← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ التقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بن صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقات فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا -بإِذْنِ اللهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحِ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ. وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ * * *

стр. 3

نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين ١٣٤٧ - ١٤٢١ هـ نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ: هُو صاحِبُ الفضِيلةِ الشَّيخُ العالِمُ المحقِّق، الفَقِيه المفسِّر، الوَرِع الزَّاهد، محُمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آل عُثَيْمِين مِنَ الوهبَةِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وُلد فِي ليلةِ السَّابعِ والعِشرينَ مِن شَهرِ رمَضانَ المبارَك، عامَ (١٣٤٧ هـ) فِي عُنيزَةَ -إِحدَى مُدِن القَصِيم- فِي المملَكةِ العَربيَّةِ السُّعُوديَّةِ. نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّةِ: أَلحْقَهُ والدُه -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لِيتعلَّمَ القُرآنَ الكَريمَ عندَ جَدِّه مِن جِهةِ أُمِّه المعلِّم عَبْد الرَّحمن بن سُلَيْمان الدَّامِغ ﵀، ثمَّ تعلَّم الكِتابةَ، وشيئًا مِن الحِسابِ، والنُّصُوص الأَدبيَّة؛ فِي مدرسةِ الأُستاذ عَبْد العزيزِ بن صالِحٍ الدَّامِغ ﵀، وذلكَ قبلَ أنْ يَلْتَحِقَ بمَدْرسة المعلِّم عليِّ بنِ عَبْد الله الشّحيتان -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- حيثُ حَفِظَ القُرآنَ الكَريمَ عندَه عن ظَهْرِ قَلْبٍ ولمَّا يتجاوز الرَّابعةَ عَشْرَةَ مِن عُمُرِه بَعْدُ. وبتَوْجيهٍ مِن والد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أَقْبَلَ علَى طلَب العِلم الشَّرعيِّ، وكانَ فضيلةُ الشَّيْخِ العلَّامةُ عَبْدُ الرَّحمن بن ناصرٍ السّعْديُّ ﵀ يُدرِّس العُلوم

стр. 4

الشَّرعيَّة والعَربيَّة فِي الجامِع الكَبِير بعُنَيْزَةَ، وقَد رَتَّب اثنَيْنِ (١) مِن طَلَبته الكِبار لِتَدريسِ المُبتدِئينَ مِنَ الطَّلَبة، فانضَمَّ الشَّيْخُ إلَى حَلقةِ الشَّيْخ محمَّدِ بنِ عَبْد العزيزِ المطوّع ﵀ حتَّى أَدْرَكَ مِنَ العِلم -فِي التَّوْحِيد، والفِقه، والنَّحو- ما أَدْرَكَ. ثُمَّ جَلَس فِي حَلقة شَيْخِه العلَّامَة عَبْد الرَّحمن بنِ ناصرٍ السّعْديِّ ﵀، فدرَس عليه فِي التّفسِير، والحديث، والسِّيرة النَّبويَّة، والتَّوحِيد، والفِقه، والأُصول، والفَرائِضِ، والنَّحْو، وحَفِظَ مخُتصراتِ المُتُونِ فِي هذِهِ العُلُوم. ويُعَدُّ فضيلةُ الشَّيْخ العلَّامَة عَبْدُ الرحمن بن ناصرٍ السّعْديُّ ﵀ هُو شيخَه الأوَّلَ؛ إِذْ أخَذ عَنْهُ العِلْمَ -مَعْرفةً وطَرِيقةً- أَكْثَرَ ممَّا أخَذ عَنْ غَيرِهِ، وتَأَثَّر بمَنْهجِه وتَأصِيلِه، وطَريقةِ تَدْريسِه، واتِّباعِه لِلدَّليل. وعِندَما كانَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرحمن بن عليِّ بن عودانَ ﵀ قاضيًا فِي عُنيزةَ قرَأ عليه فِي عِلم الفَرائضِ، كما قَرأ علَى الشَّيْخ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي ﵀ فِي النَّحو والبَلاغَة أَثناءَ وُجودِه مُدَرِّسًا فِي تِلكَ المَدِينة. ولمَّا فُتِحَ المَعْهَدُ العِلْمِيُّ فِي الرِّياضِ أَشارَ عليه بعضُ إِخْوانِه (٢) أنْ يَلْتَحِقَ بِهِ، فاستَأْذَنَ شيخَه العلَّامةَ عَبْدَ الرَّحمنِ بنَ ناصرٍ السّعْدِيَّ ﵀ فأَذِنَ له، والْتَحَق بالمَعْهَدِ عامَيْ (١٣٧٢ - ١٣٧٣ هـ). ولقَدِ انتفعَ -خلالَ السَّنتَيْن اللَّتَيْن انتظَم فِيهما فِي مَعهدِ الرِّياضِ العِلْمِيِّ- بالعُلماءِ الَّذِين كانُوا يُدرِّسونَ فِيه حِينذَاكَ، وجمنْهُمُ: العلَّامَةُ المُفَسِّرُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الأَمِين الشّنْقِيطِيُّ، والشَّيْخُ الفَقِيه عَبْدُ العزيزِ بن ناصرِ بنِ رشيدٍ، والشَّيْخُ المُحدِّثُ عَبْدُ الرحمنِ الإِفْرِيقِيُّ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى-.

стр. 5

وفِي أَثناءِ ذَلكَ اتَّصلَ بسَماحةِ الشَّيْخِ العلَّامةِ عَبْدِ العزيزِ بنِ عَبْدِ الله بنِ بَازٍ ﵀، فقرَأ عليه فِي المسجِد: مِن صَحِيح البُخارِيِّ، ومن رَسائِل شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ؛ وانتفَع به فِي عِلم الحَدِيث، والنَّظر فِي آراءِ فُقهاءِ المَذَاهِب والمُقارَنةِ بينَها، ويُعدُّ سماحةُ الشَّيْخِ عَبْدُ العزيزِ بن بازٍ ﵀ هو شَيْخَهُ الثَّانِي فِي التَّحْصِيلِ والتَّأثُّرِ بِهِ. ثُمَّ عادَ إلَى عُنيزَةَ عامَ (١٣٧٤ هـ)، وصارَ يَدْرُسُ علَى شَيْخِهِ العلَّامةِ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ ناصرٍ السّعْدِيِّ، ويُتاجُ دِراسَتَهُ انتِسَابًا فِي كُليَةِ الشَّرِيعَةِ، الَّتِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ جامِعَةِ الإِمامِ مُحَمَّدِ بنِ سُعُودٍ الإِسْلامِيَّةِ، حتَّى نالَ الشَّهادَةَ العالِيَةَ. تَدْرِيسُهُ: تَوَسَّمَ فِيهِ شَيْخُهُ النَّجابَةَ وسُرْعةَ التَحْصِيلِ العِلْمِيِّ فشَجَّعَهُ علَى التَّدرِيسِ وهُوَ ما زالَ طَالِبًا فِي حَلقتِه، فبَدَأ التَّدرِيسَ عامَ (١٣٧٠ هـ) فِي الجامِع الكَبيرِ بعُنَيْزَةَ. ولمَّا تخرَّجَ فِي المَعْهَدِ العِلْمِيِّ فِي الرِّياضِ عُيِّنَ مُدَرِّسًا فِي المَعْهَدِ العِلْمِيِّ بعُنيزَةَ عامَ (١٣٧٤ هـ). وفِي سَنَةِ (١٣٧٦ هـ) تُوُفِّيَ شَيْخُهُ العلَّامةُ عَبْدُ الرَّحمنِ بن ناصرٍ السّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فتَوَلّى بعدَه إمامَةَ الجامِعِ الكَبيرِ فِي عُنَيْزَةَ، وإمامَةَ العِيدَيْنِ فِيها، والتَّدْرِيسَ فِي مكتبةِ عُنيزَةَ الوَطَنيَّةِ التَّابعةِ لِلجامِعِ، وهِي التِي أسَّسَها شيخُه ﵀ عامَ (١٣٥٩ هـ). وَلمَّا كَثُرَ الطَّلبةُ، وصارَتِ المكتبةُ لا تَكْفِيهِم، بدَأ فَضيلةُ الشَّيْخِ ﵀ يُدرِّسُ فِي المسجِدِ الجامِعِ نَفْسِهِ، واجتمَعَ إلَيْهِ الطُّلَّابُ وتَوافَدُوا مِنَ المملكَةِ وغيرِها، حتَّى كانُوا يَبْلُغونَ المِئاتِ فِي بعضِ الدُّرُوسِ، وهؤلاءِ يَدْرُسُونَ دِراسَةَ

стр. 6

تَحصيلٍ جادٍّ، لَا لِمُجرَّدِ الاستِماعِ. وبَقِيَ علَى ذَلكَ -إمامًا وخَطيبًا ومُدرِّسًا- حتَّى وفاتِهِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. بَقِيَ الشَّيْخُ مُدرِّسًا فِي المَعْهَدِ العِلْمِيِّ مِن عامِ (١٣٧٤ هـ) إلَى عامِ (١٣٩٨ هـ) عندَما انتقَلَ إلَى التَّدرِيسِ فِي كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ وأُصُولِ الدِّينِ بِالقَصِيمِ، التَّابِعَةِ لجامِعةِ الإمامِ مُحَمَّدِ بنِ سُعُودٍ الإِسلامِيَّةِ، وظَلَّ أُستاذًا فِيها حتَّى وفاتِه -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. وكانَ يُدرِّسُ فِي المسجِد الحَرامِ والمسجِد النَبويِّ، فِي مَواسِم الحجِّ ورمَضانَ والإِجازاتِ الصَّيفيَّة، مُنذُ عامِ (١٤٠٢ هـ) حتَّى وفاتِهِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. وَللشَّيْخِ ﵀ أُسلوبٌ تَعْليمِيٌّ فَريدٌ فِي جَودتِهِ ونَجاحِهِ، فهُو يُناقِشُ طُلَّابَهُ وَيتقبَّلُ أسئِلَتَهُم، ويُلقِي الدُّرُوسَ والمُحاضَراتِ بهِمَّةٍ عالِيَةٍ ونَفْسٍ مُطْمَئنَّةٍ واثِقَةٍ، مُبْتَهِجًا بنَشْرِهِ لِلعِلْمِ وتَقْرِيبِهِ إلَى النَّاسِ. آثَارُهُ العِلْمِيَّةُ: ظَهَرَتْ جُهُودُهُ العَظِيمةُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- خِلالَ أَكْثرَ مِن خَمسِينَ عامًا مِنَ العَطاءِ والبَذْلِ فِي نَشْرِ العِلْمِ والتَّدْرِيسِ والوَعْظِ والإِرْشادِ والتَّوْجِيهِ وإِلْقاءِ المُحاضَراتِ والدَّعْوةِ إلَى اللهِ . ولقَدِ اهتَمَّ بالتَّأْليفِ، وتَحريرِ الفَتاوَى والأَجْوبة، التِي تمَيّزَتْ بالتَّأصِيلِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ، وصدَرتْ لَهُ العَشَراتُ مِنَ الكُتُبِ والرَّسائِلِ والمُحاضَراتِ والفَتاوَى والخُطَبِ واللِّقاءاتِ والمَقالاتِ، كَما صدَرَ لَهُ آلافُ السَّاعاتِ الصَّوْتيَّةِ التِي سَجَّلَتْ مُحاضَراتِه وخُطَبَهُ ولقاءاتِهِ وبراتِجه الإِذاعِيَّةَ ودُرُوسَهُ العِلْميَّةَ؛ فِي تَفْسِير القُرْآنِ الكَريم، والشُّرُوحاتِ المُتميِّزةَ لِلحَديثِ الشَّريفِ والسِّيرَةِ النَّبويَّةِ، والمُتُونِ والمنظُوماتِ فِي العُلومِ الشَّرْعيَّةِ والنَّحْويَّةِ.

стр. 7

وَإِنفاذًا لِلقَواعِدِ والضَّوابِطِ والتَّوْجِيهاتِ التِي قَرَّرها فَضيلتُهُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لِنَشْرِ مُؤلَّفاتِه، ورَسائِلِه، ودُرُوسِه، ومُحاضراتِه، وخُطبِه، وفَتاواهُ، ولقاءاتِه؛ تَقُوم مُؤسَّسَةُ الشَّيْخِ محُمَّدِ بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةُ -بعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِه- بوَاجِبِ وشَرَفِ المَسْؤُوليَّةِ لإِخْراجِ كافَّةِ آثارِهِ العِلْمِيَّةِ والعِنايَةِ بِهَا. وبِناءً علَى تَوْجِيهاتِه -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أُنْشِئَ لَهُ مَوقِع خاصٌّ علَى شَبَكةِ المَعْلُوماتِ الدَّوْلِيَّةِ (١)، مِن أَجْلِ تَعْمِيمِ الفائِدَةِ المَرجُوَّةِ -بعَوْنِ اللهِ تَعَالَى-، وتَقدِيمِ جَمِيعِ آثارِهِ العِلْمِيَّةِ مِنَ المُؤلَّفاتِ والتَّسْجِيلاتِ الصَّوْتِيَّةِ. أَعْمَالُهُ وجُهُودُهُ الأُخْرَى: إِلَى جانِبِ تِلكَ الجُهُودِ المُثْمِرَةِ فِي مجَالاتِ التَّدْرِيسِ والتَّأْليفِ والإِمامَةِ والخَطابَةِ والإِفْتاءِ والدَّعْوةِ إلَى الله كانَ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَعمالٌ كَثيرَةٌ مُوَفَّقَةٌ مِنْهَا: • عُضوًا فِي هَيْئة كِبارِ العُلماء فِي المَمْلكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّة، مِن عام (١٤٠٧ هـ) حتَّى وفاته. • عضوًا فِي المَجْلِس العِلمِيِّ بجامِعةِ الإمامِ محُمَّدِ بنِ سُعُودٍ الإسلاميَّةِ، فِي العامَيْنِ الدِّرَاسِيَّيْنِ (١٣٩٨ - ١٤٠٠ هـ). • عضوًا فِي مَجْلِسِ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعةِ وأُصُولِ الدِّينِ، بفَرْعِ جامِعةِ الإمامِ مُحمَّدِ بنِ سُعُودٍ الإسلاميَّةِ فِي القَصِيمِ، ورَئيسًا لقِسْمِ العَقِيدةِ فِيها. • وفي آخِرِ فَترةِ تَدريسِهِ بالمَعْهَدِ العِلْمِيِّ شارَكَ فِي عُضويَّةِ لجْنَةِ الخِطَطِ والمَناهِجِ لِلمَعاهِدِ العِلْمِيَّةِ، وأَلَّفَ عَدَدًا مِنَ الكُتُبِ المُقَرَّرَةِ فِيهَا.

стр. 8

• عُضوًا فِي لجْنَةِ التَّوْعِيَةِ فِي مَوْسِمِ الحَجِّ، مِن عام (١٣٩٢ هـ) حتَّى وفاته -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، حيثُ كانَ يُلقِي دُرُوسًا ومحُاضراتٍ فِي مكَّة والمَشاعِر، ويُفْتِي فِي المَسائِلِ والأَحكامِ الشَّرعيَّة. • تَرأَّسَ جَمعيَّةَ تَحفيظِ القُرْآنِ الكَريمِ الخيريَّةَ فِي عُنَيْزَةَ مُنْذُ تَأْسِيسِها عامَ (١٤٠٥ هـ) حتَّى وفاتِه. • أَلقَى مُحاضراتٍ عَديدةٍ داخِلَ المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّةِ علَى فِئاتٍ مُتنوِّعةٍ مِنَ النَّاسِ، كمَا أَلقَى محُاضراتٍ عَبْرَ الهاتِفِ علَى تَجمُّعاتٍ ومَراكِزَ إسلاميَّة فِي جِهاتٍ مُختلفةٍ مِنَ العالَمِ. • مِن عُلماءِ المملكةِ الكِبارِ الذِين يُجيبُونَ علَى أَسئلةِ المُسْتفسِرِينَ حولَ أَحكامِ الدِّينِ وأُصُولِه؛ عَقِيدةً وشَريعةً، وذَلكَ عَبْرَ البَرَامِجِ الإِذاعيَّةِ فِي المملكةِ العَربيَّةِ السُّعُوديَّةِ، وأَشهرُها بَرْنامَجُ (نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ). • نَذَرَ نَفْسَهُ لِلإجابَةِ علَى أَسئلةِ السَّائِلِينَ؛ مُهاتَفةً ومُكاتَبةً ومُشافَهةً. • رَتَّبَ لِقاءاتٍ عِلميَّة مُجَدْوَلَةً، أُسْبُوعيَّةً وشَهْريَّةً وسَنَويَّةً. • شارَكَ فِي العَدِيد مِنَ المُؤتَمراتِ التِي عُقِدَت فِي المملكةِ العربيَّةِ السُّعُوديَّةِ. • ولأَنَّه يَهتمُّ بالسُّلوكِ التَّربويِّ والجانِبِ الوَعْظِيِّ اعتنَى بتَوْجِيهِ الطُّلَّابِ وإِرشادِهِم إلَى سُلُوكِ المَنْهَجِ الجَادِّ فِي طَلَبِ العِلْم وتَحْصيلِه، وعَمِلَ علَى استِقْطابِهِمْ والصَّبْرِ علَى تَعْلِيمِهِمْ وتَحمُّلِ أَسئلتِهِمُ المُتعدِّدةِ، والاهتمامِ بأُمُورِهِمْ. • وللشَّيخِ ﵀ أَعمالٌ عَديدةٌ فِي مَيادِينِ الخَيرِ وأَبوابِ البِرِّ ومَجالاتِ الإِحْسانِ إلَى النَّاسِ، والسَّعْيِ فِي حَوائِجِهِمْ وكِتابَةِ الوَثَائِق والعُقُودِ بَيْنَهُمْ، وإِسداءِ النَّصِيحَةِ لهُمْ بِصِدْقٍ وإِخلاصٍ.

стр. 9

مَكانَتُهُ العِلْمِيَّةُ: يُعَدُّ فَضيلةُ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ الذِينَ وَهَبَهُمُ اللهُ -بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ- تَأْصِيلًا وَمَلَكةً عَظِيمةً فِي مَعرفَةِ الدَّلِيلِ واتِّبَاعِهِ واستِنْبَاطِ الأَحْكامِ والفَوائِدِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وسَبْرِ أَغْوارِ اللّغَةِ العَرَبِيَّةِ مَعَانِيَ وإِعْرابًا وبَلاغَةً. وَلِمَا تَحلَّى بِه مِن صِفاتِ العُلَماءِ الجليلةِ، وأَخلاقِهِمُ الحَميدَةِ، والجَمْعِ بَيْنَ العِلْمِ والعَمَلِ؛ أَحَبَّهُ النَّاسُ مَحبَّةً عَظِيمَةً، وقَدَّرَهُ الجَميعُ كُلَّ التَّقديرِ، ورَزَقَهُ اللهُ القَبُولَ لَدَيْهِمْ، واطْمَأنُّوا لاخْتِيارَاتِهِ الفِقْهِيَّةِ، وأَقْبَلُوا علَى دُرُوسِهِ وفَتاواهُ وآثارِهِ العِلْمِيَّةِ، يَنْهَلُونَ مِنْ مَعِينِ عِلْمِهِ، وَيسْتَفِيدُونَ مِنْ نُصْحِهِ ومَواعِظِهِ. وقَدْ مُنِحَ جائِزةَ المَلِك فَيْصَل -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- العَالَمِيَّةَ لخِدْمَةِ الإِسلامِ عامَ (١٤١٤ هـ)، وجاءَ فِي الحيْثيَّاتِ التِي أَبْدَتْها لجْنَةُ الاخْتِيارِ لمَنْحِهِ الجائِزَةَ مَا يَأْتِي: • أَوَّلًا: تحَلِّيهِ بأَخْلاقِ العُلَماءِ الفاضِلَةِ التِي مِنْ أَبْرزِها: الوَرَعُ، ورَحابَةُ الصَّدْرِ، وقَوْلُ الحَقِّ، والعَمَلُ لمَصْلحةِ المُسلمِينَ، والنُّصحُ لِخَاصَّتِهِم وعامَّتِهِم. • ثانِيًا: انتِفاعُ الكَثيرِينَ بعِلْمِهِ؛ تَدْرِيسًا وإِفتاءً وتَأْلِيفًا. • ثالِثًا: إِلقاؤُهُ المُحاضَراتِ العامَّةَ النَّافِعةَ فِي مُختلَفِ مَناطِقِ المملكةِ. • رابِعًا: مُشاركتُه المُفيدةُ فِي مُؤتَمراتٍ إسلاميَّةٍ كَثيرةٍ. • خامِسًا: اتِّباعُه أُسلوبًا مُتميِّزًا فِي الدَّعْوةِ إلَى الله بالحِكْمَةِ والمَوْعِظةِ الحسَنةِ، وتَقْدِيمُهُ مَثَلًا حَيًّا لِمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فِكْرًا وسُلُوكًا. عَقِبُهُ: لَهُ خَمْسَةٌ مِنَ البَنِينَ، وثَلاثٌ مِنَ البَنَاتِ، وبَنُوهُ هُمْ: عَبْدُ الله، وعَبْدُ الرَّحْمَن، وإِبْرَاهِيمُ، وعَبْدُ العَزِيزِ، وعَبْدُ الرَّحِيم.

стр. 10

وَفَاتُهُ: تُوُفِّيَ ﵀ فِي مَدِينَةِ جُدَّةَ، قُبَيلَ مَغْرِبِ يَومِ الأَرْبِعاءِ، الخامِسَ عشَرَ مِنْ شَهْرِ شَوَّال، عامَ (١٤٢١ هـ)، وَصُلِّي عَلَيه فِي المسجِدِ الحَرَام بَعْدَ صَلاةِ عَصْرِ يَومِ الخمِيسِ، ثُمَّ شَيَّعَتْهُ تِلكَ الآلافُ مِنَ المُصَلِّينَ والحُشُودِ العَظِيمَةِ فِي مَشاهِدَ مُؤثرَةٍ، ودُفِنَ فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ. وبَعْدَ صَلاةِ الجُمُعةِ مِنَ اليَوْمِ التَّالي صُلِّي عَلَيه صَلاةَ الغائِبِ فِي جَمِيعِ مُدُنِ المملكةِ العربيَّةِ السُّعُوديَّةِ. رَحِمَ اللهُ شَيْخَنَا رَحْمَةَ الأَبْرارِ، وأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ، ومَنَّ عَلَيهِ بمِغْفِرَتِهِ ورِضْوَانِهِ، وجَزَاهُ عمَّا قَدَّم لِلإسْلامِ والمُسلِمِينَ خَيْرًا. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ * * *

стр. 11

سورة النور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ١ - ٥]. الحمدُ للهِ ربّ العَالمَينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: سُورَة النُّور: سُمِّيت بهذا الاسْم لقولِه تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وإذا تأمَّلتَ السُّورَة وجَدْت ذِكر النُّور فِيها، وأنَّ اللهَ نُورُ السَّمواتِ والأَرْض، وقولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، تبيَّن لكَ أنَّ العِفَّة مِن أسْبَاب نُور القَلْبِ، وأنَّ ضدَّها -وهُو الفُجورُ- مِن أسْبابِ ظُلمَةِ القَلْبِ، ولذلِكَ فإنَّ الزِّنا -سواءٌ كانَ بالعَيْن أو بالرِّجْل أو باليَد أو بِاللِّسانِ أو بالْفَرْجِ- تأثيرُه عَلى القَلْب وعلَى نُور القَلْب أعظَمُ مِن غيْرِه، وتأثير العِفَّةِ فِي نُور القَلْبِ أبْلَغُ.

стр. 12

الآية (١) ° قَال اللهُ : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] (١). قيل: "سُمِّيَ الْقُرْآنُ لجماعَةِ السُّوَرِ وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأُخْرَى فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِيَ قُرْآنًا"؛ هذا المعْنَى عجِيبٌ للقُرْآن، كأنَّ هذا يقُولُ إنَّه مأْخُوذٌ مِنَ القَرْن، والسُّورة سُمِّيت سُورَةً مِن التَّسْويرِ؛ لأنَّها مُحاطَةٌ مِن أوَّلها إِلى آخِرِها، فكأنَّه علَيْها سُورٌ فَإِذا قُرِن بعْضُها إِلى بعْضٍ سُمِّيت قُرآنًا، كأنَّه أُخذ مِن القَرْن، وهذَا معْنًى لا تَكادُ تَجِدُه فِي أُصول التَّفْسير أكْثر مَا يقُولونَ: مِن الجَمْع لاجْتِماع كَلِماتِه بعضِها إِلى بعْضٍ، أَوْ مِن القِرَاءَةِ للتِّلاوَة، وهذَا عَلى كُلِّ حالٍ صحِيحٌ. قال ابن عباس: " ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بيَّنَّاها" (٢)، هذا التَّفسير لا أعرف هل يصِحُّ عنِ ابْن عبَّاسٍ أوْ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الإِنْزال غيرُ التَّبْيينِ، لكِنَّ اللهَ لا شَكَّ أنَّه بيَّن القُرآنَ إلَّا أنَّ الإِنْزالَ غيْرُ التَّبْيينِ، بدَلِيل قولِه تَعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [المجادلة: ٥]، فلَو كانَ الإِنْزالُ بمَعْنى التَّبْيينِ لكَان المعْنَى: "لقَدْ بيَّنَّا آياتٍ بيِّناتٍ"،

стр. 13

وهَذا لا يسْتَقِيم، فَالإِنْزالُ يدُلُّ علَى أنَّ هذِه السُّورَة مِن عنْدِ اللهِ ، وأنَّها كلامُه، لأنَّ القُرْآنَ كلامٌ، فإِذا أضافَ اللهُ إِنْزالَه إلى نفْسِه دلَّ علَى أنَّه كلامُه. قوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي فرَضْنا الْعَمل بِما فِيها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ هذَا يدُلُّ علَى أنَّ الإِنْزالَ ليْس هُو التَّبيين، بلْ هُو شيْءٌ سِوى التَّبْيين. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لأَجْل أن تذَكَّروا، أي تتَّعِظُوا وتقُومُوا بِما أَوْجب اللهُ علَيْكم. وقوله: "فرَّضْنَاهَا" أنزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُختلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يَقُولُ فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ؛ أي فرَضْنا عليْكُم العَمل بِما فِيها تصْدِيقًا في الأَخْبار، وتنفيذًا في الأَحْكام، و"فرَّضْناهَا" بالتَّشديدِ، يعْنِي جعلْنَا فِيها فرائِضَ مختَلِفةً وهُو كذَلِك، يعْني فِيها حُدود القَذْف والزِّنا والاستِئْذانِ، وغير ذَلك كَثِيرٌ, ففِيها فرائِض متعدِّدةٌ، فلهَذا جاءَتْ بلفْظِ (فرَّض) التَّضعِيف يدُلُّ على التِّكْرار.

стр. 14

الآية (٢) ° قَال اللهُ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (١) [النور: ٢]. قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في ابْن الرَّجُل الَّذي زَنا بامرأةِ مَنِ استأجَره أنَّه قال له: "وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ" (٢). وعَن ابْنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ جلَد وغرَّب، وأنَّ أبَا بكْرٍ جلَد وغرَّب، وأنَّ عُمر جلَد وغرَّب (٣)، وهَذا القَوْلُ هُو الصَّحيح أنَّه يجْمَع بيْن الجلْد والتَّغْريبِ. وقالَ بعْضُ العُلَماءِ: إنّه لا يُغَرَّب؛ لأنَّ التَّغرِيبَ لم يُوجَد فِي القُرْآنِ، وقَدْ قال اللهُ تَعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ

стр. 15

كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢] ولَم يذْكُرِ التَّغريبَ. ولكِنَّ هذا القَوْل ضَعيفٌ؛ لأنَّ ما ثَبت بالسُّنَّة وجَب العَملُ بِه، كَما يَجِب العَمَل بِما فِي القُرْآن؛ لقَوْل اللهِ تَعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فيَجِب أنْ نَأخُذ بِما جاءَتْ بِه السُّنَّة، وإنْ كان زَائدًا عمَّا فِي القُرْآن، بَلْ إنَّ ما جاءَتْ بِه السُّنَّة هُو مما جَاء بِه القُرْآن، كما استدَلَّ بِذَلك عبدُ الله بْنُ مسعودٍ ﵁ مُجيبًا للْمَرأة الَّتي قالَتْ لَه: إنَّني لا أجِدُ اللَّعْن -أي لعْن النَّامِصة والمتنمِّصَة- فِي كِتاب اللهِ، فقَال: هُو فِي كِتاب اللهِ، ثُمَّ تلا علَيْها قولَه تَعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. والتَّغريب معْنَاه أنْ يُنْفَى عَن بلَدِه لمدَّة سَنَةٍ كامِلَةٍ، والحِكْمة منْه أنَّه إذا غُرِّب عنْ هَذا المكانِ الَّذي وقَع فِيه الزِّنا فإنَّه رُبَّما ينْسَى ذَلك، وأيْضًا فإنَّ الغُربَة تُوجِب أنْ يشْتَغل الإنْسانُ بنَفْسِه دُون أن يتطلَّب الشَّهوةَ واللَّذةَ؛ لأنه غرِيبٌ، ولا سيَّما إذا عُلِمَ أنَّه غُرِّب مِن أجْل الحدِّ، فإنَّه لن يكُون لدَيْه فُرصةٌ أنْ يَعُود إِلى هذه المسْأَلةِ مرَّةً ثانيَةً، ولكِن يُشتَرط في البَلَد الَّذي يُغرَّب إلَيْه ألَّا يُوجد فِيه إباحَةُ الزِّنا -والعياذُ بالله-، فلَا يُغرَّب إِلى بِلادٍ يُمارِس أهلُها الزِّنا؛ لأنَّنا إذا غرَّبْناه إلى مِثْل هذِه البِلادِ فقَدْ أغْرَيْناهُ بذَلك، فيُغرَّب إلى بِلادٍ عُرِف أهلُها بالعِفَّة. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ﴾ [النور: ٢] فإيَّاك أن تقُولَ: هَذا شيخٌ كَبيرٌ، نجْلِدُه مِئَة جلْدَةٍ! ! وهَذا إِنْ لم يتزَوَّج، وأمَّا إذا تزوَّج فالحِجارَةُ، فلَا تُقل:

стр. 16

أرحمُهُ، بَل قُل: لا أرحمُهُ؛ لأنَّ مَن هُو أرْحَمُ مِنِّي أمَر بجلْدِه، ونَهاني أنْ أرأَفَ بِه، فقالَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. فإِذا قال: اجْلِدوه في بيْتِه حتَّى لا يطَّلِع عليه أحدٌ، قُلْنا: قال تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والَّذي شرَّع هَذه الحُدودَ اللهُ، وهُو أرْحَم مِن الخَلق جَميعًا، فهو أرْحَم مِن الوالِدَة بولَدِها؛ لأنَّ في إقامَةِ الحُدودِ مصالِحَ عظِيمةً لا تُحْصى، فَفِيها ردْعٌ وتطْهِيرٌ. وقولُه تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسمَّى اللهُ الحدَّ عذابًا، فإِن لم تشْهَد وَجب الحدُّ علَيْها. * * *

стр. 17

الآية (٣) ° قال الله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. هَذه الآيَةُ الكَريمة الَّتي ختَمها اللهُ بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، تدُلُّ على تَحْريم نِكاح الزَّانِية، وتَحْريمِ نِكاح الزَّاني، بمَعْنى أنَّ الزَّانِيةَ لا يجوز للإِنْسان أن يتزوَّجَها، وأنَّ الزَّاني لا يَجوزُ للإِنْسان أن يُزوِّجه ابْنَته، فإِذا عرَفْنا ذَلِك؛ فإِنَّ مَن ارْتَكب هذا العَمل فَلا يخْلُو مِن حالَيْن: الحالُ الأُوْلى: أنْ يكُون مُلتَزمًا بالتَّحريمِ عالمًا بِه، ولكنه تزوَّج الزَّانِية لمجرَّد الهَوَى والشَّهوَة، فحِينئذٍ يكونُ زَانيًا لأنَّه عقَد عقدًا محرَّمًا، وهُو يعتْقِدُه محرَّمًا مُلتزمًا بتحْرِيمه، ومعلومٌ أنَّ العَقْد المحرَّم لا يُبيح الفَرْج ولا الاستمتاعَ بِه، فيَكُون هذا الرَّجُل باسْتحلالِه بُضْع المرْأَة المعْقُود علَيْها وهِي زانيَةٌ وهُو يعْلَم أنَّ ذلك حرامٌ، فيَكُون فعْلُه هذا زِنا، وعلى هَذه الحالِ يتنَزَّل قولُه: ﴿إِلَّا زَانٍ﴾. الحالُ الثَّانية: ألا يلْتَزم بهذا الحكْم، وأنْ يقُولَ: هَذا ليْس بحرَامٍ، بَل هُو حلالٌ، وحِينَئذٍ يكُون مُشرِكًا؛ لأنَّ مَن أحلَّ ما حرَّم اللهُ فقَدْ جَعل نفْسَه مُشرِّعًا مَع اللهِ، مُشرِكا بِه ؛ ولهذا قالَ : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فجَعل اللهُ المشرِّعِين لعبادِه دِينًا

стр. 18

لم يأذَنْ بِه شُركَاء، فهَذا الَّذي شرَّع لنفْسِه حِلَّ الزَانيَة ولم يلْتَزِم بالحُكْم الشرْعِيِّ يكُون مُشرِكًا، وعليْه يتنزَّل قوله: ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾. وخُلاصة القَوْل: أنَّ ناكِح الزَّانِية إمَّا أن يكُونَ معتقِدًا لتحْريمِها مُلتزِمًا به فحِينئذٍ يكُون زانيًا، وإمَّا أن يكُون غيْر معْتَقدٍ للتَّحريمِ ولا مُلْتزمًا بِه بَل هُو منْكِر للتَّحريم وحِينئذٍ يكُون مُشرِكًا، لأنَّه أحَلَّ ما حرَّم اللهُ، ولهذَا قالَ اللهُ : ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فهُو زَانٍ إِنْ كَان قد الْتَزم بالتَّحْريم واعتقَدَه، أو مشْرِكٌ إِذا لم يعتَقِدِ التَّحريمَ ولم يلْتَزم بِه، وهكَذا نقُول أيضًا فيمَن زوَّج ابنتَه رجُلًا زانيًا. ولكِنَّ هذَا الحُكْم يزُول بالتَّوبةِ فإِذا تَاب الزَّاني مِن زِناه، وتابَتِ الزَّانِيةُ مِن زِناها، فإنَّه يزُول عنْهُما هَذا الوَصْف، أي وصْفُ الزَّاني، كما يَزُول وصْفُ الفِسْق عَن الفاسِق إِذا تَاب إِلى اللهِ وتَرك الفِسْق، فإِذا تَاب الزَّاني مِن زِناه أو الزَّانِيةُ مِن زِناها حلَّ نِكاحُها.

стр. 19

الآية (٤) ° قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. اللهُ ﵎ يأمُر أنْ نَجْلِدَ الَّذين يرْمُون المحْصَنات، ومعْنَى يرمُونَهُن أي: يقذِفونهنَّ بِالزِّنا فيقولُون: هَذه المرْأَةُ زانِيَةٌ ومَا أشْبه ذَلك، والْمُحْصَنَةُ هِي المرْأَةُ الحُرَّة العفِيفَة عَن الزِّنا، فإِذا قذَفها الإِنْسان بالزِّنا فإِنَّه يكُون بذَلِك مُدَنِّسًا لعِرْضِها مُفتَرِيًا علَيْها، وحينَئذٍ يُجلَد ثمانين جلدْة، وإنَّما قلت: مفتريًا علَيْها مع أنَّه قد يكُون صادقًا، لأنَّه إذا لم يأْتِ بأرْبَعةِ شُهداء فهُو كاذِبٌ عنْدَ اللهِ، كما قالَ الله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣]. وفي الآيَة الكَرِيمَة رَتَّبَ اللهُ على القَذْف ثلاثَة أُمورٍ: الأمْر الأوَّل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. والأمْر الثَّاني: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. والأمْر الثَّالث: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فهم يُجلَدون ثمانِين جلْدَةً حدَّ القَذْف، ولا تُقبل شهادَتُهم بعْد ذَلك أبدًا علَى أي شيءٍ شهِدُوا، وهُم فاسِقُون يُحكَم بفسْقِهم، ولا يتولَّوْن أمرًا تُشتَرط فِيه العدالَةُ،

стр. 20

إلَّا الَّذين تابُوا مِن بعْدِ ذَلك وأصلَحُوا فإنَّهم يزُول عنْهم وصْفُ الفِسْق، وكَذلك يزُول عنْهُم منْعُ الشَّهادة على القَوْل الرَّاجِح، وأمَّا الحدّ فَلا يسقُط عنْهُم بتوبَتِهم، لأنَّه حقٌّ لآدَمِيٍّ، فلا بُدَّ من أن يَنْفَذَ.

стр. 21

الآية (٥) ° قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٥]. وهَذا الاستَثْناء لا يشْمَل أوَّل الجُمَل بالاتِّفاق، ويشْمَل آخر الجُمَل بالاتِّفاق، واختلَف العُلَماء في الجُمْلة الثَّانية، وهِي قولُه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾؛ فقِيل: إنَّه يعُود إلَيْها، وقِيل: لا يعُود. وبناء عَلى ذَلِك إذا تَاب القاذِفُ: هَل تُقبَل شهادَتُه أمْ لا؟ الجَوابُ: اختَلف في ذَلِك أهْلُ العِلْم: فمِنْهم مَن قال: لا تُقبَل شَهادتُه أبدًا ولَوْ تَاب، وأيَّدوا قولَهم بأنَّ اللهَ أبَّد ذَلك بقوْلِه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وفَائِدَةُ هَذا التَّأبِيد أنَّ الحُكْم لا يرْتَفع عنْهُم مطلَقًا. وقالَ آخَرُون: بَل تُقْبل؛ لأنَّ مبْنَى قَبُول الشَّهادة وردَّها عَلى الفِسْق، فإِذا زَال وهُو المانِعُ مِن قَبُول الشَّهادَة، زال ما يتَرتَب علَيْه. وينْبَغي في مِثْل هَذا أنْ يُقال: إنَّه يُرْجع إلى نَظر الحاكِم، فإِذا رَأى مِن المصْلَحة عدَمَ قبُول الشَّهادة لرَدْع النَاس عن التَّهاوُن بأعْرَاض المسْلِمين، فليَفْعل.

стр. 22

وإلَّا؛ فالأصْلُ أنَّه إذا زَال الفِسْق وَجب قَبُول الشَّهادة، وهَل قذْفُ المحصَنِين الغافِلِين المؤْمِنين كقَذْف المحصَناتِ مِن كَبائِر الذُّنوبِ؟ الجَواب: الَّذي علَيْه جُمهور أهْل العِلْم أنَّ قذْفَ الرَّجُل كقَذْف المرْأَة، وإنَّما خصَّ بذَلِك المرأةَ؛ لأنَّ الغالِب أنَّ القَذْف يكونُ للنِّساء أكْثر، إِذ البَغايا كثيراتٌ قبْل الإِسْلام، وقذْفُ المرْأَةِ أشَدُّ؛ لأنه يستَلْزم الشكَّ في نسَب أولادِها مِن زوْجِها، فيلحق بهنَّ القَذْف ضررًا أكثر، فتخْصِيصُه مِن باب التَّخصيص بالغالِب، والقيْدُ الأغلَبِيُّ لا مفهومَ له؛ لأنَّه لبيان الواقِع.

стр. 23

الآية (٦) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦]. قَالَ المُفَسِّر (١) ﵀: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ بِالزِّنَا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ عَلَيْهِ ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ وَقَعَ ذَلِك لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ" نَصْبٌ عَلَى المَصْدَر]. اهـ. الَّذين يرْمُون أزواجَهُم وليْس عنْدَهم شُهودٌ، فهَؤُلاءِ ليْسَ لهم شهداءُ إلَّا أنفسُهم، وهَذِه الآيَةُ نزلَتْ بعْدَ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فنَزلَتْ هَذه الآيَةُ بعْدَ ذَلك، وجُعل للزَّوج يرمي زوجتَه حكمًا خاصًّا؛ لأن رمْي الزَوجِ زوجتَه بالزِّنا أمرٌ بَعيدٌ جدًّا، ولَا يُمكن أنْ يكُونَ هَذا إلَّا وهُو مُتأكِّدٌ، وأنَ الأمْرَ واقِعٌ، فأنْزَل اللهُ عليْه هَذِه الآيَاتِ وهِي فرَجٌ للأَزْواج. وأخْرَج البُخارِيُّ في صَحيحِه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ

стр. 24

رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المسَائِلَ، فَسَأَلهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَرِهَ المَسَائِلَ وَعَابَهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِر فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أنزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ"، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا فكَانَتْ سُنَّةً لمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي المتلَاعِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْن عَظِيمَ الأليَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَلَا أَحْسِبُ عُويمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَحْسِبُ عُويمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا"، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ منْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ (١) (٢). قَوْلهُ: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ مُبْتَدَأ و"أَرْبَعَ" (٣) بقِراءَةِ النَّصب: نائبٌ مناب المَصْدَر، عاملُه قَوْلهُ: ﴿فَشَهَادَةُ﴾، فَيبْقَى المبتدأُ يحتاج خبرًا، وخبرُه يَقُول المُفَسِّر ﵀ في الآيَة بعدها: (تَدْفَعُ عَنْهُ حَدَّ الْقَذْفِ)، أي إنه محذوفٌ وهَذَا تقديرُه. ومعناه فَأَنْ يشهد أحدُهم أربعَ شَهادَات باللهِ إلى آخرِه تدفعُ عنه حَدَّ القَذْفِ،

стр. 25

والمُفَسِّر ﵀ لم يذكر القِراءَةَ الثَّانيةَ، وهي قِراءَة الرفع ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، وعلى قِراءَة الرفع نقول: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُه ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. قَوْلهُ: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ أي: لا بُدَّ أنْ يقولَ: أشهدُ، قَوْلهُ: ﴿بِاللَّهِ﴾ متعَلِّق بشهاداتٍ، فلا يكفي أنْ يقولَ: أشهدُ أنَّ امرأتَه كذا وكذا، بل لابُدَّ أنْ يقولَ: أشهدُ باللهِ، لِتَتَضَمَّنَ الشَّهادة شَهادة وقسمًا، ولهَذَا أُجِيبتْ بجواب القَسَمِ، وهو قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. إِذَنْ لابُدَّ أنْ يشهدَ شَهادةً باللهِ لتكونَ شَهادة مقرونةً بالقَسَمِ، والدَّليلُ على هَذَا أنَّه أُجِيبَ بما يُجابُ به القَسَمُ، وهو قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فهَذِهِ الجُمْلَةُ الخبريةُ مُؤَكَّدَةٌ بالشَّهادة والقَسَمِ و (إنَّ) و (اللَّام)، أرْبَعة مُؤَكِّدَاتٍ، وتُكرر أربعَ مراتٍ، فيصيرُ تأكيدًا من وراء تأكيدٍ، فإخبارُه عن زَوْجَته بأنَّها زنت مُؤَكَّدٌ بهَذِهِ الأرْبَعة. والشَّهادةُ أربع شَهادَات يعني: أشهد باللهِ إني لمن الصَّادِقينَ. وقَوْلهُ: ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ والصَّادق هو المُخْبِرُ بما يُطابِقُ الواقِعَ. وقول المُفَسِّر ﵀: [فِيمَا رَمَى بِهِ زَوْجَتَهُ مِنَ الزِّنَا] أي: لا بُدَّ أنْ يقولَ هَذَا أو معناه، إما أنْ يقولَ فيما رميتُها به من الزِّنَا أو فيما قذفتُها به من الزِّنَا، أو ما أدى هَذَا المَعْنى، المُهِمّ لا يكفي أنْ يقولَ: أشهدُ باللهِ إني لمِنَ الصَّادقينَ؛ لأنَّه قد ينوي به الصَّادِقينَ في غير هَذ القَضيَّة. وظاهر القُرْآن الكَرِيم أنَّه يُجْزي؛ لأَن الله لَمْ يَقُلْ: "فيما رميتُها به من الزِّنَا"، فهَذَا جائزٌ، لكنَّه لو نوى أنَّه من الصَّادِقينَ في قَوْل آخر، فإنَّه لا ينفعه، لأَنَّه كما جاء

стр. 26

في الحديث: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ" (١). فأنتَ وإنْ نويتَ خلاف ذَلِك، فأنتَ إنما اسْتَشْهَدْتَ على ما رميتَها به من الزِّنَا، فسواءٌ ذكرتَه أم لم تذكُرْه لا يختلفُ الحُكمُ، ولهَذَا فالقرآنُ لم يُقَيِّدْهُ بِذَلِك، بناءً على أن المقام يُعَيِّنُه، وأن مَنْ نيتُه خلاف ذَلِك لا تنفعه نيتُه؛ لأَن الْيَمِين على ما يُصَدِّقُكَ به صاحبُكَ أي خَصْمُكَ. لكن لو أنَّه قَالَ ذَلِك أو هي طلبَتْ ذَلِك مثلًا أو الحاكم طلب منه ذَلِك، فإنَّه أَوْلَى لأجل أن يطمئنَ الْإِنْسَان أكثر، فلو أن القَاضِي مثلًا خاف من أن يَتَأوَّلَ وإن كَانَ تَأَوُّلُه لا ينفعه، فإنَّه إِذَا أمره أنْ يقولَ ذَلِك فَلْيَجبهُ للطُمَأْنينة. ولكن لو قَالَ قَائِلٌ: هل يَجب على الزَّوج أنْ يقولَ: أشهدُ أربعَ شَهادَات باللهِ على ما رميتُها به من زنا؟ الجواب: لا يَجب أنْ يقولَ: على ما رميتُها به من زنا، وإن كَانَ لَيْسَ موجودًا في الآيَة، لكن المقام يعيِّنه. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: الحكْمَةُ في تَشْريع الله جَلَّ وَعَلَا؛ لأَن هَذ الآية مُستثناةٌ في الحُكْم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، ولو أن هَذه الآيَة بقيت على ما هي علَيْه لوجب أنْ يُجْلَدَ الزَّوجُ.

стр. 27

والحكْمَةُ هُنا أنَّه خص الزَّوج بهَذَا الحُكْم من حكم الَّذِينَ يرْمُون المُحْصَناتِ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]. وهَذَا من التَّخصِيص المنفصل؛ والتَّخصِيص نوعان: ١ - تَخْصِيص متصل. ٢ - تَخْصِيص منفصل. أمَّا التَّخْصِيصُ المتصلُ فيَكُون بالاسْتِثْناء أو الصِّفة أو الشَّرْطِ. مثال التَّخصِيص بالاسْتِثْناء قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢ - ٣]. ومثال التَّخصِيص بالصِّفَة: "أَكرِم الطَّالبَ المجتهدَ"، المجتهد خَصَّصْتُه بالصِّفَةِ المتصلةِ. ومثال التَّخصِيص بالشَّرْطِ: "أَكرِم الطالبَ إنِ اجْتَهَدَ"، "قَرّر رَوْضَةَ النَّاظرِ إن كانوا يعرفون أصول الفِقْه". التَّخصِيص الَّذِي في الآية هو منفصلٌ، حيث خَصَّصَتْ عمومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤] لأنَّه لو بقيتِ الآيَة الأولى عَلى عُمومِها لكان الزَّوج إِذَا قَذَفَ زوجتَه يثبتُ له الأَحْكامُ الثَّلاثَةُ السَّابقةُ، لكن الزَّوج انفرد عن غيره بهَذَا الحُكْم. إِذَنْ تَخْصِيصُ الأَزْواج من عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ خُصِّصَ بمُخَصصٍ منفصلٍ لأنَّه نصٌّ مستقلٌ.

стр. 28

وما الحكْمَةُ من تَخْصِيص الأَزْواج بهَذَا الحُكْم دون غيرهم من القَذَفَة؟ تَقَدَّمَ أن هَذَا من حِكمة التَّشْريع، والحكْمَةُ أن الزَّوج لا يُمْكِن أن يَقْذِفَ زوجتَه بالزِّنَا إلا والْأَمْرُ كما قَالَ؛ لأَن زنا زَوْجَته عارٌ عليه؛ لأنَّها حَرْثُه، فإذا قذفَها بالزِّنَا أصبح الْأَمْر شديدًا وعَظِيمًا، إِذْ إنَّ هَذَا يُوجِبُ التشكيكَ في أولاده عند النَّاس، ويوجبُ العارَ علَيْه حيث يُقال: هَذَا الرَّجل ديوث كَانَ يقرُّ الْفَاحِشَة في أهله؛ لأَن النفوسَ قد تقول: لَيْسَت هَذ أول مرةٍ يعثر، فهو لن يعثرَ إلا في المرة الثَّانية والثَّالِثَة، وما أشبه ذَلِك، إِذْ إنَّ الزِّنَا عادةً لا يأتي علنًا، بل يأتي سرًّا، والسِّرُّ لا يظهر في أول مرة. فلمَّا كَانَ زنا الزَّوْجَة عارًا على الزَّوج صَارَ لا يُمْكِن أن يَقْذِفَ زوجتَه بالزِّنَا إلا والْأَمْر كما ذكر، ولهَذَا خُصَّ من بين سائر القاذِفين بهَذَا الحُكْم، وهل يُعتبر قذفُه رميًا أو شَهادةً؟ يُعتبر شَهادةً. الفَائِدة الثَّانية: أنَّه لا يصِح اللِّعان إِذَا قَذَفَ أجنبيةً ثم تزوجها، أي: لو قذفَ امرأةً أجنبيةً ثم تزوَّجها فلا لِعانَ؛ لقَوْلهُ: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وإنما يحدُّ للقَذْفِ. الفَائِدة الثَّالِثَة: عمومُ الآيَة في قَوْلهُ: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشملُ ما قبل الدُّخول وما بعده، فلو عَقَدَ على امرأةٍ ثم رماها بالزِّنَا أُجْرِيَ بينهما اللِّعانُ؛ لأنَّها زوجتُه. الفَائِدة الرَّابِعَة: أنَّ رَمْيَ غيرِ الزَّوْجَة ولو كَانَت الأم أو البنت أو الأخت ممَّن يلحقهم عارُه فهو لَيْسَ كقذف الزَّوْجَة، بمَعْنى أن الرَّجل لو قَذَفَ أقربَ النَّاس إلَيْه بالزِّنَا طُبِّقَ علَيْه أحكامُ القاذِفين الثَّلاثَة السَّابقة بخلاف الزَّوج، ووجه ذَلِك ما سبق من الإِشَارَة إلى الحكْمَةُ.

стр. 29

الفَائِدة الخَامِسَة: أنَّ البَدَلَ يُجْعَلُ له حُكم المُبْدَلِ منه، فلمَّا كَانَت البيِّنة على الزِّنَا أرْبَعة شهود، وكان الزَّوج إِذَا قَذَفَ زوجتَه بالزِّنَا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشَّخْصِيّ في حقه ممتنعٌ، جُعل التعددُ في نفس الشَّهادةِ. وَيكُون هَذَا تقريرًا للقاعِدَة المَشْهُورَة المعْرُوفة أنَّ البَدَلَ له حُكم المُبْدَلِ منه، فلمَّا كَانَت شهادةُ الزَّوج على زَوْجَته بالزِّنَا بمنزلة شهادةِ رجلٍ صَارَ تَكرارُها بمنزلة تَكرارِ الرِّجَال وتَعَدُّدِ الشُّهودِ. الفَائِدة السَّادِسَة: تعظيم هَذَا الْأَمْر بحيث لا يُكتفى فيه بالشَّهادةِ المجرَّدَة؛ بل لا بُدَّ من شهادةٍ مقرونةٍ بيمينٍ فيقول: أشهدُ باللهِ! أشهدُ باللهِ! لو قَالَ: أشهدُ باللهِ إني لَصادقٌ هل يُجْزِئُ أو لا بُدَّ أنْ يقولَ: إنه لمَنَ الصَّادِقينَ؟ قَالَ الفقهاءُ في هَذِهِ المَسْألة: لا بُدَّ أن يَكُون باللفظ، وفي نفسي من ذَلِك شَيْء؛ لأنَّ هَذ لَيْسَتْ ألفاظَ ذِكْرٍ يَتَعَبَّدُ الْإِنْسَان بها، إنما هي ألفاظٌ يُقْصَدُ بها إِثْباتُ ما شهد به. ولا شَكَّ أن الأَوْلَى والأَحْرى والأَبْرَأَ أنْ يقولَ ذَلِك بلفظ القُرْآن، لكن لو قَالَ: إني لصادقٌ؛ فالظَّاهِر أنَّه يُجْزِئُ؛ لأَن المَقْصُودَ بقَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إِثْباتُ الصِّدق أو الشَّهادة باللهِ على صِدْقه. * * *

стр. 30

الآية (٧) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧]. قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خَبَرهُ في تأويل مَصْدَرٍ، وقَوْلهُ: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنةُ: هي الطَّرْدُ والإبعادُ عن رحمة الله. وقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذَا شرطٌ في الدُّعاء علَى نفْسِه بِاللَّعْنِة، أي: إن كَانَ كاذبًا فلعنةُ الله عليه، وإن كَانَ صادقًا فلا لعنةَ، وقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي فيما رمى به زَوْجَته من الزِّنَا فإنَّه مستحقٌّ للعنة الله الَّتِي هي الطَّرْد والإبعاد. ومناسبةُ ذكر اللَّعنةِ هُنا في مقابل كذبه؛ لأَن كلامه في الحَقيقَة يتضمَّنُ إبعادَ زوجتِه واتهامَها بما هي بريئةٌ منه؛ ولِذَلك جاء بذكر اللَّعْنة، بخلاف المَرْأَة فإنها تأتي بأمرٍ آخَرَ، كما سيأتي إِنْ شَاء اللهُ. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: وُجوبُ قَرن هَذ الشَّهادة المؤكَّدة باليمين في الخَامِسَة بِاللَّعْنِة بالنِّسْبَةِ للزوج، وبالْغَضب بالنِّسْبَةِ للزوجة. الفَائِدة الثَّانية: أنَّه يَجب البداءَة بشهاداتِ الزَّوج، والدَّليل من الآيَة أنَّه لمَّا قَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ قَالَ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ ولا يتم الْعَذَاب عَلَيْها إلا إِذَا شهد الزَّوج، هَذَا من جهة الأثر أو الدَّليل.

стр. 31

أما من جهة النَّظر أن الزَّوج مُدَّعٍ في الحَقيقَة، وأيهما يُبدأ به المدعِي أو المُنْكِر؟ الَّذِي يُطلَب منه إِثْبات الدعوى هو المُدعي، فيُقال له: هاتِ بيِّنةً، وإذا لم توجد بينة رجعنا إلى المُنْكِر، وهو المُدَّعَى عليه. الفَائِدة الثَّالِثَة: أنَّه لا بُدَّ أن يُؤَكِّدَ الشَّهادةَ بـ (إنَّ) و (اللَّام) مع الْيَمِين السَّابقة، لقَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فلو قَالَ: "أشهدُ باللهِ أني صادقٌ"، فإنَّه لا يكفى، لا بُدَّ أن يأتي باللَّام، لأَن اللَّام تفيد زيادةَ تأكيدٍ وتقوية. الفَائِدة الرَّابِعَة: جَواز الدُّعاء مُعَلَّقًا بالشَّرْطِ؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جَواز الدُّعاء مُعَلَّقًا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريبٌ منه في الاستخارة: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْر خَير لي فِي دينِي وَمَعَاشِي ... " (١). وكما جاء الشَّرط مقيدًا في دُعاء الخالق، جاء مقيدًا في تَشْريع الشَّرع؛ أي في الأَحْكام الشَّرْعِيَّة، مثل ما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ ﵁ لمَّا قالتْ: يا رَسُول الله، إني أريدُ الحجَ وأَجِدُنِي شَاكِيَةً، قَالَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّيَ حَيْثُ حَبَسْتَنِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ" (٢). وَكَما يجوزُ الشَّرط في دُعاء المَسْأَلة يجوزُ في دُعاء العِبادَةِ، كما في حديث ضُبَاعَةَ

стр. 32

بنتِ الزُّبَيْرِ ﵂. وهَذَا يشهد لرؤيا رآها شيخُ الإِسلام ابنُ تيميةَ ﵀ قَالَ: إنه رأى النبيَّ ﷺ ذاتَ ليلة فسَأَله عن أشياءَ، منها الرَّجل يُقَدَّمُ إلى الإمامِ ليُصَلِّيَ علَيْه وهو يشكُّ في إسلامِه، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : عَلْيَكَ بالشَّرطِ يَا أَحْمَدُ (١). والشَّرط مثل قَوْل الإمام إِذَا شك في إِسْلام صاحبِ الجِنازةِ: اللهمَّ إنْ كَانَ مؤمنًا فاغفرْ له وارحمْه، وهَذَا جائز، وشاهده هَذ الآية وحديث الاستخارة في دُعاء المَسْأَلة. والدَّليل في دُعاء العِبادَة حديثُ ضُباعة بنتِ الزُّبَيْر، إِذْ قَالَ لها النَّبِيُّ ﷺ : "حُجِّي وَاشْتَرِطِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ". * * *

стр. 33

الآية (٨) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَدْرَأُ﴾ أَي يَدْفَعُ ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ حَدَّ الزِّنَا الَّذِي ثَبَتَ بِشَهَادَاتِهِ] اهـ. الرّجل إِذَا قذفَ زَوْجَته بالزِّنَا، وأتى بشهود أربع يشهدون أنَّها زنت، وأنهم رأوا ذكر الزَّاني في فرجها، فلا نحتاج لِعَانًا؛ لأنَّ اللِّعانَ ذُكِرَ فيمن لم يكن له شاهدٌ إلا نفسه. وإذا شهد على ما رماها به وأَقَرَّتْ بِذَلِك أُقِيمَ عَلَيْها الحَدُّ، وإذا لم تُقِرَّ فإنها حينئذٍ تُلاعن. فالخُلاصَةُ: أنَّه إِذَا رمى الرَّجل زوجتَه بالزِّنَا فلا يخلو الْأَمْر من ثلاث حالات: • إما أنْ يُقِيمَ بينة فنُقِيمَ عَلَيْها الحدَّ. • وإما أن تُقِرَّ فَيُقام عَلَيْها الحدُّ بالْإِقْرار. • وإما أن تنكرَ، وهنا يُطلب اللِّعان.

стр. 34

فإذا شهد الرَّجل أربع شَهادَات باللهِ أُقيم عَلَيْها الحَدُّ، لكن لها أنْ تدفعَ هَذَا الْحَدَّ بشهاداتٍ تُنْقِضُ شهادَاتِه. إِذَنْ المُراد بالْعَذابِ في قَوْلهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ هو حَدُّ الزِّنَا، وأما قَوْل فقهائنا ﵏: "إن المُراد بالْعَذابِ الحبسُ حَتَّى تُقِرَّ أو تُلاعِنَ"، فهَذَا قولٌ ضعيفٌ جدًّا لا دليلَ عليه؛ لأنَّه لا ذكر للحبس في الآيَة، بل هي صريحةٌ في أن الَّذِي يندفع هو الْعَذَاب؛ أي حَدُّ الزِّنَا؛ بِدَلِيل قَوْلهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. ولو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا أنكرتِ المَرْأَة ماذا نعمل؟ الجواب: نقول للرَّجُلِ: اشهدْ على ما قلتَ أربعَ شَهادَات باللهِ إنكَ لمن الصَّادِقينَ، والخَامِسَة أنَّ لعنةَ الله عليكَ إن كنتَ من الكاذِبِين، فإذا شهدَ يثبتُ عَلَيْها الحدُّ؛ أي حَدُّ الزِّنَا، وهو الرَّجْمُ إنْ كَانَت مُحْصَنَةً، والجلدُ مع التَّغْريب إنْ كَانَت غيرَ مُحصنةٍ. ولو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن تَكُون الزَّوْجَة غيرَ مُحصنةٍ؟ الجواب: يُمْكِن بأن يعقدَ عَلَيْها ولا يُجامِعها فتكونَ غيرَ مُحصنةٍ. فإذا ثبتَ الحْدُّ عَلَيْها بشَهادَة الزَّوج، فلها أنْ تُسْقِطَ هَذَا الحْدَّ بشهاداتٍ تقابلُ شهاداتِه، ولهَذَا يَقُول الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهاداتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزِّنَا. فإذا شهدَ عَلَيْها، فإنْ لاعنَتْ قبلنا منها، وإن أبَتْ لا نقيم عَلَيْها حد الزِّنَا، بل نحبسها حَتَّى تُقِرَّ بالزِّنَا أو تلاعنَ، وأمَّا الآيَة فتدل على أنَّه إِذَا لم تلاعن نقيم عَلَيْها الْحَدَّ مباشرةً.

стр. 35

يَقُول المُفَسِّر ﵀: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا]. اهـ. مُقابِل قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: ثبوتُ الحدِّ على المَرْأَة بلِعَان الزَّوج إلا إِذَا أنكرتْ ولاعنتْ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، وقد تقدَّم أن الْعَذَاب هو الحد، والدَّليل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وأما من فسر الْعَذَاب بالحبس؛ أي أن تُحبس حَتَّى تُقِرَّ أو تُلاعِنَ، فلا دليلَ علَيْه ولا مُعَوَّلَ عليه. إِذَنْ يثبتُ الحْدُّ على المَرْأَة بلعان الزَّوج، ويثبتُ إِذَا أتى بالبَيِّنَة، وهَذَا مفهومٌ من الآية السَّابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ويثبتُ بأمرٍ ثالثٍ وهو إقرارُ المَرْأَة، لكن إِذَا أنكرتِ المَرْأَة وقالت: هو كاذب، حينئذٍ نقول: لَاعِنْ وأَجيبيهِ على شهاداتِه، فإذا أجابَتْهُ على شهاداتِه سَقَطَ عنها العَذابُ، وإن لم تُجِبْه أُقِيمَ عَلَيْها الحدُّ.

стр. 36

الآية (٩) • قَالَ اللهُ : ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]. قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾، يعني: وتشهد الخَامِسَة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ في مقابل قَوْلهُ: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، والغضبُ أشدُّ من اللَّعْنة، فالغضبُ -والعِيَاذ باللهِ- يَلْزَم منه اللَّعْنة وزيادة، بخلاف اللَّعْنة فهي طردٌ وإبعادٌ عن الرَّحمة، لكن هَذَا طردٌ وإبعادٌ مع غضبٍ، وإنما اختير لها ذَلِك -أي: الغَضَب- لسببين: السَّبب الأوَّل: أن رَمْيَ الزَّوج إياها بالزِّنَا أقربُ إلى الصدق من إنكارها، ولأنَّهُ يبعد أن يرميَ الزَّوجُ زوجتَه بالزِّنَا وهي حليلته، فهَذَا بعيد جدًّا، إلا إِذَا تَيَقَّنَ ذَلِك، لكنَّ إنكارَها أمرٌ متوقع؛ لأنَّها تَدْرَأُ عن نفسها عارَ الْفَاحِشَة، وكَذلِك عن أهلها، كما قالتِ المَرْأَة: "لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ" (١). السَّبب الثَّاني: أنَّه إِذَا كَانَ الزَّوجُ صادقًا والمَرْأَة تنكر صَارَت تَرُدُّ الحَقّ مع علمها به، ومن رَدَّ الحَقّ مع علمه به فجزاؤه الغَضَب، كحال اليهود الَّذِينَ ردوا

стр. 37

الحَقّ مع علمهم به، فاستحقوا الغَضَب، وأمَّا الضالون فهم الَّذِينَ لَمْ يقولوا الحقَّ لجهلهم به. لو قَالَ قَائِل: يستطيعُ الزَّوجُ أن يطلقَ زوجتَه ويتخلصَ؟ نقولُ: هو لا يريدُ أن يطلقَها، ولو أَرَادَ ذَلِك ما احتاجَ أن يأتيَ ويرميَها، بل يطلقها. ولو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن يرمىَ الزَّوجُ زوجتَه كاذبًا؟ الجواب: لا يُمْكِن أن يُقْدِمَ الْإِنْسَان على رمي زَوْجَته بالزِّنَا لمجرد ظنون أبدًا، لا يَكُون ذَلِك إلا بشَيْء رآه ولا يسْتَطيع أن يصبرَ عليه؛ لأَن هَذَا عارٌ عليه، ولهَذَا -كما سيأتي إِنْ شَاء اللهُ- فالْإِنْسَان العفيفُ -في الغالِب- لا يُمْكِن أن يبتليَهُ اللهُ بامرأةٍ تزني، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فلهَذَا فالزَّوجُ نفسُه يجد أن مِنَ العَار أن يشهرَ عند النَّاس أنَّ امرأتَه زانيةٌ، لكن المَرْأَة تجد أنَّه مِنَ العَار أنْ تُقِرَّ علَى نفْسِها؛ ولذا فهي تحاول أن تنكر. لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحُكْم لو قالت المَرْأَة لزوجها: طلقني؟ الجواب: هو لن يطلقها لأنَّها ربما تُقِرُّ ويثبت عَلَيْها حد الزِّنَا، وحينئذٍ يتخلص بدون طلاق، لكن إِذَا كَانَ يُرِيد الطَّلاقَ لا يُمْكِن رَدُّهُ؛ لأَنه يجوز له أن يطلقها وإن لم تزنِ. ماذا يَجب على الرَّجل إِذَا زنت زَوْجَته وأَرَادَ إمساكها؟ الجواب: يَجب إِذَا حصل هَذَا أن يَسْتَبْرِئَها بحَيْضَةٍ، فإن قُدِّرَ أنَّه لمَّا اسْتَبْرَأَها لم تَحِضْ بل حَمَلَتْ فالْوَلَد له؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ

стр. 38

وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ" (١)، حَتَّى لو فوضنا أنَّه حسب تقدير الله من هَذَا الزَّاني فهو ولده؛ لأَن الْوَلَد لِلْفِراشِ. فإذا لاعنَ لنفي الْوَلَد انتهى الموضوع، لكن اللِّعَان لنفي الْوَلَد فيه خلافٌ، المذهبُ أنَّه لا يجوز أن يُلاعن لنفي الْوَلَد، بل لا بُدَّ أن يقذفها أوَّلا بالزِّنَا، ثم يُلاعِنُ وينفي الْوَلَد. والصحيحُ أنَّه يجوز أن يُلاعِنَ لنفي الْوَلَد فقط، بأنْ يقولَ: أنا لم أقل: زنت، لكن هَذَا الْوَلَد لَيْسَ مني، وأُلاعِنُ على ذَلِك، ويقول في اللِّعَان: أشهدُ باللهِ، ويشهد أربعَ شَهادَات إنه لمِنَ الصَّادقينَ في أن الْوَلَد لَيْسَ منه، وأنَّ لعنةَ الله علَيْه إن كَانَ من الكاذِبين؛ لأَن المَرْأَة قد تَكُون مُكْرَهَةً لم تَزْنِ، أو مُشْتبَهًا فيها مثلًا؛ لأنَّ مَسْأَلة الزِّنَا صعبةٌ؛ ولهَذَا أوجبَ اللهُ فيه الحدَّ. وهَذَا الرَّجل لو نفى ولده لا يَجب علَيْه الحْدُّ، ولا على المَرْأَة، ولا يُقالُ لها: إن هَذَا الْوَلَد ابن زنا، ولا يُقالُ له: هَذَا العَمَلُ يُعَدُّ قَذْفًا. فَعلَى القَوْلِ الصَّحيح، إِذَا حملتْ ولَيْسَ لها زوج فإنها تحدُّ إلا إِذَا ادَّعَتْ شُبْهَةً، أما الَّتِي لها زوج فلا يُمْكِن أن نأتيَها أو نَقْرَبَها. ولو قَالَ قَائِلٌ: هل ينتفي الْوَلَد عن الزَّوج باللِّعان أو لا ينتفي؟ الجواب: إن نفاه في لِعانه انتفى وإلا فهو ولدُه.

стр. 39

إِذَنْ لا بُدَّ من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأنَّ "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ"، كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ". إذا سكتَ عن الْوَلَد فهو ولده، وإن نفاه انتفى، لكن إِذَا نفى الزَّوجُ الْوَلَد، فَمَنْ يَكُون أبوه؟ الجواب: لَيْسَ له أبٌ شرعًا، ويُنْسَبُ إلى أُمِّه، وهل ترثه أمه ميراثَ أُم أو ميراثَ أُم وأب؟ بما أنَّه يُنْسَب إلى أمه، فتكون أمُّه أمًّا وأبًا، وينبني على ذَلِك صُورَة: لو مات هَذَا الْوَلَد عن أمه الَّتِي ولدته وعن إخوتِه من أُمِّه، كَيْفَ يَكُون الميراثُ؟ الجواب: إِذَا قُلْنا: إن الأمَّ أمٌّ وأب، حَجَبَتْهُم الأم، وصَارَ الميراث لها ولَيْسَ لإخوته شَيْءٌ، فيَكُون لها السُّدس على أنَّها أم، والباقي لها تَعْصِيبًا على أنَّها أب، وهَذَا هو الصَّحيح لحديث: "تَحُوزُ المَرْأَة ثَلَاَثةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (١). والمَذْهَب يَقُولُونَ: إنها ترثُه ميراثَ أُمٍّ فقط، ويَكُون العاصبُ له عصبةَ أمه، وعلى هَذَا فيَكُون للأم هُنا السُّدسُ، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم أبناؤها، فهم عصبة الأم، فيَكُون الباقي لهم.

стр. 40

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: الحكْمَةُ في اللِّعان حيث خُصَّ الرَّجل بالدُّعاء علَى نفْسِه بِاللَّعْنِة، والمَرْأَة بالدُّعاء علَى نفْسِها بالْغَضب، وهَذَا سبقت الإِشَارَة إلَيْه، فكَوْنُ الزَّوج يَلْعَن نفسه إنْ كَذَبَ لأَن في اتهامه إياها بالزِّنَا إبعادًا لها عن العفة وعن نفسه وأولاده، فناسب أن يدعو علَى نفْسِه بِاللَّعْنِ الَّذِي هو الطَّرْد والإبعاد. الفَائِدة الثَّانية: الحكْمَةُ في المُغايَرَة بين الزَّوج والزَّوْجَة فيما يدعو أحَدهما به علَى نفْسِه؛ المَرْأَة بالْغَضب والزَّوج بِاللَّعْنِة. لو أنَّه عكس وقال الزَّوج: غضب الله عليه، وقالت الزَّوْجَة: لعنة الله عَلَيْها، هل يصحُّ أو لا يصِحُّ؟ الجواب: لا يصِحُّ، حَتَّى قَالَ العُلَماء: لو أبدلتِ الغضبَ بالسّخطِ، أو أبدلَ اللعنةَ بالطَّرْدِ والإبعادِ عن رحمة الله، فإنَّه لا يصِح اتّباعًا للفظ، وهَذَا في الحَقيقَة مَحَلُّ نظرٍ خصوصًا في الطَّرْد والإبعاد، وأما السّخطُ فقد يَكُون بينه وبين الغَضَب فرقٌ، لكن الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنَّنا مع ذَلِك نقول: لا يَنْبَغِي العُدولُ عما جاء به القُرْآن، ونقول للزوج: قل: لعنة الله عَليْك، وللزوجة: غضب الله عَلَيْها. هل يُشترط أنْ يقولَ: فيما رميتُها به من الزِّنَا، وتقول هي: فيما رماني به من الزِّنَا، أو لا يُشترط؟ الجواب: ظاهرُ القُرْآن أنَّه لا يُشترط، وكَذلِك ظاهرُ السُّنَّة؛ وَذلِك لأنَّه حينما لاعنَ النَّبِيُّ ﷺ بين هِلالِ بن أُمَيَّةَ وزوجتِه لم يقل: لمن الصَّادِقينَ فيما رميتُها به،
следующие страницы →