلام ربهم.
فعلى الإمام أن يستشعر هذا الموقف، ويُفْرِغ القلب، ويُخْرِج منه الالتفات إلى ما سواه من المخلوقات، والإقبال على غيره؛ فيتوجه
стр. 72
بقلبه مستحضرًا الوقوف بين يدي العظيم الجليل الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل من كل شيء، وأعظم من كل شيء (١).
يقول ابن القيم ﵀: «وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة، ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة» (٢).
- ثانيًا: الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به:
وإذا كان المرء مأجورًا في احتسابه بالإحسان إلى عباد الله في الصدقة، وإزالة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة، والابتسامة، وحمل المتاع على الدابة، ونحو ذلك مما جاءت به السنة؛ فإن أعظم الأجر الإحسان إلى عباد الله بكلام الله: إسماعًا وتدبرًا.
فأين المحتسبون من الأئمة في أجلِّ أبواب الإحسان؟
стр. 73
وأين المبتغون لهداية البشر بكلام رب البشر؟
وأين الملتمسون لبركة القرآن على أنفسهم وإخوانهم وأحبابهم وجيرانهم وسائر عباد الله؟
فينبغي للإمام أن يحتسب قراءته للقرآن لله ، وأن يقصد بتلك القراءة إسماع الناس كلام الله تعالى وتذكيرهم به؛ حتى يؤثر ذلكم في قلوبهم؛ فيخشون الله ويخافونه.
يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، فأمر الله نبيه ﷺ أن يُذَكِّرَ قومَه بهذا القرآن، وهذه الآية فيها بيان لأسلوب من أساليب الدعوة، وهو التذكير بالقرآن، ومن أنواع التذكير: تلاوة القرآن على الناس جميعًا (١).
وهذا درس بليغ للأئمة: أن يعملوا على إحياء قلوب المصلين بسماع كلام الله؛ حتى يلتفتوا إلى هذه المواعظ الإلهية، ويتدبروها ويتعقلوها ويعملوا بها.
والتذكير بهذا الكتاب العظيم وظيفة العالم وطالب العلم والداعية، ويتأكد التذكير بالقرآن في حق الإمام؛ حيث شرفه الله بالإمامة والقرآن، والناس من خلفه يستمعون، ويزداد هذا التأكيد في شهر
стр. 74
رمضان شهر القرآن، الذي هو فرصة عظيمة لقراءة كتاب الله وتذكير الناس به.
- ثالثًا: استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن:
إن تدبر الآيات من أعظم مقاصد إنزال القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
وشهر رمضان الذي هو شهر القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، هو أَوْلى الشهور بتلاوة القرآن وتدبره وفهمه وتعقله.
ومن أَجَلِّ مقاصد القيام في شهر رمضان: تدبر الآيات القرآنية، وفهمها فهمًا صحيحًا، يؤدي إلى الخشوع والتذلل لله تعالى، والعمل بما دلت عليه هذه الآيات.
ومما يعين على تقوية ملكة التدبر لكتاب الله ، واستحضار معاني الآيات القرآنية، ما يلي:
أولًا: حضور القلب عند قراءة القرآن:
على الإمام وهو يقرأ في الصلاة أن يستحضر الآيات بقلبه وفكره وعقله كله، وهذا أدعى لفهم معاني الآيات والغوص في أعماق دلالاتها.
«ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وَجَدَ فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من
стр. 75
الكلام لا منظومه ولا منثوره» (١).
ثانيًا: التلذذ بتلاوة القرآن:
إن لآيات الله أثرًا عميقًا في النفوس؛ فينبغي أن يطلبه القارئ باذلًا وسعه مستفرغًا طاقته، مستجمعًا مواطن البلاغة القرآنية، ناظرًا إلى أثرها النفسي على روحه ووجدانه، مخاطبًا عقله وقلبه.
إن التلذذ بالقرآن نعمة لا تعدلها - بجمالها وقدسيتها - نعمة، فأي شيءٍ أجمل وأنبل من خطاب الرحيم الرحمن عِبَاده بمعجزةٍ خالدةٍ تأخذ بالألباب وتحلق بالأرواح في آفاقٍ من الخشوع والسكينة يعيشها من يستلذ بجمال هذا الخطاب الرباني، ويبحر في أسراره وفوائده.
يقول ابن القيم ﵀: «فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه» (٢).
ثالثًا: أن يعرض الإمام نفسه على كتاب الله:
ما أجمل قارئ القرآن وهو يعرض نفسه على كتاب الله ، ويستحضر أنه هو المخاطب بهذه الآيات، فيقرأ آيات القرآن؛ ليؤدب