Полный текст (226 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد بدت فوق الهلال كرتُه ... كهامة الأسود شابت لحيتَه
وقال عبد الله يهجو القمر:
يا سارقَ الأنوار من شمس الضُّحى ... يا مثكلى طيبَ الكرى ومنغِّصى
أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌ ... وأرى حرارة نارها لم تنقُضِ
لم يَظفر التشبيهُ منك بطائل ... متسلِّخٌ بهقاً كلون الأبرص
стр. 37
مما قيل في الليلة المقمرة والليالي المظلمة
قال عبد الله بن المعتز:
هل لك في ليلة بيضاءَ مقمرةٍ ... كأنها فضّةٌ ذابت على البلد
وقهوةِ كشعاع الشمس صافيةٍ ... كأنّ أقداحها عمِّمن بالزَّبدِ
وقال أبو نضلة:
والبدرُ يجنح للغروب كأنّما ... قد سلَّ فوق الماء سيفاً مُذْهَبا
وقال إبراهيم بن المهدي:
إذا الليلُ أسبلَ سربالَه ... على الأرض واسودّ وجهُ البلدْ
وقال ابن المعتزّ:
فخلتُ الدُّجى واللّيلُ قد مدّ خيطه ... رداءً موشَّى بالكواكب معلما
стр. 38
وقال:
لبسنا إلى الخمّار والنجمُ غائرٌ ... غلالةَ ليلٍ طرِّزتْ بصباحِ
وقال أيضاً:
والصبحُ يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى في الدّجى بسراجِ
وقال أيضاً:
أما ترى الصّبحَ تحت ليلته ... كموقدٍ بات ينفخُ الفحما
وقال ابن طباطبا يصف السماء:
تحت سقف من الزبرجد قدْ ... رصِّعَ حسناً بالدُّرّ والياقوتِ
وقال أيضاً:
كأنَّ السماء استكست الليل حلّةً ... منمنمةً خيطتْ عليها بمقدارِ
стр. 39
مرصَّعةً بالدرّ من كلّ جانب ... يُزرُّ عليها في الهواء بأزرارِ
وقال أيضاً:
ومطايا تبيتُ بالليل تسرِى ... تحت سقفٍ مرصِّعٍ بلآلِ
فإذا أشرقَ النهارُ تراها ... زاملات في مثل ماءٍ زلالِ
وقال أبو نضلة مهلهلُ بن يموت بن المزرِّع:
لم أنسَ دجلةَ والدُّجى متصرِّمٌ ... والبدرُ في أفق السماءِ مغرِّبُ
فكأنّه فيه رداءٌ أزرقٌ ... وكأنّه فيها طرازٌ مذْهبُ
стр. 40
مما يستحسن في وصف الشمس
أنشدني أبو بكر محمد بن يحيى قال: أنشدني على بن الصباح قال: أنشدني أبو محلّم لشاعر قديم يصف الشمس:
مخبأة أمَّا إذا الليلُ جنَّها ... فتخفى وأمّا بالنَّهار فتظهرُ
وقال ابن طباطبا:
وشمسٍ تجلّت في رداءٍ معصفرٍ ... كأسماء إذْ مدَّت عليها خِمارَها
وقال ابن الرُّومي فأحسن في وصف غروبها:
كأنّ حنوَّ الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرضُ
تخاوصُ عينٍ منَّ أجفانها الكرى ... يرنَّق فيها النوم ثمَّ تغمِّضُ
стр. 41
وقال أيضاً في غروبها وأحسن:
إذا رنَّقتْ شمسُ الأصيل ونفّضتْ ... على الأفق الغربيّ ورساً مذعذعا
ولاحظت النُّوّارَ وهي مريضةٌ ... وقد وضعت خدّاً إلى الأرض أضرعا
وظلّت عيونُ الروض تخضلُّ بالندى ... كما اغرورقت عين الشجّى لتدمعا
وقال ابن المعتزّ:
تظل الشمسُ ترمُقنا بلحظ ... خفيِّ مدنفٍ من خلف سترِ
يحاول فتقَ غيمٍ وهو يأبى ... كعنِّين يريدُ نكاحَ بكرِ
وقال ابن طباطبا:
وأقذيت عينُ شمسه فجلَتْ ... من خللَ الغيم طرفَ عمشاءِ
стр. 42
مما يستحسن من تشبيهات ابن المعتز
وموقدات بتنَ يضرمن اللهبْ ... يشعنَه من فحم ومن حطب رفعنَ نيراناً كأشجار اللَّهبْ
وقال يصف سيفاً:
لنا صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما ينتضى إلاّ لسفكِ دماءِ
ترى فوق متنيه الفرندَ كأنّه ... بقيةُ غيمٍ رقَّ دون سماءِ
وقال يصف بئراً ودلويها:
حفرتُها جوفاءَ منقورةً ... في دمثِ سهل وطئ التُّرابْ
تضمنُ ريّ الجحفلِ المستقِى ... كأنّ دلوَيها جناحا عُقابْ
стр. 43
وقال وقد أحرقَ كورَ الزَّنابير:
وجنود أبرتُهم بحريقٍ ... يتلظَّى إذا أحسَّ بريحِ
قرّت العينُ إذ رأتهم سقوطاً ... كنثار من الصبيحِ المليحِ
طال ما قد حموا أعاليَ داري ... ونفّوني عن طيبِ ريح السُّطوحِ
كم صريعٍ منهم لنا مستغيث ... مثل زقّ بين الندامى طريحِ
وقال في الثلج:
غدتْ مبكّرةٌ للمزْن فاحتجبت ... شمسُ فلم نعرف لها خبرا
واغرورقت لانسكاب الماءِ دمعتُها ... فجاءَ ثلجٌ كوردٍ أبيضٍ نثَرا
стр. 44
وقال البحتريّ في الثلج:
كيف المقامُ بآمدٍ وبلادها ... من بعد ما شابت ذوائبُ آمدِ
فقرٌ كفقر الأنبياءِ وغربةٌ ... وصبابةٌ ليس البلاءُ بواحدِ
وقال ابن المعتزّ في الجرجس:
بتّ بليلٍ كلّه لم أطرفِ ... جرجسُه كالزِّئبرِ المنتَّفِ
فمن ملاءٍ علقاً ونصَّفِ ... برَّحن بالعريان والملفَّفِ
وتثقب الجلدَ وراءَ المطرفِ ... حتّى ترى فيه كنقْط المصحفِ أو مثل رشِّ العصفُر المدوَّفِ
стр. 45
ويستحسن قوله يصف فرساً:
ولقد غدوتُ على طمرٍّ قارحٍ ... رفعتْ حوافرهُ غمامةَ قسطلِ
متلهِّمٍ لجمَ الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكاً من إسحل
ومحجّل غيرَ اليمين كأنه ... متبخترٌ يمشى بكمٍّ مسبلِ
وقوله في الحيّة:
أنعتُ رقشاءَ لا تحيا لديغتها ... لو قدَّها السَّيف لم يعلقْ به بللُ
تلقَى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنَّها كمُّ درعٍ قدَّه بطلُ
ومن مليح تشبيهه قوله:
وكأنما حصباءُ أرضك جوهرٌ ... وكأنّ ماءَ الورد دمعُ نداكِ
стр. 46
وكأنما أيدي الربيع ضحيَّةً ... نشرتْ ثيابَ الوشيِ فوق رباكِ
وكأنّ درعاً مُفْرغاً من فضّةٍ ... ماءُ الغدير جرت عليه صباكِ
والآل تنزو بينه أمواجه ... نزْوَ القطا الكدرىّ في الأشراك
ومنها قوله:
خليلي قد طاب الشرابُ المبرَّدُ ... وقد عدتُ بعد النُّسك والعود أحمدُ
فهاتِ عقاراً في قميص زجاجة ... كياقوتةٍ في درّةٍ تتوقَّدُ
يصوغُ عليها الماءُ شبّاكَ فضّةٍ ... له حلقٌ بيضٌ تحلُّ وتعقدُ
فظاهرها حلمٌ وقورٌ على الأذى ... وباطنها جهلٌ يقوم ويقعُد
стр. 47
ومنها قوله:
ومستكبرٍ يزهى بخضرة شارب ... وفترة أجفان وخدٍّ مورّد
تبسَّمَ إذْ مازحته فكأنّما ... تكشف عن دُرٍّ حجابُ زبرجدِ
وقوله في البرق:
إذا تفرَّى البرقُ فيها خلتَه ... أبلقَ مالَ جلُّهُ حينَ وثّبْ
وتارةً تخاله إذا بدا ... سلاسلاً مصقولةً من الذَّهبْ
ومن جيد تشبيهاته:
يضاحكُ الشمسَ أنوارُ الرياض بها ... كأنّما نثرت فيها الدنانيرُ
стр. 48
وفيها:
تجذبُ كفّيه أسباهٌ معرقةٌ ... كأنَّ أفواهها فيها المناشيرُ
ومهمهِ فيه بيضات القطا كسرٌ ... كأَنَّها في الأفاحيص القواريرٌ
كأنّ حرباءها والشمسُ تصهره ... صال دنا من لهيب النار مقرورُ
وفيها:
ينفى خفافَ الحصى والنقعُ منتشرٌ ... كأنّها بين رجليه الزّنابيرُ
وقد يُباكرني الساقي بصافية ... كأنّها قبسٌ بالكفّ مشهورُ
هريقَ في كأْسها من صوب غادية ... فالخمر ياقوتةٌ والماء بلُّور
стр. 49
وقوله:
وكم عناقٍ لنا وكم قبلٍ ... مختلساتِ حذارَ مرتقبِ
نقْرَ العصافير، وهي خائفةٌ ... من النَّواطير، يانعَ الرُّطبِ
стр. 50
مليح التشبيه للمحدثين
قول عبد الصمد بن المعذّل يصف عقربا:
تبرز كالقرنين حين تطلعُه ... تزحلُه مرّاً ومرّاً ترجعُه
أعصلَ خطّاراً تلوح شُنعه ... أسودَ كالسُّبجة فيه مبضعه
لا تصنعُ الرقشاءُ ما لا تصنعه ... أنحتْ عليه كالشهابِ تلذَعُه
يا بؤسَ للمودِعِه ما يودعُه ... يزدادُ من نغبِ الحمام جرَعُه
مثله قول يزيد بن ضبّة: والبأس من تيسيره توقّعه
стр. 51
ولكنّهم بانوا ولم أدر بغتةً ... وأفظعُ شيءٍ حين يفجؤك البغتُ
ومن حسن التشبيه:
وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهباً وعطرا
وقال مسلم: كأنّ في سرجه بدراً وضرغاما وقال غيره:
يأتيك في جبّة مخرَّقة ... أطولُ أعمار مثلها يومُ
وطيلسان كالآل يلبسُه ... على قميصٍ كأنه غيمُ
стр. 52
وقال الحكمىّ يصف سفينة:
بنيت على قدرٍ فلاءمَ بينها ... طبقان من قير ومن ألواح
فكأنّها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانةُ في يد الملاّح
جونٌ من العقبان تبتدر الدُّجى ... تهوى بصوتٍ واصطفاق جناح
وقال عمرو بن معديكرب:
كأنَّ محرِّشاً في جنب سلمى ... يعلُّ بعيبها عندي شفيعُ
للقاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن طباطبا في صفة الأترجّ:
وتوائم لم تنْشَ في نسبٍ ... لكنّها اقتنصت من القُضُبِ
صفرِ الثياب كأنَّما التحفتَ ... بغلائلٍ نسجت من الذَّهب
стр. 53
وأنشدني غيره في وصف الأترجّ:
جسم لجينٍ قميصُه ذهبٌ ... ركِّبَ في الحسن أيّ تركيب
فيه لمن شمَّه وأبصره ... لونُ محبٍّ وريحُ محبوبِ
وأنشدنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد لنفسه في صفة اللُّفّاح:
ولُفّاحة طيِّبٍ ريحها ... حبوت بها مستهاماً حزينا
حكت طيبَ نشرك بين النسا ... ءِ وصفرةَ وجهيَ في العاشقينا
وأنشدنا محمد بن يحيى قال: أنشدنا وكيع عن إبراهيم بن القاسم بن إسماعيل الحسنيّ لأبيه في صفة الدَّستنبو:
ومخطفاتِ كأنّ الحُبَّ أنحفها ... هيفِ الصدور ثقيلات المآخير
стр. 54
صفر الثِّياب كأنَّ الروض ألبسها ... من زُهرة النبت ألوانَ الدَّنانير
وقال محمد بن أحمد العلوي في غير هذا المعنى، وأخذه من العباس بن الأحنف:
أترجّة قد أتتك بحتا ... لا تقبلَنْها وإن سُررتا
لا تهوَ أترجّةً فإنّي ... رأيت منكوسها هجرتا
ابن الرومي في صلعة:
يجذب من نقرته طرّةً ... إلى مدى يقصُر عن نيله
فوجهه يأْخذ من رأسه ... مثل نهار الصّيف من ليله
стр. 55
أنواع التشبيه عند العرب
العرب تشبّه على أربعة أضرب: تشبيه مفرط وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه فمن المفرط قولهم للسخىّ: هو كالبحر، وسما حتّى بلغ النجم ثم زادوا في ذلك فمنه قول بعضهم:
له هممٌ لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصغرى أجلُّ من الدّهرِ
له راحةٌ لو أنّ معشارَ جودها ... على البرّ كان البرُّ أندى من البحر
ولو أنَّ خلق الله في مسكِ فارسٍ ... وبارزَه كان الخلىَّ من الذُّعر
стр. 56
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد قوله:
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوههم ... دحى الليَّل حتى نظَّم الجزعَ ثاقبه
قالت امرأةٌ لعمران بن حطّان: زعمت أنك لم تكذب في شعر قطُّ، وقد قلت:
فهناك مجزأةُ بن ثّو ... رٍ كان أشجعَ من أُسامه
أفيكون رجلٌ أشجع من الأسد؟ قال: أنا رأيت مجزأة فتح مدينةً، والأسدُ لا يفتح مدينة: ومن التشبيه القاصد الصحيح قوله:
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كنههِ ... أتاني ودوني راكسلٌ فالضَّواجعُ
стр. 57
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السمُّ ناقعُ
يُسهَّد من ليل التمام سليمها ... لحلى النِّساء في يديه قعاقعُ
تناذَرها الراقونَ من سوءِ سمّها ... تطلّقه طوراً وطوراً تراجعُ فهذه صفة الخائف المهموم.
ومنه قول الآخر:
تبيت الهموم الطارقات يعُدنني ... كما تعترى الأهوال رأْسَ المطلَّقِ
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الحيّ كأنّي حمارْ
стр. 58
أراد الصحة. وهذا بعيدٌ لأنّ السامع إنما يستدلّ عليه بغيره وقد وقع على ألسن الناس من التشبيه المستحسن عندهم وعن أصل أخذوه، أن يشبّهوا عين المرأة وعين الرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحدّ السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضّة، والساق بالجمّارة
стр. 59
من عجيب التشبيه
قوله:
لعينُك يوم البين أسرعُ واكفاً ... من الغصُن الممطور وهو مروحُ
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى. وإنّ أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول: كأنه الأسد؛ ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنّها الشمس، لم تجعلون هذه الأشياءَ بهم أشبه؟ ثم قال: لأنشدنّك شعراً يكون لك إماماً: ثم أنشدني:
إذا سألت الورى عن كلِّ مكرمةٍ ... لم تلف نسبتَها إلاّ إلى الهَوْلِ
فتى جواداً أنال النَّيْل نائله ... فالنَّيْل يشكر منه كثرةَ النَّيْلِ
стр. 60
والموت يرهب أن يلقى منيّتَه ... في شدَّة عند لفّ الخيل بالخيل
لو بارز الليلَ غطّتهُ قوادمُه ... دون الخوافي كمثل الليل في الليل
أمضى من النَّجم إن نابتْه نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السَّيل
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الأول بن مرثد، أحد بنى أنف الناقة، عن ابن عائشة عن أبيه قال: قال عبد الملك يوماً وقد اجتمع الشعراءُ عنده: تشبّهوننا بالأسد والأسد أبْخر، وبالبحر والبحر أجاج، وبالجبل مرّةً والجبلُ أوعر، ألاَّ قلتم كما قال أيمن بن خريم ابن فاتك لبنى هاشم:
نهاركُم مكابدةٌ وصومٌ ... وليلكمُ صلاةٌ واقتراءُ
стр. 61
أأجعلكم سواءً ... وبينكمُ وبينهمُ هواءُ
وهم أرضٌ أرجلكمْ وأنتمْ ... لأعينهم وأرؤسهم سماءُ
قال: أخبرني أبي قال: أخبرني محمد بن الوليد العقيلي قال: أخبرنا أبو بكر البصري عن الهيثم بن عدى قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، قد امتدحتك فاستمع منّي. فقال عبد الملك: إن كنت إنّما شبهّتني بالصّقر والأسد فلا حاجة لي في مدحتك، وإن كنت قلت كما قالت أختُ بني الشَّريد لأخيها صخر فهات. فقال الأخطل: وما قالت يا أمير المؤمنين؟ قال: هي التي تقول:
وما بلغتْ كفُّ امرئٍ متناولٍ ... من المجد إلا حيثُ ما نلتَ أطولُ
وما بلغَ المهدونَ في القول مدحةً ... ولو أطنبوا إلاّ الذي فيك أفضلُ
стр. 62
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ ... من الضَّيم لا يبكي ولا يتذلّلُ
قال الأخطل: والله لقد أحسنت القول، ولقد قلت فيك بيتين ما هما بدون قولها. فقال: هات فأنشأ يقول:
إذا مُتَّ مات الجودُ وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرَّدِ
ورُدّت أكفُّ السائلين وأمسكوا ... من الدِّين والدنيا بخلْف مجدَّد
وأخبرني أبي قال: أخبرني العقيلي قال: أخبرنا ابن عائشة قال: دخل جرثومة الشاعر على عبد الملك بن مروان، فأنشده والأخطلُ حاضر، فلما بلغ إلى قوله:
إليك أميرَ المؤمنينَ بعثتُها ... وكلّفتُها خرقاً من الأَرض بلقعا
فما تجدُ الحاجاتُ دونَك منتهىً ... سواكَ ولا تلقَى وراءَك مطلعا
قال عبد الملك للأخطل: هذا المدحُ ويلك يا ابن النَّصرانية!
стр. 63
كتب إسماعيل بن صبيح إلى بعض الرؤساء: " في شكر ما تقدَّم من إحسان الأمير شاغلٌ عن استبطاءِ ما تأخَّر منه ".
فأخذه أحمد بن يوسف فكتب إلى بعضهم: " أحقُّ من أثبت لك العذرَ في حال شغلكَ من لم يخلُ ساعةً من برِّك وقت فراغك ".
ثم أخذه من أحمد بن يوسف سعيدُ بن حميد فكتب: لست مستقلاً بشكر ما مضى من بلائك فأستبطئ درك ما أؤمّل من مزيدك.
ثم أخذه حمد بن مهران فكتب في فصل: " ولئن تعذّرتْ حاجتي قبلك لطال ما تيَّسَر لي أمثالها عندك. ولستُ أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكنَ التسُّرع إلى الاستبطاءِ فيما تعذّر ".
أخذ هذا كلُّه من قول علي بن أبي طالب صلى الله عليه: " لا تكوننَّ كمن يعجز عن شكر ما أوتيَ ويبتغي الزيادةَ فيما بقي
стр. 64
أول من بدأَ بتشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد امرؤ القيس فقال:
كأنَّ قلوبَ الطّير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العُنَّابُ والحشفُ البالي
وقال منصورٌ النمري:
ليلٌ من النَّقْع لا شمسٌ ولا قمرٌ ... إلاّ جبينك والمذروبة الشُّرعُ
ثم تبعه بشارٌ فقال:
كأَنَّ مثارَ النقع فوق رؤُسهم ... وأسيافنا ليلٌ تهاوتْ كواكبه
وقال العتّابي:
تبنى سنابكها من فوق أرؤسِهم ... سقفاً كواكبُه البيضُ المباتيرُ
وأنشدني أبو الحسن أحمد بن هشام الشاعر، وشبّه
стр. 65
ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت يصف شعر امرأة وبياضها ويصف نفسه:
فكأّنني وكأنَّها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليلٍ مُطبقِِ
واستحس الناس قول النابغة:
فإنَّك كالليل الذي هو مدرِكي ... وإن خلتُ أنّ المنتأَى عنك واسعُ
خطاطيف حجنٌ في حبالِ متينةِ ... تمَدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ
تبعه سلم الخاسر فقال:
وأنت الدَّهرِ مبثوثاً حبائله ... والدهرُ لا ملجأُ منه ولا هربُ
ولو ملكتُ عنانَ الرِّيح أصرفه ... في كلِّ ناحية ما فاتكَ الطَّلَبُ
стр. 66
وقال علي بن جبلة يمدح حميداً الطّوسيّ:
وما لامرئ حاولتَه منك مهرب ... ولو رفعتْه في السِّماء المطالعُ
بلى هاربٌ لا يهتدي لمكانه ... ظلامٌ ولا ضوءٌ من الصبح ساطعُ
وسرقاه جميعاً من قول الفرزدق:
ولو حملتني الريحُ ثم طلبتني ... لكنتُ كشيءٍ أدركته مقادرُه
وقال البحتريّ:
سلبوا وأشرقت الدماءُ عليهمُ ... محمرَّةً فكأنّهم لم يسلبوا
ولو أنّهم ركبوا الكواكب لم يكن ... لمجدِّهمْ من أخذ بأْسك مهربُ
стр. 67
قول سلم: " وأنت كالدهر " مأخوذ من قول الأخطل:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... كالدهر لا عارٌ بما فعل الدهرُ
أنشد أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لعديّ بن زيد:
قد يدرِك المبطئ من حظِّه ... والخير قد يسبق جهد الحريصْ
فسرقه القطاميّ فقال:
قد يدرِك المتأَنِّي بعضَ حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّللُ
وأنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءتْ وأستارٌ من الليل دونها ... إلينا وحانتْ غفلةُ المتفقِّدِ
стр. 68
بعينَىْ مهاةِ تحدُر الدمعَ منهما ... برِيمَينِ شتَّى من دموع وإِثمدِ
فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وأدمعُها يُذرين حشو المكاحل
تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنّه ... رهينٌ بأَيام البلاءِ الأَطاولِ
فسرقَه بعضُ المحدَثين فقال:
خذِي أُهبةً للبين إنّيَ راحلٌ ... قرا أمل يُحْييك والله صانعُ
فسحَّتْ بسِمطَيْ لؤلؤٍ خلطَ إِثمد ... على الخدِّ إلا ما تكفُّ الأصابعُ
قال الشمّاخ:
وتقسِم طرف العين نصفاً أمامَها ... ونصفاً تراه خشيةَ السَّوط أزورا
стр. 69
أخذه مسلم بن الوليد فقال:
تمشِي العِرضْنةَ قد تقسَّمَ طرفها ... وضحُ الطريق وخوفُ وقْع المحصَدِ
وأنشدنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني أحمد بن يحيى، لزياد بن منقذ أخي المرّار:
لا حبّذا أنتِ يا صنعاءُ من بلد ... ولا شعُوبُ هوىً منَّا ولا نقُمُ
ولا أحبُّ بلاداً قد رأيتُ بها ... عَنْساً ولا بلداً حلَّتْ به قدَمُ
وحبّذا حينَ تمسِي الريح باردةً ... وادي أشيٍّ وفتيانٌ به هضُم
مخدَّمون كرامٌ في مجالسهم ... وفي الرِّحال إذا صاحبتَهم خدَم
كم فيهم من فتىً حلوٍ شمائلُه ... جمُّ الرَّمادِ إذا ما أّخْمد البرَمُ
стр. 70
غمرِ الندي لا يبيت الحقّ يثْمُده ... إلاّ غدَا وهو سامي الطَّرف يبتسم
إلى المكارم يبنيها ويعمُرها ... حتّى ينالَ أموراً دونها قحمُ
يا روْقُ إنِّى وما حجَّ الحجيجُ له ... وما أهَلَّ يجنبىْ نخلةَ الحرُمُ
لم ألقَ بعدهُمُ حيّاً فأخبُرَهم ... إلاّ يزيدُهم حبّاً إلىّ همُ
أنشدنا أبو بكر محمد بن يحيى، لمحمود بن مروان بن أبي حفصة:
وقد كنتُ أخشى من هواهُنَّ عقرباً ... فقد لسعتني من هواهُنَّ عقربُ
بخِلْنَ بدرياقٍ على مَن لسعْنَه ... ألا حبّذا درياقُهنَّ المجرَّبُ
стр. 71
أخذه ابن المعتزّ فقال:
وكأنّ عقربَ صدغه وقفتْ ... لمّا دنتْ من نار وجنتِه
وأنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت لنفسه:
كأن أجفانه من جسم عاشقِهِ ... قد رُكِّبت فهي في الأَسقام تحكيه
في صدغه عقربٌ للقلب لادغةٌ ... درياقٌ لدغتها يا قومِ من فيه
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعي:
أطلسُ يخفى شخصَه غُبارُه ... في شدقه شفرتُه ونارُه هو الخبيثُ عينُه فرارُه
стр. 72
وأنشدنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أن أعرابيا أنشده:
يتعاوران من الغبار مُلاءَةً ... بيضاءَ مخْملةً هما نسَجاها
تطوى إذا سلَكا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابكُ أَسهلَت نشراها
وفي وصف الذئب من المشهور أبياتُ الفرزدق التي فيها:
وأطلسَ عسّالٍ وما كان صاحبا ... دعوتُ لناري مرةً ودعاني
وأبيات حميد بن ثور التي يقول فيها:
ينام بإحدى مُقْلتيه ويتَّقى ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ
أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لابن خنشٍ الفزاري:
وذنبي حاضرٌ لاستر عنه ... لطالبه وعُذري بالمغيبِ
стр. 73
ولا عذرٌ يردُّ عليَّ نفعاً ... وكرُّ العذرِ من فعل المُريبِ
وقد جاهدت حتّى لا جهادٌ ... وقلّتْ حيلةُ الرجلِ الأريبِ
فلو صدَقَ الهوى أو كنتُ حرّاً ... لمتُّ مع الندى يومَ القليبِ
وكم من موقف حسنٍ أحيلتْ ... محاسنه فعدَّ من الذنوبِ
أخذه أبو تمام فقال:
فإن كان ذنبي أنَّ أحسنَ مطلبي ... أساءَ ففي سوءِ القضاءِ لي العُذرُ
وأخذه البحتريّ فقال:
إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها ... كانت عيوبي فقلْ لي كيف أعتذرُ
стр. 74
وأخذه بعض المحدثين فقال:
وكيف يكون كما اشتهى ... حبيبٌ يرى حسناتي ذنوبا
أنشدني أبي قال: أنشدني عسل بن ذكوان قال: أنشدني لإسحاق بن خلف يهجو الحسن بن سهل:
بابُ الأمير عراءٌ ما به أحدٌ ... إلاّ امرؤ واضعٌ كفّاً على الذَّقنِ
كفيتُكَ الناسَ لا تلقَى أخا طلبٍ ... بفيْءِ بابك يستعدى على الزمنِ
في الله منه وجدوَى كفِّه خلفٌ ... ليس النَّدى والسدى في راحة الحسنِ
قال أبو عليّ البصير في ضدِّها:
مالي أرى أبوابهم مهجورةً ... وكأنّ بابكَ مجمعُ الأسْواقِ
أرجوْك أم خافوك أم شامُوا الحيا ... بيديك فانتجعوا من الآفاق
стр. 75
أخذه من قول أبي نواس:
ترى الناس أفواجاً إلى باب داره ... كأنَّهُمُ رجلا دبىً وجرادِ
فيوماً لإلحاق الفقير بذي الغنى ... ويوماً رقابٌ بوكرتْ بحصَادِ
وقال البصير:
يزدحم الناسُ على بابه ... والمنهلُ العذبُ كثير الزِّحام
سرق الجميع من قول زهير:
قد جعل المبتغون الخيرَ في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلقَ يوماً على علاّته هرِماً ... يلق السماحةً منه والندى خلُقا
الحسينُ بن الضحاك:
فبتُّ في ليلة منَّعمةٍ ... ألثَمُ دُرَّاً مفلّجاً بفمي
следующие страницы →