Полный текст (226 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بأكبرهم فقال: قمْ فخذ سيفي فاطعن حيث آمرك به. فقال: يا أبتاه، هل يقتل المرء أباه؟ فأتى على القوم فكلّهم يقول نحوه، حتى انتهى إلى عيينة بن حصن فقال: يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرني راحة، ولي بذلك طاعة، وهو هواك؟ قال: بلى، فقمْ فخذ سيفي فضعه حيث آمرك ولا تعجل. فقام فأخذ السيف فوضعه على قلبه، فقال: مرني يا أبتاه كيف أصنع؟ فقال ألق السّيف، إنّما أردت أن أعلم أيكم أمضى لما آمره به، فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي ثم قال:
ولًّوا عيينة من بعدي أمورَكم ... واستيقنوا أَنّه بعدي لكم حامي
إمّا هلكتُ فإنّي قد بنيتُ لكم ... عزَّ الحياة بما قدّمت قدّامي
حتّى اعتقدتُ لوا قومي فقمتُ به ... ثمَّ ارتحلتُ إلى الجفْنّى بالشامِ
стр. 142
لمّا قضى ما قضَى من حقِّ زائرِه ... عجتُ المطيّ إلى النّعمان من عامي
فابنُوا ولا تهدموا فالناسُ كلُّهم ... من بين بانِ إلى العُليا وهدّامِ
والدَّهر آخِرُه شبهٌ لأوّله ... قومٌ كقومٍ وأيّامٌ كأيامِ
ثمّ أصبح فدعا بنى بدر فقال: لوائي ورياستي لعيينة، واسمعوا منّي ما أوصيكم به، لا يتّكل آخركم على أوّلكم، فإنّما يدرك الآخر ما أدرك به الأوّل، وانكحوا الكفىّ الغريب فإنّه عزٌّ حادث، واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعتم عليه، فإنّ الخلاف يزري بالرئيس المطاع. وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدراً وإن كان مورده معروفاً. وإذا حاربتم فأوقعوا بحدٍّ وجدّ، ثم قولوا الحقَّ، فإنّه لا خير في الكذب. واغزوا بالكثير
стр. 143
الكثير، فإني بذلك كنتُ أغلبُ الناس. وعجِّلوا بالقرى فإنّ خيره أعجله. ولا تجترئوا على الملوك فإنّهم أطول أيادي منكم. ولا تغزوا إلاّ بالعيون، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصّباح. وإياكم وفضحات البغي، وغلبات المزاح.
أخبرنا أبي قال: أخبرني أبو عليّ قال: أخبرنا النّوشجانُ قال: قال ابن شبرمة: ما رأيتُ على امرأةٍ لباساً أجمل من سمن، وما رأيت على رجل لباساً أحسن من فصاحة.
إذا سرّك أن يصغر في عينك من كان عندك عظيماً، وتعظم في عين من كنت عنده صغيراً فتعلّم العربيّة، فإنها تجرّيك على المنطق، وتدنيك من السلطان.
أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو عليّ قال: قال حفص بن غياث قال:
стр. 144
وجه إلينا عيسى بن موسى ليلاً فصرنا إليه، والجند سماطان، وقد امتلأنا رعباً منه، فقال: ما دعوتكم إلاّ لخيراً. فزالت هيبته من قلوبنا لقبح لحنه.
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا الرياشيُّ عن العتبيّ قال: قال زيادٌ: إنّي رأيتُ خلالاً ثلاثاً نبذْتُ إليكم فيهنَّ النَّصيحة. رأيت إعظام ذوي الشَّرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان. والله لا أوتي بوضيعٍ لم يعرف لشريف شرفه إلاّ عاقبته له، ولا يأتيني كهلٌ بحدث لم يعرف له فضل سنّه على حداثته إلاّ عاقبته له، ولا يأتيني عالم عاقلٌ بجاهل لم يعرف له فضل علمه على جهله إلاّ عاقبته له. فإنّما الناس بعلمائهم وأعلامهم وذوي أسنانهم! ثم تمثّل:
تهدى الأمور بأهل الرأْي ما صلحت ... فإن تولَّتْ فبالأشرار تنقادُ
لا يصلح الناس فوضى لا سراةَ لهم ... ولا سراةَ إذا جُهّالهم سادوا
стр. 145
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال: سمعت أعرابياً يصف رجلاً يصحب السًّلطان فقال: كان لا يغترُّ بالسُّلطان إذا رضوا عنه، ولا يستثقل ما حمّلوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يجترئ إذا أكرموه، ولا يطغى إذا سلّطوه، ولا يبطر إذا رفعوه.
وقال غيره: حقُّ من يصحب السّلطان أن يدخل إليهم أعمى ويخرج من عندهم أخرس.
يعني أنّه يغضي ويكتم.
أخبرنا الحسن بن أحمد بن بسطام أخبرنا بن أبي الشّوارب القاضي قال: أخبرنا جابر بن عبد الله عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أعن أخاكَ ظالماً أو مظلوماً " قلنا يا رسول الله نعينه إذا كان مظلوماً فكيف نعينه إذا كان ظالماً؟ قال: " تمنعه من الظّلم، فذلك نصرك إيّاه ".
стр. 146
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: حدّثني الطيّب بن محمد الباهليّ قال: أتى الرشيد عمرو بن سعيد بن سلم، وكان في حرسه، فقال له الرشيد: من أنت؟ فقال: عمرو عمّرك الله يا أمير المؤمنين، ابن سعيدٍ أسعدَ الله جدّك، ابن سلم سلَّمك الله. فقال: أنت تكلؤنا منذ الليّلة. فقال: الله يكلؤك وهو خيرٌ حافظاً. فقال: يا عمرو،
إنّ أخاك الصّدق من يسعى معك ... ومن يضرُّ نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك ... شتّت شملَ نفسه ليجمعك وإن غدوت ظالماً غدا معك
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا الحسنُ بن خضر عن الرياشيّ قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵇: كفى بالعالم شرفاً أنّه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه. وكفى بالجهل خمولاً أنه يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب منه
стр. 147
إذا نسب إليه. قال: وقال بزرجمِهْر: عجبتُ ممن فاز بالأدب أيّ شيء فاته! سرق هذا الكلام العطويّ فقال في قصيدة:
فلو قايضوا لم نعطِ علماً بثروةٍ ... ولم نر للتَّمييز كفْواً من المال
ومن أمثال العرب: " كلُّ من أقامَ شخص، وكلّ من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء ".
فأخذه أبو العتاهية فقال: " أسرعَ في نقص امرئ تمامه " وقال غيره:
إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصُه ... توقَّعْ زوالاً إذا قيل تمّ
ومما يقرب من هذا المعنى ما أخبرنا به محمد بن يحيى قال: أخبرنا الغلاميّ عن ابن عائشة قال: قلتُ لأبي يوماً:
стр. 148
حدثني حماد بن سلمة عن حميد عن ثابت عن أنس، أن النبي ﵇ قال: " وكفى بالسلامة داء " فقال لي: يا بنيّ ما كنت أراه مسنداً إلى النبي ﵇، فقد قال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبُك داءً أن تصحَّ وتسلما
وقال النمر بن تولب:
يودُّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
وقال غيره:
كانت قناتي لا تلين لغامزٍ ... فألانها الإصباحُ والإمساءُ
ودعوت ربِّي بالسلامة جاهداً ... ليُصحَّني فإذا السلامةُ داءُ
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا الرياشيُّ قال:
стр. 149
قيل لأعرابيّ: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتي من مأمنه.
أخذه الناجم فقال:
هل موئلٌ من شهاب الدهر ينجينا ... أيٌّ وما نتّقيه كامنٌ فينا
إنَّ الغذاءَ الذي نحيا به زمناً ... يعود آونةً داءً فيفنينا
وأخذه أيضاً ابن الروميّ فقال:
لعمرك ما الدُّنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين البصير غطاؤها
وكيف بقاءُ النفس فيها وإنمّا ... ينال بأسباب الفناءِ بقاؤها
ونقله إلى موضع آخر فقال:
فإنَّ الداءَ أكثرَ ما تراه ... يكونُ من الطّعام أو الشَّرابِ
стр. 150
وقال أيضاً:
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو في الحلوقِ
أنشدنا أبو بكرٍ ابن الأنباريّ قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:
إذا ما القلَنْسِي والعمائُم أُخِّرت ... ففيهن عن صلع الرِّجال خشوعُ
فيا ليت أياما مضينَ رواجعٌ ... علينا وغربانٌ علىَّ وقوعُ
يعني أنَّ العمائم إذا أخِّرت عن الرءُوس وكُشفت ففيهنَّ يعني في النساء عن صلْع الرجال خشوعٌ، أي إعراض. والقلنسي: جمع قلنسوة.
وسمعت أبا بكر يقول: في القلنسوة سبع لغات، يقال قلنْسُوة، وقُلَنْسِيَة، وقُلَيسيَّة، وقُلَيْسَةٌ، وقُلَيْسِيَة، وقَلَنْساةٌ، وقَلْساة.
وقوله وغربانٌ عليّ يعني الشَّباب.
стр. 151
قال أوس بن حجر:
وإنّي وجدتٌ الناسَ إلاّ أقلَّهم ... خفافَ عهودٍ يكثرون التنقُّلا
وليس أخوك الدائمُ العهدِ بالذي ... يذمُّك إنْ ولَّى ويرضيكَ مُقْبلا
ولكنّه النائي إذا كنتَ آمناً ... وصاحبك الأدنى إذا الأَمُر أَعضلا
لم يُسبَق أوسٌ إلى هذا المعنى. وأخذه المرّارُ الفقعسِيُّ فقال:
إذا افتقر المرّارُ لم يُرَ فقرُه ... وإن أَيسَرَ المرّارُ أيسَرَ صاحبُه
وقال الهذلّي:
أبو جابرٍ قاصرٌ فقرُه ... على نَفْسِه ومُشيعٌ غِناه
стр. 152
إذا سدتَه سُدتَ مِطواعةً ... ومهما وكلتَ إليه كَفاه
أخبرنا أبو بكر قال: حدّثني أبو ذكوان قال: دخلت إلى إبراهيم بن العباس وهو بالأهواز لخدمته، فقال لي: ما تقول في شعر النابغة:
ألم تر أنّ الله أعطاك سُورةً ... ترى كلَّ مَلْك دونها يتذبذب
بأَنك شمس والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبد منهنّ كوكب
فقلت: ما عندي إلاّ الظاهر المشهور. يقول: فضلك على الملوك كفضل الشمس على الكواكب. فقال: تفهّم معناه قبل هذا فإنه يعتذر إلى النّعمان من مدحه آل جفنة الغسّانيين وتركه له، ويريه أنَّ له في مدحهم عذراً إذا تركه النعمان. ألا ترى إلى قوله:
ولكنّني كنتُ أمرأً ليَ جانبٌ ... من الأرض فيه مُسترادٌ ومذهبُ
стр. 153
ملوكٌ وإخوان إذا ما لقيتُهم ... أحُكَّمُ في أموالهم وأقرَّبُ
يدلّ على جلالة النابغة في قومه ونفسه قوله ملوك وإخوان
كفعلِكَ في قومٍ أراك اصطنعتَهم ... فلم تَرهم في مثل ذلك أذنبوا
يقول: لا تلمني على شكري لهم وقد أحسنوا إذْ لجأتُ إليهم وإن كانوا أعداءك؛ فقد أحسنوا ولم يذنبوا. ثم قال: فاعملْ على أنّي أذنبتُ فمن أين تجد من لا يذنب؟ فقال:
فلستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمُّه ... على شعثِ أي الرِّجال المهذَّبُ
فإنْ أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتَه ... وإن تك ذا عتْبي فمثلْك يُعنِبُ
يقول: مثلك يعفو أو يحسن وإن كان عاتباً، وفي كرمك ما تفعلُ ذلك، ولك العتبي والرجوع إلى ما تحبّ. ثم فضّله عليهم فقال:
стр. 154
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ... ترى كلَّ ملكٍ دونها يتذبذبُ
بأنّك شمس والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
يقول: ما صلحتَ أنتَ لي فإنيّ لا أريد غيرك من الملوك، كما أنّ من طلعّتْ عليه الشَّمس لم يحتجْ إلى النُّجوم.
قال أبو ذكوان: وما رأيت أعلم بالشعر منه، ثم قال: لو أراد كاتبٌ بليغ أن ينثر من هذه المعاني ما نظمه النابغة ما جاء به إلاّ في أضعاف كلامه. وكان يفضّل هذا الشّعر على جميع أشعار الناس.
وقد سبق النابغة إلى هذا المعنى بعضُ شعراء كندة فقال يمدح عمرو بن هند:
تكاد تميد الأرضُ بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبةً وهو عاتبُ
стр. 155
هو الشمسُ وافتْ يوم سعدٍ فأفضلَتْ ... على كلِّ ضوءٍ والملوك كواكبُ
وقالت صفيّة الباهلية:
أخنَى على مالك ريبُ الزّمان ولا ... يُبقى الزّمانُ على شيءٍ ولا يَذرُ
كنا كأنجُمِ ليل بيننا قمرٌ ... يجلو الدُّجى فهوى من بينها القمرُ
وقال جرير يرثي عبد الملك:
إن الخليفةَ قد وارت شمائلَه ... غبراءُ ملحودةٌ في جوزها زورُ
أمسَى بنوه وقد جلّت مصيبتُهمِ ... مثلَ النجوم خلا من بينها القمرُ
وقال نصيب وأخذَ المعنى من النابغة:
هو البدر والناس الكواكبُ حوله ... وهل يشبه البدرَ المضئ الكواكبُ
стр. 156
وأخذه أبو تمام فقال:
كأنّ بَني نبهانَ يومَ وفاته ... نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: سأل البحتري أبي ﵀ حاجةً فوعده أن يركب فيها يوم الخميس فيقضيها، فتأخَّرَتْ مديدةً، فكتب إليه قصيدةً منها:
لم ترْعَ لي حقَّ القرابة طيّئٌ ... فيها ولا حقَّ المودّة فارسُ
ووعدتَني يوم الخميس وقد مضى ... من دون موعدك الخميس الخامسُ
قال: وأنشدني أبو موسى الهاشميُّ لديك الجنّ:
وكان الموعدُ السبتَ ... فجازوهُ بيومينِ
بحقّ أبغَضَ الشِّيعَ ... ةُ عندي يومَ الاثنين
стр. 157
وأنشدني غيره لديك الجن من أبيات:
قامت مذكَّرةً، وقام مؤنَّثاً ... فتنازعا المهجاتِ باللحظيْن
صُبّا عليّ الكأْسَ إنّ هلالنا ... قد صبَّ نعمته على الثَّقَلينِ
لا زال من بُغض الصّيام مبغّضاً ... يومُ الخميس إليّ والاثنين
وقال غيره:
لم أزَل أُبغض الخميس ولم أد ... رِ لماذا حتّى دهاني الخميسُ
قال أعرابيّ:
وبيت ليس من شعَر وصوف ... على ظهر المطيّة قد بنيتُ
ولحمٍ لم يذُقه الناسُ قبلي ... أكلتُ على خَلاءٍ واشتويت
стр. 158
يعني عملت بيت عر والثاني أنّه أكل لحم شيءٍ لا يؤكل لحمه.
وهي أبياتٌ مختارةٌ أنشدَنيها أبو بكر المعروف بالمبرمان قال: أنشدَني الأَخثى قال: أنشدني المازني:
ألا يا بيتُ بالعلياء بيتُ ... ولولا حبُّ أهلكَ ما أتيتُ
ألا يا بيتُ أهلكَ أوعدوني ... كأنّي كلَّ ذنبهم جنيتُ
إذا ما فاتني لحمٌ غريض ... ضربتُ ذراعَ بَكري فاشتويتُ
وكنت إذا أرى رِقّاً مريضا ... يناح على جنازته بكيتُ
أهل البصرة يقولون جنازة وجنازة جميعاً: السرير.
стр. 159
وأهل بغداد جنازة بالفتح: الميت، وبالكسر: السَّرير.
أرجَّل جمّتي وأجرُّ ذيلي ... ويَحمل بِزًّتي أحوى كُميتُ
أمشِّى في سراة بنى غطيف ... إذا ما سامَني ضيمٌ أَبيتُ
وسوداءِ المَحاجر إِلفِ صَخْر ... تلاحظني الترقّبَ قد رميتُ
ولحمٍ لم يذُقه الناس قبلي ... أكلت على خلاءٍ وانتقيتُ
وماءٍ ليس من عدٍّ رواءٍ ... ولا ماءِ السماءِ قد استقيتُ
وتامورٍ هرقتُ وليس خمراً ... وحبّةِ غير طاحنةٍ قضيتُ
يعني أنه هَراق دماً. أراد حاجةً كقولك: اجعلْه في حبّة قلبك.
стр. 160
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: حدّثنا الغلاّبي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن التميمي قال:
دخل بشارٌ إلى إبراهيم بن عبد الله، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور، ويشير عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قتل إبراهيم خاف بشارٌ فقلب الكنية وأظهر أنّه قالها في أبي مسلم، أولها:
أبا مسلم ما طول عَيشٍ بدائمِ ... وما سالمٌ عما قليل بسالمِ
على الملك الجبّار يقتحم الرّدَى ... ويصرعه في المأزِقِ المتلاحِم
كأّنك لم تَسمع بقتل متوّجٍ ... عظيم ولم تعلمْ بقتل الأعاجم
تقسّمَ كسرى رهطُه بسيوفهم ... وأمسَى أبو العباس أحلام نائم
وقد تردُ الأيّامُ غرّاً ورُبّما ... ورَدْن كلوحاً بادياتِ الشكائم
стр. 161
ومروان قد دارت على رأْسه الرحَى ... لإجرامه لا بلْ قليل الجرائم
وأصبحتَ تجري سادراً في طريقهم ... ولا تتّقى أشباه تلك النقائم
تجرّدتَ للإسلام تعفو سبيله ... وتُعري مطاهُ للُّيوث الضَّراغم
فما زلتَ حتّى استنْصَرَ الدينَ أهلُه ... عليكَ فعادوا بالسيوف الصوارم
لحا الله قوماً رأَّسوك عليهم ... وما زلتَ مرءوساً خبيثَ المطاعم
أقول لبسّامٍ عليه جلالةٌ ... غدا أريحيا عاشقاً للمكارِم
من الفاطميِّين الدُّعاةِ إلى الهدى ... جِهازاً ومن يهديك مثل ابن فاطم
стр. 162
إذا بلغَ الرأْىُ المشورةَ فاستعِنْ ... برأي تصيحٍ أو نَصَاحة حازمِ
ولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً ... فإنّ الخوافي قوّةٌ للقوادم
وما خير كفٍّ أمسَكَ الغُلُّ أختها ... وما خير سيفِ لا ينوءُ بقائم
وخلِّ الهُوَيني للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإن الحزم ليس بنائم
وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة ... شبا الحرب خيرٌ من قبول المظالم
قال أبو بكر: فحدّثني الجمحيّ قال: سمعت المازنَّي يقول: سمعت أبا عبيدة يقول: ميميةُ بشّار هذه أحبُّ إليّ من ميميّتي جرير والفرزدق: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا الرياشيّ قال: سمعت الأصمعي يقول:
стр. 163
قلت لبشّار: ما أحسن أبياتاً قلتها في المشورة: وأنشدتُه
إذا بلغَ الرأْيُ المشورةَ فاستعِن ... برأْي نصيحٍ أو نصاحة حازمِ
ولا تَجعل الشُّورى عليك غضاضةً ... فإنّ الخوافي قوّةٌ للقوادم
وخلِّ الهُوَيني للضَّعيف ولا تكنْ ... نؤوماً فإنّ الحزمَ ليس بنائم
فقال لي: إنّ المستشير بين صوابٍ يفوز بثمره أو خطإ يشارك في مكروهه: فقلت: هذا والله أحسنُ من الشِّعر.
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا الأشنانداني:
خليليَّ ليس الرأْيُ في صدر واحد ... أشيرا عليَّ اليومَ ما تريان
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن زياد الزياديّ قال: حدّثني محمد بن سفيان قال:
стр. 164
كان سلمة بن عيّاش العامريُّ مولىً لبنى عامر بن لؤيّ، والناسُ يعُدُّونه منهم لجلالته وعلمه، وكان صديقاً لمحمدٍ وجعفر ابنى سليمانَ لا يفارقهما، وكان ذا مروّة، فلزمه دينٌ فبلغ ذلك محمداً وجعفراً فقضياه عنه فقال:
أرقت فطالت ليلتي بأبانِ ... لبرقٍ سرَى بعد الهدوِّ يمانِ
وما زلت أرجو جعفراً ومحمدا ... لأفضلِ ما يُرجَى له أَخَوانِ
وردتُ خليجَيْ جعفر ومحمدٍ ... فكلٌّ بريٍّ من نداهُ سقاني
فقال له جعفر وكان أوطأ أخلاقاً من محمد: قدّمتني عليه في الشعر: فقال له: أصلح الله الأمير، إنّ العطف بالواو إذا كان كذا جاز أن يكون المقدَّم مؤخَّراً والمؤخَّر مقدَّما. فلما سمع محمد قوله: لأفضل ما يرجى له أخوان قال له محمد: وأنت والله لنا أخٌ وصديق. فقال سلمة: بل وليٌّ وصنيعةٌ، هذا إذا كان السُّوقة كالسلطان، وقريشٌ كهاشم، والموالي كالصُّرحاء. فقال له
стр. 165
محمد: أنت والله أخص بنا وأكثر عندنا من النابغة عند النعمان بن المنذر وقد قال له يعني آل جفنة، وهم ملوك الشام:
ملوكٌ وإخوانٌ إذا ما لقيتُهم ... أحكَّم في أموالهم وأقرَّبُ علمك يا سلمة الذي أحلّك منا هذا المحلّ
ومثل قول النابغة قول أشجع السّلميّ:
لا تعذلوني في مديحي معشراً ... خطبوا المديحَ إليَّ بالأموالِ
يتزحزحون إذا رأوني مقبلاً ... عن كل متّكإ من الإجلال
ومثله ما أنشدنا محمد بن يحيى قال: أنشدنا أبو ذكوان عن التّوّجي لزياد الأعجم:
سألناه الجزيل فما تلكّا ... وأعطى فوق مُنيتنا وزادا
стр. 166
مراراً لا أعود إليه إلاّ ... تبسَّمَ ضاحكاً وثنى الوسادا
ومثله قول كثيّر، يعني عبد الملك وعبد العزيز، ابني مروان:
ما أعطياني ولا سألتهما ... إلاّ وإنّي لحاجزِي كرمي
مبدِي الرضا عنهما ومنصرفٌ ... عن بعض ما لو سألتُ لم ألَمِ
ومثله أيضاً ما أنشدناه عن التّوّجي:
ما زلت تحسنُ ثم تحسن عائداً ... فأعودُ شاكرَ نعمةٍ فتعودُ
قال: وأنشدنا المبرّد لمحمد بن وهيبٍ نحوه:
وما زلتُ كنتَ في نعمةِ ... يقلِّبني الدهرُ في خَفضِهِ
وأنزل من ملكٍ قادر ... بمنزلة البعضِ من بعضه
стр. 167
أخبرنا محمد بن القاسم الأنباريّ قال: أخبرنا العنزيّ قال: حضر مروان بن أبي حفصة، قيل: قل لا إله إلا الله. فقال:
تبقى قَوافي الشِّعر ما بقيتُ ... والشِّعر منسيٌّ إذا نَسِيتُ
لم يحَظَ في الشِّعر كما حظِيتُ ... جمعٌ من الناس ولا شتيت
كم مَلكِ حُلَّتَه كًسِيتُ ... ومِن سَريرِ مُلكهِ أُدنيتُ
إن غبتُ عن حضرته دعُيتُ ... وإن حضرتُ بابه حُيِّيتُ
ثم خرجت نفسه.
أخبرنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى قال: حدّثني المغيرة بن محمد عن المدائني قال: قدم عبد الملك بن مروان الكوفة، فجلس يعرض أحياءَ العرب للبيعة، فقام إليه معبد بن خالد الجديليّ، وكان
стр. 168
قصيراً دميماً، وقام إليه رجلٌ طريرٌ حسن الهيئة. قال معبد: فكان الرجل أمامي فنظر عبد الملك إلى الرجل فقال: مّمن أنتم؟ فسكت الرجل، فقلت أنا من خلفه: من جديلة. فأقبل على الرجل وتركني فقال: من أيّكم كان ذو الإصبع؟ فقال الرجل: لا أدري. فقلت: يا أمير المؤمنين، كان عدوانياً. قال: من أيّهم؟ قال: لا أدري. فقلت: من بنى رهم بن ناج. قال: فأنشدني قوله:
أبعدَ بني ناجٍ وما كان منهم ... فلا تتبعن عينيك ما كان هالكا
فأضحوا كظهر العَود جبَّ سنامُه ... يطيف به الوِلدانُ أحدبَ باركا
فأقبل على الرجل فقال: ولم سُمّى ذا الإصبع؟ فقال الرجل: لا أدري. فقلتُ: نهشته في إصبعه حيّةٌ. فأقبل على الرجل فقال: وما كان يسمّى قبل ذلك؟ فقلت: كان
стр. 169
يسمّى حرثان. فأقبل على الرجل وتركني فقال: أنشدني:
عذيرَ الحيّ من عدْوا ... ن كانوا حيّةَ الأرضِ
فقال الرجل: لستُ أرويها. فقلت: إن شئتَ يا أمير المؤمنين أنشدتك. فقال: ادنُ منّي فإنّي أراك أديباً لسنا. فدنوتُ منه، فقال: أنشدني. فأنشدته:
عذيرَ الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّةَ الأرضِ
بغي بعضُهُم بعضاً ... فلم يرعُوا على بعضِ
ومنهم كانت السادا ... ت والمُوفون بالقرضِ
ومنهم حكَمٌ عدلٌ ... فلا يُنقَض ما يمضِي
وما للمرءِ من شيءٍ ... من الإبرام والنَّقْضِ
فقال عبد الملك لصاحبي: كم عطاؤك؟ قال:
стр. 170
سبع مئة. ثم قال لي: كم عطاؤك؟ قلت: أربع مئة. قال: أنت أحقّ بالسبع مئة، خذوا من عطاء هذا ثلاث مئة فزيدوها في عطاء هذا. فانصرفت وعطائي سبع مئة وعطاء صاحبي أربع مئة.
قال: فرغب الناس منذ يومئذ في الأدب.
أخبرنا الهزّاني قال: أخبرنا الرياشيُّ قال: قال: سفيان بن عيينة قال: قال عمرو بن مرّة: لا أكره أن أقول المثل من القرآن فلا أعرفه لأنّ الله يقول: " وما يعقلها إلاّ العالمون " أخبرنا أحمد بن محمد بن الفضل الأهوازي قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد الشافعي قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عديّ عن ابن غياث عن الشعبي قال: قال معاوية: عشرة أعمال لا يعملها إلاّ الشَّريف المسُّ العاقل الذي قد عضَّ على ناجذه: الثَّغْر، والمنبر.
стр. 171
والصائفة، والموسم، والشًّرط، وبيت المال، والسَّقاية، ودار الرِّزْق، والقضاء، والعشور.
أخبرنا الهزّاني قال: حدثنا الرياشيّ عن الأصمعيّ قال: كان يقال: الرجال ثلاثة، فرجلٌ مسلم عفيفٌ يورد الأمور مواردها، ويصدرها مصادرها، فذلك رجل نفسه. وآخر لا رأى له ولكنّه يشاور أهل اللبّ والرأي، وينتهي إلى ما يقال له، فذلك نصف رجل. وآخر حائر بائر لا رأي له ولا يأتمر للرُّشد ولا يطيع المرشد.
أخبرني أبي قال: أخبرنا عسل بن ذكوان قال: حدّثنا ابن أخي الأصمعيِّ عن عمه قال:
تقول الرواة والعلماء: من أراد الغريب فعليه بشعر هذيل ورجز رؤبة والعجّاج، وهؤلاء يجتمع في شعرهم الغريب والمعاني. ومن أراد الغريب من شعر المحدّث ففي أشعار ذي الرّمّة. ومن أراد الغريب الشديد الثّقة ففي شعر ابن مقبل، وابن أحمر، وحميد بن ثورٍ الهلاليّ، والراعي، ومزاحمٍ العقيليّ. ومن أراد النسيب والغزل من شعر العرب الصّلب فعليه بأشعار عذرة والأنصار.
стр. 172
ومن أراد النَّسيبَ من الشعر المحدث ففي شعر ابن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي والطبقة الذين مع هؤلاء. ومن أراد طرف الشعر وما يحتاج إلى مثله عند محاورة الناس وكلامهم فذلك في شعر الفرسان.
ويقال: أشعر الفرسان دريد بن الصّمّة، وعنترة، وخفاف بن ندبة، والزّبرقان بن بدر، وعروة بن الورد، ونهيكة بن إساف، وقيس بن زهير، وصخر بن عمرو، والسّليك بن سلكة، وأنس بن مدركة، ومالك ابن نويرة، ويزيد بن الصّعق ويعدّ من الفرسان وفي الأشراف، ويزيد بن سنان بن أبي حارثة.
أنشدنا أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو عمرو الجرجانيّ الكاتب:
رأيتكم بقية حيّ قيس ... وهضبتها التي فوق الهضابِ
تُبارُون الرِّياحَ إذا تبارت ... وتمتثلون أفعال السَّحاب
стр. 173
أنشدني أبو عليّ الحسن بن يزداد قال: أنشدني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: كنت عديل الزّبير بن بكّار في طريق مكّة، فنظرَ إلى الطريق ثم أنشد:
ألا تلكما أعلامُ بثنة قد بدتْ ... كأنّ ذراها عمّمتْ بسبيبِ
طَوامس لي من دونهنّ مودّة ... ولي من وراء الطامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليس يطلب حاجةً ... وأمّا على ذي حاجة فقريبُ
أنشدنا إبراهيم بن الزُّغل العشمي قال: أنشدنا المبرد قال: سمعت أمَّ الهيثم وقد سئلت: أينَ منزلك؟ فقال:
أما على كسلان فان فساعة ... وأما على ذي حاجةٍ فقريبُ
стр. 174
ثم أنشدت:
بعيدُ على من ليس يطلب حاجةً ... وأمّا على ذي حاجة فقريبُ
أخبرني عمي ﵀ قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: سمعت أبا محلّم السعدي يقول: دخلت إلى أبي نواس نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا: كيف تجدك؟ فقال:
شاع فيَّ الفناءُ سُفلاً وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس من ساعة مضَت بيَ إلاّ ... نقصتني بمرِّها بيَ جزْوا
ذهبَتْ جدَّتي بطاعة نفسي ... وتذكّرت طاعة الله نِضْوا
قد أسأْنا كلَّ الإساءَة فاللَّ ... هُمَّ صفحاً عنّا وغَفراً وعفوا
فلما خرجنا من عنده قيل لنا: مات
стр. 175
وأخبرني عمّي قال: أخبرنا أبو إسحاق الشيبانيّ عن ابن أبي طاهر قال: حضر عبد الله بن العباس الطالبيّ وهو شيخ أهله باب يحيى بن خالد، فعرف الحاجب مكانه، فخرج فلما رآه أطرق، فقال عبد الله بن العباس: لو أذن لنا في الدخول دخلنا، ولو أمرنا بالانصراف انصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا. فأما الفترة بعد النظرة، والتوقّف بعد التعرّف فلا أعرفها. ثم لوى رأس حماره وأنشأ يقول:
وما عن رضاً كان الحمار مطيّتي ... ولكن من يمشي سيرضى بماركبْ
أخبرنا أبو بكر ابن عبدان القاضي قال: حدّثنا عسل بن ذكوان قال: حدثنا الرياشّي عن محمد بن سلاّم قال: لمّا طعن أبو ثور الأسديّ صخراً أخا خنساءَ، فأدخلَ حلقَ الدّرع في جوفه، مرض زماناً فجعل ينفث الدمَ وينفث معه حلقَ الدّرع، وكانت امرأته تقوم عليه، فطال عليها مرضُه وملّته، وقد كان يكون بينها وبين أمّه الشيء فتعتبها، فمرّ بها رجلٌ وكانت ذات خلق، فقال:
стр. 176
أيباع الكفل؟ فقالت: عمّا قليل. وذلك بسمعْ صخر، فقال لها رجلٌ: كيف صخر؟ قالت: لا حيٌّ فيرجى ولا ميّتٌ فيستراح منه فسمعها فقال: ناوليني سيفي وهو يريدها انظر ما بقي من قوّتي: فناولته السف فإذا يده لا تُقلّه، فقال صخر:
أرى أُمَّ صخرٍ ما تجفُّ دموعُها ... وملَّتْ سُليمَى مضجعي ومكاني
وما كنتُ أخشَى أن أكون جنازةً ... عليكِ ومَن يعترُّ بالحدَثان
فأيُّ امرئٍ ساوَى بأُمٍّ حليلةً ... فلا عاشَ إلاَّ في شَقاً وهوان
أهمُّ بأمر الحزم لو أستطيعُه ... وقد حيلَ بين العيْر والنًّزَوانِ
وحيٍّ حلالٍ قد صبَحتُ بغارةٍ ... كرحل جرادٍ أودباً كتُفانِ
فلو أنَّ حيّاً فائتُ الموت فاتَه ... أخو الحربِ فوقَ القارح الغّذوان
стр. 177
قال: وأنشدني الأبيات الرياشُّ والمازنيّ عن الأصمعي.
أخبرنا علي بن الحسين بن إسماعيل الفقيه قال: أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار قال: حدّثنا مهديّ بن سابق عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: جمع قسُّ بن ساعدة ولده فقال: إنّ المعا تكفيه البقلة، وترويه المذقة، ومن عيرك شيئاً ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، ومتى عدلتَ على نفسك عدل عليك من فوقك، وإذا نهيتَ عن شيء فإنه نفسك، ولا تجمع مالاً تأكل، ولا تأكل مالاً تحتاج إليه، وإذا ادّخرت فلا يكوننَّ كنزك إلاّ فعلك. وكن عفَّ العيلة، مشترك الغنى، تسد قومك. ولا تشاورنَّ مشغولاً وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهماً، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً. ولا تضعنَّ في عنقك طوقاً لا يمكنك نزعه إلا بشقّ نفسك. ولا تضعنَّ في عنقك طوقاً لا يمكنك نزعه إلا بشقّ نفسك. وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد. ولا تستودعنّ أحداً دينك وإن قربت قرابته، فإنّك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلاً، وكان المستودع بالخيار في الوفاء والغدر،
стр. 178
وكنت له عبداً ما بقيت. وإنْ جنَى عليك كنتَ أولَى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك.
أنشدنا محمد بن علي بن عمران قال: أنشدنا عبيد الله بن علوان، أنشدنا إسحاق الموصلي:
خفِّف على كلِّ من لقيتَ وإنْ ... كان لَحمل الثَّقيل محتملا
أثقلُ ما كان من يخفُّ على ... إخوانه حين يأْمن الثِّقلا
ومثله لبعض المحدثين:
لمَّا تعاللتَ وقد خفتُ أن ... تدبر من ودِّك بالمقبل
أقللتُ إتيانَكم إنَّهُ ... من خاف أن يثقلَ لم يثْقِلِ
أخذه من قول حماد بن أبي سليمان: " من خافَ أن يثقُلَ لم يُثْقِل ".
وحمّاد هذا أستاذ أبي حنيفة، وفقيه أهل الكوفة، وحمل عن إبراهيم النخعيّ.
стр. 179
سمعت أبا بكر محمد بن يحيى يقول: سمعت أبا حازم القاضي يقول: قال أبو حنيفة: كنّا نأتي حمّاد بن أبي سليمان، فلا ننصرف من عنده إلاّ بفائدة، فجئناه يوماً فلم نفد شيئاً إلاّ أنه قال: " إذا ورد عليك مسألة معضلةٌ فاجعل جوابها منها ". فحفظت ذلك وأنا لا أرى أنّه شيء، فلما كان بعد دهر صرتُ إلى دار المنصور، فخرج إليّ الربيعُ الحاجبُ ممتحناً فقال: أفتني في أمر أمير المؤمنين لي بقتل الأنفس وأخذ الأموال، أعليّ في ذلك شيء؟ فذكرت قول حماد فقلت: ليس أمير المؤمنين يأمرك بحقّ يراه؟ قال: بلى. قلت: فافعل إذا أمرك بذلك وأنت مأجور! وممّا يشبه هذا ما أخبرني به أبو بكر قال: حدّثني محمد بن علي عن أبي العيناء قال: حدّثني الجاحظ قال: قال المهديّ لشريك القاضي وعنده عيسى بن موسى: لو شهد عندك عيسى بن موسى كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما، فقال شريك: من شهد عندي سألتُ عنه، ولا
стр. 180
يسأل عن عيسى غير أمير المؤمنين، فإن زكّاه قبلته. فقبلها عليه.
وأخبرنا أبو بكر قال: حدّثنا الجمحيّ قال: حدّثني هشامٌ الكرنبانيُّ قال: تقدّم السّيّد إلى سوّار بن عبد الله مع خصم له، فقال سوّارٌ للسيّد في بعض خطابه وكان مغيّظا عليه لسوء مذهبه وهجائه له: يا ابن اللخناء! فقال السيّد: ابن اللّخناء خصمي هذا. فقال الخصم: خذ لي بحقّي. فلم يقدر القاضي على ذلك لأنَّ عليه مثل ذلك. فقال: قوما.
قال أبو بكر: فحدّثت بهذا الحديث أبا بكر الطالقانّي فقال: حدّثني ابن أبي سعد قال: حدّثتُ أن الشافعيّ قال: لو أفكر فيها سنةً لكان قليلا.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: أخبرنا أبو يعلى المنقري قال: حدّثنا ابن أبي سويّه قال: قال الأحنف: ينبغي للوالي ألاّ يغضب، لأنَّ الغضبَ في القدرة لقاح السّيف والندامة. ولا ينبغي أن يدع تفقّد لطيف
следующие страницы →