- فتح خراسان (١) (سنة ٣٤ هـ/ ٦٥٢ م) : ⦗٩٥⦘
لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا، فلما استخلف عثمان بن عفان ولَّى عبد اللَّه بن عامر بن كريز البصرة في سنة ٢٨. ويقال ٢٩، وهو ابن ٢٥ سنة، وهو ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكان كريماً، ميمون النقيبة (٢) ، فافتتح من أهل فارس ما افتتح، ثم غزا خراسان، واستخلف على البصرة زياد بن أبي سفيان (٣) ، وسار إلى كرمان (٤) فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا، واستعمل على سجستان (٥) الربيع بن زياد الحارثي، وكانوا أيضاً قد نقضوا الصلح، وسار ابن عامر إلى نيسابور، وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس (٦) ، فأتى الطبَسين، وهما حصنان، وهما بابا ⦗٩٦⦘ خراسان، فصالحه أهلها على ٦٠٠. ٠٠٠ درهم، وسار إلى قهستان، فلقيه أهلها، وقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم. وبعث ابن عامر سرية إلى رستاق زام من أعمال نيسابور، ففتحه عنوة، وفتح باخرْز (٧) ، من أعمال نيسابور أيضاً، وفتح جُوَين (٨) ، وسبى سبياً، ووجَّه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عديِّ الرباب، وكان ناسكاً، إلى بيهق من أعمال نيسابور، فدخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيها، ودخلت معه طائفة من المسلمين، فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود حتى قتل هو، وطائفة ممن معه. وقام بأمر المسلمين بعده أخوه أدهم بن كلثوم فظفر، وفتح بيهق (٩) ، وكان الأسود يدعو إلى اللَّه أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر بُشت (١٠) من نيسابور وأشبَنذ ورُخَّ وزاره وخوَاف وأسفرائن وأرغيان (١١) من نيسابور، ثم أتى أبرشهر وهي مدينة نيسابور، فحصر أهلها أشهراً، وكان على كل ربع منها رجل موكل به، وطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينة، فأعطاه وأدخلهم إياها ليلاً، ففتحوا الباب، وتحصَّن مرزبانها في القهندز (١٢) ، ومعه جماعة. وطلب الأمان على أن يصالحه عن جميع نيسابور على وظيفة يؤديها، فصالحه على ألف ألف درهم، وولي نيسابور حين فتحها قيس بن الهيثم السلمي (١٣) ، ووجَّه ابن عامر عبد اللَّه بن خازم السلمي (١٤) إلى حُمراندر من ⦗٩٧⦘ نسا (١٥) ، وهو رستاق قرية ففتحه، وأتاه صاحب نسا فصالحه على ٣٠٠. ٠٠٠ درهم. ويقال: على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحداً ولا يسبيه. وقدم بهمنة عظيم أبيورد (١٦) على ابن عامر فصالحه على ٤٠٠. ٠٠٠ درهم، ويقال وجه إليها ابن عامر عبد اللَّه بن خازم فصالح أهلها على ٤٠٠. ٠٠٠ درهم، ووجَّه عبد اللَّه بن عامر عبد اللَّه بن خازم إلى سَرَخْس (١٧) فقاتلهم، ثم طلب زاذويه مرزبانها الصلح على تأمين مائة رجل، وأن يدفع إليه النساء، فصارت ابنته في سهم خازم، واتخذها وسماها مَيساء، وغلب ابن خازم على أرض سرخس، ويقال: إنه صالحه على أن يؤمن مائة نفس فسمَّى له المائة، ولم يسم نفسه فقتله ودخل سَرخس عنوة، ووجه ابن خازم من سرخس يزيد بن سالم مولى شريك بن الأعور إلى كيف وبينة ففتحهما. وأتى كنازتك مرزبان طوس ابن عامر فصالحه على طوس على ٦٠٠. ٠٠٠، ووجَّه ابن عامر جيشاً إلى هراة عليه أوس ابن ثعلبة ويقال: خُليد بن عبد اللَّه الحنفي، فبلغ عظيم هراة ذلك فشخص إلى ابن عامر، وصالحه على هراة وبادغيس وبوشنج غير طاغون وباغون فإنه فتحهما عنوة، وكتب له ابن عامر: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أمر به عبد اللَّه بن عامر عظيم بوشنج وبادغيس. أمره بتقوى اللَّه ومناصحة المسلمين وإصلاح ما تحت يديه من الأرضين، وصالحه على هَراة. سهلها وجبلها على أن يؤدي من الجزية ما صالحه عليه، وأن يقسم ذلك على الأرضين عدلاً بينهم، فمن منع ما عليه فلا عهد له ولا ذمة. وكتب ربيع بن نهشل وجثم بن عامر" (١٨) .
وأرسل مرزبان مرو الشاهجان يسأل الصلح، فوجَّه ابن عامر إلى مرو حاتم بن النعمان الباهلي، فصالحه على ألف ألف ومائتي ألف درهم. وكان في صلحهم أن يوسعوا للمسلمين في منازلهم وأن عليهم قسمة المال، وليس على المسلمين إلا قبض ذلك. وكانت مرو صلحاً كلها ⦗٩٨⦘ إلا قرية منها يقال لها: السنج، فإنها أخذت عنوة. ووجَّه عبد اللَّه ابن عامر الأحنف، وهو حصن من مرو الروذ وله رستاق عظيم يعرف برستاق الأحنف، ويدعى بشق الجرد. فحصر أهله، فصالحوه على ٣٠٠,٠٠٠. فقال الأحنف: أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى أنصرف، فرضوا، وكان الصلح عن جميع الرستاق، ومضى الأحنف إلى مرو الروذ، فحصر أهلها، وقاتلوه قتالاً شديداً، فهزمهم المسلمون، فاضطروهم إلى حصنهم، وكان المرزبان من ولد باذام صاحب اليمن أو ذا قرابة له، فكتب إلى الأحنف أنه دعاني إلى الصلح إسلام باذام، فصالحه على ٦٠٠. ٠٠٠. ووجَّه الأحنف الأقرع بن حابس التميمي (١٩) في خيل، وقال: "يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم". فسار الأقرع، فلقي العدو بالجوزجان (٢٠) فكانت في المسلمين جولة ثم كرّوا فهزموهم، وفتحوا الجوزجان عنوة.
وفتح الأحنف الطالقان صلحاً، وفتح الفارياب، ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي مدينة طخارا فصالحهم أهلها على ٤٠٠. ٠٠٠، فاستعمل على بلخ أرسيد بن المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي من سقي النهر جميعاً ومدينتها شرقية فلم يقدر عليها فانصرف إلى بلخ وقد جبى أرسيد صلحها.
قال أبو عبيدة: فتح ابن عامر ما دون النهر، فلما بلغ أهل ما وراء النهر أمره طلبوا إليه أن يصالحهم ففعل. فيقال: إنه عبر النهر حتى أتى جميع مواضعه. وقيل بل أتوه وصالحوه، وبعث من قبض ذلك، فأتته الدواب، والوصفاء، والوصائف، والحرير، والثياب. ثم إنه أحرم شكراً للَّه.
ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري للَّه على ذلك أن أخرج محرماً من موقفي ⦗٩٩⦘ هذا فأحرم بعمرة من نيسابور. وقدم على عثمان واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم.
جميع هذه المدن والقرى التي مر ذكرها هي بخراسان. ولما كانت فارسية فقد يستغربها القارئ ويصعب عليه النطق بها، وقد اضطررت إلى ذكرها، لأن المسلمين فتحوها تحت قيادة عبد اللَّه بن عامر، وفتح أغلبها صلحاً، لأنهم لم يستطيعوا مقاومة المسلمين، وقد قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس.
стр. 72
- فتح إصطخر (١) :
إصطخر: كورة وبلدة في بلاد فارس، وبها كثير من المدن والقرى، أشهرها البيضاء ومائتين ونيريز وأبرقوه ويزد وغيرها. وبها كانت خزائن الملوك قبل الإسلام. قيل: وفي جبالها معدن الحديد. وفي دارا بجرد إحدى قراها معدن الزئبق. وفي إصطخر وضع هيستاسب كتاب زرادشت نبي المجوس لما كانت في عظمتها.
وعلى ثلاثة أو أربعة فراسخ من ميان تجد آثار مدينة إصطخر الشهيرة في قديم الزمان باسم برسبوليس وهي مدينة قديمة كانت سابقاً دار سلطنة بلاد فارس.
لما جاء الإسلام كان أول من غزا بلاد فارس العلاء بن الحضرمي (٢) في خلافة عمر سنة ١٧ هجرية. سار بجيوشه بحراً وخرجوا بإصطخر فقاتلهم أهلها قتالاً شديداً فانجلى القتال عن هزيمة أهل إصطخر. ثم دخل أبو موسى الأشعري بلاد فارس في نفس السنة، ودفع لواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي لما فرق الألوية على رجاله فلم يتيسر الفتح إلا سنة ١٨ هـ، وقيل بعد ذلك. قال ابن الأثير (٣) : وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي إصطخر فالتقى هو وأهلها بجور ⦗١٠٠⦘ فاقتتلوا، وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور، ثم إصطخر وقتلوا الكثير، وفر بعضهم فدعا عثمان إلى الذمة والجزية، فأجابه الهربذ إليها فتراجعوا، وكان عثمان قد جمع الغنائم فبعث بخمسها إلى عمر، وقسم الباقي في الناس.
ثم عصت إصطخر فعاد إليها عثمان سنة ٢٧ هـ، وفتحها ثانية. ثم انتفض الفرس فواقعهم عبيد اللَّه بن معمر على باب إصطخر سنة ٢٩ هـ فقتل وانهزم المسلمون، فبلغ الخبر عبد اللَّه بن عامر فسار إليهم والتقوا بإصطخر، فانهزم الفرس، وقتل منهم كثيرون، وفتحت إصطخر عنوة. وأتى دارا بجرد وقد غدر أهلها ففتحها، وصار إلى جور، فانتفضت إصطخر فلم يرجع إليها إلا بعد أن فتح جور ففتحها أيضاً عنوة بعد أن حاصرها واشتد القتال عليها ورماها بالمناجيق، وقتل من أهلها خلق كثير، وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساودة كانوا قد لجأوا إليها، والذي استخلفه على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي فبنى مسجدها.
قال البلاذري في فتوح البلدان:
"لما فرغ عبد اللَّه بن عامر من فتح جور، كرَّ على أهل إصطخر وفتحها عنوة بعد قتال شديد، ورمى بالمناجيق، وقتل بها من الأعاجم ٤٠. ٠٠٠" الخ.
стр. 73
- فتح كِرْمَان (١) :
لما سار ابن عامر إلى فارس وجَّه مجاشع بن مسعود السلمي (٢) إلى كرمان (٣) وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ففتح بيمنت عنوة، واستبقى أهلها وأعطاهم أماناً، وبنى قصراً يعرف بقصر مجاشع. وفتح بروخروة، وأتى الشيرجان وهي مدينة كرمان، وأقام عليها أياماً يسيرة، وأهلها متحصِّنون، وقد خرجت لهم خيل فقاتلهم ففتحها عنوة، ثم إن كثيراً من أهلها جلوا عنها وفتح ⦗١٠١⦘ جِيْرَفْت (٤) عنوة، وسار في كرمان فدوَّخ أهلها وأتى القُفص وتجمع له بهرُمور خلق كثير من الأعاجم فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم. وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر، ولحق بعضهم بمكران، وأتى بعضهم سجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم فعمروها وأدوا العشر فيها، واحتفروا القنوات في مواضع منها.
стр. 74
- فتح سجستان وكابل (١) :
فتحت سجستان في أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا عهدهم. فلما توجَّه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي (٢) ، فأتى حصن زالق فأغار على أهله في يوم مهرجان فأخذ دهقانه فافتدى نفسه بأن ركز عنزةً، ثم غمرها ذهباً وفضة، وصالح الدهقان على حقن دمه وصالحه على صلح أهل فارس، ثم أتى قرية يقال لها كَركويه (٣) على خمسة أميال من زالق فصالحوه على غير قتال، ثم أتى زالق وأخذ الأدلاَّء منها إلى زَرَنج (٤) ، وسار حتى نزل الهندمند، وأتى زوشت وهي من زرنج على ثلثي ميل فخرج إليه أهلها فقاتلوه قتالاً شديداً، وأصيب رجال من المسلمين، ثم كرَّ المسلمون وهزموهم حتى اضطروهم إلى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة (٥) ، ثم أتى الربيع ناشروذ (٦) قرية فقاتل أهلها وظفر بهم، ثم مضى إلى شرواذ (٧) قرية فغلب عليها، ثم حاصر مدينة زرنج بعد أن قاتل أهلها، فبعث إليه أبرْويز مرزبانها يستأمنه ليصالحه، فأمر بجسد من أجساد القتلى، فوضع له، فجلس عليه واتكأ على آخر، وأجلس أصحابه على أجساد القتلى مثله. وكان الربيع آدم أفوه طويلاً. ⦗١٠٢⦘ فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف وَصِيف مع كل وَصِيف (٨) جام من ذهب، ودخل المسلمون المدينة، ثم أتى سناروذ (٩) وهو وادٍ فعبره وأتى القريتين، وهناك مربط فرس رُسْتَم (١٠) فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم عاد إلى زرنج وأقام بها سنتين، ثم أتى ابن عامر واستخلف بها رجلاً من بني الحارث بن كعب فأخرجوه وأغلقوها. وكانت ولاية الربيع سنتين ونصفاً، وسبى في ولايته هذه ٤٠. ٠٠٠ رأس، وكان كاتبه الحسن البصري (١١) ، ثم ولى ابن عامر عبد الرحمن بن سَمُرَة بن حبيب بن عبد شمس (١٢) سجستان، فأتى زرنج فحصر مرزبانها في قصره في ⦗١٠٣⦘ يوم عيد لهم فصالحه على ألفي ألف درهم، وألفي وصيف. وغلب ابن سَمُرَة على ما بين زرنج وكَشّ (١٣) من ناحية الهند، وغلب من ناحية طريق الرُّخَّج (١٤) على ما بينه وبين بلاد الداور (١٥) ، فلما انتهى إلى بلاد الداور حصرهم في جبل الزور (١٦) ، ثم صالحهم، فكانت عدة من معه من المسلمين ٨٠٠٠ فأصاب كل رجل منهم ٤٠٠٠ ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان. وأتى عبد الرحمن زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكريّ، وانصرف من سجستان، فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا.
стр. 75
- وفاة أبي سفيان (١) (سنة ٣١ هـ/ ٦٥٢ م) :
أبو سفيان صخر بن حرب وهو والد يزيد ومعاوية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش. وكان تاجراً يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحياناً بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى العقاب. وإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس. وقيل كان أفضل قريش رأياً في الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما أتى الإسلام أدبر في الرأي. وهو الذي قاد قريشاً كلها يوم أحد، ولم يقدها قبل ذلك رجل واحد إلا يوم ذاك فكيف قادها المطلب!. وكان أبو سفيان صديق العباس، وأسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية كل واحد مثله. وشهد الطائف مع رسول اللَّه ﷺ ففقئت عينه يومئذ، وفقئت الأخرى يوم اليرموك. وشهد اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: "يا نصر اللَّه اقترب"، وكان يقف على الكراديس يقص ويقول: "اللَّه، اللَّه، إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام. وإنهم دارة الروم وأنصار ⦗١٠٤⦘ المشركين. اللَّهم هذا يوم من أيامك. اللَّهم أنزل نصرك على عبادك".
وروي أنه لما أسلم ورأى المسلمين وكثرتهم قال للعباس: "لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً" فقال له العباس: "إنها النبوة". قال: "فنعم". وكان من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه.
توفي سنة ٣١ هـ، وصلى عليه عثمان، وكان عمره ٨٨ سنة.
стр. 76
- غزوة بلنجرد (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
بلنجرد: مدينة الخزَر خلف باب الأبواب.
ذكرنا في كتاب "الفاروق عمر بن الخطاب" أن عبد الرحمن بن ربيعة (٢) زحف بجيشه (يريد بلنجرد) (٣) فخافهم الترك في أول الأمر وقالوا: إن هؤلاء أي العرب ملائكة لا يعمل فيهم السلاح. فاتفق أن تركياً اختفى في غيضة (٤) ورشق مسلماً بسهم فقتله. فنادى في قومه أن هؤلاء يموتون، كما تموتون، فلا تخافوهم. فاجترأوا عليهم، وأوقعوا بهم حتى استشهد عبد الرحمن بن ربيعة، وأخذ الراية أخوه، ولم يزل يقاتل حتى أمكنه دفن أخيه بنواحي بلنجرد، ورجع بقية المسلمين على طريق جيلان.
وفي سنة ٣٢ هـ انتصرت الخزر والترك على المسلمين، وسببه أن الغزوات لما تتابعت عليهم تذامروا (٥) وقالوا: كنا لا يُقرن بنا أحد حتى جاءت هذه الأمة "العربية" فصرنا لا نقوم لها.
لما قتل عبد الرحمن بن ربيعة وانهزم المسلمون افترقوا فرقتين فرقة نحو الباب، فلقوا سلمان بن ربيعة أخا عبد الرحمن، كان قد سيره سعيد بن العاص مدداً للمسلمين بأمر عثمان، فلما لقوه نجوا معه. وفرقة نحو جيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسي (٦) وأبو ⦗١٠٥⦘ هريرة (٧) ، وكان في ذلك العسكر يزيد بن معاوية النخعي (٨) ، وعلقمة بن قيس (٩) ، ومعضد ⦗١٠٦⦘ الشيباني، وأبو مفرز التميمي في خباء واحد، وخالد بن ربيعة، والحلحان ابن دري، والقرثع في خباء، فكانوا متجاورين في ذلك العسكر. وكان القرثع يقول: ما أحسن لمع الدماء على الثياب. وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه أبيض: ما أحسن حمرة الدماء على بياضك، ورأى يزيد بن معاوية في منامه أن غزالاً جيء به لم ير أحسن منه فلف في ملحفة، ثم دفن في قبر لم ير أحسن منه، عليه أربعة نفر قعوداً، فلما استيقظ واقتتل الناس رمي بحجر فهشم رأسه فمات فكأنما زين ثوبه بالدماء وليس بتلطيخ، فدفن في قبر على الصورة التي رأى. وقال معضد لعلقمة: أعرني بردك أعصب به رأسي، ففعل، فأتى برج بلنجرد الذي أصيب فيه يزيد فرماهم فقتل منهم. وأتاه حجر عرّادة (١٠) ففضخ هامته فأخذه أصحابه، فدفنوه إلى جنب يزيد، وأخذ علقمة البرد فكان يغسله، فلا يخرج أثر الدم منه. وكان يشهد فيه الجمعة، ويقول: يحملني على هذا أن دم معضد فيه. وأصاب عمرو بن عتبة جراحة فرأى قباءه كما اشتهى ثم قتل، وأما القرثع فإنه قاتل حتى خرق بالحراب. فبلغ الخبر بذلك إلى عثمان فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، انتكث أهل الكوفة. اللَّهم تب عليهم وأقبل بهم.
وكان عثمان قد كتب إلى سعيد بن العاص أن ينفذ سلمان إلى الباب للغزو فسيره، فلقي المهزومين على ما تقدم، فنجاهم اللَّه به. فلما أصيب عبد الرحمن استعمل سلمان بن ربيعة على الباب واستعمل على الغزو بأهل الكوفة حذيفة بن اليمان وأمدَّهم عثمان بأهل الشام. عليهم حبيب بن مسلمة فتأمر عليه سلمان وأبى حبيب حتى قال أهل الشام: لقد هممنا بضرب سلمان. فقال الكوفيون: إذن، واللَّه نضرب حبيباً ونحبسه، وإن أبيتم كثرت القتلى فينا وفيكم (١١) ، وأراد حبيب أن يتأمر على صاحب الباب كما يتأمر أمير الجيش إذا جاء من الكوفة، فكان ذلك أول ⦗١٠٧⦘ خلاف وقع بين أهل الكوفة، وغزا حذيفة ثلاث غزوات، فقتل عثمان في الثالثة، ولقيهم مقتل عثمان. فقال حذيفة بن اليمان: "اللَّهم العن قتلته وشتَّامه، اللَّهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا فاتخذوا ذلك سلماً إلى الفتنة، اللَّهم لا تمتهم إلا بالسيوف".
стр. 77
- خروج الترك مع ملكهم قارن (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
خرجت جموع من الترك من ناحية خراسان في ٤٠. ٠٠٠ عليهم قارن من ملوكهم، فانتهى إلى الطبسين واجتمع له أهل باذغيس وهراة وقهستان، وكان على خراسان يومئذ ابن الهيثم السلمي استخلفه عليها ابن عامر عند خروجه إلى مكة محرماً، فدوَّخ جهتها، وكان معه ابن عمه عبد اللَّه بن خازم فقال لابن عامر: اكتب لي على خراسان عهداً إذا خرج منها قيس ففعل. فلما أقبلت جموع الترك قال قيس لابن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخرج من البلاد، فإن عهد ابن عامر عندي بولايتها، فترك منازعته وذهب إلى ابن عامر. وقيل: أشار عليه أن يخرج إلى ابن عامر يستمده، فلما خرج أشهر عهد ابن عامر له بالولاية عند مغيب قيس، وسار ابن خازم للقاء الترك في أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك (٢) ، فلما قرب من قارن أمر الناس أن يربط كل رجل منهم على زج رمحه خرقة، أو قطناً، ثم يكثروا دهنه، ثم سار حتى أمسى فقدم مقدمته ستمائة، ثم أتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النار في أطراف الرماح، فانتهت مقدمته إلى معسكر قارن نصف الليل، فناوشوهم وهاج الناس على دهش، وكانوا آمنين من البيات، ودنا ابن خازم منهم فرأوا النيران يمنة وميسرة تتقدم وتتأخر، وتنخفض وترتفع، فهالهم ذلك، ومقدمة ابن خازم يقاتلونهم، ثم غشيهم ابن خازم وأكثروا القتل في المشركين، وقتل ملكهم قارن فانهزم المشركون واتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاءوا وأصابوا سبياً كثيراً وكتب ابن خازم بالفتح إلى ابن عامر فرضي وأقره على خراسان.
هذه الخدعة الحربية التي ابتدعها ابن خازم بإشعال أطراف الرماح ومداهمة العدو ليلاً هي أول خدعة سمعنا بها في التاريخ الإسلامي، وقد فزع العدو لرؤيتها وهالهم الأمر، وبذلك انتصر المسلمون على الأتراك في هذه الموقعة.
стр. 78
الفصل الرابع: وفاة كبار الصحابة .
стр. 79
توفي بين سنة ٣٢ هـ وسنة ٣٤ هـ عدد من كبار الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فرأيت أن أقدم للقراء نبذة عن تاريخ كل منهم لأنهم توافوا في حياة عثمان ﵁. أما أبو ذر فقد سبق أن ذكرت سيرته عند تسييره إلى الربذة.
стр. 80
- وفاة أبي ذر الغفاري (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
لما حضرت أبا ذر الوفاة في سنة ثمان في ذي الحجة من إمارة عثمان قال لابنته:
"استشرفي يا بنية، فانظري هل ترين أحداً؟ قالت: لا. قال: فما جاءت ساعتي بعد. ثم أمرها فذبحت شاة، ثم طبختها. ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنونني فقولي لهم إن أبا ذر يقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها، قال لها: انظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب مقبلون. قال: استقبلي بي الكعبة. ففعلت وقال: "بسم اللَّه وباللَّه وعلى ملَّة رسول اللَّه ﷺ . ثم خرجت ابنته فتلقتهم وقالت: رحمكم اللَّه اشهدوا أبا ذر فادفنوه قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه وقد مات. قالوا: ونعمة عين، لقد أكرمنا اللَّه بذلك. وإذا ركب من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود فمالوا إليه وابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول اللَّه ﷺ "يموت وحده ويبعث وحده".
فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا. ففعلوا، وحملوهم حتى أقدموهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم اللَّه أبا ذر ويغفر لرافع بن خديج (٢) سكوته. وفي رواية أخرى أنه قال: يرحم اللَّه أبا ذر ويغفر له نزوله الربذة.
стр. 81
- وفاة عبد الرحمن بن عوف (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) : ⦗١١٢⦘
وفي هذه السنة توفي عبد الرحمن بن عوف، وأمه الشفاء بنت عوف. ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم. وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر. وكان من المهاجرين الأولين. هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع كما ذكر في كتاب "محمد رسول اللَّه"، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . وبعثه رسول اللَّه إلى دومة الجندل، وعمَّمه بيده وسدلها بين كتفيه وقال: إن فتح اللَّه عليك فتزوج ابنة ملكهم، أو قال شريفهم، وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم فتزوج ابنته تماضر بنت الأصبغ فولدت له أبا سلمة بن عبد الرحمن، وكان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب لهم: الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم.
وصلى رسول اللَّه ﷺ خلفه في سفره. وجرح يوم أُحد إحدى وعشرين جراحة في رجله فكان يعرج منها. وسقطت ثنيتاه فكان أهتم. وكان كثير الإنفاق في سيبل اللَّه . أعتق في يوم ثلاثين عبداً.
ولما آخى رسول اللَّه بينه وبين سعد بن الربيع (٢) قال له سعد: إن لي مالاً فهو بيني وبينك شطران. ولي امرأتان فانظر أيتهما أحببت حتى أخالعها فإذا حلت فتزوجها. فقال: لا حاجة لي في أهلك ومالك، بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق "لأنه كان من كبار التجار" فاشترى، وباع، وربح.
وقال النبي ﷺ : "عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء أمين في الأرض" (٣) .
ولما توفي عمر ﵁ قال عبد الرحمن بن عوف لأصحاب الشورى الذين جعلوا عمر الخلافة فيهم: من يخرج نفسه منها ويختار للمسلمين؟ فلم يجيبوه إلى ذلك. فقال: أنا أخرج نفسي من الخلافة، وأختار للمسلمين. فأجابوه إلى ذلك، وأخذ مواثيقهم عليه فاختار عثمان فبايعه - كما ذكرنا في كتابنا الفاروق ⦗١١٣⦘.
وكان عظيم التجارة مجدوداً فيها. كثير المال. قيل: إنه دخل على أم سلمة فقال: يا أمة قد خفت أن تهلكني كثرة مالي. قالت: يا بني أنفق.
ولما كثر ماله قدم له ذات يوم راحلة تحمل البر، وتحمل الدقيق والطعام، فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رَجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، سبعمائة بعير تحمل البر والدقيق. فقالت عائشة: سمعت النبي ﷺ يقول: "يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبواً" (٤) . فلما بلغ ذلك عبد الرحمن قال: يا أمة إني أشهدك أنها بأحمالها وأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه .
وتصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول اللَّه ﷺ بشطر ماله. أربعة آلاف. ثم تصدق بأربعين ألفاً. ثم تصدق بأربعين ألف دينار. ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل اللَّه. وكان عامة ماله من التجارة.
فهل يقتدي به في زماننا هذا كبار الأغنياء الذين يكنزون الذهب والفضة، والأوراق المالية، ويمتلكون الضياع الواسعة، والعمارات الشاهقة، فيبذلون جزءاً منها في سبيل اللَّه، وإعانة الفقراء الذين ضاقت مذاهبهم، وساءت حالهم، ولا يجدون لهم معيناً؟ اللَّهم لقد فسد الزمان. وفسدت القلوب، وزاد الجشع والطمع. وانمحت عاطفة الخير وصار كل إنسان لا يفكر إلا في نفسه ولذَّاته وشهواته. لذلك اتسعت مسافة الخلف بين الأغنياء والفقراء، وحقد كلٌ على أخيه في الإنسانية، وكثرت حوادث التعدي، وشعر الفقير بالحيف، ونقم على النظم الحالية، وتفككت روابط الأسر والصداقة، وفشا الربا. وهذه حالة محزنة، لطف اللَّه بعباده.
كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها!. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "دعوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (٥) . وهذا إنما كان بينهما لما سيَّر رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بعد فتح مكة فقَتل فيهم خالدٌ خطأ. فودى رسول اللَّه ﷺ القتلى وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم، وكان بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية ⦗١١٤⦘ عوف بن عوف والد عبد الرحمن بن عوف وقتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد. فقال له عبد الرحمن: إنما قتلتهم لأنهم قتلوا عمك. وقال له خالد: إنما قتلوا أباك وأغلظ في القول. فقال النبي ﷺ ما قال.
توفي عبد الرحمن سنة ٣٢ هـ وهو ابن ٧٥ سنة، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل اللَّه. وأوصى لمن بقي ممن شهد بدراً لكل ٤٠٠ دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل اللَّه.
ولما مات قال علي بن أبي طالب: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوَها وسبقت رَنْقها (٦) .
وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته وهو يقول: واجبلاه وخلف مالاً عظيماً من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت يدي الرجال منه. وترك ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع.
وترك أربع نسوة. أخرجت امرأة من إرثها بثمانين ألفاً يعني صولحت وكان طويلاً أبيض مشرباً بحمرة. حسن الوجه. رقيق البشرة. أهدب الأشفار. أقنى. له جمة. ضخم الكفين. غليظ الأصابع (علامة الغنى) . لا يغير لحيته ولا رأسه.
стр. 82
- وفاة العباس بن عبد المطلب (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
توفي في هذه السنة أيضاً العباس بن عبد المطلب كما ذكره الطبري (٢) وهو عمِّ رسول ⦗١١٥⦘ اللَّه ﷺ وصنو أبيه. يكنى أبا الفضل بابنه الفضل، وأمه نتيلة بنت خباب، وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج وأصناف الكسوة. وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته، ففعلت. وكان أسن من رسول اللَّه ﷺ بسنتين. وقيل: بثلاث سنين.
وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش. وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، والسقاية في الجاهلية. أما السقاية فمعروفة. وأما عمارة المسجد الحرام فإنه كان لا يدع أحداً يسب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجراً لا يستطيعون لذلك امتناعاً. لأن ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك. فكانوا له أعواناً عليه.
وشهد مع رسول اللَّه ﷺ بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ليشدد له العقد، وكان حينئذٍ مشركاً. وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر مكرَهاً. وأسر يومئذٍ فيمن أسر. وكان قد شد وثاقه فسهر النبي ﷺ تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي اللَّه؟ فقال: "أسهر لأنين العباس". فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فافعل ذلك بالأسرى كلهم" (٣) . (وهذا هو العدل) وفدى يوم بدر نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب (٤) ونوفل بن الحارث (٥) ⦗١١٦⦘.
ثم هاجر إلى النبي ﷺ وشهد معه فتح مكة وانقطعت الهجرة وشهد حنيناً، وثبت مع رسول اللَّه ﷺ لما انهزم الناس بحنين.
وكان رسول اللَّه ﷺ يعظمه ويكرمه بعد إسلامه وكان وصولاً لأرحام قريش. محسناً إليهم. ذا رأي سديد، وعقل غزير.
قال رسول اللَّه ﷺ : "أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه" (٦) .
وعن العباس قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: علمني يا رسول اللَّه شيئاً أدعو به. فقال: "يا عباس، يا عم رسول اللَّه، سل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة" (٧) .
واستسقى عمر بن الخطاب بالعباس ﵄ عام الرمادة لما اشتد القحط، فسقاهم اللَّه تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا واللَّه الوسيلة إلى اللَّه والمكان منه. لكن دائرة المعارف الإسلامية قالت (٨) : إن هذه القصة خرافة وضعها العباسيون. وهذا تعنّت وتشكيك. لأن حسان بن ثابت (٩) ذكر استسقاء عمر بالعباس في شعره. فلو كان ذلك خرافة لما ذكره حسان ⦗١١٧⦘ بالمرة. ولا يخفى أن حسان قال ذلك الشعر زمن عمر بن الخطاب وإليك قوله:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد الياس
وعن أنس بن مالك. أنهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى به وقال: "اللَّهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﵇ إذا قحطنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ﵇ فاسقنا".
وعن موسى بن عمر قال: أصاب الناس قحط، فخرج عمر ابن الخطاب فأخذ يستسقي بيد العباس، فاستقبل به القبلة. فقال: "هذا عم نبيك ﵇ جئنا نتوسل به إليك فاسقنا، فما رجعوا حتى سقوا.
وعن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: رأيت عمر آخذاً بيد العباس فقام به فقال: اللَّهم إنا نستشفع بعم رسولك ﷺ إليك (١٠) .
فليست قصة الاستسقاء خرافة كما زعمت دائرة المعارف الإسلامية فقد رواها جمع من الصحابة.
ولما سقى الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئاً لك ساقي الحرمين. وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه، ويشاورونه، ويأخذون برأيه، وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث.
توفي العباس بالمدينة، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وكان طويلاً، جميلاً، أبيض.
стр. 83
- وفاة عبد اللَّه بن مسعود (١)
وممن توفي في هذه السنة عبد اللَّه بن مسعود بن غافل، وأمه أم عبد بنت عبدُود بن سوداء. أسلمت أيضاً وهاجرت. فهو صحابي ابن صحابية. أسلم قديماً قبل عمر بن الخطاب حين أسلم سعيد بن زيد (٢) وزوجته فاطمة بنت الخطاب (٣) ⦗١١٨⦘.
قال ابن مسعود يذكر سبب إسلامه:
"كنت غلاماً يافعاً في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى النبي ﷺ ومعه أبو بكر. فقال: "يا غلام هل معك من لبن؟ " فقلت: نعم، ولكني مؤتمن. فقال: "ائتني بشاة لم ينز عليها الفحل". فأتيته بعناق أو جذعة. فاعتقلها رسول اللَّه ﷺ ، فجعل يمسح الضرع ويدعو حتى أنزلت، فأتاه أبو بكر بصحفة، فاحتلب فيها. ثم قال لأبي بكر: "اشرب". فشرب أبو بكر، ثم شرب النبي ﷺ بعده. ثم قال للضرع: "أقلص". فقلص، فعاد كما كان. ثم أتيته فقلت: يا رسول اللَّه علِّمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن. فمسح رأسي وقال: "إنك غلام معلم" (٤) . قال: فلقد أخذت منه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر".
وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللَّه ﷺ .
اجتمع يوماً أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: واللَّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط!. فمن رجل يسمعهم؟ فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا. فقالوا: إنا نخشاهم عليك. إنما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه. فقال: دعوني فإن اللَّه سيمنعني. فغدا عبد اللَّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، فقال رافعاً صوته: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم الرحمن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ ٢] ) فاستقبلها، فقرأ بها، فتأملوا. فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد!؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا، فجعلوا يضربون في وجهه. وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللَّه أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء اللَّه قط أهون عليَّ منهم الآن. ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً. قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
ولما أسلم عبد اللَّه أخذه رسول اللَّه ﷺ إليه، وكان يخدمه فكان يدخل عليه ويلبسه نعله، ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام.
وهاجر الهجرتين جميعاً إلى الحبشة، وإلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدراً، وأُحداً، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، وشهد اليرموك بعد النبي ﷺ ⦗١١٩⦘.
وهو الذي أجهز على أبي جهل، وشهد له رسول اللَّه ﷺ بالجنة. وسيَّره عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة وكتب إلى أهلها: "إني قد بعثت عمار بن ياسر أميراً، وعبد اللَّه بن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما، وأطيعوا، واسمعوا قولهما. وقد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي". وليس بعد ذلك ثناء وتقدير.
ولما مرض عبد اللَّه عاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة اللَّه. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: يكون لبناتك. قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً" (٥) .
وفي أسد الغابة وتهذيب اللغات والأسماء أنه توفي سنة ٣٢ هـ. وكان عمره يوم توفي بضعاً وستين سنة.
وكان يعرف بصاحب سواد رسول اللَّه (٦) ، وسواكه ونعله. وكان عبد اللَّه يلبس رسول اللَّه ﷺ نعليه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه وأعطاه العصا، فإذا أراد رسول اللَّه ﷺ أن يقوم ألبسه نعليه، ثم مشى بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة قبل رسول اللَّه. وكان يصوم الاثنين والخميس. وكان رجلاً نحيفاً قصيراً. دقيق الساقين. وكان من كبار الصحابة، وساداتهم، وفقهائهم، ومقدميهم في القرآن، والفقه، والفتوى، وأصحاب الخلق، والأتباع في العلم. مات بالمدينة، ودفن بالبقيع عند قبر عثمان بن مظعون كما أوصى وهو ابن بضع وستين سنة. وقيل: إنه ترك تسعين ألف درهم.
стр. 84
- وفاة عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه (١) الذي أُري الأذان (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
شهد عبد اللَّه العقبة، وبدراً، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي أُري الأذان في النوم، فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالاً أن يؤذن على ما رآه عبد اللَّه. وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد ما بنى رسول اللَّه مسجده ⦗١٢٠⦘.
قال عبد اللَّه: لما أصبحنا أتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال: "هذه رؤيا حق. فقم مع بلال فإنه أندى صوتاً منك، فألق عليه ما قيل لك وليناد بذلك"، فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فللَّه الحمد فذاك أثبت" (٢) .
стр. 85
- وفاة أبي الدرداء الأنصاري (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٣ م) :
اسمه عويمر بن مالك، وقيل اسمه عامر بن مالك، وعويمر لقب. تأخر إسلامه قليلاً. كان آخر أهل داره إسلاماً، وحسن إسلامه، وكان فقيهاً، عاقلاً، حكيماً. آخى رسول اللَّه بينه وبين سلمان الفارسي. وقال رسول اللَّه ﷺ : "عويمر حكيم أمتي" (٢) . شهد ما بعد أحد من المشاهد.
مر أبو الدرداء يوماً على رجل أصاب ذنباً وكانوا يسبونه. فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قَلِيب (٣) ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا اللَّه الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه. قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي.
ولما نزل به الموت بكى فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول اللَّه؟ قال: نعم. وما لي لا أبكي ولا أدري علام أهجم من ذنوبي. ودعا ابنه بلالاً فقال: ويحك يا بلال، اعمل للساعة، اعمل لمثل مصرع أبيك، واذكر به مصرعك وساعتك فكأن قد. ثم قبض.
وكان أبو الدرداء مقرئ أهل دمشق وقاضيهم. يهابه معاوية، ويتأدب معه.
стр. 86
- وفاة المقداد بن الأسود الكندي (١) (سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٤ م) : ⦗١٢١⦘
هو قديم الإسلام من السابقين وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول اللَّه ﷺ .
عن ابن إسحاق قال: أتى رسول اللَّه ﷺ لما سار إلى بدر الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم فاستشار رسول اللَّه ﷺ الناس فقال أبو بكر فأحسن. وقال عمر فأحسن. ثم قام المقداد فقال: يا رسول اللَّه امض لما أمرت به فنحن معك. واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبياً لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغِماد (٢) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول اللَّه ﷺ خيراً ودعا له. قيل: لم يكن ببدر صاحب فرس غير المقداد، وشهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . وشهد فتح مصر.
وكانت وفاته بالمدينة، ومات بأرض له بالجرف، وحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وصلى عليه عثمان ﵁.
وكان عمره سبعين سنة، وكان رجلاً ضخماً، طويلاً، آدم، ذا بطن، كثير شعر الرأس، يصفر لحيته، وهي حسنة، وليست بالعظيمة ولا بالخفيفة، أعين، مقرون الحاجبين، أقنى.
وبعد أن توفي المقداد جعل عثمان يثني عليه فقال الزبير:
لاَ أُلفْيَنَّكَ بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
стр. 87
- وفاة أبي طلحة الأنصاري (١) (سنة ٣٤ هـ/ ٦٥٥ م) : ⦗١٢٢⦘
اسمه زيد بن سهل الأنصاري النجّاري (٢) ، شهد بدراً، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . وكان من الرماة المذكورين من الصحابة، وهو من الشجعان، وله يوم أُحد مقام مشهود. كان بقي مع رسول اللَّه ﷺ بنفسه يرمي بين يديه ويتطاول بصدره ليقي رسول اللَّه ﷺ . ويقول: "نحري دون نحرك ونفسي دون نفسك". وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: "صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل" (٣) . وقتل يوم حنين عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم. وكان أكثر الأنصار مالاً.
توفي بالمدينة وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. وكان لا يخصب وكان آدم مربوعاً.
стр. 88
- وفاة عبادة بن الصامت الأنصاري (١) (سنة ٣٤ هـ/ ٦٥٥ م) :
اسمه غنم بن عوف (٢) . شهد العقبة الأولى والثانية. وآخى رسول اللَّه بينه وبين أبي مرثد الغنوي (٣) . وشهد بدراً، وأُحداً، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . واستعمله رسول ⦗١٢٣⦘ اللَّه على بعض الصدقات وقال له: "اتق اللَّه. لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو شاة لها ثؤاج" (٤) . قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين". وهو من الذين جمعوا القرآن زمن رسول اللَّه. وكان عبادة يعلم أهل الصفة القرآن. ولما فتح المسلمون الشام أرسله عمر بن الخطاب، وأرسل معه معاذ بن جبل (٥) وأبا الدرداء، ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم في الدين. وأقام عبادة بحمص، وأقام أبو الدرداء بدمشق، ومضى معاذ إلى فلسطين، ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين. وكان معاوية خالفه في شيء أنكره عبادة فأغلظ له معاوية في القول فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً ورحل إلى المدينة. فقال عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك لا يفتح اللَّه أرضاً لست فيها أنت ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه.
وبايع عبادة رسول اللَّه ﷺ على أن لا يخاف في اللَّه لومة لائم. فقام في الشام خطيباً فقال:
"يا أيها الناس. إنكم قد أحدثتم بيوعاً لا أدري ما هي. ألا إن الفضة بالفضة وزناً بوزن، تبرها وعينها. والذهب بالذهب وزناً بوزن تبره وعينه. ألا ولا بأس ببيع الذهب بالفضة يداً بيد والفضة أكثر ولا يصلح نسيئة. ألا وإن الحنطة بالحنطة مدْياً بمدى. والشعير بالشعير مدياً بمدي (٦) . ألا ولا بأس ببيع الحنطة بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد، ولا يصلح نسيئة، والتمر بالتمر مدياً بمدي، والملح بالملح مدياً بمدي، ومن زاد أو ازداد فقد أربى".
وعبادة أحد النقباء. بدري كبير، وكان طويلاً جسيماً جميلاً من كبار زاد العلماء. توفي بالرملة. وقيل: توفي ببيت المقدس وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
стр. 89
الفصل الخامس: الفتنة .
стр. 90
- تسيير أهل الفتنة في العراق إلى معاوية في الشام (١) :
اختار سعيد بن العاص والي الكوفة بعد الوليد بن عقبة وجوه الناس، وأهل القادسية، وقراء أهل البصرة دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس الناس فإنه يدخل عليه كل أحد. فجلس للناس يوماً فدخلوا عليه فبينا هم جلوس يتحدثون قال خنيس بن فلان الأسدي: ما أجود طلحة بن عبيد اللَّه! (٢) . فقال سعيد بن العاص::إن من له مثل النشاستج (٣) لحقيق أن يكون جواداً. واللَّه لو أن ليِّ مثله لأعاشكم اللَّه عيشاً رغداً" ⦗١٢٨⦘.
فقال عبد الرحمن بن خنيس، وهو حدث: واللَّه لوددت أن هذا الملطاط (٤) لك يعني ما كان لكسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة.
قالوا: فضَّ اللَّه فاك. واللَّه لقد هممنا بك. فقال خنيس: غلام فلا تجاوزوه. فقالوا: يتمنى له من سوادنا. قال: ويتمنى لكم أضعافه. قالوا: لا يتمنى لنا ولا له. قال: ما هذا بكم. قالوا: أنت واللَّه أمرته بها.
فثار إليه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وجندب، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل، وعمير بن ضابئ فأخذوه. فذهب أبوه ليمنع عنه، فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل سعد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطراً.
فسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وفيهم طليحة (٥) ، فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل، فعادوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس. قوم تنازعوا وتهاووا وقد رزق اللَّه العافية. ثم قعدوا وعادوا في حديثهم وتراجعوا. وأفاق الرجلان فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك (٦) قال: لا يغشوني واللَّه أبداً فاحفظا عليَّ ألسنتكما ولا تجرَّئا عليَّ الناس، ففعلا (٧) .
ولما انقطع أولئك النفر من ذلك، قعدوا في بيوتهم وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل ⦗١٢٩⦘ الكوفة في أمرهم. فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرك شيئاً فمن أراد أن يحرك شيئاً فليحركه، إن هؤلاء النفر لما قعدوا في بيوتهم تكلموا في حق الخليفة عثمان وشتموه.
وقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر (٨) عند سعيد بن العاص وجوه أهل الكوفة منهم مالك بن كعب والأسود بن يزيد (٩) ، وعلقمة بن قيس، ومالك الأشتر (١٠) وغيرهم. فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان قريش فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه اللَّه علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك، وتكلم القوم معه. فقال عبد الرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد -: أتردون على الأمير مقالته؟ وأغلظ عليهم. فقال الأشتر: مَنْ ههنا؟ لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه، فوطأوه وطأً شديداً حتى غشي عليه. ثم جرّوه برجله فنضح بماء فأفاق. فقال: قتلتني من انتخبت. فقال: واللَّه لا يسمر عندي أحد أبداً فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيداً. واجتمع إليهم الناس حتى كثروا، فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم.
ومن هنا يتضح أن الفتنة قد بلغت عندئذٍ حداً عظيماً في الكوفة فضعف مركز الوالي، ولم ⦗١٣٠⦘ يقدر أن يؤدبهم، حتى اجترأوا أن يضربوا من رد عليهم ضرباً مبرحاً من غير أن يستطيع أن يبدي حراكاً ولما منع الاجتماع أخذوا يشتمونه ويشتمون الخليفة.
كتب أشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية. وكتب عثمان إلى معاوية: "إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خلقوا للفتنة فرعهم وقم عليهم فإن آنست منهم رشداً فاقبل منهم، وإن أعيوك فاردد عليهم".
فلما قدموا على معاوية رحب بهم، وأنزلهم كنيسة تسمى "مريم"، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل يتغدى ويتعشى معهم فقال لهم يوماً:
"إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً، وغلبتم الأمم، وحويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة فلا تسدوا عن جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة. واللَّه لتنتهن أو ليبتلينكم اللَّه بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، لم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعيَّة في حياتكم وبعد موتكم".
فقال رجل من القوم، وهو صعصعة:
"أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا. وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اختُرقت خُلص إلينا".
فقال معاوية: "عرفتكم الآن. علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلاً، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك، وتزعم لما يجنك أنه يخترق إليك ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة. أخزى اللَّه أقواماً أعظموا أمركم ورفعوا إلى خليفتكم افقهوا ولا أظنكم تفقهون. إن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا باللَّه ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، ومحضهم أنساباً وأعظمهم أخطاراً وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضاً إلا باللَّه الذي لا يُستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوَّأهم حَرَماً آمناً يُتَخَطف الناس من حولهم. هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً إلا قد أصابهم الدهر في بلدهم وحُرْمتهم بدولة إلا ما كان من قريش فإنه لم يُردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل اللَّه خده الأسفل حتى أراد اللَّه أن ينتقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بُنيَ هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم. ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان اللَّه يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم باللَّه، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم. أف لك ولأصحابك. ولو أن ⦗١٣١⦘ متكلماً غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت. فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى عربية، وأنتها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشر، وألأمها جيراناً. لم يسكنها شريف قط، ولا وضيع إلا سُبَ بها وكانت عليه هُجْنَة (١١) ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألأمهم أصهاراً، نُزَّاع الأمم، وأنتم جيران الخط وفَعَلة فارس حتى أصابتكم دعوة النبي ﷺ ، ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير في عمان لم تسكن البحرين، فتشركهم في دعوة النبي ﷺ . فأنت شر قومك حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس وحملك على الأمم التي كانت عليك، أقبلت تبغي دين اللَّه عِوَجاً وتنزع إلى اللامة والذلة ولا يضع ذلك قريشاً، ولن يضرهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم. إن الشيطان عنكم غير غافل. قد عرفكم بالشر من بين أمتكم فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم، لقد علم أنه لا يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاه اللَّه ولا أمراً أراده اللَّه، ولا تدركون بالشر أمراً إلا فتح عليكم شراً منه وأخزى".
أرسل هؤلاء النفر الذين أحدثوا الشغب واللغط في الكوفة، وعابوا على سعيد بن العاص وعثمان إلى معاوية بالشام. وفي نظرنا أن سبب هذه الفتنة كما أورده الطبري وابن الأثير (١٢) تافه لا يدعو إلى كل ما حدث. فقد ذكر أن عبد الرحمن بن خنيس وهو شاب قال: "واللَّه لوددت أن هذا الملطاط لك" يعني لسعيد أي ما كان لكسرى على جانب الفرات. فهذا الذي أثار ثائرتهم. شاب يتمنى أن تكون لسعيد بن العاص هذه الناحية من الفرات حتى يجود بمثل ما كان يجود به طلحة بن عبيد اللَّه. وقد كان سعيد كما ذكرنا في ترجمته كريماً يقيم الولائم، ويتصدق على المصلين. غاظ هؤلاء القوم الذين كانوا يحضرون مجلس سعيد، وكان يخصهم بسمره أن يتمنى هذا الشاب ذلك. ولو أنه مجرد تمنٍ ومع هذا تعدوا عليه وضربوه وضربوا أباه. وقد توسَّل إليهم الوالي بجلالة قدره أن يتركوهما فلم يفد فأشبعوهما ضرباً. وكل ما قدر عليه سعيد أنه منع أن يتسامروا عنده بعد ذلك.
وذُكر سبب غير ذلك وهو قول سعيد: "إنما هذا السواد بستان قريش". فأغلظوا عليه القول، فغضب صاحب شرطته (١٣) ولامهم على ما كان منهم، فأوسعوه ضرباً حتى غشي عليه. فلا بد أن هؤلاء الذين قربهم سعيد كانوا يحقدون عليه ويتحيَّنون الفرص للانتقام منه، لكنه حسب حسابهم، ولم يعاقبهم بنفسه على تهوّرهم واعتدائهم ومخالفتهم أمره خشية اتساع الخرق واشتداد الفتنة، فكتب إلى الخليفة في شأنهم وفوَّض إليه الأمر. فلما ذهبوا إلى معاوية وهو كما ⦗١٣٢⦘ نعلم قويٌّ في حكومته، ماهر في سياسته، وجدوا أنفسهم بمعزل عن أعوانهم، فأراد أن يكبح جماحهم ويوقفهم عند حدهم ويظهر لهم حقيقة أمرهم وماضيهم وحاضرهم بخطبته البليغة التي نشرناها. فوصفهم بقلة العقول وحقر من اتبعهم وعظمهم، لأنهم لا يستحقون التعظيم، وذلك فضل قريش في الجاهلية والإسلام على سائر القبائل العربية وفضل الإسلام عليهم، ثم وجه الخطاب إلى صعصعة، فقال: إن قريته شر القرى إلى آخر ما قال حتى أفرغ ما في جعبته، وأروى غُلته من غير خوف ولا وجل، ثم بالغ في الاحتقار بهم فإن قام بعد أن ألقى خطبته وتركهم فتقاصرت إليهم أنفسهم. فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: "إني أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع اللَّه بكم أحداً أبداً ولا يضره. ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة، فإن أرتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم".
فلما خرجوا دعاهم وقال لهم:
"إني معيد عليكم أن رسول اللَّه ﷺ كان معصوماً فولاَّني وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر فولاَّني. ثم استخلف عمر فولاَّني. ثم استخلف عثمان فولاَّني. فلم يولني أحد إلا وهو عني راضٍ".
وإنما طلب رسول اللَّه ﷺ للأعمال أهل الجزاء من المسلمين والغنى، وأن اللَّه ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تتعرضوا للأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن اللَّه غير تارككم حتى يختبركم، ويبدي للناس سرائركم، وقد قال : ﴿الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] .
وكتب معاوية إلى عثمان:
"إنه قدم عليَّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون اللَّه بشيء ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، واللَّه مبتليهم ومختبرهم. ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحداً إلا مع غيرهم، فإنه سعيد ومن قبله عنهم فإنهم ليسوا الأكثر من شغب أو تكبر".
وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة فإنهم يشتمون بكم وميلوا بنا إلى الجزيرة ودعوا العراق والشام فأووا إلى الجزيرة وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان معاوية قد ولاَّه حمص وولَّى عامل الجزيرة حَرّان والرقَّة فدعا بهم فقال: "يا آلة الشيطان لا مرحباً بكم ولا أهلاً، قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعدُ نٍشَاط، خسَّر اللَّه عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم، يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون ⦗١٣٣⦘ لمعاوية: أنا ابن خالد بن الوليد. أنا ابن مَنْ عجمته العاجمات. أنا ابن فاقئ الردة. واللَّه لئن بلغني يا صعصعة بن ذُل أن أحداً ممن دق أنفك، ثم أمصّك لأطيرن بك طَيْرة بعيدة المهوى".
فأقامهم أشهراً كلما ركب أمشاهم، فإذا مرَّ به صعصعة قال: "يا ابن الحطيئة (١٤) أعلمت أن من لم يُصلحه الخير أصلحه الشر. ما لك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية! ".
فيقولون: نتوب إلى اللَّه أقلنا أقالك اللَّه. فما زالوا به حتى قال: تاب اللَّه عليكم وسرح الأشتر إلى عثمان وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا.
وخرج الأشتر فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه، وعن أصحابه فقال: سلمكم اللَّه. وقدم سعيد بن العاص فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت. فقال مع عبد الرحمن بن خالد، وذكر من فضله فقال: ذلك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن.
قد كان عبد الرحمن بن خالد أشد عليهم من معاوية، وقد تابوا على يديه.
وفي الطبري رواية أخرى، وهي أن معاوية بعد أن ألقى عليهم الخطبة السابقة عاد وقال لهم (١٥) :
"إني واللَّه ما آمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصتي، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلا ما جعل اللَّه لنبيه نبي الرحمة ﷺ . فإن اللَّه انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئاً إلا أصفاه اللَّه بأكرمها وأحسنها. ولم يخلق من الأخلاق السيئة شيئاً في أحد إلا أكرمه اللَّه عنها ونزهه. وإني لا أطن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً".
وهنا نرى أن معاوية أطرى نفسه فقال صعصعة:
"كذبت وقد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه اللَّه بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البرَّ والفاجر والأحمق والكيَّس".
فخرج معاوية تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة فتحدث عندهم طويلاً ثم قال:
"أيها القوم ردوا عليَّ خيراً، أو اسكتوا، وتفكَّروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المؤمنين فاطلبوه تعيشوا ونعش بكم" ⦗١٣٤⦘.
فقال صعصعة: "لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية اللَّه".
فقال معاوية: "أوَليس ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى اللَّه وطاعته وطاعة نبيه ﷺ أن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا".
قالوا: "بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي ﷺ ".
قال: "فإني آمركم الآن إن كنتُ فعلتُ فأتوب إلى اللَّه وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه ﷺ ، ولزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن توقروا أئمتكم وتدلوهم على كل حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في شيء إن كان منهم".
فقال صعصعة: "فإنا نأمرك أن تعتزل عملك، فإن في المسلمين مَن هو أحق به منك".
فقال: "مَن هو؟ ".
قال: "مَن كان أبوه أحسن قدماً من أبيك، وهو بنفسه أحسن قدماً منك في الإسلام".
فقال معاوية: "واللَّه إن لي في الإسلام قدماً ولغيري كان أحسن قدماً مني، ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني. ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب. فلو كان غيري أقوى مني لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري. ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي. ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إليَّ بخط يده فاعتزلت عمله، ولو قضى اللَّه أن يفعل ذلك لرجوتُ أن لا يعزم له على ذلك إلا وهو خير. فمهلاً فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر. ولعمري لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيكم ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة. ولكن اللَّه يقضيها ويدبرها وهو بالغ أمره. فعاودوا الخير وقولوه".
فقالوا: "لست لذلك أهلاً"....
فقال: "أما واللَّه إن للَّه لسطوات ونقمات، وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان حتى تحلكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم اللَّه في عاجل الأمر والخزي الدائم في الآجل".
فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال:
"مهَ، إن هذه ليست بأرض الكوفة. واللَّه لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً، ثم قام من عندهم فقال: "واللَّه لا أدخل عليكم ما بقيت" (١٦) ⦗١٣٥⦘.
ثم كتب إلى عثمان:
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. لعبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين، من معاوية بن أبي سفيان. أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إليَّ أقواماً يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم، ويأتون الناس، زعموا من قبل القرآن فيشبهون على الناس وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقربون فتنة.
قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رقي الشيطان من قلوبهم. فقد أفسدوا كثيراً من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم فارددهم إلى مصرهم فلتكن دارهم في مصرهم الذي جمَّ فيه نفاقهم والسلام".
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم إليه. فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا. وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم. فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.، وكان أميراً على حمص. وكتب إلى الأشتر وأصحابه:
"أما بعد، فإني قد سيرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً والسلام".
فلما قرأ الأشتر الكتاب قال: "اللَّهم أسوأنا نظراً للرعية وأعملنا فيهم بالمعصية، فعجل له النقمة". فكتب بذلك سعيد إلى عثمان.
وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل وأجرى لهم رزقاً.
لقد تطاول هؤلاء على معاوية وأمروه أن يتخلى عن مركزه لأن من المسلمين من هو أصلح منه، كما تطاولوا على سعيد من قبل وطعنوا على عثمان. وهم وإن كانوا من أشراف أهل العراق إلا أنهم أهل فتنة.
وقد تسامح معهم معاوية كما تسامح معهم سعيد. ومن هذا يتبين مقدار الحرية التي كانت ممنوحة للرعية في ذلك الوقت فلم يؤخذوا ويحاكموا على أقوالهم ومطاعنهم إنما اكتفى بتسييرهم من بلد إلى آخر وأجرى عليهم عبد الرحمن بن خالد رزقاً.
стр. 91
- خلو الكوفة من الرؤساء (١) : ⦗١٣٦⦘
أذن معاوية لأهل الفتنة الذين أمر عثمان بتسييرهم إلى الشام أن يذهبوا أنى شاءوا، فتحدثوا فيما بينهم فقالوا: إن العراق والشام ليسَا لنا بدار فعليكم بالجزيرة فأتوها اختياراً، فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد فسامهم الشدة كما ذكرناه وتابعوه وتابوا، وسرح الأشتر إلى عثمان فدعا به وقال: اذهب حيث شئت. فقال: أرجع إلى عبد الرحمن، فرجع.
ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان. وكان سعيد قد ولي قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى:
-١- الأشعث بن قيس (٢) : أذربيجان.
-٢- سعيد بن قيس (٣) : الري.
-٣- النُّسيَر العجلي (٤) : همذان. ⦗١٣٧⦘
-٤- السائب بن الأقرع: أصبهان.
-٥- مالك بن حبيب: ماه.
-٦- حكيم بن سلام الخزامي: الموصل.
-٧- جرير بن عبد اللَّه: قرقيسيا.
-٨- سلمان بن ربيعة: الباب.
-٩- عتيبة بن النهاس: حُلوان.
-١٠- القعقاع بن عمرو (٥) : جعله على الحرب.
هؤلاء عشرة من الكبار أُرسلوا إلى جهات متعددة. ولو أنهم بقوا بالكوفة لكان لهم تأثير في منع ما عساه أن يحدث من الشغب والفتنة، ولكن سعيد بن العاص لم يكن يتوقع انتشار الفتنة فأرسلهم إلى هذه المراكز لأغراض حربية. وبذلك خلت الكوفة من الرؤساء.
стр. 92
- عزل سعيد بن العاص (١) وتولية أبي موسى الأشعري:
خرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، ومعه الذين كان يكاتبهم ابن السوداء (٢) فقال القعقاع بن عمرو: إنما نستعفي من سعيد: فقال يزيد: أما هذا فنعم، وكاتب المسيرين (٣) ⦗١٣٨⦘ ليقدموا عليه. فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد فسبقهم الأشتر فلم يفجأ الناس إلا والأشتر على باب المسجد مسجد الكوفة يقول: جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيداً يريد علي نقصان نسائكم على مائة درهم ورد أولي البلاء منكم إلى ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش فاستخف الناس. وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم.
فخرج يزيد وأمر منادياً ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، فبقي أشرافهم وحلماؤهم في المسجد، وعمرو بن حُرَيث (٤) يومئذٍ خليفة سعيد، فصعد المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه وأمرهم بالاستماع والطاعة. فقال له القعقاع: "أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات، لا واللَّه لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية، ويوشك أن تنتضي ويعجون هجيج العيدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده اللَّه عليهم أبداً فاصبر". قال: أصبر، وتحوَّل إلى منزله.
وخرج يزيد بن قيس، فنزل الجرَعة وهي قريب من القادسية ومعه الأشتر فوصل إليهم سعيد بن العاص. فقالوا: لا حاجة لنا بك. قال: إنما يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً وإليَّ رجلاً. وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد.
وجاء في الطبري نص الخطبة التي ألقاها عليهم عمرو بن حُرَيث نائب سعيد وهي كما يلي (٥) :
"اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. فلا تعودوا في شر قد استنقذكم منه اللَّه . أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقاً وتصيبون بابه! ".
ولما انصرف عنهم سعيد أحسوا بمولى لهم على بعير قد حسر. فقال: واللَّه ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع فقتله الأشتر، ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره بما فعلوا وأنهم يريدون البدل. وأنهم يختارون أبا موسى. قال: "أثبتنا أبا موسى عليهم وواللَّه لا نجعل لأحد عذراً ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون".
وقد أراد عثمان بخلع سعيد وتنصيب أبي موسى أن تهدأ الفتنة ولا يكون لأحد بعد ذلك عذر أو شكوى. وكتب إليهم: ⦗١٣٩⦘
"أما بعد، فقد أمّرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد، وواللَّه لأقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يُعصى اللَّه فيه إلا سألتموه، ولا شيئاً كرهتموه لا يعصى اللَّه فيه إلا استعفيتم منه. أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على اللَّه حجة كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون".
ورجع من الأمراء من قرب عمله من الكوفة فرجع جرير من قرقيسياء. وعتيبة من حُلوان.
وقام أبو موسى الأشعري فتكلم بالكوفة فقال:
"أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله. ألزموا جماعتكم الطاعة وإياكم والعجلة. فأجابوه إلى ذلك. وقالوا: فصلِّ بنا، قال لا. إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان. قالوا: السمع والطاعة لعثمان.
стр. 93
- رسول أهل الكوفة إلى عثمان (١) :
اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويخبره بأحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبد اللَّه التميمي، وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فدخل عليه فقال: إن ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً، فاتق اللَّه ، وتب إليه، وانزع عنها.
فقال عثمان: انظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فواللَّه ما يدري أين اللَّه. قال عامر: أنا لا أدري أين اللَّه؟ قال: نعم، واللَّه ما تدري أين اللَّه. قال عامر: بلى واللَّه إني لأدري أن اللَّه بالمرصاد لك.
стр. 94
- عثمان يجمع أهل الرأي ليشاورهم في الأمر (١) :
أرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد اللَّه بن سعد بن أبي سُرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبد اللَّه بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: ⦗١٤٠⦘
"إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي، وأهل ثقتي، ولقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ".
فقال له عبد اللَّه بن عامر: "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دَبَرة دابته وقمل فروه".
فقال عثمان: (إن هذا الرأي لولا ما فيه) خشي عثمان أن ينفذ رأي ابن عامر الذي يقضي بقطع دابر قادة الفتنة للخلاص من شرهم ودسائسهم.
ثم أقبل عثمان على معاوية فقال: ما رأيك؟
قال: "أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عُمالك على الكفاية لما قِبَلهم وأنا ضامن لك قِبَلي".
ثم أقبل على عبد اللَّه بن سعد فقال: ما رأيك؟
قال: "أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم".
ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟.
قال: "أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل، فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قُدماً".
فرأى عمرو أن عثمان لا يعدل فطلب إليه أن يعتزل أو يعدل ولا يتردد فقال عثمان:
"ما لك قِملَ فروك. أهذا الجد منك؟ ".
فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال: "لا واللَّه يا أمير المؤمنين لأنت أعز عليَّ من ذلك. ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شراً".
لكن كلام عمرو هذا من شأنه أن يزيد نار الفتنة والنقمة على عثمان اشتعالاً، لأنه قال بصريح العبارة ـ: "فاعتزم أن تعدل". ومعنى هذا أنه لا يعدل، فكيف يستطيع عمرو بعد ذلك أن يقود إلى عثمان خيراً أو يدفع عنه شراً؟!. ومعلوم أن عمراً كان ساخطاً على الخليفة، لأنه عزله عن ولاية مصر بعد أن فتحها. ولما أحس عمرو بأنه كدَّر عثمان بقوله أمام هؤلاء النفر أراد أن يسترضيه على حدة فقال ما قال ⦗١٤١⦘.
رد عثمان بعد ذلك عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهما بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه.
стр. 95
- علي بن أبي طالب يحادث عثمان في أمر الفتنة (١) :
لما كانت سنة ٣٤ هـ كتب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول اللَّه ﷺ يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى، ولا يذبُّ إلا زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلموا عليّ بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال:
"الناس ورائي وقد كلَّموني فيك. واللَّه ما أدري ما أقول لك. وما أعرف شيئاً تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خُصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول اللَّه ﷺ ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الخير منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك. وإنك أقرب إلى رسول اللَّه ﷺ رَحِماً. ولقد نلت من صهر رسول اللَّه ﷺ ما لم ينالا. ولا سبقناك إلى شيء. فاللَّه اللَّه في نفسك فإنك واللَّه ما تُبصَّر من عمَى ولا تُعَلَّم من جهل، وإن الطريق لواضح بيَّن، وإن أعلام الدين لقائمة. تَعلَّم يا عثمان أن أفضل عباد اللَّه عند اللَّه إمام عادل هُدِي وهَدَى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة. فواللَّه إن كُلاَّ لبيَّن، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شرَّ الناس عند اللَّه إمام جائر ضَلَّ وضُلَّ به فأمات سُنة معلومة وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتطم في غمرة جهنم" (٢) . وإني أحذرك اللَّه وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم، وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإن يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتُلْبَس أمورها عليها، ويتركهم شِيَعاً فلا يبصرون لحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجاً ويمرحون مَرَحاً".
فقال عثمان: (٣) "قد واللَّه علمت ليقولُنّ الذي قلتَ. أما واللَّه لو كنت مكاني ما عنفتك ولا ⦗١٤٢⦘ أسلمتك ولا عبتُ عليك، ولا جئتُ منكراً إن وصلتُ رَحماً، وسددتُ خَلة، وآويت ضائعاً، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي. أنشدك اللَّه يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شُعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم. قال: فَلِمَ تلومني أن وليت ابن عامر في رَحمه وقرابته. قال عليُّ: سأخبرك، إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل. ضعفت ورفقت على أقربائك. قال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً. فقال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟ فقد وليته. فقال عليُّ: أنشدك اللَّه هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يَرفْأ غلام عمر منه. قال: نعم. قال عليّ: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها. فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تُغير على معاوية.
ثم خرج عليُّ من عند عثمان، وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر فقال:
стр. 96
- خطبة عثمان في المسجد (١) :
"أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة: عيَّابون، طعَّانون، يرونكم ما تحبون ويُسرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق. أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نَغصاً ولا يَرِدون إلا عكراً، لا (٢) يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب. ألا فقد واللَّه عبتم عليَّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله؟ وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدِنْتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولِنْتُ لكم وأوطأت لكم كففي [؟؟] ، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما واللَّه لأنا أعز نفراً وأقرب ناصراً وأكثراً عدداً وأقمن إن قلت هَلُم. أُتِيَ إليّ. ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولاً، وكشرت لكم عن نابي. وأخرجتم مني خُلُقاً لم أكن أحسنه، ومنطقاً لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم مَن لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم. واللَّه ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ مَن قبلي. ومَن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضْلٍ من مال. فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد. فَلِمَ كنت إماماً" (٣) ⦗١٤٣⦘.
فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكَّمنا واللَّه بيننا وبينكم السيف. نحن واللَّه وأنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دِمن الثرى
فقال عثمان: اسكت لا سُكِّتّ. دعني وأصحابي. ما منطقك في هذا؟ ألم أتقدم إليك ألا تنطق؟ فسكت مروان ونزل عثمان.
قال عثمان لعليٍّ: إنه عيَّن من عينَّهم عمر بن الخطاب، ومع ذلك لم يؤاخذه أحد. فعيَّن المغيرة ومعاوية، فكان ردُّ عليٍّ أن عمر كان لا يتسامح مع من ولاَّه إذا ارتكب شيئاً، وأن عثمان يعامل أقاربه بالرفق ولا يعاقبهم. هذا ملخص ما دار بينهما -. أما الخطبة التي ألقاها عثمان فلم يكن لها تأثير في تهدئة الفتنة، بل اشتد قوله على الناس وعظم وزاد تألبهم عليه. ويلاحظ أن مروان يتداخل ويهدد الناس بالحرب بالرغم من أن عثمان كان قد أمره بلزوم الصمت.
стр. 97
- كيف بدأ السخط على عثمان (١) وكيف تدرجت الفتنة؟:
ذكرنا في كتابنا "عمر بن الخطاب" أن عمرو بن العاص هو الذي أشار عليه بفتح مصر، فتردد ثم جهزه بجيش، ثم صار يمده من آن لآخر حسب الضرورة إلى أن تمكَّن عمرو من غزو مصر وضمَّها إلى الخلافة العربية. فإليه يرجع الفضل في فتحها. وكان عمر ﵁ يستبطئ عمراً في جباية الخراج، ويستقل ما يجبيه منها، وقد كاتبه في ذلك إلا أن عمراً لم يشأ إرهاق المصريين، فوضع عنهم كثيراً من الضرائب التي أثقلت كواهلهم، وكانت موضع شكواهم من الحكم الروماني. ومات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى قضائها خارجة بن حذافة (٢) . فلما ولي عثمان أقرهما سنتين، وقيل: أكثر، ثم عزل عمراً واستعمل عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة، فكان سبباً في سخط عمرو على عثمان، فأخذ يطعن عليه سراً وعلانية. وهذا أمر طبيعي ⦗١٤٤⦘.
أولاً: لأن عمراً كان يرى أنه صاحب الفضل في فتح مصر، وأنه لم يرتكب وزراً يستحق عليه العزل (٣) .
ثانياً: لأن الذي خلفه هو عبد اللَّه بن سعد وسيرته معلومة للصحابة فهو الذي ارتد مشركاً زمن رسول اللَّه ﷺ ، ثم أذاع أنه كان يصرف رسول اللَّه حيث أراد عندما كان يملي عليه القرآن فكان يملي عليه "عزيز حكيم" فيقول: أو "عليم حكيم" فيقول: نعم. كل صواب. فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول اللَّه ﷺ بقتله، فتشفع له عثمان. تحدَّث الناس في سيرة الوالي الجديد على مصر واستاء كثير من هذا التعيين، ووجد عمرو سلاحاً للطعن على عثمان.
وروى الواقدي أنه لما نزع عثمان عمرو بن العاص من مصر غضب عمرو غضباً شديداً وحقد على عثمان. وقد أراد عثمان أن يظهر لعمرو أن عبد اللَّه بن سعد جدَّ واجتهد، وحصَّل من مصر أكثر مما كان يحصله عمرو. فلما بعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قال: يا عمرو، هل تعلم أن تلك اللقاح درَّت بعدك؟ فقال عمرو: وإن فصالها هلكت.
لم ينقطع عمرو عن الطعن على عثمان، ومع ذلك نرى عثمان يستشيره في جملة من استشارهم في أمر الفتنة، فأظهر له أنه لا يزال ساخطاً عليه ودعاه إلى الاعتزال ورماه بالجور، وهو الوحيد الذي دعاه إلى الاعتزال من بين من استشارهم إذ قال له: "أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً" ولا عبرة بما قاله له بعد انصراف القوم "لا واللَّه يا أمير المؤمنين لأنت أعز عليَّ من ذلك الخ".
وقد عاب على عثمان محمد بن أبي حذيفة بعد غزوة الصواري وقال: لقد تركنا خلفنا الجهاد، فيقول الرجل: وأي جهاد! فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا حتى أفسد على الناس فقدموا بلدهم. وقد أفسدهم وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به واشترك مع محمد بن حذيفة في الطعن على عثمان محمد بن أبي بكر، واستحلاَّ دمه وقالا: استعمل عبد اللَّه بن سعد، رجلاً كان رسول اللَّه ﷺ أباح دمه ونزل القرآن بكفره، واستعمل سعيد بن العاص وعبد اللَّه بن عامر، وهو ابن خال عثمان، فانتشرت هذه المطاعن في مصر وغيرها.
أما في الكوفة فإن عثمان عزل سعد بن أبي وقاص لما حدث بينه وبين ابن مسعود من المشادة التي تقدَّم ذكرها وكان ابن مسعود على بيت المال لكنه لم يعزله، بل أقره وسعد بن أبي وقاص كما نعلم من سيرته أحد المبشرين بالجنة وأحد الستة الذين رشَّحهم عمر بن ⦗١٤٥⦘ الخطاب للخلافة، وأول من أراق دماً في سبيل اللَّه وكان يقال له: "فارس الإسلام". واستعمله عمر على الجيوش التي بعثها إلى بلاد الفرس، وكان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وفتح المدائن، وولاه عمر العراق. هذا هو سعد بن أبي وقاص الذي عزله عثمان عن الكوفة فمن هو الذي ولاَّه خلفاً له؟ لقد ولَّى الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه وهو الذي نزل في حقه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذَّينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [الحجرات: ٦] .
نعم، إن الوليد كان شاعراً شجاعاً، وكان أحب إلى الناس وأرفقهم بهم لكنهم مع ذلك طعنوا عليه لقرابته من عثمان واتهموه بشرب الخمر فأقام عليه الخليفة الحدَّ، وعزله وولَّى سعيد بن العاص مكانه، وهو أمويٌّ من أشراف قريش، قتل أبوه العاص يوم بدر كافراً قتله علي ابن أبي طالب لكن الفتنة لم تخمد بل اشتدت، فتطاول عليه نفر من أشراف الكوفة، وضربوا أحد أتباعه ضرباً مبرحاً، فسيَّرهم إلى الشام بأمر عثمان، وكان بينهم وبين معاوية ما كان مما ذكرناه في موضعه ولما عادوا أخيراً بثوا الفتنة وطلبوا عزل سعيد، فأجاب عثمان لطلبهم لئلا يكون لهم حجة عليه وولَّى أبا موسى الأشعري كما أرادوا.
غير أن الفتنة كان قد استفحل خطبها واندلع لهيبها، فكاتب أصحاب رسول اللَّه بعضهم بعضاً وكذبوا علياً ﵁ وكان غير راضٍ عن تصرفات عثمان، ومحاباته لأقاربه. وبالطبع كان لعليّ أتباع يرون رأيه فدخل عليه وذكر له أنه يجلُّ قدره لصحبته لرسول اللَّه وما نال من صهره. وذكَّره بحديث النبي ﷺ في شأن الإمام الجائر، لكن عثمان كان يرى أنه ولَّى من ولاَّهم عمر ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يعتب عليه، فردَّ عليه عليّ أن عمر كان شديداً لا يتسامح مع أحد إذا هفا، أو أخطأ. ومعاوية يفعل ما يشاء باسم عثمان الذي ضعف ورقَّ على أقاربه، ثم صعد عثمان إلى المنبر وخطب خطبته التي نشرناها، فاشتد سخط الناس عليه لعدم تحوَّله عن خطته وانتحال المعاذير لنفسه وتهديدهم باستعمال الشدة معهم.
وقد حدث في سنة ٣٠ هـ أن سقط خاتم رسول اللَّه ﷺ من إصبع عثمان في بئر أريس، ثم ضاع، فتشاءم المسلمون لضياع هذا الخاتم وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول اللَّه من يده. وهذا الحادث من سوء حظ عثمان. وفي السنة نفسها قام أبو ذر الغفاري الصحابي المعروف بزهده ونسكه في وجه معاوية، وعاب عليه جمع المال وقال: "يا معشر الأغنياء وأسواء الفقراء بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم".
فلما ثار الفقراء على الأغنياء شكا الأغنياء إلى معاوية ما يلقون من الناس، فخشي معاوية الفتنة، وكتب إلى عثمان بما فعله أبو ذر، فاستدعاه إلى المدينة، فاختار أبو ذر الخروج إلى ⦗١٤٦⦘ الربذة، وأقام بها إلى أن مات. وادعى بعضهم أن عثمان نفاه، وكان الذي حرَّض أبا ذر على القيام في وجه معاوية ابن السوداء الذي يدعى عبد اللَّه بن سبأ.
стр. 98
- عبد اللَّه بن سبأ (١) ودعايته ضد عثمان:
كان عبد اللَّه بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء. أسلم زمن عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فقال لهم: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ويكذب أن محمداً يرجع فوضع لهم الرجعة - رجعة محمد رسول اللَّه آخر الزمان - فقبلت منه (٢) ، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يُجز وصية رسول اللَّه ﷺ . ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق. وهذا وصي رسول اللَّه ﷺ . فانهضوا في هذا الأمر، فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس. وادعوهم إلى هذا الأمر. وبثَّ دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس.
وإنا لا ندري السبب الذي حمل ابن السوداء على نشر هذه الدعاية ضد عثمان وتحزُّبه لعلي بن أبي طالب، وإن الإنسان ليعجب من ارتحال هذا الرجل من مصر إلى مصر، واحتماله المشقَّات، واختلاقه المذاهب وحضّ الناس على بثِّ الدعوة إلا إذا كان قد أراد بذلك هدم الإسلام وحدوث الفتن والثورات، ولو أن عثمان استعمل الشدة مع ⦗١٤٧⦘ أمثال عبد اللَّه بن سبأ، وأدبهم لما اجترأوا على بثِّ بذور الفتن، لكنه لاَن لهم فلم يخشوا بأسه.
стр. 99
- إرسال مندوبين إلى الأمصار لاستطلاع الأخبار (١) :
أتى الناس عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ فقال: ما جاءني إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي (٢) . قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد اللَّه بن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار. فقالوا: ما أنكرنا شيئاً أيها الناس، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم.
تأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل فوصل كتاب من عبد اللَّه بن أبي سرح يذكر أن عماراً قد استماله قومه، وانقطعوا إليه منهم عبد اللَّه ابن السوداء وخالد بن مُلجم وسودان بن حُمران وكنانة بن بشر فثبطوا عماراً عن المسير إلى المدينة.
فكتب عثمان إلى أهل الأمصار:
"إني آخذ العمال بموافاتي كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم، وقد رفع إليَّ أهل المدينة أن أقواماً يُشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو عمالي. أو تصدقوا فإن اللَّه يجزي المتصدقين".
فلما قرئ هذا الكتاب في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتتمخض بشر.
стр. 100
- عثمان يستشير عمال الأمصار (١)
لم يطمئن عثمان إلى الأخبار التي تلقاها ممن بعثهم فأرسل إلى عمال الأمصار فقدموا في الموسم وهم: ⦗١٤٨⦘
-١- عبد اللَّه بن عامر.
-٢- وعبد اللَّه بن سعد.
-٣- ومعاوية. وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص وعمرو بن العاص. فلما اجتمعوا عنده قال:
"ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني واللَّه لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم وما يُعصب هذا إلا بي".
فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا واللَّه ما صدقوا ولا بروا. ولا نعم لهذا الأمر أصلاً وما كنت لتأخذ به أحداً فيقيمك على شيء. وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها.
قال: فأشيروا عليَّ. فقال سعيد بن العاص: "هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم".
قال: فما دواء ذلك؟.
قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد اللَّه بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم. فإنه خير من أن تدعهم.
وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتهما.
قال: فما الرأي؟.
قال: حسن الأدب.
قال: فما ترى يا عمرو؟.
قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شراً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً. فقام عثمان فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال:
"كل ما أشرتم به عليَّ قد سمعت. ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود اللَّه تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سدَّه شيء فرفق، فذاك ليفتحن، وليست لأحد عليَّ حجة حق، وقد علم اللَّه أني لم آل الناس خيراً ولا نفسي، وواللَّه إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، وإذا تعوطِيتْ حقوق اللَّه، فلا تدهنوا فيها".
وهذا لم يبلغنا ماذا فعل عثمان في أمر عمار الذي أرسل إلى مصر ولم يعد. وكتب بشأنه ⦗١٤٩⦘ عبد اللَّه بن أبي سرح أن قوماً استمالوه وانقطعوا إليه، وذكرهم بالاسم. إن في عدم عودة عمار وانقطاعه إلى من استمالوه دليلاً على اشتداد الفتنة في مصر، وكان الواجب يقضي استدعاء عمار بأي وسيلة، وسؤاله عن الحالة في مصر وماذا قالوا له؟ ولماذا لم يعد كغيره؟ إلى غير ذلك، فإذا ثبت أن هناك مؤامرة ودسيسة، وعرف من هم رؤساء الفتنة حقق معهم، وعندئذ يُجازي كل بما يستحق. أما تركهم ينقلون أحاديث السوء ويذيعون الفتنة، ويحرضون على الجهاد، ويبيحون دم الخليفة فذلك مما يزيد الفتنة.
ثم إن عثمان ﵁ كان أعطى عبد اللَّه بن خالد بن أسيد خمسين ألفاً، وأعطى مروان خمسة عشر ألفاً فردَّ ذلك منهما منعاً للقيل والقال.
стр. 101
- معاوية يدعو عثمان إلى الشام (١) :
كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودَّعه وخرج (٢) :
"يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَل لك به. فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا".
فقال: "لا أبيع جوار رسول اللَّه ﷺ بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي".
فقال معاوية: "فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة، أو إياك".
قال: "لا أضيق على جيران رسول اللَّه ﷺ ".
فقال: "واللَّه لَتُغْتَلنَّ أو لَتُغْزَيَنّ".
قال: "حسبي اللَّه ونعم الوكيل".
стр. 102
- عثمان يرد على منتقديه (١) :
أرسل عثمان إلى الكوفيين والبصريين الذين وفدوا المدينة بدعوى أنهم يريدون أن يسألوا عثمان عن أشياء، ثم يرجعون ويزعمون أنهم قرروه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم يخرجون كأنهم حجاج، وعندئذٍ يحيطون به ويخلعونه، فإن أبى قتلوه. فلما بلغ عثمان عزمهم هذا ضحك وقال: اللَّهم سلِّم هؤلاء فإنك إن لم تسلمهم شقوا. ونادى: الصلاة جامعة وهم عندهم في أصل ⦗١٥٠⦘ المنبر فأقبل أصحاب رسول اللَّه ﷺ حتى أحاطوا به فحمد اللَّه وأثنى عليه فقالوا جميعاً: اقتلهم فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "من دعا إلى نفسه، أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه لعنة اللَّه فاقتلوه" وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا أحِل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم، فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحداً حتى يركب حداً أو يُبدي كفراً. إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليَّ عند من لا يعلم، وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تُتم. إلا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين. أو كذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم. وقالوا: وحميتَ حِمىً، وإني واللَّه ما حميتُ حِمى حُمى، قبلي، واللَّه ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحَّوا منها أحداً إلا من ساق درهماً. وما لي من بعير غير راحلتي. وما لي ثاغية ولا راغية (٢) ، وإني قد وُليت وإني أكثر العرب بعيراً وشاة فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي. أكذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم.
وقالوا: كان القرآن كتباً فتركتها إلا واحداً. ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد. وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم. وسألوه أن يقتلهم. وقالوا: إني رددت الحكم (٣) وقد سيَّره رسول اللَّه ﷺ ، والحكم مكي سيَّره رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى الطائف، ثم ردَّه رسول اللَّه ﷺ . فرسول اللَّه ﷺ سيَّره، ورسول اللَّه ﷺ ردَّه، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمِعاً محتمِلاً مرضيَّاً. وهؤلاء أهل عَمَلهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده. ولَقَد ولَّى من قبلي أحدثَ منهم وقيل في ذلك لرسول اللَّه ﷺ أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللَّهم نعم. يعيبون للناس ما لا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء اللَّه عليه، وإني إنما نفلته الخُمس ما أفاء اللَّه عليه من الخُمس، فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر ﵄، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم. أكذلك؟ قالوا: نعم ⦗١٥١⦘.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي فإنه لم يمِل معهم على جَوْر. بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وأنا يومئذٍ شحيح حريص، أفحين أتيتُ على أسنان أهل بيتي وفَنِي عمري وودعتُ الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني واللَّه ما حملت على مصر من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله. ولقد رددته عليهم وما قدم عليَّ إلا الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولَّى المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يُتلفت من مال اللَّه بفلس فما فوقه، وما أتبلغُ منه ما آكل إلا من مالي.
وقالوا: أعطيتَ الأرض رجالاً. وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أُسوُة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يُذهب ذلك ما حوى اللَّه له. فنظرتُ في الذي يُصيبهم مما أفاء اللَّه عليهم فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني".
ثم تركهم عثمان، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم.
стр. 103
- حصر عثمان (١) (شوال سنة ٣٥ هـ/ ٦٥٦ م) :
كان بمصر محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة يحرِّضان على عثمان، فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَويّ (٢) في خمسمائة (٣) فكان أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني وقُتَيرة بن فلان السكوبيّ، وعليهم جميعاً الغافقي بن حرس العَكِّي وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبد، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد اللَّه بن الأصم العامري وهم في عدد أهل مصر. وخرج أهل البصرة فيهم حُكَيم بن جَبَلة العبدي (٤) ، وذُرَيح بن عباد، ⦗١٥٢⦘ وبِشر بن شُريح القيسي، وابن المحرَّش، وهم بعدد أهل مصر وأميرهم حرقوص بن زُهَيْر السعدي (٥) .
خرج هؤلاء كالحجاج، وذكر الطبري (٦) أن ابن السوداء خرج من خرَّج من أهل مصر.
أما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون "علياً". وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون "طلحة". وأما أهل الكوفة كانوا يشتهون "الزبير"، فلما كانوا من المدينة على ثلاث، تقدَّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعْوَص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المَرْوة، ومشى فيما بين مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد اللَّه بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم عسكروا لنا. فواللَّه إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا، ولم يعلموا علمنا، فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل. وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعن إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان، فلقيا أزواج النبي ﷺ وعلياً، وطلحة، والزبير. وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى ونهى، وقال: بيض ما يفرخن، فرجعا إليهم فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا علياً، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير. وقال كل فريق منهم: بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا عليهم نبغتهم فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلداً سيفه، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمعوا إليه، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال:
"لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة، وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ " فانصرفوا عنه.
وجيش ذي المروة هم المصريون. أما جيش ذي خُشُب فهم أهل البصرة. وأما جيش الأعوص فهم أهل الكوفة. وهذه أماكن بالقرب من المدينة ⦗١٥٣⦘.
وأتى البصريون طلحة، وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ وقد أرسل ابنه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك.
وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد اللَّه إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك.
فرجعوا وتفرقوا عن ذي المروة وذي خشب والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة، ثم رجعوا إليهم، فلما بلغوا عسكرهم تفرَّق أهل المدينة، فرجعوا بهم فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ونزلوها وأحاطوا بعثمان. وقالوا من كفَّ يده فهو آمن.
وصلى عثمان بالناس أياماً ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحداً من كلام فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي. فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا. وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك. وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك. وقال الكوفيون والبصريون: نحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعاً كأنما كانوا على ميعاد.
فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بملقى أهل مصر؟ وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا هذا الأمر. واللَّه إنه أمر أبرم بالمدينة. قالوا: فضعوه على ما شئتم، ولا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب، وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع.
يلاحظ أن الذين خرجوا لحصر عثمان من الأمصار الثلاثة: مصر والكوفة والبصرة يتراوح عددهم بين ١٥٠٠ و ٣٠٠٠ على أكثر تقدير. فهو ليس جيشاً يصعب على أهل المدينة صده. نقول ذلك وليس لدينا إحصاء عن سكان المدينة في ذلك الوقت نستطيع به أن نعرف منه قدرتها على الدفاع عن الخليفة. كما أننا لم نقف على أمر من عثمان إلى أهل المدينة بالاستعداد للدفاع عنه وردّ هؤلاء المهاجمين. غير أنا وجدنا نص كتابه الذي أرسله إلى الأمصار يستنجدهم فيه، وهو الذي سننشره، ويلاحظ كذلك أن الشاميين لم يرسلوا جيشاً كغيرهم من الأمصار لحصر عثمان، وذلك راجع إلى ما كان من تأثير معاوية في تلك البلاد.
стр. 104
- كتاب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم (١) : ⦗١٥٥⦘
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن اللَّه بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً فبلغ عن اللَّه ما أمر به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد، وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر ﵁، وعمر ﵁، ثم أُدخلتُ في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة. فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعاً غير مستتبع، متبعاً غير مبتدع، مقدياً غير متكلف، فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب. فطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرتُ لهم نفسي، وكففتُها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على اللَّه جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول اللَّه ﷺ وحَرَمَه، وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يُظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق". يستنجد عثمان بهذا الكتاب أهل الأمصار، ويحثهم للمنع عنه ويعرفهم ما الناس فيه.
стр. 105
- قدوم عبد اللَّه بن أبي سرح إلى عثمان (١) :
لما تكلَّم الناس بخلع عثمان، وفد عبد اللَّه على عثمان سنة ٣٥ هـ واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهني، وقيل: بل استخلف السائب ابن هشام العامري فظهر عليه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي، فأزال عنها السائب وتأمَّر على مصر، فرجع عبد اللَّه بن أبي سرح، فمنعه محمد بن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى إلى عسقلان، فأقام بها حتى قتل عثمان، وقيل: بل أقام بالرملة حتى مات فارّاً من الفتنة، فتوفي ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية، وكانت وفاته سنة ٣٧ هـ.
стр. 106
- خطبة معاوية:
ذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو علياً. فقال علي: نعم. فلما أن ولى الرسول ⦗١٥٦⦘ أقبل علي فقال: لِمَ تراه دعاني؟ فقلت له: دعاك ليكلمك. فقال: انطلق معي. فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا، فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان. فسكت القوم ونظر بعضهم إلى بعض فحمد اللَّه عثمان ثم قال:
"أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائباً عنكم وعما نلتم مني وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني. وقد سألني أن يكلِّمكم وأن يكلِّمه من أراد". فقال سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك! فقال: على ذلكم، تكلم يا معاوية فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال:
"أما بعد، يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني، وإياكم أريد فمن أجابني بشيء فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم. توفي رسول اللَّه ﷺ فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم فأصبحوا سالماً أمرهم كأن نبيهم بين أظهرهم. فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلاً من بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين فأخذوا رجلاً منهم لا يألون عن الخير فيه فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده لا يشكون ولا يمترون. مهلاً مهلاً أيها المهاجرون. فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعدّ من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي. فسددوا وارفقوا لا يغلبكم على أمركم من حدتكم".
فقال علي بن أبي طالب: "كأنك تريد نفسك يا ابن اللخناء لست هنالك".
فقال معاوية: مهلاً عن بنت عمك. فإنها ليست بشر نسائك. يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر. ولاَّكم اللَّه إياه فأنتم أهله. وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه. وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى البلدين، فإن استقاموا استقاموا وأيم اللَّه الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين ولا البلدان للبلدين وليسلبن أمركم، ولينقلن المُلك من بين أظهركم. وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض. فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم. وما كل نصيحة مقبولة. والصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله".
ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له: "يا ابن عمي ويا ابن خالتي. فإنه لم يبلغني عنك في أمر شيء أحبه ولا أكرهه عَلَيَّ ولا لِيَ. وقد علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر".
стр. 107
- رأي ابن عباس: ⦗١٥٧⦘
قال ابن عباس فقلت:
"يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة. وواللَّه إن رأيي لك أن يجلُّ سنك ويعرف قدرك وسابقتك. وواللَّه لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك. فإن كان شيئاً تركاه لما رأيا أنه ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك".
قال: فما منعك أن تشير عليَّ بهما قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: وعلمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل. قال: فهب لي صمتاً حتى ترى رأيي.
стр. 108
- حملة معاوية على المهاجرين:
لما خرج ابن عباس قال عثمان لمعاوية:
"ما ترى، فإن المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا يد لهم مما في أنفسهم؟.
فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم.
قال: من؟.
قال: عليٌّ، وطلحة، والزبير.
قال عثمان: سبحان اللَّه، أقتل أصحاب رسول اللَّه بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه!.
قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك.
قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول اللَّه في أمته بإهراق الدماء.
قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال.
قال عثمان: وما هي؟.
قال معاوية: أرتب لك ههنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك رداء وبين يديك يداً.
قال عثمان: أرزقهم من أين؟.
قال معاوية: من بيت المال.
قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا فعلت هذا!.
قال: فثانية.
قال: وما هي؟
قال: فرّقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته.
قال عثمان: سبحان اللَّه. شيوخ المهاجرين، وكبار أصحاب رسول اللَّه، وبقية الشورى، أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟ لا أفعل هذا ⦗١٥٨⦘.
قال معاوية: فثالثة.
قال: وما هي؟ اجعل لي الأمر الطلب بدمك إن قتلت.
قال عثمان: نعم. هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي (١) .
هذا ما جرى من المناقشة بين معاوية وعثمان ولم يوافقه عثمان على التنكيل بالمهاجرين بالقتل أو النفي، إنما وافقه على المطالبة بدمه، فلما قتل عثمان طالب معاوية علياً بدم عثمان ﵁ وحاربه.
إن هذه الآراء التي أبداها معاوية لعثمان ﵁ بشأن التنكيل بالمهاجرين قد وجدناها مسطورة في كتاب "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة لكنا لا نصدق أن معاوية أشار بقتل عليّ وطلحة والزبير أو نفيهم وقد بحثنا عن هذا الخبر في الطبري فلم نجد له أثراً.
أما كتاب الإمامة والسياسة المشار إليه فمشكوك في صحة نسبته إلى ابن قتيبة. ويرجح الأستاذ "ده غوي" أن هذا المصنف كتبه رجل مصري أو مغربي في حياة ابن قتيبة.
стр. 109
- خروج أهل الأمصار لنجدة عثمان
بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري. وبعث عبد اللَّه بن سعد معاوية ابن حُديج، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة منهم: عقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ . ومن التابعين: مسروق والأسود وشريح وعبد اللَّه بن حكيم وغيرهم. وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان وغيرهما. وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر. أما جيش الشام فقد تأخر، فلما بلغهم خبر مقتل الخليفة عند منتصف الطريق بين الشام والمدينة قفلوا راجعين. وقيل: إن معاوية تعمَّد تأخير المدد.
стр. 110
- خطبة عثمان ورجمه بالحصباء (١) :
ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين المدينة خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال:
"يا هؤلاء العِدى: اللَّه اللَّه، فواللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ فامحوا الخطايا بالصواب فإن اللَّه لا يمحو السيئ إلا بالحسن".
⦗١٥٩⦘ فقام محمد بن مسلمة فقال: أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة (من جيش البصرة) فأقعده. فقام زيد بن ثابت فأقعده محمد ابن أبي قتيرة. وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشياً عليه، فاحتمل، فأدخل داره، واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن مالك، والحسن بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا.
وأقبل عليّ وطلحة والزبير فدخلوا على عثمان بعودته من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وصلى عثمان بالناس بعد ما نزل به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرَّق أهل المدينة في حيطانهم، وأُلزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه يمتنع به، وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرَّض لهم وضعوا فيه السلاح.
وقيل: إن عثمان ﵁ خطب الناس وقال لهم:
"إنهم قد أسرعوا الفتنة، واستطالوا عمري، واللَّه لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة، يرون من قدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة".