← Тараджим

Тараджим · id 552

عثمان بن عفان ذو النورين

محمد رضا

Полный текст (147 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

مقدمة المحقق .

стр. 3

- عالمٌ بالحلال والحرام، جامعٌ لكتاب اللَّه العزيز، سهلٌ ممتنعٌ، كريمٌ معطاءٌ، لينٌ، واصلٌ للرَّحِم، محبٌّ لأهله وعشيرته، مُكْرمٌ لهم إلى حدٍّ جعلهم يتطاولون على مقامه، ويسيئون للأمة باسمه، لكن مع هذا كله فهو مؤمن بما وعده ﵊ بأن اللَّه سيقمِّصه قميصاً فلا ينزعه، وسيهلك دونه. فقد أدى ما أمره اللَّه ورسوله، فصدق ما عاهد به وقضى نَحْبَه. هذا هو عثمان بن عفَّان الخليفةُ الراشديُّ الثالث. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . هذا حقيقة ما شعرت به عندما بدأت بتحقيق هذا الكتاب، فقارئ تاريخ أمَّتنا العربية لم يعد يعرف برواية من يعتد، ولا من يُصدِّق، لا سيما وأن اختلاف الروايات وتناقضها أحياناً واردٌ في أمَّات الكتب والمصادر، ففي كتب التاريخ هذه ما يتنافى وعقائد القراء وإيمانهم، وفيها ما لا ترتاح له قلوبهم. إن أخطر ما يهدِّد تاريخنا هو الفكر المشوش الذي تزخر به أمَّات كتبنا، وكثيراً ما نجد الرواية نفسها في أكثر من مصدر، ولكن كلٌّ رواها حسب ميوله وانتمائه الفكري، والسياسي، واعتقاده. لذا حاولت في تحقيق ورصد الأحداث التي في كتاب "عثمان بن عفَّان" ﵁ من أكثر من مصدر قدر المستطاع، إضافة إلى التعريف بشخصيات مسرح أحداث هذه الحِقبة التاريخية التي كان فيها الخليفة الراشديُّ الثاني على رأس السلطتين الزمنية والروحية. أخيراً، ليس خطأ أن نرجع إلى الوراء بنظرة نافذة مجردة فاحصة - لكن بموضوعية - لتاريخنا العربي عَلَّنا نقف على حقيقة ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا، فمن يعرف التاريخ يدرك الحاضر والمستقبل. أسأل اللَّه أن ينفعني وإخواني المسلمين بعلمه وهدايته. إنه السميع البصير القدير على كل شيء وهو حسبي ونعم الوكيل. محمد أمين الضنَّاوي.

стр. 4

ترجمة المؤلف .

стр. 5

- محمد رضا (١) هو أديب مصري، ولد في مصر ونشأ فيها، تعلَّم اللغة العربية وآدابها وبرع فيها، شغل منصب أمين مكتبة الجامعة بالقاهرة، وكان أحد المدرسين بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية. وفاته: توفي بالقاهرة سنة ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م. مؤلفاته: له مؤلفات عديدة في التاريخ الإسلامي، والفلسفة، والتربية، من هذه المؤلفات: -١- محمد رسول اللَّه ﷺ . -٢- أبو بكر الصدَّيق. -٣- عمر بن الخطاب (الفاروق) . -٤- عثمان بن عفَّان (ذي النورين) . -٥- علي بن أبي طالب (أبو السبطين) . -٦- الحسن والحسين (ابنا علي بن أبي طالب) . وهو كتاب في سيرتهما. -٧- أبو حامد الغزَّالي، حياته ومصنَّفاته.

стр. 6

مقدمة المؤلف .

стр. 7

- الحمد للَّه رب العالمين، وأحكم الحاكمين، والصلاة والسلام على رسول اللَّه ﷺ . أما بعد، فقد شاء اللَّه أن أثابر على ما بدأت به من وضع كتب في التاريخ الإسلامي خدمة للمسلمين في جميع أقطار الأرض. وها أنذا أتقدم إلى الباحثين والقارئين من أبناء اللغة العربية بالكتاب الرابع من سلسلة التاريخ الإسلامي في حياة "عثمان بن عفان" ﵁ وخلافته. وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وبذلك سددت فراغاً وأكملت نقصاً إذ كان الناس إلى الآن لا يجدون كتاباً قائماً بذاته لكل خليفة، يتناول ترجمته وما جرى من الحوادث في عهده، حتى إن علماء الإفرنج مع اجتهادهم في التأليف نراهم قد حذوا حذو مؤلفي المسلمين فلم يفردوا لكل خليفة كتاباً. فللأستاذ "موير" كتاب: تاريخ الخلافة الإسلامية، وللأستاذ "واشنجتون [واشنطون] إيرفنج" كتاب: محمد وخلفائه، وكلاهما في مجلد واحد، وهكذا غيرهما من المؤلفين. ولا شك أن هذا نقص يجب تداركه، على أنه لا يغيب عنا أن نذكر أن العلاَّمة رفيق بك العظم قد تدارك الأمر فجعل لكل خليفة جزءاً من كتابه: أشهر مشاهير الإسلام، ولم أعثر إلا على الأجزاء الأربعة الأولى إلى عثمان. ثم لا نجد غير كتب التاريخ العامة كالطبري وهو ثقة، وابن الأثير، وابن خلدون وهو مختصر، اختصره من الطبري غالباً. وحوليات البرنس كيتاني الذي ترجم النصوص العربية إلى اللغة الإيطالية. والكتب العربية في الخلفاء الراشدين ما هي إلا سير. ثم كتب التراجم: كأسد الغابة والإصابة، وطبقات ابن سعد، والاستيعاب، والكمال، والتهذيب الخ، وهي تكاد تكون متشابهة إنما بعضها مطوَّل وبعضها مختصر وقد نقل عنها المستشرقون في تأليف دائرة المعارف الإسلامية، فلم يزيدوا عليها إلا تعليقات من عندهم ترمي إلى التشكيك من غير تحقيق كما ذكرناه في كتابنا هذا في وفاة العباس بن عبد المطلب، واستسقاء عمر بن الخطاب به في حياته. أما كتاب تاريخ الأمم الإسلامية للمرحوم محمد الخضري بك، فهو مختصر ألقاه محاضرات في الجامعة المصرية القديمة، وكان فيها محتاطاً أشد الاحتياط، فلم يزج بنفسه في التفاصيل ومناقشة مختلف الروايات، فلا يجد فيه مُريد التوسع بغيته. هذا ويجب أن يكون ⦗١٠⦘ المؤرخ في زماننا مجيداً للغة أجنبية على الأقل، ولا يكفي أن يُتَرجم له. ففي عهد الخلفاء مثلاً يتحتم الإطلاع على ما كتبه الإفرنج في تاريخ سقوط الدولة الرومانية وتاريخ مصر، والرجوع إلى دوائر المعارف، فمؤرخو العرب مثلاً يذكرون المقوقس كأنه كان حياً عندما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية للمرة الثانية مع أنه كان قد مات الخ. أما الواقدي: فقد قرأت شيئاً مما كتبه عن فتوح إفريقية فرأيت العجب العجاب، فهي قصص لا يصح اعتبارها تاريخاً، ولا حاجة بي إلى ضرب الأمثال خشية الإطالة. ولنعد إلى عثمان ﵁ فنقول: إن اختياره قد تمَّ بتفويض أرباب الشورى إلى عبد الرحمن بن عوف أمر اختيار أحد الرجلين: علي، أو عثمان، بعد أن تنازل هو عن ترشيح نفسه لعدم رغبته في الخلافة وكان صهر عثمان، وكان أغلب المسلمين يريدون تولية عثمان بعد عمر. فقد كان عمر شديداً لا يحابي أحداً، ولا يخاف أحداً، ولا يتهاون، ولا يلين مع حرصه على إجراء العدل، وكانوا يرهبونه ويحسبون حسابه، وكان شديداً حتى على نفسه، متقشفاً كارهاً للترف والتنعم في المأكل والملبس. أما عثمان فقد كان ليناً حليماً، رحيماً، يصل أهله، شديد الحياء، لا يميل إلى العنف. فكان انتخابه كما قيل: رد فعل لخلافة من قبله. ولما كان عليٌّ شديداً لم يريدوا توليته. قال الأستاذ رفيق بك العظم: "والذي أعتقده أن قريشاً وإن كانت لا تريد استخلاف علي لأسباب سيأتي بيانها إلا أن الخلافة من أبي بكر إلى عثمان تمت على ترتيب طبيعي بحكم الحاجة، وعلى وفق المعروف يومئذ للمسلمين، والثابت عندهم من أقوال الرسول ﷺ التي تشير إلى مثل هذا الترتيب في المقام والدرجة التي وضع كلاً منهم فيها رسول اللَّه ﷺ وعليٌ نفسه يعرف ذلك ويعترف به" اهـ (١) . لكن هل كان ذلك ملحوظاً في اختيار عثمان؟ لا أظن ذلك، ولم يكن ولم يكن يلحظه عمر بن الخطاب حين اختار أهل الشورى. وقد خاف بنو أمية سيادة بني هاشم فنجحوا في اختيار عثمان، وكانت شخصية عثمان فوق ذلك شخصية محبوبة ومحترمة، وكان رسول اللَّه ﷺ يحبه، ويقربه، ويلاطفه لحسن أخلاقه، فزوجه ابنتيه، فهذه أسباب هيأت لعثمان تسلم الخلافة ⦗١١⦘. لما ولي عثمان ﵁ الخلافة قضى الشطر الأول منها وهو أحب إلى الناس من عمر للينه ورأفته، وقد امتلأت الأيدي من المغانم. إن الفتنة التي أدَّت إلى قتل عثمان - والتي سَنُعنَى بتفصيلها في كتابنا هذا - قد أدَّت إلى نتائج وخيمة. أدَّت إلى انقسام المسلمين، وسفك الدماء، والتحزْب، والتشيَع، وتفرقة الكلمة بعد قتله ﵁ واقتتلوا للأخذ بثأره حتى قتل من المسلمون تسعون ألفاً!!. إن للفتنة أسباباً ذكرها المؤرخون وأصدق المصادر التي بين أيدينا تاريخ ابن جرير الطبري. وقد كانت بين كبار الصحابة وعثمان ﵁ محادثات ومباحثات طويلة وعديدة ومشاورات بشأن الفتنة ونشأتها، وأسبابها، فإنه ﵁ ما ترك أحداً يوثق به ويعوّل على رأيه إلا استشاره. وقد أدلى إليه كل برأيه. وهنا يجدر بي أن أبين موقف المؤرخ ومسؤوليته فأقول: المؤرخ يستطيع أن يستعرض الحوادث أن يستنتج منها ما يبني حكمه عليه كالقاضي النزيه، وليس من شأنه أن يلتمس المعاذير ويميل كل الميل مع قوم دون آخرين. فإن من عَدَّ السيئات حسنات، والأغلاط في حكم الصواب جرياً وراء إحساسه وعواطفه، أو خشية الرأي العام، أو البيئة، أو لإشباع شهوة في نفسه، أو للتظاهر بالعلم، أو الصلاح لا يعد في نظرنا مؤرخاً، بل متحيزاً، أو مغرضاً. وقد تصدَّى قوم لتدوين سير بعض السلف فنزهوهم عن جميع الهفوات معتبرين ذلك تعبداً، وصلاحاً، ونسكاً، غاضين الطرف عن الحوادث المؤلمة التي ترتبت عليها. وهذا فضلاً عن كونه مخالفاً مخالفة صريحة للتاريخ ولآراء المعاصرين من السلف الصالح الذين هم أعرف من غيرهم بالدين وأصوله، بأساليب الحكم في زمانهم، وأسباب السخط العام، فإنه مضيع للفائدة المرجوة من التاريخ وما فيه من عبر يعتبر بها الخلف. ومن المؤرخين من يتصدَّى للطعن، واللعن، وتشويه الحقائق، وتسوئة للمحاسن بدافع التعصب لرأي، أو لكي يعدُّ من أرباب العقول الراجحة. وهؤلاء ينفثون سمومهم ولا يدركون مغبة ما تخطه أقلامهم الجامحة من إفك وبهتان. وإني أرجو أن أكون قد خدمت الحقيقة والتاريخ ببحثي في سيرة عثمان ﵁، وقدَّمت لأهل هذا العصر والعصور المقبلة درساً يستفيدون منه في أمور دينهم ودنياهم.

стр. 8

[الكتاب]

стр. 9

الفصل الأول: حياة عثمان (١) بن عفَّان ﵁ .

стр. 10

(٤٧ ق. هـ - ٣٥ هـ / ٥٧٦ م - ٦٥٦ م) ⦗١٥⦘. هو عثمان بن (٢) عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهو قرشي أموي يجتمع هو والنبي ﷺ في عبد مناف، وهو ثالث الخلفاء الراشدين. ولد بالطائف بعد الفيل بست سنين على الصحيح (سنة ٥٧٦ م) . وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب عمة الرسول ﷺ (٣) .

стр. 11

- كنيته (١) : ⦗١٧⦘. يكنى بأبي عبد اللَّه وأبي عمرو، كني أولاً بابنه عبد اللَّه ابن زوجته رقية بنت النبي ﷺ . توفي عبد اللَّه سنة أربع من الهجرة بالغاً من العمر ست سنين. ويقال لعثمان ﵁: (ذو النورين) لأنه تزوج رقية، وأم كلثوم، ابنتيَّ النبي ﷺ . ولا يعرف أحد تزوج بنتيَّ نبي غيره (٢) .

стр. 12

- أولاده وأزواجه (١) : -١- عبد اللَّه بن رقية. -٢- عبد اللَّه الأصغر، وأمه فاختة بنت غزوان بن جابر. -٣- عمرو، وأمه أم عمرو بنت جُنْدب. -٤- خالد، وأمه أم عمرو بنت جُنْدب. -٥- أُبان، وأمه أم عمرو بنت جُنْدب. -٦- عمر، وأمه أم عمرو بنت جُنْدب. -٧- مريم وأمها أم عمرو بنت جُنْدَب. -٨- الوليد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. -٩- سعيد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. -١٠- أم سعيد وأمها فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. -١١- عبد الملك وأمه أم البنين بنت عُيينة بن حصن بن حذيفة. -١٢- عائشة، وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة. -١٣- أم أبان، وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة. -١٤- أم عمرو وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة. -١٥- مريم، وأمها نائلة بنت الفُرَافِصَة ابن الأحوص. -١٦- أم البنين وأمها أم ولد وهي التي كانت عند عبد اللَّه بن يزيد بن أبي سفيان ⦗١٨⦘. فأولاده ستة عشر: تسعة ذكور، وسبع إناث، وزوجاته تسع، ولم تذكر هنا أم كلثوم لأنها لم تعقب، وقتل عثمان وعنده رملة، ونائلة، وأم البنين، وفاختة، غير أنه طلق أم البنين وهو محصور.

стр. 13

- زوجته رقية: رقية بنت رسول اللَّه ﷺ ، وأمها خديجة، وكان رسول اللَّه قد زوَّجها من عتبة بن أبي لهب، وزوَّج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت: ﴿تبت﴾ [المسد: ١] قال لهما أبو لهب وأمهما - أم جميل بنت حرب بن أمية - ﴿حمالة الحطب﴾ : فارقا ابنتَي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من اللَّه تعالى لهما، وهواناً لابني أبي لهب، فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولداً فسماه: "عبد اللَّه"، وكان عثمان يُكنى به (١) ، فبلغ الغلام ست سنين، فنقر عينه ديك، فورم وجهه، ومرض، ومات. وكان موته سنة أربع، وصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ونزل أبوه عثمان حفرته. ورقية أكبر من أم كلثوم. ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى بدر كانت ابنته رقية مريضة، فتخلَّف عليها عثمان بأمر رسول اللَّه ﷺ ، فتوفيت يوم وصول زيد بن حارثة (٢) مبشراً بظفر رسول اللَّه ﷺ بالمشركين (٣) . وكانت قد أصابتها الحصبة فماتت بها.

стр. 14

- زوجته أم كلثوم: ⦗١٩⦘. بنت رسول اللَّه ﷺ ، وأمها خديجة، وهي أصغر من أختها رقية، زوَّجها النبي ﷺ من عثمان بعد وفاة رقية، وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولداً، وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول اللَّه ﷺ ، ونزل في قبرها عليّ، والفضل (١) ، وأسامة بن زيد (٢) . وقيل: إن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول اللَّه ﷺ في أن ينزل معهم، فأذن له. وقال: "لو أن لنا ثالثة لزوجنا عثمان بها". وروى سعيد بن ⦗٢٠⦘ المسيب أن النبي ﷺ رأى عثمان بعد وفاة رقية مهموماً لهفانا. فقال له: "ما لي أراك مهموماً"؟ فقال: يا رسول اللَّه وهل دخل على أحد ما دخل عليَّ ماتت ابنة رسول اللَّه ﷺ التي كانت عندي وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النبي ﷺ : "هذا جبريل ﵇ يأمرني عن اللَّه أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها، وعلى مثل عشرتها (٣) " فزوجه إياها.

стр. 15

- صفته (١) : كان عثمان جميلاً وكان ربعة - لا بالقصير ولا بالطويل -، حسن الوجه، رقيق البشرة كبير اللحية، أسمر اللون، كثير الشعر، ضخم الكراديس (٢) ، بعيد ما بين المنكبين، له جُمَّة (٣) أسفل من أذنيه، جذل الساقين، طويل الذراعين، شعره قد كسا ذراعيه. أقنى (بيِّن القنا) ، بوجهه نكتات جدري، وكان يصفر لحيته ويشد أسنانه بالذهب (٤) . وكان ﵁ أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمور لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته، وكان شديد الحياء، ومن كبار التجار. أخبر سعيد بن العاص أن عائشة ﵂ وعثمان حدثاه: أن أبا بكر استأذن النبي ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عليه عثمان فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. قالت عائشة: يا رسول اللَّه لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان! قال رسول اللَّه ﷺ : "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال لا يُبلغ إليّ حاجته" (٥) . ⦗٢١⦘ وقال الليث: قال جماعة من الناس: "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" (٦) . لا يوقظ نائماً من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر (٧) ، ويلي وضوء الليل بنفسه. فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال: لا، الليل لهم يستريحون فيه. وكان ليَّن العريكة، كثير الإحسان والحلم. قال رسول اللَّه ﷺ : "أصدق أمتي حياءً عثمان" (٨) . وهو أحد الستة الذين توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقال عن نفسه قبل قتله: "واللَّه ما زنيت في جاهلية وإسلام قط".

стр. 16

- لباسه: رئي وهو على بغلة عليه ثوبان أصفران له غديرتان، ورئي وهو يبني الزوراء (١) على بغلة شهباء مصفِّراً لحيته، وخطب وعليه خميصة (٢) سوداء وهو مخضوب بحناء، ولبس ملاءة صفراء وثوبين ممصرين، وبرداً يمانياً ثمنه مائة درهم، وتختم في اليسار، وكان ينام في المسجد متوسداً رداءه.

стр. 17

- إسلامه (١) : أسلم عثمان ﵁ في أول الإسلام قبل دخول رسول اللَّه دار الأرقم، وكانت سنِّه قد تجاوزت الثلاثين، دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم، ولما عرض أبو بكر عليه الإسلام قال له: ويحك يا عثمان واللَّه إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع؟ فقال: بلى، واللَّه إنها كذلك، قال أبو بكر: هذا محمد بن عبد اللَّه قد بعثه اللَّه برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن تأتيه وتسمع منه؟ فقال: نعم. وفي الحال مرَّ رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا عثمان أجب اللَّه إلى جنته فإني رسول اللَّه إليك وإلى ⦗٢٢⦘ جميع خلقه". قال: فواللَّه ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمد رسول عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية. وكان يقال: أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان. كان زواج عثمان لرقية بعد النبوة لا قبلها، كما ذكر السيوطي (٢) ذلك خطأ. وفي طبقات ابن سعد: قال عثمان: يا رسول اللَّه قدمت حديثاً من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا منادٍ ينادينا: أيها النيام هبّوا فإن أحمد قد خرج بمكة فقدمنا فسمعنا بك. وفي إسلام عثمان تقول خالته سعدى: هدى اللَّه عثمان الصفيَّ بقوله ... فأرشده واللَّه يهدي إلى الحق فبايع بالرأي السديد محمداً ... وكان ابن أروى لا يصد عن الحق وأنكحه المبعوث إحدى بناته ... فكان كبدر مازج الشمس في الأفق فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي ... فأنت أمين اللَّه أرسلت في الخلق لما أسلم عثمان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث! واللَّه لا أخليك أبداً حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال: واللَّه لا أدعه أبداً. فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه (٣) . وفي غداة اليوم الذي أسلم فيه عثمان جاء أبو بكر بعثمان بن مظعون (٤) وأبي عبيدة بن ⦗٢٣⦘ الجراح (٥) ، وعبد الرحمن بن عوف (٦) ، وأبي مسلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول اللَّه ﷺ ثمانية وثلاثين رجلاً. وأسلمت أخت عثمان آمنة بنت عفان، وأسلم أخوته لأمه الوليد وخالد وعمارة، أسلموا يوم الفتح، وأم كلثوم، وبنو عقبة بن أبي معيط ابن عمرو بن أمية أمهم كلهم أروى، ذكر ذلك الدارقطني في كتاب الأخوة، وذكر أن أم كلثوم من المهاجرات الأُوَل، يقال: إنها أول قرشية بايعت النبي ﷺ ، وأنكحها زيد بن حارثة، ثم خلقه عليها عبد الرحمن بن عوف ثم تزوجها الزبير بن العوام (٧) .

стр. 18

- هجرته (١) : ⦗٢٤⦘. هاجر عثمان إلى أرض الحبشة فاراً بدينه مع زوجته رقية بنت رسول اللَّه ﷺ ، فكان أول مهاجر إليها، ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة. عن أنس قال: أول من هاجر إلى الحبشة عثمان، وخرجت معه ابنة رسول اللَّه ﷺ (٢) ، فأبطأ على رسول اللَّه ﷺ خبرهما، فجعل يتوكف الخبر فقدمت امرأة من قريش من أرض الحبشة فسألها، فقالت: رأيتها، فقال: "على أيّ حال رأيتها؟ " قالت: رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وهو يسوقها، فقال النبي ﷺ : "صحبهما اللَّه، إن كان عثمان لأول من هاجر إلى اللَّه بعد لوط" (٣) .

стр. 19

- تبشيره بالجنة (١) : كان عثمان ﵁ أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه ﷺ بالجنة. عن أبي موسى الأشعري (٢) ، قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ في حديقة بني فلان والباب علينا ⦗٢٥⦘ مغلق إذ استفتح رجل فقال النبي ﷺ : "يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة" فقمت، ففتحت الباب فإذا أنا بأبي بكر الصدِّيق فأخبرته بما قال رسول اللَّه ﷺ ، فحمد اللَّه ودخل وقعد، ثم أغلقت الباب فجعل النبي ﷺ ينكت بعود في الأرض فاستفتح آخر فقال: يا عبد اللَّه بن قيس قم فافتح له الباب وبشَّره بالجنة، فقمت، ففتحت، فإذا أنا بعمر بن الخطاب فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد اللَّه ودخل، فسلم وقعد، وأغلقت الباب فجعل النبي ﷺ ينكت بذلك العود في الأرض إذ استفتح الثالث الباب فقال النبي ﷺ : "يا عبد اللَّه بن قيس، قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى تكون" (٣) ، فقمت، ففتحت الباب، فإذا أنا بعثمان بن عفان، فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فقال: "اللَّه المستعان وعليه التكلان"، ثم دخل، فسلم وقعد. وقال ﷺ : "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، والآخر لو شئت سميته" (٤) ، ثم سمَّى نفسه. وعن سعيد بن زيد أن رجلاً قال له: أحببت علياً حباً لم أحبه شيئاً قط. قال: "أحسنت، ⦗٢٦⦘ أحببت رجلاً من أهل الجنة". قال: وأبغضت عثمان بغضاً لم أبغضه شيئاً قط، قال: "أسأت، أبغضت رجلاً من أهل الحنة"، ثم أنشأ يحدث قال: بينما رسول اللَّه ﷺ على حراء ومعه أبو بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير قال: "اثْبُتْ حِرَاءُ ما عليك إلا نبيُّ أو صدِّيق أو شهيد" (٥) . وعن أنس قال: صعد النبي ﷺ أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف الجبل فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيق وشهيدان" (٦) . وعن حسان بن عطية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "غفر اللَّه لك يا عثمان ما قدَّمتَ، وما أخَّرتَ، وما أسررتَ، وما أعلنتَ، وما هو كائن إلى يوم القيامة" (٧) .

стр. 20

- تخلّفه عن بيعة الرضوان (١) : في الحديبية دعا رسول اللَّه ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول اللَّه إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فدعا رسول اللَّه ﷺ عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظَّماً لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص (٢) حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، ⦗٢٧⦘ فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة رسول اللَّه ﷺ . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان (٣) وعظماء قريش فبلغهم عن رسول اللَّه ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول اللَّه ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللَّه ﷺ ، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللَّه والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل، وقيل: إنه دخل مكة ومعه عشرة من الصحابة بإذن رسول اللَّه ليزوروا أهاليهم ولم يذكروا أسمائهم، وقيل: إن قريشاً احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام، وأشاع الناس أنهم قتلوه هو والعشرة الذين معه. وعلى كل حال أبطأ عثمان ﵁ عن الرجوع فقلق عليه المسلمون، فلما بلغ ذلك الخبر رسول اللَّه ﷺ قال: "لا نبرح حتى نناجز القوم" (٤) . ولما لم يكن قتل عثمان ﵁ محققاً، بل كان بالإشاعة بايع النبي ﷺ عنه على تقدير حياته. وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يُقتل، وإنما بايع القوم أخذاً بثأر عثمان جرياً على ظاهر الإشاعة تثبيتاً وتقوية لأولئك القوم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال: "اللَّهم هذه عن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك". قال تعالى يذكر هذه البيعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّه عَنِ المُؤْمِنين إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ، وبعد أن جاء عثمان ﵁ بايع بنفسه.

стр. 21

- تخلفه عن غزوة بدر (١) : ⦗٢٨⦘. تزوَّج عثمان ﵁ رقية بنت رسول اللَّه بعد النبوة، وتوفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وكان تأخره عن بدر لتمريضها بإذن رسول اللَّه ﷺ ، فجاء البشير بنصر المؤمنين يوم دفنوها بالمدينة، وضرب رسول اللَّه لعثمان بسهمه وأجره في بدر فكان كمن شهدها، أي أنه معدود من البدريين.

стр. 22

- اختصاصه بكتابة الوحي: عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فإن الناس قد شتموه فقالت: لعن اللَّه من لعنه، فواللَّه لقد كان عند نبي اللَّه ﷺ وأن رسول اللَّه ﷺ لمسند ظهره إليَّ، وأن جبريل ليوحي إليه القرآن، وأنه ليقول له: اكتب يا عثيم فما كان اللَّه لينزل تلك المنزلة إلا كريماً على اللَّه ورسوله. أخرجه أحمد وأخرجه الحاكم وقال: "قالت: لعن اللَّه من لعنه، لا أحسبها قالت: إلا ثلاث مرات، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو مسند فخذه إلى عثمان، وإني لأمسح العرق عن جبين رسول اللَّه ﷺ ، وأن الوحي لينزل عليه وأنه ليقول: اكتب يا عثيم، فواللَّه ما كان اللَّه لينزل عبداً من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريماً". وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كَاتبَ سر رسول اللَّه ﷺ .

стр. 23

- كراماته (١) : عن نافع: أن جهجاهاً الغفاري تناول عصا عثمان وكسرها على ركبته فأخذته الأكلة (٢) في رجله، وعن أبي قلابة، قال: كنت في رفقة بالشام سمعت صوت رجل يقول: يا ويلاه النار، وإذا رجل مقطوع اليدين والرجلين من الحقوين، أعمى العينين، منكباً لوجهه، فسألته عن حاله فقال: إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار، فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها فقال: "ما لك قطع اللَّه يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار! "، فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هارباً فأصابني ما ترى ولم يبقى من دعائه إلا النار، قال: فقلت له بعداً لك وسحقاً، أخرجهما ⦗٢٩⦘ الملأ في سيرته، وعن مالك أنه قال: كان عثمان مرَّ بحش كوكب (٣) فقال: إنه سيدفن هنا رجل صالح فكان أول من دفن فيه.

стр. 24

- تجهيزه جيش العسرة (١) : يقال لغزوة تبوك غزوة العُسرة، مأخوذة من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] . ندب رسول اللَّه ﷺ الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وأمر الناس بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصدِّيق ﵁، فجاء بماله كله ٤٠. ٤٠٠٠ درهم فقال له ﷺ : "هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ " قال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله. وجاء عمر ﵁ بنصف ماله فسأله: "هل أبقيت لهم شيئاً؟ " (٢) قال: نعم، نصف مالي. وجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ بمائتي أوقية، وتصدق عاصم بن عَدِيّ (٣) بسبعين وسقاً من تمر، وجهَّز عثمان ﵁ ثلث الجيش جهزهم بتسعمائة وخمسين بعيراً وبخمسين فرساً. قال ابن إسحاق: أنفق عثمان ﵁ في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. وقيل: جاء عثمان ﵁ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العُسرة فنثرها في حجر رسول اللَّه فقبلها في حجر وهو يقول: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم". وقال رسول اللَّه: "من جهز جيش العُسرة فله الجنة" (٤) .

стр. 25

- حفره بئر رومة (١) : واشترى بئر رومة من اليهود بعشرين ألف درهم، وسبلها للمسلمين. كان رسول اللَّه قد قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة" (٢) ⦗٣٠⦘. وهذه البئر في عقيق المدينة: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم القليب قليب المُزَني"، وهي التي اشتراها عثمان بن عفان فتصدق بها. وروي عن موسى بن طلحة عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "نعم الحفير حفير المزني" - يعني رومة -، فلما سمع عثمان ذلك ابتاع نصفها بمائة بكرة وتصدق بها على المسلمين فجعل الناس يستقون منها. فلما رأى صاحبها أنه امتنع منه ما كان يصيب منها باعها من عثمان بشيء يسير فتصدق بها كلها.

стр. 26

- علمه وقراءته القرآن (١) : كان عثمان أعلم الصحابة بالمناسك، وبعده ابن عمر. وكان يحيي الليل، فيختم القرآن في ركعة، قالت امرأة عثمان حين قتل: لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة، وعن عطاء ابن أبي رباح: "إن عثمان بن عفان صلى بالناس، ثم قام خلف المقام، فجمع كتاب اللَّه في ركعة كانت وتره فسميت بالبتيراء"، وكان يضرب المثل به في التلاوة، أما عمر بن الخطاب فكان يضرب المثل به في قوة الهيبة، وعلي بن أبي طالب في القضاء.

стр. 27

- زيادته في المسجد النبوي (١) (سنة ٢٩ هـ/ ٦٥٠ م) : كان المسجد النبوي على عهد رسول اللَّه ﷺ مبنيَّاً باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً وزاد فيه عمراً وبناه على بنائه في عهد رسول اللَّه ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً، ثم غيَّره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب. وروى يحيى عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب قال: لما ولي عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين، كلَّمه الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، حتى إنهم ليصلون في الرحاب. فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأجمعوا على أن يهدمه ⦗٣١⦘ ويزيد فيه، فصلَّى الظهر بالناس، ثم صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إني أردت أن أهدم مسجد رسول اللَّه ﷺ وأزيد فيه وأشهد أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من بنى مسجداً بنى اللَّه له بيتاً في الجنة" (٢) ، وقد كان لي فيه سلف، وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه"، فحسن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح، فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه، وكان رجلاً يصوم الدهر ويصلي الليل، وكان لا يخرج من المسجد، وأمر بالفضة المنخولة تعمل ببطن نخل، وكان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة ٢٩ هـ، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ٣٠ فكان عمله عشرة أشهر. قال الحافظ ابن حجر: كان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور. وقيل: في آخر سنة من خلافته. وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان أن يكلم الناس على المنبر ويشاورهم قال له مروان بن الحكم (٣) : فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، ⦗٣٢⦘ فقال: وبحك، إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حين بناه وزاد فيه ذكر لهم؟ قال: اسكت إن عمر اشتد عليهم فخافوه حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم، حتى أصبحت أخشاهم. قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيُجترأ عليك. وقد جعل عثمان طول المسجد مائة وستين ذراعاً وعرضه مائة وخمسين.

стр. 28

- زيادته في المسجد الحرام (١) (سنة ٢٦ هـ/ ٦٤٧ م) : كان المسجد الحرام فناء حول الكعبة، وفناء للطائفين، ولم يكن له على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر ﵁ جدار يحيط به، وكانت الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فلما استخلف عمر بن الخطاب ﵁، وكثر الناس وسع المسجد واشترى دوراً وهدمها وزادها فيه واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، وكان عمر ﵁ أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام. فلما استخلف عثمان ﵁ ابتاع منازل ووسعه بها أيضاً، وبنى المسجد الحرام، والأروقة، فكان عثمان ﵁ أول من اتخذ للمسجد الأروقة (٢) . وكانت كسوة الكعبة في الجاهلية الأنطاع (٣) والمغافر، فكساها رسول اللَّه الثياب اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان القُباطي (٤) .

стр. 29

- تحويل الساحل من الشعيبة إلى جدة: في سنة ٢٦ هـ كلَّم أهل مكة عثمان ﵁ أن يحول الساحل من الشُعَيْبة، وهي ساحل مكة قديماً في الجاهلية إلى ساحلها اليوم وهي جُدَّة لقربها من مكة. فخرج عثمان إلى جدة ورأى موضعها، وأمر بتحويل الساحل إليها ودخل البحر ⦗٣٣⦘ واغتسل فيه وقال: إنه مبارك، وقال لمن معه: ادخلوا البحر للاغتسال، ولا يدخل أحد إلا بمئزر، ثم خرج من جدة على طريق عسفان إلى المدينة، وترك الناس ساحل الشعيبة في ذلك الزمان واستمرت جدة بندراً إلى الآن لمكة المشرفة.

стр. 30

- أكل عثمان الليَّن من الطعام: عن عمرو بن أمية الضُمري، قال: إن قريشاً كان من أسن منهم مولعاً بأكل الخزيرة (١) ، وإني كنت أتعشى مع عثمان خزيراً من طِبْخ من أجود ما رأيت قط، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى الطعام؟ فقلت: هذا أطيب ما أكلت قط، فقال: يرحم اللَّه ابن الخطاب، أكلتَ معه هذه الخزيرة قط؟ قلت: نعم، فكادت اللقمة تفرث (٢) بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم، وكان أدمها السمن، ولا لبن فيها، فقال عثمان: صدقت، إن عمر ﵁ أتعب واللَّه من تبع أثره، وأنه كان يطلب بثنيه عن هذه الأمور ظَلفَاً (٣) . أما واللَّه ما أكله من مال المسلمين ولكني أكله من مالي، أنت تعلم أني كنت أكثر قريش مالاً وأجدَّهم في التجارة، ولم أزل آكل من الطعام ما لان منه وقد بلغت سنَّاً، فأحب الطعام إليًّ ألينه ولا أعلم لأحد عليَّ في ذلك تبعة. وعن عبد اللَّه بن عامر قال: كنت أفطر مع عثمان في شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام هو ألين من طعام عمر، قد رأيت على مائدة عثمان الدَّرَمك (٤) وصغار الضأن كل ليلة وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولاً، ولا أكل من الغنم إلا مسانَّها. فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم اللَّه عمر ومن يطيق ما كان عمر يطيق!.

стр. 31

- كرمه ﵁: كان لعثمان على طلحة خمسون ألفاً، فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه. قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك.

стр. 32

- بعض أحكامه: ⦗٣٤⦘. استخف رجل بالعباس بن عبد المطلب، فضربه عثمان، فاستحسن منه ذلك وقال: أيفخم رسول اللَّه عمه وأرخص في الاستخفاف به، لقد خالف رسول اللَّه ﷺ من فعل ذلك ورضي به. وحدث بين الناس النشو (١) ، فأرسل عثمان يطوف عليهم فمنعهم من ذلك، ثم اشتد ذلك فأفشى الحدود ونبّأ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلدوا في التنفيذ فأخذ نفر منهم وجلدوا. وبلغ عثمان أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيْرنجاً (٢) قال محمد بن سلمة: إنما هو نيرنج، فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقرَّ به أوجعه، فدعا به، فسأله، فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه، فأمر، فعُزِّرَ، وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: "إنه قد جُدّ بكم فعليكم بالجدّ وإياكم والهزّال". فكان الناس عليه وتعجبوا من عثمان على وقوف مثل خبره فغضب، فنفر في الذين نفروا.

стр. 33

- فراسته: دخل رجل على عثمان فقال له عثمان: يدخل عليّ أحدكم والزنا في عينيه، فقال الرجل: أَوَحْيٌ بعد رسول اللَّه ﷺ ؟! فقال: لا، ولكن فراسة صادقة.

стр. 34

- أوليات عثمان (١) : هو أول من رزق المؤذنين، وأول من ارتج عليه في الخطبة، وأول من قدَّم الخطبة في العيد على الصلاة، وأول من فوَّض إلى الناس إخراج زكاتهم، وأول من ولي الخلافة في حياة أمه، وأول من اتخذ صاحب شرطة، وأول من هاجر بأهله من هذه الأمة، وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة، وأول من زاد النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء، وأول من نخل له الدقيق، وأول من أقطع القطائع، وأول من حمى الحمى لنعم الصدقة.

стр. 35

- حَجَّه ﵁ (١) : ⦗٣٥⦘. حجَّ عثمان بالناس سنوات خلافته كلها إلا آخر حجة، وحجَّ بأزواج النبي ﷺ كما كان يصنع عمر.

стр. 36

- قتله (١) : قتل عثمان يوم الجمعة ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة (يونيه سنة ٦٥٦ م) بعد العصر، وكان يومئذٍ صائماً. قال ابن إسحاق: قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً، واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب، وعلى رأس خمس وعشرين من متوفى رسول اللَّه ﷺ .

стр. 37

- دفنه (١) : دفن في حش كوكب وقد كان اشتراه ووسع به البقيع، ليلة السبت بين المغرب والعشاء فصلَّى عليه جبير بن مطعم (٢) وخلفه حكيم بن حِزام (٣) ، وأبو جهم بن ⦗٣٦⦘ حذيفة (٤) ، وسيأتي تفصيل قتله ودفنه في آخر هذا الكتاب إن شاء اللَّه.

стр. 38

- ما خلف عثمان: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ٣٠. ٥٠٠. ٠٠٠ درهم ومن الدنانير ١٠٠. ٥٠ أي ما يزيد عن ٨٠٠. ٠٠٠ جنيه فانتهبت وذهبت، وترك ١٠٠٠ بعير بالرَّبذة. وترك صدقات بها براديس وخيبر ووادي القرى قيمة ١٠. ٠٠٠. ٠٠٠ دينار.

стр. 39

- صدقاته: عن ابن عباس قال: قحط الناس في زمان أبي بكر. فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج اللَّه عنكم. فلما كان من الغد جاء البشير إليه قال: لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برَّاً وطعاماً قال: فغدا التجار على عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه. فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: قد بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برَّاً وطعاماً. بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا، فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صدت في دار عثمان فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة.

стр. 40

- خوفه: ⦗٣٧⦘. كان لعثمان عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة. وروي عنه أنه قال: "لو أني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير".
следующие страницы →