Полный текст (226 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أخذه ابن المعتزّ فقال:
وكأنّ عقربَ صدغه وقفتْ ... لمّا دنتْ من نار وجنتِه
وأنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت لنفسه:
كأن أجفانه من جسم عاشقِهِ ... قد رُكِّبت فهي في الأَسقام تحكيه
في صدغه عقربٌ للقلب لادغةٌ ... درياقٌ لدغتها يا قومِ من فيه
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعي:
أطلسُ يخفى شخصَه غُبارُه ... في شدقه شفرتُه ونارُه هو الخبيثُ عينُه فرارُه
стр. 72
وأنشدنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أن أعرابيا أنشده:
يتعاوران من الغبار مُلاءَةً ... بيضاءَ مخْملةً هما نسَجاها
تطوى إذا سلَكا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابكُ أَسهلَت نشراها
وفي وصف الذئب من المشهور أبياتُ الفرزدق التي فيها:
وأطلسَ عسّالٍ وما كان صاحبا ... دعوتُ لناري مرةً ودعاني
وأبيات حميد بن ثور التي يقول فيها:
ينام بإحدى مُقْلتيه ويتَّقى ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ
أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لابن خنشٍ الفزاري:
وذنبي حاضرٌ لاستر عنه ... لطالبه وعُذري بالمغيبِ
стр. 73
ولا عذرٌ يردُّ عليَّ نفعاً ... وكرُّ العذرِ من فعل المُريبِ
وقد جاهدت حتّى لا جهادٌ ... وقلّتْ حيلةُ الرجلِ الأريبِ
فلو صدَقَ الهوى أو كنتُ حرّاً ... لمتُّ مع الندى يومَ القليبِ
وكم من موقف حسنٍ أحيلتْ ... محاسنه فعدَّ من الذنوبِ
أخذه أبو تمام فقال:
فإن كان ذنبي أنَّ أحسنَ مطلبي ... أساءَ ففي سوءِ القضاءِ لي العُذرُ
وأخذه البحتريّ فقال:
إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها ... كانت عيوبي فقلْ لي كيف أعتذرُ
стр. 74
وأخذه بعض المحدثين فقال:
وكيف يكون كما اشتهى ... حبيبٌ يرى حسناتي ذنوبا
أنشدني أبي قال: أنشدني عسل بن ذكوان قال: أنشدني لإسحاق بن خلف يهجو الحسن بن سهل:
بابُ الأمير عراءٌ ما به أحدٌ ... إلاّ امرؤ واضعٌ كفّاً على الذَّقنِ
كفيتُكَ الناسَ لا تلقَى أخا طلبٍ ... بفيْءِ بابك يستعدى على الزمنِ
في الله منه وجدوَى كفِّه خلفٌ ... ليس النَّدى والسدى في راحة الحسنِ
قال أبو عليّ البصير في ضدِّها:
مالي أرى أبوابهم مهجورةً ... وكأنّ بابكَ مجمعُ الأسْواقِ
أرجوْك أم خافوك أم شامُوا الحيا ... بيديك فانتجعوا من الآفاق
стр. 75
أخذه من قول أبي نواس:
ترى الناس أفواجاً إلى باب داره ... كأنَّهُمُ رجلا دبىً وجرادِ
فيوماً لإلحاق الفقير بذي الغنى ... ويوماً رقابٌ بوكرتْ بحصَادِ
وقال البصير:
يزدحم الناسُ على بابه ... والمنهلُ العذبُ كثير الزِّحام
سرق الجميع من قول زهير:
قد جعل المبتغون الخيرَ في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلقَ يوماً على علاّته هرِماً ... يلق السماحةً منه والندى خلُقا
الحسينُ بن الضحاك:
فبتُّ في ليلة منَّعمةٍ ... ألثَمُ دُرَّاً مفلّجاً بفمي
стр. 76
أخذه من قول بشر بن أبي خازم:
يفلِّجن الشفاهَ بأُقحوان ... جلاه غبَّ ساريةٍ قِطارُ
وقال ابن الرُّوميّ:
يا رُبَّ ريقٍ بات بدرُ الدُّجى ... يمجُّه بين ثناياكا
تروَى ولا ينهاك عن شُربه ... والماءُ يُرويك وينهاكا
وقال العطوىّ:
ذات خدَّين ناعمين ضَنينَيْ ... نِ بما فيهما من التُّفّاح
وثنايا، وريقةٍ كغديرٍ ... من عقارٍ وروضةٍ من أقاح
стр. 77
فجمع هذا كلَّه البحتريُّ في بيتٍ وأحسنَ:
كأنّما يضحك عن لؤلؤٍ ... منضَّد أو برد أو أَقاحْ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: حدثنا السكّريّ قال: قيل لأبي حاتم: من أشعر المحدثين؟ قال: الذي يقول:
ولها مبْسمٌ كغُرّ الأقاحي ... وحديثٌ كالوشيِ وشيِ البرودِ
نزلَتْ في السَّواد من حبّة القل ... ب ونالت زيادةَ المستزيد
عندها الصَّبرُ عن لقائي وعندي ... زفراتٌ يأْكلن صبرَ الجليدِ
أخذه أبو نواس فقال:
ولو أنِّي استزدتُك من بلاءٍ ... إلى ما بي لأعوزك المزيدُ
стр. 78
ولو عُرضَتْ على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يُريدوا
قال: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا محمد بن يزيد المبرّد:
وليلةِ واكفٍ فتقت هموماً ... أكابدها إلى الصُّبح الفتيقِ
حمى فيها الكرى عينَيَّ بيتٌ ... كأن سماءَه عين المشُوق
تجمَّعَتِ السّحائبُ وهو بيتٌ ... وأجلَتْ وهو قارعةُ الطريقِِ
ترقّ قلوب جيرتنا علينا ... إذا نظروا إلى الغيم الرقيقِ
وهذه الأبيات للعباس المشوق. وسمِّى المشُوقَ بقوله:
كأنَّ سماءَه عينُ المشُوقِ
وأنشد غيره لديك الجنّ:
لا بتُّ إخواني ولا بتُّمُ ... بليلة بتُّ بها البارحَه
стр. 79
لم يبقَ لي في منزلي بقعةٌ ... إلاّ وفيها لجّة سايحه
وللصنوبريّ:
وبيتٍ طّلْتُ فيه ضجيعَ وكف ... مبنٍّ ليس يؤذنني ببيْنِ
إذا بكت السماءُ له بعينٍ ... بكى هو للسَّماءِ بألف عينِ
وقال ابن المعتزّ:
روينا فما نزداد يا ربّ من حياً ... وأنت على ما في النفوس شهيدُ
سقوفُ بيتي صرن أرضاً ندوسُها ... وحِيطان بيتي ركَّعٌ وسجودُ
وقال ابن الروميّ:
يؤرّقُني سقفٌ كأنِّيَ تحته ... من الوكْف تحت المدْجنات الهواضبِ
стр. 80
يظلُّ إذا ما الطِّينِ أثقلَ متنه ... تصرُّ نواحيه صريرَ الجنادبِ
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي:
إذا ما اجتلى الرّاني إليها بطرفه ... غروبَ ثناياها أضاءَ وأظلما
يقول: أضاءَ الثغر واسودّ لحم الأسنان وكانوا ربّما جعلوا فيه الكحل ليضيء بياض الأسنان.
...
سيكفيك ألاّ يرحل الصيفُ ساخطاً ... عصا العبد والبئرُ التي لا تُميهها
العصا: المفأد الذي يستخرج به اللحم من الحفرة، وهي البئر. يقول: ليس يحفرها ليخرج ماءها، إنما يحفر ليشتوي فيها اللحم. وتسمّى إرةً وتجمع إرون.
стр. 81
الأعشى:
الواطئين على صدور نعالهم ... يمشون في الدَّفئيِّ والأبرادِ
يقال: جاءَ فلان على صدور راحلته، أي على راحلته. فأراد الأعشى: على نعالهم، أي هم ملوكُ لا يمشون حفاة.
ونحوه لطفيل:
وأطنابُه أرسانُ جرْد كأنّها ... صدور القنا من بادئ ومعقّب
أراد كأنّ هذه الأرسانَ القنا لصلابتها.
وقال ابن أحمر:
أرى ذا شيبة حمّالَ ثقلٍ ... وأبيضَ مثلَ صدر السَّيف نالا
أراد: مثل السيف، فقال مثل صدر السَّيف. ويريد أنّ هذين من قومه نالا ما يريدان
стр. 82
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا البلعيّ عن أبي حاتم قال: سألت الأصمعيّ عن قوله:
لذي الحلم قبلَ اليوم ما تقرع العصا ... وما علِّم الإنسانُ إلاّ ليعلما
فقال: يقول: إنّما يقبل التذكرة والموعظةَ ذو العقل. وقال: ألا ترى قول الآخر:
وزعمت أنّا لا حلومَ لنا ... إنّ العصا قرعت لذي الحلمِ
وقال:
رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن جوف الطويّ رماني
يقول: رماني من جوف بئر فرجع عليه عار ذلك. وقال بريئاً وهما اثنان لعلم المخاطب بالمعنى، كما قال الله تعالى: " والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه " والرّمى: القذف بالقبيح. قال الله : " إن الذين
стр. 83
يرمونَ المحصنات ". والرّمى: نزوعك من بلدٍ إلى بلد قال ذو الرمة:
وأرمِي إِلى الأرض التي من ورائكم ... لترجعَنى يوماً إليك الرَّواجعُ
وأنشد لزهير:
عَفا من آلِ ليلى بطنُ ساقٍ ... فأكثبةُ العجالز فالقصيمُ
عجلز: اسم كثيب، فجمعه بما حوله. وتجمع العرب الشيء وإن كان واحداً قال أبو ذؤيب:
فالعين بعدهم كأنَّ حداقَها ... سملتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ
وقال آخر:
تمدُّ للمشْي أوصالاً وأصلابا
فجمعه بما يلفُّه
стр. 84
ولأعرابيّ:
وبيتٍ ليس من شعر وقُطنٍ ... على ظهر المطيّة قد بنيتُ
ولحمٍ لم يذقه الناس قبلي ... أكلتُ على خلاءٍ واشتويتُ
يعني: عملتُ بيتَ شعرٍ في هجاء ملك لم يهجُه أحدٌ رهبةً منه. فكأنّه أكل لحمه لفكيهة الفزاريّ من قصيدة:
فلم أجبُن ولم أنكل ولكن ... شددتُ على أبي عمرو بن عمرو
تركتُ الرُّمحَ يبرُق في صَلاة ... كأنَّ سِنانَه خرطومُ نسرِ
النابغة:
تجلو بقادمتيْ حمامةِ أيكةٍ ... برَداً أُسِفَّ لِثاتُه بالإِثمدِ
стр. 85
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه ... جفَّت أعاليه وأسفُله ندِى
أراد: تجلو بشفتيها إذا تكلمّت أو ضحكت. وشبّه شفتيها بقادمتي حمامةٍ لرقّتها. وأسفّ لثاته بالإثمد كانوا يجعلون الكحلَ في أصول الأسنان ليشرق السواد مع البياض. وكان ذلك مما يستحسنونه ولا سيما إذا كانت اللِّثةُ بيضاءَ غيرَ حمراء فكرهوا أن تكون اللِّثةُ بيضاءِ كالأسنان، فغيرَّوها بذلك. ثم قال: كالأقحوان، رجع إلى وصف الثَّغر فوصفه بالأقحوان لبياض نوره وطيبه. " جفَّت أعاليه وأسفله ندى " شبّهه بالأقحوان في هذه الحال، وذاك أنّ الأقحوان إذا كان في غبِّ مطر ولم تطلع عليه الشمس فهو ملتفٌّ مجتمعٌ غير منبسط، وكذا كلُّ الأنوار يكره أن يشبّه الثّغر به في هذه الحال فيكون كالمتراكب بعضه على بعض، فشّبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس فقال: " جفّت أعاليه "، يريد انبسطت وذهب تجعّدها. وقال: " وأسفله ندٍ " فاحترز من أن يكون جفّ وذوي كلُّه فقال: " وأسفله ندى ".
стр. 86
وأنشد:
وساقيتي كأْس الصبا وسقيتها ... رقاق الثنايا عذبة المتريَّقِ
وخمصانةٍ تفترُّ عن متنسِّقٍ ... كنّوْر الأقاحي طيِّبِ المتذوّقِ
إذا مضَغَتْ عد امتتاع من الكرى ... أنابيبَ من عُودِ الأراك المخلِّقِ
سَقَتْ شَعَثَ المسواك ماءَ غمامة ... فضيضاً بجاديّ العِراق المروّقِ
بعد امتتاع: بعد ارتفاع. يقال متع النهار وأمتع، إذا ارتفع وطالت من وقت طلوع الشمس مدّته. والمخلّق: الذي قد علق به الخلوق والطّيب من يدها ويكون المخلقَّ المملَّس. والفضيض: أول ما سال من الغمامة. وترك ذكر الشراب لعلم المخاطب به.
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرني البلعيّ قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال:
стр. 87
جاء رجلٌ من بني عبْس إلى جماعةٍ وفيها الطّرمّاح، فقال: ما عنى كثيّر بقوله الملك بن مروان:
فأنت المعلَّى يوم عدّت قِداحُهم ... وجاءَ المنيحُ وسطهَا يتقلقلُ
فقال الطرمّاح: ما تقولون؟ فقالوا: أراد بالمعلَّى أنه أعلاهم حظاً كالمعلّى في القداح فقال الطرمّاح: لا، ولكنّه أراد أنك السابع من ملوكهم، ولك أوفر الحظّ لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يسمّون القداح إلى سبعة: أولها الفذّ، والتّوأم، والرقيب والمسبل، والحلس، والنافس، والمعلّى.
وقال في ذلك أعشى بنى ربيعة:
ومروان سادس من قد مضى ... وكان ابنه بعده سابعا
стр. 88
ذو الرمة:
وبيضاءَ لا تنحاشُ منِّى وأُمُّها ... إذا ما رأتني زال منِّي زويلُها
نتوج ولم تلْقَح لما يُمتنَي له ... إذا نتجت ماتت وحيَّ سليلها
يعني البيضة. والامتناء: أن يعلم الناسُ أنها قد حملت وسئل أبو العباس ثعلب عن قول الشاعر:
دعاني دعوةً والخيلُ تردى ... فما أدري أباسمي أم كناني
فقال دعاني دعوةً: فتح فمه فتحةً. فأراد أنّه كما أومأ إليّ ملت إليه. وإلاّ فسد المعنى وكان ذلك جبناً منه ودهشاً.
ولذي الرّمّة:
وذي شُعَب شتَّى كسوتُ فروجَه ... لغاشيةٍ يوماً مقطّعةً حُمرا
стр. 89
يعني سفودا وفروجه: ما بين شعبه. لغاشية: لقوم غشوه. يعني لحماً شواه
وخضراء في وكرّين غرغرتُ رأسها ... لأُبلى إذا فارقت في صحبتي عُذرا
خضراء يعني قارورة. وكرين غلافين غرغرت، أي جعلت لها غرغرة كأنّه صبَّ فيها أدهانا
وأسودَ ولاّج مع الناس لم يلجْ ... بإذنٍ ولم يقرفْ على نفسهِ وزْرا
قبضتُ عليه الكفَّ ثم تركته ... ولم أتّخذْ أرساله عنده ذُخرا
يعني الليل. قبضت الكفَّ على الليل فلم يقع في كفّي منه شيء
وفاشية في الأرض تلقَى بناتِها ... عواري لا تُكسَى دُروعاً ولا خمرا
стр. 90
فاشية، يعني شجرة الحنظل. يقول: وتلقى بناتها أيضاً كذلك
إذا ما المطايا سُفْنَها لم يذُقنها ... وإن كان أعلى نبتها ناعماً نضْرا
سفنها، أي شممنها
وواردة فردٍ وذاتِ قرينةٍ ... تبيِّنُ ما قالت وما نطقت شعرا
يعني قطاةً وذات قرينة: معها غيرها
وحاملةٍ تسعينَ لم تلقَ منهمُ ... على موطنٍ إلاّ أخا ثقةِ صقْرا
يعني الكنانة، لم تجد لها ولداً إلا أخا ثقة، يريد السَّهم
وأقصَمَ سيّارٍ مع الرَّكب لم يَدَعْ ... تراوحُ حافات السماءِ له صدرا
стр. 91
يعني الهلال وحافات السماءِ: نواحيها
وأصغر من قَعب الوليد ترى به ... بيوتاً مُبَنَّاةً وأَوديةً خُضْرا
يعني عين الإنسان. والقعب: القدح، يريد هي أصغر منه. يريد أنك ترى بالعين بيوتاً وأوديةً، أي ترى بها كلَّ شيء وهي أصغر من كلّ شيء ردّه إلى أصغر
وشعبٍ أبَى أن تسلُكَ الغُفْر فوقه ... سَلكتُ قُراني من قياسرة سُمرا
يعني شعب فوق السهم. والغفر: ولد الأرويّة وقراني يعني الوتر، مثل فرادي وواحد قراني قرين من قياسرة يعني إبلاً، يعني وتراً من جلود هذه الإبل القيسريّة السّمر. وسلكت في معنى أسلكت
ومربوعةٍ ربعيةٍ قد لبَأْتها ... بكفَّيَّ في دوّيَّة نفراً سفْرا
يعني بيض النعام: يقول: كسرتها فأخرجت ما فيها
стр. 92
كأنه الماء والمربوعة: الكمأة أصابها مطر الربيع لبأتها: جعلتها لهم مثل اللّبأ وأنشد:
فلمّا علا سِطَةَ المَضْبَأَيْ ... نِ من ليله الذّنبُ الأَشعلُ
وأطلعَ منه اللَّياح الشَّمي ... طُ حَذواً كما سُلَّت الأَنصُلُ
يصف ثوراً عند أرطاة وكلاباً. يريد مضْبأَ الثور ومضبأ الكلاب، حيث ضبأ وضبأت، أي لصقت بالأرض. والذنب الأشعل، يريد آخر الليل من الفجر الأول. واللَّياح: الأبيض، يريد الصّبح. والشَّميط: ما فيه لونان من ظلمة وضوء.
ونحوه لأبي ذؤيب:
شعفَ الكلابُ الضارباتُ فؤادَه ... فإذا يرى الصُّبْحَ المصدّقَ يفزعُ
стр. 93
يريد أنه يأمن بالليل، لأنّ القنّاص إنّما يجيئون نهارا فإذا رأى الصّبح فزع.
وأما قول الحارث بن حلّزة:
آنستْ نبأةً وأفزعها الق ... نّاصُ عصراً وقد دنا الإمساءُ
فالعصران: الغداة والعشيّ، وكذلك البردان وأنشد لغيره:
ولا يُدَبِّح منهم محْدِثٌ أبداً ... إلاّ رأيتَ على باب آسته القمرا
التَّدبيح: أن يخفض الرجلُ رأسَه حتّى يكون أشدَّ انخفاضاً من أليتيه. " إلاّ رأيتَ على باب استه القمرا " يريد أنّهم برص الأستاه.
ومثله:
أرى كلَّ قوم نورُهم في وجوههم ... وأُخِّر في أَستاه حِمَّانَ نُورُها
стр. 94
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: أخبرنا على الصّبّاح قال: سمعت أبا محلّم الشاعر ينشد لعيسى بن أوس أبي الجويرية العبديّ، يمدح الجنيد بن عبد الرحمن المرّيّ:
إلى مُستنيرِ الوجه طال بسودَدٍ ... تقاصرَ عنه الشاهقُ المتطاولُ
إذا سُئل المعروفَ أشرقَ وجهُه ... سروراً فلم تكبُر عليه المسائلُ
إذا راحَ فوجٌ بالغنى من نواله ... أناخَ به فوجٌ من الناس نازلُ
عفافكَ معروفٌ وعقلكَ كاملٌ ... ورأيُك لا وانٍ ولا متواكلُ
وحزمكَ معلومٌ وجدُّك صاعد ... كذاك جدودُ الناس عال وسافلُ
مدحتُك بالحقِّ الذي أنت أهلُه ... ومِن مدَح الأَقوام حقٌّ وباطلُ
стр. 95
يعيش الندى ما دمتَ حيّاً وإن تمُتْ ... فليس لباقٍ بعد موتك نائلُ
إذا قيل أيُّ الناسِ أكرمُ خلّةً ... أشارت ولم تظْلِمْ إليك الأّنامل
وما لامرئ عندِي مخيلةُ نعمة ... سواك وقد جادتْ علىَّ مخايلُ
وأخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا على بن الصبّاح قال: أنشد بحضرة أبي محلّم لعمر بن أبي ربيعة:
وما نلتُ منها مجرماً غير أننا ... كلانا من الثوب المضرَّجِ لابسُ
فقال أبو محلّم: ألا أنشدك في هذا النحو ما يسجُدُ هذا له فقلت له: إن رأيتَ وقيتَ الأسواءَ. فأنشدني لابن ميادة:
وما نلتُ منها محرماً غير أنني ... أقبِّل بسّاماً من الثّغر أفلجا
стр. 96
وألثم فاها تارةً بعد تارةِ ... وأترك حاجات النفوس تحرُّجا
وإنّي على سَوط الهوى ذو تجلُّد ... أصابره ما لم أجدْ عنه مخرجا
ولا عيشَ إلا أن تبيتَ ملَهوجاً ... على نار من تهوى وتصبحَ منضجا
أنشدنا أبو بكر بن دريد لتأبط شرا:
وليلٍ بهيم كلَّما قلت غورّت ... كواكبُه عادت فما تتزيَّلُ
بها الرّكبُ أيْما يمَّم الركبُ يمموا ... وإن لم تلُحْ فالقومُ بالسير جهَّلُ
سرقه أبو نواس فقال وقد سمع غلاماً يقرأ: " كلَّما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلمَ عليهم قاموا ":
وسيّارة جارَت عن القصد
стр. 97
أخبرني أبي قال: أخبرنا عسل بن ذكوان عن المازني قال: سمعتُ الأصمعيّ يقول: ما سبق النابغة إلى قوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أن المنتأَى عنك واسع
ولا قال أحدٌ من الشعراءِ في هذا المعنى شيئاً أحسن منه سرقه الأخطل من النابغة وغيره، إلاّ أن ترتيب الكلام واحد فقال:
فإن أميرَ المؤمنين وفعلَه ... لكالدهرِ لا عارٌ بما فعل الدَّهرُ
وأخذه الفرزدق فقال:
ولو حملتْني الريحُ ثم طلبتني ... لكنتُ كشيء أدركته مقادرُه
وسرق سلمٌ الخاسر بيت الأخطل والفرزدق فقال:
وأنت الدَّهر مبثوثاً حبائله ... والدَّهرُ لا ملجأٌ منه ولا هربُ
стр. 98
ولو ملكتُ عِنان الرِّيح أصرِفُه ... في كلِّ ناحية ما فاتك الطَّلبُ
وأخذه أيضاً على بن جبلة العكوك فقال:
وما لامرئٍ حاولته منك مَهربٌ ... ولو رفعَته في السماءِ المطالعُ
بل هاربً لا يهتدي لمكانه ... ظلامٌ ولا ضوْءٌ من الصبح ساطعُ
وأخذ البحتريُّ قوله:
ولو رفعته في السماءِ المطالع
فقال:
ولو أنَّهم ركبوا الكواكبَ لم يكن ... لمجدِّهمْ من أخذ بأسك مهربُ
أنشدنا أبو عليّ الآجريّ لدعبل:
أما آنَ أن يُعتِب المذْنِبُ ... ويرضى المسيء ولا يغضبُ
стр. 99
وغول اللَّجاجة غرّارةٌ ... تجِدُّ وتحسبها تلعبُ
أبعدَ الصَّفاء ومحضِ الإخاء ... يقيم الجفاءُ بنا يخطبُ
وقد كان مشربُنا صافيا ... زمانا فقد كدرَ المشربُ
وكنَّا نزعنا إلى مذهبٍ ... فسيحٍ فضاقَ بنا المذهبُ
ومن ذا المُواتي له دهرُه ... ومن ذا الذي عاش لا ينكَبُ
فإن كنتَ تعجَبُ مما ترى ... فما ستَرى بعده أعجبُ
فعُودُكَ من خُدَعٍ مُورِقٌ ... وواديكَ من عِلَل مخْصبُ
فإن كنتَ تحسبني جاهلاً ... فأنت الأحقّ بما تحسب
فلاتك كالراكب السَّبعَ كي ... يُهابَ وأنت له أَهيبُ
стр. 100
ستُنْشِب نفسَك أُنشوطةً ... وأعزِزْ عليّ بما تُنشِبُ
وتحملها في اتّباع الهوى ... على آلة ظهرُها أحدبُ
فأبصِرْ لنفسك كيفَ النُّزو ... لُ في الأرض عن ظهرِ ما تركُب
ولو كنتُ أملك عنك الدِّفا ... ع دَفعْتُ، ولكنَّني أُغلبُ
كتب السفّاح إلى أبي مسلم: " إنه لم يزل من رأى أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن، والإساءة إلى المسيء، ما لم يكد ديناً أو يثلم ملكا. وإن أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان لك، وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك ".
فأجابه أبو مسلم: " إنه لا يتمّ إحسان أحد حتّى لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قبلت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له "
стр. 101
وبعث من اغتال حفص بن سليمان، فتمثَّل السفَّاح لمّا قتل:
أفي أن أحُشَّ الحربَ فيمن يحُشُّها ... ألامُ وفي ألاّ أقرَّ المخازيا
ألم أكُ ناراً يتّقى الناسُ حرَّها ... فترهبني إن لم تكن لي راجيا
وقال أبو سلمة للسفّاح: يا أمير المؤمنين، إنّ أمية ابن الأسكر وقف على ابن عمٍّ له حال عمّا كان يعهده فقال:
نشدتُك بالبيت الذي طاف حوله ... رجالٌ بنَوْه من لؤيّ بن غالبِ
فإنّك قد جرّبتني فوجدتني ... أعينُك في الجلَّي وأكفيك جانبي
وإن معشرٌ دبّتْ إليك عداوةً ... عقاربهم دبّتْ إليهم عقاربي
فقال السفّاح: من ضنَّ بالعلق النفيس أشفق من تلوُّثه. والله ما سافرت فكرتي فيك في مجازاتك عن
стр. 102
أياديك عندنا، إلاّ رجعت حسرى عن بلوغ استحقاقك فقال أبو سلمة: ذاك الظّنّ بأمير المؤمنين، والأمل فيه، والمرجوّ عنده.
وتمثّل السفّاح وقد نظر إلى أبي سلمة:
يديرونني عن سالم وأديره ... وجلدةُ بينَ العين والأنف سالمُ
ثم قال: أنت جلدةُ وجهي كُلِّه. ثم قتله بعد ذلك بمدّة.
لأبي عبيد الله وزير المهديّ:
لله دهرٌ أضعْنَا فيه أنفسنَا ... بالجهل لو أنه بعد النُّهى عادا
أفسدتُ ديني بإصلاحي خلافتهم ... وكان إصلاحها في الدِّين إفسادا
ما قرَّبوا أحداً إلاّ ونيّتُهم ... أن يعقبوا قربَه بالغّدر إبعادا
قال أبو أيوبَ الموريانيّ للمنصور، وكان وزيره فسخط عليه: " يا أمير المؤمنين، تأنّ في أمري، وأرج
стр. 103
أطّراحي، فإنّ للتّهم وقفات على النّدم اعتراضها، وإلى التأسف انقلابها " فقال له المنصور: " كيف وقد أغرقت النّزع في قوس الخيانة، ومنعني ضيق ذنوبك من اتّساع العفو عليك " فقال: " يا أمير المؤمنين، ما أسأل أن تعطف عليَّ بحرمة، ولا تقبلني لخدمة، ولكن استعمل فيَّ أدبَ الله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السِّيئات ويعلم ما تفعلون ". فقد عفا عن ذنوب علم حقائقها، وعرف ما كان قبلها؛ وظنّ أمير المؤمنين لا يبلغ هذه المعرفة، فهو يعفو عن شكّ، ويتجاوز عن ظنّه ".
فقال: " آلآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين ".
قال أبو عبيد الله وزير المهديّ من فصل له: " نخوة الشَّرف تناسب نخوةَ الغنى، والصَّبر على حقوق الثَّروة، أشدُّ من الصبَّر على ألم الحاجة، وذلُّ الفقر يسعى
стр. 104
على عزَّة الصَّبر، وجور الولاية مانعٌ من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطانه قوّةٌ على شهواته.
ودخل أعرابيٌّ بدويٌّ إلى أبي عبيد الله فقال له: أيُّها الشيخ السيِّد إنّي والله أتسحَّب على كرمك، وأستوطئ فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك. وقد مضى لي وعدان، فاجعل النُّجحَ ثالثاً، أقد لك الشُّكر وافي العرف، شادخ الغرّة، بادي الأوضاح.
فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريراً، ولا أخّرتك تقصيراً، ولكنّ الأشغال تقطعني وتأخذُ أوفرَ الحظّ منّى. وأنا أبلغ جهد الكفاية ومنتهى الوسع بأوفر ما يكون، وأحمده عاقبةً، وأقر به أمدا.
فقال الأعرابي: يا جلساء الصدق، قد أحضرني التطوّل فهل من معين منجد، أو مساعد منشد؟
فقال بعض كتابه لأبي عبيد الله: والله أصلحك الله
стр. 105
ما قصد حتى أمّلك، وما أمّلك حتّى أجال النظر، وأمن الخطر، وأيقن بالظفر. فحقّق أمله بتهيئة التعجُّل، فإن الشاعر يقول:
إذا ما اجتلاه المجدُ عن وعد آمل ... تبلَّج عن نُجحٍ ليستكمل الشُّكرا
ولم يثنِه مطلُ العِدات عن التي ... يجوزُ بها الحمدَ الموفَّر والأجرا
فأمر أبو عبيد الله بإحضار جائزته فقال الأعرابي للفتى: خذها، فأنت سببها. فقال الفتى: شكرك أحبّ إليّ منها. فقال أبو عبيد الله للأعرابي: خذها فقد أمرت للكاتب بمثلها. فقال الأعرابي: الآن كمّلت النّعمة، وتمّمت المنّة، أحسن الله جزاءك، وأدام نعماءك.
وقال أبو عبيد الله لرجل تحمّل عليه بشفعاء: لولا أنّ حقَّك لا يضاع لحجبتُ عنك حسنَ نظري أتظنّني أجهلُ الإحسانَ حتّى أعلّمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرفه. لو كان لا ينال ما عندي إلاّ بغيري لكنت بمنزلة البعير الذّلول، عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ ترك لا يملك من نفسه شيئاً.
стр. 106
فقال الرجل: معرفتك بمواقع الصنائع أثقب من معرفة غيرك، ولم أجعل فلاناً شفيعاً إنما جعلته مذكرا.
فقال وأيّ إذكار لمن رعى حقَّك أبلغ من تسليمك عليه، ومصيرك إليه. إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤملّيه بقلبه غدوة وعشياً لم يكن للأمل أهلاً، وجرى المقدار لمؤمليه على يديه بما قدِّر، وهو غير محمود ولا مشكور. وما لي إمامٌ أدرسه بعد وردي من القرآن إلاّ أسماء رجال التأميل لي، وما أبيتُ ليلةً حتّى أعرضهم على قلبي.
ووقّع في كتاب عامل: عجّل علينا بمبلغ ما اجتمع قبلك من الغلاّت، ولا تبطئ به، وإيّاك أن تستملي من جارك مطلاً به، ودفعاً عنه. وانفضْ عنك مقالة من يشينك ولا يزينك، ويوردك ولا يصدرك. ولله درُّ عديّ بن زيد حين يقول:
عن المرء لا تسأَل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن يقتدى
стр. 107
تمثَّل المهديُّ وقد نظر إلى أبي عبيد الله:
رأيتك للأقصى صباً غير قرّةٍ ... تذاءبَ منها مرزغٌ ومسيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريّةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليلُ
وفي مثله لمسافر بن أبي عمرو:
تمتُّ إلى الأقصَى بثديك كلِّه ... وأنت على الأدنى صروم مجدَّد
فإنك لم أصلحت من أنت مفسِدٌ ... تودّدك الأقصى الذي تتودّد
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة عن المدايني قال: جرى بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد منازعة،
стр. 108
فأغلظ له عمرو، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا عمرو، تكلِّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له عمرو بن سعيد: اسكت فو الله لقد سلبوك ملكك ونكحوا أمَّك، وغلبوا أمرَك، فما هذا النُّصح الموشَّح يغشّ! أنت والله كما قال الشاعر:
كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيَّعتْ ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقَعا
وفي مثل هذا لابن هرمة:
فإني وتركي نجى الأكرمين ... وقدحي بكفِّيَ زنداً شحاحا
كتاركةٍ بيْضَها بالعراءِ ... وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
أخبرنا نفطويه أبو عبد الله قال: أخبرنا ثعلبٌ عن الزبير بن بكّار قال:
стр. 109
خرج الفضل بن يحيى يريد سفراً، فودّعه أهله مكتئبين لفرقته، فقال: قاتل الله جميلاً حيث يقول:
لمّا دنا البينُ بينُ الحيِّ واقتسموا ... حبلَ النَّوى فهو في أيديهمُ قطَعُ
جادت بأدمعها سَلمى وأعجزني ... قربُ الفراق فما أُبقي ولا أدعُ
يا قلبُ ويحكَ لا سلمى بذي سلمٍ ... ولا الزمان الذي قد فات مرتَجَعَ
أكُلَّما مرَّ ركبٌ لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاقَ من فجَعوا
علَّقتني بهوىً منهم فقد جعلتْ ... من الفراق حصاةُ القلب تنصدعُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: سمعت أبا العيناء يحدّث أنّ رجلاً كلم بن خالد البرمكيّ في رجل أن يولّيه، فقال يحيى: إنّا لا نشرك في أماناتنا ولا ينسب إلى عقولنا أفعال غيرنا، ولا نسترعي رعيّة أمير المؤمنين إلاَّ المستحقين الذين توجب لهم المعرفة المنزلة،
стр. 110
ولست أعرف هذا الرجل بالكفاية فأشفّعك في أمره بالإجابة، ولا بغيرها فأردّك عن مسألتك، فإن أحبَّ ما عندنا خضر لننظر ما عنده، فإن كان مضطلعاً بالولاية ناهضاً بثقلها، زينةً للسّلطان وعذراً بينه وبين الرّعية، ولّيته قدر ما يستحقّ وإن كان مقصّراً عن ذلك قضيت حقّه عنك بصلةٍ تكون كفاءً لما أمّلته له.
فقال له الرّجل: إنّ لي رسماً في العمالة. فقال يحيى: ليس كلّ من رسم بشيءٍ لشفاعة أو هوىً أو باختيار من لا يوثق باختياره، يقضي له بالكفاية. وقد أعلمتك أننا نكره أن نجعل بيننا وبين الرعية من لا يعرف وزنه، فإنّ أموره راجعةٌ إلينا، ومتّصلة بنا. واعلم أنّ الرسوم قد جرت لأقوامٍ بولايات، ورسمها لهم قوم لو حضرني الراسمون لهم ذلك، لما رأيتهم أهلاً للولاية التي رسموها لغيرهم.
ووقع يحيى بن خالد في رقعة رجل استعمله فخان:
قد رأيناكَ فما أعجبتنَا ... وخبَرْناكَ فلم نرض الخُبُرْ
следующие страницы →