Полный текст (206 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مُقَدّمَة الْمُؤلف
الْحَمد لله الَّذِي أنزل الْقُرْآن الْمُبين مَعَ الرّوح الْأمين على قلب سيد الْمُرْسلين وَجعل مِنْهُ النَّاسِخ والمنسوخ رَحْمَة للْمُؤْمِنين وفتنة للْكَافِرِينَ أَحْمَده على نعْمَة الْإِسْلَام وتيسير أُمُور الْمُسلمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْعَالمين وأمام الْمُتَّقِينَ النَّاسِخ بمحكم أَحْكَام شَرِيعَته مَا سلف من شرائع النَّبِيين وعَلى آله وَأَصْحَابه أولى البصيرة وَالْيَقِين وعَلى الْأَئِمَّة الْعلمَاء الْأَعْلَام من التَّابِعين وتابع التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين
وَبعد
فَهَذِهِ عرائس تجلى للناظرين ونفائس تشرى بالدر الثمين جمعت فِيهَا آيَات النَّاسِخ والمنسوخ بعد أَن كَانَت لطول كَلَام الْأَئِمَّة مفرقة بالغت حسب الطَّاقَة فِي ضمهَا وقدمت بعض فوائدي إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ عرائس مشرقة هَذَا وَقد صنف الْأَئِمَّة من الْعلمَاء الْأَعْلَام فِي نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه كتبا جمة إرشادا لأهل الْإِسْلَام فَمن جُمْلَتهَا كتاب هبة الله الْمُفَسّر الْبَغْدَادِيّ الْعَلامَة الْأَمَام ذكر انه استخرج مَا فِيهِ من كتب عدتهَا خَمْسَة وَتسْعُونَ كتابا على التَّمام
стр. 2
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك وَعلمت أَن علم النَّاسِخ علم الْحَلَال من الْحَرَام وَفِيه من الغموض مَعَ كَثْرَة التَّطْوِيل مَا يدق فهمه عَن كثير من ذَوي الأفهام دَعَاني دَاعِي الْمَشِيئَة والإلهام إِلَى جمع مؤلف مزيلا للظلام مبالغا فِي اختصاره على وضوحه خشيَة تَطْوِيل الْأَحْكَام لَا سِيمَا والهمم قد ضعفت والنفوس قد جبلت على حب الْمُخْتَصر من الْكَلَام واعتمدت فِيهِ على مَا ذكره الْأَئِمَّة الْعلمَاء من الْمُفَسّرين هداة الْأَنَام
وَمَعَ ذَلِك فالفقير معترف بقصر الباع مغترف من بَحر غَيره للِانْتِفَاع موقن بِأَن أغراض المصنفين أغراض سِهَام أَلْسِنَة الحساد مَا وجدوا إِلَيْهَا سَبِيلا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وسميته
قلائد المرجان فِي بَيَان النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُرْآن فَأَقُول وَالله خير موفق ومعين وَبِه فِي أموري كلهَا استعين لَطِيفَة فِيهَا الْحَث على معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ وذم من لم يعرفهُ وَلَو كَانَ عِنْده فِي الْعلم رسوخ
قَالَ صَاحب كتاب الإيجاز رُوِيَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا كرم الله وَجهه رأى رجلا فِي الْمَسْجِد يذكر النَّاس فَقَالَ لَهُ أتعرف النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ قَالَ لَا فَقَالَ لَهُ هَلَكت وأهلكت وَأخرجه من الْمَسْجِد وَمنعه من الْقَصَص فِيهِ وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن عبد الله بن عَبَّاس وَأَنه ركله بِرجلِهِ وَقَالَ لَهُ هَلَكت وأهلكت
وروى عَن ابْن عَبَّاس فِي قَول الله تَعَالَى
﴿وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا﴾ فَقَالَ هُوَ معرفَة الْقُرْآن الْكَرِيم ناسخة ومنسوخة ومحكمة ومتشابهة
стр. 3
ومجمله ومفصله ومقدمة ومؤخرة وَحَرَامه وَحَلَاله وَأَمْثَاله
وروى عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان أَنه قَالَ
إِنَّمَا يُفْتِي النَّاس أحد ثَلَاثَة رجل يعلم مَنْسُوخ الْقُرْآن وناسخه وَرجل قَاض لَا يجد من الْقَضَاء بُد وَرجل متكلف وَلست بِالرجلَيْنِ الماضيين وأكره أَن أكون الثَّالِث
قَالَ الشَّيْخ الْجَلِيل هبة الله بن سَلامَة فِي كِتَابه النَّاسِخ والمنسوخ
جَاءَ عَن أَئِمَّة السّلف أَن من تعلم فِي شَيْء من علم هَذَا الْكتاب وَلم يعلم النَّاسِخ والمنسوخ كَانَ عمله نَاقِصا لِأَنَّهُ يخلط النَّهْي بِالْأَمر وَالْإِبَاحَة بالحظر
إِذا علمت ذَلِك فَعلم النَّاسِخ والمنسوخ أَمر مُهِمّ ومتفق عَلَيْهِ وَبَيَانه فرض لَازم فَلذَلِك سارعت إِلَيْهِ وَوضعت فِيهِ هَذَا الْمُخْتَص على أحسن تأسيس وأبرزت فِيهِ الْفَوَائِد لطَالب النفيس وقللت حجمه لنيل المطالب ووضحت نظمه ليقرب فهمه على الطَّالِب وَلم أودعهُ إِلَّا مَا وَجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ ودعت الْحَاجة إِلَيْهِ وَقد ختمته أخيرا بِأَحْسَن خَاتِمَة راجيا من الله فِي الْآخِرَة حسن الخاتمة
وَبِاللَّهِ مولَايَ أستعين فَهُوَ نعم الْمولى وَنعم الْمعِين
стр. 4
- ﷺ َ - الْبَاب الأول
الْفَصْل الأول
مُقَدّمَة فِي معنى النّسخ
قَالَ الْعلمَاء بِلِسَان الْعَرَب النّسخ لُغَة التبديل وَالرَّفْع والإزالة وَالنَّقْل وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ شرعا وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم النّسخ على ثَلَاثَة أَقسَام
الأول من مَعَاني النّسخ فِي الْقُرْآن بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيّ أَن يكون مأخوذا من قَول الْعَرَب نسخت الشَّمْس الظل إِذا أزالته ورفعته بانبساطها وحلت مَحَله وَهَذَا مُوَافق لما أَزَال الْقُرْآن لَفظه وَحكمه وَحل مَحَله
قلت ويمثل لَهُ بِآيَة الْخمس رَضعَات أَو حكمه دون لَفظه
الثَّانِي أَن يكون مأخوذا من قَوْلهم نسخت الرّيح الْآثَار وَكَذَا يَقُولُونَ فِي الأمطار إِذا أزالتها ومحتها قلت وَهُوَ بِمَعْنى الأول من حَيْثُ الْإِزَالَة لَا من حَيْثُ الْحُلُول لِأَن الرّيح لَا تحل مَحل مَا أزالته حينا وَهَذَا مَوَاقِف فِي الْقُرْآن لما زَالَ لَفظه دون حكمه كآية الرَّجْم
стр. 5
أَو زَالا مَعًا
الثَّالِث أَن يكون مأخوذا من قَوْلهم نسخت الْكتاب إِذا نقلته حاكيا للفظه وحروف هجائه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمَعْرُوف بمكي فِي كِتَابه النَّاسِخ والمنسوخ وَهَذَا الْوَجْه لَا يَصح أَن يكون فِي الْقُرْآن وَأنكر على جَعْفَر أَحْمد بن النّحاس حَيْثُ أجَاز أَن يكون فِي الْقُرْآن وَاحْتج بِأَن النَّاسِخ فِيهِ لَا يَأْتِي بِلَفْظ الْمَنْسُوخ وَإِنَّمَا يَأْتِي بِلَفْظ آخر
وانتصر صَاحب كتاب الإيجاز لِأَبْنِ النّحاس فَقَالَ وَالَّذِي قَالَه أَبُو جَعْفَر قَرِيبا مُسْتَعْملا فِي كتاب الله قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﴿وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا﴾ الْآيَة وَمَعْلُوم أَن مَا نزل من الْوَحْي هُوَ مَا فِي أم الْكتاب وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ كَمَا قَالَ تَعَالَى
﴿فِي كتاب مَكْنُون لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَمِنْه ينْقل مَا ينزل
قَالَ تَعَالَى ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ فَهَذَا أدل دَلِيل على جَوَاز النّسخ فِي كتاب الله تَعَالَى يَعْنِي بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور
فالقرآن على هَذَا التَّأْوِيل مَنْسُوخ من أم الْكتاب مَنْقُول بالخط وحروف الهجاء وَأم كل شَيْء فِي كَلَام الْعَرَب أَصله
وَأم الْكتاب اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَالَّذِي علل بِهِ مكي وَاعْترض لَا يبطل اسْتِعْمَال هَذَا الْوَجْه ومجيئه
قلت وَفِي جَوَاب صَاحب الإيجاز عَن ابْن النّحاس ليرد مَا قَالَه مكي نظر فَأن هَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ
وَالْقُرْآن بِهَذَا الْمَعْنى كُله مَنْسُوخ لِأَنَّهُ نسخ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَي نقل مِنْهُ وَلَيْسَ هُوَ بِمُرَاد مكي فَأَنَّهُ لَا يجهل ذَلِك وَلَا يَسعهُ إِنْكَاره
стр. 6
فالاحسن حمل كَلَام مكي على الْقُرْآن بعد نُزُوله مَعَ الرّوح الْأمين على قلب سيد الْمُرْسلين
والنسخ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور ينفى مِنْهُ قطعا
فَكَلَام مكي على هَذَا فِي غَايَة التسديد لَكِن اعتراضه على ابْن النّحاس غير سديد لحمل كَلَامه على مَا قَالَه صَاحب الإيجاز إِذن لَا خلاف بِحَسب الْحَقِيقَة فَتَأمل
стр. 7
الْفَصْل الثَّانِي
فَائِدَة فِي أَقسَام الْمَنْسُوخ فِي الْقُرْآن
هُوَ سِتَّة
الأول مَا رفع رسمه من غير بدل مِنْهُ وبقى حكمه مجمعا عَلَيْهِ نَحْو آيَة الرَّجْم
قَالَ الإِمَام عمر وَالله لقد قَرَأنَا على عهد رَسُول الله ﷺ لَا ترغبوا عَن آبائكم فَإِن ذَلِك كفر بكم الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم
стр. 8
وَقد رجم ﵊ المحصنين وَهُوَ المُرَاد بالشيخ وَالشَّيْخَة
الثَّانِي مَا رفع حكمه بِحكم آيَة أُخْرَى وَبَقِي رسمه وَكِلَاهُمَا ثَابت بِاللَّفْظِ والخط فِي الْمُصحف الْمجمع عَلَيْهِ
وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَر فِي الْمَنْسُوخ كآيتي عدَّة الْوَفَاة قَالَ هبة الله إِن هَذَا فِي ثَلَاث وَسِتِّينَ سُورَة
стр. 9
الثَّالِث مَا رفع حكمه ورسمه وَزَالَ حفظه من الْقُلُوب
وَإِنَّمَا علم ذَلِك من أَخْبَار الْآحَاد كَمَا رُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ نزلت سُورَة نَحْو بَرَاءَة ثمَّ رفعت
وروى هبة الله الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه عَن أنس بن مَالك أَنه قَالَ كُنَّا نَقْرَأ على عهد رَسُول الله ﷺ سُورَة تعدلها سُورَة التَّوْبَة مَا أحفظ مِنْهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة وَهِي لَو أَن لِأَبْنِ آدم واديين من ذهب لابتغى لَهما ثَالِثا وَلَو أَن لَهُ ثَالِثا لابتغى إِلَيْهِمَا رَابِعا فَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ وَكَذَلِكَ روى ابْن مَسْعُود قَالَ أَقْرَأَنِي النَّبِي ﷺ آيَة فحفظها وأثبتها فِي مصحفي فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل رجعت إِلَى حفظي فَلم أَجدهَا وغدوت على مصحفي فَإِذا التَّوْرَاة بَيْضَاء فَأخْبرت رَسُول الله ﷺ
فَقَالَ لي يَا ابْن مَسْعُود تِلْكَ رفعت البارحة
وَذكروا أَن سُورَة الْأَحْزَاب كَانَت مثل سُورَة الْبَقَرَة فَرفع أَكْثَرهَا
стр. 10
الرَّابِع مَا رفع حكمه ورسمه وَلم يزل حفظه من الْقُلُوب فَلذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْعَمَل بالناسخ وَهَذَا أَيْضا إِنَّمَا علم من طَرِيق أَخْبَار الْآحَاد نَحْو حَدِيث مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ كَانَ فِيمَا أنزل الله عشر رَضعَات مَعْلُومَات فنسخت بِخمْس مَعْلُومَات فَحكم الْعشْر رَضعَات غير مَعْمُول بِهِ إِجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخلاف فِي التَّحْرِيم برضعة وَاحِدَة على نَص الْقُرْآن فِي قَوْله ﴿وأخواتكم من الرضَاعَة﴾
قلت وبظاهر نَص الْقُرْآن أخذت الْحَنَفِيَّة والمالكية فحرموا برضعة وَبِحَدِيث عَائِشَة أخذت الشَّافِعِيَّة والحنابلة فحرموا بِخمْس رَضعَات
الْخَامِس مَا فرض الْعَمَل بِهِ لعِلَّة ثمَّ ترك الْعَمَل لزوَال الْعلَّة الْمُوجبَة وبقى اللَّفْظ والخط نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار﴾ الْآيَة وَقَوله
стр. 11
تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ كل ذَلِك أمروا بِهِ بِسَبَب المهادنة الَّتِي كَانَت بَينه ﵊ وَبَين مُشْركي قُرَيْش ثمَّ زَالَ ذَلِك الْفَرْض لزوَال الْعلَّة وَهِي الْهُدْنَة
السَّادِس مَا حصل من مَفْهُوم الْخطاب بقرآن متلو وَنسخ وبقى الْمَفْهُوم مِنْهُ متلوا
نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فهم من هَذَا أَن السكر جَائِز إِذا لم يقرب بِهِ الصَّلَاة فنسخ ذَلِك الْمَفْهُوم بقوله ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾
فَحرم الْخمر وَالسكر من الْخمر وبقى اللَّفْظ الْمَفْهُوم مِنْهُ متلوا
стр. 12
الْفَصْل الثَّالِث
فَائِدَة فِي أَقسَام النَّاسِخ من الْقُرْآن
وَهُوَ ثَلَاثَة
الأول أَن يكون النَّاسِخ فرضا والمنسوخ كَانَ فرضا وَلَا يجوز فعل الْمَنْسُوخ بعد نسخه نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم﴾ الْآيَة
نسخ آيَة الْحَبْس إِلَى الْمَوْت بِآيَة الْجلد
قَالَ بعض الْعلمَاء هَذِه الْآيَة نسخ الله أَولهَا بآخرها وَهُوَ قَوْله ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ وَبَين السَّبِيل مَا هُوَ بِآيَة الْجلد
الثَّانِي أَن يكون النَّاسِخ فرضا والمنسوخ كَانَ فرضا وَنحن مخيرون فِي فعل الْفَرْض الْمَنْسُوخ وَتَركه نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ الْآيَة
فَفرض على الْمُؤمن الْوَاحِد أَلا ينهزم من عشرَة من الْمُشْركين ثمَّ نسخ بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ﴾ فَفرض على الْمُؤمن الْوَاحِد أَلا ينهزم من اثْنَيْنِ من الْمُشْركين
стр. 13
وَفعل الْفَرْض الْمَنْسُوخ غير محرم بل جَائِز لنا فعله وَنحن مأجورون عَلَيْهِ فَلَو وقف وَاحِد من الْمُؤمنِينَ لعشرة من الْمُشْركين صَار محتسبا منتظرا للنصر من الله الَّذِي جَاءَ بِهِ وعده الصَّادِق لم يكن عَاصِيا بل جَزَاؤُهُ الْأجر الْكَبِير
قَالَ تَعَالَى ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة﴾ الْآيَة
وَقَالَ بَعضهم وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ نسخ فرض صِيَامه مَا كَانَ كتب على الَّذين من قبلنَا من صَوْم عَاشُورَاء وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فَهَذَا فرض نسخ فرضا فعل الْمَنْسُوخ جاءئز لنا وَنحن عَلَيْهِ مأجرون
الثَّالِث أَن يكون النَّاسِخ أمرا بترك الْعَمَل بالمنسوخ الَّذِي كَانَ فرضا وَنحن مخيرون فِي فعل الْمَنْسُوخ وَتَركه وَفعله أفضل وَذَلِكَ مَا نسخ من قيام اللَّيْل بعد أَن كَانَ فرضا
وَمثله مَا كَانَ فرضا على الْمُسلمين من تَحْرِيم الْأكل وَالشرب وَالْوَطْء فِي شهر رَمَضَان بعد النّوم فَهَذَا النَّاسِخ أَمر بترك الْمَنْسُوخ مَعَ أَن لنا فعله
وَزَاد بَعضهم قسما رَابِعا وَهُوَ أَن يكون النَّاسِخ فرضا والمنسوخ كَانَ ندبا كالقتال كَانَ ندبا ثمَّ صَار فرضا
قَالَ بَعضهم وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَا يُسمى نسخا وَإِنَّمَا هَذَا أَمر مُؤَكد وَلَا رخصَة فِيهِ وتاركه عَاص معاقب
وَالْأول كَانَ تَاركه محروم الْأجر لَا غير فَصَارَ صَرِيح الْأَمر فارضا لِلْقِتَالِ
стр. 14
الْفَصْل الرَّابِع
فَائِدَة فِيمَا يجوز أَن يكون نَاسِخا ومنسوخا
وَذَلِكَ خَمْسَة أَقسَام
الأول
نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَهُوَ ثَابت بِالْإِجْمَاع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ أَي حكم آيَة ﴿أَو ننسها﴾
أَي نتركها فَلَا ننسخها أَو نؤخر حكمهَا فَيعْمل بِهِ حينا نأت بِخَير مِنْهَا
أَي أَنْفَع مِنْهَا
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿ألم تعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ من أَمر النَّاسِخ والمنسوخ لِأَن إثباتهما فِي الْقُرْآن دلَالَة على الوحدانية ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾
стр. 15
الثَّانِي نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ
وَفِيه خلاف بَين الْعلمَاء فَمنهمْ من منع وَمِنْهُم من أجَاز وعَلى الْجَوَاز أَكثر الْأَئِمَّة وَجُمْهُور الْعلمَاء
فَمن منع احْتج بِأَن السّنة مبينَة لِلْقُرْآنِ فَلَا يجوز أَن يكون الْمُبين نَاسِخا للمبين لِأَن نسخ مَا يبين الشَّيْء دَاع إِلَى عدم الْبَيَان
قَالَ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْآيَة
وَأجِيب عَن الْجُمْهُور
بِأَن هَذَا لَيْسَ بدافع لما قَالُوا بِهِ من الْجَوَاز لِأَنَّهُ إِذا جَازَ نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز على منزله البداء فِيهِ فأحرى وَأولى أَن يكون الْقُرْآن نَاسخ فعل من يجوز عَلَيْهِ البداء
أَلا ترى أَن ﵊ كَانَ قد أحل الْمُتْعَة فِي بعض الْغَزَوَات ثَلَاثَة أَيَّام وَأمر الْمُسلمين بالتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس فِي الصَّلَاة ورد من جَاءَ مُهَاجرا من الْمُشْركين للمعاهدة وَغير ذَلِك من أَفعاله الَّتِي نسخهَا الله تَعَالَى بِمَا أنزل عَلَيْهِ نَحْو مَا نسخ سُبْحَانَهُ من فعله ﵊ وَفعل أَصْحَابه بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْكَلَام فِي الصَّلَاة بقوله تَعَالَى ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾
وَنَحْو استغفاره ﵇ لِعَمِّهِ نسخ بقوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن
стр. 16
قلت هَذَا حَاصِل مَا قَالُوهُ وَفِي الْحَقِيقَة لَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ لِأَن من أجَاز نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ أطلق فِي السّنة وَمن منع قيد السّنة المبينة لِلْقُرْآنِ وَلَا شكّ أَن الْمُبين لِلْقُرْآنِ من السّنة لَا ينْسَخ وَلَو سلمنَا نسخ السّنة المبينة لِلْقُرْآنِ لرجع فيالحقيقة إِلَى نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ فَإِذا لَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ بِحَسب الْحَقِيقَة فأفهم
فَأَنِّي لم أر أَي حرج بِالْجمعِ بَين كَلَام الْفَرِيقَيْنِ وَيُؤَيّد مَا قلته قَول بعض الْمُحَقِّقين أَن الْمُبين من السّنة لِلْقُرْآنِ نوع على حِدته لَا يُسمى نَاسِخا وَلَا مَنْسُوخا
الثَّالِث نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ المتواترة
وَهَذَا أَيْضا فِيهِ خلاف كثير بَين الْعلمَاء فَمنهمْ من أجَاز وَمِنْهُم من منع
стр. 17
فَقَالَ الْمُجِيز إِن قَول النَّبِي ﷺ لَا وَصِيَّة لوَارث نَاسخ لقَوْله تَعَالَى ﴿الْوَصِيَّة للْوَالِدين﴾ الْآيَة
وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ فعمم وَلم يخصص فَوَجَبَ علينا قبُوله
وَقَالَ الْمَانِع الْقُرْآن معْجزَة وَالسّنة غير معْجزَة فَلَا ينْسَخ المعجز من الْقُرْآن مَا لَيْسَ بمعجز من السّنة
وَاحْتج بِأَن السّنة مبينَة لِلْقُرْآنِ وَلَا يكون الْمُبين للشَّيْء نَاسِخا
وَاسْتدلَّ على الْمَنْع بقوله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وَالسّنة لَيست مثل الْقُرْآن إِذْ هِيَ محدثة وَالْقُرْآن غير مُحدث
قلت هَذَا اسْتِدْلَال ظاهري فِيهِ مَا فِيهِ وَأجَاب أَي الْمَانِع عَن قَوْله ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ أَي
مَا أَعْطَاكُم مِمَّا أنزل عَلَيْهِ من الْكتاب فَخُذُوهُ واقبلوه وَصَدقُوا بِهِ
وَعَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ أَي الَّذِي يأتيكم بِهِ مُحَمَّد ﷺ من الْقُرْآن هُوَ من عِنْد الله
لم ينْطق بِهِ من عِنْد نَفسه بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى بعد ذَلِك
﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
стр. 18
وَأجَاب عَن آيَة الْوَصِيَّة بِأَنَّهَا نسخت بِآيَة الْمَوَارِيث
وَيُؤَيِّدهُ قَول الإِمَام مَالك إِن آيَة الْمَوَارِيث نسخت آيَة الْوَصِيَّة للْوَالِدين فعلى هَذَا إِنَّمَا نسخ الْقُرْآن بقرآن مثله وَالسّنة إِنَّمَا هِيَ مبينَة لِلْآيَةِ الناسخة
قلت وَدَلِيل الْمَانِع قوي وَهُوَ الْحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَول بَعضهم
إِن قَوْله ﵊ لَا تقتلُوا أهل الذِّمَّة نَاسخ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ فِيهِ نظر إِذْ هُوَ تَخْصِيص لَا نسخ
وترجيح بعض الْمُحَقِّقين للْجُوَاز وتعليله بِأَن مَحل النّسخ هُوَ الحكم وَالدّلَالَة عَلَيْهِ بالمتواتر ظنية كالآحاد فِيهِ نظر
لاسيما وَالْقُرْآن ثَابت بِالْإِجْمَاع لم يُخَالف فِيهِ مُخَالف ثَابت فِي الْمَصَاحِف متلوا بالألسن مَحْفُوظًا فِي الصُّدُور وَقد شهد الله تَعَالَى بإحكامه وَأخْبر بحفظه وعصم رَسُوله من الْغَلَط والسهو فِيهِ بِخِلَاف السّنة فَإِنَّهَا لم تأت مروية عَن جَمِيع أهل الْقبْلَة بل عَن الْوَاحِد والاثنين أَو من لم يبلغ عَددهمْ عدد من أجمع على الْقُرْآن فهما قطعا غير متساويين فِي الإعجاز وَالْحِفْظ وَالنَّقْل
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين وأجود مَا قيل هُوَ أَن السّنة مبينَة لَا ناسخة
كَمَا جَاءَ عَنهُ فِي آيَة الزواني فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾
فَقَالَ ﵇ خُذُوا عني فقد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا وَبَين السَّبِيل مَا هُوَ بِآيَة الْجلد
стр. 19
الرَّابِع نسخ السّنة بِالسنةِ
وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء وَهُوَ كثير
نَحْو حَدِيث مُسلم كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها
وَهَذَا يعرفهُ أهل الْعلم بالآثار
فَائِدَة فِي كَيْفيَّة معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ والمكي وَالْمَدَنِي
وَالَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ النَّاظر فِي النَّاسِخ والمنسوخ من السّنة وَالْقُرْآن معرفَة التَّارِيخ فَينْسَخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر إِذْ هُوَ الْمُعْتَبر وَلَا يعْتَبر ذَلِك بمواقع الْآي من الْمُصحف لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِيهِ النَّاسِخ فِي التَّرْتِيب قبل الْمَنْسُوخ كَمَا فِي آيتي عدَّة الْوَفَاة
وَيجب أَن نعلم مَا نزل بِمَكَّة من السُّور والآيات وَمَا نزل بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ أصل كَبِير فِي معرفَة النَّاسِخ والمنسوخ
لِأَن النَّاسِخ الْمنزل بِمَكَّة إِنَّمَا نسخ مَا قبله من الْمنزل بهَا
والمنزل بِالْمَدِينَةِ نسخ مَا قبله من الْمدنِي والمكي
ونزول الْمَنْسُوخ بِمَكَّة كثير ونزول النَّاسِخ بِالْمَدِينَةِ كثير
قَالَ بَعضهم مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على الْمَكِّيّ أَن كل سُورَة فِيهَا ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ وَلَيْسَ فِيهَا ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فَهِيَ مَكِّيَّة وَفِي الْحَج خلاف وكل سُورَة فِيهَا ﴿كلا﴾ فَهِيَ مَكِّيَّة
أوفي أَولهَا حُرُوف المعجم فَهِيَ مَكِّيَّة إِلَّا الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَفِي الرَّعْد خلاف
وكل سُورَة فِيهَا ذكر الْمُنَافِقين فَهِيَ مَدَنِيَّة سوى العنكبوت
قَالَ ابْن هِشَام عَن أَبِيه أَن كل سُورَة ذكرت فِيهَا الْحُدُود والفرائض فَهِيَ مَدَنِيَّة
стр. 20
وكل مَا كَانَ فِيهِ ذكر الْقُرُون الْمَاضِيَة فِي الْأَزْمِنَة الخالية فَهِيَ مَكِّيَّة
قَالُوا وكل آيَة نزلت فِي الصفح والإعراض فَهِيَ مَكِّيَّة
الْخَامِس نسخ الْقُرْآن بِالْإِجْمَاع وَنسخ الْإِجْمَاع بِالْإِجْمَاع وَنسخ الْقيَاس بِالْقِيَاسِ
أما نسخ الْقُرْآن بِالْإِجْمَاع فَمَنعه أَكثر الْأَئِمَّة من الْعلمَاء الراسخين وَكَذَلِكَ نسخ الْإِجْمَاع بِالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس بِالْقِيَاسِ ذكره البغداديون والمالكيون فِي اصولهم
стр. 21
الْفَصْل الْخَامِس
الْفرق بَين النّسخ والتخصيص وَالِاسْتِثْنَاء
وَهَذِه كلهَا تَأتي فِي كتاب الله تَعَالَى لإِزَالَة حكم مُتَقَدم
فالنسخ شرعا إِزَالَة حكم الْمَنْسُوخ كُله بِبَدَل آخر أَو بِغَيْر بدل فِي وَقت معِين فَهُوَ لبَيَان أزمنة الْعَمَل بِالْفَرْضِ الأول وانتهاء مُدَّة الْعَمَل بِهِ وَابْتِدَاء الْعَمَل بِالثَّانِي فَكَانَ انتهاءه عِنْد الله مَعْلُوما وَفِي أوهامنا كَانَ استمراره ودوامه وبالناسخ علمنَا انتهاؤه فَكَانَ فِي حَقنا تبديلا وتغييرا
والتخصيص هُوَ إِزَالَة الحكم كَأَن يَأْتِي لفظ ظَاهره الْعُمُوم لما وَقع تَحْتَهُ ثمَّ يَأْتِي نَص آخر أَو دَلِيل أَو قرينَة أَو إِجْمَاع يدل على أَن ذَلِك اللَّفْظ الَّذِي هُوَ ظَاهره الْعُمُوم المُرَاد بِهِ الْخُصُوص فَهُوَ بَيَان اللَّفْظ الْعَام بِأَمْر خَاص نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ الشَّامِل للْوَلَد الْكَافِر
стр. 22
فتلخص أَن التَّخْصِيص لبَيَان الْأَعْيَان والنسخ لبَيَان الْأَزْمَان
وَالِاسْتِثْنَاء هُوَ مَا كَانَ بِحرف الِاسْتِثْنَاء الدَّال عَلَيْهِ خلافًا للنسخ والتخصيص
وَالْفرق بَينه وَبَينهمَا أَن النّسخ لَا يكون إِلَّا مُنْفَصِلا عَن الْمَنْسُوخ والتخصيص يكون مُتَّصِلا ومنفصلا وَالِاسْتِثْنَاء لَا يكون إِلَّا مُتَّصِلا بِالْأولِ
стр. 23
الْفَصْل السَّادِس
بَيَان مَا يخل فِيهِ النّسخ
أعلم أَن النّسخ لَا يدْخل الْخَبَر فِي قَوْله أَكثر الْفُقَهَاء والأصوليين وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير
وَإِنَّمَا يكون فِي الْأَمر وَالنَّهْي لطفا من الله تَعَالَى بعباده
وَقَالَ قوم إِنَّه يكون فِي الْأَخْبَار الَّتِي مَعْنَاهَا الْأَمر وَالنَّهْي وَبِه قَالَ الضَّحَّاك مُزَاحم
قلت وَعَلِيهِ يتَخَرَّج نسخ آيَة ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة﴾ وَآيَة الْعدة وَقَالَ قوم أَنه يكون فِي جَمِيع أَقسَام الْكَلَام وَبِه قَالَ زيد بن أسلم وَقَالَ ابْن الباقلاني لَا يجوز فِي خبر الله وَخبر رَسُوله
وَقَالَ القَاضِي فِي نسخ الْخَبَر أَنه أَن كَانَ مِمَّا لَا يجوز أَن يَقع إِلَّا على وَجه وَاحِد كصفات الله وَخبر مَا كَانَ وَخبر مَا سَيكون لم يجز نسخه
وَيجوز إِن كَانَ مِمَّا يَصح تَغْيِيره وتحوله كالأخبار عَن زيد بِأَنَّهُ مُؤمن أَو كَافِر وَعَن الصَّلَاة بِأَنَّهَا وَاجِبَة
стр. 24
قَالَ بعض الْمُحَقِّقين هَذَا قَول جيد
قلت وَعَلِيهِ يتَخَرَّج نسخ نَحْو آيَة المحاسبة وَآيَة المصابرة
فَائِدَة فِي جَوَاز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف يجوز أَن ينْسَخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف فالأثقل بمضاعفة الْأجر وَرفع الدَّرَجَات بِالصبرِ وامتثال الْأَمر
والأخف للرأفة وَالرَّحْمَة مَعَ جزيل الْأجر تَعَالَى الله الْكَرِيم الْجواد فالنسخ حِينَئِذٍ تحول الْعباد من حَلَال إِلَى حرَام أَو حرَام إِلَى حَلَال وَمن مُبَاح إِلَى مَحْظُور وَمن مَحْظُور إِلَى مُبَاح وَمن خَفِيف إِلَى ثقيل وَمن ثقيل إِلَى خَفِيف كل ذَلِك لما يعلم الله تَعَالَى من الْمصلحَة لِعِبَادِهِ
فَائِدَة فِي الْفرق بَين النّسخ البداء
أَن الله تَعَالَى عَالم بِمَا فرض وبرفع ذَلِك الْفَرْض وَإِزَالَة حكمه وانقضاء زمن تِلْكَ الْعِبَادَة وَوقت الْفَرْض النَّاسِخ للْفَرض الأول
فَهُوَ تَعَالَى علام الغيوب لَيْسَ علم شَيْء عَنهُ بمحجوب يعلم سُبْحَانَهُ عواقب الْأُمُور وكل شَيْء عِنْده فِي كتاب مسطور
بِخِلَاف البداء فَإِنَّهُ من أَوْصَاف أَفعَال المخلوقين الَّذين لَا يعلمُونَ عواقب الْأُمُور
كَقَوْل الْقَائِل أَمر الْمَأْمُور افْعَل كَذَا ثمَّ يظْهر لَهُ بعد الْأَمر بِهِ والعزم عَلَيْهِ خِلَافه وَيظْهر لَهُ أَن تَركه اولى من فعله وَلم يكن مَا
стр. 25
ظهر لَهُ ثَانِيًا فِي نِيَّته حِين أَمر بِالْأولِ وَلم يعلم أَن مَا أَمر بِهِ سيبدوا لَهُ وَجه الْمصلحَة فِي الرُّجُوع عَنهُ
وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا يعلم أَي الْأَمريْنِ خير لَهُ مَا عزم أَولا أم مَا بدا لَهُ ثَانِيًا بل كل ذَلِك تبعا للظن تَغْلِيبًا لَهُ بِقِيَاس يَسْتَعْمِلهُ الْعقل ويريه إِيَّاه فِي مرْآة التجارب وَكثير من يخطىء فِي الْقيَاس ويغلط فِيهِ للعجز عَن إِدْرَاك حقائق الْأَشْيَاء لِأَن ذَلِك مِمَّا اسْتَأْثر الله بِهِ دون خلقه تَعَالَى الله علام الغيوب
فَهَذَا هُوَ الْفرق بَين النّسخ والبداء وَهُوَ من دَقِيق هَذَا الْعلم فاعرفه
قَالَ بَعضهم
ولخفائه على كثير من النَّاس منعت طَائِفَة من الصوفيين وَجَمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ كَأبي مُسلم الْأَصْفَهَانِي جَوَاز النّسخ فِي الْقُرْآن وأثبتوا نسخ الشَّرَائِع فمثلهم مثل قَوْلك أَنْت صَادِق يَا فلَان فِيمَا أخْبرت بِهِ وكاذب فِيهِ جهلا مِنْهُم بِمَعْرِِفَة الْفرق بَين النّسخ وَبَين البداء الْجَائِز على المخلوقين وَلَو تَأمل من أنكر النّسخ فِي الْقُرْآن مَا ذكر من الْفرق بَينهمَا لرجع عَن معتقده الْفَاسِد نَعُوذ بِاللَّه من الضَّلَالَة بعد الْهدى
إِذْ تقرر ذَلِك فلنشرع فِي الْمَقْصُود بعون الْملك المعبود
стр. 26
- ﷺ َ - الْبَاب الثَّانِي
الْفَصْل الأول
فِي ذكر السُّور الَّتِي دَخلهَا النَّاسِخ والمنسوخ
وَهِي خمس وَعِشْرُونَ سُورَة
الْبَقَرَة آل عمرَان النِّسَاء الْمَائِدَة الْأَنْفَال التَّوْبَة إِبْرَاهِيم مَرْيَم الْأَنْبِيَاء الْحَج النُّور الْفرْقَان الشُّعَرَاء الْأَحْزَاب سبأ الْمُؤمن الشورى الذاريات الطّور الْوَاقِعَة المجادلة المزمل المدثر التكوير الْعَصْر
والسور الَّتِي دَخلهَا الْمَنْسُوخ دون النَّاسِخ أَرْبَعُونَ وَهِي
الْأَنْعَام الْأَعْرَاف يُونُس هود الرَّعْد الْحجر النَّحْل الْإِسْرَاء الْكَهْف طه الْمُؤْمِنُونَ النَّمْل الْقَصَص العنكبوت الرّوم لُقْمَان السَّجْدَة فاطر الصافات صَاد الزمر المصابيح الزخرف الدُّخان الجاثية الاحقاف الْقِتَال ق (قَاف) النَّجْم الْقَمَر الممتحنة نون المعارج الْقِيَامَة الْإِنْسَان عبس الطارق الغاشية التِّين الْكَافِرُونَ
стр. 27
والسور الَّتِي دَخلهَا النَّاسِخ دون الْمَنْسُوخ سِتّ سور وَهِي
الْفَتْح الْحَشْر المُنَافِقُونَ التغابن الطَّلَاق الْأَعْلَى
وَمَا عدا ذَلِك فَلَيْسَ فِيهِ نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ وَهِي ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ سُورَة وَهِي أما الْكتاب يُوسُف يس الحجرات الرَّحْمَن الْحَدِيد الصَّفّ التَّحْرِيم الْملك الحاقة نوح الْجِنّ المرسلات النبأ النازعات الانفطار المطففين الانشقاق البروج الْفجْر ثمَّ إِلَى آخر الْقُرْآن سوى سورتي التِّين والكافرون
قلت حَيْثُ علمت ذَلِك فَلَا بَأْس بِذكر ضوابط قبل الشُّرُوع فِي المهم من الْمَقْصُود
الأول أَن الْأَمر بِالْقِتَالِ وإباحته فِي كل مَكَان وكل زمَان نَاسخ لجَمِيع مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن مِمَّا فِيهِ الصَّبْر على الْأَذَى من الْمُشْركين واللين لَهُم والصفح والإعراض عَنْهُم وَالْعَفو والغفران لَهُم والجنوح لَهُم والجنوح للسلم إِذا جنحوا لَهَا
الثَّانِي أَن كل مَا أَمر الله بِهِ بعد الْأَمر بِالْقِتَالِ من الْعَفو والصفح والغفران والوعظ والتذكير بآيَات الله وأيامه يَعْنِي الْمَلَاحِم الَّتِي كَانَ فِيهَا الظفر للْمُسلمين والقوارع الَّتِي تحل بالكافرين وَالصَّبْر كَمَا صَبر أولو الْعَزْم وصلَة الرَّحِم وَنَحْو ذَلِك من أَعمال الْبر كُله مُحكم
стр. 28
غير مَنْسُوخ وَلَا مَرْفُوع الحكم عَن الْمُسلمين بل هم محضوضون على فعله مأجورون عَلَيْهِ أعظم الْآجر
الثَّالِث أَن آيَة الزَّكَاة نسخت كل صَدَقَة وَصَوْم رَمَضَان نسخ كل صَوْم وذبيحة الْأَضْحَى نسخت كل ذَبِيحَة
وَذكر الْعلمَاء أَن أول نسخ وَقع فِي الشَّرِيعَة هُوَ أَمر الصَّلَاة ثمَّ أَمر الْقبْلَة ثمَّ أَمر الصّيام ثمَّ الزَّكَاة ثمَّ الْإِعْرَاض عَن الْمُشْركين ثمَّ الْأَمر بجهادهم ثمَّ إِعْلَام الله تَعَالَى نبييه ﷺ مَا يفعل بهم ثمَّ أَمر بقتل الْمُشْركين ثمَّ أمره بقتل أهل الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون
ثمَّ كَانَ عَلَيْهِ أهل الْعُقُود من أَمر الْمَوَارِيث ثمَّ هدم منار الْجَاهِلِيَّة ومنعهم من مُخَالطَة الْمُسلمين فِي حجهم ثمَّ نسخ المعاهدة الَّتِي كَانَت بَينه وَبينهمْ بالأربع أشهر بعد النَّحْر وَأرْسل ﵊ عليا فِيهَا إِلَى الْمَوْسِم وأردفه بِأبي هُرَيْرَة فَأذن بهَا فِي الْحَج
стр. 29
الْفَصْل الثَّانِي
ذكر النَّاسِخ والمنسوخ على نظم سور الْقُرْآن
وَجُمْلَته نَحْو المائتي آيَة وَعشْرين آيَة مَا بَين مُتَّفق عَلَيْهِ ومختلف فِيهِ
سُورَة الْفَاتِحَة
مَكِّيَّة وَقيل مَدَنِيَّة وَهِي سبع آيَات وكلماتها تسع وَعِشْرُونَ وحروفها مائَة وَوَاحِد وَعِشْرُونَ على الْخلاف فِي أَن الْبَسْمَلَة آيَة فِيهَا وَمذهب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة مَالك وَأَبُو حنيفَة وَابْن حَنْبَل أَنَّهَا لَيست فِيهَا خلافًا للشَّافِعِيّ
стр. 30
وَلها أَسمَاء كَثِيرَة تزيد على الْعشْرين مِنْهَا
فَاتِحَة الْكتاب وَأم الْكتاب والواقية والوافية والكافية والشافية والراقية والسبع المثاني وَأم الْقُرْآن والشفاء والأساس وَالْحَمْد وَسورَة الْحَمد والنور وَالصَّلَاة وَسورَة الصَّلَاة وَسورَة التَّفْوِيض وَسورَة الْمُنَاجَاة وَسورَة التَّعْلِيم وَسورَة الدُّعَاء الذّكر وَكَثْرَة الْأَسْمَاء تدل على شرف الْمُسَمّى وَلَيْسَ فِيهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ
سُورَة الْبَقَرَة
مَدَنِيَّة إِلَّا خمس آيَات
قَوْله تَعَالَى ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم﴾ الْآيَة نزلنَا بِمَكَّة وَآخِرهَا نزل يَوْم فتح مَكَّة
стр. 31
وَهِي مِائَتَان وَسبع أَو سِتّ أَو خمس وَثَمَانُونَ آيَة على الْخلاف وكلماتها سِتّ آلَاف وَمِائَة وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ وحروفها خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا وَخَمْسمِائة وفيهَا من الْآي المنسوخة خمس وَعِشْرُونَ آيَة
стр. 32
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ ٦٢
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ الْآيَة وَقَالَ مُجَاهِد والضاحك لَيست مَنْسُوخَة بل محكمَة
وَهَذِه الْآيَة أبطلت عمل كل عَامل على غير مِلَّة الْإِسْلَام وقدروا محذوفا فِي الْكَلَام أَي إِن الَّذين آمنُوا وَمن آمن من الَّذين هادوا الخ
стр. 33
قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ الْآيَة ٨٣
مَنْسُوخَة فِي حق الْمُشْركين بِآيَة السَّيْف ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَالْآيَة وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن الإِمَام عَليّ ﵃ أَجْمَعِينَ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح هِيَ محكمَة
وَمعنى حسنا قُولُوا أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَقَالَ عَطاء قُولُوا لَهُم مَا تحبون أَن يُقَال لكم
стр. 34
قَوْله تَعَالَى ﴿فاعفوا واصفحوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ ١٠٩
أصل الْعَفو التّرْك والمحو والصفح الْإِعْرَاض والتجاوز نسخ بقوله تَعَالَى ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وهم صاغرون﴾ وَأمر الله الْقَتْل والسبي لبني قُرَيْظَة والجلاء وَالنَّفْي لبني النَّضِير قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِن مثل هَذَا لَا يُسمى مَنْسُوخا لِأَن الله جعل الْعَفو والصفح مؤقتا بغاية وَهُوَ إتْيَان أمره بِالْقِتَالِ
وَلَو كَانَ غير مُؤَقّت بغاية لجَاز أَن يكون مَنْسُوخا
стр. 35
قَوْله تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ ١١٥
مَنْسُوخ بقوله تَعَالَى ﴿فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
وَقيل لَا نسخ
وَالْآيَة نزلت فِي الْمُسَافِر يُصَلِّي التَّطَوُّع حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ رَاحِلَته وَقيل نزلت فِي نفر كَانُوا فِي السّفر فعميت عَلَيْهِم الْقبْلَة وَذَلِكَ بعد تَحْويل الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة فصلوا ثمَّ ظهر لَهُم الْخَطَأ فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَنزلت ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب﴾ الْآيَة
وَالْوَجْه والجهة الْقبْلَة
قلت وعَلى الْمَعْنيين فالآية محكمَة حكمهَا بَاقٍ لِأَن الْمُسَافِر يُصَلِّي النَّفْل إِلَى جِهَة سيره
وَمن اجْتهد فِي الْفَرِيضَة سفرا أَو أَخطَأ الْقبْلَة فَصلَاته صَحِيحَة
стр. 36
فَائِدَة ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَلَا يستدبر الْكَعْبَة بل يَجْعَلهَا بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا هَاجر أَمر بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس تألفا للْيَهُود فصلى بعد الْهِجْرَة سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يحب أَن يتَوَجَّه للكعبة لِأَنَّهَا قبْلَة إِبْرَاهِيم وَغَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَقَالَ لجبريل وددت أَن احول للكعبة فَقَالَ إِنَّمَا أَنا عبد مثلك فسل رَبك ثمَّ عرج جِبْرِيل فَجعل ﵇ يديم النّظر إِلَى السَّمَاء رَجَاء أَن ينزل جِبْرِيل بِمَا يحب من أَمر الْقبْلَة
فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿قد نرى تقلب وَجهك﴾ الْآيَة وَلما تحول للكعبة قَالَت الْيَهُود أَن كَانَ على ضَلَالَة فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهَا وَأَن كَانَ على هدى فقد رَجَعَ عَنهُ
فَقَالَ الْمُسلمُونَ الْهدى مَا أَمر الله بِهِ والضلالة مَا نهى الله عَنهُ وَاخْتلف هَل كَانَت شرعة التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِالسنةِ أَو بِالْقُرْآنِ على قَوْلَيْنِ ذكرهمَا القَاضِي
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ عَن الْحسن وَابْن الْعَالِيَة وَالربيع وَعِكْرِمَة أَنه كَانَ رَأْيه واجتهاده
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي أَي صَلَاة حولت الْقبْلَة وَفِي أَي يَوْم وَفِي أَي شهر فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ حولت فِي صَلَاة الظّهْر يَوْم الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ من رَجَب على رَأس سَبْعَة عشر شهرا من مقدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قبل قتال بدر بشهرين
وَقيل حولت يَوْم الثُّلَاثَاء لِلنِّصْفِ من شعْبَان على رَأس ثَمَانِيَة عشر شهرا وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ رِوَايَة شَاذَّة أَنَّهَا حولت فِي جُمَادَى الْآخِرَة
стр. 37
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ ١٥٩
مَنْسُوخ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا﴾ الْآيَة كدا كدا قيل
وَالصَّحِيح أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا يجوز أَن يُسمى مَنْسُوخا وَقد مر الْفرق بَين النّسخ وَالِاسْتِثْنَاء فَرَاجعه
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل بِهِ لغير الله فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ١٧٣
نسخ بَعْضهَا بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله ﵊
أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال وَقد مر أَن مَا بَينته السّنة بالتخصيص لَا يُسمى نسخا لِلْقُرْآنِ
قلت وَمَا يُؤَيّدهُ أَن هَذَا خبر مُؤَكد مُوجب بِحرف التوكيد ناف بالحصر مَا عداهُ فمفهومه حل مَا عدا الْمَذْكُور
مَعَ أَن السّنة حرمت أَشْيَاء كَثِيرَة من السبَاع والبهائم والطيور مِمَّا هُوَ مَعْلُوم عِنْد انْتِهَاء الْفُقَهَاء وَلَا يُقَال أَن ذَلِك نَاسخ لمَفْهُوم الْآيَة بل السّنة جَاءَت مخصصة لمنطوق الْآيَة ومفهومها فَتَأمل
стр. 38
قَوْله تَعَالَى ﴿الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ١٧٨
نزلت فِي حيين فِي الْعَرَب أَرَادَ أحدهم أَن يقتل من خَصمه الْحر بِالْعَبدِ
قَالَ هبة الله اجْمَعْ الْمُفَسِّرُونَ على نسخ هَذِه الْآيَة قلت وَفِي دَعْوَى الْإِجْمَاع بل فِي صِحَة النّسخ نظر وَاخْتلفُوا فِي ناسخها
فَقَالَ بَعضهم نسخهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ الْآيَة وَهُوَ مَذْهَب أهل الْعرَاق
فان قَالَ قَائِل هَذَا مَكْتُوب على بني إِسْرَائِيل فَكيف يلْزمنَا حكمه جَوَابه أَن آخر الْآيَة الزمنا وَهُوَ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾
وَقَالَ آخَرُونَ ناسخها قَوْله تَعَالَى فِي الْإِسْرَاء ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾
وَقتل الْحر بِالْعَبدِ إِسْرَاف وَكَذَلِكَ قتل الْمُسلم بالكافر قلت دَعْوَى النّسخ بِهَذِهِ الْآيَة فِيهِ نظر لِأَنَّهَا مَكِّيَّة وَالْبَقَرَة مَدَنِيَّة
وَأَيْضًا هَذِه لَا تصلح أَن تكون نَاسِخا إِلَّا لقَوْله ﴿النَّفس بِالنَّفسِ﴾ لَوْلَا مَا مر لَكِن السّنة خصصت فِيهَا عدم قتل الْحر بالرقيق وَالْمُسلم بالكافر عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة خلافًا للحنفية وخصصت أَيْضا عدم قتل الْفَرْع بِالْأَصْلِ إِجْمَاعًا
стр. 39
قَوْله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ ١٨٠
مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ الْآيَة وَقيل بِالْحَدِيثِ قَالَ ﵊ إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وطاووس الْعَلَاء بن زيد وَمُسلم بن يسَار هِيَ محكمَة غير مَنْسُوخَة
стр. 40
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ١٨٣
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ بعد إِجْمَاعهم على نسخهَا فِيمَن أَشَارَ الله إِلَيْهِم من قبل فَقَالُوا أَشَارَ الله إِلَى الْأُمَم الْمَاضِيَة وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يبْعَث نَبيا الافرض عَلَيْهِ وعَلى أمته شهر رَمَضَان فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم السالفة
قلت فِيهِ نظر مَا لم تحمل على أَن المُرَاد بعد أَنْبِيَائهمْ
وَقَالَ آخَرُونَ أَشَارَ بالذين من قبلنَا إِلَى النَّصَارَى وَذَلِكَ أَنهم إِذا افطروا أكلُوا وَشَرِبُوا وجامعوا النِّسَاء مَا لم يصلوا عشَاء الْآخِرَة يَنَامُوا قبل ذَلِك فَلم يزل أَمر الْمُسلمين كَذَلِك حَتَّى وَقع أَرْبَعُونَ رجلا فِي خلاف الْأَمر مِنْهُم عمر بن الْخطاب فجامعوا نِسَائِهِم بعد النّوم فَأنْزل الله النَّاسِخ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى
﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ الْآيَة
следующие страницы →