← Адаб

Адаб · id 5502

المصون في الأدب

العسكري، أبو أحمد

Полный текст (226 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في نقد الشعر قال الحسن بن عبد الله بن سعيد: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال أخبرنا الرياشيّ عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان النابغة الذبيانيّ تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها، فأتاه الأعشى فأنشده أول من أنشد، ثم أنشده حسّان: لنا الجَفَناتُ الغُرًّ يلمعن بالضُّحى ... وأسيافُنا يقطرن من نجدة دَما ولدنا بنى العنقاءِ وابنَىْ محرِّقٍ ... فأكرمْ بنا خالاً بنا ابنما

стр. 2

قال النابغة: أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وسيوفك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: حدثني علي بن العبّاس قال: رآني البحتريُّ ومعي دفتر، فقال: ما هذا؟ فقلت: شعر الشَّنفري قال: وإلى أين تمضي؟ قلت: أقرؤه على أبي العباس أحمد بن يحيى. قال: رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام، فلم أر له علماً بالشعر مرضيّاً، ولا نقداً له، ورأيته ينشد أبياتاً صالحةً ويعيدها، إلا أنها لا تستوجب الترديد والإعجاب بها: قلت: وما هي؟ قول الحارث بن وعلة الشّيبانيّ: قومي همُ قتلوا أميمَ أخى ... فإذا رميت يصيبني سهمي

стр. 3

فلئن عفوتُ لأعفون جللاً ... ولئن سطوتُ لأُوهنَنْ عَظمى قلت: وهي يكون الحسن إلا مثل هذا، فما يعجبك أنت؟ قال يعجبني والله قول ربيّعة بن دؤاب الأسديّ: إن يقتلوك فقد هتكتَ بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهابِ بأحبِّهم فقْداً إلى أعدائهِ ... وأشدِّهم فقداً على الأصحابِ قال: فإذا هو لا يعجب من الشعر إلا بما وافق مذهبه قال أبو بكر: نقد الشعر وترتيب الكلام، ووضعه مواضعه، وحسن الأخذ، والاستعارة، ونفى المستكره والجاسي صنعةٌ برأسها، ولا تراه إلى لمن صحّت

стр. 4

طباعهم، واتّقدت قرائحهم، وتنبهت فطنهم، وراضوا الكلام، ورووا وميَّزوا. هذا شاعر حاذقٌ مميِّز ناقد، مهذّب الألفاظ، مثل البحتريّ، لم يكمل لنقد جميع الشعر. ولو أنّ نقد الشعر والمعرفة كان يدرك بقول الشعر وبالرواية، لكان من يقول الشعر من العلماء ويعرض له أشعر الناس. هذا الخليل بن أحمد، وحمّاد الراوية، وخلفٌ، والأصمعيّ وسائر من يقول الشعر من العلماء، ليس شعرهم بالجيِّد من شعر زمانهم، بل في عصر كل واحدٍ منهم خلقٌ كثيرٌ ليس لجماعتهم علم واحد من هؤلاء، وكلُّهم أجود شعراً. فقد يقول الشعر الجيِّد من ليس له المعرفة بنقده، وقد يميِّزه من لا يقوله. وقد قيل لابن المقفّع: لم لا تقول الشِّعر مع علمك به؟ فقال: أنا كالمسنّ، أشحذ ولا أقطع. أخبرنا الفسوىّ قال: حدّثني يموت بن المزرَّع قال: سمعت الجاحظ يقول: أجود الشعر ما رأيته متلاحم

стр. 5

الأجزاء، سهل المخارج، كأنّه قد سبك سبكاً واحداً، وأفرغ إفراغاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري فرس الرِّهان، وحتى تراها متّفقة ملساً، وليّنة المعاطف سهلة. فإذا رأيتها مخلِّعة متباينة، ومتنافرة مستكرهة تشقُّ على اللسان وتستكدُّه، ورأيت غيرها سهلة ليّنة رطبةً متواتية سلسةً في النظام، حتّى كأنّ البيت بأسره كلمة واحدة، وحتّى كأنّ الكلمة بأسرها حرفٌ واحد، لم يخف على من كان من أهله. من ذلك قوله: من كان ذا عضُد يدركْ ظُلامتَه ... إنّ الذليل الذي ليست له عضُدُ تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصرهُ ... ويأنفُ الضَّيمَ إن أثرى له عددُ

стр. 6

وقوله: رمتني وسترُ الله بيني وبينها ... عشيّة أحجار الكناس رميمُ فلو كنت أسطيعُ الرِّماءَ رميتُها ... ولكنّ عهدي بالنَّضال قديم فميِّل بين هذا وبين قوله: لم يضرْها والحمدُ لله شيءٌ ... وانثنتْ نحو عَزْفِ نفسٍ ذهول فتفقَّد النِّصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأُ من بعض، كما قال: وبعضُ قريض القوم أولادُ علّه ... يكدُّ لسان الحافظ المتحفِّظ

стр. 7

وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى أبيات ابن الرومي: ومهفمفٍ تمتْ محاسنهُ ... حتى تجاوزَ منتهى النًّفسِ تصبو الكؤوسُ إلى مراشفِهِ ... وتهشُّ في يده إلى الجسِّ أبصرته والكاسُ بين فمٍ ... منه وبين أناملٍ خمسِ فكأنَّها وكأن شاربها ... قمرٌ يقبِّل عارضَ الشمس فقال أبو بكر: قد أحسن وملّح، إلاّ أنّه جاءَ بالمعنى في بيتين، واقتضى للبيت الأوّل ديناً على البيت الثاني. وخير الشّعر ما قام بنفسه، وكما معناه في بيته، وقامت أجزاء قسمته بأنفسها، واستغنى ببعضها لو سكت عن بعض، مثل قول النابغة: فلست بمستبقٍ أخاً لا تُلمُّه ... على شعَثٍ أيُّ الرجال المهذَّبُ فهذا أجلُّ كلام وأحسنه، ألا ترى أن قوله: فلست

стр. 8

بمستبقٍ أخاً لا تلمُّه، كلامٌ قائم بنفسه. فإن زدت فيه على شعثٍ كان أيضاً مستغنياً. ولو قلت أيّ الرجال المهذًّب، وهو آخر البيت، مبتدئاً به كمثلٍ أردته، كنت قد أتيت بأحسن ما قيل فيه. قال أبو أحمد: وحدّثني جماعة من أصحابنا عن أحمد بن يحيى البلاذريّ قال: قرأت على ابن الأعرابيّ شعر الأعشى، فلمّا بلغت قوله لا تشكَّى إلىَّ من ألم النِّس ... عِ ولا من حَفىً ولا من كَلال نقب الخفّ للسّرى ... قال ابن الأعرابي: نقب الخفِّ للسُّرى، فقلت أصلحك الله، إنّ تضمين بيتين عيبٌ في الشعر شديدٌ أفيضمّن الأعشى مع حذقه وتقدُّمه ثلاثة أبيات فيقول لا تشكَّى إلىّ من ألم النِّس ... عِ ولا من حَفىً ولا من كَلالِ نَقَبَ الخفِّ للسّرى وترى الأن ... ساعَ من حلِّ ساعةٍ وارتحالِ

стр. 9

أثّرتْ في جناجنٍ كإران ال ... ميت عُولينَ فوق عُوجٍ طوالِ فقال ابن الأعرابيّ: أنت شاعر؟ فقلت: شاعر كاتب فقال: منها علمت، اروه كما رويت: نقب الخفُّ للسُّرى قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، وأبو روق، قالا: أنشدنا الرياشيّ: زواملُ للأشعار لا عِلمَ عندهم ... بجيِّدها إلاَّ كعلم الأَباعرِ لعمرك ما يدرى البعيرُ إذا غدا ... بأوساقه أو راحَ ما في الغرائر أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه قال:

стр. 10

أنشدنا أحمد بن يحيى: الشعرُ لبُّ المرءِ يعرضه ... وتراه مثل مواقع النَّبل منه المقصِّر عن رميّته ... ونوافذٌ يذهبن بالخصْلِ أخبرنا أبو بكر النديم قال: حدثني يحيى بن علي أبو أحمد قال: نازعني محمد بن القاسم بن مهرويه يوماً فقال: دعبلٌ أشعر من أبي تمام فقلت له: بأيّ شيءٍ قدّمته: فلم يأت بمقنع، فجعلت أنشده محاسنها فيرى محاسن أبي تمام أكثر وأطرز، فأقام على تعصُّبه فقلت فيه: يا أبا جعفر أتحكم في الشِّع ... ر وما فيك آلةُ الحكّامِ إنّ نقد الدينار إلاّ على الصَّيْ ... رف صعبٌ فكيف نقدُ الكلام

стр. 11

قد رأيناك ليس تفرقُ في الأش ... عار بينَ الأرواحِ والأجسام قال: وحدّثني أبو أحمد عن أبيه عن إسحاق قال: كان إدريس بن سليمان بن أبي حفصة، أخو مروان، ينشد الشعرَ الجيّد لنفسه ثم يقول: يا أبا محمد، قول الشِّعر أشدّ من قضم الحجارة على من يعلمه! وهو القائل: وأنفى الشعرَ لو يلقاه غيري ... من الشُّعراء ضنّ بما نفيتُ قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد: سرق إدريس بن سليمان هذا القول من قول الفرزدق: أنا عند العرب أشعرُ الناس، ولربّما كان نزع ضرس أسهل على من قول بيت شعر قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله: وأنشدني أبو أحمد يحيى بن علي:

стр. 12

اعرف الشعر قبل تعرضه ... وادرِ ما وكدهُ وما سببه وأعاريضَه التي أَخذت ... منْ أساليبه ... وما شُعُبه إنما الشعرُ حُسن وحيٍ إلى ... حرِّ معنىً وبعده طُنبه وحُلاهُ ألفاظه لا كمن ض ... مَّ قماشاً بالليل محتطبُة أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو العيناء قال سمعت الأصمعيَّ يقول: أحسن ما قيل في اللوَّن عمر بن أبي ربيعة: وهي مكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أديم الخدَّين ماءُ الشَّبابِ

стр. 13

شفَّ عنها محقَّق جندىٌّ ... فهي كالشَّمس من وراء السّحاب وأحسن ما قيل في السِّنِّ قول بشر بن أبي خازم: يفلّجن الشّفاه بأقحوانٍ ... جلاه غبّ سارية قطار وأحسن ما قيل في العين قول عديّ بن الرّقاع: وكأنّها بين النّساء أعارَها ... عينيه أحورُ من جآذر جاسمِ وسنانُ أقصده النعاسُ فرنّقت. ... في عينه سنةٌ وليس بنائم قال أبو أحمد: سمعت أبا بكر يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لو سئلت عن أحسن أبياتٍ تصَّرفت من المراثي لم أختر على أبيات الخريمي:

стр. 14

ألم ترني أبنى على الليث بيته ... وأحثُو عليه التّربَ لا أتخشَّعُ وأعددتُه ذخراً لكلِّ ملمَّة ... وسهمُ المنايا بالذَخائر مُولَع وإنِّي وإن أظهرتُ منّي جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عليه لموجَع ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه ... عليه ولكن ساحةُ الصَّبر أوسعُ وقال الأصمعيّ: أرثى بيتٍ قيل في الجاهلية: أيّتها النفس أجملي جَزَعا ... إنّ الذي تحذرين قد وقعا وقال أبو عمر: أرثى بيت قول عبدة: فما كان فيسٌ هُلكُه هلكَ واحدٍ ... ولكنَّه بنيانُ قوم تهدَّما

стр. 15

وقال خلفٌ: أرثى بيت: الآن لمّا كنت أكملَ من مَشَى ... وافترَّ نابُك عن شَباة القارح وتكاملَتْ فيك المروءةُ كلُّها ... وأعنتَ ذلك بالفعال الصالح وقول الخنساء: أغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ وقال غيره: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوِّه ... فطيبُ تُراب القبر دلّ على القبر وقال غيره: لن يلبث القُرناءُ أن يتفرَّقوا ... ليلٌ يكرُّ عليهُم ونهارُ

стр. 16

قال الأصمعي: أرثى بيت قوله: ومن عَجَبٍ أن بتَّ مستشعرَ الثرى ... وبتُّ بما زودّتني متمتِّعا ولو أنّني أنصفتك الودَّ لم أبتْ ... خلافك حتّى ننطوي في الثرى معا قال أبو أحمد: أخبرني أبو عبد الله نفطويه، أخبرنا أحمد بن يحيى عن الرياشي عن الأصمعي قال: قيل لأبي عمرو بن العلاء: ما أحسن ما قيل في الماء؟ فقال: قول امرئ القيس: فلمّا استطابوا صبّ في الصّحن نصفه ... وشجّ بماءٍ غير طرقٍ ولا كدر بماءِ سحابٍ عن صخرةٍ إلى ... بطن أخرى طيِّب طعمه خصرْ وقيل له: ما أجود ما قيل في صفة سيل؟ قال قول أبي ذؤيب:

стр. 17

لكلِّ مسيلٍ من تهامة بعد ما ... تقطَّعُ أقرانُ السّحاب عجيج قيل: فما أحسن ما قيل في السحاب؟ قال قول أوس: دان مسفِّ فويق الأرض هيدبُه ... يكاد يدفعه من قام بالرَّاحِ فمن بنجوته كمن بعقوتهِ ... والمستكنُّ كمن يمشي بقرواحِ يقشر جلدَ الحصى أجشَّ مبتركا ... كأنه فاحصٌ أو لاعبٌ داح قال: وأهجى بيت قالته العرب قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاءً بطونَكم ... وجاراتكم غرثى يبتنَ خمائصا

стр. 18

وقول زيد الخيل: وخيبةُ من يخيب على غنىّ ... وباهلة بن أعصرَ والرّبابِ وقول جرير: فغُضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا وقوله: وإنّك لو رأيتَ عبيدَ تيمٍ ... وتيماً قلت أيُّهم العبيدُ ويقضى الأمرُ حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنون وهم شهودُ وقوله: وكنتَ إذا حللتَ بدار قومٍ ... رحلت بخزية وتركتَ عارا

стр. 19

وأفحش بيت قالته العرب قوله: قومٌ إذا طرق الأضيافُ دارهمُ ... قالوا لأمِّهم بولي على النارِ وقال عبد الملك بن مروان: أهجى بيت: فإن تصبك من الأيام جائحةٌ ... لم أبكِ منك على دنيا ولا دين وأهجى بيت في الإسلام: قبحتْ مناظرُه فحينَ خبرتُه ... فبحتْ مناظره لقُبح المخْبَر قال: وأمدح بيت قول زهير: تراه إذا ما جئته متهلِّلاً ... كأنك معطيه الذي أنت سائلُه وبيت النابغة:

стр. 20

بأنّك شمس والملوك كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبد منهنّ كوكب وبيت جرير: ألستم خيرَ من ركب المطايا ... وأندى العالمينَ بطونَ راحِ وبيتُ أبى الطّمحان القينىّ: أضاءَت له أحسابُهم ووجوهُهم ... دجى الليل حتّى نظّم الجَزعَ ثاقبُه وقال ابن الأعرابيّ: أمدح بيت قالته العرب قول أوس بن مغراء في سعيد بن العاص: ما بلغتْ كفُّ امرئٍ متناولٍ ... من المجد إلاَّ والذي نلت أطولُ

стр. 21

ولا بلغَ المهدون في القول مدحةً ... وإنْ أطنبوا إلاّ الذي فيك أفضلُ وقال غيره: أمدح بيت قولُ الأعشى: فتىً لو يبارى الشمسَ ألقتْ قناعها ... أو القمرَ الساري لألقى المقالدا وقال ابن شبرمة: قول الحطيئة: أولئك قومٌ إنْ بنَوا أحسنوا البُنى ... وإن عاهدوا أوفوْا وإن عقَدوا شدُّوا وإن كانت النعماءُ فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا وقالوا أيضاً: بيت زهير: على مكثِريهم حقُّ من يعتريهم ... وعند المقلِّين السماحةُ والبذلُ

стр. 22

وقالوا: بيت حسّان: يغشونَ حتّى ما تهرُّ كلابُهم ... لا يسألون عن السَّواد المقبلِ وقالوا: بيت النابغة الجعديّ: فتىً تمَّ فيه ما يسرُّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوءُ الأعاديا وقال الأصمعيّ: أحسن بيتٍ وصف به درعٌ قول أبي دواد الإياديّ: وأعددتُ للحرب فضفاضةً ... تضاءلُ في الطَّىّ كالمبردٍ وأحسن ما قيل في زمامٍ قوله:

стр. 23

تنازع مَثنَى حضرميّ كأنّه ... حُبابُ نقا يتلوه مرتحِلٌ يرمي وأحسن ما وصف به هاجرٌ قوله: أشمُّ مخارم الأعلام صخدٌ ... كأنّ الشمس تنفخُ فيه نارا صخدٌ: شديد الحرّ. وقال يحيى بن خالد: أحسنُ بيتٍ انتظم وصف الدنيا: حتوفُها رصدٌ وعيشُها رنقٌ ... وكدُّها نكدٌ وملكها دُوَل قال جرير: وددت أنّى قلتُ بيتيْ مزاحمٍ العقيليّ ولم أقل شيئاً من الشعر: وددتُ على ما كان من سرف الهوى ... وغرِّ الأماني أنّ ما شئتُ أفعلُ فترجع أيّامٌ تقضَّتْ وعيشةٌ ... تولَّتْ وهل يثنى من الدَّهر أوَّلُ

стр. 24

من أحسن ما قيل في الأوصاف والتَّشبيه أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: قال الهيثم بن عديّ: قال لنا صالح بن حّسان: أنشدوني أحسن شيء قيل في الثُّريّا. قلنا: بيت امرئ القيس: إذا ما الثُريّا في السماء تعرَّضَتْ ... تعرُّض أثناءِ الوشاح المفصَّلِ قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيت عبد الله بن الزَّبير: وقد حزنَ الغورُ الثُّريّا كأنّها ... يدا رايةٍ بيضاءَ تخفق للطَّعنِ

стр. 25

قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيتُ ذي الرمّة: وردت اعتسافاً والثُّريا كأنّها ... على قمّة الرأْس ابن ماء محلِّقُ يدفُّ على آثارها دبرانُها ... فلا هو مسبوقٌ ولا هو يلحق قال: أريد أحسن من هذا. قلنا بيت يزيد بن الطَّثرية: إذا ما الثُّريا في السماءِ كأنها ... جمانٌ وهي من سلكه فتبدّدا قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: قولُ الآخر: نظرتُ والثُّريا كأنّها ... قلادةُ سلكٍ سلَّ منها نظامها

стр. 26

قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: ما عندنا. قال: بيت أبي قيس بن الأسلت: وقد لاحَ في الصُّبح الثُّريا لمن رأى ... كعنقود ملاّحيّة حين نورا ومّما جاء في صفة الثريا: ولاحت لساريها الثُّريا كأنّها ... لدى الجانب الغربيّ قرطٌ مسلسل فأخذه ابن الروميّ فقال: طيّب ريقُه إذا ذقتَ فاه ... والثُّريا لجانب الغربِ قرطُ وممن أحسن وصف الثُّريا عبد الله بن المعتزّ في قوله: ألا سقِّنيها والظَّلامُ مقوَّضُ ... وخيلُ الدُّجى في حلبة الليل تركضُ

стр. 27

كأن الثّريّا في أواخر ليلها ... تفتُّحُ نورٍ أو لجامٌ مفضَّض وقال أيضاً فلم يقع له جيِّداً: فناولنيها والثريا كأنَّها ... جنى نرجسٍ حيّا النّدامى به الساقي فلم يستو، قوله كأنّها جنى نرجس. ولو وقع له وزنٌ يقول فيه باقة أو طاقات نرجس، على أنّه جنى نرجس بمعنى مجتنى نرجس، كما يروى عن أمير المؤمنين ﵇: هذا جناى وخياره فيه وقال فأحسن وشبّه طلوعها في الليالي المظلمة: قم يا نديمي نصطبح بسوادِ ... قد كاد يبدو الفجر أو هو بادِ وأرى الثريا في السَّماءِ كأنّها ... قدمٌ تبدَّت من ثياب حداد

стр. 28

وقال عبد الله بن المعتز: وترى الثُّريا في السَّماءِ كأَنها ... بيضاتُ أدحىّ يلحنَ بفَدفدِ وقال غيره: وترى النجومَ المشرِقا ... ت كأنّها دورُ العصابةْ وترى الثريّا وسطها ... وكأنّها زردُ الذُّؤابة أنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرّع لنفسه: تأمَّلتُ الثريّا ... في طلوع ومغيبِ فتخيّرتُ لها التَّش ... بيه بالمعنى المُصيبِ

стр. 29

هي كأسٌ في شروقٍ ... وهي قرطٌ في غروبِ وقال عبد الله: قد سقاني المدامَ وال ... لَّيلُ بالصبح مؤتزِرْ والثريّا كنور غص ... نٍ على الغرب قد نثر وقال ابن طباطبا: كأنّ الثريا لؤلؤٌ متراصفٌ ... يرى أبداً حلياً لظلماءَ عاطلِ ومّما وصف به الجوزاء والشعرى، قال ابن طباطبا: إذا ما الثُّريا والهلالُ جلتهُما ... لي الشمَّس إذ ودّعت كرهاً نهارَها كأسماء إذ نابت عشاءً وغادرت ... لدينا دلالاً قرطها وسوارَها

стр. 30

ومنقلبِ الجوزاء يحكى وشاحُها ... لآلئ فيها لا تخاف انتثارها وأنسىَ بالشعرى العبور كدمعةٍ ... بعينِ محبٍّ لا يحبُّ انحدارها ورّعيى سهيلا مثل نارٍ بربوةٍ ... يحرّك منها المواقدُ استعارَها ونهج ابيضاضٍ للمجرّة لا حبٍ ... إذا شقَّ من روض البنات استتارها وقال: كأنّ سنا خطِّ المجرّة بينها ... ترقرقُ ماءٍ بين نوّاره جارِ كأنّ يد الجوزاء مع لمع برقها ... تهزُّ صفيحاً أو تشبّ سنا نارِ وقال عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر: أقول لمّا هاج شوقي الذّكرى ... واعترضت بطن السماءِ الشّعرى

стр. 31

كأنها ياقوتة في مدرَى ... ما أطول الليل بسُرَّ من را وقال عبد الله يصف الجوزاء: وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعه ... كذات قرط أرادته وقد سقطا وقال يصف العقرب: حتّى تهاوتْ زهر الكواكبِ ... وأصغت العقربُ للمَغاربِ بذنبٍ كصولجانِ اللاعبِ وقال ابن طباطبا: وليلٍ أرى الجوزاءَ فيه مطلّةً ... علىّ تحاكي شخصَ نشوانَ مائلِ وقد أتلعت منها نجومٌ وشاحها ... كأنّ سناها فضةٌ من حمائل

стр. 32

وقال عبد الله: ولاحت الشعرى وجوزاؤها ... كمثل رمحٍ جرَّه رامحُ وقال في سهيل: وقد لاح للساري سهيلٌ كأنه ... على كل نجمٍ في السماءِ رقيب وقال ابن طباطبا: ها إنها الجوزاء في غربها ... ناعسةٌ أنجمُها تسحبُ نطاقها واهٍ لتغريبها ... ينسلُّ منها كوكبٌ كوكبُ كأنما الشِّعرى سنانٌ له ... نيطَ به ديباجُه الغيهبُ كأنما لمع سهيلٍ سنا ... نارٍ على رابية يثقبُ

стр. 33

ومما استحسن في وصف القمر والهلال قال عبد الله بن المعتز: ومصباحنا قمرٌ مشرقٌ ... كترسِ لجينٍ يشقُّ الدٌّجى وقال محمد بن أحمد العلوى: ما للهلالِ ناحلاً في المغربِ ... كالنُّون قد حطَّت بماءٍ مذهبِ وقال: أهلاً يفطرٍ قد أنارَ هلاله ... فالآن فاغدُ على المدام وبكِّر وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلته حمولةٌ من عنبرِ وقال أبو نواس: يا قمراً للنِّصف من شهرهِ ... أبدى ضياءً لثمانٍ بقينْ

стр. 34

يقول: أنت كامل الحسن وإنّما جدت لنا ببعض وصلك! أخذه من قول قيس بن الخطيم: تبدّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنّت بحاجب وقال: في قمر مشرقٍ نصفه ... كأنّه مجرفةُ العطر وقال عبد الله بن المعتز: وجاءني في قميص الليلِ مستتراً ... يستعجل الخطوَ من خوفٍ ومن حذرِ ولاحَ ضوءُ هلالِ كاد يفضحه ... مثلَ القلامة قد قصَّت من الظُّفُر

стр. 35

وقال أيضاً يصف الهلال: قد انقضتْ دولةُ الصِّيام وقد ... بشَّرَ سقم الهلالِ بالعيد يتلو الثريا كفاغرٍ شره ... يفتح فاه لأكل عنقود وقال أيضاً: في ليلة أكل المحاقُ هلالها ... حتّى تبدّى مثل وقف العاج وقال ابن طباطبا: وقد غمَّضَ العربُ الهلالَ كأنّما ... يلاحظُ منه ناظر ذات أشفارِ كأن الذي بقَّى لنا منه أفقهُ ... فضيضُ سوارٍ أو قراضة دينار

стр. 36

وقال عبد الله بن المعتز: وقد بدت فوق الهلال كرتُه ... كهامة الأسود شابت لحيتَه وقال عبد الله يهجو القمر: يا سارقَ الأنوار من شمس الضُّحى ... يا مثكلى طيبَ الكرى ومنغِّصى أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌ ... وأرى حرارة نارها لم تنقُضِ لم يَظفر التشبيهُ منك بطائل ... متسلِّخٌ بهقاً كلون الأبرص

стр. 37

مما قيل في الليلة المقمرة والليالي المظلمة قال عبد الله بن المعتز: هل لك في ليلة بيضاءَ مقمرةٍ ... كأنها فضّةٌ ذابت على البلد وقهوةِ كشعاع الشمس صافيةٍ ... كأنّ أقداحها عمِّمن بالزَّبدِ وقال أبو نضلة: والبدرُ يجنح للغروب كأنّما ... قد سلَّ فوق الماء سيفاً مُذْهَبا وقال إبراهيم بن المهدي: إذا الليلُ أسبلَ سربالَه ... على الأرض واسودّ وجهُ البلدْ وقال ابن المعتزّ: فخلتُ الدُّجى واللّيلُ قد مدّ خيطه ... رداءً موشَّى بالكواكب معلما

стр. 38

وقال: لبسنا إلى الخمّار والنجمُ غائرٌ ... غلالةَ ليلٍ طرِّزتْ بصباحِ وقال أيضاً: والصبحُ يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى في الدّجى بسراجِ وقال أيضاً: أما ترى الصّبحَ تحت ليلته ... كموقدٍ بات ينفخُ الفحما وقال ابن طباطبا يصف السماء: تحت سقف من الزبرجد قدْ ... رصِّعَ حسناً بالدُّرّ والياقوتِ وقال أيضاً: كأنَّ السماء استكست الليل حلّةً ... منمنمةً خيطتْ عليها بمقدارِ

стр. 39

مرصَّعةً بالدرّ من كلّ جانب ... يُزرُّ عليها في الهواء بأزرارِ وقال أيضاً: ومطايا تبيتُ بالليل تسرِى ... تحت سقفٍ مرصِّعٍ بلآلِ فإذا أشرقَ النهارُ تراها ... زاملات في مثل ماءٍ زلالِ وقال أبو نضلة مهلهلُ بن يموت بن المزرِّع: لم أنسَ دجلةَ والدُّجى متصرِّمٌ ... والبدرُ في أفق السماءِ مغرِّبُ فكأنّه فيه رداءٌ أزرقٌ ... وكأنّه فيها طرازٌ مذْهبُ

стр. 40

مما يستحسن في وصف الشمس أنشدني أبو بكر محمد بن يحيى قال: أنشدني على بن الصباح قال: أنشدني أبو محلّم لشاعر قديم يصف الشمس: مخبأة أمَّا إذا الليلُ جنَّها ... فتخفى وأمّا بالنَّهار فتظهرُ وقال ابن طباطبا: وشمسٍ تجلّت في رداءٍ معصفرٍ ... كأسماء إذْ مدَّت عليها خِمارَها وقال ابن الرُّومي فأحسن في وصف غروبها: كأنّ حنوَّ الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرضُ تخاوصُ عينٍ منَّ أجفانها الكرى ... يرنَّق فيها النوم ثمَّ تغمِّضُ
следующие страницы →