- خطبة معاوية:
ذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو علياً. فقال علي: نعم. فلما أن ولى الرسول ⦗١٥٦⦘ أقبل علي فقال: لِمَ تراه دعاني؟ فقلت له: دعاك ليكلمك. فقال: انطلق معي. فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا، فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان. فسكت القوم ونظر بعضهم إلى بعض فحمد اللَّه عثمان ثم قال:
"أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائباً عنكم وعما نلتم مني وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني. وقد سألني أن يكلِّمكم وأن يكلِّمه من أراد". فقال سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك! فقال: على ذلكم، تكلم يا معاوية فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد، يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني، وإياكم أريد فمن أجابني بشيء فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم. توفي رسول اللَّه ﷺ فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم فأصبحوا سالماً أمرهم كأن نبيهم بين أظهرهم. فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلاً من بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين فأخذوا رجلاً منهم لا يألون عن الخير فيه فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده لا يشكون ولا يمترون. مهلاً مهلاً أيها المهاجرون. فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعدّ من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي. فسددوا وارفقوا لا يغلبكم على أمركم من حدتكم".
فقال علي بن أبي طالب: "كأنك تريد نفسك يا ابن اللخناء لست هنالك".
فقال معاوية: مهلاً عن بنت عمك. فإنها ليست بشر نسائك. يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر. ولاَّكم اللَّه إياه فأنتم أهله. وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه. وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى البلدين، فإن استقاموا استقاموا وأيم اللَّه الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين ولا البلدان للبلدين وليسلبن أمركم، ولينقلن المُلك من بين أظهركم. وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض. فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم. وما كل نصيحة مقبولة. والصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله".
ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له: "يا ابن عمي ويا ابن خالتي. فإنه لم يبلغني عنك في أمر شيء أحبه ولا أكرهه عَلَيَّ ولا لِيَ. وقد علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر".
стр. 107
- رأي ابن عباس: ⦗١٥٧⦘
قال ابن عباس فقلت:
"يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة. وواللَّه إن رأيي لك أن يجلُّ سنك ويعرف قدرك وسابقتك. وواللَّه لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك. فإن كان شيئاً تركاه لما رأيا أنه ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك".
قال: فما منعك أن تشير عليَّ بهما قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: وعلمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل. قال: فهب لي صمتاً حتى ترى رأيي.
стр. 108
- حملة معاوية على المهاجرين:
لما خرج ابن عباس قال عثمان لمعاوية:
"ما ترى، فإن المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا يد لهم مما في أنفسهم؟.
فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم.
قال: من؟.
قال: عليٌّ، وطلحة، والزبير.
قال عثمان: سبحان اللَّه، أقتل أصحاب رسول اللَّه بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه!.
قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك.
قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول اللَّه في أمته بإهراق الدماء.
قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال.
قال عثمان: وما هي؟.
قال معاوية: أرتب لك ههنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك رداء وبين يديك يداً.
قال عثمان: أرزقهم من أين؟.
قال معاوية: من بيت المال.
قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا فعلت هذا!.
قال: فثانية.
قال: وما هي؟
قال: فرّقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته.
قال عثمان: سبحان اللَّه. شيوخ المهاجرين، وكبار أصحاب رسول اللَّه، وبقية الشورى، أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟ لا أفعل هذا ⦗١٥٨⦘.
قال معاوية: فثالثة.
قال: وما هي؟ اجعل لي الأمر الطلب بدمك إن قتلت.
قال عثمان: نعم. هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي (١) .
هذا ما جرى من المناقشة بين معاوية وعثمان ولم يوافقه عثمان على التنكيل بالمهاجرين بالقتل أو النفي، إنما وافقه على المطالبة بدمه، فلما قتل عثمان طالب معاوية علياً بدم عثمان ﵁ وحاربه.
إن هذه الآراء التي أبداها معاوية لعثمان ﵁ بشأن التنكيل بالمهاجرين قد وجدناها مسطورة في كتاب "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة لكنا لا نصدق أن معاوية أشار بقتل عليّ وطلحة والزبير أو نفيهم وقد بحثنا عن هذا الخبر في الطبري فلم نجد له أثراً.
أما كتاب الإمامة والسياسة المشار إليه فمشكوك في صحة نسبته إلى ابن قتيبة. ويرجح الأستاذ "ده غوي" أن هذا المصنف كتبه رجل مصري أو مغربي في حياة ابن قتيبة.
стр. 109
- خروج أهل الأمصار لنجدة عثمان
بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري. وبعث عبد اللَّه بن سعد معاوية ابن حُديج، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة منهم: عقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ . ومن التابعين: مسروق والأسود وشريح وعبد اللَّه بن حكيم وغيرهم. وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان وغيرهما. وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر. أما جيش الشام فقد تأخر، فلما بلغهم خبر مقتل الخليفة عند منتصف الطريق بين الشام والمدينة قفلوا راجعين. وقيل: إن معاوية تعمَّد تأخير المدد.
стр. 110
- خطبة عثمان ورجمه بالحصباء (١) :
ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين المدينة خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال:
"يا هؤلاء العِدى: اللَّه اللَّه، فواللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ فامحوا الخطايا بالصواب فإن اللَّه لا يمحو السيئ إلا بالحسن".
⦗١٥٩⦘ فقام محمد بن مسلمة فقال: أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة (من جيش البصرة) فأقعده. فقام زيد بن ثابت فأقعده محمد ابن أبي قتيرة. وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشياً عليه، فاحتمل، فأدخل داره، واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن مالك، والحسن بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا.
وأقبل عليّ وطلحة والزبير فدخلوا على عثمان بعودته من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وصلى عثمان بالناس بعد ما نزل به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرَّق أهل المدينة في حيطانهم، وأُلزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه يمتنع به، وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرَّض لهم وضعوا فيه السلاح.
وقيل: إن عثمان ﵁ خطب الناس وقال لهم:
"إنهم قد أسرعوا الفتنة، واستطالوا عمري، واللَّه لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة، يرون من قدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة".
стр. 111
- زيارة عثمان لعلي في بيته ورجوع المصريين (١) :
جاء عثمان إلى عليٍّ فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم، إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس قدر، وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عنِّي، فإن في دخولهم عليَّ توهيناً لأمري وجراءة عليَّ.
فقال علي: على أيِّ شيء أردهم عنك؟.
قال: على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي.
فقال عليٌّ: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد اللَّه بن سعد. فإنك أطعتهم وعصيتني.
قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك.
فأمر عليٌّ الناس، فركب ومعه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً فيهم سعيد بن زيد، وأبو جهم العدوي وجُبير بن مطعم (٢) ، وحكيم بن حزام، ومروان، وسعيد بن العاص، وعبد ⦗١٦٠⦘ الرحمن بن عتاب بن أسيد. ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك (٣) ، ومن العرب نيار بن مكرز (٤) ، فأتوا المصريين بذي خشب فكلموهم، وكان الذي يكلمهم علياً ومحمد بن مسلمة. فسمعوا كلامهما ورجعوا إلى مصر.
فقال ابن عديس لمحمد بن سلمة: أتوصينا بحاجة؟ قال: نعم. تتقي اللَّه وترد من قِبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. قال ابن عديس: أفعل إن شاء اللَّه.
ورجع عليّ ومن معه إلى المدينة فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه وخرج من عنده. فمكث عثمان ذلك اليوم وجاءه مروان، بكر الغد. فقال له: تكلَّم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه. ففعل عثمان. فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص: اتق اللَّه يا عثمان فإنك قد ركبت أموراً وركبناها معك فتب إلى اللَّه نتب. فناداه عثمان: وإنك هنا يا ابن النابغة قَملت واللَّه جبتك منذ عزلتك عن العمل. فنودي من ناحية أخرى: تب إلى اللَّه. فرفع يديه واستقبل القبلة وقال: "اللَّهم إني أول تائب".
وخرج عمرو بن العاص إلى فلسطين. وكان يقول: واللَّه إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان.
стр. 112
- توبة عثمان (١) : ⦗١٦١⦘
تاب عثمان بناء على طلب عمرو بن العاص، وقيل: إن علياً جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلَّم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ويشهد اللَّه على ما في قلبك من النزوع والإنابة. فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا علي اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم، ولا أسمع عذراً، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا عليّ اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك. فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
"أما بعد، أيها الناس فواللَّه ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله، وما جئت شيئاً إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي. ولقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَن زلَّ فليتب ومَن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة (٢) . إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريف فأنا أول من اتعظ. أستغفر اللَّه مما فعلت وأتوب إليه. فمثلي نزع وتاب. فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبداً لأستنن بسنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكوننَّ كالمرقوق (٣) إن مُلك صبر، وإن عُتِق شكر، وما عن اللَّه مذهب إلا إليه فلا يعجزن منكم خياركم أن يدنوا إليَّ لئن أبت يميني لتتابعني شمالي".
فرقَّ الناس له يومئذٍ، وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك. اللَّه اللَّه في نفسك فأتمم على ما قلت.
أورد الطبري (٤) هذه الخطبة بنصها، وأتى على ملخصها ابن الأثير (٥) وقد تاب فيها أمام الناس واستغفر اللَّه.
стр. 113
- مروان يفسد توبة عثمان (١) :
كان عثمان ﵁ مستسلماً لمروان ولأقاربه، وهذا ما لاحظه عليٌّ ﵁، ⦗١٦٢⦘ فكان لهم تأثير شديد فيه. فلما تاب هذه التوبة وخطب تلك الخطبة التي رقَّت لها قلوب الناس ودخل بيته، دخل عليه مروان وقيل: إنه وجد مروان وسعيداً ونفراً من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة، (لكن لا بدَّ أنهم سمعوا بها إن لم يكونوا شهدوها) ، فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة، امرأة عثمان -: لا، بل اصمت. فإنهم واللَّه قاتلوه ومؤثموه. إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك، فواللَّه لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له: مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء، تخبَّر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه. أما واللَّه لولا أنه عمَّه، وأنه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. فأعرض عنها مروان.
ثم قال: يا أمير المؤمنين أتكلَّم أم أصمت؟ قال: بل تكلَّم. فقال مروان: بأبي أنت وأمي واللَّه لوددت أن مقاتلتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعلن عليها. ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطُّبْيَيْن (٢) وخلف السيل الزُّبَى (٣) ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل. واللَّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللَّه منها أجمل من توبة تخوَّف عليها، وإنك إن شئت تقرَّبت بالتوبة، ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.
فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلِّمهم فإني أستحي أن أكلمهم. فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً. فقال: "ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب. شاهت الوجوه. كل إنسان آخذ بإُذُن صاحبه إلا من أريدَ. جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا. اخرجوا عنا لئن رميتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غِبَّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم، فإنا واللَّه ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا".
فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى علياَ فأخبره الخبر. فجاء علي ﵁ مغضباً حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به واللَّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه. وأيم اللَّه إني لأراه سيوردك، ثم لا يصدرك. وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك. أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك.
стр. 114
- نائلة زوجة عثمان تنصحه وتحذره مروان (١) : ⦗١٦٣⦘
لما خرج عليّ دخلت عليه نائلة زوجته، وقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي. فقالت: سمعت قول عليّ لك، وأنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟. قالت: تتقي اللَّه وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك. ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكان مروان. فأرسل إلى عليّ فاستصلحه فإن له قرابة منك فهو لا يعصيك. فأرسل إلى عليّ فأبى أن يأتيه وقال: قد أعلمته أني لست بعائد.
فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه. فقال: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلم. فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنَّها بحرف فَأُسَوِّدُ (٢) وجهك، فهي واللَّه أنصح لي منك. فكفَّ مروان.
стр. 115
- ما خشيه مروان من توبة عثمان:
لقد تاب عثمان عمَّا فعله باستشارة مروان وأمثاله من بني أمية، لأن علياً أراد منه أن يذيع التوبة حتى ينصرف الأعداء عنه ولا يعودوا إلى التألب عليه. فلما تاب رضي الناس عنه. ونعتقد أن عثمان لو ترك وشأنه من غير تدخل هؤلاء المستشارين من أقاربه، لما فعل شيئاً مما استوجب سخط الناس عليه. لكنهم ما كانوا يتركونه يتصرف في الأمور. كانوا يملون عليه إرادتهم ويصرفونه حيث شاءوا، وكان لا يخالفهم لما ركب في طبعه من اللين ورقة الجانب للأقارب ولكبر سنه.
فلما استاء الناس منه وضايقوه وكلَّمه عليّ الذي استنجد به لردهم عنه، تاب وأذاع توبته على الملأ حتى بكى من سمعه، إلا أن هذه التوبة أسخطت مروان وأقارب عثمان، لأن فيها رجوعاً عن الخطة التي اتبعها فيما مضى، إذ التوبة تقضي عليه أن ينظر في شكاوى الناس فيولِّي من يصلح بغض الطرف عن القرابة، كما كان يفعل أبو بكر وعمر. وهذا ما خشيه مروان. ويدل على ذلك قوله للناس بعد خطبة عثمان: (تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا) .
هذا ما كان يخشاه مروان. أما حياة عثمان الذي أغدق عليهم النعم، تلك الحياة التي كانت مهددة، فلم تكن تهمه، لأن مشورته هي التي بغضت الناس في عثمان. انصرف الناس راضين ⦗١٦٤⦘ وقالوا: قد تاب الرجل، وما كاد علي يطمئن ويظن أنه قد أطاعه، حتى خرج عليهم مروان وهدم هذه السياسة الحميدة فغضب علي غضباً شديداً وغضب الناس.
وكان الأجدر بعثمان والحالة هذه أن يدع التردد بعد أن تبين له الحق والصواب ويمنع مروان من الكلام بما يخالف توبته، ويعلن تمسَّكه بما قال حتى لا يقال: إن مروان يصرفه ويتحكم فيه، وأن ما يبرمه ويقرره الخليفة ينقضه مروان.
стр. 116
- غضب علي ﵁ (١) :
أتى عثمان إلى عليّ بمنزله ليلاً فقال له: إني غير عائد وإني فاعل. فقال له عليٌّ: بعد ما تكلَّمت على منبر رسول اللَّه ﷺ وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم. فخرج عثمان من عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس عليَّ. فقال عليٌّ: واللَّه إني لأكثر الناس ذبَّاً عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي ولم يعد علي يعمل كما كان يعمل (٢) .
стр. 117
- الجرأة على عثمان (١) :
قيل: إن إبلاً من إبل الصدقة قدم بها على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن ببن عوف فأرسل إلى المِسْوَر بن مَخْرَمَة (٢) وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، فأخذها فقسمها عبد الرحمن في الناس وعثمان في الدار ولا بدَّ أن هذه الحادثة التي رواها الطبري وابن الأثير كانت قبل سنة ٣٥ هـ، لأن عبد الرحمن بن عوف توفي في سنة ٣٢ هـ.
وقيل: كان أول من اجترأ على عثمان بالقول جَبَلة بن عمرو الساعدي، مرَّ به عثمان وهو ⦗١٦٥⦘ في نادي قومه وبيده جامعة (٣) ، فسلم، فرد القوم. فقال جبلة: لمَ تردون على رجل فعل كذا وكذا. ثم قال لعثمان: واللَّه لأطرحن هذه الجامعة في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة: مروان وابن عامر وابن سعد. منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول اللَّه ﷺ دمه. فاجترأ الناس عليه.
وقد تقدَّم قول عمرو بن العاص له في خطبته. قيل: وخطب يوماً وبيده عصا كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يخطبون عليها فأخذها جهجهاه الغفاري من يده وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة في ركبته.
стр. 118
- طلب المهلة ثلاثة أيام (١) :
عاد المصريون إلى عثمان وكتبوا له:
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فاعلم أن اللَّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاللَّه اللَّه، ثم اللَّه اللَّه فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم إنا واللَّه، للَّه نغضب وفي اللَّه نرضى. وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى يأتينا توبة مصرَّحة، أو ضلالة مجلحة مبلّجة. فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك واللَّه عذيرنا منك والسلام".
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له باللَّه لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق اللَّه. فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته. فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟. فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليِّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده، لأنه كان كتب إلى معاوية كتاباً قال له فيه: "فابعث إليَّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام".
فقال عثمان: إن القوم لن يقبلوا التعليل، وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.
فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى طاولوك. فإنما بغوا عليك فأرسل إلى عليّ فلما جاء قال: يا أبا الحسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فارددهم عني، فإن لهم اللَّه أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري، وإن كان في ذلك سفك دمي ⦗١٦٦⦘.
فقال له عليّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك. وإني لأرى أقواماً لا يرضون إلا بالرضى وقد أعطيتهم في قدمتهم عهداً من اللَّه لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرني هذه المرة من شيء، فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فأعطهم، فواللَّه لأوفين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال:
"أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه. إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون. فاقبلوا منه ووكدوا عليه".
قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه، فإنا واللَّه لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم عليّ: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر. فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على ردِّ ما كرهوا في يوم واحد. قال له عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل له. وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام (٢) . قال عليّ: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجَّله فيه ثلاثاً على أن يرد كل مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه. ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللَّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه أناساً من وجوه المهاجرين والأنصار. فكفَّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه.
هذه الرواية تدل على أن عثمان إنما طلب المهلة حتى يأتيه المدد، وفي الطبري (٣) عدا ذلك أنه كان يستعد للقتال بالسلاح وقد كان اتخذ جنداً عظيماً من رقيق الخُمس.
стр. 119
- كتاب عثمان إلى عامله بمصر (١) بقتل محمد بن أبي بكر:
جاء المصريون يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتاباً يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر فقتله، فخرج من أهل مصر جماعة فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقال طلحة بن عبيد اللَّه، فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة ﵂ إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب رسول اللَّه وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت، فهذا قد قتل منهم رجلاً فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلاً مكان رجل وقد ادعوا قِبَلَه دماً، فاعزله عنهم، واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا ⦗١٦٧⦘ رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر. فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاَّه.
ويقال: إن بعض أهل المدينة من مبغضي عثمان حرَّض مروان بن الحكم أن يكتب عن لسانه كتاباً إلى والي مصر بقتل محمد ورفاقه وأرسلوا الكتاب مع غلام لعثمان. فسار الغلام على بعير يسرع في مشيه. فلما خرج من المدينة وبلغهم سألوه عن وجهته، فقال: أنا غلام أمير المؤمنين. قالوا: أمعك كتاب؟. قال: لا. ففتشوه، فوجدوا الكتاب في أنبوبة من الرصاص، ففتحوه، فإذا فيه: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي في ذلك إن شاء اللَّه تعالى".
فلما قرأ محمد الكتاب رجع إلى المدينة مع من معه والغلام، ودخل على عثمان ومعه عليّ بن أبي طالب. فقال عليّ: هذا الغلام غلامك؟. قال: نعم، والبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟. قال: لا واللَّه ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا علم لي به. قال عليّ: والخاتم خاتمك؟. قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم؟. فحلف أنه لا يعلم شيئاً من ذلك. فقال عليّ: لا يحلف عثمان إلا صادقاً فهو بريء من هذا الأمر. ولكنهم عرفوا أن الخط خط كاتبه مروان بن الحكم، وكان عنده في الدار فسألوه أن يدفعه إليهم فأبى خوفاً عليه أن يقتل. فطلب إليه المصريون أن يخلع نفسه فأبى، فارتفعت الأصوات. فقام عليّ وأخرج المصريين وخرج معهم، ثم رجع المصريون، وانضم إليهم أشياعهم، فحاصروه في داره ومنعوه الماء.
وجاء في الطبري (٢) أنهم وجدوا في الكتاب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فإذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن النباع الليثي مثل ذلك".
فلما كلمه المصريون في ذلك قال:
"واللَّه ما كتبت، ولا أمرت، ولا شوورت، ولا علمت". فقال المصريون: فمن كتبه؟. قال: لا أدري. قال: أَفَيُجترأ عليك فيُبعث غلامك، وجمل من صدقات المسلمين، ويُنقش على خاتمك، ويُكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم؟! قالوا: فليس مثلك بوَلي. اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك اللَّه منه، قال: لا أخلع قيمصاً ألبسنيه اللَّه (٣) ⦗١٦٨⦘.
وعلى كل حال أنكر عثمان علمه بالكتاب، وتبرأ منه، وحلف أنه لا يعلم شيئاً عنه، ولا بدَّ أنه صادق، وأن الكتاب مفتعل.
стр. 120
- اتهام عليٍّ بتزوير الكتاب رواية غريبة!!
جاء في دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنجليزية (١) ، "إن البلاذري روى دون غيره من المؤرخين أن عثمان اتهم علياً بتزوير الكتاب، وهذا ما ظنه كيتاني في حولياته (٢) من غير أن يطَّلع على رواية البلاذري".
لم يتمكن كيتاني من الإطلاع على رواية البلاذري، لأنها مذكورة في كتاب "أنساب الأشراف" الذي لا يزال تحت الطبع ببيت المقدس، وقد عثرت على الجزء الحادي عشر منه بمكتبة الجامعة المصرية، وهو مطبوع على الحجر بمدينة غريفز ولد سنة ١٨٨٣، وليس فيه ذكر لهذه الرواية، لأن هذا الجزء يبدأ بذكر مصعب بن الزبير في أيام عبد الملك.
إن دائرة المعارف الإسلامية لم تبد رأيها في توجيه هذه التهمة إلى عليّ، بل أوردت ذلك كي يعلم أن هناك رواية أخرى غير ما أجمع عليه المؤرخون من اتهام مروان. وأن كيتاني تبادر إلى ظنه أن عثمان اتهم علياً فطابق ظنه هذا رواية البلاذري التي نأسف لعدم تمكننا من الإطلاع عليها مثل كيتاني. وكان الأجدر بدائرة المعارف أن لا تترك المسألة معلقة هكذا من غير أن نناقشها ونشير إلى عدم صحة هذه الرواية وبعدها عن الصواب.
وإنا نقول: إنه لم يدر بخلد عثمان أن يتهم علياً، ولا يمكن أن يدور بخلده ذلك، لأن الغلام الذي خرج يحمل الكتاب لتوصيله إلى والي مصر هو غلام عثمان، والبعير بعيره، والخاتم خاتمه، وهذا الخاتم لا يتوصل إليه علي، بل يتوصل إليه مروان كاتب عثمان، ومستشاره، وملازمه في داره. أضف إلى ذلك أنهم عرفوا أن الخط خط مروان هذا من جهة. ومن جهة أخرى ⦗١٦٩⦘ فإنه لا حظَّ لعلي في تزوير الكتاب، فإنه إذا لم يضبط ووصل إلى يد الوالي نفذ أمر عثمان القاضي بإعدام محمد بن أبي بكر، أو إعدام غيره ممن قدموا المدينة وعادوا إلى مصر، أو تعذيبهم وهم ليسوا أعداء لعليّ، بل من محبيه، وعلى عكس ذلك كان مروان، فإن من مصلحته القضاء على محمد بن أبي بكر، أو غيره من المتآمرين على الخليفة المعارضين لحكم ابن أبي سرح.
стр. 121
- اشتداد الحصار (١) :
لما اشتد الحصار على عثمان ﵁ أرسل إلى عليٍّ، وطلحة، والزبير، فحضروا فأشرف عليهم فقال:
"يا أيها الناس. اجلسوا فجلسوا يا أهل المدينة أستودعكم اللَّه وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي. أنشدكم اللَّه هل تعلمون أنكم دعوتم اللَّه عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم. أتقولون: إن اللَّه لم يستجب لكم وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه. أم تقولون: هان على اللَّه دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذٍ، أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان لمكابرة فوكل اللَّه الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون: إن اللَّه لم يعلم عاقبة أمري. وأنشدكم باللَّه أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه اللَّه لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلاً لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل نفساً بغير حق. فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع اللَّه عنكم الاختلاف أبداً" (٢) .
قالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع اللَّه خيرة، ولكن اللَّه جعلك بلية ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول اللَّه ﷺ ، فقد كنت كذلك، وكنت أهلاً للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً. وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب اللَّه قتل غير الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه، ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا. فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك.
فسكت عثمان، ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا إلا ⦗١٧٠⦘ الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد اللَّه بن الزبير، وأشباهاً لهم، واجتمع إليهم أناس كثير.
لم يردّ عليهم عثمان، بل سكت. فهل اقتنع بأقوالهم وحججهم؟ إنه لو اقتنع لتنازل عن الخلافة. فإذا لم يقتنع. فلماذا لم يقرع الحجة بالحجة؟. لكنه على كل حال أصر على عدم التنازل كما أصر على التمسك بسياسته، فلم يعزل أحداً ممن كرهوه، ولم يجب مطالبهم التي كان قد علم بها من قبل، فلا بدَّ أنه كان يرى أنهم مخطئون فيما يطلبون.
стр. 122
- المحاصرون يمنعون عنه الماء (١) :
كانت مدة الحصار أربعين يوماً (٢) ، أو ما يقرب من ذلك، فلما مضت ثمان عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخير من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس، فعندئذٍ حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، فأرسل عثمان إلى عليٍّ سراً، وإلى طلحة، والزبير، وأزواج رسول اللَّه ﷺ : "إنهم قد منعوني حتى الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا الماء فافعلوا" (٣) .
فكان أولهم إجابة عليٌّ وأم حبيبة زوج النبي ﷺ ، فجاء عليّ في الغلس (٤) فقال:
"يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي".
فقالوا: لا واللَّه ولا نعمة عين. فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة على إداوة. فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل. فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها.
وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى، فقالت:
"أمَ واللَّه لئن استطعت أن يحرمهم اللَّه ما يحاولون لأفعلن" (٥) . وجاء حنظلة الكاتب حتى ⦗١٧١⦘ قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم؟!. فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميمية؟. فقال: يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغلب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول:
عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا
ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلاً ذليلاً
وكانوا كاليهود أو النصارى (٦) ... سواء كلهم ضلوا السبيلا
ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. فقالت: أتريد أن يصنعوا بي كما صنع بأم حبيبة. ثم لا أجد من يمنعني لا واللَّه ولا أُعيّرُ ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء.
وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ، وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات. عليهم الرقباء. فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ابن عباس، فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب. فقال: جهاد هؤلاء أحب عليَّ من الحج، فأقسم عليه فانطلق.
стр. 123
- حجُّ ابن عباس بالناس وكتاب عثمان إلى أهل مكة (١) (سنة ٣٥ هـ/ ٦٥٦ م) :
قال عثمان ﵁ وهو محصور: يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص (٢) وهو بمكة فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ويقول لك: إني محصور منذ كذا وكذا يوماً لا أشرب إلا من الأجاج (٣) ، وقد مُنعت بئراً اشتريتها من صلب مالي رومه، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئاً، ولا آكل إلا مما في بيتي، مُنعت أن آكل مما في السوق شيئاً، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له فليحج بالناس وليس بفاعل. فإن أبى فاحجج أنت بالناس. قال ابن عباس: فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص فقلت له ما قال لي عثمان. فقال لي: هل لي طاقة بعداوة من ترى، وهذا الأمر لا يقضى إلا إليه يعني علياً وأنت أحق أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس. ثم قفلت في آخر الشهر فقدمت المدينة، وإذا عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة عليّ بن أبي طالب، فلما رآني عليّ ترك الناس وأقبل عَلَيَّ فانتجاني فقال: ما ⦗١٧٢⦘ ترى فيما وقع، فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به. فقلت: أرى أنه لا بدَّ للناس منك اليوم فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا الرجل. فأبى إلا أن يبايع فاتّهم بدمه.
لما خرج ابن عباس يريد الحج مرَّ بعائشة ﵂ في الصّلصُل بنواحي المدينة على سبعة أميال منها فقالت: يا ابن عباس، أنشدك اللَّه فإنك قد أعطيت لساناً إزعيلاً (٤) أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورُفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جمّ. وقد رأيت طلحة ابن عبيد اللَّه قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإن يَلٍ يَسر بسيرة ابن عمه أبي بكر ﵁.
فأجابها ابن عباس: يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا يعني علياً فقال: إيهاً عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك.
هذا يبين لنا موقف عائشة ورأيها، فإنها أرادت من ابن عباس أن يقوم بالدعوة ضد عثمان في مكة، وأن يشكك الناس فيه، وكانت تريد أن يتولى الخلافة بعد عثمان طلحة بن عبيد اللَّه، لا عليّ. وطلحة أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وقد أبلى يوم أحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللَّه ﷺ بنفسه، واتقى عنه النبل حتى شلُّت إصبعه، وضرب ضربة على رأسه، وحمل رسول اللَّه ﷺ على ظهره حتى صعد معه الصخرة، وكان شديداً على عثمان، وقتل يوم الجمل، وكان شهد ذلك اليوم محارباً لعليِّ بن أبي طالب. وقال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكسعيّ لما ... شربت رضى بني جرم برغمي
اللَّهم خذ لعثمان حتى يرضى.
وقد كان أهل البصرة يريدون طلحة، كما كان أهل مصر يريدون عليّاً. أما أهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير.
فعائشة كانت تريد طلحة، ولا ترغب في عليّ ﵁، ويرجع السبب في نفورها منه إلى حديث الإفك (٥) فإن رسول اللَّه ﷺ لما استشار علياً في شأن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها قال: "يا رسول اللَّه لم يضيِّق اللَّه عليك والنساء سواها كثير".
стр. 124
- كتاب عثمان إلى أهل مكة (١) :
كتب عثمان كتاباً إلى أهل مكة يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصروه، وأعطاه لابن ⦗١٧٣⦘ عباس. قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التروية (٢) بمكة بيوم ثم قدمت المدينة.
وهذا نص الكتاب كما نسخه عبد المجيد بن سُهَيْل بن عكرمة (٣) :
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم. فإني أحمد اللَّه إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أذكركم باللَّه الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته. فإن اللَّه يقول وقوله الحق: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ إلى قوله ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٢- ١٠٥] وقال وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٦- ٧] وقال وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ إلى قوله ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٦- ٨] وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] وقال وقوله الحق: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] وقال وقوله الحق: ﴿وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ إلى قوله ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩١- ٩٦] وقال وقوله الحق: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] وقال وقوله الحق: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] وقال وقوله الحق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهُ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ١٠] .
أما بعد، فإن اللَّه رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة اللَّه واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعاً وسُلط عليكم عدوُّكم ويستحل بعضكم حُرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يُقم للَّه سبحانه دين، وتكونوا شيعاً، وقد قال اللَّه لرسول اللَّه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ⦗١٧٤⦘ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وإني أوصيكم بما أوصاكم اللَّه، وأحذركم عذابه، فإن شعيباً ﷺ قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيَبكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٨٩- ٩٠] (٤) .
أما بعد، فإن أقواماً ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب اللَّه والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها. فلما عُرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحقٍ ونازعٌ عنه حين يُعطاه، ومنهم تارك للحقٍ ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق. طال عليهم عمري، ورَاث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهُم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئاً كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت: أقيموها على من علمتم تعداها. أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا: كتابُ اللَّه يتلى. فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل اللَّه في الكتاب، وقالوا: المحروم يرزق والمال يُوفى ليُستن فيه السنة الحسنة ولا يُعتدى في الخُمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتُرَدّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيتُ بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول اللَّه ﷺ حتى كلمتهن فقلت: ما تأمرنني؟. فقلن: تؤمر عمرو بن العاص وعبد اللَّه بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راضٍ به جنده، واردد عمراً فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت. وأنه اعتديَّ علي بعد ذلك وعدا على الحق.
كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر ومنعوا مني الصلاة وحالوا بيني وبين الصلاة وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صواباً غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل اللَّه سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة، أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي. وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبُّ إليَّ من أن أتبرأ من عمل اللَّه وخلافته.
وأما قولكم يُرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة. ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة اللَّه ، وإصلاح ذات البين. ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب اللَّه ، ومن يكن إنما يريد وجه اللَّه والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة اللَّه والسنة ⦗١٧٥⦘ الحسنة التي استن بها رسول اللَّه ﷺ والخليفتان من بعده ﵄ فإنما يجزي بذلكم اللَّه. وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغنٍ عنكم شيئاً. فاتقوا اللَّه واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى اللَّه سبحانه أن تنكثوا عهده. وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم اللَّه وتغيير النعمة من اللَّه وكرهتُ سُنة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم باللَّه والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وتركَ البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم اللَّه ، فإني أنشدكم اللَّه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر اللَّه فإن اللَّه سبحانه قال وقوله الحق: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤] فإن هذه معذرة إلى اللَّه ولعلكم تذكرون.
أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم. وإن عاقبتُ أقواماً فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى اللَّه من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو. إن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة اللَّه إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وأنا أسأل اللَّه أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون.
هذا كتاب طويل كتبه عثمان ﵁، وقرأه ابن عباس على أهل مكة في موسم الحج. وقد استشهد بكثير من آيات القرآن الكريم لأنه كان يحفظ القرآن، ويكثر من تلاوته ويتعبَّد به. وهذه الآيات التي استشهد بها كان غرضه من إيرادها حض المؤمنين على طاعة اللَّه والاعتصام بحبله، والتخويف من عذاب اللَّه وعاقبة نقض الأيمان بعد توكيدها، ووجوب طاعة اللَّه والرسول وأولي الأمر ولزوم الجماعة والتحذير من الاختلاف والتفريق.
ثم أمر بإقامة الحدود ورد المظالم وشكا إليهم ما يلقاه من الحصر ومنع الماء والزاد عنه وقال: إنه لا يعتزل ولا يتخلى عن واجبه، ولم يكره أحداً على اختياره خليفة، بل اختاروه طائعين، وذكر أنه تجنب سفك الدماء والشقاق. ثم تاب إلى اللَّه واستغفره ولم يبرئ نفسه، فإن النفس أمارة بالسوء وسأل اللَّه أن يؤلف بين قلوب الأمة.
إلا أن هذا الكتاب لم يأت بالغرض الذي رمى إليه عثمان من تحريره وتلاوته، لأن المحاصرين كانوا قد شددوا عليه الحصار فإن ابن عباس لما عاد إلى المدينة بعد تأدية فريضة الحج وجد عثمان قد قتل.
стр. 125
الفصل السادس: قتل عثمان "- ونُبَذٌ مِنْ أَخْبَارِهِ -" (٣٥ هـ/ ٦٥٦ م) .
стр. 126
- قتل عثمان (١) يوم الجمعة ٨ من ذي الحجة سنة ٣٥ هـ.
قال ابن عديس لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. وأصرَّ المصريون على قتله. وقصدوا الباب فمنعهم الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان، وسعيد بن العاص، ومن معهم من أبناء الصحابة. واجتلدوا (٢) ، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حلٍّ من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب لمنعهم. فلما خرج ورآه المصريون رجعوا فركبهم هؤلاء، وأقسم عثمان على أصحابه ليدخلن، فدخلوا، فأغلق الباب دون المصريين.
فقام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض وكان من الصحابة، فنادى عثمان، فبينا هو يناشده أن يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلب الكندي بسهم فقتله. فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتله لنقتله به. قال: لم أكن لأقتل رجلاً نصرني وأنتم تريدون قتلي. فلما رأوا ذلك ثاروا إلى الباب، فلم يمنعهم أحد منه، والباب مغلق، لا يقدرون على الدخول منه، فجاءوا بنار، فأحرقوه. وثار أهل الدار وعثمان يصلي قد افتتح ﴿طه﴾ ، فما شغله ما سمع ما يخطئ وما يتتعتع حتى أتى عليها. فلما فرغ جلس إلى المصحف يقرأ فيه وقرأ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فقال لمن عنده بالدار: إن رسول اللَّه ﷺ قد عهد إليَّ عهداً فأنا صابر عليه. ولم يحرقوا الباب إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه.
اقتحم الناس الدار من الدورة التي حولها حتى ملؤوها ولا يشعر الذين بالباب ممن وقفوا ⦗١٨٠⦘ للدفاع. وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلاً لقتله، فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال: "اخلعها وندعك".
فقال: "ويحك، واللَّه ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيتُ ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول اللَّه ﷺ ، ولست خالعاً قميصاً كسانيه اللَّه ، وأنا على مكاني حتى يُكرم اللَّه أهل السعادة ويُهين أهل الشقاء".
فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: عَلِقنا واللَّه، واللَّه ما ينجينا من الناس إلا قتله، وما يحل لنا قتله.
فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث. فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي. فقال: لست بصاحبي. قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي ﷺ في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلن تضيع، فرجع وفارق القوم.
فأدخلوا عليه رجلاً من قريش، فقال: يا عثمان إني قاتلك؟. قال: كلا يا فلان لا تقتلني. قال: وكيف؟ قال: إن رسول اللَّه ﷺ استغفر لك يوم كذا وكذا، فلن تقارف دماً حراماً. فاستغفر ورجع وفارق أصحابه.
فأقبل عبد اللَّه بن سلام (٣) حتى قام على الباب ينهاهم عن قتله وقال:
"يا قوم، لا تسلّوا سيف اللَّه بينكم. فواللَّه إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرَّة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة اللَّه. واللَّه لئن قتلتموه لتتركنها" (٤) .
فقالوا: يا ابن اليهودية، وما أنت وهذا فرجع عنهم.
وروي عن عبد اللَّه بن عمير عن ابن أخي عبد اللَّه بن سلام قال:
لما أُريد قتل عثمان ﵁ جاء عبد اللَّه بن سلام فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير إليَّ منك داخل. فخرج عبد اللَّه إلى الناس فقال:
"أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلاناً، فسماني رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه، ونزلت فيَّ ⦗١٨١⦘ آيات من كتاب اللَّه . ونزل فيَّ: ﴿وَشَهدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرائِيلَ عَلَى مِثلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] ونزل فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . إن للَّه سيفاً مغموداً، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول اللَّه ﷺ . فاللَّه اللَّه في هذا الرجل إن تقتلوه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلنّ سيف اللَّه المغمود فيكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة، قالوا: اقتلوا اليهودي.
فانظر الفرق الشاسع بين عبد اللَّه بن سلام الذي تطوَّع للدفاع عن عثمان وبين عبد اللَّه بن سبأ الذي كان يحرَّض الناس على قتله. فإن كليهما كان يهودياً وأسلم.
وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر. فقال له عثمان:
"ويلك على اللَّه تغضب؟ هل لي إليك جُرم إلا حق أخذته منك؟ ورجع.
فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان بن حُمران والغافقي لعنهم اللَّه فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله، فاستدار المصحف فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء. وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه زوجة عثمان نائلة، واتقت السيف بيدها، فتغمدها ونفح أصابعها. فأطن أصابع يدها، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم، فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم، فضرب عنقه، فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى (٥) .
فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل مُلاءة نائلة، والرجل يدعى كلثوم بن تجيب، فتنحَّت نائلة. فقال: وَيحَ أمك من عجيزة ما أتمك، وبصر به غلام لعثمان فقتله، وقُتل، وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، وليس فيه إلا غِرارتان. فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، فهربوا، وأتوا بيت المال، فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتانئ يسترجع ويبكي، والطارئ يفرح، وندم القوم.
وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله. فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال:
"إنا للَّه وإنا إليه راجعون، رحم اللَّه عثمان وانتصر له". وأتى الخبر طلحة فقال: "رحم اللَّه عثمان وانتصر له وللإسلام". وقيل له: إن القوم نادمون. فقال: تبَّاً لهم، وقرأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِم يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]⦗١٨٢⦘.
وأُتِيَ عليٌّ فقيل: قُتل عثمان فقال: "رحم اللَّه عثمان وخلف علينا بخير". وقيل: ندم القوم فقرأ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ....﴾ [الحشر: ١٦] . الآية.
وطُلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله. فلما جاء قتله، قال: فررنا من المدينة فدنينا وقرأ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] ، اللَّهم أندمهم ثم خذهم (٦) .
وفي رواية أخرى (٧) :
إن محمد بن أبي بكر تسوَّر على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن بشر بن عتّاب، وسودان بن حُمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ في المصحف ﴿سورة البقرة﴾ فتقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحية عثمان فقال:
قد أخزاك اللَّه يا نَعْثَل (٨) .
فقال عثمان: لستُ بنعثل، ولكن عبد اللَّه وأمير المؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان. فقال عثمان: يا ابن أخي دعْ عنك لحيتي فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: أستنصر اللَّه عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمِشْقَص (٩) في يده. ورفع كنانة بن بشر بن عتّاب مشاقص كانت في يده فَوَجَأَ بها (١٠) في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حَلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله. وقيل: ضرب كنانة بن بشر جبينه ومُقَدم رأسه بعمود، فخرَّ لجنبه. وضربه سودان بن حُمران المرادي بعد ما خرَّ لجنبه فقتله. وأما عمرو ابن الحَمِق (١١) فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن للَّه. وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه ⦗١٨٣⦘.
وعن جدة الزبير بن عبد اللَّه قالت (١٢) :
لما ضربه المشاقص قال عثمان: "بسم اللَّه توكلت على اللَّه"، وإذا الدم يسيل على اللحية يقطر والمصحف بين يديه فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: "سبحان اللَّه العظيم" وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف حتى وقف الدم عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . وأطبق المصحف وضربوه جميعاً ضربة واحدة. فضربوه واللَّه بأبي وهو يحيي الليل في ركعة، ويصل الرحم، ويُطعم الملهوف، ويحمل الكَلَّ، فرحمه اللَّه".
وعن الزهري قال (١٣) :
قُتل عثمان عند صلاة العصر، وشدَّ عبدٌ لعثمان أسود على كنانة بن بشر فقتله. وشدَّ سودان على العبد فقتله. ودخلت الغوغاء دار عثمان فصاح إنسان منهم: أيحل دم عثمان ولا يحل ماله؟ فانتهبوا متاعه. فقامت نائلة فقالت: لصوص ورب الكعبة! يا أعداء اللَّه ما ركبتم من دم عثمان أعظم. أما واللَّه لقد قتلتموه صوَّاماً قوَّاماً يقرأ القرآن في ركعة. ثم خرج الناس من دار عثمان فأغلق بابه على ثلاثة قتلى:
-١- عثمان.
-٢- وعبد عثمان الأسود.
-٣- كنانة بن بشر.
وقد اختلف الرواة في حكاية محمد بن أبي بكر فذكر بعضهم أنه طعن جبين عثمان بمشقص كان في يده. وقيل: إن عثمان لما أمسك محمد لحيته قال له عثمان: أستنصر اللَّه عليك وأستعين به فتركه. وابن الأثير يرجح أنه تركه ولم يضربه.
وذكر ابن الأثير (١٤) أنهم أرادوا قطع رأسه فوقعت نائلة عليه وأم البنين، فصحن وضربن الوجوه. فقال ابن عديس: اتركوه. وأقبل عمير بن ضابئ فوثب عليه وكسر ضلعاً من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن.
وبلغ الخبر علياً وطلحة والزبير وسعداً فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر حتى دخلوا على عثمان فقال عليّ لابنيه: كيف يقتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب، ورفع يده فلطم الحسن، وضرب الحسين على صدره. وشتم محمد بن طلحة وعبد اللَّه بن الزبير، وخرج وهو غضبان ⦗١٨٤⦘ حتى أتى منزله فجاء الناس يهرعون إليه يريدون مبايعته فقال: "واللَّه إني لأستحي أن أبايع قوماً قتلوا عثمان، وإني لأستحي من اللَّه تعالى أن أبايع وعثمان لم يدفن". فافترقوا، وتمت البيعة له.
стр. 127
- مروان ودفاعه عن عثمان (١)
لما ألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان فاحترق بعضها قال: ما احترق الباب إلا لما هو أعظم منه. لا يحركنَّ رجل منكم يده. فواللَّه لو كنت أقصاكم لتخطوكم حتى يقتلوني. ولو كنت أدناكم ما جاوزوني إلى غيري وإني لصابر كما عهد إليَّ رسول اللَّه ﷺ لأصرعن مصرعي الذي كتب اللَّه لي.
فقال مروان: واللَّه لا تقتل وأنا أسمع الصوت. ثم خرج بالسيف على الباب يتمثل بهذا الشعر:
قد علمتْ ذات القرون الميل ... والكف والأنامل الطفول
أبي أروع أول الرعيل ... بغارة مثل قَطا الشليل
ثم صاح: من يبارز وقد رفع أسفل درعه فجعله في منطقته، فوثب إليه ابن النباع، فضربه على رقبته من خلفه، فأثبته حتى سقط، فما ينبض منه عرق، فأدخل بيت فاطمة ابنة أوْس جدة إبراهيم بن العديّ وكانت أرضعت مروان، وأرضعت له. وفي رواية أن فاطمة وثبت على عبيد بن رفاع الذي أراد أن يجهز عليه بعد ضربة ابن النباع وقالت: إن كنت إنما تريد قتل الرجل فقد قتل، وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح. فكفَّ عنه. فما زالوا يشكرونها لها فاستعملوا ابنها إبراهيم بعد.
стр. 128
- فظاعة الجرم!!
لم يتوقع أحد من الصحابة أن يُقتل عثمان. أما الحسن والحسين ومن معهما فقد كانوا يحرسون بابه، ولكن القتلة تسوَّروا عليه من دار مجاورة لداره. لقد قتلوه قتلة شنيعة ترتعد منها الفرائص، ومثلوا به وهو يتلو القرآن، وكانت تلاوة القرآن نوعاً من العبادة، فضربه بعضهم بحديدة، وبعضهم ضربه بمشقص، وطعنه آخر بتسع طعنات، وكسر الآخر ضلعاً من أضلاعه. ولم يكتفوا بذلك بل تعدوا على امرأته المخلصة بالسيف وببذيء الكلام، وأرادوا قطع رأسه بعد أن فارق الحياة، ونهبوا أمتعة المنزل وما في بيت المال، ومنعوا عنه الماء أثناء الحصار حتى ⦗١٨٥⦘ غضب عليّ وهالته قسوتهم، فقال لهم: "أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي".
لا أحد يبرز قتل عثمان والتمثيل به. ولم يجترئ عليه أحد من كبار الصحابة حتى المخالفين له في الرأي، لأنهم كانوا يجلُّونه، ويوقرونه، لمكانه من رسول اللَّه، وأياديه البيضاء في سبيل الإسلام، وحسن أخلاقه، وعواطفه، وسائر فضائله التي لا ينكرها أحد.
لا شك أن هؤلاء القتلة مجرمون، غلاظ الأكباد، قساة القلوب. فلم يراعوا حرمة صحبته للرسول، وصهره، ومنزلته في الإسلام، وخدماته الجليلة، وبذل الأموال الطائلة لنصرته ورفعته، ولم يخجلوا من التهجم على رجل فاضل قال عنه رسول اللَّه: "إن الملائكة تستحي منه" (١) . رجل سهل، لين، كريم، كفَّ يده، ونهى عن سفك دم المسلمين، وهو محاصر أشد الحصار، مهدد بالقتل، وكان مثال الصالحين، والقراء للقرآن، وعاش محبباً للناس لا يميل إلى الشدة والعنف، لقد فتكوا به وهو قابع في بيته، يتعبد بتلاوة القرآن، ونهى أصحابه حتى عن الدفاع عنه. فأيِّ قلب لا يتفطر، وأيِّ دمع لا ينهمر، وأيِّ فؤاد لا يذوب كمداً وأسى على قتل الخليفة الصالح من غير أن يرتكب إثماً يوجب القتل.
إن الذي جنى على عثمان وبغَّضه في الناس هم كما قلنا وقال غيرنا من كبار المؤرخين المحققين أقاربه الذين كان يحسن إليهم، فإنهم كانوا مستشاري سوء، ولم يكن لهم رأي صائب ونظر بعيد، وكانوا مع ذلك يصرفونه حسب أغراضهم وأهوائهم لا حسب ما تقضي به مصلحة المسلمين عامة. وقد ظل عثمان كما قبل ست سنوات في بدء حكمه وهو أحب الناس إلى الناس. فلو أنه ترك وشأنه يدبر الأمور بطبيعته الخيّرة الهادئة التي لا تميل إلى الشدة والقسوة والتعدي، وبلطفه وأدبه وإحسانه وبما اشتهر عنه أيام الرسول لما شكا منه شاك، بل لكان عهده عهد خير وسلام. لكن أقاربه قد تمكَّن منهم حب الذات والجشع، فانتهزوا فرصة خلافته، واستغلوا صفة حميدة فيه ألا وهي صلة الرحم، فكانوا يأتونه من هذه الجهة لينالوا مأربهم من ولاية وثراء واستئثار بالحكم، وقد تحكَّموا فيه زمن شيخوخته فلم يقوَّ على مقاومتهم وخلافهم. فكان ما كان من سفك دمه وبث بذور الفتن والشقاق.
قال جيبون في كتاب سقوط الإمبراطورية الرومانية: "إن عثمان اختار فخُدع، ووثق فغُدر، وصار من كان موضع ثقته عديم الفائدة وعدواً لحكومته، وانقلب إحسانه جوراً وتذمراً".
стр. 129
- قتلة عثمان وخاذلوه: ⦗١٨٦⦘
أجمع أهل السنة على أن عثمان كان إماماً على شرط الاستقامة إلى أن قُتل. وأجمعوا على أن قاتليه قتلوه ظلماً، فإن كان فيهم من استحل دمه فقد كفر. ومن تعمد قتله من غير استحلال كان فاسقاً غير كافر. والذين هجموا عليه واشتركوا في دمه معروفون بقطع بفسقهم، منهم محمد بن أبي بكر، ورفاعة بن رافع، والحجاج بن غزنة، وعبد الرحمن بن خصل الجمحي، وكنانة بن بشر النخعي، وسندان بن حمران المرادي، وبسرة بن رهم، ومحمد بن أبي حذيفة، وابن عتيبة، وعمرو بن الحمق الخزاعي.
وأما الذين قعدوا عن نصرة عثمان فهم فريقان: فريق كانوا معه في الدار فدفعوا عنه كالحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر، والمغيرة بن الأخنس، وسعيد بن العاص، وسائر من كان في الدار من موالي عثمان، إلى أن أقسم عليهم بترك القتال وقال لغلمانه: "من وضع السلاح فهو حر". فهؤلاء أهل طاعة وبر وإحسان. والفريق الثاني من القعدة عن نصرته فريقان: فريق أرادوا نصرة عثمان فنهاهم عثمان عنها، كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد اللَّه بن سلام. فهؤلاء معذورون لأنهم قعدوا عنه بأمره. والفريق الثاني: قوم من السوقة أعانوا الهاجمين فشاركوهم في الفسق واللَّه حسبهم.
ودليلنا على براءة عثمان مما قذف به ورود الروايات الصحيحة بشهادة الرسول له ﷺ بالجنة عند تجهيز جيش العسرة، وما روي من أنه يدخل الجنة بلا حساب، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وقد روي أن النبي ﷺ صعد جبل حراء، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال: "اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد" (١) . وفي هذا دليل على أن عثمان قُتل شهيداً، ودليل صحة إمامته إجماع الأمة بعد عمر أن الإمامة لواحد من أهل الشورى وكانوا ستة، فاجتمع خمسة عليه فحصل إجماع الأمة على إمامته (٢) .
стр. 130
- كتاب نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية:
كتبت نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان ﵁ إلى معاوية كتاباً مع النعمان بن بشير وبعثت إليه بقميص عثمان مخضباً بالدماء. وهذا هو نص كتابها:
من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان ⦗١٨٧⦘.
"أما بعد، فإني أدعوكم إلى اللَّه الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام وهداكم من الضلالة. وأنقذكم من الكفر. ونصركم على العدو. وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة. وأنشدكم اللَّه وأذكركم حقه وحق خليفته أن تنصروه بعزم اللَّه عليكم فإنه قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فإن أمير المؤمنين بُغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حق الولاية لحق على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره، فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب اللَّه وصدق كتابه، واتبع رسوله، واللَّه أعلم به، إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة! وإني أقص عليكم خبره. إني شاهدة أمره كله. إن أهل المدينة حصروه في داره، وحرسوه ليلهم ونهارهم، قياماً على أبوابه بالسلاح يمنعونه من كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء، فمكث هو ومن معه خمسين ليلة وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله. وكان معهم من القبائل خزاعة وسعد بن بكر وهذيل وطوائف من جهينة ومزينة وأنباط يثرب. فهؤلاء كانوا أشد الناس عليه. ثم إنه حصر، فرشق بالنبل، فجرح ممن كان في الدار ثلاثة نفر. فأتاه الناس يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال فنهاهم وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم فردوها عليهم. فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة وفي الأمر إلا إغراقاً فحرقوا باب الدار. ثم جاء نفر من أصحابه فقالوا: إن ناساً يريدون أن يأخذوا من الناس بالعدل فاخرج إلى المسجد يأتوك فانطلق فجلس فيه ساعة وأسلحة القوم مطلة عليه من كل ناحية. فقال: ما أرى اليوم أحداً يعدل. فدخل الدار وكان معهم نفر ليس على عامتهم سلاح. فلبس درعه وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست اليوم درعي. فوثب عليه القوم فكلَّمهم ابن الزبير وأخذ عليهم ميثاقاً في صحيفة بعث بها إلى عثمان. عليكم عهد اللَّه وميثاقه أن لا تقربوه بسوء حتى تكلّموه وتخرجوا. فوضع السلاح، ودخل عليه القوم يقدمهم محمد بن أبي بكر. فأخذ بلحيته ودعوا باللقب. فقال: أنا عبد اللَّه وخليفته عثمان فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات وضربوه على مقدم العين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم، فسقطت عليه، قد أثخنوه وبه حياة، وهم يريدون أن يقطعوا رأسه فيذهبوا به فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي فوطئنا وطئاً شديداً عُرِّينا من حلينا وحرمة أمير المؤمنين أعظم. فقتلوا أمير المؤمنين في بيته مقهوراً على فراشه. وقد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه فإنه واللَّه إن كان أثم من قتله فما سلم من خذله. فانظروا أين أنتم من اللَّه، وأنا أشتكي كل ما مسنا إلى اللَّه وأستصرخ بصالحي عباده. فرحم اللَّه عثمان ولعن قتلته وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة وشفى منهم الصدور".
فحلف رجال من أهل الشام أن لا يمسوا غسلاً حتى يقتلوا عليّاً أو تفنى أرواحهم.
وهذا كتاب طويل ذكرت فيه زوجة عثمان تفاصيل قتله بعد أن فجعت بفقده، لكنها لم ⦗١٨٨⦘ تذكر أسماء من باشروا القتل. وقد كانت نائلة من أخلص المخلصين لزوجها، ودافعت عنه بقدر طاقتها، وعرضت نفسها للقتل. وهكذا فليكن الوفاء والإخلاص. وقد حرضت معاوية والمسلمين بهذا الكتاب على الأخذ بالثأر.
стр. 131
- موقف علي ﵁ إزاء قتل عثمان:
كان علي ﵁ أحد الستة الذين رشَّحهم عمر بن الخطاب للخلافة بعده. وقد بايع عبد الرحمن بن عوف عثمان بناء على ما اجتمع إليه من رأي أصحاب رسول اللَّه وأمراء الأجناد وأشراف الناس.
فقال عمار: إن أردت ألاَّ يختلف المسلمون فبايع علياً. فقال المقداد ابن الأسود: صدق عمار، إن بايعت علياً قلنا سمعنا وأطعنا. وقال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد اللَّه بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن أبي سرح وقال: ومتى كنت تنصح المسلمين.
وأخيراً بايع عثمان فاستاء عليّ وقال: حبوته حبو دهر. ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا يعني بني أمية فصبر جميل واللَّه المستعان على ما تصفون. واللَّه ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك. واللَّه كل يوم هو في شأن.
فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلاً فإني نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
بايع عبد الرحمن عثمان لأنه كما قال نظر وشاور وهو مع ذلك صهر عثمان، وكان لعلي رجال يؤيدونه، لكنه سكت بعد ذلك وأطاع. وكان عثمان يعرف قدره ويقدر رأيه غير أنه تركه ولم يقلده ولاية ما، فلما اشتدت الفتنة لجأ إليه يستشيره ويستنجد به ليرد عنه عادية الأعداء فبذل له من النصح أخلصه فلم يعمل بنصحه لتسلط حاشيته ومستشاريه عليه وقد كانوا يبغضونه في علي خشية أن يطيعه فيفسد عليهم سياستهم وتدابيرهم.
لم يكن عليّ يتحامل على عثمان بل كان يجلّه لقد قال له وهو يحدثه في أمر الفتنة:
"واللَّه ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بأمر دونك. وقد رأيت وسمعت صحبت رسول اللَّه ﷺ ونلت صهره الخ".
ثم أظهر له علي موضع ضعفه وسبب شكوى الناس فقال:
"ضعفت، ورفقت على أقربائك". وقال: "إن معاوية يقطع الأمور دونك، وأنت تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغيّر على معاوية" ⦗١٨٩⦘.
ولما ذهب عثمان إلى عليّ في بيته يسأله أن يرد المصريين عنه قال له: "قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد اللَّه بن سعد. فإنك أطعتهم وعصيتني". فقال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك. فركب عليّ وردَّ عنه المصريين.
ولما خطب عثمان وتاب، ثم خرج مروان وشتم الناس وأفسد عليه توبته غضب علي وحق له أن يغضب نصحته زوجته نائلة أن يستصلحه.
ثم طلب عثمان المهلة ثلاثة أيام وأكد لعليّ أنه يعطيهم الحق من نفسه ومن غيره. فخرج فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجله فيه ثلاثاً على أن يرد كل مظلمة ويعزل كل عامل كرهوه. فكف المسلمون عنه، ورجعوا، إلا أنه كان قد طلب الأجل انتظاراً للمدد من الأمصار حتى إذا قدموا وأنس القوة حاربهم، كما أوحى إليه مروان بن الحكم. وما كان عليّ يدري شيئاً من ذلك بل كان يحسب أنه إنما طلب الأجل ليتسنى له إجابتهم إلى ما يريدون في هذه المدة، لأنه قال له: "اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون فيه مهلة فإني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد". ومضت الأيام الثلاثة ولم يغيّر شيئاً. وعدا ذلك أمر عليّ ابنه وأبناء الصحابة أن يحرسوا باب عثمان، فماذا يصنع عليّ بعد ذلك؟. وماذا كان في طاقته؟.
وعن شداد بن أوس قال: لما اشتد الحصار بعثمان يوم الدار أشرف على الناس فقال: يا عباد اللَّه. قال: فرأيت عليّ بن أبي طالب خارجاً من منزله معتماً بعمامة رسول اللَّه ﷺ متقلداً سيفه. أمامه الحسن وعبد اللَّه بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرَّقوهم، ثم دخلوا على عثمان فقال له عليّ: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه ﷺ لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر وإني لا أرى القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: أنشد اللَّه رجلاً رأى للَّه حقاً وأقرَّ أن لي عليه حقاً أن يهريق في سببي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه فيَّ. فأعاد عليّ عليه القول، فأجابه بمثل ما أجابه، ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة فقالوا: يا أبا الحسن تقدَّم فصلِّ بالناس فقال: لا أصلي بكم والإمام محصور، ولكن أصلي وحدي، فصلَّى وحده وانصرف إلى منزله الخ.
وأخذ علي يبحث عن قتلة عثمان فسأل امرأته فقالت: لا أدري، إلا أن دخل عليه محمد بن أبي بكر ومعه رجلان لا أعرفهما فدعا محمداً وسأله، قال واللَّه لم تكذب دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائب للَّه.
وجميع الروايات تثبت براءة عليّ ﵁ من دم عثمان.
стр. 132
- رؤيا عثمان (١) : ⦗١٩٠⦘
عن عبد اللَّه بن سلام أنه قال:
أتيت عثمان وهو محصور أسلم عليه فقال: مرحباً بأخي مرحباً بأخي. أفلا أحدثك ما رأيت الليلة في المنام؟ فقال: بلى. قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في هذه الخَوْخة (٢) وإذا خوخة في البيت. فقال: أحصروك؟ فقلت: نعم. فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم. فأدلى لي دلواً من ماء فشربت حتى رويت فإني لأجد برداً بين كتفيَّ وبين بدني. إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا. قال: فاخترت أن أفطر عندهم. قال: فقتل عثمان في ذلك اليوم.
وعن مسلم عن أبي سعيد مولى عثمان، أن عثمان أعتق عشرين مملوكاً، ودعا بسراويل، فشدَّها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام. قال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ البارحة وأبا بكر وعمر فقالوا لي: صبراً، فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه.
عن ابن عمر أن عثمان أصبح يحدث الناس. قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام. قال: يا عثمان أفطر عندنا غداً فأصبح صائماً وقتل من يومه. واختلاف الروايات محمول على تكرار الرؤيا فكانت مرة نهاراً ومرة ليلاً.
стр. 133
- وصيته:
عن العلاء بن الفضل عن أمه. قال: لما قُتل عثمان فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوباً فيها:
"هذه وصية عثمان: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن اللَّه يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه. إن اللَّه لا يخلف الميعاد. عليها يُحيى وعليها يموت. وعليها يُبعث إن شاء اللَّه".
стр. 134
- آخر خطبة لعثمان ﵁ (١) :
ذكر الطبري آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة:
"إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها. إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى. فلا تُبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ⦗١٩١⦘ ما يفنى. فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى اللَّه. اتقوا اللَّه فإن تقواه جُنة من بأسه ووسيلة عنده.
واحذروا من اللَّه الغِيرَ والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
стр. 135
- دفن عثمان ﵁ (١) :
قيل: بقي عثمان ثلاثة أيام لم يدفن، ثم إن حكيم بن حزام وجبير بن مطعم، كلَّما علياً في أن يأذن في دفنه، فقعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وغيرهم، وفيهم الزبير والحسن وأبو جهم بن حذيفة ومروان بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطاً من حيطان المدينة يسمى حَش كوكب (٢) . وهو خارج البقيع فصلَّى عليه جبير بن مطعم، وخلفه حكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه، ثم تركوهم خوفاً من الفتنة.
وعن الربيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه قال: كنت أحد حملة عثمان بن عفان حين توفي حملناه على باب، وإن رأسه يقرع الباب لإسراعنا به، وإن بنا من الخوف لأمراً عظيماً، حتى واريناه في قبره في حش كوكب.
وأرسل عليّ إلى من أراد أن يرجم سريره ممن جلس على الطريق لما سمع بهم فمنعهم عنه.
ونزل في قبره، بيان وأبو جهم وحبيب، وقيل: شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وعامة من أصحابه.
وعن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه، وفي البخاري أنه لم يغسل.
стр. 136
- مدة حياته (١) :
كانت مدة حياة عثمان على المشهور ٨٢ سنة. قال الواقدي: لا خلاف عندنا أنه قُتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وهو قول أبي اليقظان.
стр. 137
- خطبة علي ﵇ عند بيعته بعد مقتل عثمان ﵁ (١) : ⦗١٩٢⦘
"أيها الناس، كتاب اللَّه وسنة نبيكم، لا يدَّع مدعٍ إلا على نفسه. شُغِلَ الجنةُ والنارُ أمامه. ساعٍ نجا. وطالبٌ يرجو. ومقصرٌ في النار، ثلاثة واثنان: ملَك طار بجناحيه، ونبي أخذ اللَّه بيديه، لا سادسَ. هلك من اقتحم. وردِيَ من هوى. واليمين والشمال مضلَة، الوسطى الجادَّةُ: منهج عليه باقٍ: الكتاب وآثار النبوة. إن اللَّه أدَّب هذه الأمة بأدبين: السوطِ والسيفِ، فلا هوادة فيهما عند الإمام. فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور ملتم علي فيها مَيلة لم تكونوا عندي محمودين ولا مصيبين. واللَّه أن لو أشاء أن أقول لقلت. عفا اللَّه عما سلف. انظروا، فإن أنكرتم فأنكروا وإن عَرَفتم فاروُوا. حق وباطل ولكل أهل، واللَّه لئن أمِّر الباطل لقديماً فعل. ولئن أمر الحق لَرُبَّ ولعل. ما أدبر شيء فأقبل".
стр. 138
- عمال عثمان سنة وفاته (١) :
قتل عثمان بن عفان ﵁ وعماله على الأمصار كما يلي:
-١- عبد اللَّه بن الحضرمي على مكة.
-٢- القاسم بن ربيعة الثقفي على الطائف.
-٣- يعلى بن منية على صنعاء.
-٤- عبد اللَّه بن ربيعة على الجند.
-٥- عبد اللَّه بن عامر على البصرة، خرج منها ولو يول عليها عثمان.
-٦- سعيد بن العاص على الكوفة.
-٧- عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح على مصر.
-٨- معاوية بن أبي سفيان على الشام.
-٩- عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على حمص.
-١٠- حبيب بن مسلمة على قنسرين.
-١١- أبو الأعور بن سفيان على الأردن.
-١٢- علقمة بن حكيم الكناني على فلسطين.
-١٣- عبد اللَّه بن قيس الفزاري على البحرين.
-١٤- أبو الدرداء على القضاء ⦗١٩٣⦘.
-١٥- جرير بن عبد اللَّه على قرقيسياء.
-١٦- الأشعث بن قيس على أذربيجان.
-١٧- عتيبة بن النهاس على حُلوان.
-١٨- مالك بن حبيب على ماه.
-١٩- النسَير على همذان.
-٢٠- سعيد بن قيس على الرَّيِّ.
-٢١- السائب بن الأقرع على أصبهان.
-٢٢- حبيش على ماسبذان.
-٢٣- عقبة بن عمرو على بيت المال.
-٢٤- زيد بن ثابت على قضاء عثمان.
стр. 139
- فتوح المسلمين في خلافة عثمان:
حكم عثمان ﵁ اثني عشر عاماً وكانت خلافته فتحاً وفوزاً للمسلمين امتدت سطوتهم إلى بلاد النوبة في مصر واتصلت بحدود الهند حتى ضربت النقود الإسلامية على ما قيل بهراة، وأنشؤوا الأساطيل بعد أن لم يكن لهم سفينة واحدة في البحر وغزوا الجزر، وحاربوا في البحر، وزادت هيبتهم في نفوس الدول الأخرى، ولا سيما الروم، وفتح المسلمون شمالي أفريقية، وقتلوا آخر ملك للفرس وغزوا الترك، وواصلوا الفتوح حتى القوقاز مجتازين الفيافي والقفار والجبال، واستولوا على جزيرة قبرس ورودس، واستأذن معاوية بفتح القسطنطينية فأذن له فسار إليها ورجع عنها بعد أن حاصرها مدة.
تمت كل هذه الفتوح العظيمة بسرعة مدهشة لم يعهدها التاريخ من قبل بالرغم من الفتن الداخلية والنقمة على عثمان، وبالرغم من لين الخليفة وشدّة حياته، لأن المسلمين كانوا يجاهدون في سبيل اللَّه بقوة إيمانهم وقد ذاقوا حلاوة الفتح والنصر والغنائم، فلم يكن يعوقهم عن الفتح عائق. وقد قامت هذه الفتوح على يد الولاة الذين ولاَّهم عثمان أمثال الوليد وسعيد بن العاص وعبد اللَّه بن عامر وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح ومعاوية. فلا غرو إذا قلنا إن عهد عثمان كان عهد فوز للمسلمين كانت هذه الفتوح العظيمة سبباً في اتساع الدنيا على الصحابة. فكثرت الأموال حتى كان الفَرس يُشترى بمائة ألف، وحتى كان البستان يباع بالمدينة بأربعمائة ألف درهم، وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات والأموال والناس يجبى إليها خراج الممالك وهي دار الأمان، وقبة الإسلام، فبطر لناس بكثرة الأموال والخيل والنعم وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا. ثم أخذوا ينقمون على خليفتهم.
стр. 140
الفصل السابع: آراء ومواقف في مقتل عثمان ﵁ .
стр. 141
- رأي الأستاذ فريد وجدي في مقتل عثمان:
نورد هنا ما كتبه الأستاذ فريد وجدي في دائرة المعارف خاصَّاً بمقتل عثمان:
"إن الناظر في حادثة عثمان على ما أحاطها به المؤرخون من عبارات التضليل الباعث عليه ضعف النقد، يعدها أمراً جليلاً، وهي في حقيقتها أمر طبيعي، كانت نتيجتها لازمة لمقدمات سابقة. ونحن لا نود أن نقول بأن عثمان ﵁ استحق أن يقتل. ولكنا نقول: إنه استحق أن يعزل، ولكن الشكل الفذُّ الذي كانت عليه الحكومة إذ ذاك لم يسمح إلا بحدوث هذه النتيجة المحزنة المريعة.
عثمان استحق أن يعزل لجملة أسباب:
أولاً - لضياع هيبة الخلافة في عهده، فإنه كان يجترئ رجل مثل "جهجاه" على كسر العصا التي كان يتوكأ عليها، وهو على المنبر، فلم يقوَّ على معاقبته بما يستحق، أو بمؤاخذته بحيث لا يجترئ بمثلها.
وقد تبيَّن من تاريخ حياته أنه كان يصعد المنبر فيتوب مما فعل، ويستغفر اللَّه، ثم يعود سيرته الأولى من الخضوع لرأي فتية بني أمية. وفي توبته إقرار بأنه أخطأ، ثم في عودته دليل محسوس على خضوعه للمؤثرين عليه، وكفى بهذا مسقطاً لهيبة الخلافة، وهي الوظيفة التي كانت تعتبر تالية لمقام النبوة.
ثانياً - لوقوعه تحت تأثير قرابته، من أمثال عبد اللَّه بن أبي سرح، وعمرو بن العاص (١) ، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، وهم إما من الطلقاء الذين مَنَّ رسول اللَّه ﷺ عليهم بالعفو عند فتح مكة بعد أن كان تاريخهم في مكافحة الدعوة الإسلامية أقبح تاريخ. وإما من الفتيان الذين لا حريجة لهم في الدين، ولا صفة لهم بين المؤمنين ⦗١٩٨⦘.
ثالثاً - لحرمانه المجتمع الإسلامي من مكونيه الأولين أمثال علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد اللَّه بن عمر، وغيرهم من كبار الصحابة، واعتماده على فتيان بني أمية. فكان يرسل إلى الولايات الكبرى كمصر وسورية والعراقين والفرس من أولئك الفتية ممن لا يحسنون قيادة، ولا يعرفون سيادة. ويترك أمثال أولئك الكاملين عاطلين بلا عمل، وهم مكونو المجتمع الإسلامي وأرواحه التي أقامته من المجتمعات البشرية.
هذه الأمور الثلاثة وحدها كانت كافية لإهلاك المجتمع الإسلامي وحلِّ الوحدة الدينية، وهي وحدها كانت كافية لجمع المسلمين على خلع ذلك الخليفة، ولكن شكل تلك الحكومة لم يكن يسمح لهم بخلعه، فحدثت الحادثة التي انتهت بقتله.
كان عثمان يستطيع أن يتلافى الوقوع في شرِّ هذه الحوادث بتولية أمثال علي وطلحة والزبير الولايات الكبيرة. فإن هؤلاء النفر كان لهم من المقام الرفيع، والسوابق الجليلة، والحب في نفوس الناس ما كان يقيم الكافة على الطريق السوِّي، ويوجد للمجتمع الإسلامي روحه المدبر، ولكن عثمان كان تحت تأثير مثل عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح المطعون في دينه، ومروان بن الحكم المكروه من الناس وغيرهما من الغلمان والأحداث دون أولئك الصحابة الأكرمين الذين استعان بهم النبي ﷺ نفسه في تكوين الأمة، واستعان بهم أبو بكر وعمر في تقويم معرج الشؤون. فكيف لا تنحرف عنه الأمة؟. وكيف لا تسقط مهابة الخلافة؟. وكيف لا يجترئ الناس عليه!.
إن قتل عثمان ﵁ على حسن سوابقه وفضله في إقامة الدين، وبذله نفسه وماله في مساعدة رسول اللَّه ﷺ ، يعد من الأمور المريعة. ولكن الثائرين طلبوا إليه أن يخلع نفسه فأبى فحاصروه ليحملوه على ذلك فأصر على الإباء. فدخلوا عليه وهددوه بالقتل فلم يزدد إلا إباءً فاستهدف نفسه بذلك لما حدث.
هذا رأينا ولكن إخواننا المؤلفين الأولين كانوا يذهبون في تعظيم الأشخاص مذهباً لا يلائم نصَّ الدين نفسه، فاستنكروا حادثة عثمان استنكاراً لم يفعله معاصروه أنفسهم".
стр. 142
- رأي رفيق بك العظم:
كتب الأستاذ رفيق بك العظم المؤرخ الشهير في ترجمته حياة عثمان بن عفان كلمة في هؤلاء الناقمين على عثمان وفي أهمية تاريخ الصحابة، ما يأتي:
"إنَّ من يطالع هذا الخبر من أسراء الاستبداد وأليفي الاستعباد يعجب من جرأة القوم وتجاوزهم حدود الحشمة مع وجود الصحابة، وأعجب منه عندهم أن يتجاوز عن القوم لا ينالهم ⦗١٩٩⦘ أدنى عقاب على ما فعلوه سوى التوبيخ، إذ لو حدث من غيرهم ما حدث منهم في حكومة أخرى غير الحكومة الإسلامية يومئذٍ لما كان جزاؤهم إلا القتل أو قضاء الحياة في أعماق السجون. ولكن شأن العرب وشأن الإسلام وحكومته يومئذٍ لا يضاهيه شأن الأمم الأخرى وحكوماتها. إذ العرب قد اعتادوا بأصل الفطرة حرية الفكر والقول. وشرائع الإسلام لم تكن مصادمة لتلك الفطرة، بل هي معينة لها، داعية لتهذيبها وارتقائها. فالقرآن يأمر المسلمين عامة بقول الحق، وأن يقوموا بالقسط ويشهدوا بالحق ولو على أنفسهم، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. وفي هذا كله ما يجيز لهم الانتقاد على الأمراء والعمال ويطلق لهم العنان فيما اعتادته فطرتهم من حرية القول، بشرط أن لا يترتب على قولهم حدُّ من الحدود الشرعية كالقذف وكل ما يمسُّ بالشرف والعرض ويدعو إلى إقامة الحدِّ، أو أية عقوبة من عقوبات التعزير. لهذا قام هؤلاء الناس وغيرهم في الأمصار الإسلامية يظهرون الطعن على عثمان وعماله باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس من يجرؤ على معاقبتهم، أو الضرب على أيديهم من العمال، لأنه حق من الحقوق التي خولتها لهم الفطرة والشرع. ولم يظهر عليهم النكير إلا بعد أن ترتب على عملهم حق من حقوق اللَّه في قتل عثمان ﵀ ورضي اللَّه عنه. وهذا عين ما يشاهد الآن في الممالك الأوربية ذات الحكومات الشورية من إطلاق ألسنة الانتقاد على الحكومات ومناقشة أهل الشورى للوزراء في كل جليل وحقير. وكثيراً ما يلجئون الوزراء إلى اعتزال مناصبهم إذا رأوا منهم ما يستدعي ذلك، فيعتزلونها صاغرين. وشأنهم هذا شأن المسلمين في ذلك العهد مع أمرائهم كما رأيت. وترى العبرة في عثمان ﵁ وعماله ونهوض الأمة لمؤاخذته على أمور هي ولا نكران للحق أقل مما يأتيه أصغر عامل من عمال الدول المطلقة في هذا العصر وفي كل عصر. ومع هذا فقد أفضى الأمر إلى طرد عماله من الأمصار، ثم إجلاب الناس عليه بالخيل والرجل من كل مصر وقتله بين ظهراني إخوانه من المهاجرين والأنصار. فليت شعري كيف نسي المسلمون تاريخ هذه النشأة التي نشأ عليها أسلافهم وأهملوا أمور شريعتهم التي عمل بها مؤسسو دولتهم فاستخذوا بعد ذلك للأمراء واستسلموا للقضاء حتى صاروا أسراء الاستبداد، وتعبَّدهم الملوك في كل الأنحاء، وسامتهم الدول الحاكمة عليهم من إسلامية ومسيحية دروب الخسف. وأذاقتهم أنواع الهوان. وأين تلك الروح البارَّة والنفس العالية التي كانت تأبى الضيم وتغضب للحق فترى أن الموت والحياة سيان في سبيل الذود عن حقوقها والاحتفاظ بحريتها.
لا جرم أن الأمة الإسلامية قد أُنست ذلك لأمرين:
الأول: عدم العناية بوضع قواعد الشورى على الأصول الثابتة منذ نشوء الدولة كما سبق بيان هذا في صدر هذا الجزء.
والثاني: تحريم العلماء بإيعاز الأمراء الخوض في تاريخ الخلفاء ⦗٢٠٠⦘ الراشدين (١) وأخبار الصدر الأول التي كلها حياة. كلها عبر. حرية. وليس في كل ما كان بين الصحابة من الأمور العظام، والفتن الجسام، ما يدعو ديناً أو أدباً إلى اجتناب الخوض في أخبارهم والنظر في تاريخهم تعظيماً لهم واحتراماً لجنابهم، وتسليماً بسلامة مقاصدهم كما يذهب إليه خدام الأمراء من بعض العلماء. إذ لو كان في أخبارهم ما يمنع من الخوض فيها ديناً، أو أدباً لاستلزم أنها أعمال تحطُّ من منزلتهم وتقلل من احترامهم. وهذا باطل بالبداهة.
والحقيقة هي أن هذا التحريم لم يكن إلا بإيعاز الأمراء الجبارين والزعماء المستبدين. لأن تاريخ الصدر الأول وأخبار الصحابة كلها تدل على حياة منبثة في صدور القوم ومقاصد عالية تعلي شأن أولئك الرجال، وواللَّه ليس في تاريخ من تواريخ الأمم في بدء نشأتها وإبان ظهورها ما في تاريخ الخلفاء الراشدين. ووقائع الصحابة من الحوادث التي ترمي كلها إلى غرض الحرية وتمحيص الحق مما قلَّ أن يكون في أمة حديثة النشأة ودولة جديدة التكوين. أما أن فريقاً منهم أخطأ وفريقاً أصاب. وفريقاً بغى وفريقاً بغي عليه. فهذا الحكم إنما هو تابع للمقاصد والمقاصد كانت كلها متجهة إلى تمحيص الحق والرغائب العالية. فمن العبث أن يحكم بخطأ فريق ما دام يعتقد أنه على صواب. ومثاله هؤلاء المحرضون على عثمان، فإنا مع اعتقادنا أن عثمان ﵁ خير من كثير غيره ممن أتى بعده من الخلفاء. ومع علمنا أنه لم يأتِ من حبِّ النفس أو الأثرة بجزء مما يأتيه حتى أشهر من اشتهر بالعدل من الخلفاء الأمويين أو العباسيين، أو غيرهم فإن أولئك الثائرين على عماله الناقمين منه مهما كان الدافع لهم إلى ذلك العمل فإن غايتهم التي يقصدون إليها بحسب الظاهر هي العدل بين الناس بعدم الاستئثار بمصالح المسلمين ومنافع الأمة كما تعودوا ذلك من الخليفتين السابقتين، وإن كانت سيرتهما في الخلافة وسياسة الملك فوق المستطاع لمن عداهما. لهذا لم يستطع أن يمد إليهم العمال بسوء فهم إذا أوخذوا فإنما يؤاخذون من جهة أنهم كانوا يطلبون من عثمان فوق ما يستطاع بالنسبة إليه. وأنهم غلوا في ذم سيرته تذرعاً لمحو الصبغة الأموية من الدولة غلواً يلامون عليه ما دام ذلك الغلو لغرض آخر يرمون إليه.
وأما قتلته فإنهم أخزاهم اللَّه ليسوا بمؤاخذين وحسب بل هم ملعونون على لسان كبار الصحابة كحذيفة بن اليمان وأضرابه، وهو مسؤولون عن عملهم دون غيرهم. وقد جنوا على الأمة في مستقبلها جناية كبرى كما سنشير إليه بعد إن شاء اللَّه ⦗٢٠١⦘.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن أخبار الصحابة إنما حرم بعضهم الخوض فيها، لأنها أخبار قوم ملئت صدورهم بالحياة ونفوسهم بالعزة. وهم بالضرورة قدوة الأمة، والمنادون منذ نشأت الدولة بصوت العدل والحرية والحق. فوقوف الناس على أخبارهم والأخذ والردُّ فيما حدث بينهم يُحيي في القلوب روح الحرية، ويبعث على استظهار عامة الناس للحجة التي يصادمون بها آلات الاستبداد من الخلفاء والملوك الذين حولوا الخلافة إلى الملك العضوض، وأمعنوا في التمكُّن من رقاب الناس. ولهذا ولما كثر خوض الناس في أخبار الصحابة أرادوا إلهاءهم عنها بحجة حرمة الخوض فيها، فأوعزوا إلى الوضاع والقصاصين بوضع أخبار المغازي، وقصة عنترة، وأشباهها في أعصر مختلفة لا تعلم بالتحقيق، إلا إذا صحَّ نسبة أكثر تلك الكتب إلى الواقدي والأصمعي، فإنها تكون في عصر العباسيين وذلك ليتلهى بها العامة عن التاريخ الصحيح الذي يبعث في النفوس روح الجرأة على قول الحق والتشبه بسلف الأمة ورجالها، ورافعي دعامة دولتها في مناهضة أرباب العتو والجبروت ومحبي الاستبداد وآلهة الملك. هذا ما أراه في هذا الباب واللَّه أعلم بالصواب".
стр. 143
- المدافعون عن عثمان:
قد أبدينا رأينا في سياسة عثمان ﵁، وذكرنا في مواطن شتى أسباب الفتنة، وما استوجب غضب الناس عليه وقتئذٍ، كما أننا ذكرنا ردَّه على منتقديه، لكنه ﵁ عاد فتاب في خطبة له، وإن كان لم يغيّر سياسته بسبب تسلط أقاربه عليه، غير أن بعض المؤلفين تعرَّضوا لأسباب النقمة وفنَّدوها واحدة واحدة، ومعنى ذلك أن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت وقد أجمعت تقريباً عدا أقاربه على نقد خطته السياسية كانوا على خطأ، مع العلم بأن كبار الصحابة كانوا لا يرون رأيه وينقدون سياسته ونصحوا مراراً بالإقلاع عنها، فالدفاع عنه وتبرئته من كل خطأ أدى إلى هذه الكارثة التي أعقبتها كوارث مناقض لرأي الصحابة ولتوبته الأخيرة. وليس يتضح الحق بمثل هذا الدفاع، وقد نقل الأستاذ فريد وجدي بعض ما كتبه أبو بكر محمد بن يحيى الأشعري في كتابه "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" دفاعاً عنه فليراجعه من أراد التفصيل والكتاب موجود بدار الكتب المصرية.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نأتي على ذكر مثال مما ردَّ به أبو جعفر أحمد، الشهير بالمحب الطبري، صاحب كتاب "الرياض النضرة في مناقب العشرة" قال:
الأول: ما نقموا عليه من عزله جمعاً من الصحابة، منهم أبو موسى عزله عن البصرة وولاها عبد اللَّه بن عامر. ومنهم عمرو بن العاص عزله عن مصر وولاها عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، وكان ارتد في حياة النبي ﷺ ولحق بالمشركين، فأهدر النبي ﷺ دمه بعد الفتح إلى ⦗٢٠٢⦘ أن أخذ له عثمان الأمان، ثم أسلم. ومنهم عمار بن ياسر عزله عن الكوفة، ومنهم المغيرة بن شعبة عزله عن الكوفة أيضاً، ومنهم عبد اللَّه بن مسعود عزله عن الكوفة أيضاً وأشخصه إلى المدينة.
الجواب: أما القضية الأولى وهي عزل من عزله من الصحابة فإليك التفصيل: أما أبو موسى فكان عذره في عزله أوضح من أن يذكر فإنه لو لم يعزله اضطربت البصرة والكوفة وأعمالهما للاختلاف الواقع بين جند البلدين. وقصته: أنه كتب إلى عمر في أيامه يسأله المدد فأمده بجند الكوفة، فأمرهم أبو موسى قبل قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا إليها وفتحوها، وسبوا نساءها وذراريها، فحمدهم على ذلك، وكره نسبة الفتح إلى جند الكوفة دون جند البصرة فقال لهم: إني كنت أعطيتهم الأمان وأجلتهم ستة أشهر فردوا عليهم، فوقع الخلاف في ذلك بين الجندين وكتبوا إلى عمر فكتب عمر إلى صلحاء جند أبي موسى، مثل البراء وحذيفة وعمران بن حصين وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الأنصاري وأمثالهم وأمرهم أن يستحلفوا أبا موسى، فإن حلف أنه أعطاهم الأمان وأجلهم ردوا عليهم فاستحلفوه فحلف ورد السبي عليهم وانتظر لهم أجلهم وبقي الجند حانقين على أبي موسى، ثم رفع على أبي موسى إلى عمر وقيل له: لو أعطاهم الأمان لعلم ذلك، فأشخصه عمر وسأله عن يمينه فقال: ما حلفت إلا على حق. قال: فَلِمَ أمرت الجند حتى فعلوا ما فعلوا وقد وكلنا أمرك في يمينك إلى اللَّه تعالى، فارجع إلى عملك. فليس نجد الآن من يقوم مقامك، ولعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك وليناه. فلما مضى عمر لسبيله وولى عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى، وشكا جند الكوفة ما نقموا عليه، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله عن البصرة، وولاَّها أكرم الفتيان عبد اللَّه بن عامر بن كريز وكان من سادات قريش وهو الذي سقاه رسول اللَّه ﷺ ريقه حين حُمِلَ إليه طفلاً في مهده.
وأما عمرو بن العاص فإنما عزله، لأن أهل مصر أكثروا شكايته، وكان عمر قبل ذلك عزله لشيء بلغه عنه، ثم لما ظهرت توبته ردَّه، كذلك عزله عثمان لشكاية رعيته، كيف والرافضة يزعمون أن عمراً كان منافقاً في الإسلام، وعلى زعمهم فقد أصاب عثمان في عزله، فكيف يعترضون على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم؟.
وأما تولية عبد اللَّه فمن حسن النظر عنده، لأنه تاب وأصلح عمله، وكانت له فيما ولاَّه آثار محمودة، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة حتى انتهى في إغارته إلى الجزائر التي في بحر بلاد الغرب وحصَّل في فتوحه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار سوى ما غنمه من صنوف الأموال، وبعث بالخمس منها إلى عثمان، وفرَّق الباقي في جنده، وكان في جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم، كعقبة بن عامر الجهني، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص قاتلوا تحت رايته، وأدُّوا طاعته، ووجدوه أقدر على سياسة الأمر من عمرو بن ⦗٢٠٣⦘ العاص، ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فإنه حين قتل عثمان اعتزل الفريقين، ولم يشهد مشهداً، ولم يقاتل أحداً بعد قتال المشركين.
وأما عمار بن ياسر فأخطؤوا في ظن عزله، فإنه لم يعزله وإنما عزله عمر. كان أهل الكوفة قد شكوه، فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة، إن استعملت عليهم تقياً استضعفوه، وإن استعملت عليهم قوياً فجروه، ثم عزله وولَّى المغيرة بن شعبة، فلما ولِيَ عثمان شكوا المغيرة إليه، وذكروا أنه ارتشى في بعض أموره، فلما رأى ما وقرَّ عندهم منه استصوب عزله عنهم، ولو كانوا مفترين عليه. والعجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة وهم يكفرون المغيرة على أنا نقول: ما زال ولاة الأمر قبله وبعده يعزلون من أعمالهم من رأوا عزله ويولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم. عزل عمر خالد بن الوليد عن الشام وولى أبا عبيدة، وعزل عماراً عن الكوفة وولاَّها المغيرة بن شعبة، وعزل علي قيس بن سعد عن مصر وولاَّها الأشتر النخعي. ألا ترى إلى معاوية وكان مما ولى عمر لما ضبط الجزيرة وفتح البلاد إلى حدود الروم وفتح جزيرة قبرس وغنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض وأصناف المال وحمدت سيرته وسراياه أقره على ولايته.
وأما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد.
هذا جواب المحب الطبري معتذراً عن عثمان في المسألة الأولى التي ذكرها. ونحن نقول: إن الخليفة له أن يعزل من شاء من الولاة ممن يرتكبون وزراً، أو يشك في سيرتهم، ويعين من يثق بهم، لكنهم نقموا على عثمان أنه كان يراعي أقاربه، ويخصهم بالولاية، ويتسامح معهم. وإن الفتنة لم تنشأ عن شكوى خاصة بل عن عدة أمور كانت في مجموعها سبباً في السخط العام. فعبد اللَّه بن عامر الذي ولاَّه عثمان البصرة مكان أبي موسى كان ابن خاله، وكان عمره خمساً وعشرين عاماً وقتئذٍ مع اعترافنا بفتوحه وشجاعته، وولى مصر عبد اللَّه بن سعد ابن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة، وكان كاتب الوحي، ثم ارتد مشركاً، وأهدر رسول اللَّه دمه إلى أن أخذ عثمان له الأمان. نعم إنه فتح شمال إفريقية لكن عمراً المعزول عن ولاية مصر، والذي له الفضل في فتحها قد أغضبه أن يعزل فوجد مجالاً للطعن على الوالي الجديد من هاتين الناحيتين وغيرهما، وظل ناقماً طاعناً على عثمان إلى النهاية، ولا يخفى أن عمراً كان داهية في وسعه توسيع دائرة الفتنة.
أما عبد اللَّه بن مسعود الذي عزله عثمان عن الكوفة، فقد كان سيَّره عمر بن الخطاب إلى الكوفة وكتب إلى أهلها:
"إني قد بعثت عمار بن ياسر أميراً، وعبد اللَّه بن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما، ⦗٢٠٤⦘ وقد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي".
فهذه هي شهادة عمر في عمار بن ياسر وعبد اللَّه بن مسعود. وعمر لا يحابي أحداً ولا يقول غير الحق. فعزل عبد اللَّه بن مسعود أحدث استياء لما له من العلم والفضل وعن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى عبد اللَّه بن مسعود يأمره بالقدوم عليه بالمدينة وكان بالكوفة اجتمع الناس عليه فقالوا: أقم ونحن معك نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه. فقال عبد اللَّه: إن له عليّ حق الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن فلا أحب أن أكون أوّل من فتحها، فرد الناس وخرج إليه.
قال المحب الطبري:
"الثاني: ما ادعوا عليه من الإسراف في بيت المال وذلك بأمور منها أن الحكم بن العاص لما ردَّه من الطائف إلى المدينة، وقد كان طرده النبي ﷺ وصله من بيت المال بمائة ألف درهم وجعل لابنه الحارث سوق المدينة يأخذ منها عشور ما يباع فيها. ومنها أنه وهب لمروان خمس أفريقية. ومنها أن عبد اللَّه بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية قدم عليه فوصله بثلاثمائة ألف درهم. ومنها ما رواه أبو موسى قال: كنت إذا أتيت عمر بالمال والحلية من الذهب والفضة، لم يلبث أن يقسم بين المسلمين حتى لا يبقى منه شيء. فلما ولي عثمان أتيت به فكان يبعث به إلى نسائه وبناته. فلما رأيت ذلك أرسلت دمعي وبكيت. فقال لي: ما يبكيك؟ فذكرت له صنيعه وصنيع عمر. فقال: رحم اللَّه عمر كان حسنة وأنا حسنة ولكلٍ ما اكتسب. قال أبو موسى: إن عمر كان ينزع الدرهم الفرد من الصبي من أولاده فيردّه في مال اللَّه ويقسّمه بين المسلمين، فأراك قد أعطيت إحدى بناتك مجمراً (١) من الذهب مكللاً باللؤلؤ والياقوت، وأعطيت الأخرى درتين لا يعرف كم قيمتهما. فقال: إن عمر عمل برأيه ولا يألو عن الخير، وأنا أعمل برأيي ولا آلو عن الخير. وقد أوصاني اللَّه تعالى بذوي قراباتي، وأنا مستوصٍ بهم وأبرّ برّهم. ومنها ما قالوا إنه أنفق أكثر بيت المال في ضياعه ودوره التي اتخذها لنفسه ولأولاده. وكان عبد اللَّه بن أرقم ومعيقيب على بيت المال في زمن عمر فلما رأيا ذلك استعفيا فعزلهما، وولاَّه زيد بن ثابت وجعل المفاتيح بيده. فقال له يوماً: قد فضل في بيت المال فضلة خذها لك، فأخذها زيد فكانت أكثر من مائة ألف درهم".
"وأما القصة الثانية فهو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترى عليه ومختلق وما صحَّ منه فعذره فيه واضح. وأما ردّه الحكم إلى المدينة فقد ذكر ﵁ أنه كان استأذن النبي ﷺ في ردّه إلى المدينة فوعده بذلك. فلما ولى أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال: كيف أرده إليها وقد نفاه رسول اللَّه ﷺ . فقال له عثمان ذلك. فقال له: إني لم أسمعه يقول لك ذلك، ولم ⦗٢٠٥⦘ تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى، ولم يريا الحُكم بقول الواحد، فلما ولى قضى بعلمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب عثمان، وهذا بعد أن تاب الحكم عما كان طرده لأجله، وإعانة التائب مما تحمد.
وأما صلته من بيت المال بمائة ألف، فلم تصح، وإنما الذي صح أنه زوَّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم، وبذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، وكان ﵁ ذا ثروة في الجاهلية والإسلام، وكذلك زوَّج ابنته أم أبان من ابن مروان بن الحكم، وجهَّزها من خاص ماله بمائة ألف لا من بيت المال، وهذه صلة رحم يحمد عليها.
وأما طعنهم على عثمان أنه وهب خمس أفريقية من مروان بن الحكم فهو غلط منهم، وإنما المشهور في القضية أن عثمان كان جهز ابن أبي سرح أميراً على آلاف من الجند، وحضر القتال بأفريقية. فلما غنم المسلمون أخرج ابن أبي سرح الخمس من الذهب وهو خمسمائة ألف دينار فأنفذها إلى عثمان، وبقي من الخمس أصناف من الأثاث والمواشي مما يشق حمله إلى المدينة فاشتراها مروان منه بمائة ألف درهم، نقد أكثرها وبقيت منها بقية، ووصل عثمان مبشراً بفتح أفريقية وكانت قلوب المسلمين مشغولة خائفة أن يصيب المسلمين من أفريقية نكبة، فوهب له عثمان ما بقي عليه جزاء ببشارته، وللإمام أن يصل المبشرين من بيت المال بما رأى على قدر مراتب البشارة.
وأما ذكره من صلته عبد اللَّه بن خالد بن أسد بثلاثمائة ألف درهم فإن أهل مصر عاتبوه على ذلك لما حاصروه، فأجابهم بأنه استقرض له من ذلك من بيت المال، وكان يحتسب لبيت المال ذلك من نفسه حتى وفَّاه.
وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة يأخذ عشور ما يباع فيه فغير صحيح. وإنما جعل إليه سوق المدينة ليراعي أمر المثاقيل والموازين فتسلط يومين أو ثلاثة على باعة النوى واشتراه لنفسه، فلما رُفع ذلك إلى عثمان أنكر عليه وعزله وقال لأهل المدينة: إني لم آمره بذلك. ولا عتب على السلطان في جور بعض العمال إذا استدرك بعد علمه. وقد روي أنه جعل على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين وقال لأهل المدينة: إذا رأيتموه سرق شيئاً فخذوه منه وهذا غاية الإنصاف.
وأما قصة أبو موسى فلا يصح شيئاً منها. فإنه رواه ابن إسحاق عمن حدثه عن أبي موسى ولا يصح الاستدلال برواية المجهول. وكيف يصح ذلك وأبو موسى ما ولى لعثمان عملاً إلا في آخر السنة التي قتل فيها ولم يرجع إليه، فإنه لما عزله عن البصرة بعبد اللَّه بن عامر لم يتول شيئاً من أعماله إلا إرسال أهل الكوفة إليه في السنة التي قتل فيها أن يوليه الكوفة فولاه إياها ولم يرجع إليه. ثم يقال للخوارج والروافض إنكم تكفرون أبا موسى. فلا حجة في دعوى بعضهم على بعض ⦗٢٠٦⦘.
وأما عزل ابن الأرقم ومعيقيب عن ولاية بيت المال، فإنهما أسنا وضعفا عن القيام بحفظ بيت المال. وقد روي أن عثمان لما عزلهما خطب الناس وقال: "ألا إن عبد اللَّه بن الأرقم لم يزل على جرايتكم زمن أبي بكر وعمر إلى اليوم وأنه كبر وضعف وقد ولينا عمله زيد بن ثابت".
وما نسبوه إليه من صرف مال بيت المال في عمارة دوره وضياعه المختصة، فبهتان افتروه عليه. وكيف وهو من أكثر الصحابة مالاً؟. وكيف يمكن ذلك بين أظهر الصحابة مع أنه الموصوف بكثرة الحياء، إذ أن الملائكة تستحي منه لفرط حيائه.
أعاذنا اللَّه من فرطات الجهل وموبقات الهوى آمين آمين.
وقولهم: إنه دفع إليه ما فضل من بيت المال افتراء واختلاق بل الصحيح أنه أمر بتفرقة المال على أصحابه ففضل في بيت المال ألف درهم فأمره بإنفاقها فيما يراه أصلح المسلمين، فأنفقها زيد على عمارة مسجد رسول اللَّه ﷺ بعد ما زاد عثمان في المسجد زيادة كبيرة وكل واحد منهما مشكور محمود على فعله.
وإنا نقول: إن المحب الطبري بدأ دفاعه من هذه المسألة بقوله: إن أكثر ما ادَّعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترى عليه ومختلق، وما صحَّ عنه فعذره فيه واضح اهـ. ولم يقل: إن كل ما نقل مفترى عليه ومختلق. وكان عمر ﵁ لا يدع شيئاً حتى يوزعه على المسلمين في الحال. وقد ذكرنا في كتاب "الفاروق عمر ابن الخطاب" أن أبا موسى الأشعري أهدى لامرأة عمر ﵁ طنفسة (٢) قدرها ذراع وشبر، فدخل عليها عمر فرآها فقال: أنَّى لك هذه؟ فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري. فأخذها، فضرب بها رأسها حتى نَغَضَ رأسها. ثم قال: عليَّ بأبي موسى الأشعري وأتعبوه. فأُتي به قد أتعب وهو يقول: "لا تعجل عليَّ أمير المؤمنين". فقال عمر: "ما يحملك على أن تهدي لنسائي"؟ ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: "خذها فلا حاجة لنا فيها". إن عمر رفض هذه الهدية البسيطة، وهي لا تساوي شيئاً اجتناباً لكل شبهة حتى لا تسقط هيبته وتسوء سمعته، وقد قيل: من وضع نفسه مواضع التهم فلا يلومنَّ من أساء الظن به.
ونحن نودُّ أن يكون ما قيل عن عثمان من التصرف في مال بيت المال غير صحيح.
وقد كان عبد اللَّه بن الأرقم على بيت المال زمن عمر، ثم ولاَّه عثمان بيت المال وأجازه بثلاثين ألفاً فأبى أن يقبلها وقال: عملت للَّه وإنما أجري على اللَّه. وكان عمر يقول: ما رأيت أخشى للَّه تعالى من عبد اللَّه بن الأرقم. وجاء في أسد الغابة أنه استعفى عثمان من ذلك فأعفاه من غير أن يذكر السبب. على أن استعفاء عبد اللَّه بن الأرقم مع ما عرف عنه من أمانة، واستعفاء معيقيب أمر فيه نظر. فهل كان كلاهما لا يصلح لبيت المال لكبر سنه؟ ⦗٢٠٧⦘.
ومما أُخِذَ على عثمان أنه لما حمل إليه خمس غنائم أفريقية اشتراه مروان بن الحكم بمبلغ ٥٠٠. ٠٠٠ دينار فوضعها عند عثمان بدلاً من أن يفرق الخمس على المسلمين جرياً على سنة صاحبيه في توزيع الغنائم.
وإنا نكتفي بهذا القدر ففيما ذكرناه الكفاية، ونكرر أننا نجلّ قدر عثمان وأنه ذهب ضحية أقاربه الذين تسلطوا عليه وكلفوه ما لا يطيق.
стр. 144
- رأي الأستاذ المرحوم محمد الخضري بك ومناقشته:
كتب الأستاذ محمد الخضري بك (١) :
"وكل ما نقموه عليه يعني على عثمان أمر لا حرج على الإمام فعلها، منها توليته أقاربه وليس في هذا أدنى عيب، لأن رسول اللَّه ﷺ ولَّى علياً وهو ابن عمه. ولو كانت تولية القريب عيباً لنهى عنها ﵇ ولم يفعلها. ومع ذلك فالإسلام سوَّى بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد. فالأمر موكول لرأي الإمام الذي ألقيت إليه مقاليد الأمة، فإن ولَّى من حاد عن الدين شكونا إليه، فإن لم يقبل صبرنا كما أمر بذلك رسول اللَّه ﷺ ، لأن شق عصا الجماعة من مصائب الأمم التي تسرع إليها الخراب وليس في الشرع ما يبيح خلع الإمام إلا كفره الصراح".
هذا هو رأي الأستاذ الخضري بك ﵀ في كتابه المشار إليه فهو ممن يبررون عمل عثمان ويرون أنه اتبع الشرع والسنة. وإنا نقول: إن تولية عثمان أقاربه أحدثت سخطاً عامَّاً، وأخذ السخط يتسع على مرِّ الأيام، وكان في وسعه تجنب ذلك، لكنه ﵁ كان يتوب ويعد بعزلهم، ثم لا يفعل شيئاً. إن عثمان إذاً كان يريد مساعدة أهله وأقاربه برَّاً بهم، فقد كان هناك وسائل غير توليتهم الأمصار الكبيرة التي يشترط فيمن يتولاها الكفاية وحسن السمعة ونقاء الماضي، وكان كثير من الصحابة كما قدمنا حائزين لهذه الصفات والمؤهلات، ومع ذلك ضرب عنهم صفحاً ولم يسند هذه المراكز وقد قيل: من الحكمة وضع الأشياء في مواضعها. فلما ولَّى أقاربه اعترض الناس بطبيعة الحال وامتعضوا ورموه بأنه لم يراع المصلحة العامة، بل راعى أقاربه وقدمهم في الوظائف الكبيرة على من هم أهل لذلك ممن يجلهم ويحترمهم الجمهور، وكان بين هؤلاء الأقارب المتهم في دينه وتقواه. ثم إنه عزل من سبق له الفضل في الفتح لإحلال القريب محله.
وإذا كان الإسلام سوَّى بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد فكان الواجب إذن يقضي على الخليفة باختيار من يصلح لا إيثار القريب لقرابته بغض الطرف عن المصلحة العامة التي هي فوق كل مصلحة ⦗٢٠٨⦘.
نعم إن رسول اللَّه ﷺ لم يَنه عن تولية القريب لكن على أن يكون هذا القريب شخصاً ممتازاً حكيماً. وهذا ما فعله رسول اللَّه ﷺ فإنه باعتراف جميع المؤرخين من عرب وعجم لم يخطئ في تولية أحد القيادة، أو الحكم، فكان عارفاً بأقدار الرجال. وكان عمر ﵁ إذا تبين له أنه لم يوفق في تولية أحد وظهر فيما بعد ضعفه، أو عجزه، أو ارتكب أمراً شائناً عزله في الحال وولى غيره، كي تنتظم الأمور ويقام العدل وتهاب الرعية الوالي. لكن عثمان ﵁ بالرغم من سخط الناس من ولاته واعتراض كبار الصحابة المشهورين بأصالة الرأي وبعد النظر والتقوى ظل متمسكاً بهم إلى النهاية حتى قتل، ولم يعزل غير سعيد بن العاص بعد أن بلغت الفتنة أشدها في الكوفة.
كاتب الناس بعضهم بعضاً في الأمصار، وتبادلوا الرسائل التي تطعن على عثمان وعلى ولاة عثمان، وأخيراً قامت الثورة، وكان جمهور المسلمين قسمين: ثائراً يريد عزل الخليفة، فإن لم يعتزل يقتل، وقسماً غير راضٍ عن سياسته، ويودُّ أن يعتزل حسماً للنزاع وقمعاً للفتنة، لكنه التزم الحياد ولم يبق في صف عثمان غير أهله وأقاربه، حتى قيل: إن عبد الرحمن بن عوف وهو صهره ندم على اختياره خليفة، بل وزاد على ذلك أنه نقض بعض ما عمله عثمان. فقد جاء في الطبري أن إبلاً من إبل الصدقة جيء بها على عثمان فوهبها لبعض ولد الحكم ابن أبي العاص فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذها وقسَّمها بين الناس وعثمان في داره. وعلى ذلك كان السواد الأعظم في ذلك إما ناقماً عليه أو غير راضٍ عن خطئه، ولولا ذلك لوجد عثمان من يدافع عنه ويصدّ عنه غارة طائفة خرجت عليه، ولفدوه بأرواحهم بل لما نهض من كل مصر جيش يطالب بخلعه. نعم إن عبد اللَّه بن سبأ كان عاملاً قوياً في نشر الفتنة، لكن عبد اللَّه هذا لم يقدم على نشر دعايته الواسعة النطاق إلا لما علم أن الناس يستمعون له، وأن النفوس مستعدة لقبول كلامه. ولو تصوَّرنا أن عثمان لم يكن يعلم اتجاه الرأي العام ضده لكان معذوراً لكن حصره أربعين أو خمسين يوماً لا يؤيد ذلك، بل الثابت أنه أيقن أخيراً بخطورة الحال لما طال الحصر وأحرقوا بابه وألقوا النار في منزله ومنعوا عنه الماء. إلا أن قتله كان جرماً شنيعاً وخطباً مريعاً، فإن القتلة قد استعجلوا القدر وكان قد بلغ سن الشيخوخة وضعفت قواه، وعلى كل حال لم يبرر أحد قتله، بل عدَّه عقلاء الأمة نكبة عليها وفاتحة للخلاف والانقسام.
وقال الخضري بك (٢) :
"فقد كانوا يعيبون معاوية، وهذا لم يوجده عثمان، بل ولاَّه رسول اللَّه ﷺ ، وولاَّه أبو بكر، وولاَّه عمر، ولم نرَ من العمال من استمر موثوقاً به من عمر في حياته كلها إلا أفراداً قلائل منهم ⦗٢٠٩⦘ معاوية بن أبي سفيان، فقد كان والياً من أول حياة عمر إلى آخرها، وكانت الشام أعدل ولايات المسلمين وأهدأها".
وإنا نجد الجواب على ذلك في ردِّ عليّ ﵁ حين قال له عثمان: "هل تعلم أن عمر ولَّى معاوية خلافته كلها؟. فقد وليته". فأجابه عليٌّ: "أنشدك اللَّه! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم. قال عليٌّ: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان فيبلغك، ولا تُغَيِّر على معاوية". فسكت ولم يجب.
فمعاوية ما كان يستطيع أن يقطع أمراً وينسبه إلى الخليفة في زمن عمر، لأنه كان يخشاه، كما كان يخشى غلام عمر، لكنه في زمن عثمان كان يفعل ما يشاء لاطمئنانه إليه، فإن اعترض عليه معترض ادَّعى أن ذلك بأمر الخليفة، وكان عثمان إذا بلغه ذلك لم يؤاخذه. فالقول بأن معاوية ولاَّه عمر وأقرَّه طول حياته لا يبرر أعمال معاوية زمن عثمان.
стр. 145
- ما رثي به عثمان من الأشعار (١) :
قال حسان بن ثابت (٢) شاعر النبي ﷺ يمدح عثمان ويبكيه ويهجو قاتله:
أتركتمُ غزوَ الدروبِ وراءَكُمْ ... وغزوتُمُونَا عندَ قبرِ محمدٍ
فلبئسَ هَدْى المُسلمينَ هَديتُم ... ولبئسَ أمرُ الفاجرِ المُتعمِدِ
أَنْ تُقدِمُوا نَجعلْ قُرَى سِرَواتِكُم ... حَولَ المدينةِ كُلَّ ليَّن مَذُود (٣)
أو تُدبروا فلبئسَ ما سَافَرتُم ... ولمثلِ أَمرِ أَميرِكُمْ لَم يَرَشُد
وكأنَّ أَصحابَ النَّبيِ عشيةً ... بُدُنٌ تذبّح عندِ بابِ المَسْجدِ
أَبكِي أَبَا عَمْروٍ لِحُسن بَلائِهِ ... أَمْسَى مُقِيماً (٤) فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ
وقال (٥) :
إن تمس دار ابن أروَى منه خاويةٌ (٦) ... باب صريعٌ وباب محرقٌ خرب (٧) ⦗٢١٠⦘
قد يصادف باغي الخير حاجَتَه ... فيها ويهوى إليها الذكر والحسب
يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عند اللَّه والكذب
قوموا بحق مليك الناس تعترفوا ... بغارة عُصُبٍ من خلفها عصبُ
فيهم خبيث شهاب الموت يقدمهم ... مستلئماً قد بدا في وجهه الغضب
وقال أيضاً (٨) :
من سرَّهُ الموتُ صَرْفاً لاَ مِزَاجَ لهُ ... فليأتِ مَأسَدَةً في دارِ عُثْمَانَا
مُسْتَشْعِرِي حلقٍ الماذيَّ قد شفعتْ ... قبلَ المَخَاطمِ بِيضٌ زَانَ أَبدانا
صبراً فِدىَّ لكم أمي وما ولدت ... قد ينفع الصبرُ في المكروهِ أحيانا
فقد (٩) رضينا بأهل الشأم نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيَّاً وما سميت حسانا
لتسمعُن وشيكا في ديارهم ... اللَّه أكبر يا ثارات عثمانا
يا ليت شعري وليت الطيرَ تخبرني ... ما كان شأن عليٍ وابن عفانا
وقال كعب بن مالك الأنصاري:
يا للرجال لِلُبّك المخطوف ... ولدمعك المترقرق المنزوف
ويح لأمر قد أتاني رائع ... هدَّ الجبال فانقضت برجوف
قتلُ الخليفة كان أمراً مفظعاً ... قامت لذاك بليّة التخويف
قتل الإمام له النجوم خواضع ... والشمس بازغة له بكسوف
يا لهف نفسي إذ تولّوا غدوة ... بالنعش فوق عوائق وكتوف
ولوا وأدلوا في الضريح أخاهم ... ماذا أجنّ ضريحه المسقوف
من نائل أو سؤدد وحمالة ... سبقت له في الناس أو معروف
كم من يتيم كان يجبر عظمه ... أمسى بمنزله الضياعُ يطوف
ما زال يقبلهم ويرأب ظلمهم ... حتى سمعت برنة التلهيف
أمسى مقيماً بالبقيع وأصبحوا ... متفرقين قد أجمعوا بخفوف
النار موعدهم بقتل إمامهم ... عثمان ظهراً في التلاد عفيف
جمع الحمالة بعد حلم راجح ... والخير فيه مبيّن معروف ⦗٢١١⦘
يا كعب لا تنفك تبكي مالكاً ... ما دمت حيّاً في البلاد تطوف
فأبكي أبا عمرو عتيقاً واصلاً ... ولواءهم إذ كان غيرَ سخيف
وليبكه عند الحفاظ معظِّم ... والخيل بين مقانبٍ وصفوف
قتلوك يا عثمان غير مدنس ... قتلا لعمرك واقفاً بسقيف
وقال أيضاً:
فكفَّ يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن اللَّه ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا اللَّه عن كل امرئ لم يقتل
فكيف رأيت اللَّه صب عليهم الـ ... ـعداوة (العداوة) والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الحوافل
وقال الحباب بن يزيد المجاشعيّ عم الفرزدق:
لعمرُ أبيك فلا تجزعن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس في دينهم ... وخلّى ابن عفان شرّاً طويلا
أعاذلَ كلُّ امرئ هالكٌ ... فسيروا إلى اللَّه سيراً جميلا
وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت:
لعمري لبئس الذِّبح ضحيتم به ... وخنتم رسول اللَّه في قتل صاحبه
وقالت زينب بنت العوام:
وعطشتم عثمان في جوف داره ... شربتم كشرب الهيم شرب حميم
فكيف بنا أم كيف بالنوم بعد ما ... أصيب ابن أروى وابن أم حكيم
وقالت ليلى الأخيلية:
قتل ابن عفان الإمام ... وضاع أمر المسلمينا
وتشتتت سبل الرشا ... د لصادرين وواردينا
فانهض معاوي نهضة ... تشفي بها الداء الدفينا
وقال أيمن بن خزيمة:
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وأي ذِبح حرام وَيحْهم ذبحوا ⦗٢١٢⦘
وأي سنة كفر سن أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا
ماذا أرادوا أضل اللَّه سعيهم ... بسفك ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا
وقال الوليد بن عقبة:
ألا مَن لليل لا تغور كواكبُهْ ... إذا لاح نجم لاح نجم يراقبَه
بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم لا تعجلوا بإقادة ... سواء علينا قاتلوه وسالبه
فقد يجبر العظم الكسير وينبري ... لذي الحق يوماً حقه فيطالبه
وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه
بني هاشم كيف التعاقد بيننا ... وعند عليٍ سيفه وجرائبه
لعمرك ما أنسى ابن أروى وقتله ... وهل يَنسَيَن الماء ما عاش شاربه
همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
وإني لمجتاب إليكم بجحفلٍ ... يصم السميعَ جرسُه وجلائبه
وقال الوليد يرثي عثمان ويحرض معاوية على الأخذ بثأره:
واللَّه ما هند بأمك إن مضى النهـ ... ـار (النهار) ولم يثأر بعثمان ثائر
أيقتلُ عبدُ القوم سيدَ أهله ... ولم يقتلوه ليت أمك عاقر
وإنا متى نقتلهم لا يقد بهم ... مقيد فقد دارت عليك الدوائر
وقال أيمن بن خُريم بن فاتك الأسدي وكان عثمانيّاً:
تعاقد الذابحو عثمان ضاحية ... فأيّ ذبح حرام ويحهم ذبحوا
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ولم ... يخشوا على مطمح الكفر الذي طمحوا