Полный текст (4 163 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(وَاعْمَلُوا) الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ كُلَّهَا.
(وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ) أَيْ إِنَّهَا أَكْثَرُ أَعْمَالِكُمْ أَجْرًا، فَلِذَا كَانَتْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ لِجَمْعِهَا الْعِبَادَاتِ كَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَإِمْسَاكٍ عَنْ كَلَامِ الْبَشَرِ وَالْمُفْطِرَاتِ، هِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ وَمُقَرِّبَتُهُ إِلَى اللَّهِ فَالْزَمُوهَا وَأَقِيمُوا حُدُودَهَا سِيَّمَا مُقَدِّمَتُهَا الَّتِي هِيَ شَطْرُ الْإِيمَانِ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ رَاسِخُ الْقَدَمِ فِي التَّقْوَى كَمَا قَالَ.
(وَلَا) وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَنْ (يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ) الظَّاهِرِيِّ وَالْبَاطِنِيِّ (إِلَّا مُؤْمِنٌ) كَامِلُ الْإِيمَانِ فَلَا يُدِيمُ فِعْلَهُ فِي الْمَكَارِهِ وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ، فَالظَّاهِرِيُّ ظَاهِرٌ وَالْبَاطِنِيُّ طَهَارَةُ السِّرِّ عَنِ الْأَغْيَارِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمُجَاهَدَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا تَارَةً غَالِبًا وَتَارَةً مَغْلُوبًا، أَيْ لَنْ تُطِيقُوا الِاسْتِقَامَةَ فِي تَطْهِيرِ سِرِّكُمْ، وَلَكِنْ جَاهِدُوا فِي تَطْهِيرِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَتَطْهِيرِ الْحَدَثِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَأَنْتُمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ بَيْنَ عَجْزِ الْبَشَرِيَّةِ وَبَيْنَ الِاسْتِظْهَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَتَكُونُونَ بَيْنَ رِعَايَةٍ وَإِهْمَالٍ وَتَقْصِيرٍ وَإِكْمَالٍ وَمُرَاقَبَةٍ وَإِغْفَالٍ، وَبَيْنَ جِدٍّ وَفُتُورٍ كَمَا أَنَّكُمْ بَيْنَ حَدَثٍ وَطَهُورٍ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الْوُضُوءِ وَتَجْدِيدِهِ إِنْ صَلَّى بِهِ لِأَنَّ تَجْدِيدَهُ مِنَ الْمُحَافَظَةِ الْكَامِلَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : " «اسْتَقِيمُوا وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ.
стр. 177
[بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ
٦٩ - ٦٧ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ) قَالَ عِيسَى: أَيْ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ مِنْ كِلْتَا يَدَيْهِ وَيَمُرُّ سَبَّابَتَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا الْيُسْرَى مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ، قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ مِنَ الْفِعْلِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ يُمْسَحُ بِالسَّبَّابَةِ وَظَاهِرَهُمَا بِالْإِبْهَامِ.
стр. 178
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يُمْسَحَ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٦٩ - ٦٨ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ﵄ سُئِلَ عَنِ
стр. 179
الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ: لَا حَتَّى يُمْسَحَ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٦) وَالْمَاسِحُ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَمْسَحْ بِرَأْسِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ» مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَبِلَالٍ وَالْمُغِيرَةِ وَأَنَسٍ وَكُلُّهَا مَعْلُومَةٌ.
وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَمْرٍو وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ إِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَأَجَازَ الْمَسْحَ عَلَيْهَا أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ لِلْآثَارِ وَقِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْآثَارِ لَا مِنَ الْقِيَاسِ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُ لِجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَرَضَ اللَّهُ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَحَدِيثُ مَسْحِ الْعِمَامَةِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْخُفِّ بَعِيدٌ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ بِخِلَافِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَنْفِي الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَسْحِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ الْمُشْتَرِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ: قَبَّلْتُ رَأْسَ فُلَانٍ يَصْدُقُ وَلَوْ عَلَى حَائِلٍ، وَبِأَنَّ الْمُجِيزِينَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ شَرَطُوا فِيهِ مَشَقَّةَ نَزْعِهَا كَالْخُفِّ، وَرُدَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِخِلَافِهِ، وَالنُّصُوصُ وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلًا وَأَمْرًا بِمَسْحِ الرَّأْسِ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ مَسْحِ الْعِمَامَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ بِدَلِيلِ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ مَعَهَا كَمَا فِي مُسْلِمٍ.
стр. 180
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧١ - ٦٩ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ) إِذَا تَوَضَّأَ.
стр. 181
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا بِالْمَاءِ وَنَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلْيَمْسَحَا عَلَى رُءُوسِهِمَا وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ قَالَ أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٢ - ٧٠ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ) ابْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةَ (امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) تَزَوَّجَهَا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَأَصْدَقَهَا عُمَرُ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَزَادَ هُوَ سِرًّا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ وَاقِدًا وَأَبَا بَكْرٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَعُمَرَ وَحَفْصَةَ وَسَوْدَةَ.
قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: أَدْرَكَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ وَأَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَذَكَرَهَا الْعِجْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَجَمَعَ فِي الْإِصَابَةِ بِأَنَّهَا وَلَدَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُوهَا صَحَابِيٌّ فَيُحْمَلُ
стр. 182
نَفْيُ الْإِدْرَاكِ عَلَى إِدْرَاكِ السَّمَاعِ فَكَأَنَّهَا لَمْ تُمَيِّزْ إِلَّا بَعْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَدْ حَدَّثَتْ عَنْ عُمَرَ وَحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَنْهَا سَالِمُ بْنُ زَوْجِهَا وَنَافِعٌ مَوْلَاهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَأَسَنَّتْ فَكَانَتْ تَطُوفُ عَلَى رَاحِلَةٍ (تَنْزِعُ خِمَارَهَا) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَا تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا (وَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا بِالْمَاءِ وَنَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ) لَمْ يَبْلُغْ فَلِذَا رَآهَا وَفِيهِ قَبُولُ رِوَايَةِ الصَّغِيرِ إِذَا رَوَاهَا كَبِيرًا، وَكَذَا الْكَافِرُ إِذَا رَوَى بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ) لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي) أَيْ لَا يَجُوزُ (أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ) وَلَا يَكْفِي إِنْ وَقَعَ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: (وَلِيَمْسَحَا عَلَى رُءُوسِهِمَا) بِالْجَمْعِ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ نَحْوَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (سُورَةُ التَّحْرِيمِ: الْآيَةُ ٤) .
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى جَفَّ وُضُوؤُهُ قَالَ أَرَى) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ) وَحْدَهُ وَيَصِحُّ وَضَوْءُهُ لِأَنَّ الْفَوْرَ إِنَّمَا يَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ لَا مَعَ النِّسْيَانِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: فَإِنْ ذَكَرَهُ بِحَضْرَةِ الْوُضُوءِ أَوْ قُرْبَهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي الطَّهَارَةِ.
(وَإِنْ كَانَ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ) بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ وُجُوبًا لِتَرْكِهِ فَرْضًا مِنَ الْوُضُوءِ.
стр. 183
[بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنْهُمْ إِنْكَارَهُ رَوَى إِثْبَاتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَهُ إِلَّا مَالِكًا فِي رِوَايَةٍ أَنْكَرَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ وَمُوَطَّأُهُ يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَعَلَيْهَا جَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رِوَايَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَظَاهِرُهَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْحِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: آخِرُ مَا فَارَقْتُ مَالِكًا عَلَى الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ.
وَقَالَ ابْنُ أَصْبَغَ: الْمَسْحُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فِي الْحَضَرِ أَثْبَتُ عِنْدَنَا مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ مَالِكًا عَلَى خِلَافِهِ يَعْنِي فِي
стр. 184
الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ جَوَازُهُ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ وَهِيَ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ وَبِهَا جَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْمَشْهُورُ الْإِطْلَاقُ، وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُتَوَاتِرٌ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ رُوَاتَهُ فَجَاوَزُوا الثَّمَانِينَ مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهِ إِلَّا أَنَّ قَوْمًا ابْتَدَعُوا كَالْخَوَارِجِ فَقَالُوا: لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْآنُ، وَالشِّيعَةِ لِأَنَّ عَلِيًّا امْتَنَعَ مِنْهُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ يُثْبَتُ بِمِثْلِهِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَتَوَاتَرَ الْمَسْحُ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَا يَرَى مَسْحَ الْخُفَّيْنِ.
стр. 185
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيْ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَحْسَنْتُمْ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٣ - ٧١ - (مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ عَبَّادٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ زِيَادٍ) أَخِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَبِيهِ وَيُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ يُكَنَّى عَبَّادٌ أَبَا حَرْبٍ وَكَانَ وَالِيَ سِجِسْتَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وَهُمْ مِنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: وَانْفَرَدَ يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ بِوَهْمٍ ثَانٍ فَقَالَا: (عَنْ أَبِيهِ) وَلَمْ يَقُلْهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ، فَعَبَّادٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْمُغَيَّرَةِ وَلَا رَآهُ وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبَّادٍ عَنْ عُرْوَةَ وَحَمْزَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِمَا، وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ دُونَ حَمْزَةَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَوَهَمَ مَالِكٌ فِي إِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ عَبَّادٌ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ.
وَالثَّانِي إِسْقَاطُهُ عُرْوَةَ وَحَمْزَةَ.
قَالَ: وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ، فَإِنْ كَانَ رَوْحٌ حَفِظَهُ عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ أَتَى بِالصَّوَابِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَذْكُرْ عَبَّادًا، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ عَبَّادًا وَعُرْوَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ) أَيْ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَفِي مُسْلِمٍ: " فَتَبَرَّزَ ﷺ قَبْلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ " وَلِابْنِ سَعْدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ: " «لَمَّا كُنَّا بَيْنَ الْحَجَرِ وَتَبُوكَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَتَبِعْتُهُ بِمَاءٍ بَعْدَ الْفَجْرِ» " وَيَجْمَعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) آخِرِ مَغَازِيهِ ﷺ بِنَفْسِهِ بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ أَخَذَهَا لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِهِ كَوْنُهُ عَلَى مِثَالِ الْفِعْلِ كَتَقُولُ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَرْحَلَةً وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ
стр. 186
إِحْدَى عَشْرَةَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا عَيْنَ تَبُوكَ» " فَمُقْتَضَاهُ قِدَمُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ وَقَدْ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَبُوكُونَ عَيْنَ الْمَاءِ أَيْ يُدْخِلُونَ فِيهَا الْقَدَحَ وَيُحَرِّكُونَهُ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ: " مَا زِلْتُمْ تَبُوكُونَهَا بَوْكًا " (قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ) فِي إِدَاوَةٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَوَضَّأَ» " وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: " «أَنَّ الْمَاءَ أَخَذَهُ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَعْرَابِيَّةٍ صَبَّتْهُ لَهُ مِنْ قِرْبَةٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَقَالَ لَهُ ﷺ : " سَلْهَا فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُورُهَا "، فَقَالَتْ: أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ دَبَغْتُهَا» " وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَوِ امْرَأَةً سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا لِقَبُولِ خَبَرِ الْأَعْرَابِيَّةِ.
( «فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ» ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ فَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَيَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوِيٍّ فَغَسَلَهُمَا فَأَحْسَنَ غَسْلِهِمَا وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَفِي مُسْلِمٍ «فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ» .
(ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ) بِضَمِّ الْكَافِ (جُبَّتِهِ) وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنَ الثِّيَابِ مُشَمِّرًا، قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ، وَلِلْبُخَارِيِّ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَفِيهِ أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ الشَّامَ إِذْ ذَاكَ كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَمَأْكُولُهَا كُلُّهَا الْمَيْتَاتُ كَذَا قَالَ.
(فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ) إِخْرَاجَ يَدَيْهِ وَفِيهِ التَّشْمِيرُ فِي السَّفَرِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ فِيهِ لِأَنَّهَا أَعْوَنُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْغَزْوِ لِلتَّشْمِيرِ وَالتَّأَسِّي بِهِ ﷺ وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي فِي الْحَضَرِ.
(فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ) زَادَ مُسْلِمٌ: وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ.
(فَغَسَلَ يَدَيْهِ) وَلِأَحْمَدَ: «فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
(وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ» ، وَفِيهِ وُجُوبُ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَكَأَنَّهُ لِعُذْرٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا بَقِيَ.
(وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) مَحِلُّ الشَّاهِدِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَهَا بِاتِّفَاقٍ إِذْ هِيَ آخِرُ الْمَغَازِي، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصٌّ بِالْوُضُوءِ لَا مَدْخَلَ لِلْغُسْلِ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ.
( «فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 187
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ» ) وَفِي مُسْلِمٍ قَالَ - أَيِ الْمُغِيرَةُ - «فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ» وَلِابْنِ سَعْدٍ «فَأَسْفَرَ النَّاسُ بِصَلَاتِهِمْ حَتَّى خَافُوا الشَّمْسَ فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ» .
(وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً) مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ، وَزَادَ أَحْمَدُ قَالَ الْمُغِيرَةُ «فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ دَعْهُ» .
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: «فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَةً فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَادُوا يُفْتَتَنُونَ فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَنْكُصَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ أَنِ اثْبُتْ» .
(فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ) لَفْظُ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَامَ ﷺ فِي صَلَاتِهِ فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ» لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: " أَصَبْتُمْ " أَوْ " أَحْسَنْتُمْ ".
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: فَصَلَّيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكْنَا وَقَضَيْنَا الَّتِي سَبَقَتْنَا «فَقَالَ ﷺ حِينَ صَلَّى خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " مَا قُبِضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُصَلِّيَ خَلْفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَّتِهِ» ".
(فَفَزِعَ النَّاسُ) لِسَبْقِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ رَجَاءَ أَنْ يُشِيرَ لَهُمْ هَلْ يُعِيدُونَهَا مَعَهُ أَمْ لَا لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا مِنْ أَوَّلِهَا وَأَنَّ قِيَامَهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: «بِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ فَسَبَّحُوا حَتَّى كَادُوا يُفْتَتَنُوا» .
(فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: أَحْسَنْتُمْ) إِذْ جَمَعْتُمُ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُسَكِّنَ مَا بِهِمْ مِنَ الْفَزَعِ، قَالَهُ الْأَصِيلِيُّ، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ يَغْبِطُهُمْ: أَنْ صَلَّوْا لِوَقْتِهَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْغِبْطَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُغْبَطُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ قَدْ غَبِطَهُمْ لِتَقَدُّمِهِمْ وَسَبْقِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي قَوْلِهِ أَحْسَنْتُمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي شُكْرُ مَنْ بَادَرَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَعَمِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَفُضِّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذْ قَدَّمَهُ الصَّحَابَةُ بَدَلًا عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، وَفِيهِ اقْتِدَاءُ الْفَاضِلِ بِالْمَفْضُولِ، وَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ خَلْفَ بَعْضِ أُمَّتِهِ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا: " «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ» " وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَّا بَقَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ فَالْفَرْقُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَةً فَتَرَكَ ﷺ التَّقَدُّمَ لِئَلَّا يَخْتَلَّ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْقَوْمِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ فَلَا اخْتِلَالَ فِيهَا لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا هُوَ الْمُصْطَفَى وَأَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَ يُسْمِعُ النَّاسَ، وَفَرَّقَ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ حُكْمَ قَضَاءِ الْمَسْبُوقِ بِفِعْلِهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ نَعَمْ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَا: " «آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» " وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: " «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ
стр. 188
فِيهِ قَاعِدًا» " وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْهَا: " «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّفِّ خَلْفَهُ» " وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ أَذِنَ أَيِ النَّبِيُّ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ» " فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ فَكَانَ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا وَيُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ» " وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهُ صَلَّى فِي مَرَضِهِ صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا مَأْمُومًا وَفِي الْأُخْرَى إِمَامًا، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ خَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تُرِيدُ بِأَحَدِهِمَا الْعَبَّاسُ وَالْآخَرِ عَلِيًّا، وَفِي خَبَرِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا خَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَنُوبَةَ يَعْنِي بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، وَكَذَا جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ مَأْمُومًا صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالَّتِي صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا، وَكَذَا جَمَعَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إِنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ بِلَا شَكٍّ إِحْدَاهُمَا الَّتِي رَوَاهَا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْهَا وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِفَتُهَا أَنَّهُ ﷺ «أَمَّ النَّاسَ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ» .
وَالثَّانِيَةُ الَّتِي رَوَاهَا مَسْرُوقٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ صِفَتُهَا: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ» ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، قَالَ: وَلَيْسَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الدَّهْرِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى التَّعَارُضِ بَلْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسٌ وَمُدَّةُ مَرَضِهِ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا فِيهِ سِتُّونَ صَلَاةً أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ اه.
فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَوْفٍ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عِيَاضٍ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا لِعُذْرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ شَافِعًا لَهُ، وَقَدْ قَالَ: «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» ، وَلِذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
وَحَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْأُنْمُوذَجِ وَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّهُ ابْتِدَاءً وَلَوْ لِعُذْرٍ، أَمَّا إِذَا أَمَّ غَيْرُهُ فَجَاءَ وَأَبْقَاهُ ﷺ فَيَجُوزُ بِدَلِيلِ قِصَّتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَمَّا الصِّدِّيقُ فَإِنَّمَا أَمَّ غَيْرُهُ لِغِيبَتِهِ لِمَرَضِهِ وَاسْتِخْلَافِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْإِمَامَةِ.
وَأَمَّا ابْنُ عَوْفٍ فَإِنَّمَا أَمَّ لِغِيبَتِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ بِتَقْدِيمِ النَّاسِ لَهُ حِينَ خَافُوا طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلِهَذَا لَمَّا أَتَى ﷺ هَمَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْكُصَ حَتَّى أَشَارَ لَهُ أَنِ اثْبُتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ حَدِيثُ الْبَابِ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ
стр. 189
الْوَهْمَانِ السَّابِقَانِ، وَقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ طُرُقٍ وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، ذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سِتُّونَ رَجُلًا.
стр. 190
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُهَا فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ فَقَالَ أَسَأَلْتَ أَبَاكَ فَقَالَ لَا فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنْ الْغَائِطِ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنْ الْغَائِطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٤ - ٧٢ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَالِكٌ وَشُعْبَةُ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
(أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) أَيْ مَالِكًا (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مَالِكٌ الزُّهْرِيُّ (وَهُوَ أَمِيرُهَا) مِنْ قِبَلِ عُمَرَ.
(فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْهُ مَعَ قِدَمِ صُحْبَتِهِ وَكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ، إِذْ قَدْ يَخْفَى عَلَى قَدِيمِ الصُّحْبَةِ مِنَ الْأُمُورِ الْجَلِيَّةِ فِي الشَّرْعِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَمَّا السَّفَرُ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْلَمُهُ وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: " «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالْمَاءِ فِي السَّفَرِ» " (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ) الْمَدِينَةَ (فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ سَعْدُ فَقَالَ) لِابْنِ عُمَرَ لِإِزَالَةِ إِنْكَارِهِ وَإِفَادَتِهِ الْحُكْمَ (أَسَأَلْتَ أَبَاكَ؟ فَقَالَ: لَا) وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا عِنْدَ عُمَرَ قَالَ لِي سَعْدٌ: سَلْ أَبَاكَ (فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ) وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ نَمْسَحُ عَلَى خِفَافِنَا» لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
(فَقَالَ عُمَرُ: إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) طَهَارَةً كَامِلَةً مَائِيَّةً (فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنَ الْغَائِطِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ سَعْدٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» ، «وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ» .
وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: «إِذَا
стр. 191
حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَبْغِ وَرَاءَ حَدِيثِهِ شَيْئًا» أَيْ لِقُوَّةِ الْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَفِيهِ تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ مِنْ عُمَرَ لِسَعْدٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّرْجِيحِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي الرَّاوِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْقَرَائِنِ الَّتِي إِذَا حَفَّتْ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَامَتْ مَقَامَ الْأَشْخَاصِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَقَدْ يُفِيدُ الْعِلْمُ عِنْدَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنَ التَّوَقُّفِ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ وُقُوعِ رِيبَةٍ لَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الْعَدَالَةِ وَدُخُولِ التَّرْجِيحِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَيُمْكِنُ إِبْدَاءُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ.
стр. 192
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ فِي السُّوقِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٥ - ٧٣ - (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ فِي السُّوقِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهَ ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) النَّبَوِيَّ (فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ (ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا) قَالَ أَبُو عُمَرَ: تَأْخِيرُهُ مَسْحَ خُفَّيْهِ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَسِيَ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ كَانَ بِرِجْلَيْهِ عِلَّةٌ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْجُلُوسُ فِي السُّوقِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَجَلَسَ وَمَسَحَ وَالْمَسْجِدُ قَرِيبٌ مِنَ السُّوقِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَسِيَ وَأَنَّهُ اعْتَقَدَ جَوَازَ تَفْرِيقِ الطَّهَارَةِ وَأَنَّهُ لِعَجْزِ الْمَاءِ عَنِ الْكِفَايَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَأْخِيرِ الْمَسْحِ.
стр. 193
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قُبَا فَبَالَ ثُمَّ أُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَالَ ثُمَّ نَزَعَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي رِجْلَيْهِ أَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فَقَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ وَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ فَسَهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَفَّ وَضُوءُهُ وَصَلَّى قَالَ لِيَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ فَقَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٦ - ٧٤ - (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ الْأَشْعَرِيِّ الْأَسَدِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةُ التَّابِعِينَ.
(أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قُبَا) بِضَمِّ الْقَافِ (فَبَالَ ثُمَّ أُتِيَ بِوَضُوءٍ) بِالْفَتْحِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ.
(فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى) وَالْقَصْدُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ كَانَ مَنْسُوخًا كَمَا زَعَمَ الْخَوَارِجُ مَا عَمِلُوا بِهِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ
стр. 194
نَسَخَهُ مَرْدُودٌ بِمَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
وَفِي لَفْظٍ: «أَنَّ جَرِيرًا قَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ» ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَقِيلَ أَوَّلُ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ.
(قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَضَوْءَ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَالَ ثُمَّ نَزَعَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي رِجْلَيْهِ أَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ وَلِيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا بَطُلَ بِنَزْعِهِمَا.
(وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ) كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» " وَلِأَبِي دَاوُدَ: " «فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» " فَمَفْهُومُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ: (فَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَعَلَ الطَّهَارَةَ قَبْلَ لُبْسِهِمَا شَرْطًا لِجَوَازِ الْمَسْحِ.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ فَسَهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَفَّ وَضَوْءُهُ وَصَلَّى قَالَ: لِيَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ) وُجُوبًا لِأَنَّهُ صَلَّاهَا بِوُضُوءٍ نَاقِصٍ.
(وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّ الْفَوْرَ وَالْمُوَالَاةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ، وَالسُّؤَالُ أَنَّهُ مِنْهَا.
(وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ غَسَلَ قَدَمَيْهِ) أَيْ رِجْلَيْهِ (ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ فَقَالَ: لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ وَلْيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ.
стр. 195
[بَاب الْعَمَلِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ وَكَانَ لَا يَزِيدُ إِذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى أَنْ يَمْسَحَ ظُهُورَهُمَا وَلَا يَمْسَحُ بُطُونَهُمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٩ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
أَيْ صِفَتِهِ وَمَا يُجْزَى مِنْهُ.
٧٧ - ٧٥ - (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ) هِشَامٌ: (وَكَانَ) عُرْوَةُ (لَا يَزِيدُ إِذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى أَنْ يَمْسَحَ ظُهُورَهُمَا وَلَا يَمْسَحَ بُطُونَهُمَا) لِأَنَّ ظَهْرَ الْخُفِّ مَحَلٌّ لِوُجُوبِ الْمَسْحِ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ اسْتِيعَابِهِمَا فَإِنْ مَسَحَ أَعْلَاهُ دُونَ أَسْفَلِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَعَكْسُهُ يُعِيدُ أَبَدًا.
«قَالَ عَلِيٌّ ﵁: " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» ".
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَهْرَيِ الْخُفَّيْنِ» ".
стр. 196
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَيْفَ هُوَ فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابٍ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ وَالْأُخْرَى فَوْقَهُ ثُمَّ أَمَرَّهُمَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٨ - ٧٦ - (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَيْفَ هُوَ؟) أَيْ كَيْفَ صِفَتُهُ الْمُسْتَحَبَّةُ؟ (فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابٍ إِحْدَى يَدَيْهِ) أَيِ الْيُسْرَى تَحْتَ الْخُفِّ لِلرِّجْلِ الْيُمْنَى (وَالْأُخْرَى) أَيِ الْيَدِ الْيُمْنَى (فَوْقَهُ ثُمَّ أَمَرَّهُمَا) عَلَى جَمِيعِ الْخُفِّ حَتَّى اسْتَوْعَبَهُ، وَاخْتَلَفُوا هَلِ الرِّجْلُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ أَوْ يَجْعَلُ الْيَدَ الْيُسْرَى فَوْقَهَا؟ (قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ) أَيْ فِعْلُهُ الْمَذْكُورُ (أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) وَكَيْفَ مَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ إِذَا أَوْعَبَ.
стр. 197
[بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّعَافِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٧٩ - ٧٧
стр. 198
١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّعَافِ
مَصْدَرُ رَعَفَ، قَالَ الْمَجْدُ: كَنَصَرَ وَمَنَعَ وَكَرُمَ وَعَنِيَ وَسَمِعَ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ الدَّمُ رَعْفًا وَرُعَافًا كَغُرَابٍ، وَالرُّعَافُ أَيْضًا الدَّمُ بِعَيْنِهِ، وَيَقَعُ فِي نُسَخٍ سَقِيمَةٍ وَالْقَيْءُ وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ الْمَقْرُوءَةِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهَا أَنَّهُ تُرْجِمَ لِشَيْءٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَانَ أَصْلُهَا هَامِشٌ فَأَدْخَلَهُ النَّاسِخُ جَهْلًا.
- (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا (انْصَرَفَ) مِنْ صَلَاتِهِ (فَتَوَضَّأَ) أَيْ غَسَلَ الدَّمَ (ثُمَّ رَجَعَ) إِلَى مُصَلَّاهُ (فَبَنَى) عَلَى مَا صَلَّى (وَلَمْ يَتَكَلَّمْ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ إِذْ لَوْ تَكَلَّمَ بِلَا عُذْرٍ بَطَلَتْ.
стр. 199
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَلَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٠ - ٧٨ - (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرْعُفُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا.
(فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ) عَنْهُ (ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَلَّى) لِأَنَّ وُضُوءَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مُنَافٍ وَالرُّعَافُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ.
стр. 200
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨١ - ٧٩ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ) بِتَحْتِيَّةٍ قَبْلَ الزَّايِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ) بِقَافٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ابْنِ أُسَامَةَ (اللِّيثِيِّ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمْعٍ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا وَرَوَى لَهُ الْجَمِيعُ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً.
(أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مَوْضِعٍ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيَقِلَّ الْمَشْيُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (فَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (بِوَضُوءٍ)
стр. 201
بِالْفَتْحِ مَاءُ الْوُضُوءِ (فَتَوَضَّأَ) أَيْ غَسَلَ الدَّمَ (ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى) فَأَفَادَ فِعْلُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ لِغَسْلِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَانٍ يَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى وَلِلْمَسْأَلَةِ قُيُودٌ فِي الْفُرُوعِ.
стр. 202
[بَاب الْعَمَلِ فِي الرُّعَافِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ مِنْ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٢ - ٨٠ ١١ - بَابُ الْعَمَلِ فِي الرُّعَافِ
وَهُوَ كَثِيرٌ فَيَخْرُجُ إِلَى غَسْلِهِ، وَقَلِيلٌ فَيَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ حَتَّى يَجِفَّ وَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَاخْتِضَابُ الْأَنَامِلِ الْعُلْيَا قَلِيلٌ، وَالْكَثِيرُ أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ١٤٥) فَيَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَلْيَسْتَأْنِفْهَا بَعْدَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
- (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ) بْنِ عَمْرِو بْنِ سَنَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَثْقِيلِ النُّونِ (الْأَسْلَمِيِّ) أَبِي حَرْمَلَةَ الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
(أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) لِأَنَّ وُضُوءَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ.
стр. 203
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ ثُمَّ يَفْتِلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٣ - ٨١ - (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ لِأَنَّهُ سَقَطَ فَانْكَسَرَ فَجُبِّرَ وَاسْمُهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ ثُمَّ يَفْتِلُهُ) بِكَسْرِ التَّاءِ يُحَرِّكُهُ (ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) لِبَقَاءِ وُضُوئِهِ.
وَفِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُجَبَّرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي أَنْفِهِ أَوْ أُصْبُعَيْهِ ثُمَّ يُخْرِجُهَا وَفِيهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ فَيَفْتِلُهُ وَيَنْفُضُهُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ.
стр. 204
[بَاب الْعَمَلِ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٤ - ٨٢
стр. 205
١٢ - بَابُ الْعَمَلِ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ
- (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمِسْوَرَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ثُمَّ رَاءٍ (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ابْنُ نَوْفَلِ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ الزُّهْرِيُّ لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ.
(أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا) مِنْ أَبِي لُؤْلُؤَةَ فَيْرُوزَ النَّصْرَانِيِّ عَبْدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الصُّبْحَ مِنَ اللَّيْلِ لِأَنَّ عُمَرَ طُعِنَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَوَى عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ النَّهَارَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ) قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ احْتَمَلْتُهُ أَنَا وَنَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى أَدْخَلْنَاهُ مَنْزِلَهُ فَلَمْ يَزَلْ فِي غَشْيَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى أَسْفَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّكُمْ لَنْ تُفْزِعُوهُ بِشَيْءٍ إِلَّا بِالصَّلَاةِ، قَالَ فَقُلْنَا الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَسَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ (فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ اسْتَيْقَظَ وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ نِعْمَ مَا أَيْقَظْتَنِي إِلَيْهِ، (وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ) مُكَذِّبًا بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ لَا يَنْتَفِعُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ أَوْ أَرَادَ لَا يُحْقَنُ دَمُهُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَا كَبِيرَ حَظٍّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ كَخَبَرٍ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ، «وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» «وَلَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ» ، وَهُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى تَرْكِ عَمَلِ الصَّلَاةِ لَا عَلَى جُحُودِهَا.
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنْ كُفْرٍ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا وَهُوَ مَذْهَبُ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَمَالَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَرْغِيبِهِ.
(فَصَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا) بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ يَجْرِي، وَقَالَ فِي الْعَيْنِ: أَيْ يَتَفَجَّرُ.
стр. 206
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ مَا تَرَوْنَ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ رُعَافٍ فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَرَى أَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ إِيمَاءً قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٥ - ٨٣
стр. 207
- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ رُعَافٍ فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ) وَهُوَ يُصَلِّي (قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيُّ (ثُمَّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَرَى أَنْ يُومِي بِرَأْسِهِ إِيمَاءً) مَخَافَةَ تَلْوِيثِ ثِيَابِهِ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَتَنْجِيسِ مَوْضِعِ سُجُودِهِ.
(قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ) ; لِأَنَّ الْإِيمَاءَ إِذَا جَازَ لِمَنْ فِي الطِّينِ فَمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ أَوْلَى، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إِيمَاءِ مَنْ غَلَبَهُ الرُّعَافُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي إِيمَاءِ الطِّينِ، وَفِيهِ سُؤَالُ الْعَالِمِ وَطَرْحُهُ عَلَى تَلَامِيذِهِ وَجُلَسَائِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ» " الْحَدِيثَ.
стр. 208
[بَاب الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ قَالَ الْمِقْدَادُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٦ - ٨٤ ١٣ - بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ
بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ ثُمَّ الْكَسْرُ مَعَ التَّخْفِيفِ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ أَوْ إِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحَسُّ بِخُرُوجِهِ.
- (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ سَالِمُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ وَكَانَ يُرْسِلُ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ اللَّيْثُ وَالسُّفْيَانَانِ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
(مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ابْنِ مَعْمَرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ التَّيْمِيِّ، كَانَ أَحَدَ وُجُوِهِ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافِهَا، جَوَادًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا لَهُ فِي الْجُودِ وَالشَّجَاعَةِ أَخْبَارٌ شَهِيرَةٌ، مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَجَدُّهُ مَعْمَرٌ صَحَابِيٌّ ابْنُ عَمِّ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدُ
стр. 209
الصِّدِّيقِ.
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) الْهِلَالِيِّ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى مَيْمُونَةَ وَقِيلَ أُمِّ سَلَمَةَ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا وَصُلَحَائِهَا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ مِائَةٍ وَقِيلَ قَبْلَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
(عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ) بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيِّ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَعُرِفَ بِهِ، وَهُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبَهْرَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ، قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ ثُمَّ الْكِنْدِيُّ حَالَفَ أَبُوهُ كِنْدَةَ ثُمَّ الزُّهْرِيُّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ مِنَ السَّابِقِينَ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَكَانَ فَارِسًا يَوْمَ بَدْرٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ شَهِدَهَا فَارِسٌ غَيْرُهُ، رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ اتِّفَاقًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً وَفِي، الْإِسْنَادِ انْقِطَاعٌ سَقَطَ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعِ الْمِقْدَادَ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ مَوْتِ الْمِقْدَادِ بِسَنَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا) قَرُبَ (مِنْ أَهْلِهِ) حَلِيلَتِهِ (فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ، مَاذَا عَلَيْهِ؟) وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ سَبَبَ السُّؤَالِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ: فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ.
وَلِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ.
وَلِابْنِ حِبَّانَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: سَأَلْتُ، وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثُمَّ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا آخِرَهُ لِأَنَّهُ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ: (قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ) وَلِلْبُخَارِيِّ: فَاسْتَحَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ.
قَالَ الْحَافِظُ: فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَمَرَ كُلًّا مِنَ الْمِقْدَادِ وَعَمَّارٍ بِالسُّؤَالِ، مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَابِسِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: تَذَاكَرَ عَلِيٌّ وَالْمِقْدَادُ وَعَمَّارٌ الْمَذْيَ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّنِي رَجُلٌ مَذَّاءٌ فَاسْأَلَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ.
وَصَحَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّ الْمِقْدَادَ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ وَعَلَيْهِ فَنِسْبَتُهُ إِلَى عَمَّارٍ مَجَازٌ أَيْضًا لِكَوْنِهِ قَصَدَهُ لَكِنْ تَوَلَّى الْمِقْدَادُ السُّؤَالَ دُونَ عَمَّارٍ.
(قَالَ الْمِقْدَادُ: «فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْضَحْ» ) كَذَا لِيَحْيَى، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ بُكَيْرٍ
стр. 210
فَلْيَغْسِلْ، وَالنَّضْحُ لُغَةً: الرَّشُّ وَالْغَسْلُ، فَرِوَايَةُ يَحْيَى مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُهَا رِوَايَةُ غَيْرِهِ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ أَيْ يَغْسِلُ (فَرْجَهُ بِالْمَاءِ) أَيْ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ دُونَ الْأَحْجَارِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ تَعَيُّنُ الْغَسْلِ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِهِ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْمَذْيِ عَلَى كَثْرَتِهَا ذِكْرُ الِاسْتِجْمَارِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَ فِي بَاقِي كُتُبِهِ جَوَازَ الْأَحْجَارِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْبَوْلِ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ بِالْمَاءِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَفِيهِ أَيْضًا وُجُوبُ غَسْلِهِ كُلِّهِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ لَا مَحَلَّ الْمَخْرَجِ فَقَطْ كَالْبَوْلِ، وَقَدْ رَدَّ الْبَاجِيُّ إِلْحَاقَهُ بِالْبَوْلِ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الذَّكَرِ بِلَذَّةٍ فَوَجَبَ بِهِ غَسْلٌ يَزِيدُ عَلَى مَا يَجِبُ بِالْبَوْلِ كَالْمَنِيِّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يَرِدُ النَّضْحُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ وَالْإِزَالَةِ وَأَصْلُهُ الرَّشْحُ وَيُطْلَقُ عَلَى الرَّشِّ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِكَسْرِ الضَّادِ، وَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ مَجَالِسِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا حَيَّانَ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ فَقَالَ لَهُ السَّرَّاجُ الدَّمَنْهُورِيُّ: ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالْكَسْرِ فَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: حَقُّ النَّوَوِيِّ أَنْ يَسْتَفِيدَ هَذَا مِنِّي وَمَا قُلْتُهُ هُوَ الْقِيَاسُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ يَشْهَدُ لِلنَّوَوِيِّ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْجَامِعِ أَنَّ الْكَسْرَ لُغَةً وَأَنَّ الْأَفْصَحَ الْفَتْحُ.
(وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أَيْ كَمَا يَتَوَضَّأُ إِذَا قَامَ لَهَا لَا أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ كَمَا قَالَ بِهِ قَوْمٌ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الطَّحَاوِيُّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ: " فِيهِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» " فَعُرِفَ أَنَّهُ كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا يُوجَبُ الْوُضُوءُ بِمَجَرَّدِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ وَضَوْءُهُ لِلصَّلَاةِ قَطَعَ احْتِمَالَ حَمْلِ التَّوَضِي عَلَى الْوَضَاءَةِ الْحَاصِلَةِ بِغَسْلِ الْفَرْجِ، فَإِنَّ غَسْلَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ قَدْ يُسَمَّى وَضُوءًا كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْوُضُوءَ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَالْمُرَادُ غَسْلُ الْيَدِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: " تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ " وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى، وَتَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ، لَكِنَّ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلَا حَائِلٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَعَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الظَّنِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْطُوعِ بِهِ وَفِيهِمَا نَظَرٌ ; لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ بِحَضْرَةِ عَلِيٍّ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْهُ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ جَالِسٍ إِلَى جَنْبِي: سَلْهُ فَسَأَلَهُ، وَقَدْ أَطْبَقَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْمَسَانِيدِ عَلَى إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ وَلَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لَأَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِ الْمِقْدَادِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ فِي غَيْبَةِ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى الْمُدَّعِي لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَحُفُّ الْخَبَرَ فَتُرَقِّيِهِ عَنِ الظَّنِّ إِلَى الْقَطْعِ قَالَهُ عِيَاضٌ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ أَنَّهُ صُورَةٌ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَدُلُّ وَهِيَ كَثِيرَةٌ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِجُمْلَتِهَا لَا بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الِاسْتِفْتَاءِ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ حِفْظِ حُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوْقِيرِهِ
стр. 211
وَاسْتِعْمَالُ الْأَدَبِ فِي تَرْكِ الْمُوَاجَهَةِ بِمَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ عُرْفًا وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَصْهَارِ، وَتَرْكِ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِمَاعِ الْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَةِ أَقَارِبِهَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ لِمَنِ اسْتَحَى فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ ; لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ اسْتِعْمَالُ الْحَيَاءِ وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ.
стр. 212
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ يَعْنِي الْمَذْيَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٧ - ٨٥ - (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَمَ الْعَدَوِيِّ مَوْلَى عُمَرَ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ، رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ وَمُعَاذٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُهُ وَنَافِعٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَافَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَفْرَتَيْنِ، قَالَ فِي الْإِصَابَةِ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى أَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُهُ زَيْدٌ: مَاتَ أَسْلَمُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ.
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَزَايٍ مَنْقُوطَةٍ تَصْغِيرُ خَرَزَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ الْجَوْهَرَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلَ الْجُمَانَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَهِيَ اللُّؤْلُؤَةُ.
( «فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ) قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ إِذَا وَجَدَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَصَّهُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ هُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ إِذَا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ اللَّذَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمْرُهُمْ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْجُمَانِ فَمَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا أُبَالِيهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَنْكَحَهُ ذَلِكَ (يَعْنِي الْمَذْيَ) بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي لِأَجِدُهُ.
стр. 213
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْمَذْيِ فَقَالَ إِذَا وَجَدْتَهُ فَاغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٨ - ٨٦ - (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جُنْدَبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِفَتْحِ الدَّالِ وَتُضَمُّ.
(مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ) بِتَحْتِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَهُ فَاغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ
стр. 214
عَلَى مَنْ بِهِ سَلَسُ الْمَذْيِ لِلْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ قَالَ: كُنْتُ مَذَّاءً بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْكَثْرَةَ هُنَا نَاشِئَةٌ عَنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ صِحَّةِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ صَاحِبِ السَّلَسِ فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ عِلَّةٍ فِي الْجَسَدِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ يَخْرُجُ مِنِّي الْمَذْيُ فَرُبَّمَا تَوَضَّأْتُ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَجِئْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَالْهَ عَنْهُ فَلَهَوْتُ عَنْهُ فَانْقَطَعَ مِنِّي، وَتَرْجَمَ مَالِكٌ إِثْرَ هَذَا الْبَابِ.
стр. 215
[بَاب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ إِنِّي لَأَجِدُ الْبَلَلَ وَأَنَا أُصَلِّي أَفَأَنْصَرِفُ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا انْصَرَفْتُ حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
٨٩ - ٨٧ ١٤ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ
أَيِ الْخَارِجُ مِنْ فَسَادٍ وَعِلَّةٍ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَعُلَمَاءِ بَلَدِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَنْقَطِعُ لَا وَجْهَ لِلْوُضُوءِ مِنْهُ.
- (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الْأَنْصَارِيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ) أَيْ يَحْيَى (سَمِعَهُ) أَيْ سَعِيدًا (وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (إِنِّي لِأَجِدُ الْبَلَلَ وَأَنَا أُصَلِّي أَفَأَنْصَرِفُ؟) أَقْطَعُ صَلَاتِي (فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا انْصَرَفْتُ حَتَّى أَقْضِيَ) أُتِمَّ (صَلَاتِي) لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْبَلَلَ لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قَطَرَ وَسَالَ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى سَلَسِ الْمَذْيِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: مَعْنَاهُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمَذْيِ وَفُحْشَهُ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ لَا يَمْنَعُ الْمُصَلِّيَ إِتْمَامَ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِغَسْلِ الْفَاحِشِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ كَانَ عِنْدَ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ: فَإِذَا انْصَرَفْتَ إِلَى أَهْلِكَ فَاغْسِلْ ثَوْبَكَ.
قَالَ يَحْيَى: وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ أَوْ بَوْلٍ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ قَالُوا: يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ كَمَا يُصَلِّي وَالْبَوْلُ وَنَحْوَهُ لَا يَنْقَطِعُ فَكَذَلِكَ يَتَوَضَّأُ اه.
وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِأَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ.
следующие страницы →