← Адаб

Адаб · id 5502

المصون في الأدب

العسكري، أبو أحمد

Полный текст (226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أيباع الكفل؟ فقالت: عمّا قليل. وذلك بسمعْ صخر، فقال لها رجلٌ: كيف صخر؟ قالت: لا حيٌّ فيرجى ولا ميّتٌ فيستراح منه فسمعها فقال: ناوليني سيفي وهو يريدها انظر ما بقي من قوّتي: فناولته السف فإذا يده لا تُقلّه، فقال صخر: أرى أُمَّ صخرٍ ما تجفُّ دموعُها ... وملَّتْ سُليمَى مضجعي ومكاني وما كنتُ أخشَى أن أكون جنازةً ... عليكِ ومَن يعترُّ بالحدَثان فأيُّ امرئٍ ساوَى بأُمٍّ حليلةً ... فلا عاشَ إلاَّ في شَقاً وهوان أهمُّ بأمر الحزم لو أستطيعُه ... وقد حيلَ بين العيْر والنًّزَوانِ وحيٍّ حلالٍ قد صبَحتُ بغارةٍ ... كرحل جرادٍ أودباً كتُفانِ فلو أنَّ حيّاً فائتُ الموت فاتَه ... أخو الحربِ فوقَ القارح الغّذوان

стр. 177

قال: وأنشدني الأبيات الرياشُّ والمازنيّ عن الأصمعي. أخبرنا علي بن الحسين بن إسماعيل الفقيه قال: أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار قال: حدّثنا مهديّ بن سابق عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: جمع قسُّ بن ساعدة ولده فقال: إنّ المعا تكفيه البقلة، وترويه المذقة، ومن عيرك شيئاً ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، ومتى عدلتَ على نفسك عدل عليك من فوقك، وإذا نهيتَ عن شيء فإنه نفسك، ولا تجمع مالاً تأكل، ولا تأكل مالاً تحتاج إليه، وإذا ادّخرت فلا يكوننَّ كنزك إلاّ فعلك. وكن عفَّ العيلة، مشترك الغنى، تسد قومك. ولا تشاورنَّ مشغولاً وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهماً، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً. ولا تضعنَّ في عنقك طوقاً لا يمكنك نزعه إلا بشقّ نفسك. ولا تضعنَّ في عنقك طوقاً لا يمكنك نزعه إلا بشقّ نفسك. وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد. ولا تستودعنّ أحداً دينك وإن قربت قرابته، فإنّك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلاً، وكان المستودع بالخيار في الوفاء والغدر،

стр. 178

وكنت له عبداً ما بقيت. وإنْ جنَى عليك كنتَ أولَى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك. أنشدنا محمد بن علي بن عمران قال: أنشدنا عبيد الله بن علوان، أنشدنا إسحاق الموصلي: خفِّف على كلِّ من لقيتَ وإنْ ... كان لَحمل الثَّقيل محتملا أثقلُ ما كان من يخفُّ على ... إخوانه حين يأْمن الثِّقلا ومثله لبعض المحدثين: لمَّا تعاللتَ وقد خفتُ أن ... تدبر من ودِّك بالمقبل أقللتُ إتيانَكم إنَّهُ ... من خاف أن يثقلَ لم يثْقِلِ أخذه من قول حماد بن أبي سليمان: " من خافَ أن يثقُلَ لم يُثْقِل ". وحمّاد هذا أستاذ أبي حنيفة، وفقيه أهل الكوفة، وحمل عن إبراهيم النخعيّ.

стр. 179

سمعت أبا بكر محمد بن يحيى يقول: سمعت أبا حازم القاضي يقول: قال أبو حنيفة: كنّا نأتي حمّاد بن أبي سليمان، فلا ننصرف من عنده إلاّ بفائدة، فجئناه يوماً فلم نفد شيئاً إلاّ أنه قال: " إذا ورد عليك مسألة معضلةٌ فاجعل جوابها منها ". فحفظت ذلك وأنا لا أرى أنّه شيء، فلما كان بعد دهر صرتُ إلى دار المنصور، فخرج إليّ الربيعُ الحاجبُ ممتحناً فقال: أفتني في أمر أمير المؤمنين لي بقتل الأنفس وأخذ الأموال، أعليّ في ذلك شيء؟ فذكرت قول حماد فقلت: ليس أمير المؤمنين يأمرك بحقّ يراه؟ قال: بلى. قلت: فافعل إذا أمرك بذلك وأنت مأجور! وممّا يشبه هذا ما أخبرني به أبو بكر قال: حدّثني محمد بن علي عن أبي العيناء قال: حدّثني الجاحظ قال: قال المهديّ لشريك القاضي وعنده عيسى بن موسى: لو شهد عندك عيسى بن موسى كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما، فقال شريك: من شهد عندي سألتُ عنه، ولا

стр. 180

يسأل عن عيسى غير أمير المؤمنين، فإن زكّاه قبلته. فقبلها عليه. وأخبرنا أبو بكر قال: حدّثنا الجمحيّ قال: حدّثني هشامٌ الكرنبانيُّ قال: تقدّم السّيّد إلى سوّار بن عبد الله مع خصم له، فقال سوّارٌ للسيّد في بعض خطابه وكان مغيّظا عليه لسوء مذهبه وهجائه له: يا ابن اللخناء! فقال السيّد: ابن اللّخناء خصمي هذا. فقال الخصم: خذ لي بحقّي. فلم يقدر القاضي على ذلك لأنَّ عليه مثل ذلك. فقال: قوما. قال أبو بكر: فحدّثت بهذا الحديث أبا بكر الطالقانّي فقال: حدّثني ابن أبي سعد قال: حدّثتُ أن الشافعيّ قال: لو أفكر فيها سنةً لكان قليلا. أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: أخبرنا أبو يعلى المنقري قال: حدّثنا ابن أبي سويّه قال: قال الأحنف: ينبغي للوالي ألاّ يغضب، لأنَّ الغضبَ في القدرة لقاح السّيف والندامة. ولا ينبغي أن يدع تفقّد لطيف

стр. 181

أمور الرعيّة اتّكالاً على نظرة جسيمها، لأنّ للّطيف موضعا ينتفع به، وللجسيم موضعاً لا يستغنى عنه. أخبرنا الجوهري قال: حدّثنا أبو عليّ المنقري قال: حدّثنا العلاء بن الفضل قال: قال الأحنف: رأس سياسة الوالي خصالٌ ثلاث: اللّين للناس، والاستماع منهم، والنّظر في أمورهم. ورأس مروءة الوالي خصالٌ ثلاث: العلم والعلماء، ورحمة الضّعفاء، والاجتهاد في مصلحة العامّة. أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا عمر بن شبّة عن أبي عاصم قال: كان الشعبُّي إذا تحدّث بحديث نمّقه وحسّنه، وكان له جليسٌ يقال له خنيس، فقال له يوماً: يا أبا عمرو، اتّق الله ولا تكذب. فقال له الشعبي: ما أحوجك إلى محملج شديد الفتل، ليّن المهزّ، وافر الثّمرة، يؤخذ من عجب بعيرٍ إلى مغرز عنقه، فيوضع منك على مثل ذلك، فيكثر منه رقصانك لغير

стр. 182

جذل. فقال: إي بأبي، وما هذا؟ قال: شيء لي فيه أرب، ولك فيه أدب. أخبرنا أبو روقٍ الهزّاني قال: حدّثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا على بن الجهم قال: حدّثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخيّ قال: أوصى مسلمة بن عبد الملك بكثر ماله لطلاّب الأدب وقال: إنّها بضاعةٌ مجفوٌّ أهلها. أخبرنا أبو بكر ابن الأنباري قال: حدّثني أبي عن أحمد بن عبيد قال: قال سالمٌ مولى مسلمة بن عبد الملك: كان مسلمة إذا دخل غلّة ضياعه جعلها أثلاثاً، فثلثاً لنفقته، وثلثاً للنوائب والحقوق، وثلثاً يصرفه إلى أهل الأدب. قال: فقلت له يوماً: يا مولاي، إذا ورد مالك صرفته في ثلاث: فأما النّفقة فلا بدّ منها، وأمّا النائب والحقوق فحزمٌ وقوّة، ولا أعرف الوجه فيما تصرفه إلى هؤلاء القوم. فقال: إنهم تركوا التعيّش والطلب فاشتغلوا عن المكاسب

стр. 183

بطلب العلم، فواجبٌ على كلّ ذي مروءة أن يعينهم. فقلت: يا مولاي، جعلته أحبَّ الأقسام الثلاثة إليّ. أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا الرياشيّ عن الأصمعي قال: قيل لعرابة بن أوس: بم سدت قومك؟ فقال: والله إنّي لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل فعلى فهو مثلي، ومن زاد فهو أفضل، ومن قصّر فأنا خيرٌ منه. فقال فيه الشّمّاخ: رأيتُ عرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرينِ إذا ما رايةٌ رُفعَتْ لمجد ... تلقَّاها عرابةُ باليمين أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال: وصف أعرابيٌّ قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفّوا تحت

стр. 184

القتام، خطرت بينهم السّهام، بوقود الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت المنايا أفواهها. فربَّ يوم عارم قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنّتُهم، وخطبٍ شين قد فلّلوا مراكبه، ويوم عماسٍ قد كشفوا ظلمه بالصّبر حتّى ينجلي. إنّما كانوا البحر لا ينكش غماره، ولا ينهنه تيّاره. أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمّه قال: وصف أعرابيٌ قومه فقال: كانوا والله غيوث جدب، وليوث حرب، إنْ أعطوا أغنوا، وإن قاتلوا أبلوا، ثم قدّم لهم الدّهر ما أخَّر لغيرهم. أخبرنا أحمد بن محمد الهزّاني قال: كتب أبو العيناء إلى أبي الوليد بن أبي دواد: " مسَّنا وأهلنا الضُّرّ، وبضاعتنا المودّة والشُّكر، فإن تعطِ أكنْ كما قال الشاعر: إنا الشِّهاب الذي يحمي ذماركم ... لا يخمد الدهرَ إلاّ ضوؤه يَقِدُ

стр. 185

وإن لم تعطنا فلسنا ممن يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ". من كلام العرب: فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة. وكان المهلّب يقول: يعجبني أن أرى عقل الرجل زائداً على لسانه، وفعله زائداً على قوله. أخبرنا الحسن بن محمد بن شعيب القاضي قال: حدّثنا محمد بن زياد البكراوي قال: قال زياد: ما جلست مجلساً قطّ إلا تركتُ منه ما لو أخذته كان لي. وترك مالي أحبّ إلىّ من أخذ ما ليس لي. أخبرنا الحسن بن محمد قال: أخبرنا البكراويّ عن ابن عائشة قال: كان أبي يحمل على نفسه في قضاء الحقوق، فأقبلت عليه يوماً فقلت له: يا أبت إنّك تحمل على نفسك في قضاء الحقوق، والله يعذر، فلو أنّك

стр. 186

أبقيت بعض الإبقاء فأصغي لكلامي حتّى ظننتُ أنّه قد عمل فيه. ثم أقبل عليّ فقال منشداً: أرى راحةً للحقّ عند قضائه ... ويثقل يوماً إن تركت على عمدِ أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أبو العيناء قال: رأيت ابن عائشة نصف النّهار في يوم شديد الحرّ راكباً على حمار، وبين يديه غلامان يعدوان، فقلت له: أفي هذا الوقت: فقال: نعم. حقوق لإخوان أريد قضاءها ... كأنِّي ما لم أقضهنَّ مريضُ أنشدنا محمد بن يحيى قال: أنشدنا محمد بن يزيد المبرد: رأيت قضاءَ الحقّ عندَ نزوله ... يبادره من كان مستحكم العقل ينجّيك من عتب الصديق ولومه ... ومن قول زورٍ واعتذارٍ من المطل أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب.

стр. 187

لأبي آمنة جدِّ النبي ﷺ : وإذا أتيتَ معاشراً في مجلس ... فاخترْ مجالسَهم ولمّا تقعدِ ولكلِّ أمر يستعاد ضراوةٌ ... فالصالحاتِ من الأمور تعوَّدِ أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: قال لي عبد الله بن المعتزّ يوماً: أحالَ عليُّ بن محمد الحمّانيُّ في قصيدته التي يستحسنها الناس، التي أولّها: عاد له من عقابيل الهوى عيدُ يقول فيها: أبقى الهوَى منه جسماً كالهواءِ ضَنىً ... تنفَّس الريحُ فيه وهو مفقودُ أما ترى أنه قد أوجب جسماً تنفَّسُ فيه الريح فأوجده، ثم أعدمه بقوله وهو مفقود؟ فقلت له: أعز الله الأمير، إن الشِّعرَ لا يصبر على هذا النَّقد الشديد، إنما أراد: وهو كالمفقود.

стр. 188

وهذا أبو نواس يقول في صفة الخمر: فأتَتْك في صُوَر تداخَلَها البلَى ... فأزالهنَّ وأثبتَ الأرواحا فمتى رأى الأمير أرواحاً في غير صور؟ قال: ما كان يجوز أن يعارض ذلك إلاّ بمثل هذا. أخبرنا محمد قال: حدّثنا الحسن بن الحسين الأزديّ قال: حدثنا الحسنُ الطُّوسي قال: كنّا في مجلس عليٍّ اللِّحيانيّ، وكان عازماً على أن يملي نوادره ضعف ما أملي، فقال يوماً: يقول العرب " مُثْقَلٌ استعانَ بذقنه " فقام إليه ابن السكّيت وهو حدثٌ فقال: يا أبا الحسن، إنّما تقول العرب: " مثقل استعان بدفّيه " يريدون الحمل والنّهض بالحمل. فقطع الإملاء فلمّا كان في المجلس الثاني أملي فقال: تقول العرب: " هو جاري مكاشري، فقام إليه يعقوب فقال: أعزّك الله، وما معنى مكاشري، إنّما هو مكاسري: كسر

стр. 189

بيتي إلى كسر بيته. فقطع اللّحيانيّ الإملاء فما أملي بعد ذلك شيئاً. أخبرنا أبو بكر قال: حدّثني محمد بن أحمد الحزنبل قال: حدّثني يعقوب بن السكيت عن عبد الله بن ياسين قال: سمعت خلفاً الأحمر يقول: أخذت على المفضّل الضّبيّ في يوم واحد تصحيف ثلاثة أبيات أنشدنا للأعشى: ساعةً أكبرَ النهارِ كما ش ... دَّ محيل لبُونه إعتاما فقال محيل، وإنما هو مخيلٌ: رأى خالاً من السحاب فخشي على بهمه أن تتفرّق للمطر، أو يضرّ بها فشَّدها. وأكبر النهار: ضحى النهار. يقول: كان صبرهم لنا ساعة بهذا المقدار، لأنّه يقول بعد هذا البيت: ثم ولَّوا بعد الحفيظة والصَّبْ ... ر كما تطحَر الجَنوبُ الجَهَاما

стр. 190

قال: والبيت الثاني الذي صحّف فيه بيتٌ للمخبّل السّعديّ: وإذا ألمَّ خيالُها طرِقَتْ ... عيني فماءُ شؤونها سجْمُ وإنما هو طُرِفَتْ. قال خلف: فعرَّفتُه فرجعَ عنه. وروى بيتَ امرئ القيس: نمسُّ بأعراف الجيادِ أكفَّنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهَّبِ وإنما هو نمُشُّ. والمشُّ: مسح اليد بشيء يقشر الدسم. ويقال للمنديل مشوش. قال: وحدّثني ابن ذكوان قال: حدّثني المازنيّ عن الأصمعي، أنّه سمع المفضل ينشِد بيتَ أوس بن حجر: وذاتِ هدمٍ عارٍ نواهقُها ... تصمتُ بالماء تولباً جذعا

стр. 191

فقال: إنما هو جدعاً، والجدع: السيّئ الغذاء، وهو المجدّع. فقال المفضّل: جذعاً. فقال له الأصمعيّ: والله لو نفخت في ألفي شَبُّور ما كان إلاّ جدعا، والله لا أنشدته بعد هذا إلا جدعاً، وما يغني الصّياح؟ تكّلم بكلام النّمل وأصب. التّولب: الصغير من أولاد الحمير، فاستعاره. والجذع: الذي أتت عليه سنة. والتولب الصغير فلا يكون جذعا. أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدّثنا أحمد بن سعيد بن سلم قال: رأيت الأصمعيّ وأبا عمرو الشيبانيّ عند أبي في هذه النّيمخايجه وأشار إلى نيمخايجه في داره فتناظروا وتناشدوا، فأنشد الأصمعي: عَنَناً باطلاً وظلْما كما تُعْ ... نَزُ عن حَجرة الرَّبيضِ الظباءُ

стр. 192

فقال أبو عمرو: صحّفت، إنما هو تعتر، من العتيرة. فصاح الأصمعيّ وجلّب وقال تعنزُ: تضرب بالعنزة. فقال له أبو عمرو: دع هذا عنك، فو الله لا تنشد بعد وقتك أبداً إلاّ كما قلت. قال أبو بكر: العتيرة: ذبيحةٌ كانوا في الجاهلية يذبحونها عن الغنم إذا كثرت، للأصنام. وقال رسول الله صلى الله عليه: " لا فرع ولا عتيرة ". والفرعة: ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب. والعتيرة قد مضى تفسيرها. والعنن: الاعتراض. والربيض: الغنم. والحجرة: الناحية. فكان قومٌ من العرب إذا كثرتْ عندهم ضنّوا بها كلّها، فصادوا ظبياً فذبحوه للأصنام بدلاً من الشاة التي أكثرهم يذبحها. فشبّه ما ألزموهم من ذنب غيرهم بما ألحق بالظباء ممّا سبيل الغنم أن تكون مأخوذة به. أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب قال: حدثنا سلمة بن عاصم قال: اجتمع الأصمعيّ وأبو عمرو الشيبانيّ عند أبي السمراء، فتناشدا وتناظرا، وكان إلى جانب الأصمعيّ فروٌ

стр. 193

فوضع يده على الفرو ثم قال لأبي عمرو: ما معنى قول مالك ابن زغبة: بضربٍ كآذان الفِراء فضولُه ... وطعنٍ كإيزاغ المخَاض تَبورُها ثم قال لأبي عمرو ويده على الفرو: ما يعني بقوله كآذان الفراء؟ فقال أبو عمرو: يعني هذه الفراء. فضحك الأصمعي وقال: يا أهل بغداد، هذا عالمكم! أخبرنا أبي رحمة الله قال: أخبرنا عسل بن ذكوان قال: أخبرنا أبو عثمان عن الأصمعيّ عن أبي عمروٍ قال: أنشد يونسُ مرّةً بعد ما كبر: وفي الحروب أبيضاً وقادا

стр. 194

فقال له: عندي " أنْتضِي وقّادا ". فقال: ولك عندٌ يا ماصَّ أُمِّه؟! أخبرنا أبي ﵀ قال: حدثنا عسل بن ذكوان قال: حدّثنا الرياشي قال: توفِّي ابن لبعض المهالبة، فأتاه شبيب بن شيبةَ يعزِّيه، وعنده بكر بن حبيب السهميّ، فقال شبيب: بلغَني أنّ الطَّفل لا يزال محبنظياً على باب الجنّة يشفعُ لوالديه. فقال بكر بن حبيب: إنّما هو محبنطيا بالطاء. فقال شبيبٌ: تقول هذا لي وما بين لابتيها أفصحُ منّي؟ فقال: هذا خطأٌ ثانٍ ما للبصرة واللّوب؟ لعلّه غرّك قولهم: ما بين لابتي المدينة يعني به الحرّة، ولا حرّة للبصرة. أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّه قال: حدّثنا أبو يحيى الزُّهري عن أبي داود الورّاق قال: قال الشعبيّ:

стр. 195

وردت على عبد الملك بن مروان، فلمّا أذن لي وصرت بين يديه قلت: عامر بن شراحيل الشّعبي. قال: على علم ما أذنّا لك. فقلت في نفسي: خذها واحدةً على وافد أهل العراق. وعن يمينه شيخٌ جميلٌ، فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس: فقال: أنا. فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الأخطل وتبسّم فقلت في نفسي: خذْها ثنتين على وافد أهل العراق. فقلت أشعر منه الذي يقول: هذا غلامٌ حسنٌ وجهه ... مستقْبَل الخير سريع التَّمامْ للحارث الأصغر والحارث ال ... أكبر والحارث خيرِ الأنام خمسة آباءٍ همُ ما همُ ... همْ خيرُ من يشربُ صوبَ الغمام

стр. 196

والشعر للنابغة. فقال الأخطل: إن أمير المؤمنين إنما سألني من أشعر أهل زماني فأخبرته أنّي أشعرهم، ولو سألني عن أهل الجاهلية كنت حريّاً أن أقول كما قلت أو شبيهاً به. قلت في نفسي: خذها ثلاثاً على وافد أهل العراق. أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا علي بن الصبّاح عن أبي محلّم قال: دخل سلمة بن غيلان الثقفيُّ في ناسٍ من العرب على كسرى، فطرح لهم مخادّ عليها صورته، فوضعوها تحتهم، إلاّ سلمة بن غيلان فإنّه وضعها على رأسه، فقال له: ما صنعت؟ قال: ليس حقّ ما عليه صورة الملك أن يبتذل، وما أجد في جسدي عضواً لا أكرم ولا أرفع من رأسي فجعلتها فوقه. فقال له: ما أكلك؟ فقال: الحنطة. فقال: هذا عقل الحنطة. أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا محمد بن زكرياء قال: قال رجلٌ من بني هاشم لابن عائشة: رأيت ابنك

стр. 197

عبد الرحمن في العسكر بسرّ من رأى في أسوأ حال. فقال: إنّ عبد الرحمن نظر في العلم والأدب، وروى الشعر فكان فيما روى قول ابن قيس الرقيات: إنّ شِيباً من عامر بن لؤيَ ... وفتوّاً منهم رقاقَ النعال كلما أوجِفَتْ إليهم ركابي ... رجعَتْ عنهمُ بأهلٍ ومال فطلب ذلك عند أهلك فلم يجدْه. وأخبرنا أحمد قال: حدّثني محمد بن زكريا قال: كنّا عند ابن عائشة فأتاه كتاب ابنه من بغداد يشكو أنّه أخفقَ مما أمّل، وكان في آخر كتابه: يا أبه أنا في الخان أؤدّي ... كلَّ يومٍ درهمينِ

стр. 198

وأَراني عن قليلٍ ... لابساً خفَّيْ حُنين قال: فقال ابن عائشة: لا يدع ابني ظرفه. أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال: أخبرنا ابن أبي سعد قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا الحجّاج بن ذي الرُّقيبة بن عبد الرحمن بن مضرّب بن كعب بن زهير عن أبيه عن جدّه قال: خرج كعبٌ وبجير ابنا زهير حتّى أتيا أبرق العزّاف، فقال بجيرٌ لكعب: اثبت في غنمنا هذا حتّى نأتي هذا الرجل يعني رسول الله صلى الله عليه فأسمع ما يقول. قال: فثبت كعبٌ وجاء بجير إلى النبي ﵇ فأسلم، وبلغ ذلك كعباً فقال: ألا أبلغا منّي بجيراً رسالة ... على أيّ شيء ويب غيرك دلَّكا

стр. 199

على خلقٍ لم تُلفِ أُمّاً ولا أَباً ... عليه، ولم تدركْ عليه أخاً لكا سقاك أَبو بكرٍ بكأْسٍ رويّةِ ... وأنهلَكَ المأْمور منها وعلَّكا فخالفت أسبابَ الهدى وتبعته ... فهل لك فيما قلتُ بالخَيْف هل لكا فبلغ ذلك النبيّ ﵇ فأهدر دمه، فكتب بذلك بُجير إلى أخيه ويقول له: أسلم فإن النبي صلى الله عليه لم يأته أحدٌ يشهد ألاّ إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله إلا قبل منه وأسقط ما كان من قبل. قال: فأسلم كعبٌ وأقبلَ. قال: كعبٌ: فأنخت راحلتي بباب المسجد ودخلت، فعرفت النبي صلى الله عليه بالصفة، فتخطّيتُ حتى جلستُ إليه فأسلمتُ وقلت: الأمانَ يا رسول الله. قال: ومن أنت؟ قلت: كعب بن زهير. قال: الذي يقول. ثم التفت إلى أبي بكر فأنشده الأبيات، فقلت: يا رسول الله ما هكذا قلت، إنّما قلت: سقاك أبو بكرٍ بكأْس رويّة ... وأنهلكَ المأْمونُ منها وعلَّكا

стр. 200

قال: مأمونٌ والله ثم أنشده: بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ ... متيّمٌ إثرها لم يفد مكبولُ وما سعادُ غداة البين إذْ رحلتْ ... إلاّ أغنُّ غضيضُ الطرف مكحولُ ويلُمِّهما خلَّةً لو أنّها صدقت ... موعودها أو لو أنّ النُّجح مقبولُ لكنّها خلّةٌ قد سيط من دمها ... فجعٌ وولْعٌ وإخلافٌ وتبديل فما تدوم على حالٍ تكون به ... كما تلوّنُ في أَثوابها الغولُ فلا يغُرَّرنك ما منَّتْ وما وَعدتْ ... إنّ الأمانيّ والأحلامَ تضليلُ تالله لا تمسك العهدَ الذي عهدتْ ... إلاّ كما تمسك الماء الغرابيلُ كانت مواعيدُ عرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدُه إلاّ الأباطيل

стр. 201

ثم قال بعد ذكر ناقته: يسعَى الغُواةُ بدَفَّيها وقيلُهُمُ ... إنّك يا ابن أبي سَلْمى لمقتولُ وقال كلُّ خليل كنتُ آمُلُه ... لا أَلقَينَّك إنّي عنك مشغولُ فقلتُ خلُّوا سبيلي لا أبالكمُ ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على حالةِ حدباء محمولُ أنبئتُ أنّ رسولَ الله أوعدَني ... والعفوُ عند رسولِ الله مأْمول إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستضاءُ به ... مهنَّد من سيوف الله مسلولُ في عصبةِ من قريش قال قائلهم ... ببطن مكّة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كُشُفٌ ... عند اللّقاء ولا ميلٌ معازيلُ

стр. 202

يمشون مشيَ الجمال الزُّهر يَعصمها ... ضربٌ إذا عرّدَ السُّود التنابيل شمُّ العرانين أبطالٌ لَبوسهمُ ... من نَسْج داود في الهيجا سرابيل لا يفرحون إذا نالت رماحهمُ ... قوماً وليسوا مَجازيعاً إذا نِيلوا لا يَقع الطَّعنُ إلاّ في نحورهمُ ... ليس لهم عن حياض الموت تهليلُ وأنشده إياها في مسجد المدينة، فلما بلغ قوله: إنَّ الرسولَ لسيفٌ يُستضاءُ به ... مهنَّدٌ من سيوف الله مسلولُ أشار رسول الله صلى الله عليه إلى الخلق: أن اسمعوا وحدّثنا غيره عن محمد بن سلاّم فقال فيه: فوهب له النبي صلى الله عليه بردة، فتوارثها ولده، فهي التي في أيدي بني العباس اليومَ.

стр. 203

وحدثنا أبو روق الهزّاني: قال: أنشدنا الرياشي فلو كنت ماءً كنتِ صَوبَ غمامة ... ولو كنتِ نوماً كنتِ تعريسةَ الفجر ولو كنتِ ليلاً كنتِ ليلة صيِّف ... من المشرِقات البيض في وسطِ الشهر وأنشدني غيره: فلو كنتَ ماءً كنتَ من ماء مُزنة ... ولو كنتَ نجماً كنتَ سعد السعودِ وقال آخر: فلو كنتَ ريحاً كنت رائحةَ الصَّبا ... بريحِ خُزامى عالجٍ بلَّها القَطْرُ ولو كنت ليلاً كنتَ قمراءَ جنِّبتْ ... نحوسَ ليالي الشَّهرِ، أو ليلةَ البدرِ

стр. 204

المسيّب بن علس: لو كنتَ من شيءٍ سوى بشر ... كنت المنوِّر ليلةَ البدرِ أنشدنا أحمد بن محمد الهِزّاني قال: أنشدنا عبد الله بن شبيب: أَلم تعلمي يا دار بَلْجاءَ أَنّني ... إذا أَخصبَتْ أَو كان جدباً جنابُها أحَبُّ بلاد الله ما بين مَنْعج ... إليّ وسَلْمَى أَن يَصُوب سحابُها بلادٌ بها حلّ الشبابُ تمائمي ... وأوّلُ أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها أخذه منه بعض الشعراء فقال: بلادٌ بها نِيطتْ عليّ تمائمي ... وحلَّت بها عنّي عقودُ التمائم

стр. 205

وقال ابن ميّادة: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بحَرَّةِ ليلي حيث ربّتنَي أهلي وهل أَسمعنَّ الدّهر أصواتَ هَجْمةٍ ... تُطالع من هَجْل بعيدٍ إلى هَجلِ بلادٌ بها نِيطتْ عليّ تمائمي ... وقُطِّعنَ عنّي حينَ أّدركني عقلي فإن كنتَ عن تلك المواطن جابِسي ... فأَفشِ عليَّ الرزقَ واجمعْ إذاً شملي وقد أحسن ابن الرُّومي وكشَف المعنى وبيّن العلّة التي يحبّ لها الوطن فقال: ولي وطنٌ آليتُ ألاّ أبيعه ... وألاّ أرى غيري له الدهرَ مالكا عهدتُ به شَرخ الشباب ونِعمةً ... كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظلالكا

стр. 206

فقد أَلِفتهُ النفسُ حتى كأَنّه ... لها جَسدٌ إن غاب غُودرت هالكا وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ ... مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا إذا ذكروا أوطانهمْ ذكّرتهمُ ... عُهودَ الصِّبا فيها فحنُّوا لذلكا ونقله إلى موضع آخر فقال: بلدٌ صحبِتُ به الشبيبةَ والصِّبا ... ولبستُ ثوبَ العيش وهو جديدُ فإِذا تمثَّلَ في الضَمير رأيتُه ... وعليه أغصانُ الشباب تميدُ أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا عُمر بن شبّة قال: حدّثنا القحذميُّ قال: قال معاوية لجلسائه: ما بقيَ من لذّاتكم؟ قالوا: ضروب فالتفتَ إلى وردان فقال: فأنت ما بقي من

стр. 207

لذّتك؟ قال: النظر في وجه رجل كريم أصابته من دهره فاقةٌ فاصطنعت إليه فيها يداً. فقال: أنا أحقُّ بهذه منك. فقال: أحقُّ بها من سبق إليها، وأنت أقدر عليها منِّى. أنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا عمر بن شبّة قال: أنشدني محمد بن عبّاد بن حبيب المهلّبيّ: إذا عثرةٌ نالت صديقَك فاغتنمْ ... مَرمَّتَها فالدَّهر بالناس قُلَّبُ وبادرْ بمعروفِ إذا كنتَ قادراً ... زوالَ اقتدارٍ أو غنىً عنك يذهب أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال: أخبرني أبو يعلى المنقريّ عن الأصمعي عن العلاء بن جرير قال: قال الأحنف: ثلاثة مجالس لا عيب على الرجل أن يجلسها: انتظار الجنازة، وانتظار إذن السلطان، وطلب العلم. وثلاثة لا عيبَ على الرجل فيهن: أن يخدم أباه، وضيفه، وفرسه.

стр. 208

أخبرنا أحمد قال: أخبرنا المنقري عن الأصمعي قال: ذمّ أعرابيّ رجلاً فقال: فلانٌ لا يستحي من الشّر، ولا يحبّ أنّه من أهل الخير، لا يكون في موضع إلاّ حرمت الصلاة فيه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تضمّ إلاّ إليه، ولو نزلت لعنةٌ من السماء لم تقع إلاّ عليه. أخذ هذا الكلام أحمد بن يوسف فكتب إلى بني سعيد بن سلم: والله لولا أن الله ختم نبوّته بمحمد ﵇، وكتبه بالقرآن، لا بتعث فيكم نبيّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن عذاب. وما عسيتُ أن أقول في قوم محاسنهم مساوي السّفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقودةٌ بالعيّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وأعراضهم أعراض الذمّ، وهم كما قال الشاعر: لا يكثرون وإن طالت حياتهمُ ... ولا تبيد مخازيهم إذا بادوا وقال أحمد بن يوسف لرجل: والله ما أدري أيّ حسنيك أحسن: أما وليه الله من إقامة

стр. 209

خلقك، وإكمال خلقك، أم ما وليته من نفسك من تحسين أدبك، وكمال مروءتك ودينك. وكتب أحمد إلى رجلٍ عزله: أما والله لقد كنتَ مسيئاً إلى جندك، مخطئاً لحظّك، غير نبيل في عملك، ولا مصيبٍ في حكمك، تحيف في القضاء، وتتّبع الهوى. وكتب أحمد بن يوسف إلى أخٍ له يشكو شوقه إليه: شوقي إليك شديدٌ، يستوي في العجز عن صفته الخطيبُ البليغ، والعييّ المفحم، فدعاني ذلك إلى الخفض عليّ، وتقديم جملة من ذكره إذا عارضت بها ما في قلبك كانت له موافقة، وعليه مفضلة. قال: وذكر أحمد بن يوسف البرامكة وصنايعهم فقال: إنّما يستتم الصنيعة من صابرها فعدّل زيغها، وأقام أودها، صيانةً لمعروفه، ونصرةً لرأيه، فإنّ أوّل المعروف يستخفّ، وآخره يستثقل.

стр. 210

وقال سهل بن هارون لرجلٍ عزاه: إنّه لن تبعد مصيبةٌ أن تحلَّ محلَّ نعمةٍ إذا سُلّم لأمر الله فيها، ولن تبعد نعمةٌ أن تحلّ محلّ مصيبة إذا ضيّع شكر الله عليها: أخذ أبو تمام معنى هذا فقال: حتّى كأنّ عدوّهم من صبرهم ... وجلالهم حسبب المصيبة أنعما ووصف سهل بن هارون رجلاً فقال: لم أر أحسن فهماً لجليل، ولا أحسن تفهّما لدقيق منه. أخذه أبو تمام فقال: حتّى كأنّ عدوّهم من صَبرهم ... وجلالهم حَسِبَ المصيبةَ أَنُعما ووصف سهل بن هارون رجلاً فقال: لم أر أحسنَ فهماً لجليل، ولا أحسن تفهُّما لدقيقيٍ منه. أخذه أبو تمام فقال: وكنتُ أعزَّ عزّاً من قنوع ... تعوَّضَه صَفوحٌ من مَلول فصرتُ أذلَّ من معنى رقيقٍ ... به فقرٌ إلى ذهنٍ جليلِ

стр. 211

وذكر سهلُ جعفر بن يحيى فقال: كان قد جمع في كلامته وبلاغته الهدوّ والتمهّل، والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاماً يغني عن الإعادة كان لا يتحبسّ ولا يتكسرّ، ولا يتوقّف ولا يتلفف، ولا يتلجلج ولا يتحلحل، ولا يتنحنح ولا يسعل، ولا يترقّب لفظا قد استدعاه، ولا يلتمس التخلّص إلى معنىً قد عصى عليه بعد طلبه له.

стр. 212

مختار من كلام البلغاء أخبرنا أبو بكر النديم قال: أخبرنا عون بن محمد قال: حدثنا عبد الله بن العبّاس بن الفضل قال: دخل عبد الملك بن صالح علي الرشيد واجداً عليه، فأقبل عليه فقال: أريد حِباءه ويريد قتلي ... عذيرَك من خليلك من مرادِ والله لكأنِّي أنظُر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع، والوعيد فيها قد أورى نارا تسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، ورءوس بلا غلاصم. مهلاً مهلاً، بي والله صفا لكم الكدر، وسهل عليكم الوعر. فنذار نذار. قال عبد الله: وما سمع للرشيد كلامٌ أفصح من هذا. فأقبل عليه عبد الملك كأنّه صقر فقال: اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاّك، ورعيّتك التي استرعاك، ولا تضع

стр. 213

الكفر مكان الشّكر، ولا العقاب موضع الثواب. قد والله محضتك النصيحة، وشددتً أواخيّ ملكك بأثقل من ركني يلملم، وجعلت عدوّك أرضاً مديسة، تطؤه الأقدام، ويذلّه الإرغام. فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه برجم ظنّ أفصح الكتابُ بأنّه إثم فقد والله سنّيت لك الأمور، وقرّرتُ على طاعتك القلوب في الصّدور. فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضنك فيك قمته، كنت فيه كما قال الشاعر: ومقامٍ ضيِّق فرّجته ... بلساني وبياني وجدَلْ لو يقوم الفيلُ أو فيّاله ... زلَّ عن مثل مقامي وزحَل وقيل للرشيد: إنّ عبد الملك يعدّ كلامه ويفكّر فيه، فلذلك بانت بلاغته. فأنكر الرشيد ذلك وقال: بل هو طبعٌ فيه. ثم أمسكَ حتى جلس يوماً ودخل عبد الملك،

стр. 214

فقال للفضل بن الربيع: إذا قرب من سريري فقل له: ولد لأمير المؤمنين هذه الليلة ابنٌ ومات ابن. ففعل الفضل ذلك. قال: فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، سرّك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرّك، وجعلها واحدةً بواحدة: ثواب الشاكر، وأجر الصابر. فلمّا خرج قال الرشيد: هذا الذي زعموا أنه يتصنّع للكلام؟ ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قال: وحدثنا الحسن بن يحيى قال: سمعت إسحاق الموصليّ يقول: عاتب عبد الملك يحيى بن خالد على شيء، فقال له يحيى: أعيذك بالله أن تركب مطيّة الحقد فقال عبد الملك: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشرّ لأهلهما إنّهما عندي لباقيان. فلما ولّى قال يحيى: هذا رجل قريش احتجَّ للحقد حتّى حسّنه لي فأذهبَ سماجته من عيني! وسأله الرشيد وبحضرته سليمان بن أبي جعفر،

стр. 215

وعيسى بن جعفر، فقال له: كيف أرض كذا؟ قال: مسافي ريح، ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضابٌ حمر، وآثارٌ عفر. حتّى أتى على جميع ما أراد، فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي أن نرضى لأنفسنا بالدّون من الكلام. أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا مسبّح بن حاتم قال: حدّثنا يعقوب بن جعفر قال: لما دخل الرشيد منبج قال لعبد الملك: أهذا البلد منزلك؟ قال: هو لك ولي بك. قال: كيف بناؤك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: فكيف صفة مدينتك هذه؟ قال: عذبة الماء، طيّبة الهواء قليلة الأدواء: قال: كيف ليلها؟ قال سحرٌ كله. قال: صدقت، إنّها لطيّبة. قال: لك طابت، وبك كملت، وأين بها عن الطّيب وهي تربة حمراء، وسنبلة سمراء، وشجرة خضراء، فياف فيح، بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: هذا الكلام أحسن من الدرّ المنظوم.
следующие страницы →