Полный текст (206 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فَائِدَة ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَلَا يستدبر الْكَعْبَة بل يَجْعَلهَا بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا هَاجر أَمر بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس تألفا للْيَهُود فصلى بعد الْهِجْرَة سِتَّة عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يحب أَن يتَوَجَّه للكعبة لِأَنَّهَا قبْلَة إِبْرَاهِيم وَغَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَقَالَ لجبريل وددت أَن احول للكعبة فَقَالَ إِنَّمَا أَنا عبد مثلك فسل رَبك ثمَّ عرج جِبْرِيل فَجعل ﵇ يديم النّظر إِلَى السَّمَاء رَجَاء أَن ينزل جِبْرِيل بِمَا يحب من أَمر الْقبْلَة
فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿قد نرى تقلب وَجهك﴾ الْآيَة وَلما تحول للكعبة قَالَت الْيَهُود أَن كَانَ على ضَلَالَة فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون عَلَيْهَا وَأَن كَانَ على هدى فقد رَجَعَ عَنهُ
فَقَالَ الْمُسلمُونَ الْهدى مَا أَمر الله بِهِ والضلالة مَا نهى الله عَنهُ وَاخْتلف هَل كَانَت شرعة التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِالسنةِ أَو بِالْقُرْآنِ على قَوْلَيْنِ ذكرهمَا القَاضِي
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ عَن الْحسن وَابْن الْعَالِيَة وَالربيع وَعِكْرِمَة أَنه كَانَ رَأْيه واجتهاده
وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي أَي صَلَاة حولت الْقبْلَة وَفِي أَي يَوْم وَفِي أَي شهر فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ حولت فِي صَلَاة الظّهْر يَوْم الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ من رَجَب على رَأس سَبْعَة عشر شهرا من مقدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قبل قتال بدر بشهرين
وَقيل حولت يَوْم الثُّلَاثَاء لِلنِّصْفِ من شعْبَان على رَأس ثَمَانِيَة عشر شهرا وروى إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ رِوَايَة شَاذَّة أَنَّهَا حولت فِي جُمَادَى الْآخِرَة
стр. 37
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ ١٥٩
مَنْسُوخ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا﴾ الْآيَة كدا كدا قيل
وَالصَّحِيح أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ لَا يجوز أَن يُسمى مَنْسُوخا وَقد مر الْفرق بَين النّسخ وَالِاسْتِثْنَاء فَرَاجعه
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل بِهِ لغير الله فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ ١٧٣
نسخ بَعْضهَا بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله ﵊
أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال وَقد مر أَن مَا بَينته السّنة بالتخصيص لَا يُسمى نسخا لِلْقُرْآنِ
قلت وَمَا يُؤَيّدهُ أَن هَذَا خبر مُؤَكد مُوجب بِحرف التوكيد ناف بالحصر مَا عداهُ فمفهومه حل مَا عدا الْمَذْكُور
مَعَ أَن السّنة حرمت أَشْيَاء كَثِيرَة من السبَاع والبهائم والطيور مِمَّا هُوَ مَعْلُوم عِنْد انْتِهَاء الْفُقَهَاء وَلَا يُقَال أَن ذَلِك نَاسخ لمَفْهُوم الْآيَة بل السّنة جَاءَت مخصصة لمنطوق الْآيَة ومفهومها فَتَأمل
стр. 38
قَوْله تَعَالَى ﴿الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ١٧٨
نزلت فِي حيين فِي الْعَرَب أَرَادَ أحدهم أَن يقتل من خَصمه الْحر بِالْعَبدِ
قَالَ هبة الله اجْمَعْ الْمُفَسِّرُونَ على نسخ هَذِه الْآيَة قلت وَفِي دَعْوَى الْإِجْمَاع بل فِي صِحَة النّسخ نظر وَاخْتلفُوا فِي ناسخها
فَقَالَ بَعضهم نسخهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ الْآيَة وَهُوَ مَذْهَب أهل الْعرَاق
فان قَالَ قَائِل هَذَا مَكْتُوب على بني إِسْرَائِيل فَكيف يلْزمنَا حكمه جَوَابه أَن آخر الْآيَة الزمنا وَهُوَ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾
وَقَالَ آخَرُونَ ناسخها قَوْله تَعَالَى فِي الْإِسْرَاء ﴿وَمن قتل مَظْلُوما فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾
وَقتل الْحر بِالْعَبدِ إِسْرَاف وَكَذَلِكَ قتل الْمُسلم بالكافر قلت دَعْوَى النّسخ بِهَذِهِ الْآيَة فِيهِ نظر لِأَنَّهَا مَكِّيَّة وَالْبَقَرَة مَدَنِيَّة
وَأَيْضًا هَذِه لَا تصلح أَن تكون نَاسِخا إِلَّا لقَوْله ﴿النَّفس بِالنَّفسِ﴾ لَوْلَا مَا مر لَكِن السّنة خصصت فِيهَا عدم قتل الْحر بالرقيق وَالْمُسلم بالكافر عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة خلافًا للحنفية وخصصت أَيْضا عدم قتل الْفَرْع بِالْأَصْلِ إِجْمَاعًا
стр. 39
قَوْله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ ١٨٠
مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ الْآيَة وَقيل بِالْحَدِيثِ قَالَ ﵊ إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وطاووس الْعَلَاء بن زيد وَمُسلم بن يسَار هِيَ محكمَة غير مَنْسُوخَة
стр. 40
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ١٨٣
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ بعد إِجْمَاعهم على نسخهَا فِيمَن أَشَارَ الله إِلَيْهِم من قبل فَقَالُوا أَشَارَ الله إِلَى الْأُمَم الْمَاضِيَة وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يبْعَث نَبيا الافرض عَلَيْهِ وعَلى أمته شهر رَمَضَان فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم السالفة
قلت فِيهِ نظر مَا لم تحمل على أَن المُرَاد بعد أَنْبِيَائهمْ
وَقَالَ آخَرُونَ أَشَارَ بالذين من قبلنَا إِلَى النَّصَارَى وَذَلِكَ أَنهم إِذا افطروا أكلُوا وَشَرِبُوا وجامعوا النِّسَاء مَا لم يصلوا عشَاء الْآخِرَة يَنَامُوا قبل ذَلِك فَلم يزل أَمر الْمُسلمين كَذَلِك حَتَّى وَقع أَرْبَعُونَ رجلا فِي خلاف الْأَمر مِنْهُم عمر بن الْخطاب فجامعوا نِسَائِهِم بعد النّوم فَأنْزل الله النَّاسِخ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى
﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم﴾ الْآيَة
стр. 41
قَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة طَعَام مِسْكين فَمن تطوع خيرا فَهُوَ خير لَهُ﴾ ١٨٤
فَكَانَ الرجل إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر وَأطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن تطوع خيرا فَهُوَ خير لَهُ﴾ فأطعم مسكينين فنسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ وَفِيه مَحْذُوف تَقْدِيره بَالغا عَاقِلا حَاضرا صَحِيحا وَقيل لَا نسخ وَالنَّفْي مُقَدّر أَي لَا يطيقُونَهُ وَلَا شكّ أَن الَّذين لَا يطيقُونَهُ لكبر أَو مرض لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ يطْعمُون لكل يَوْم مِسْكينا
стр. 42
قَوْله تَعَالَى ﴿وقاتلوا فِي سَبِيل الله الَّذين يقاتلونكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ ١٩٠
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾
стр. 43
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِك جَزَاء الْكَافرين﴾ ١٩١
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن انْتَهوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾
وَهَذَا من الْأَخْبَار الَّتِي مَعْنَاهَا الْأَمر تَأْوِيلهَا فَاغْفِر لَهُم وأعف عَنْهُم وَهَذَا الْمَحْذُوف هُوَ جَوَاب الشَّرْط وَالْمَذْكُور دَلِيل الْجَواب ثمَّ نسخ ذَلِك بِآيَة السَّيْف
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله﴾ ١٩٦
ثمَّ اسْتثْنى بقوله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ قلت وَالصَّوَاب أَن مثل هَذَا لَيْسَ بنسخ
стр. 44
قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل مَا أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَمَا تَفعلُوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ ٢١٥
مَنْسُوخَة بِآيَة الزَّكَاة ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ الْآيَة
قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ ٢١٧
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فِي كل زمَان وَمَكَان
стр. 45
قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ ٢١٩
مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَائِدَة
فَائِدَة
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ السَّائِل عمر ومعاذ بن جبل وَنَفر من الْأَنْصَار بِسَبَب حَمْزَة لما سكر وجرد سَيْفه على أَنْصَارِي فهرب مستعد يَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله إِن الْخمر متلفة لِلْمَالِ مذهبَة لِلْعَقْلِ فَنزلت هَذِه الْآيَة فَتَركهَا قوم لقَوْله تَعَالَى ﴿إِثْم كَبِير﴾ وشربها آخَرُونَ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾
ثمَّ صنع عبد الرَّحْمَن بن عَوْف للنَّاس طَعَاما وَشَرَابًا فَدَعَا نَفرا من الصَّحَابَة فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا فَلَمَّا ثَمِلُوا وَجَاء وَقت صَلَاة الْمغرب قدمُوا أحدهم ليُصَلِّي بهم فَقَرَأَ ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ﴾ فَحذف ﴿لَا﴾ فِي جَمِيع السُّورَة فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فَتَركهَا قوم فِي أَوْقَات الصَّلَاة خَاصَّة
стр. 46
ثمَّ دَعَا عتْبَان بن مَالك قوما فيهم سعد بن أبي وَقاص ﵁ إِلَى وَلِيمَة على رَأس بعير فَأَكَلُوا وَسَكِرُوا فافتخروا عِنْد ذَلِك فَأَنْشد سعد قصيدة فِيهَا هجاء للْأَنْصَار فَأخذ رجل من الْأَنْصَار بلحى بعير فَضرب بِهِ أنف سعد ففزره فأنطلق سعد وشكا الْأنْصَارِيّ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم
فَقَالَ عمر اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر رَأْيك بَيَانا شافيا فَأنْزل الله تَحْرِيم الْخمر فِي الْمَائِدَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ أَي الْمَعْنى انْتَهوا وَذَلِكَ بعد غَزْوَة الْأَحْزَاب بأيام
стр. 47
قَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو﴾ ٢١٩
وَهُوَ الْفَاضِل عَن قوت سنة نسخ بِآيَة الزَّكَاة
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ ٢٢١
مَنْسُوخ فِي حق الكتابيات بقوله تَعَالَى ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ الْآيَة فَشرط مَعَ الْإِبَاحَة الْعِفَّة فَإِن كن عواهر فهن مُحرمَات عِنْد الْحَنَابِلَة خَاصَّة
قلت إِن مثل هَذَا تَخْصِيص لَا نسخ بمامر
стр. 48
قَوْله تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك إِن أَرَادوا إصلاحا﴾ ٢٢٨
مَنْسُوخَة بِالطَّلَاق الثَّلَاث
فَقَالَ الطَّلَاق مَرَّتَانِ وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ إِن وَقعت الثَّالِثَة فَقَالَ معقل بن يسَار وَقعت عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد﴾ الْآيَة
قَوْله تَعَالَى
﴿وَلَا يحل لكم أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئا﴾ ٢٢٩
نسخهَا الِاسْتِثْنَاء بِالْخلْعِ بقوله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يخافا أَلا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ الْآيَة وَقد مر أَن الِاسْتِثْنَاء لَا يُسمى نسخا
قَوْله تَعَالَى ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ ٢٣٣
هَذَا خبر مَعْنَاهُ الْأَمر نسخ بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن أَرَادَا فصالا عَن ترَاض مِنْهُمَا وتشاور﴾ لأهل الْخِبْرَة إِن الْفِطَام فِي ذَلِك الْوَقْت لَا يضر الْوَلَد ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ أَي فِي الْفِطَام قبل الْحَوْلَيْنِ
стр. 49
قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج فَإِن خرجن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِي مَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ ٢٤٠
فالمتاع نَفَقَة سنة مُدَّة حَبسهَا وَلَا يكون لَهَا بعد ذَلِك مِيرَاث فِي مَاله وَقَوله تَعَالَى ﴿وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا﴾ نسخ بِآيَة الْمِيرَاث وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم إِن لم يكن لكم ولد فَإِن كَانَ لكم ولد فَلَهُنَّ الثّمن مِمَّا تركْتُم﴾ فالمنسوخ هُوَ الْوَصِيَّة وَالنَّفقَة وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَى الْحول﴾ نسخ بقوله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾
стр. 50
قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ ٢٥٦
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
قَوْله تَعَالَى ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ ٢٨٢
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ الْآيَة
وَقيل لَا نسخ وَالْأَمر للنَّدْب قلت وَهُوَ مَذْهَب الْأَرْبَعَة والحنابلة يسن عِنْدهم الْإِشْهَاد فِي كل عقد وَفِي البيع وَغَيره سوى النِّكَاح فَيجب عِنْدهم الأشهاد
وَقَالَ الضَّحَّاك الأشهاد على التبايع عزم من الله وَاجِب فِي صَغِير الْأَمر وكبيره وَبِذَلِك قَالَ النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين وَقَالُوا أَنا نرى أَن نشْهد وَلَو على جزة بقل
стр. 51
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ ٢٨٤
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ الْآيَة وَسبب النّسخ مَا روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره إِن الْمَنْسُوخ شقّ على الصَّحَابَة وَأَنه يُحَرك الْأَمر فِي نفوسنا وَلَو سقطنا فِي السَّمَاء إِلَى الأَرْض لَكَانَ أَهْون علينا فَقَالَ ﵇ لَا تَقولُوا كَمَا قَالَت الْيَهُود سمعنَا وعصينا وَلَكِن قُولُوا سمعنَا وأطعنا فَلَمَّا علم الله تسليمهم أنزل النَّاسِخ وَفِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن الله تجَاوز عَن أمتِي مَا وسوست بِهِ نَفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعملوا بِهِ
فَائِدَة عِنْد كثير من الْعلمَاء أَن هَذِه الْآيَة غير مَنْسُوخَة وَوَجهه أَن النُّصُوص دَالَّة على الْمُؤَاخَذَة بعزم الْقلب مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ وَالْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْحَسَد وَالْكبر وَالْجمع بَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق والْحَدِيث الْقُدسِي وَهُوَ إِذا هم عَبدِي بسيئة فَلَا تكتبوها وَإِن عَملهَا فاكتبوها سَيِّئَة وَإِذا هم بحسنة وَلم يعملها فاكتبوها حَسَنَة وَإِن عَملهَا فاكتبوها عشرا أَنَّهُمَا محمولان على مُجَرّد الْحَظْر من غير توطين النَّفس عَلَيْهِ وَإِمَّا إِذا وَطن نَفسه على مَعْصِيّة مثلا فَإِن قطعه عَنْهَا قَاطع غير خوف الله فَهَذَا الْعَزْم سَيِّئَة وَإِن عَملهَا كتبت مَعْصِيّة ثَانِيَة وَإِن قطعه عَنْهَا خوف الله تَعَالَى كتبت لَهُ حَسَنَة
стр. 52
قلت فَظهر مِمَّا تقرر أَن الْآيَة مؤولة لَا مَنْسُوخَة وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة التَّحْقِيق وَهُوَ أحسن من قَول بعض الْمُفَسّرين فِي تَعْلِيله عدم النّسخ بِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ خبر والنسخ لَا يدْخل الْأَخْبَار إِذا هُوَ لَيْسَ بِخَبَر مَحْض بل خبر مَعْنَاهُ الامرأى ابدوا مَا فِي انفسكم اَوْ اخفوه يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله مثل تزرعون سبع سِنِين اي ازرعوا لَو سلمنَا انه خبر مَحْض فَلَيْسَ بدافع كَمَا علمت مِمَّا مر من كَلَام بعض الْمُحَقِّقين
لَكِن هُنَا إِشْكَال وَهُوَ أَن الصَّحَابِيّ نَص على أَنَّهَا مَنْسُوخَة فَكيف يُنكر عَلَيْهِ جَوَابه قد اخْتلف أَصْحَاب الْأُصُول فِي أَن قَول الصَّحَابِيّ هَل هُوَ حجَّة أم لَا والمحققون من الشَّافِعِيَّة وَمن وافقهم أَنه لَيْسَ بِحجَّة لاحْتِمَال أَن يكون قَوْله عَن اجْتِهَاد مَا لم يعزوه للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 53
سُورَة آل عمرَان
وَهِي مَدَنِيَّة وآياتها مِائَتَا آيَة وكلماتها ثَلَاث آلَاف وَخَمْسمِائة وَعشر وحروفها أَرْبَعَة عشر ألفا وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ
وفيهَا من الْمَنْسُوخ ثَلَاث آيَات
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ﴾ ٢٠
مَنْسُوخ بِآيَة السَّيْف
стр. 54
قلت وَيَنْبَغِي أَن يكون مثله قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن توَلّوا فَإِن الله لَا يحب الْكَافرين﴾ إِذْ جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف أَي فأعرضوا عَنْهُم
قَوْله تَعَالَى ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا أَن الرَّسُول حق وجاءهم الْبَينَات وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين أُولَئِكَ جزاؤهم أَن عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾
إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾
والآيات الثَّلَاث نزلت فِي رَهْط ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام مَنْسُوخَة بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاء نزل فِي حق من رَجَعَ مِنْهُم لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ الْحَارِث بن سُوَيْد فَصَارَ الحكم فِيهِ وَفِي غَيره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
стр. 55
قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ ١٠٢
وَلما نزلت قَالُوا يَا رَسُول الله فَمَا حق تُقَاته فَقَالَ ﵊ إِن يطاع فَلَا يعْصى وَيذكر فَلَا ينسى ويشكر فَلَا يكفر فَقَالُوا وَمن يُطيق ذَلِك فانزعجوا لنزولها انزعاجا عَظِيما ثمَّ نزلت بعْدهَا آيَة تؤكد حكمهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده﴾ فَكَانَت هَذِه عَلَيْهِم أعظم من الأولى وَمَعْنَاهَا اعْمَلُوا لله حق عمله وَهُوَ جِهَاد الْكفَّار أَو جِهَاد النَّفس والهوى وَهُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر وَلَا تخافوا فِي الله لومة لائم فَكَادَتْ عُقُولهمْ تذهل فَلَمَّا علم الله مَا نزل بهم يسر وخفف فنسخها بقوله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ فَكَانَ هَذَا يسرا من الْعسر وتخفيفا من التَّشْدِيد
стр. 56
سُورَة النِّسَاء
مَدَنِيَّة إِلَّا آيَتَيْنِ الآولى ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ نزلت على النَّبِي ﷺ فِي الطّواف فِي شَأْن مِفْتَاح الْكَعْبَة ليَرُدهُ إِلَى بني شيبَة
وَالثَّانيَِة ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ نزلت بِمَكَّة فِي سُؤال جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ
وآياتها مائَة وَسبع أَو سِتّ أَو خمس وَسَبْعُونَ آيَة
وكلماتها ثَلَاث آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ
وحروفها سِتَّة عشر ألفا وَثَلَاثُونَ
وفيهَا من الْمَنْسُوخ عشرُون آيَة
стр. 57
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين فارزقوهم مِنْهُ وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ ٨
اجْمَعْ الْمُفَسِّرُونَ على نسخهَا بِآيَة الْمِيرَاث وَاخْتلفُوا فِي تقريرها قَالَ مُجَاهِد كَأَن يَجْعَل لجَمِيع الْأَقَارِب فِي المَال حَظّ وَقَالَ آخَرُونَ كَانَت الْقِسْمَة لأولي الْقُرْبَى الْوَارِثين خَاصَّة وَأمرُوا أَن يَقُولُوا لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين قولا مَعْرُوفا وَأَن يرزقوهم مَا طابت بِهِ أنفسهم قَالَ الْحسن كَانُوا يُعْطون التابوت والأواني ورث الثِّيَاب وَالْمَتَاع الَّذِي يستحي من قسمته
стр. 58
قَوْله تَعَالَى ﴿وليخش الَّذين لَو تركُوا من خَلفهم ذُرِّيَّة ضعافا خَافُوا عَلَيْهِم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾ ٩
وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَمر الأوصياء بإمضاء الْوَصِيَّة لِئَلَّا يُغير مَا رسم الْوَصِيّ ثمَّ نسخ فِيهَا الْجور والحيف بقوله تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا أَو إِثْمًا فَأصْلح بَينهم فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾
стр. 59
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيرا﴾ ١٠
لما نزلت امْتَنعُوا من مخالطتهم وَالْأكل وَالشرب مَعَهم واعتزلوهم فَدخل الضَّرَر على الْأَيْتَام فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ الْآيَة فَرخص فِي المحالطة لَا فِي أكل أَمْوَالهم بالظلم ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ قلت وَالْمَعْرُوف عِنْد الإِمَام أَحْمد الْأَقَل من كِفَايَته وَأُجْرَة مثله وَعند بَعضهم الْمَعْرُوف الْقَرْض فَإِذا أيسر رده
стр. 60
قَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ١٥
كَانَت الْمَرْأَة إِذا زنت وَهِي مُحصنَة حبست فِي بَيت حَتَّى تَمُوت فنسخت الْحَبْس آيَة الْحُدُود وَقَالَ ﵊ خُذُوا عني جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الثّيّب بِالثَّيِّبِ الرَّجْم وَالْبكْر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَعند أبي حنفية التَّغْرِيب فِي حق الْبكر مَنْسُوخ وَأكْثر أهل الْعلم على ثُبُوته وَفعله أَبُو بكر وَعمر ﵄
وَقَوله تَعَالَى ﴿واللذان يأتيانها﴾ أَي الْفَاحِشَة ﴿فآذوهما﴾ وَكَانَ البكران إِذا زَنَيَا عيرًا وشتما لاغير فنسخ الله ذَلِك بقوله ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾
стр. 61
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة ثمَّ يتوبون من قريب فَأُولَئِك يَتُوب الله عَلَيْهِم وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ ١٧
أَجمعت الصَّحَابَة ﵃ أَن مَا عصي الله بِهِ فَهُوَ جَهَالَة عمدا كَانَ أَو جهلا وكل من عَصَاهُ فَهُوَ جَاهِل
وَقَوله ﴿ثمَّ يتوبون من قريب﴾ قبل الغرغرة هَذَا هُوَ الرَّاجِح لقَوْله ﵊ إِن الله يقبل تَوْبَة العَبْد مَا لم يُغَرْغر
وَفِي رِوَايَة مَا لم تَتَرَدَّد الرّوح فِي حلقه فَكَانَ خَبره تَعَالَى فِي هَذَا عَاما ثمَّ خصص بقوله تَعَالَى ﴿من قريب﴾ فَصَارَ نَاسِخا لبَعض حكمهَا فِي أهل الشّرك فَقَالَ ﴿وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ الْآيَة
قلت وَوجه النّسخ غير ظَاهر لِأَن معنى الْآيَة الأولى غير معَارض لِلْآيَةِ الثَّانِيَة وَهُوَ التَّوْبَة عِنْد حُضُور الْمَوْت والوقوع فِي النزع وَهَذَا لَا فرق فِيهِ بَين تَوْبَة الْكَافِر وَغَيره اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون التَّفْرِقَة طَريقَة لبَعْضهِم بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى
﴿فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا﴾ وبدليل قصَّة فِرْعَوْن وَهنا تَأمل وَهُوَ أَن الغرغرة تكَاد أَلا تنضبط فَلَو سمعنَا كَافِرًا نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْد الغرغرة فَالظَّاهِر أَنا نحكم بِإِسْلَامِهِ شرعا احتياطيا وَإِن كَانَ هَذَا لَا يَنْفَعهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
стр. 62
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ١٩
مَنْسُوخ بِالِاسْتِثْنَاءِ على مَا فِيهِ وَهُوَ ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ فَيُبَاح حِينَئِذٍ عضلهن وَيحل للزَّوْج خلعها بعوض
والفاحشة النُّشُوز أَو الزِّنَا
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قد سلف إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا وساء سَبِيلا﴾ ٢٢
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فَقيل هِيَ محكمَة
وَقيل اسْتثْنى الله مَا قد سلف من أفعالهم أَي مَا سلف قد عَفَوْت عَنهُ
قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ ٢٣
اسْتثْنى مِنْهُ أَيْضا مَا قد سلف
стр. 63
قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ ٢٤
وَهُوَ نِكَاح الْمُتْعَة وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ نزل فِي بعض أَسْفَاره فشكوا إِلَيْهِ الغربة فَقَالَ اسْتَمْتعُوا من هَذِه النِّسَاء وَكَانَ ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام فَقَط ثمَّ خطبهم ﵊ فَقَالَ أَلا وَإِنِّي قد كنت أحللت لكم هَذِه الْمُتْعَة أَلا وَأَنِّي قد حرمتهَا أَلا فليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب
وَعَن عَليّ ﵁ إِنَّه ﵊ نهى عَن مُتْعَة النِّسَاء يَوْم خَيْبَر وَعَن أكل لُحُوم الْحمر الإنسية وَذهب عَامَّة النَّاس إِلَى أَن نِكَاح الْمُتْعَة حرَام
وَالْآيَة مَنْسُوخَة إِلَّا عِنْد ابْن عَبَّاس وروى أَنه رَجَعَ عَن ذَلِك
وناسخها قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ وَأَجْمعُوا لِأَنَّهَا لَيست زَوْجَة وَلَا ملك يَمِين
стр. 64
أَي أصبتموهم فِي الْقِتَال بعقوبة حَتَّى غَنِمْتُم فَأتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا أَي أعطوهم من الْغَنَائِم الَّتِي صَارَت بِأَيْدِيكُمْ من أَمْوَال الْكفَّار بِقدر مَا أَنْفقُوا عَلَيْهِنَّ من الْمهْر ثمَّ نسخ ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿بَرَاءَة من الله وَرَسُوله﴾ إِلَى رَأس الْخمس آيَات
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ ٢٩
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَو صديقكم﴾
قلت وَهَذِه الْآيَة الناسخة مَنْسُوخَة كَمَا قَالَ بَعضهم بقوله ﵊ لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا بِطيب نَفسه وَهُوَ حجَّة الْحَنَابِلَة حَيْثُ قَالُوا يحرم على الشَّخْص أَن يَأْكُل من بَيت قَرِيبه أَو صديقه بِلَا إِذن صَرِيح أَو قرينَة
فَإِن قلت ثَبت بِهَذَا نسخ الْكتاب بِالسنةِ
قلت قَالَ بعض الْمُحَقِّقين النَّاسِخ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ فَهَذَا وَإِن كَانَ ظَاهرا أَنه المُرَاد لَكِن السّنة بيّنت مَا المُرَاد بِهِ فَليُحرر
стр. 65
قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ ٣٣
أَي حظهم من الْمِيرَاث وَكَانَ ذَلِك فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ثمَّ نسخ بقوله تَعَالَى ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾
فَائِدَة
ذكر أهل التَّفْسِير أَن الرجل كَانَ يعاقد الرجل فَيَقُول دمي دمك وأمري أَمرك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بِي وأطلب بك وتعقل عني واعقل عَنْك
قلت هَذَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة لَكِن بِشَرْط أَن يكون مَقْطُوع النّسَب أَحدهمَا لَكِن لَا يَرث مِمَّن لَهُ نسب ويسمون هَذَا وَلَاء الْمُوَالَاة وَذَلِكَ وَلَاء الْعتاق فعلى مَذْهَبهم الْآيَة غير مَنْسُوخَة وَهُوَ دَلِيل قوي قل من يتبنه لَهُ
стр. 66
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما﴾ ٦٤
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ فَقَالَ ﵇
لأزيدن على السّبْعين فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله﴾
قَوْله تَعَالَى ﴿فانفروا ثبات أَو انفروا جَمِيعًا﴾ ٧١
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ الْآيَة
стр. 67
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ ٨٠
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَعْرض عَنْهُم وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ ٨١
مَنْسُوخ بِآيَة السَّيْف
قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ ٩٠
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
قَوْله تَعَالَى ﴿سَتَجِدُونَ آخَرين يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ ٩١
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف وهم أَسد وغَطَفَان وَقيل بَنو عبد الدَّار كَانُوا يَقُولُونَ للْمُشْرِكين نَحن على دينكُمْ وللمسلمين نَحن على دينكُمْ يُرِيدُونَ بذلك الْأَمْن من الْفَرِيقَيْنِ
стр. 68
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله﴾ ٩٢
مَنْسُوخَة بقوله ﴿بَرَاءَة من الله﴾ الْآيَة
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ ٩٣
اجْمَعْ الْمُفَسِّرُونَ على نسخهَا وناسخها قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَوله فِي آخر سُورَة الْفرْقَان ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا﴾ الْآيَة
стр. 69
وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَنَّهَا محكمَة غير مَنْسُوخَة واحتجا بِأَن الْوَعيد تكاثف فِيهَا
وَالصَّوَاب مَذْهَب الْجُمْهُور وَالْآيَة نزلت فِي كل كَافِر قتل مُؤمنا أَو هُوَ وَعِيد لمن قتل مُؤمنا مستحلا لقَتله بِلَا سَبَب وَالْمرَاد وَمَات كَافِرًا أَو فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا إِن جازاه وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فعلى سَبِيل التَّشْدِيد لما روى عَنهُ أَنه قَالَ أَن لم يقتل الْقَاتِل يُقَال لَهُ لَا تَوْبَة لَك
стр. 70
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ ١٤٥
مَنْسُوخَة بِالِاسْتِثْنَاءِ بعْدهَا ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا واعتصموا﴾ الْآيَة
سُورَة الْمَائِدَة
مَدَنِيَّة إِلَّا آيَة ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَنزلت بِعَرَفَات وآياتها
مائَة وَثَلَاث أَو اثْنَتَانِ أَو عشرُون آيَة
وكلماتها أَلفَانِ وَثَمَانمِائَة وَأَرْبع
وحروفها أَرْبَعَة عشر ألفا وَتِسْعمِائَة وَثَلَاثُونَ
وفيهَا من الْمَنْسُوخ سبع آيَات
стр. 71
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحلوا شَعَائِر الله وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام يَبْتَغُونَ فضلا من رَبهم ورضوانا﴾
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
والشعائر مَنَاسِك الْحَج أَو الْهَدَايَا المشعورة
أَو المُرَاد مَا حرم الله أَو المُرَاد النَّهْي عَن الْقَتْل فِي الْحرم
قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ ١٣
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
стр. 72
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾
مَنْسُوخَة بِالِاسْتِثْنَاءِ بعْدهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ الْآيَة
قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ إِن الله يحب المقسطين﴾ ٤٢
مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم﴾ وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد وَعِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس فَيجب على
стр. 73
حَاكم الْمُسلمين الحكم بَينهم وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ لَا نسخ
وَالْحَاكِم مُخَيّر بَين الحكم وَعَدَمه هَذَا كُله إِذا تحاكم أهل الذِّمَّة مَعَ بَعضهم إِلَيْنَا فَأَما إِذا تحاكم إِلَيْنَا مُسلم وذمي فَيجب الحكم بَينهمَا إِجْمَاعًا
стр. 74
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ ٩٩
مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف
فَائِدَة
قَوْله ﴿ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ هَذَا خَاص بالنجاشي ووفده الَّذين أَسْلمُوا لما قدمُوا على النَّبِي ﷺ وهم اثْنَان وَثَلَاثُونَ أَو أَرْبَعُونَ أَو سَبْعُونَ أَو ثَمَانُون رجلا وَلَيْسَ المُرَاد كل النَّصَارَى لأَنهم فِي عداوتهم كاليهود
قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١٠٥
مَنْسُوخ أَولهَا بآخرها لِأَن الْهِدَايَة هُنَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
فَائِدَة
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لَيْسَ فِي كتاب الله آيَة جمعت النَّاسِخ والمنسوخ غير هَذِه الْآيَة قلت يرد عَلَيْهِ نَحْو آيَة الزواني وَسُئِلَ
стр. 75
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ مروا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر حَتَّى إِذا رَأَيْت شحا مُطَاعًا وَدُنْيا مُؤثرَة وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ فَعَلَيْك نَفسك ودع أَمر الْعَوام الحَدِيث
وَقَالَ مُجَاهِد وَابْن جُبَير هِيَ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَي لَا يضركم من ضل مِنْهُم فَخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة واتركوهم
قَالَ ابْن مَسْعُود مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر مَا قبل مِنْكُم فَإِن رد عَلَيْكُم فَعَلَيْكُم أَنفسكُم
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ ١٠٦
أَي من غير ملتكم ودينكم الْآيَة مَنْسُوخَة مَعَ اللَّتَيْنِ بعْدهَا عِنْد جمَاعَة بقوله تَعَالَى ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ فبطلت شَهَادَة أهل الذِّمَّة سفرا وحضرا
وَعند جمَاعَة هَذِه غير مَنْسُوخَة وَقَالُوا إِن لم يجد مُسلمين فليشهد كَافِرين
وَقلت وَهَذَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَابِلَة وَلَا تجوز شَهَادَة كَافِر على مُسلم إِلَّا فِي وَصيته سفرا
следующие страницы →