← Тараджим

Тараджим · id 552

عثمان بن عفان ذو النورين

محمد رضا

Полный текст (147 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- قتله (١) : قتل عثمان يوم الجمعة ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة (يونيه سنة ٦٥٦ م) بعد العصر، وكان يومئذٍ صائماً. قال ابن إسحاق: قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً، واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب، وعلى رأس خمس وعشرين من متوفى رسول اللَّه ﷺ .

стр. 37

- دفنه (١) : دفن في حش كوكب وقد كان اشتراه ووسع به البقيع، ليلة السبت بين المغرب والعشاء فصلَّى عليه جبير بن مطعم (٢) وخلفه حكيم بن حِزام (٣) ، وأبو جهم بن ⦗٣٦⦘ حذيفة (٤) ، وسيأتي تفصيل قتله ودفنه في آخر هذا الكتاب إن شاء اللَّه.

стр. 38

- ما خلف عثمان: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ٣٠. ٥٠٠. ٠٠٠ درهم ومن الدنانير ١٠٠. ٥٠ أي ما يزيد عن ٨٠٠. ٠٠٠ جنيه فانتهبت وذهبت، وترك ١٠٠٠ بعير بالرَّبذة. وترك صدقات بها براديس وخيبر ووادي القرى قيمة ١٠. ٠٠٠. ٠٠٠ دينار.

стр. 39

- صدقاته: عن ابن عباس قال: قحط الناس في زمان أبي بكر. فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج اللَّه عنكم. فلما كان من الغد جاء البشير إليه قال: لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برَّاً وطعاماً قال: فغدا التجار على عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه. فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: قد بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برَّاً وطعاماً. بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا، فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صدت في دار عثمان فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة.

стр. 40

- خوفه: ⦗٣٧⦘. كان لعثمان عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة. وروي عنه أنه قال: "لو أني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير".

стр. 41

- ثناء عليٌّ عليه: قال عليٌّ ﵁: كان عثمان أوصلنا للرحم وأتقانا للرب. وقال ﵁: أنا وطلحة والزبير وعثمان كما قال اللَّه تعالى: ﴿ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ متَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] . وسأله سائل عن عثمان بعد قتله فقال له: إن عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، واللَّه يحب المحسنين.

стр. 42

- الأحاديث الواردة في فضله: قال رسول اللَّه ﷺ : -١- "اللَّهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه". -٢- "غفر اللَّه لك يا عثمان ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة". -٣- "عثمان أحيا أمتي وأكرمها". -٤- "عثمان في الجنة". -٥- "عثمان حيي تستحي منه الملائكة". -٦- عثمان رفيقي معي في الجنة". -٧- "عثمان وليي في الدنيا والآخرة". -٨- "رحمك اللَّه يا عثمان ما أصبت من الدنيا، ولا أصابت منك". -٩- "يا عثمان إنك ستبلى بعدي فلا تقاتلن".

стр. 43

- عثمان وأبو عبيدة: اختصم عثمان وأبو عبيدة عامر بن الجراح، فقال أبو عبيدة: يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث. فقال عثمان: وما هن؟ قال: الأولى إني كنت يوم البيعة حاضراً وأنت غائب، والثانية شهدت بدراً ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ⦗٣٨⦘ أنت. فقال عثمان: صدقت، أما يوم البيعة فإن رسول اللَّه ﷺ بعثني في حاجة ومدَّ يده عني، وقال: هذه يد عثمان بن عفان وكانت يده الشريفة خيراً من يدي. وأما يوم بدر فإن رسول اللَّه ﷺ استخلفني على المدينة، ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها. وأما انهزامي يوم أحد فإن اللَّه عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان. فقال تعالى: ﴿إنَّ الذَّيِنَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ إنَّ اللَّه غَفُورٌ حَلِيم﴾ [آل عمران: ١٥٥] فخصمه عثمان وغلبه.

стр. 44

الفصل الثاني: خلافة عثمان بن عفَّان (١) ﵁ (٢٤ هـ/ ٦٤٤ م) .

стр. 45

- عثمان قبل الخلافة (٢) : كان عثمان ﵁ تاجراً غنياً، جميل الصورة. وقد بادر إلى الإسلام بناء على دعوة أبي بكر الصدَّيق فزوَّجه رسول اللَّه ﷺ رقية وهاجر بها إلى الحبشة، ثم زوَّجه أم كلثوم بعد وفاتها. وكان رسول اللَّه ﷺ يثق به ويحبه ويكرمه لحيائه، ودماثة أخلاقه، وحسن عشرته، وما كان يبذله من المال لنصرة المسلمين، وبشره بالجنة كأبي بكر وعمر وعلي وبقية العشرة، وأخبره بأنه سيموت شهيداً. وكان أحد كتاب الوحي، لكن لم يكن له في الغزوات حظ كغيره من الصحابة مثل أبي بكر، وعمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وجعفر، وطلحة، وخالد بن الوليد، وغيرهم، فلم يرق دماً، ولم يبارز أحداً، ولم يخرج أميراً على جيش في إحدى السرايا، ولم يثبت في غزوة أحد مع رسول اللَّه، واستخلفه رسول اللَّه على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان، وكان محبوباً من قريش، وكان حليماً، رقيق العواطف، كثير الإحسان. وقد توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنه راض به، وروى عن رسول اللَّه مائة وستة وأربعين حديثاً، وكانت العلاقة بيننا وبين أبي يكر وعمر وعليّ على أحسن ما يرام، ولم يكن من الخطباء حتى إنه قد ارتج عليه في أول خطبة خطبها، وكان أعلم الصحابة بالمناسك، حافظاً للقرآن، ولم يكن متقشفاً مثل عمر بل كان يأكل اللين من الطعام. هذه صفة عثمان ﵁ قبل الخلافة (٣) .

стр. 46

- خلافة عثمان ﵁ (سنة ٢٤ هـ/ ٦٤٤ م) : ⦗٤٢⦘. كانت مبايعة عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، واستقبل الخلافة في المحرم سنة ٢٤ هـ، وقيل لهذه السنة عام الرُّعاف (١) ، لأنه كثر فيها الرُّعاف (٢) في الناس، ولي عثمان الخلافة وعمره ٦٨ عاماً ميلادياً، أو ٧٠ عاماً هجرياً، أي أنه كان في سن الشيخوخة (٣) ، وقد كان عمر ﵁ يخشى أن يميل الخليفة بعده إلى أقاربه، ويحابيهم، ويحرم ذوي الكفايات فتسوء الحال، فقال لعليّ: إن وليت من أمر المؤمنين شيئاً فلا تحملن بني عبد المطلب على رقاب الناس. وقال لعثمان: يا عثمان إن وليت من أمر المسلمين شيئاً فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس. وكذلك قال لعبد الرحمن بن عوف: فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس. أما أبو بكر ﵁ فإنه قال لما اختار عمر للخلافة: "أترضون بمن أستخلف عليكم فإني واللَّه ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوه" (٤) . ثم إن عمر احتاط فأوصى الخليفة بعده بأن يبقى عماله سنة وليس في وسعه أن يفعل أكثر من ذلك، ولندع ذلك الآن إلى فرصة أخرى. لما بويع عثمان خرج إلى الناس وأراد أن يخطبهم فأُرْتِجَ عليه، ثم قال بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه: "أيها الناس إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياماً، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسُيعَلّمنا اللَّه" لكنه خطبهم خطبة أخرى ذكرها الطبري (٥) فقال: ⦗٤٣⦘. "إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد أتيتم صُبّحتهم أو مُسيّتم. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم باللَّه الغرور. اعتبروا بمن مضى. ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلاً؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى اللَّه بها، واطلبوا الآخرة فإن اللَّه قد ضرب لها مثلاً والذي هو خير فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهمُ مَثَلَ اَلحْيَاةِ الدُنْيَا كَمَاء أنْزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ تَذْرُوْهُ الرَّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ إلى قوله أملاً [الكهف: ٤٥] وهذه خطبة كما يراها القارئ في الزهد واحتقار الدنيا وعدم الركون إليها. وأول ما فعل عثمان ﵁ بعد البيعة، أنه جلس في جانب المسجد ودعا عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب (٦) ، وكان قد قتل جماعة من الذين تسببوا في قتل أبيه وشاور الأنصار في أمره وأشار عليّ بقتله. فقال عمرو بن العاص: لا يقتل عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم. فجعلها عثمان دية واحتملها وقال: أنا وليه. وكان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري إذا رأى عبيد اللَّه يقول: ألا يا عبيد اللَّه ما لك مهرب ... ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر أصبت دماً واللَّه في غير حله ... حراماً وقتل الهرمزان له خطر على غير شيء غير أن قال قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة ... نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر يعتبر كان الهرمزان (٧) من قواد الفرس، وقد أسره المسلمون بتستر وأرسلوه إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فلما رأى عمر سأل: أين حرسه وحجابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب، ولا ديوان فقال: "ينبغي له أن يكون نبياً"، ثم أسلم وفرض له عمر ألفين وأنزله بالمدينة. وقيل: إن السكين التي قتل بها عمر رؤيت قبل قتله عند الهرمزان فلما بلغ عبيد ⦗٤٤⦘ اللَّه بن عمر ذلك ذهب إليه وقتله، فهذا هو الهرمزان المذكور في شعر زياد بن لبيد. فشكا عبيد اللَّه إلى عثمان زياد بن لبيد فنهى عثمان زياداً فقال في عثمان: أبا عمرو عبيد اللَّه رهن ... فلا تشكك بقتل الهْرْمزان أتعفو إذ عفوت بغير حق ... فما لك بالذي تحكي يدان فدعا عثمان زياداً فنهاه وشذ به.

стр. 47

- ولاية سعد بن أبي وقاص (١) الكوفة (٢) (سنة ٢٥ هـ/ ٦٤٦ م) : كان عمر بن الخطاب ﵁ عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة، وولى مكانه المغيرة بن شعبة (٣) ، وقد اتهم سعد بأنه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه ولا يقسم بالسوية، ⦗٤٥⦘ ولا يعدل في القضية. لكنها تُهم لم تثبت، قد أذاعها بعض حساده، فأوصى عمر ﵁ الخليفة من بعده أن يستعمل سعداً وقال: "إني لم أعزله عن سوء ولا خيانة". فكان أول عامل بعث به عثمان على الكوفة سعد، وعزل المغيرة الذي كان يومئذ بالمدينة. وروى الواقدي أن عمر أوصى أن يقر عماله سنة، فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص، ثم عزله واستعمل الوليد بن عقبة (٤) . قال الطبري (٥) : فإن كان ما رواه الواقدي من ذلك فولاية سعد الكوفة من قبل عثمان كانت سنة ٢٥ هـ.

стр. 48

الفصل الثالث: كتب عثمان بن عفان ﵁ .

стр. 49

- كتب عثمان (١) :

стр. 50

- عزل سعد بن أبى وقاص عن الكوفة وتولية الوليد بن عقبة (١) : لم تطل ولاية سعد على الكوفة فعزله عثمان وولى بعده الوليد بن عقبة والسبب في عزل سعد هو أنه استقرض من عبد اللَّه بن مسعود (٢) من بيت المال مالاً فأقرضه، فلما تقاضاه لم يتيسر ⦗٥١⦘ عليه فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد اللَّه بأناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس على استنظاره فاقتربوا وبعضهم يلوم بعضاً. يلوم هؤلاء سعداً ويلوم هؤلاء عبد اللَّه. عن قيس بن أبي حازم قال: كنت جالساً عند سعد وعنده ابن أخيه هاشم بن عتبة (٣) فأتى ابن مسعود سعداً فقال له: أدِّ المال الذي قِبَلك. فقال له سعد: ما أراك إلا ستلقى شرَّاً. هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل؟! فقال: أجل واللَّه إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة. فقال هاشم: إنكما لصاحبا رسول اللَّه ﷺ ينظر إليكما. فطرح سعد عوداً كان في يده وكان رجلاً فيه حدة ورفع يديه. وقال: اللَّهم رب السماوات والأرض. فقال عبد اللَّه: ويلك قل خيراً ولا تلعن. فقال سعد عند ذلك: أما واللَّه لولا اتقاء اللَّه لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد اللَّه سريعاً حتى خرج، وكان سعد بن أبي وقاص مجاب الدعوة. غضب عثمان ﵁ على سعد وعلى ابن مسعود بسبب هذه المشادة فعزل سعداً ولم يعزل ابن مسعود، بل أقره واستعمل الوليد بن عقبة، وكان عاملاً لعمر على ربيعة بالجزيرة، فقدم الكوفة، فلم يتخذ لداره باباً حتى خرج من الكوفة. ولعل القارئ يعجب لماذا أقر عثمان ابن مسعود ولم يعزله؟ فنقول إن عبد اللَّه بن ⦗٥٢⦘ مسعود لما كان غلاماً كان يرعى أغنام عقبة بن أبي معيط (٤) ، وكان إسلامه قديماً، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللَّه ﷺ ، فهو راعٍ لعقبة بن أبي معيط - والد الوليد - أي أنه من أتباع بني أمية، وكان عمر ﵁ بعثه إلى الكوفة معلماً ووزيراً، ثم إن ابن مسعود لم يكن والياً حتى يعزله عثمان ﵁، بل كان وزيراً للمالية. أما الوليد الذي خلف سعداً فهو أموي، أخو عثمان لأمه، أسلم يوم الفتح، ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن قوله : ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] نزلت في الوليد بن عقبة وذلك أن رسول اللَّه ﷺ بعثه مصدقاً إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه يتلقونه فهابهم، فانصرف عنهم، فبعث إليهم رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد (٥) فأخبروه أنهم متمسكون بالإسلام ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذيِنَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]⦗٥٣⦘. لما قدم الوليد على سعد قال له: واللَّه ما أدري أَكِسْتَ (٦) بعدنا أم حمقنا بعدك؟! فقال: "لا تجز عن أبي إسحاق فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون". فقال سعد: "أراكم واللَّه ستجعلونه مُلكاً". وكان الوليد من رجال قريش ظرفاً وحلماً وشجاعة وأدباً، وكان من الشعراء المطبوعين. قال الطبري (٧) : فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى فقدم الكوفة، وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين وليس على داره باب. وحدثنا أبو فرج الأصفهاني في الجزء الخامس من الأغاني عن سبب تولية الوليد الكوفة فقال: لم يكن يجلس مع عثمان ﵁ على سريره إلا العباس ابن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب والحكم بن العاص والوليد بن عقبة، فأقبل الوليد يوماً فجلس، ثم أقبل الحكم. فلما رآه عثمان زحل (٨) له عن مجلسه فلما قام الحكم قال له الوليد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمك على ابن أمك. فقال له عثمان رضي اللَّه تعالى عنه: إنه شيخ قريش، فما البيتان اللذان قلتهما؟ قال: قلت: رأيت لعم المرء زُلْفَى قرابة ... دون أخيه حادثاً لم يكن قدماً فأمَّلْتُ عَمْراً أن يَشِبّ وخالداً ... لكي يدعواني يوم مزحمة عمّا يعني عمراً وخالداً ابني عثمان. فرق له عثمان وقال له: قد وليتك العراق - يعني الكوفة - اهـ. ولا يصدق إنسان يعرف مكانة عثمان ﵁ أنه ولى الوليد الكوفة بعد أن أنشده هذين البيتين إرضاء له.

стр. 51

- نقض أهل الإسكندرية الصلح (١) (سنة ٢٥ هـ/ أواخر سنة ٦٤٥ م) : جاء في دائرة المعارف البريطانية أنه بعد استيلاء العرب على الإسكندرية بقليل، انتهز ⦗٥٤⦘ الروم فرصة تغيب عمرو بن العاص (٢) وارتحال جزء كبير من جيشه. فاستولوا على الإسكندرية. فلما بلغ عمرو بن العاص ذلك عاد سريعاً واستولى على المدينة، وهذا يوافق ما جاء في ابن الأثير. كان استيلاء الرومان على الإسكندرية في أوائل سنة ٢٥ هـ وأواخر سنة ٦٤٥ م وكان عمرو بن العاص استخلف على الإسكندرية عبد اللَّه ابن حذافة (٣) . قال الأستاذ بتلر: "وعلى كل حال فمن المؤكد أنه قد عزل قبل نزول الجيش الروماني إلى البر، وأن خلفه لم يكن كفأً فترك وسائل الدفاع في حالة ضعف شديد". أما رواية الطبري (٤) فتفيد أن عمرو بن العاص كان قد استدعي إلى مكة، فلما ذاعت أخبار الثورة في الإسكندرية صدرت الأوامر إليه بتولي القيادة. وجاء في تاريخ كامبردج للقرون الوسطى (٥) ما يؤيد استدعاء عمرو بن العاص بعد عزله وتولية عبد اللَّه. كاتب الروم قسطنطين بن هرقل (٦) - وكان الملك يومئذ - يخبرونه بقلة من عندهم من ⦗٥٥⦘ المسلمين - وكانوا ألف جندي - وبما هم فيه من الذلة وأداء الجزية، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له: "أمنويل Emanuel The Eunuch" في ثلاثمائة مركب مشحونة بالمقاتلة - ولم يكن للمسلمين أسطول كالأسطول الروماني. وقد رست هذه المراكب في ميناء الإسكندرية بلا إنذار، فقتل حرس الإسكندرية من المسلمين - ويبلغون ألفاً - ولم ينج منهم إلا القليل. ولم يقتصر الجيش الروماني على الاستيلاء عليها، بل توغلوا في البلاد والقرى المجاورة في أرض الدلتا واستولوا على الغلال والأموال بلا حساب، وعاملوا الأهالي معاملة الأعداء المحاربين. كان العنصر الروماني في الإسكندرية هو السائد، ويرى الأستاذ بتلر أن الجيش الروماني لو استمر في زحفه إلى الفسطاط بدلاً من ضياع الوقت في بلاد الدلتا، لكان في وسعه التغلب على عبد اللَّه بن أبي سرح (٧) وإعادة حصن بابليون، ولكنهم لم يقدموا على ذلك وبذا مكنوا عمرو بن العاص من إعادة مركزه وتنظيم جيشه اهـ. سار عمرو في خمسة عشر ألفاً، والتقى بالجيش الروماني الذي يفوقه عدداً بـ "نقيوس"، فالتحمت بينهم الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وأصيب جواد عمرو بن العاص بسهم فنزل واضطر أن يحارب على قدميه، وانتهى الأمر بانهزام جيش "أمنويل" وفراره نحو الإسكندرية في حالة ارتباك عظيم، فتحصنوا بها، فقاتلهم عمرو أشد قتال، ونصب المجانيق فأخذت جُدُرَها، وألح بالحرب حتى دخلها بالسيف عنوة، وقتل أمنويل وهدم المسلمون جدار الإسكندرية، وكان عمرو نذر لئن فتحها ليفعلن ذلك. ووضع عمرو على أرض الإسكندرية الخراج، وعلى أهلها الجزية، وبذلك استولى العرب للمرة الثانية. ويقول الأستاذ بتلر: "إن ذلك كان صيف سنة ٦٤٦ م" ⦗٥٦⦘. روى البلاذري عن يزيد بن أبي حبيب (٨) قال: "كان عثمان عزل عمرو بن العاص عن مصر وجعل عليها عبد اللَّه بن سعد، فلما نزلت الروم الإسكندرية سأل أهل مصر عثمان أن يقر عمراً حتى يفرغ من قتال الروم، لأن له معرفة بالحرب رهيبة في أنفس العدو حتى هزم الخ". وقد أخطأ مؤرخو العرب فقالوا: إن المقوقس كان حيَّاً في هذه الغزوة والحقيقة أنه كان قد مات منذ زمن طويل، كما قرر الأستاذ بتلر، وقد أدرك البلاذري خطأ وجود المقوقس في ذلك الوقت فقال ما نصه: "وروي أن المقوقس اعتزل أهل الإسكندرية حين نقضوا فأقره عمرو ومن معه على أمرهم الأول، وروي أيضاً أنه كان قد مات قبل الغزاة". والحقيقة أن بنيامين كان بطريركاً وزعيماً للوطنيين المصريين فظن المؤرخون أنه المقوقس، وهذا خلط في الحوادث والتواريخ، وقد كانت وفاة المقوقس في ٢١ مارس سنة ٦٤٢ م (٩) على ما جاء في تاريخ كامبردج للقرون الوسطى. أما الأستاذ بتلر فيؤرخ وفاته ١٤ يوليه سنة ٦٤٢ م. ولم يكن البطريرك بنيامين موجوداً في الإسكندرية عند دخول الروم، ويظن أنه هرب، لكنه على كل حال بقي موالياً للعرب، ولم ينقض صلحهم، بل الذي نقضه الروم. كانت نتيجة نقض الإسكندرية الصلح أن استولى عليها العرب مرة ثانية، وقتلوا الروم، ولم يكن هناك سبب واضح لنقض معاهدة الصلح، فما فعله الإمبراطور كان مخالفاً للقوانين الحربية، كما قال الأستاذ بتلر، ولا يوجد ما يبرره فلا غرو إذا عامل العرب الثائرين بالشدة، ثم إن عمراً بعد أن أخضع الثوار في الإسكندرية ذهب لإخضاع المدن التي ثارت في الدلتا. ولما تمَّ له ذلك أرسل الأسرى إلى المدينة فأعادهم عثمان ﵁. وكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من وافقهم ومن خالفهم، فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص: إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا، ولم نخالف نحن عليكم، وكنا على الطاعة. فرد عليهم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة هذا ما ذكره ابن الأثير وأشار إليه الأستاذ بتلر معترفاً بفضل المبادئ التي ⦗٥٧⦘ سار عليها عمرو في إدارة حكومته وبشرف طبيعته، وكان أهل هذه القرى المذكورة الذين تظلموا لعمرو من الروم أقباطاً.

стр. 52

- غزو أرمينية وآذربيجان (١) (سنة ٢٥ هـ/ ٦٤٦ م) : قلنا إن الوليد بن عقبة تولى مكان سعد بن أبي وقاص في الكوفة فعزل عتبة بن فرقد عن آذربيجان، وكان أميراً عليها لعمر بن الخطاب. وروى الطبري أنه كان بالرَّيِّ وآذربيجان ١٠,٠٠٠ مقاتل من أهل الكوفة ٦٠٠٠ بآذربيجان، و ٤٠٠٠ بالري، وكان بالكوفة ٤٠. ٠٠٠. فنقض أهل أرمينية وآذربيجان الصلح بعد أن عزل الوليد عتبة ابن فرقد فغزاهم الوليد. فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي (٢) ، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد في جيش وهو يريد التوغل في أرض أرمينية فمضى حتى دخل آذربيجان. وبعث عبد اللَّه بن شُبْيل بن عوف الأحمسي في ٤٠٠٠ فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان ورجع إلى الوليد. ثم صالح الوليد أهل آذربيجان على ٨٠٠. ٠٠٠ درهم، وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا ⦗٥٨⦘ عليه حذيفة بن اليمان (٣) سنة ٢٢ هـ بعد موقعة نهاوند بسنة، ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر. فلما هزمهم الوليد وصالحهم قبض منها المال وبث فيمن حولهم من الأعداء الغارات. ولما عاد عبد اللَّه بن شبيل من غارته بعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أرمينية في ١٢٠٠٠، فهزمهم (٤) .

стр. 53

- معاوية بن أبي سفيان (١) يطلب المدد (٢) : بعد أن عاد الوليد بن عقبة من الغزو أتاه كتاب عثمان ﵁ هذا نصه ⦗٥٩⦘: "أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إليَّ يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلاً ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام". يرى القارئ من ذلك أن أهالي البلاد التي دخلت في حوزة الإسلام انتهزوا فرصة وفاة عمر ﵁ لمحاربة المسلمين فنقض أهل الإسكندرية الصلح، لكن عمرو بن العاص هزمهم، ونقض كذلك أهل أرمينية وآذربيجان صلحهم فهزمهم الوليد، والآن نجد معاوية بالشام يطلب المدد، لأن الروم جمعوا جيوشهم وأجلبوا على المسلمين. وبعد أن وصل إلى الوليد كتاب الخليفة قام في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "أما بعد، أيها الناس فإن اللَّه قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاءً حسناً، رد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلاداً لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد للَّه رب العالمين. وقد كتب أمير المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف. تمدون إخوانكم من أهل الشام فإنهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين فانتدبوا رحمكم اللَّه مع سلمان بن ربيعة الباهلي". فانتدب الناس وخرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام أرض الروم وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري (٣) وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة فصد المسلمون هجوم الروم، فأصاب الناس ما شاءوا من سبي وغنائم، وافتتحوا حصوناً كثيرة، وساروا منتصرين حتى بلغوا آسيا الصغرى مجتازين أرمينية فوصلوا طبرستان ⦗٦٠⦘ واتصلوا بزملائهم على الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، واتجهوا نحو الشمال إلى أن وصلوا تفليس والبحر الأسود. فهذا نصر عظيم وتوسع في الفتح سريع لا نظير له في تاريخ العالم.

стр. 54

- عزل عمرو بن العاص عن مصر (١) وفتح أفريقية (سنة ٢٦ هـ/ ٦٤٧ م) : لما ولي عثمان أقر عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحداً إلا عن شكاة، أو استعفاء من غير شكاة، ثم عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عليه عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح أمير الصعيد في زمن عمر بن الخطاب. كان عمرو بن العاص صاحب السلطة في مصر زمن عمر ﵁، فكان قائد الجيش، وصاحب الخراج، لكن عمر كان يستبطئ عمراً في جمع الخراج، ويستقل ما يجبيه من مصر. ومما كتبه له في هذا الشأن: "وأعجب ما عجبت أنها - أي مصر - لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب". لكن يلاحظ أن عمرو بن العاص ألغى كثيراً من الضرائب التي كانت تجبى في عهد الدولة الرومانية، وكانت سبب شكوى المصريين وتألمهم من الحكم الروماني. وعلى كل حال لم يفكر عمر بن الخطاب في نزع الخراج من عمرو وقصره على الحرب مع تشدده عليه في جباية الخراج. فلما ولي عثمان رأى إسناد الخراج إلى عبد اللَّه بن سعد أبي سرح (٢) وكان أخا عثمان من الرضاعة (أرضعت أمه عثمان) ، فكتب عبد اللَّه إلى عثمان يقول: إن عمراً كسر عليَّ الخراج، وكتب عمرو يقول: إن عبد الله قد كسر عليَّ مكيدة الحرب، فعزل عثمان عمراً واستقدمه واستعمل بدله عبد اللَّه على حرب مصر وخراجها، أي أنه أعطاه السلطة التي كانت مخولة لعمرو من قبل، فقدم عمرو مغضباً، فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة فقال: ما حشو جبتك؟ قال: عمرو، فقال عثمان: قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا، إنما سألتك أقطن هو أم غيره؟ ثم بعث عبد اللَّه بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان: يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح (٣) درَّت بعدك؟ فقال عمرو: إن فصالها هلكت. يريد عثمان أن مصر قد كثر خراجها على يد عبد اللَّه بن سعد، فقال له عمرو: إن فصالها هلكت أي أن أولاد اللقاح قد هلكت بحرمانها من اللبن، يريد أن في ذلك إرهاقاً لأهالي مصر وتحميلهم ما لا يطاق ⦗٦١⦘. وهذه الزيادة التي أخذها عبد اللَّه، إنما هي على الجماجم فإنه أخذ عن كل رأس ديناراً خراجاً عن الخراج فحصل لأهل مصر بسبب ذلك الضرر الشامل. وكانت هذه أول شدة وقعت لأهل مصر في مبتدأ الإسلام، ويقال: إن عبد اللَّه جبى خراج مصر في تلك السنة ١٤. ٠٠٠. ٠٠٠ ديناراً بعد أن كان ١٢. ٠٠٠. ٠٠٠ زمن عمرو بن العاص، وهذا ما دعا عثمان ﵁ إلى توجيه اللوم إلى عمرو، فكان جوابه ما ذكر. كان عبد اللَّه من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو أفريقية سنة خمس وعشرين وقال له عثمان: إن فتح اللَّه عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلاً. وأمر عبد اللَّه بن نافع بن عبد القيس وعبد اللَّه بن نافع بن الحارث (٤) على جند وسرّحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد اللَّه بن سعد صاحب أفريقية، ثم يقيم عبد اللَّه في عمله، فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر، وكان من بين الجيش الذي أرسله عثمان جماعة من أعيان الصحابة منهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن جعفر، والحسن، والحسين، فسار بهم عبد اللَّه بن سعد إلى أن وصلوا برقة فلقيهم عقبة بن نافع (٥) فيمن معه من المسلمين، وساروا إلى طرابلس الغرب في جيش عدده ⦗٦٢⦘ ٤٠. ٠٠٠ فنهبوا من عندَها من الروم، وسار نحو شمال أفريقية وبث السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير (Greaorius) وملكه من طرابلس إلى طنجة (٦) فلما بلغه خبر المسلمين، تجهَّز وجمع العساكر وأهالي البلاد من قبائل البربر غير المدربين على القتال فبلغ عسكره ١٢٠. ٠٠٠، والتقى هو والمسلمون في مكان بينه وبين سُبَيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت في ذلك الوقت دار الملك (Sujetula) ، بينها وبين القيروان سبعون ميلاً، وكان بها حصن قوي، فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم. وراسله عبد اللَّه بن سعد يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية فامتنع منهما وتكبَّر عن قبول أحدهما. وقيل: كان عدد جيش المسلمين ٢٠. ٠٠٠ وانقطع خبر المسلمين عن عثمان فسيَّر عبد اللَّه بن الزبير (٧) في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم. فسار مجدّاً ووصل إليهم، وأقام، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر! فقيل: قد أتاهم عسكر ففت ذلك في عضده. ورأى عبد اللَّه بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من الصباح إلى الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه وشهد القتال من الغد فلم يرَ ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل: إنه ⦗٦٣⦘ سمع منادي جرجير يقول: من قتل عبد اللَّه بن سعد، فله مائة ألف دينار وأزوَّجه ابنتي، وهو يخاف. فحضر عنده (في خيمته) وقال له: تأمر منادياً ينادي من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف، وزوَّجته ابنتك، واستعملته على بلاده، ففعل ذلك، فصار جرجير يخاف أشد من عبد اللَّه. ثم إن عبد اللَّه بن الزبير قال لعبد اللَّه بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلادهم لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غداً جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا أو يملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل اللَّه ينصرنا عليهم. فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم، فوافقوه على ذلك، فلما كان الغد فعل عبد اللَّه ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالاً شديداً. فلما أذن بالظهر همَّ الروم بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون فكل من الطرفين ألقى سلاحه ووقع تعباً فعند ذلك أخذ عبد اللَّه بن الزبير من كان مستريحاً من شجعان المسلمين وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا عليهم حملة رجل واحد وكبَّروا فلم يتمكن الروم من لبس السلاح حتى غشيهم المسلمون.

стр. 55

- قتل جرجير وانهزام الروم (١) انتصر المسلمون بفضل الخطة التي دبرها عبد اللَّه بن الزبير، لأن الجيشين اعتادا القتال إلى الظهر وطرح السلاح والركون إلى الراحة بعد العناء من القتال، ثم استئناف الحرب في اليوم التالي وهكذا. ولو بقي الحال على هذا المنوال لطال أمد القتال بلا جدوى لكن عبد اللَّه رأى أن يحارب بنصف الجيش في الصباح والنصف الآخر بعد الظهر حتى لا يتمكن العدو من الراحة كما ألف. وعبد اللَّه بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر الصدَّيق ذات النطاقين - وهو أول ⦗٦٤⦘ مولود في الإسلام بعد الهجرة - فحنكه رسول اللَّه ﷺ بتمرة لاكها في فيه، ثم حنكه بها، فكان ريق رسول اللَّه ﷺ أول شيء دخل جوفه، وسماه عبد اللَّه، وكان صوّاماً قوّاماً، طويل الصلاة، عظيم الشجاعة. وقد أخطأ جيبون في كتابه: "سقوط الدولة الرومانية" فتوَّهم أن الذي انتصر في هذه الموقعة هو الزبير نفسه الذي تسلق حصن بابليون، والصواب أنه عبد اللَّه بن الزبير، كما ذكره ابن الأثير وابن خلدون. انهزم الروم وقتل منهم خلق كثير وقتل جرجير. قتله ابن الزبير وأخذت ابنته سبية وكانت تحارب مع أبيها وهي موصوفة بالجمال وتحسن ركوب الخيل وتجيد الرمي. وحاصر المدينة عبد اللَّه بن سعد حتى فتحها ووجد فيها من الأموال شيئاً كثيراً، وكان سهم الفارس ٣٠٠٠ دينار وسهم الراجل ألفاً، وقد دام القتال خمسة عشر شهراً. ولما فتح عبد اللَّه مدينة سبيطلة بثَّ جيوشه في البلاد، فبلغت قَفْصَة (٢) فسبوا وغنموا، وسير عسكره إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد فحاصره، وفتحه بالأمان، فصالحه أهل أفريقية على ٢. ٥٠٠. ٠٠٠ دينار (٣) . ونفل عبد اللَّه بن الزبير ابنة الملك، وأرسل إلى عثمان البشارة، وكان مقام عبد اللَّه بن سعد سنة وثلاثة أشهر وذلك سنة ٢٧ هـ، وحمل الخمس إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بمبلغ ٥٠٠. ٠٠٠ دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أُخذ عليه (٤) . ومروان بن الحكم هو ابن عم عثمان، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردهما، واستكتب عثمان مروان وضمَّه إليه. وفي ذلك بقول عبد الرحمن الكندي: سأحلف باللَّه جهد اليميـ ... ـن (اليمين) ما ترك اللَّه أمراً سدى ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك أو تبتلي دعوت اللعين فأدنيته ... خلافاً لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العبا ... د (العباد) ظلماً لهم وحميت الحمى كان بيع خمس الغنائم لمروان (٥) مما أخذ على عثمان ﵁: ⦗٦٥⦘. أولاً: لأن مروان ابن عمه. ثانياً: لأنه لا يُعلم على أي أساس قدر الخمس بهذا المبلغ فقد يساوي أضعاف ذلك. ثالثاً: لأن عثمان هو الذي دفع المبلغ. رابعاً: لأنه لم تجر سنة رسول اللَّه وأبي بكر وعمر ببيع الغنائم لا إلى غريب، ولا إلى قريب، بل كانت توزع على المسلمين في الحال. أما ابن الزبير فإنه رجع إلى عثمان بالبشارة بفتح أفريقية ومعه ابنة جرجير. وقيل: بل وقعت لرجل آخر من الأنصار.

стр. 56

- فتح قبرص (١) (سنة ٢٨ هـ/ ٦٤٩ م) : قبرص (٢) من أكبر جزائر البحر الأبيض المتوسط في أقصى شرقيه، وهي جزيرة جبلية بها سلسلتان من الجبال. يشتغل أهلها بالزراعة وأرضها خصبة جداً، وكانت تابعة للإمبراطورية الرومانية. كان فتح قبرص على يد معاوية سنة ٢٨ هـ غزاها في هذه السنة، وغزاها معه جماعة من الصحابة، فيهم أبو ذر (٣) ، ⦗٦٦⦘ وعبادة بن الصامت (٤) ، ومعه زوجته أم حرام (٥) ، وأبو الدرداء (٦) ، وشداد بن أوس (٧) . واستعمل عليهم عبد اللَّه بن قيس الحارثي (٨) . وكان معاوية قد ألحَّ على عمر بن الخطاب في غزو ⦗٦٧⦘ البحر لقرب الروم من حمص. وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نُباح كلابهم وصياح دجاجهم. فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه. فكتب إليه عمرو بن العاص: "إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء. إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول. يزاد فيه اليقين قلة. والشك كثرة. وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن اعتدل برق" (٩) . فلما قرأ الكتاب عمر كتب إلى معاوية: "والذي بعث محمداً ﷺ بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض فيستأذن اللَّه في كل يوم وليلة أن يغرق الأرض!! فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر باللَّه، لمسلم أحب إليَّ مما حوت الروم وإياك أن تعرض إليَّ فقد علمت ما لقي العلاء مني" (١٠) . إن هذا الكتاب غريب فإنه يدل على أن العرب كانوا يخشون البحر، وقد حسبه عمر خطراً يهدد الأرض بالغرق كل يوم وليلة واعتبره كافراً. وعلى كل حال كان عمر ﵁ يكره أن يجازف بالمسلمين في البحر. فلما كان زمن عثمان ﵁ كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر وألحَّ عليه في ذلك. وأخيراً أجابه عثمان. ولكنه احتاط فلم يجعل التجنيد إجبارياً بل جعله اختيارياً حيث قال: "لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم. خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه". وبهذه نراه أجاب معاوية من جهة، ومن جهة أخرى لم يجازف بإرسال المسلمين، فجعل التجنيد ⦗٦٨⦘ اختيارياً حتى إذا ما هزموا لم يكن ملوماً، والظاهر أنه كان لا يزال متأثراً برأي عمر من حيث تخوفه من البحر. فأول أسطول جهزه المسلمون كان لغزو قبرص سنة ٢٨ هـ تحت قيادة عبد اللَّه بن قيس، وسار إليها عبد اللَّه بن سعد من مصر بسفن أقلعت من الإسكندرية فاجتمعوا غليها فصالحهم أهلها على جزية ٧٠٠٠ دينار كل سنة (١١) يؤدون إلى الروم مثلها ولا منعة لهم على المسلمين ممن أرادهم من سواهم، وعلى أن يكونوا عوناً للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو للمسلمين عليهم. وعلى ذلك أخذت قبرص بسهولة فقد كانت الحامية المسيحية فيها ضعيفة. وقيل: إن عبد اللَّه بن قيس غزا في البحر خمسين غزوة بين شاتية وصائفة، ولم يغرق فيه أحد، ثم إنه قتل عندما كان مشتغلاً بكشف مرفأ في الروم، إذ خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم، فعرفوه وقتلوه، ذلك في آخر زمان عبد اللَّه بن قيس الحارثي. وفي هذه الغزوة ماتت أم حرم بيت ملحان الأنصارية زوجة عبادة بن الصامت. ألقتها بغلتها بجزيرة قبرص فاندقت عنقها فماتت تصديقاً للنبي ﷺ . وقد كان رسول اللَّه ﷺ يكرمها ويزورها في بيتها ويقيل عندها، وأخبرها أنها شهيدة. ففي ذات يوم نام في بيتها فاستيقظ وهو يضحك وقال: "عُرض عليَّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة". فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم. قال: "إنك منهم". ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول اللَّه ما يضحكك؟! قال: "عُرض عليَّ ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة". قالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين" (١٢) . فتزوجها عبادة بن الصامت فأخرجها معه، فلما جاز البحر ركبت دابة فصرعتها فقتلتها وقد دفنت رحمها اللَّه في قبرص. وفي هذه السنة ٢٨ هـ تزوج عثمان نائلة ابنة الفرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها (١٣) . وسيأتي لها ذكر عند مقتل عثمان ﵁. وفيها بنى عثمان داره بالمدينة المسماة بالزوراء وفرغ منها.

стр. 57

- عزل أبي موسى الأشعري عن البصرة وتولية عبد اللَّه بن عامر (١) (سنة ٢٩ هـ/ ٦٥٠ م) ⦗٧٠⦘. عزل عثمان ﵁ في سنة ٢٩ هـ أبا موسى الأشعري عن البصرة لثلاث سنين مضت من خلافته. وولى عبد اللَّه بن عامر بن كريز (٢) وهو ابن خاله (٣) . وكان سبب عزل أبي موسى أن أهل ايْذَج (٤) ، والأكراد كفروا، فنادى أبو موسى في الناس وحضَّهم وندبهم، وذكر من فضل الجهاد في الرُّجلة (٥) حتى حمل نفر على دوابهم وأجمعوا على أن يخرجوا رجالاً (٦) . وقال آخرون: لا واللَّه لا نعجل بشيء حتى ننظر ما يصنع، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما يقول، فلما خرج أخرج ثقله (٧) من قصره على أربعين بغلاً، فتعلقوا بعنانه وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول وارغب في المشي كما رغَّبتنا، فضرب القوم بسوطه، فتركوا دابته فمضى، وأتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا: ما كل ما نعلم نحب أن نقوله فأبدلنا نه. فقال: من تحبون؟ فقالوا: غيلان بن خرشة، في كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضاً وأحيا أمر الجاهلية فينا. أما منكم خسيس فترفعوه! أما منكم فقير فتجبروه! يا معشر قريش حتى ⦗٧١⦘ يأكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد؟ فانتبه لها عثمان فعزل أبا موسى وولَّى عبد اللَّه بن عامر، فلما سمع أبو موسى قال: يأتيكم غلام عمر، خراج، ولاَّج، كريم الجدات، والخالات، والعمات، يجمع له الجندان، وكان عمر عبد اللَّه خمساً وعشرين سنة، وجمع له جند أبي موسى، وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي (٨) من عمان والبحرين، واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد (٩) ، وعلى سجستان عبد اللَّه بن عمير الليثي وهو من ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة لم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد اللَّه بن معمر (١٠) ، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث إلى كرمان عبد الرحمن بن ⦗٧٢⦘ عبيس، وبعث إلى الأهواز وفارس نفراً، ثم عزل عبد اللَّه بن عمير، واستعمل عبد اللَّه بن عامر فأقره عليها سنة، ثم عزله واستعمل عاصم بن عمرو (١١) وعزل عبد الرحمن بن عبيس وأعاد عدي بن سهيل بن عدي (١٢) ، وصرف عبيد اللَّه بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان، واستعمل على خراسان أمير (١٣) بن أحمر اليشكري، واستعمل على سجستان سنة أربع عمران بن الفضيل البرجمي، ومات عاصم بن عمرو بكرمان (١٤) .

стр. 58

- عثمان ﵁ يصلي بمِنَى صلاة المقيم (١) (سنة ٢٩ هـ/ ٦٥٠ م) : صلى عثمان بالناس بمنى أربعاً، فأتى آتٍ عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلى بالناس أربعاً. فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له: ألم تصلِّ في هذا المكان مع رسول اللَّه ﷺ ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصلِّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصلِّ مع عمر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصلِّ صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى. ثم قال: فاسمع مني يا أبا محمد، إني أخبرت أن بعض من حج ⦗٧٣⦘ من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وقد اتخذت بمكة أهلاً فرأيت أن أصلي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة ولي بالطائف مال، فربما أطلعته فأقمت بعد الصدر. فقال عبد الرحمن بن عوف: ما من هذا شيء لك فيه عذر. أما قولك: اتخذت أهلاً فزوجتك في المدينة تخرج بها إن شئت، وتقدم بها إذا شئت إنما تسكن بسكناك. وأما قولك: ولي مال بالطائف، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف. وأما قولك: يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان رسول اللَّه ﷺ ينزل عليه الوحي والناس يومئذٍ الإسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر. فضرب الإسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين. فقال عثمان: هذا رأي رأيته.

стр. 59

- موقعة الصواري (١) (سنة ٣١ هـ/ ٦٥٢ م) : بعد ثلاث سنين من سقوط قبرص في يد المسلمين خرج الروم في جمع لم يجتمع مثله لهم قط منذ كان الإسلام فخرجوا في أسطول مؤلف من ٥٠٠ سفينة، وقيل أكثر. وتحدُّوا المسلمين وعليهم عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح الذي جهز كل سفينة في مصر، وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيفاً، واختار جيشاً من الشجعان، فأمن الفريقان بعضهم بعضاً حتى قرنوا بين سفن المسلمين والروم بين صواريها، وكانت الريح هبَّت فرست السفن على الشاطئ، وربط المسلمون السفن بعضها إلى ببعض بالقرب من الإسكندرية، واشتبك القتال بين الفريقين ووثب الرجال على الرجال يتضاربان بالسيوف على السفن حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج وطرحت الأمواج جثث الرجال فقتل من المسلمين بشر كثير وقتل من الروم عدد كثير أيضاً، وصبروا يومئذ صبراً لم يصبروا مثله في موطن قط. وفي النهاية عجز الروم عن مقاومة المسلمين لشجاعتهم وحسن بلائهم، وانهزموا، وفرَّ قائدهم إلى سرقوسة (Syracause) وهي أكبر مدينة بجزيرة صقلية (٢) (Scile) .

стр. 60

- من هو قائد الروم في موقعة الصواري (١) ؟ ⦗٧٤⦘. جاء في تاريخ الطبري وصف معركة الصواري وذكر قائد الروم كما يلي (٢) : "فلقوا جموع الروم في خمسمائة أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل فقال: أشيروا عليَّ. قالوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات المسلمون يصلون ويدعون اللَّه، ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقربوا سفنهم، وقرب المسلمون، فربطوا بعضها إلى بعض، وصف عبد اللَّه بن سعد المسلمين على نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثب الروم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها فكانوا يقاتلون على غير صفوف. فاقتتلوا قتالاً شديداً. ثم إن اللَّه نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد". فأنت ترى أن اسم القائد الروماني في موقعة الصواري كما ذكره الطبري (٣) "القسطنطين بن هرقل"، وذكره ابن الأثير (٤) في تاريخه بدون أداة تعريف "قسطنطين". واكتفى الأستاذ موير (٥) في كتابه (الخلافة ص ٢٠٦ طبعة سنة ١٩٢٤) بقوله: "إن قائد الروم أبحر إلى سرقوسة، وهنالك غضب عليه أهلها لانهزامه وعجلوا بقتله في حمامه" وكتب في الهامش: إن كنستانس الثاني - بناء على رأي تيوفان - هو الذي قتل بهذه الكيفية. وقال الأستاذ واشنجتون [واشنطون] ايرفنج (٦) : "إن الإمبراطور فرَّ بالمراكب". والحقيقة أن قائد الروم في ⦗٧٥⦘ موقعة الصواري هو كنستانس الثاني الذي ذكره مؤرخو العرب باسم قسطنطين، وكان هذا الإمبراطور يلقب بـ: "هرقل" وسمي عند تتويجه بـ: "قسطنطين"، إلا أن تيوفان يسميه "كنستانس" وهو معروف بكنستانس الثاني واسمه الرسمي "قسطنطين" فهو بالضبط كنستانس الثاني ابن قسطنطين الثالث ابن هرقل، وكان موله سنة ٦٣٠ م. وذكرت دائرة المعارف البريطانية في الطبعة الأخيرة: "أنه قتل في الحمام من غير أن تذكر أسباب قتله". وجاء في المقريزي: "فبعث اللَّه عليهم ريحاً فغرقتهم إلا قسطنطين، فإنه نجا بمركبه، فألقته الريح بصقلية. فسألوه عن أمره، فأخبرهم. فقالوا: شتتت النصرانية، وأفنيت رجالها. ولو دخلت العرب علينا لم نجد من يردهم. فقال: خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا. فصنعوا له الحمام ودخلوا عليه. فقال: ويلكم يذهب رجالكم وتقتلون ملككم! قالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه، وخلوا من كان معه في المركب. وفي هذه السنة - ٣١ هـ - غزا عبد اللَّه غزوة الأساود حتى بلغ دنقلة.

стр. 61

- بدء الطعن على عثمان ﵁ (١) : أقام عبد اللَّه بن سعد بذات الصَّوَاري بعد الهزيمة أياماً، ورجع فكان أول ما تكلم به "محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن (٢) أبي بكر (٣) " في أمر عثمان في هذه الغزوة، وأظهروا عيبه، ⦗٧٦⦘ وما غيَّر وما خالف به أبا بكر وعمر، ويقولان: إنه استعمل عبد اللَّه بن سعد رجلاً كان رسول اللَّه ﷺ قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول اللَّه ﷺ قوماً وأدخلهم. ونزع أصحاب رسول اللَّه ﷺ . واستعمل سعيد بن العاص (٤) وابن عامر. فبلغ ذلك عبد اللَّه بن سعد فقال: ألا تركبا معنا؟ فركبا في مركب ما معهما إلا القبط، فلقوا العدو، فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالاً، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع عبد اللَّه بن سعد، استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا؟ فأرسل إليهما عبد اللَّه ينهاهما، ويتهددهما، ففسد الناس بقولهما، وتكلموا ما لم يكونوا ينطقون به. وروي أن محمد بن أبي حذيفة جعل يقول للرجل: أما واللَّه لقد تركنا خلفنا الجهاد حقاً، فيقول الرجل: وأيّ جهاد، فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا. واستحل كلاهما دم عثمان. ولد محمد بن أبي حذيفة بأرض الحبشة على عهد رسول اللَّه ﷺ وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان أخذه عثمان بن عفان عنده بعد أن قتل أبوه حذيفة فكفله إلى أن كبر، ثم سار إلى مصر فصار من أشد الناس تأليباً على عثمان ⦗٧٧⦘. وأما محمد بن أبي بكر فقد ولد في حجة الوداع بذي الحليفة لخمس بقين من ذي العقدة، والذي دعا محمد بن أبي حذيفة إلى الخروج على عثمان أنه كان يتيماً في حجر عثمان، فسأله عثمان العمل حين ولي، فقال: يا بني لو كنت رضًى، ثم سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك. قال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني. قال: اذهب حيث شئت، وجهَّزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية. ثم إن الذي دعا محمد بن أبي بكر إلى الطعن في عثمان أن محمداً كانت عليه دالة، فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره ولم يُدْهِن فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذمماً بعد أن كان محمداً.

стр. 62

- عزل الوليد بن عقبة عن الكوفة (١) : كان للكوفة شأن عظيم، وتأثير في مجرى الحوادث في ذلك الوقت، وقد أخذ أهلها يتذمرون ويتحزبون، ويثيرون الفتن على الولاة، فلم تطل ولاية المغيرة على الكوفة (٢) ، فعزله عثمان، وولى مكانه سعد بن أبي وقاص، عملاً بوصية عمر، إلى أن حدث الخلاف بينه وبين ابن مسعود، الذي كان على بيت المال (٣) ، فغضب عثمان على سعد، فعزله، وولى مكانه الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان لأمه. وكان شجاعاً، لكنه كان متهماً بشرب الخمر، ثم إن أبا عقبة بن أبي معيط كان من أشد الناس عداوة لرسول اللَّه ﷺ ، ومن المستهزئين به، ولما أسر في غزوة بدر وقدم للقتل نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل بينكم صبراً؟! فقال له النبي ﷺ : "بكفرك واجترائك على اللَّه ورسوله" (٤) ، وعقبة (٥) هو الذي وضع سلا الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد. فهناك مجال واسع للطعن على ولاية الوليد بن عقبة: أولاً: لأنه ابن عقبة بن أبي معيط المعروف بعدائه لرسول اللَّه ﷺ . ثانياً: لأنه هو الذي ذكر في القرآن بقوله تعالى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . ثالثاً: لأنه كان متهماً بشرب الخمر ⦗٧٨⦘. رابعاً: لأن المسلمين يعلمون قرابته لعثمان، وقد كان من الصحابة من هو أحق منه بهذا المركز، ولا سيما سعد الذي كانت له مواقف مشهورة في حرب الفرس، ومع ذلك كان الوليد محبوباً، وقام بغزوات عدة ظهرت فيها شجاعته، لكن أهل الكوفة حملوا عليه حملة شديدة. وقد بقي خمس سنين وليس لداره باب. ثم إن شُباناً من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحَيْسُمَان الخزاعي وكاثروه فنذر بهم (٦) . وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي وكان قد انتقل من المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد. فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا إليه وقتلوا ابن الحيْسمان وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جُنْدَب الأزدي ومورَّع بن أبي مورع الأسدي وشبيل ابن أبيّ الأزدي وغيرهم فشهد عليهم أبو شريح وابنه فكتب فيهم الوليد إلى عثمان بقتلهم فقتلهم على باب القصر، في الرَّحبة. ولهذا أخذ في القسامة (٧) بقول ولي المقتول عن ملأ من الناس ليكف الناس عن القتل. وكان أبو زبيد الطائي الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب وكانوا أخواله فجحدوه ديناً له، فأخذ له الوليد حقه إذا كان عاملاً عليهم فشكر أبو زبيد ذلك له وانقطع إليه، وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانياً، فأسلم عند الوليد. وكان معروفاً بشرب الخمر، فأنزله داراً لعقيل بن أبي طالب على باب المسجد فاستوهبها منه زبيد فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن على الوليد بالكوفة، لأن أبا زبيد كان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد فَيَسْمُرَ عنده، ويشرب معه، ويخرج فيشق المسجد، وهو سكران. فلذلك نبهم عليه. فبينما هو عنده أتى آتٍ أبا زينب، وأبا مورع، وجندباً، وكانوا يتربصون للوليد منذ قتل أبناءهم، ويضعون له العيون للإيقاع به، فقال لهم: إن الوليد وأبا زبيد يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفراً من أهل الكوفة، فاقتحموا عليه، فلم يروه، فأقبلوا يتلاومون، وسبَّهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان. وجاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا له: إن الوليد معتكف على الخمر وأذاعوا ذلك. فقال ابن مسعود: "من استتر عنا لم نتبع عورته". فعاتبه الوليد على قوله حتى تغاضبا، ثم أتى الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده، واعترف الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر الحمار، ويخرج في فيه، فأمره ابن مسعود بقتله. فلما ⦗٧٩⦘ أراد الوليد قتله أقبل الناس ومعهم جندب بن كعب، فضرب الساحر، فقتله، فحبسه الوليد، وكتب إلى عثمان فيه، فأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب أصحابه، وخرجوا إلى عثمان يستعفون من الوليد، فردهم خائبين، فلما رجعوا أتاهم كل موتور، فاجتمعوا معهم على رأيهم، ودخل أبو زينب وأبو مُورَع وغيرهم على الوليد، فتحدثوا عنده، فنام، فأخذا خاتمه وسارا إلى المدينة. واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان صفتهما كذا وكذا فاتهمهما وقال: هما أبو زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما فلم يوجدا. فقدما على عثمان ومعهما غيرهما، وأخبراه أنه شرب الخمر. فأرسل إلى الوليد فقدم المدينة ودعا بهما عثمان. فقال: أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب. فقالا: لا. قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته، وهو يقيء الخمر. فأمر سعيد بن العاص فجلده. فأورث ذلك عداوة بين أهليهما. وقيل: إن الذي جلده عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب جلده أربعين جلدة وهو الصحيح، لأن علياً أمر ابنه الحسن أن يجلده، فقال الحسن: ولِّ حارَّها من تولى قارها (٨) ، فأمر عبد اللَّه بن جعفر فجلده أربعين، فقال عليّ: أمسك. جلد رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّة. وهذا أحب إليَّ. وقيل: إن الوليد قد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعاً، ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ (٩) فقال ابن مسعود: "ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم". وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر علياً بجلده، فأمر عليٌّ جعفراً فجلده. وروي أنه لما أحضر عثمان ﵁ الوليد في شرب الخمر حضر الحُطيئة، فاستأذن على عثمان وعنده بنو أمية متوافرون، فطمعوا أن يلتمس للوليد عذراً فقال (١٠) : شهد الحُطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر خلعوا عِنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر فنُزعت مكذوباً عليكَ ولم ... تنزع إلى طمع ولا فقر فسروا بذلك وظنوا أنه قد قام بعذره. فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة: نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيديكم - ثملاً - وما يدري ⦗٨٠⦘ فأبوا أبا وهب ولو فعلوا ... وصلتْ صلاتهُمُ إلى العشر فوجم القوم وأطرقوا. فأمر به عثمان رضي اللَّه تعالى عنه فحُدَّ. شهد على الوليد أبو زينب، وأبو مورع، وجُندَب، وسعد بن مالك الأشعري، ولم يشهد عليه إلا يمانٍ. "أي أن كل من شهد عليه من اليمن". جُلد الوليد في المدينة أمام أقارب عثمان، أمام بني أمية، أمام علي بن أبي طالب وأولاده وأنصاره، وهذه فضيحة شنيعة: أولاً: لأنه كان والياً على الكوفة والخمر محرمة في الشريعة الإسلامية، ويُحدُّ شاربها، والوالي هو الذي يقيم الحدود، فيجب عليه أن يكون قدوة للناس في الصلاح والتقوى وإتباع الكتاب والسنة. ثانياً: لأنه أخو الخليفة الذي ولاه مكان سعد بن أبي وقاص، فاختيار عثمان للوليد لم يكن موفقاً. فما كل ذي قرابة يصلح للحكم، ومن خلق الناس أنهم يتربصون وقوع الخطأ ممن يعين لقرابته لأولي الأمر، فإذا هفا هفوة، أو أذنب طعنوا عليه، وعددوا مثالبه، وطعنوا على من ولاه. وقد قيل: إن عثمان ﵁ كان واقعاً تحت تأثير أقاربه وبني أمية، وكان يثق بهم. أما أبو بكر وعمر ﵄، فقد كانا يتجنبان المحاباة ولا يراعيان غير المصلحة العامة. ولم يرَ عثمان بداً من جلد الوليد بعد أن شهدوا عليه إقامة للحدود. وفي الطبري: كان الناس في الوليد فرقتين، العامة معه والخاصة عليه. فما زال عليهم من ذلك الخشوع حتى كانت صفِّين، فولى معاوية، فجعلوا يقولون عيَّب عثمان بالباطل، فقال لهم عليّ ﵇: "إنكم وما تعيرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، ما ذنب عثمان في رجل ضربه بقوله وعزله عن عمله. وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا؟ " (١١) . وعن نافع بن جبير قال: قال عثمان ﵁: إذا جلد الرجل الحرّ ثم ظهرت توبته جازت شهادته. وقيل: كان الوليد أدخل الناس على الناس خيراً - حتى جعل يقسم للولائد والعبيد، ولقد تفجَّع عليه الأحرار والمماليك، كان يُسْمَع الولائد - وعليهن الحداد - يقلن: يا ويلتا قد عزل الوليد ... وجاءنا مُجوّعاً سعيد ينقص في الصاع ولا يزيد ... فَجُوَّعَ الإماء والعبيد

стр. 63

- تولية سعيد بن العاص الكوفة (١) (سنة ٣٠ هـ/ ٦٥١ م) : ⦗٨١⦘ هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، الأموي، وجده هو المعروف بأبي أحيحة. وأم سعيد هي أم كلثوم بنت عمرو بن عبد اللَّه بن أبي قيس. ولد عام الهجرة. وقيل: بل ولد سنة إحدى. وقتل أبوه العاص يوم بدر كافراً، قتله عليّ بن أبي طالب. وكان سعيد من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ﵁. وكان كثير الجود والسخاء، إذا سأله سائل وليس عنده ما يعطيه كتب به ديناً إلى وقت ميسرته. وكان يجمع إخوانه كل جمعة يوماً فيصنع لهم الطعام، ويخلع عليهم، ويرسل إليهم بالجوائز، ويبعث إلى عيلاتهم بالبر الكثير، وكان يبعث مولى له إلى المسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة ومعه الصرر فيها الدنانير، فيضعها بين يدي المصلين، فكثر المصلون بالمسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة، إلا أنه كان عظيم الكبر. وإن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص، لأنه كان أشبههم لهجة برسول اللَّه ﷺ . توفي سعيد سنة ٥٩ هـ، ولما حضرته الوفاة قال لبنيه: "أيكم يقبل وصيتي؟ قال ابنه الأكبر: أنا يا أبت. قال: إن فيها وفاء ديني. قال: وما دينك؟ قال: ثمانون ألف دينار. قال: وفيما أخذتها؟ قال: يا بني في كريم سددت خلته. وفي رجل جاءني ودمه ينزوي في وجهه من الحياء، فبدأته بحاجته قبل أن يسألنيها". وكان سعيد قد ربيَّ في حجر عثمان، فلما فتح الشام قدمه فأقام مع معاوية. فذكر عمر يوماً قريشاً، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام فاستقدمه، فقدم عليه. فقال له: بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدك اللَّه خيراً، وقال له: هل لك زوجة؟ قال: لا. وجاء عمر بنات سفيان بن عوف ومعهن أمهن فقالت أمهن: هلك رجالنا، وإذا هلك الرجال ضاع النساء فضعهن في أكفائهن، فزوَّج سعيداً إحداهن، وزوَّج عبد الرحمن بن عوف الأخرى، وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له: قد هلك رجالنا وبقي الصبيان فضعنا في أكفائنا. فزوَّج سعيداً إحداهن، وجبير بن مطعم الأخرى، وكانت عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال قريش. فلما استعمله عثمان سار حتى أتى الكوفة أميراً ورجع ومعه الأشتر، وأبو خشة الغفاري، وجندب بن عبد اللَّه، وأبو مصعب بن جثامة، وكانوا ممن شخص مع الوليد يعيبونه فصاروا عليه. ولما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر (٢) فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم ⦗٨٢⦘ قال (٣) : "واللَّه لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بداً إذا أمرت أن آتمر، إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها وواللَّه لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم". ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها. وهذه الخطبة إنذار لأهل الكوفة بأنه سيستعمل الشدة معهم.

стр. 64

- كتاب سعيد إلى عثمان (١) : ثم كتب سعيد إلى الخليفة كتاباً قال فيه: "إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغُلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة، والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها". فكتب عثمان إليه: "أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح اللَّه عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعاً لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق. فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل". فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية فقال: "أنتم وجوه من وراءكم. والوجه ينبئ عن الجسد فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف". كثر القيل والقال وقال بعض شعراء الكوفة يندد بسعيد وكثرة التبديل في الولاة: فررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا بلينا من قريش كل عام ... أميرٌ مُحْدَثٌ أو مستشار لنا نار نخوّفها فنخشى ... وليس لهم فلا يخشون نار ثم إن سعيد جعل القراء في سمره، ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه فقالوا له: أصبت لا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم يحتملها وأفسدها، فقال عثمان: ⦗٨٣⦘ "يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا. فقد دبت إليكم الفتن، وإني واللَّه لأستخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم، إن رأيتم حتى يأتي من شهد مع أهل العراق سهمه فيقيم معه في بلاده، فقالوا: كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين؟ فقال: ببيعها ممن شاء بما كان له بالحجاز واليمن وغيرها من البلاد ففرحوا وفتح اللَّه لهم أمراً لم يكن في حسابهم، وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة وجارٍ لهم عن تراضٍ منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق.

стр. 65

- غزوة طبرستان (١) (سنة ٣٠ هـ/ ٦٥١ م) : نبذة عن تاريخها وتسميتها: تعرف طبرستان باسم مازندران أيضاً، وهي ولاية من ولايات إيران قديماً، وموقعها إلى الجنوب الشرقي من بحر طبرستان، وهو بحر الخزر أو بحر قزوين، يحدها من الغرب كيلان، أو الجيلان، ومن الجنوب العراق العجمي وخراسان البُرز. ومن الشرق خراسان أيضاً، ومن نواحيها أستراباذ، وهي إلى الشرق، وقاعدتها دُنباوند أو ديماقند. وجاء في كتب العرب أن معنى طبرستان موضع الأطبار فهي مؤلفة من لفظتين "طبر"، وهي تعريب تبر الفارسية اسم لنوع من الفؤوس، وإستان معناها الموضع، أو الناحية. سميت بذلك لكثرة ما فيها من الأطبار (٢) . قال القزويني في استعمارها وتسميتها: إن بعض الأكاسرة اجتمع في جيشه جناة كثيرون، فقال وزيره: نأمر بهم إلى بعض البلاد ليعمروها، فإن عمروها كان العمران لك، وإن تلفوا برئت من دمهم، واختار أرض طبرستان، وهي يومئذٍ جبال وأشجار، فأرادوا قطع الأشجار، وطلبوا فؤوساً، والفأس بالعجمية "تبر" فكثرت بها الفؤوس، فقالوا: "طبرستان". ويؤيد ذلك ياقوت في كلامه عن أهلها - إن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب، وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار، حتى إنك قلَّ أن ترى صعلوكاً، أو غنياً، إلا وبيده الطبر، صغيرهم وكبيرهم.

стр. 66

- غزوها: وللعرب في طبرستان وقائع مشهورة، فاستولوا عليها، وكانت جزءاً من مملكتهم. وأول من ⦗٨٤⦘ قصدها سويد بن مقرن، أرسله أخوه نعيم بأمر عمر، فسار سويد نحو قومس فأخذها سلماً، ثم دخل جرجان، وقيل: صالحه الأصبهند - صاحب طبرستان. ثم غزاها سعيد بن العاص. خرج عبد اللَّه بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيداً، ونزل أبرشهر، وبلغ نزول أبرشهر سعيداً، فنزل سعيد قومس (١) وهي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان، فصالحوه على ٢. ٠٠٠. ٠٠٠ ثم أتى طَمِية (٢) وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان. وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف. فقال لحذيفة: كيف صلى رسول اللَّه ﷺ ؟ فأخبره. فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون. وضرب يومئذٍ سعيد رجلاً من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه، وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم، على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً. ففتحوا الحصن فقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً وحوى ما كان في الحصن. وفتح سعيد بن العاص نامية، وهي ليست بمدينة بل صحارى، ثم قفل إلى الكوفة فمدحه كعب بن جعيْل فقال: فنعم الفتى إذ جال جيلانُ دونه ... وإذ هبطوا من دَستبى ثم أبهرا تعلم سعيد الخير أن مطيتي ... إذا هبطت أشفقتُ من أن تعَقَّرا كأنك يوم الشعب ليثُ خفية ... تحرَّد من ليث العرين وأصحرا تسوس الذي ما ساس قبلك واحد ... ثمانين ألفاً دارعين وحسَّرا ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحياناً مائة ألف، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا.

стр. 67

- سقوط خاتم رسول اللَّه (١) من إصبع عثمان (٢) (سنة ٣٠ هـ/ ٦٥١ م) : لما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يكتب إلى الأعاجم كتباً يدعوهم إلى اللَّه وقال له رجل: يا رسول اللَّه إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً. فأمر رسول اللَّه ﷺ أن يعمل له خاتم من فضة، ⦗٨٥⦘ فجعله في إصبعه، وكان نقشه ثلاثة أسطر "محمد" سطر، و "رسول" سطر، و "اللَّه" سطر. والأسطر الثلاثة تقرأ من أسفل إلى فوق، محمد آخر الأسطر، ورسول في الوسط، واللَّه فوق، وكانت الكتابة مقلوبة لتكون على الاستواء إذا ختم به، فكان ذلك الخاتم في يده ﷺ ، ولما استخلف أبو بكر ختم به. ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يتختم به، ثم ولي من بعده عثمان فتختم به ست سنين فحفر بئراً بالمدينة شرباً للمسلمين (٣) ، وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فجاء عثمان ذات يوم فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم، فسقط من يده في البئر فطلبوه فيها، ونزحوا ما فيها من الماء، فلم يعثروا عليه، فجعل فيه مالاً عظيماً لمن جاء به، واغتم لذلك غماً شديداً، فلما بئس منه صنع خاتماً آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل، ثم ضاع هذا الخاتم ولم يُعلم من أخذه. وقد تشاءم المسلمون لضياع خاتم رسول اللَّه ﷺ ، وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة مَن كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول اللَّه ﷺ من يده. قال أحمد بن يحيى بن جابر: نسبت إلى أريس رجل من المدينة من اليهود وعليها مال لعثمان بن عفان. والأريس في لغة أهل الشام الفلاَّح وهو الأكار، وجمعه أريسون وأرارسة وأرارس. وفي الأصل جمع أريس بتشديد الراء.

стр. 68

- تسيير أبي ذر الغفاري إلى الربذة (١) (سنة ٣٠ هـ/ ٦٥١ م) : أبو ذر الغفاري: وهو جندب بن جُنادة - على المشهور - وكان من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام. لما بلغ أبا ذر مبعث رسول اللَّه ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل قربة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فانتظر ودخل على رسول اللَّه ﷺ فسمع من قوله وأسلم. فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" (٢) . قال: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله"، فقاموا إليه، فضربوه حتى أضجعوه، وأتى ⦗٨٦⦘ العباس فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا عليه، فأكب العباس إليه. قال النبي ﷺ : "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم". كان أبو ذر بالشام في خلافة عثمان، وكان معاوية عاملاً عليها، فلما ورد ابن السوداء (٣) الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: "المال مال اللَّه ألا إن كل شيء للَّه"، كأنه يريد يحتجنه (٤) دون الناس ويمحو اسم المسلمين (٥) فأتاه أبو ذر. فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال اللَّه؟ قال: يرحمك اللَّه يا أبا ذر ألسنا عباد اللَّه، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله. قال: فإني لا أقول إنه ليس للَّه، ولكن سأقول مال المسلمين. وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له: من أنت، أظنك واللَّه يهودياً. فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به معاوية. فقال: هذا واللَّه الذي بعث عليك أبا ذر. وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: "يا معشر الأغنياء وأسواء الفقراء. بُشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها في سبيل اللَّه بمكاوٍ من نار تُكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم" (٦) ⦗٨٧⦘. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس. حرض أبو ذر بذلك الفقراء وفهمهم أن لهم حقوقاً لدى الأغنياء، وأن الذين يكنزون المال لهم في الآخرة عذاب أليم فهو بذلك يدعو إلى نوع من التكافل. وقد تخوَّف الأغنياء من ثورة الفقراء، ومطالبتهم بالمال، لذلك شكوا إلى معاوية. فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أعضل بي (٧) ، وقد كان من أمره كيت وكيت. فكتب إليه عثمان: "إن الفتنة قد أخرجت خطمها (٨) وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح، وجهِّز أبا ذر إليَّ، وابعث معه دليلاً وزوِّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت" الطبري (٩) . وجاء في ابن الأثير (١٠) : إن الأغنياء لما شكوا إلى معاوية ما يلقون من الفقراء، أرسل إلى أبي ذر بألف دينار في جنح الليل، فأنفقها - على الفقراء -، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله الذي أرسله إليه، فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك، ففعل ذلك. فقال له أبو ذر: يا بني قل له واللَّه ما أصبح عندنا من دنانيرك ديناراً، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها. فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان الخ. فلما قدم أبو ذر المدينة، ورأى المجالس في أصل سلع (١١) ، قال: بشِّر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ⦗٨٨⦘ ذَرَبك (١٢) ؟ فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال اللَّه، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالاً. فقال: يا أبا ذر عليَّ أن أفضي ما عليَّ، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد. قال: فتأذن لي في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار. فقال: أو تستبدل بها إلاَّ شرَّاً منها. قال: أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أخرج منها إذا بلغ البناء سَلْعاً. قال: فانفذ لما أمرك به، فخرج حتى نزل الربذة (١٣) ، فحط بها منزلاً، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل (١٤) ، وأعطاه مملوكين، وكان أبو ذر يتعاهد المدينة حتى لا يعود أعرابياً، وكان يحب الوحدة والخلوة، فدخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات. فقال كعب: مَن أدَّى الفريضة فقد قضى. فرفع أبو ذر محجنه (١٥) ، فضربه، فشجَّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له وقال: يا أبا ذر اتق اللَّه واكفف يدك ولسانك. الطبري (١٦) . ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصرة وعليها رجل يلي الصدقة فقال: تقدم يا أبا ذر. فقال: لا، تقدَّم أنت فإن رسول اللَّه ﷺ قال لي: "اسمع وأطع وإن كان من رقيق الصدقة"، وكان أسود يقال له: مجاشع. وذكر الطبري رواية عن محمد بن سيرين قال: خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له (١٧) الخ. ثم قال الطبري (١٨) بعد أن أورد قصة أبي ذر وإقامته بالربذة: وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأموراً شنيعة كرهت ذكرها. وقال اليعقوبي في تاريخه: ⦗٨٩⦘ "وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول اللَّه، ويجتمع إليه ناس، فيحدث بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد فقال: "أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذيّ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَليمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣- ٣٤] . محمد الصفوة من نوح. فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد. إنه شرف شريفهم، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجرة الزيتونية، أضاء زيتها، وبورك زبدها. ومحمد وارث علم آدم، وما فضلت به النبيون، وعليٌّ بن أبي طالب وصيُّ محمد ووارث علمه. أيتها الأمة المتحيَّرة بعد نبيها، أما لو قدمتم من قدم اللَّه، وأخرتم من أخر اللَّه، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولى اللَّه، ولا طاش سهم من فرائض اللَّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللَّه، إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللَّه وسنة نبيه. فأما إذا فعلتم فذوقوا وبال أمركم ﴿وَسَيَعْلَمُ الذِّينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . وبلغ عثمان أيضاً أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غيَّر وبدَّل من سنن رسول اللَّه وسنن أبي بكر وعمر فسيَّره إلى الشام إلى معاوية. وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه. وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار. لعن اللَّه الآمرين بالمعروف التاركين له، ولعن اللَّه الناهين عن المنكر الآتين له. وكتب معاوية إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه أن احمله على قتب بعير بغير وطاء. أنك تقول سمعت رسول اللَّه يقول: إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلاً اتخذوا بلاد اللَّه دولاً وعباد اللَّه خولاً ودين اللَّه دغلاً (١٩) . فقال: نعم، سمعت رسول اللَّه يقول ذلك. فقال لهم: أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك؟ فبعث إلي عليٍّ بن أبي طالب فأتاه فقال: يا أبا الحسن أسمعت رسول اللَّه يقول ما حكاه أبو ذر؟ وقصَّ عليه الخبر. فقال: نعم. قال: وكيف تشهد؟ قال: يقول رسول اللَّه: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر" (٢٠) . فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان واللَّه لتخرجن عنها. قال: أتخرجني من حرم رسول اللَّه؟ قال: نعم، أنفك راغم. قال: فإلى مكة؟ قال: لا. قال: فإلى البصرة؟ قال: لا. قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا. ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها. يا مروان أخرجه ولا تدع أحداً يكلمه حتى يخرج. فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته، فخرج وعليٌّ والحسن والحسين ⦗٩٠⦘ وعبد اللَّه بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون. فلما رأى أبو ذر علياً، قام إليه فقبَّل يده ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول اللَّه فلم أصبر حتى أبكي فذهب عليّ يكلمه. فقال له مروان: إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد. فرفع عليّ السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال: تنحَّ نحاك اللَّه إلى النار. ثم شيَّعه، فكلمه بكلام يطول شرحه، وتكلم كل رجل من القوم، وانصرفوا، وانصرف مروان إلى عثمان فجرى بينه وبين عليِّ في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلاماً. فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي". هذا ما ذكره اليعقوبي في تاريخه خاصَّاً بأبي ذر وتسييره إلى الربذة من غير أن يسنده إلى أحد من الرواة كدأب الطبري في رواياته، وقد اتفق الطبري وابن الأثير وابن خلدون على أن عثمان ﵁ أذن لأبي ذر بالخروج إلى الربذة، بناءً على طلبه، لأنه لم يطق الإقامة بالمدينة، لكن عبارة اليعقوبي صريحة في أنه نفاه. وإنا نستبعد أن ينفي عثمان ﵁ أبا ذر، لأن أبا ذر صحابي محترم مشهور بالزهد والصلاح والتشدد في الدين، وله مكانة عالية في نفوس المسلمين، ومما يدل على أن حكاية اليعقوبي مكذوبة ما ذكره من أن عثمان قال لمعاوية: "احمله على قتب بعير بغير وطاء" فقدم إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه. فعثمان ﵁ لا يأمر بإرهاق صحابي كبير كأبي ذر كما هو معروف عنه من الحلم والرأفة. فيكون ما ذكره الطبري من أنه ﵁ كتب إلى معاوية - وجهَّز أبا ذر وزوده وأرفق به - هو الصواب، لأنه يطابق ما جبل عليه عثمان ﵁ من الرفق واحترام كبار الصحابة. وفي طبقات ابن سعد رواية عن عبد اللَّه بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يُدخل عليه منه وتخوفنا عثمان عليه، فانتهى إليه فسلم عليه، ثم ما بدأه بشيء إلا قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين واللَّه ما أنا منهم ولا أدركهم. لو أمرتني أن آخذ بعرقُوَتيْ قَتب لأخذت بهما متى أمرت، ثم استأذنه إلى الربذة فقال: نعم نأذن لك، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة، فتصيب من رسْلها. فنادى أبو ذر: دونكم معاشر قريش دنياكم فاعذَموها لا حاجة لنا فيها. ومما يدل على مكانة أبي ذر ما رواه عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر" (٢١) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي ⦗٩١⦘ لهجة أصدق من أبي ذر. من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر (٢٢) .

стр. 69

- أمر المصاحف (١) (سنة ٣٠ هـ/ ٦٥١ م) لما عاد حذيفة بن اليمان من غزو الباب قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في سفرتي هذه أمراً لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن، ثم لا يقومون عليه أبداً، قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أناساً من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خيرٌ من قراءة غيرهم، وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد. ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم خيرٌ من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرؤوا على ابن مسعود. وأهل البصرة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرؤوا على أبي موسى، ويسمُّون مصحفه "لباب القلوب". فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة بن اليمان بذلك، وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول اللَّه ﷺ وكثير من التابعين، وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرؤه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ومن وافقه وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: واللَّه لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك، فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرَّق الناس، وغضب حذيفة، وسار إلى عثمان، فأخبره بالذي رأى وقال: أنا النذير العريان فأدركوا الأمة. وفي البخاري رواية عن حذيفة أنه قال لعثمان: "أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى". وكان حذيفة يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق. جمع عثمان ﵁ الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة. فأرسل إلى حفصة بنت عمر زوجة رسول اللَّه ﷺ أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة قال عمر لأبي بكر: إن القتل قد كثر واستحرَّ بقرَّاء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء، فيذهب من القرآن كثير. وإني أرى أن تأمر بجمعه، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت، فجمعه من الرقاع والعُسُب (٢) ، وصدور الرجال. فكانت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها حفصة فكانت عندها، فأرسل عثمان إليها وأخذها منها، وأمر زيد بن ثابت (٣) ، ⦗٩٢⦘ وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٤) ، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا. فلما نسخوا الصحف ردَّها عثمان إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وحرق ما سوى ذلك، وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سواها، فكل الناس عرف فضل هذا العمل إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي ﷺ ، وأصحاب عبد اللَّه ومن وافقهم امتنعوا عن ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك فإنكم واللَّه سبقتم سابقينا فأربعوا على ظلعكم (٥) . ولما قدم على الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف، فصاح وقال: اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله (٦) ⦗٩٣⦘. قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]- فألحقناها في سورتها في المصحف. واختلف في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق. قال السيوطي في الإتقان: والمشهور أنها خمسة. وقال ابن أبي داود من طريق سمعت أبي حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف فأرسل إلى مكة وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحداً. واختلف في ترتيب السور هل هو توقيفي أو باجتهاد الصحابة؟ قال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند اللَّه في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب. وقال مالك: ترتيب السور باجتهاد الصحابة. وقال السيوطي في الإتقان: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال.

стр. 70

- مقتل يزدجرد بن شهريار (١) (سنة ٣١ هـ/ ٦٥١ م) : كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى ملك فارس قد تولى في خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٤ هـ، وهو الذي جمع جيشاً تحت قيادة رستم لمحاربة المسلمين، فانهزم جيشه ففر إلى خراسان. ولم يزل المسلمون يتبعونه ويقفون أثره من مدينة إلى مدينة، وهو يهرب حتى بيته جماعة من الترك فقتلوه سنة ٣١ هـ. وقد اختلف في سبب قتله: قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو فسأل مرزبانها مالاً، فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه، فبيتوه، فقتلوا أصحابه، وهرب يزدجرد حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحاء على شط المرغاب (٢) فأوى إليه ليلاً فلما نام قتله. وزاد بعضهم أن النقار أخذ متاعه وجواهره وألقى جسده في المرغاب، وأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره حتى خفي عليهم عند منزل النقار، فأخذوه، فأقر لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوا النقار وأهل بيته، وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب، فجعلوه في تابوت من خشب. وقال بعضهم: إنهم حملوه إلى إصطخر فدفن بها في أول سنة ٣١ هـ. وهو آخر ملوك الفرس، وصفا الملك بعده للعرب. وكان عمره عندما قُتل ٣٤ سنة.

стр. 71

- فتح خراسان (١) (سنة ٣٤ هـ/ ٦٥٢ م) : ⦗٩٥⦘ لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا، فلما استخلف عثمان بن عفان ولَّى عبد اللَّه بن عامر بن كريز البصرة في سنة ٢٨. ويقال ٢٩، وهو ابن ٢٥ سنة، وهو ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكان كريماً، ميمون النقيبة (٢) ، فافتتح من أهل فارس ما افتتح، ثم غزا خراسان، واستخلف على البصرة زياد بن أبي سفيان (٣) ، وسار إلى كرمان (٤) فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا، واستعمل على سجستان (٥) الربيع بن زياد الحارثي، وكانوا أيضاً قد نقضوا الصلح، وسار ابن عامر إلى نيسابور، وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس (٦) ، فأتى الطبَسين، وهما حصنان، وهما بابا ⦗٩٦⦘ خراسان، فصالحه أهلها على ٦٠٠. ٠٠٠ درهم، وسار إلى قهستان، فلقيه أهلها، وقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم. وبعث ابن عامر سرية إلى رستاق زام من أعمال نيسابور، ففتحه عنوة، وفتح باخرْز (٧) ، من أعمال نيسابور أيضاً، وفتح جُوَين (٨) ، وسبى سبياً، ووجَّه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عديِّ الرباب، وكان ناسكاً، إلى بيهق من أعمال نيسابور، فدخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيها، ودخلت معه طائفة من المسلمين، فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود حتى قتل هو، وطائفة ممن معه. وقام بأمر المسلمين بعده أخوه أدهم بن كلثوم فظفر، وفتح بيهق (٩) ، وكان الأسود يدعو إلى اللَّه أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر بُشت (١٠) من نيسابور وأشبَنذ ورُخَّ وزاره وخوَاف وأسفرائن وأرغيان (١١) من نيسابور، ثم أتى أبرشهر وهي مدينة نيسابور، فحصر أهلها أشهراً، وكان على كل ربع منها رجل موكل به، وطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينة، فأعطاه وأدخلهم إياها ليلاً، ففتحوا الباب، وتحصَّن مرزبانها في القهندز (١٢) ، ومعه جماعة. وطلب الأمان على أن يصالحه عن جميع نيسابور على وظيفة يؤديها، فصالحه على ألف ألف درهم، وولي نيسابور حين فتحها قيس بن الهيثم السلمي (١٣) ، ووجَّه ابن عامر عبد اللَّه بن خازم السلمي (١٤) إلى حُمراندر من ⦗٩٧⦘ نسا (١٥) ، وهو رستاق قرية ففتحه، وأتاه صاحب نسا فصالحه على ٣٠٠. ٠٠٠ درهم. ويقال: على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحداً ولا يسبيه. وقدم بهمنة عظيم أبيورد (١٦) على ابن عامر فصالحه على ٤٠٠. ٠٠٠ درهم، ويقال وجه إليها ابن عامر عبد اللَّه بن خازم فصالح أهلها على ٤٠٠. ٠٠٠ درهم، ووجَّه عبد اللَّه بن عامر عبد اللَّه بن خازم إلى سَرَخْس (١٧) فقاتلهم، ثم طلب زاذويه مرزبانها الصلح على تأمين مائة رجل، وأن يدفع إليه النساء، فصارت ابنته في سهم خازم، واتخذها وسماها مَيساء، وغلب ابن خازم على أرض سرخس، ويقال: إنه صالحه على أن يؤمن مائة نفس فسمَّى له المائة، ولم يسم نفسه فقتله ودخل سَرخس عنوة، ووجه ابن خازم من سرخس يزيد بن سالم مولى شريك بن الأعور إلى كيف وبينة ففتحهما. وأتى كنازتك مرزبان طوس ابن عامر فصالحه على طوس على ٦٠٠. ٠٠٠، ووجَّه ابن عامر جيشاً إلى هراة عليه أوس ابن ثعلبة ويقال: خُليد بن عبد اللَّه الحنفي، فبلغ عظيم هراة ذلك فشخص إلى ابن عامر، وصالحه على هراة وبادغيس وبوشنج غير طاغون وباغون فإنه فتحهما عنوة، وكتب له ابن عامر: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أمر به عبد اللَّه بن عامر عظيم بوشنج وبادغيس. أمره بتقوى اللَّه ومناصحة المسلمين وإصلاح ما تحت يديه من الأرضين، وصالحه على هَراة. سهلها وجبلها على أن يؤدي من الجزية ما صالحه عليه، وأن يقسم ذلك على الأرضين عدلاً بينهم، فمن منع ما عليه فلا عهد له ولا ذمة. وكتب ربيع بن نهشل وجثم بن عامر" (١٨) . وأرسل مرزبان مرو الشاهجان يسأل الصلح، فوجَّه ابن عامر إلى مرو حاتم بن النعمان الباهلي، فصالحه على ألف ألف ومائتي ألف درهم. وكان في صلحهم أن يوسعوا للمسلمين في منازلهم وأن عليهم قسمة المال، وليس على المسلمين إلا قبض ذلك. وكانت مرو صلحاً كلها ⦗٩٨⦘ إلا قرية منها يقال لها: السنج، فإنها أخذت عنوة. ووجَّه عبد اللَّه ابن عامر الأحنف، وهو حصن من مرو الروذ وله رستاق عظيم يعرف برستاق الأحنف، ويدعى بشق الجرد. فحصر أهله، فصالحوه على ٣٠٠,٠٠٠. فقال الأحنف: أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى أنصرف، فرضوا، وكان الصلح عن جميع الرستاق، ومضى الأحنف إلى مرو الروذ، فحصر أهلها، وقاتلوه قتالاً شديداً، فهزمهم المسلمون، فاضطروهم إلى حصنهم، وكان المرزبان من ولد باذام صاحب اليمن أو ذا قرابة له، فكتب إلى الأحنف أنه دعاني إلى الصلح إسلام باذام، فصالحه على ٦٠٠. ٠٠٠. ووجَّه الأحنف الأقرع بن حابس التميمي (١٩) في خيل، وقال: "يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم". فسار الأقرع، فلقي العدو بالجوزجان (٢٠) فكانت في المسلمين جولة ثم كرّوا فهزموهم، وفتحوا الجوزجان عنوة. وفتح الأحنف الطالقان صلحاً، وفتح الفارياب، ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي مدينة طخارا فصالحهم أهلها على ٤٠٠. ٠٠٠، فاستعمل على بلخ أرسيد بن المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي من سقي النهر جميعاً ومدينتها شرقية فلم يقدر عليها فانصرف إلى بلخ وقد جبى أرسيد صلحها. قال أبو عبيدة: فتح ابن عامر ما دون النهر، فلما بلغ أهل ما وراء النهر أمره طلبوا إليه أن يصالحهم ففعل. فيقال: إنه عبر النهر حتى أتى جميع مواضعه. وقيل بل أتوه وصالحوه، وبعث من قبض ذلك، فأتته الدواب، والوصفاء، والوصائف، والحرير، والثياب. ثم إنه أحرم شكراً للَّه. ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري للَّه على ذلك أن أخرج محرماً من موقفي ⦗٩٩⦘ هذا فأحرم بعمرة من نيسابور. وقدم على عثمان واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم. جميع هذه المدن والقرى التي مر ذكرها هي بخراسان. ولما كانت فارسية فقد يستغربها القارئ ويصعب عليه النطق بها، وقد اضطررت إلى ذكرها، لأن المسلمين فتحوها تحت قيادة عبد اللَّه بن عامر، وفتح أغلبها صلحاً، لأنهم لم يستطيعوا مقاومة المسلمين، وقد قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس.

стр. 72

- فتح إصطخر (١) : إصطخر: كورة وبلدة في بلاد فارس، وبها كثير من المدن والقرى، أشهرها البيضاء ومائتين ونيريز وأبرقوه ويزد وغيرها. وبها كانت خزائن الملوك قبل الإسلام. قيل: وفي جبالها معدن الحديد. وفي دارا بجرد إحدى قراها معدن الزئبق. وفي إصطخر وضع هيستاسب كتاب زرادشت نبي المجوس لما كانت في عظمتها. وعلى ثلاثة أو أربعة فراسخ من ميان تجد آثار مدينة إصطخر الشهيرة في قديم الزمان باسم برسبوليس وهي مدينة قديمة كانت سابقاً دار سلطنة بلاد فارس. لما جاء الإسلام كان أول من غزا بلاد فارس العلاء بن الحضرمي (٢) في خلافة عمر سنة ١٧ هجرية. سار بجيوشه بحراً وخرجوا بإصطخر فقاتلهم أهلها قتالاً شديداً فانجلى القتال عن هزيمة أهل إصطخر. ثم دخل أبو موسى الأشعري بلاد فارس في نفس السنة، ودفع لواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي لما فرق الألوية على رجاله فلم يتيسر الفتح إلا سنة ١٨ هـ، وقيل بعد ذلك. قال ابن الأثير (٣) : وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي إصطخر فالتقى هو وأهلها بجور ⦗١٠٠⦘ فاقتتلوا، وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور، ثم إصطخر وقتلوا الكثير، وفر بعضهم فدعا عثمان إلى الذمة والجزية، فأجابه الهربذ إليها فتراجعوا، وكان عثمان قد جمع الغنائم فبعث بخمسها إلى عمر، وقسم الباقي في الناس. ثم عصت إصطخر فعاد إليها عثمان سنة ٢٧ هـ، وفتحها ثانية. ثم انتفض الفرس فواقعهم عبيد اللَّه بن معمر على باب إصطخر سنة ٢٩ هـ فقتل وانهزم المسلمون، فبلغ الخبر عبد اللَّه بن عامر فسار إليهم والتقوا بإصطخر، فانهزم الفرس، وقتل منهم كثيرون، وفتحت إصطخر عنوة. وأتى دارا بجرد وقد غدر أهلها ففتحها، وصار إلى جور، فانتفضت إصطخر فلم يرجع إليها إلا بعد أن فتح جور ففتحها أيضاً عنوة بعد أن حاصرها واشتد القتال عليها ورماها بالمناجيق، وقتل من أهلها خلق كثير، وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساودة كانوا قد لجأوا إليها، والذي استخلفه على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي فبنى مسجدها. قال البلاذري في فتوح البلدان: "لما فرغ عبد اللَّه بن عامر من فتح جور، كرَّ على أهل إصطخر وفتحها عنوة بعد قتال شديد، ورمى بالمناجيق، وقتل بها من الأعاجم ٤٠. ٠٠٠" الخ.

стр. 73

- فتح كِرْمَان (١) : لما سار ابن عامر إلى فارس وجَّه مجاشع بن مسعود السلمي (٢) إلى كرمان (٣) وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ففتح بيمنت عنوة، واستبقى أهلها وأعطاهم أماناً، وبنى قصراً يعرف بقصر مجاشع. وفتح بروخروة، وأتى الشيرجان وهي مدينة كرمان، وأقام عليها أياماً يسيرة، وأهلها متحصِّنون، وقد خرجت لهم خيل فقاتلهم ففتحها عنوة، ثم إن كثيراً من أهلها جلوا عنها وفتح ⦗١٠١⦘ جِيْرَفْت (٤) عنوة، وسار في كرمان فدوَّخ أهلها وأتى القُفص وتجمع له بهرُمور خلق كثير من الأعاجم فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم. وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر، ولحق بعضهم بمكران، وأتى بعضهم سجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم فعمروها وأدوا العشر فيها، واحتفروا القنوات في مواضع منها.

стр. 74

- فتح سجستان وكابل (١) : فتحت سجستان في أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا عهدهم. فلما توجَّه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي (٢) ، فأتى حصن زالق فأغار على أهله في يوم مهرجان فأخذ دهقانه فافتدى نفسه بأن ركز عنزةً، ثم غمرها ذهباً وفضة، وصالح الدهقان على حقن دمه وصالحه على صلح أهل فارس، ثم أتى قرية يقال لها كَركويه (٣) على خمسة أميال من زالق فصالحوه على غير قتال، ثم أتى زالق وأخذ الأدلاَّء منها إلى زَرَنج (٤) ، وسار حتى نزل الهندمند، وأتى زوشت وهي من زرنج على ثلثي ميل فخرج إليه أهلها فقاتلوه قتالاً شديداً، وأصيب رجال من المسلمين، ثم كرَّ المسلمون وهزموهم حتى اضطروهم إلى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة (٥) ، ثم أتى الربيع ناشروذ (٦) قرية فقاتل أهلها وظفر بهم، ثم مضى إلى شرواذ (٧) قرية فغلب عليها، ثم حاصر مدينة زرنج بعد أن قاتل أهلها، فبعث إليه أبرْويز مرزبانها يستأمنه ليصالحه، فأمر بجسد من أجساد القتلى، فوضع له، فجلس عليه واتكأ على آخر، وأجلس أصحابه على أجساد القتلى مثله. وكان الربيع آدم أفوه طويلاً. ⦗١٠٢⦘ فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف وَصِيف مع كل وَصِيف (٨) جام من ذهب، ودخل المسلمون المدينة، ثم أتى سناروذ (٩) وهو وادٍ فعبره وأتى القريتين، وهناك مربط فرس رُسْتَم (١٠) فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم عاد إلى زرنج وأقام بها سنتين، ثم أتى ابن عامر واستخلف بها رجلاً من بني الحارث بن كعب فأخرجوه وأغلقوها. وكانت ولاية الربيع سنتين ونصفاً، وسبى في ولايته هذه ٤٠. ٠٠٠ رأس، وكان كاتبه الحسن البصري (١١) ، ثم ولى ابن عامر عبد الرحمن بن سَمُرَة بن حبيب بن عبد شمس (١٢) سجستان، فأتى زرنج فحصر مرزبانها في قصره في ⦗١٠٣⦘ يوم عيد لهم فصالحه على ألفي ألف درهم، وألفي وصيف. وغلب ابن سَمُرَة على ما بين زرنج وكَشّ (١٣) من ناحية الهند، وغلب من ناحية طريق الرُّخَّج (١٤) على ما بينه وبين بلاد الداور (١٥) ، فلما انتهى إلى بلاد الداور حصرهم في جبل الزور (١٦) ، ثم صالحهم، فكانت عدة من معه من المسلمين ٨٠٠٠ فأصاب كل رجل منهم ٤٠٠٠ ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان. وأتى عبد الرحمن زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكريّ، وانصرف من سجستان، فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا.

стр. 75

- وفاة أبي سفيان (١) (سنة ٣١ هـ/ ٦٥٢ م) : أبو سفيان صخر بن حرب وهو والد يزيد ومعاوية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش. وكان تاجراً يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحياناً بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى العقاب. وإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس. وقيل كان أفضل قريش رأياً في الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما أتى الإسلام أدبر في الرأي. وهو الذي قاد قريشاً كلها يوم أحد، ولم يقدها قبل ذلك رجل واحد إلا يوم ذاك فكيف قادها المطلب!. وكان أبو سفيان صديق العباس، وأسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية كل واحد مثله. وشهد الطائف مع رسول اللَّه ﷺ ففقئت عينه يومئذ، وفقئت الأخرى يوم اليرموك. وشهد اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: "يا نصر اللَّه اقترب"، وكان يقف على الكراديس يقص ويقول: "اللَّه، اللَّه، إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام. وإنهم دارة الروم وأنصار ⦗١٠٤⦘ المشركين. اللَّهم هذا يوم من أيامك. اللَّهم أنزل نصرك على عبادك". وروي أنه لما أسلم ورأى المسلمين وكثرتهم قال للعباس: "لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً" فقال له العباس: "إنها النبوة". قال: "فنعم". وكان من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامه. توفي سنة ٣١ هـ، وصلى عليه عثمان، وكان عمره ٨٨ سنة.
следующие страницы →