← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الآية (٩) • قَالَ اللهُ : ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]. قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾، يعني: وتشهد الخَامِسَة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ في مقابل قَوْلهُ: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، والغضبُ أشدُّ من اللَّعْنة، فالغضبُ -والعِيَاذ باللهِ- يَلْزَم منه اللَّعْنة وزيادة، بخلاف اللَّعْنة فهي طردٌ وإبعادٌ عن الرَّحمة، لكن هَذَا طردٌ وإبعادٌ مع غضبٍ، وإنما اختير لها ذَلِك -أي: الغَضَب- لسببين: السَّبب الأوَّل: أن رَمْيَ الزَّوج إياها بالزِّنَا أقربُ إلى الصدق من إنكارها، ولأنَّهُ يبعد أن يرميَ الزَّوجُ زوجتَه بالزِّنَا وهي حليلته، فهَذَا بعيد جدًّا، إلا إِذَا تَيَقَّنَ ذَلِك، لكنَّ إنكارَها أمرٌ متوقع؛ لأنَّها تَدْرَأُ عن نفسها عارَ الْفَاحِشَة، وكَذلِك عن أهلها، كما قالتِ المَرْأَة: "لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ" (١). السَّبب الثَّاني: أنَّه إِذَا كَانَ الزَّوجُ صادقًا والمَرْأَة تنكر صَارَت تَرُدُّ الحَقّ مع علمها به، ومن رَدَّ الحَقّ مع علمه به فجزاؤه الغَضَب، كحال اليهود الَّذِينَ ردوا

стр. 37

الحَقّ مع علمهم به، فاستحقوا الغَضَب، وأمَّا الضالون فهم الَّذِينَ لَمْ يقولوا الحقَّ لجهلهم به. لو قَالَ قَائِل: يستطيعُ الزَّوجُ أن يطلقَ زوجتَه ويتخلصَ؟ نقولُ: هو لا يريدُ أن يطلقَها، ولو أَرَادَ ذَلِك ما احتاجَ أن يأتيَ ويرميَها، بل يطلقها. ولو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن يرمىَ الزَّوجُ زوجتَه كاذبًا؟ الجواب: لا يُمْكِن أن يُقْدِمَ الْإِنْسَان على رمي زَوْجَته بالزِّنَا لمجرد ظنون أبدًا، لا يَكُون ذَلِك إلا بشَيْء رآه ولا يسْتَطيع أن يصبرَ عليه؛ لأَن هَذَا عارٌ عليه، ولهَذَا -كما سيأتي إِنْ شَاء اللهُ- فالْإِنْسَان العفيفُ -في الغالِب- لا يُمْكِن أن يبتليَهُ اللهُ بامرأةٍ تزني، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فلهَذَا فالزَّوجُ نفسُه يجد أن مِنَ العَار أن يشهرَ عند النَّاس أنَّ امرأتَه زانيةٌ، لكن المَرْأَة تجد أنَّه مِنَ العَار أنْ تُقِرَّ علَى نفْسِها؛ ولذا فهي تحاول أن تنكر. لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحُكْم لو قالت المَرْأَة لزوجها: طلقني؟ الجواب: هو لن يطلقها لأنَّها ربما تُقِرُّ ويثبت عَلَيْها حد الزِّنَا، وحينئذٍ يتخلص بدون طلاق، لكن إِذَا كَانَ يُرِيد الطَّلاقَ لا يُمْكِن رَدُّهُ؛ لأَنه يجوز له أن يطلقها وإن لم تزنِ. ماذا يَجب على الرَّجل إِذَا زنت زَوْجَته وأَرَادَ إمساكها؟ الجواب: يَجب إِذَا حصل هَذَا أن يَسْتَبْرِئَها بحَيْضَةٍ، فإن قُدِّرَ أنَّه لمَّا اسْتَبْرَأَها لم تَحِضْ بل حَمَلَتْ فالْوَلَد له؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ

стр. 38

وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ" (١)، حَتَّى لو فوضنا أنَّه حسب تقدير الله من هَذَا الزَّاني فهو ولده؛ لأَن الْوَلَد لِلْفِراشِ. فإذا لاعنَ لنفي الْوَلَد انتهى الموضوع، لكن اللِّعَان لنفي الْوَلَد فيه خلافٌ، المذهبُ أنَّه لا يجوز أن يُلاعن لنفي الْوَلَد، بل لا بُدَّ أن يقذفها أوَّلا بالزِّنَا، ثم يُلاعِنُ وينفي الْوَلَد. والصحيحُ أنَّه يجوز أن يُلاعِنَ لنفي الْوَلَد فقط، بأنْ يقولَ: أنا لم أقل: زنت، لكن هَذَا الْوَلَد لَيْسَ مني، وأُلاعِنُ على ذَلِك، ويقول في اللِّعَان: أشهدُ باللهِ، ويشهد أربعَ شَهادَات إنه لمِنَ الصَّادقينَ في أن الْوَلَد لَيْسَ منه، وأنَّ لعنةَ الله علَيْه إن كَانَ من الكاذِبين؛ لأَن المَرْأَة قد تَكُون مُكْرَهَةً لم تَزْنِ، أو مُشْتبَهًا فيها مثلًا؛ لأنَّ مَسْأَلة الزِّنَا صعبةٌ؛ ولهَذَا أوجبَ اللهُ فيه الحدَّ. وهَذَا الرَّجل لو نفى ولده لا يَجب علَيْه الحْدُّ، ولا على المَرْأَة، ولا يُقالُ لها: إن هَذَا الْوَلَد ابن زنا، ولا يُقالُ له: هَذَا العَمَلُ يُعَدُّ قَذْفًا. فَعلَى القَوْلِ الصَّحيح، إِذَا حملتْ ولَيْسَ لها زوج فإنها تحدُّ إلا إِذَا ادَّعَتْ شُبْهَةً، أما الَّتِي لها زوج فلا يُمْكِن أن نأتيَها أو نَقْرَبَها. ولو قَالَ قَائِلٌ: هل ينتفي الْوَلَد عن الزَّوج باللِّعان أو لا ينتفي؟ الجواب: إن نفاه في لِعانه انتفى وإلا فهو ولدُه.

стр. 39

إِذَنْ لا بُدَّ من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأنَّ "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ"، كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ". إذا سكتَ عن الْوَلَد فهو ولده، وإن نفاه انتفى، لكن إِذَا نفى الزَّوجُ الْوَلَد، فَمَنْ يَكُون أبوه؟ الجواب: لَيْسَ له أبٌ شرعًا، ويُنْسَبُ إلى أُمِّه، وهل ترثه أمه ميراثَ أُم أو ميراثَ أُم وأب؟ بما أنَّه يُنْسَب إلى أمه، فتكون أمُّه أمًّا وأبًا، وينبني على ذَلِك صُورَة: لو مات هَذَا الْوَلَد عن أمه الَّتِي ولدته وعن إخوتِه من أُمِّه، كَيْفَ يَكُون الميراثُ؟ الجواب: إِذَا قُلْنا: إن الأمَّ أمٌّ وأب، حَجَبَتْهُم الأم، وصَارَ الميراث لها ولَيْسَ لإخوته شَيْءٌ، فيَكُون لها السُّدس على أنَّها أم، والباقي لها تَعْصِيبًا على أنَّها أب، وهَذَا هو الصَّحيح لحديث: "تَحُوزُ المَرْأَة ثَلَاَثةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (١). والمَذْهَب يَقُولُونَ: إنها ترثُه ميراثَ أُمٍّ فقط، ويَكُون العاصبُ له عصبةَ أمه، وعلى هَذَا فيَكُون للأم هُنا السُّدسُ، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم أبناؤها، فهم عصبة الأم، فيَكُون الباقي لهم.

стр. 40

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: الحكْمَةُ في اللِّعان حيث خُصَّ الرَّجل بالدُّعاء علَى نفْسِه بِاللَّعْنِة، والمَرْأَة بالدُّعاء علَى نفْسِها بالْغَضب، وهَذَا سبقت الإِشَارَة إلَيْه، فكَوْنُ الزَّوج يَلْعَن نفسه إنْ كَذَبَ لأَن في اتهامه إياها بالزِّنَا إبعادًا لها عن العفة وعن نفسه وأولاده، فناسب أن يدعو علَى نفْسِه بِاللَّعْنِ الَّذِي هو الطَّرْد والإبعاد. الفَائِدة الثَّانية: الحكْمَةُ في المُغايَرَة بين الزَّوج والزَّوْجَة فيما يدعو أحَدهما به علَى نفْسِه؛ المَرْأَة بالْغَضب والزَّوج بِاللَّعْنِة. لو أنَّه عكس وقال الزَّوج: غضب الله عليه، وقالت الزَّوْجَة: لعنة الله عَلَيْها، هل يصحُّ أو لا يصِحُّ؟ الجواب: لا يصِحُّ، حَتَّى قَالَ العُلَماء: لو أبدلتِ الغضبَ بالسّخطِ، أو أبدلَ اللعنةَ بالطَّرْدِ والإبعادِ عن رحمة الله، فإنَّه لا يصِح اتّباعًا للفظ، وهَذَا في الحَقيقَة مَحَلُّ نظرٍ خصوصًا في الطَّرْد والإبعاد، وأما السّخطُ فقد يَكُون بينه وبين الغَضَب فرقٌ، لكن الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنَّنا مع ذَلِك نقول: لا يَنْبَغِي العُدولُ عما جاء به القُرْآن، ونقول للزوج: قل: لعنة الله عَليْك، وللزوجة: غضب الله عَلَيْها. هل يُشترط أنْ يقولَ: فيما رميتُها به من الزِّنَا، وتقول هي: فيما رماني به من الزِّنَا، أو لا يُشترط؟ الجواب: ظاهرُ القُرْآن أنَّه لا يُشترط، وكَذلِك ظاهرُ السُّنَّة؛ وَذلِك لأنَّه حينما لاعنَ النَّبِيُّ ﷺ بين هِلالِ بن أُمَيَّةَ وزوجتِه لم يقل: لمن الصَّادِقينَ فيما رميتُها به،

стр. 41

ولا قالت هي: لمن الكاذِبِين فيما رماني به، ولهَذَا فالصحيح أن هَذَا لَيْسَ بشرطٍ. فإذا قِيل: ألَيْسَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَتَأَوَّلَ (لمِنَ الصَّادقينَ) في قَضيَّةٍ أُخْرَى؟ الجواب: بلى، لا شَك أنَّه مِنَ الجَائِزِ أنْ يَتَأَوَّلَ ويقولَ: إنه لمَنَ الصَّادقينَ؛ أي: في أمرٍ آخَرَ، لكنَّ هَذَا التَّاويلَ لا ينفعُه؛ لأَن تأويلَ الظَّالِم لا ينفعه، فإن يمينَه على ما يصدق به صاحبُه (١) وعلى ما يَقْتَضيه المقامُ، ولكن لو قَالَ الزَّوج: فيما رميتُها به من الزِّنَا، وقالت هي: فيما رماني به من الزِّنَا، لكان هَذَا أَبْيَنَ وأوضحَ، إلا أنَّه لَيْسَ بواجبٍ. وأما غير الظَّالِم، فقد ذكرنا أن المظْلُوم ينفعه قولًا واحدًا، ومن لَيْسَ بظالم ولا مظلوم محل خلاف بين العُلَماء، والأَوْلَى ألا يَتَأَوَّلَ لأنَّه يؤدي إلى تهمتِه؛ وإذا تبيَّنَ الْأَمْر على خلاف ما أظهر تبين تهمته وربما يسقط كلامُه، وكلما قَالَ شيئًا قالوا: نخشى أنَّه يَتَأَوَّلُ مثل تِلْك المرة، أما لو كَانَ مظلومًا فهَذِهِ ضرورةٌ.

стр. 42

الآية (١٠) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور: ١٠]. قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِالسَّتْرِ فِي ذَلِك، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ بِقُبُولِهِ التَّوْبَةَ فِي ذَلِك وَغَيره، ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيمَا حَكَمَ بِهِ فِي ذَلِك وَغَير، لِيُبَيِّن الحَقَّ فِي ذَلِك، وَعَاجَلَ بِالْعُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا]. اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا﴾ شرطية، ويُسمونها حرفَ امتناعٍ لِوُجود، يعني أنَّها منعت شيئًا لِوُجود شَيْء، هُنا ننظر ما الَّذِي امتنع لِوُجودِ الشَيْء؛ الَّذِي امتنع هو الجوابُ المحذوفُ أي جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ وهو ما قدره المُفَسِّر ﵀ بقَوْلهُ: [لِيُبَيِّنَ الحقَّ فِي ذَلِك، وَعَاجَلَ بِالْعُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا]، هَذَا هو الَّذِي امتنع، لِوُجود فضل الله. فالحاصِل: أن الَّذِي منع جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ في هَذ الآيَة هو فضلُ الله ورحمته. وأما ﴿فَضْلُ﴾ فهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُه محذوفٌ والتَّقدير موجود، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ موجدان لحَصَلَ كذا وكذا؛ لأَن ﴿لَوْلَا﴾ يُحذف بعدها الخبرُ وُجوبًا، قَالَ ابنُ مالكٍ ﵀ (١): وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الخبَر ... حَتْمٌ ...................

стр. 43

يعني لازمًا، فهُنا لَوْلا تحتاجُ إلى جوابٍ، وجوابُها مُقَدَّر، فما جوابُ لَوْلا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؟ الجوابُ: يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لِيُبَيِّنَ الْحَقَّ فِي ذَلِك، وَعَاجَلَ بِالْعُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا]. المُفَسِّر ﵀ قَصَرَ هَذ الآيَة، أي قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ على قصَّة المتلَاعِنَيْنِ، يعني: لَوْلا أن الله تَفَضَّلَ علَيْنا ورحِمَنا لَبَيَّنَ الحقَّ في ذَلِك؛ أي: بَيَّنَ كَذِبَ الزَّوجِ إن كَانَ كاذبًا، وكَذِبَ المَرْأَة إن كَانَت كاذبةً، وعاجَلَ بالعُقوبَةِ من يستحقُّها من أحَدهما؛ لأَن أحَدهما كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لما تلاعنا: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ" (١)، يعني يُعَرِّضُ لهما بالتَّوبةِ يَقُول: أحدُكما كاذبٌ؛ الزَّوجُ أو الزَّوْجَة، وهَذَا صحيحٌ، ويعرِض عليهما التَّوبةَ لعلَّ أحدَهما يتوبُ. فالمُفَسِّر ﵀ يرى أن هَذه الآيَة خاصةٌ بقصةِ المتلَاعِنَيْنِ، والصَّواب أنَّها عامَّةٌ فيها وفي غيرها؛ لأَن الله لم يقيِّدْها بل قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل في ذَلِك، ثم العِبرةُ بعُمومِ اللفظِ لا بخُصوصِ السَّببِ. إِذَنْ يَكُونُ الجوابُ المقدَّرُ غيرَ ما قدَّره المفسرُ، نقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ما حصلَ لكم هَذ المَصالِحُ، وما حصلَ الَّذِي حصلَ من هَذَا التيسيرِ وهَذَا التَّشْريع الحَكِيم، وما انتفت عنكم تِلْك المفاسدُ، وهَذَا أعَمُّ مما قاله المُفَسِّر ﵀.

стр. 44

قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخِره، الفضلُ من آثار الرَّحمة في الحَقيقَة، لكنَّ الرَّحمةَ تَكُون فيما يضطر إلَيْه العَبْد، وتكون في الزِّيادة أيضًا، والفضلُ في الزِّيادة فقط، فيَكُون عطفُ الرَّحمة هُنا على الفضلِ من باب عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأَن الفضلَ من آثار الرَّحمة، لكنَّه أخص منها؛ إِذْ إنه زائدٌ على ما يحتاج إلَيْه العبدُ ويضطر إلَيْه، وأما الرَّحمةُ فتكون فيما يحتاجُ إلَيْه العبدُ وفيما زادَ على ذَلِك. وقول المُفَسِّر ﵀: [بِالسَّتْرِ فِي ذَلِك]، هَذَا بناء على خصوصِ الآيَة في المتلَاعِنَيْنِ، والصوابُ أن الآيَة عامَّةٌ يعني: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ في هَذَا وغيره، لحَصَلَ لكم ما لم يَحْصُلِ لكم الآن. وقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ﴾ يعني: ولولا أيضًا أن الله توابٌ حكيمٌ. قَوْلهُ: ﴿تَوَّابٌ﴾ سبق أن التَّواب هو كثير التَّوبة، وأن توبة الله علَى عِبَادِه تنقسم إلى قِسْمَيْن: أحَدهما: التَّوفيق للتَّوبة. والثَّاني: قبول التَّوبة. ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، وتُطلق التَّوبةُ من العَبْد إلى الله، وهي بمَعْنى الرُّجوع من مَعْصِيَته إلى طاعته، فالعبدُ توابٌ، والله توابٌ، لكنَّ هُناكَ فرقًا بين (تَوَّاب) الَّتِي يُوصفُ بها الله و (تَوَّاب) الَّتِي يُوصفُ بها العَبْد، فالتي يُوصف بها الله مَعْناها الموفِّق للتوبة القابلُ لها، والتي يُوصف بها العَبْد مَعْناها الرَّجّاع إلى الله من مَعْصِيَته إلى طاعته.

стр. 45

وقَوْلا: ﴿حَكِيمٌ﴾، سبق القَوْل إنها مُشتقةٌ من الحُكْمِ والحكْمَةِ، فتكون بمَعْنى حَاكم وبمَعْنى مُحْكِم، وحُكْمُ الله ينقسم إلى كونيٍّ وشرعيٍّ، والحكْمَةُ تَكُون في الحُكم الكَوْنِيّ وتكون كَذلِكَ في الحُكم الشَّرعي، فمحل الحكْمَةِ الحُكْمَان؛ أي الحُكْم الكَوْنيّ والحُكْم الشَّرعي، وتكون كَذلِكَ في الإِيجَاد وفي الصُّورة وفي الغَايَة، وحكمةُ الله لَيْسَت هي غايات الْأُمُور، بل تَكُون في الإِيجَاد وفي الصُّورة وفي الغَايَة. كَيْفَ تَكُون الحكْمَةُ في الإِيجَاد وفي الصُّورة وفي الغَايَة؟ الجواب: يعني أن الله لا يُوجِد شيئًا إلا لحكمةٍ، ثم إيجاده على صُورَة معينة حكمةٌ أُخْرَى، ثم الغَايَة من هَذَا الإِيجَاد حكمةٌ ثالثة. فمثلًا إيجاد الشَّمس يَكُون لحكمةٍ، وكونها على هَذِهِ الصُّورة المعينة، وبهَذِهِ الحرارة، وبهَذِهِ المسافة عن الأَرْض، وبهَذَا السَّير المعين، هَذِهِ تُعَدُّ حِكْمَة في الصُّورة، والغَايَة منها مصالحُ الخلق وهَذِهِ أيضًا حِكْمَة، كَذلِكَ إيجاد الْإِنْسَان حِكْمَة، وكونُه على هَذَا الوجه المعين حِكْمَة، والغَايَة من إيجاده حِكْمَة، وهَكَذا في الْأُمُور الْكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة فإن تَشْريع الشرائع حِكْمَة، وكونها على هَذَا الوجه المعين حِكْمَة والغَايَة منها وهو إصلاح الخلق حكمٌ أيضًا. قَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾؛ الحَكِيم قُلْنا: إن معناه حَاكِم ومُحْكِم أي: متقنٌ ذو حِكْمَة، والحكْمَةُ -كما تقدَّم- تَكُون في الشَّرع وفي القَدر؛ لأنَّها تَكُون في الحُكْمَيْنِ، وتكون في الإِيجَاد والصُّورَة والغَايَة.

стр. 46

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان فضل الله ورحمته علَى عِبَادِه بالشَّرع والقَدر؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ فإن هَذَا يَتعلَّق بالشَّرع وبالقَدر، أما بالشَّرع فلولا أن الله تفضل علَيْنا ورحمنا وشرع للأَزْواج ما شرع من اللِّعَان لكان الزَّوج يقع في حرج عَظِيم؛ لأنَّه إن تكلم يُقام علَيْه حَدُّ القَذْفِ، وإن سكَتَ سكَتَ عن أمر عَظِيم، لكن من رحمة الله وفضله أنَّه شرع اللِّعَان. كَذلِكَ في القَدر في قَضيَّة المُتَلَاعِنَيْنِ، أنَّه لَوْلا أن الله تَعَالَى يحب السَّتر لفضحَ المَرْأَة وأظهر آيةً تدُلّ على صدق الزَّوج، أو بالعَكْسِ إِذَا كَانَ الزَّوج كاذبًا، لكن من رحمة الله أنَّه يستر علَى عِبَادِه في الدُّنْيَا مثل هَذِهِ الْأُمُور ثم يجازيهم عَلَيْها في الْآخِرَة. في مَسْأَلة اللِّعان لو عَيَّنَ الزوجُ مَنْ زنى بامرأته، فهل يحدّ الأجنبيُّ للزنا؟ وهل يُحَدُّ الزَّوجُ لقذفِ الرَّجل؟ الجواب: إِذَا لاعن الزَّوج زَوْجَته لم نَحُدَّ الأجنبيَّ للزنا، ولا يُحَدُّ الزَّوج لقذف الرّجل، والدَّليل ما جاء في الحَديث، أن هِلال بن أُمية قذف امرأته بشَرِيك بن سَحْمَاء، فعين الرَّجل الَّذِي زنا بها ولم يَحُدَّه النَّبِيُّ ﷺ حَدَّ القَذْفِ. لكن لا يَنْبَغِي في مثل هَذَا أن يقذفها بشخصٍ معين كي لا يدنسَ عرضه؛ لأَن المَسْأَلة لَيْسَت ثابتة بشهود، فالأولى أنْ يقولَ: إنها زنت ولا يعين، لكن لو عين فإن السّنَّة تدُلّ على أنَّه لا يحد الرَّجل الأَجْنَبِيّ، والسَّبب في ذَلِك هو أن الأَصْل هُنا والمَقْصُود بِقَذْف الزَّوج الزَّوْجَة، لا الرَّجل الأجنبيُّ، وهو لم يعين الرَّجل إلا لزيادة إِثْبات قذف الزَّوْجَة.

стр. 47

لكن من راعى المَعْنى قَالَ: الآية السَّابقة تدُلّ على أن الرمي بالزِّنَا يوجب الحد، وهَذه الآية تدُلّ على أن رمي المَرْأَة بالزِّنَا يوجب اللِّعَان، فتبقى الآية هُناكَ بالنِّسْبَةِ للأجنبي عَلى عُمومِها وهَذ بالنِّسْبَةِ للزوجة على خصوصها، لكن السُّنَّة في الحقيقَة هي الفاصِلَة، والنبي ﷺ لم يَجدَّ الرَّجل الَّذِي قذف امرأته بشَرِيك بن سَحْمَاء. لَكِنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يُحَدُّ، يجيبون عن هَذَا فيَقُولُونَ: مَنْ قَالَ إن شريك بن سَحْمَاء طالبَ بحقِّه، وحَدُّ القَذْف لا يَجب إلا بالمطالبة؟ لكنَّنا نقول رَدًّا على هَذَا: مَسْأَلة كَوْنِ حَدِّ القَذْفِ لا يَجب إلَّا بالمُطالبة مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لأَنَّ عُمُوم الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، لا تقيد ذَلِك بالمطالبة، وكَوْنُ هَذَا حقًّا خاصًّا للمقذوف أيضًا مَحَلُّ نَظَرٍ وغَيْرُ مُسَلَّمٍ به؛ لأنَّ تدنيسَ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لَيْسَ حقًّا شخصيًّا في الواقِع، بل يَتعلَّق بعُموم المجتمع الإِسْلَامي، ولهَذَا أنا أميل إلى أن حَدَّ القَذْف يَجب وإنْ لم يطالب به المقذوفُ، المُهِمّ أن يثبت، حَتَّى لو كَانَ المقْذُوف لا خير فيه ولا يُرِيد أن يدافع عن عرضه وسكت، نقول: المُسْلِمُونَ هم الَّذِينَ يدافعون عن عرضك ويقام الحدُّ عليه. ولو قَالَ قَائِل: ذكرتم إِذَا عين زوجُ المَرْأَة الرَّجل الأَجْنَبِيّ -الزَّاني- فإنَّه لا يُحَدُّ للحديث، لكن إِذَا وُجِدَتْ قَرائنُ وأمارات هل يحدُّ أم لا؟ الجواب: الرَّسُول ﷺ لم يتبَيَّن الْأَمْر، ورجحان قَوْل الزَّوج إلَّا بعد الوضع، فكَيْفَ يزيد أن نُحِيلَ الحُكْم على أمر لم يتبَيَّن من قبل؟ ثم لو فرض أنَّه توجد أمارات وقرائن -اللَّهم إلَّا إن كَانَت هَذ الأمارات والقَرَائِن قد تؤدي إلى كون المقْذُوف لَيْسَ محصنًا- فلا يَجب الحَدُّ بِقَذْفه وإنَّما يَجب التَّعْزِيرُ؛ لأنَّ قَذْفَ غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِير.

стр. 48

وعَلَى كُلِّ حَالٍ هَذِهِ الأماراتُ ما ظهرتْ إلَّا بعد. الفَائِدة الثَّانية: إِثْباتُ الأَسْبابِ والموانعِ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠]؛ كما لأَنَّ هَذِهِ الآية فيها مانعٌ وفيها سببٌ، فالسَّببُ ذنوبنا وما نحنُ علَيْه من الأَخْطَاء، والمانعُ الَّذِي يمنع من العُقوبَة هو فضلُ الله ورحمته. الفَائِدة الثَّالِثَة والرَّابِعَة: إِثْبات التَّواب اسمًا من أَسْماء الله؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور: ١٠]، وإِثْبات الحَكِيم اسمًا من أسْمَائِه، والحكيم يتضمَّن معنى الحُكْمِ والحكْمَةِ، والحُكْمُ كَونيٌّ وشرعيٌّ، والحكْمَةُ في الإِيجَاد والصُّورَة والغَايَة، وهَذِهِ الأَشْيَاء الثَّلاثَة في الحكْمَةِ في الحُكْم القَدَرِيّ والحُكْم الشَّرعي، وقد تقدَّم. * * *

стр. 49

الآية (١١) ° قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]. * * * قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَسْوَأُ الْكَذِبِ عَلَى عَائِشَة ﵁ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، بِقَذْفِهَا، ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وَمسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ]. اهـ. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (أَلْ) هُنا للعَهْدِ الذِّهني؛ أي الَّذِي هو معْلُومٌ عندهم. ومفهوم قَوْلهُ: ﴿بِالْإِفْكِ﴾ [أَي: أَسْوَأُ الْكَذِبِ، كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، نعم، هَذَا أسوأ كذبٍ يَكُون؛ لما يَتَضَمَّنُه من القَدْحِ بأمهاتِ المُؤْمِنين، وبالتالي بالنَّبي ﷺ كما يتبَيَّن من الآيات في سِيَاقها. وقَوْلهُ: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعةٌ، وقَوْلهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخِطَاب للمُؤْمِنِينَ، وكونهم من المُؤْمِنِينَ يدلُّ على أنهم لم يخرجوا من الإِيمَان بِذَلِك؛ أي: بهَذَا القَذْفِ؛ لأنَّه صَدَرَ قبل أن يَتبَيَّنَ الحُكْمُ في هَذَا، وإلا فمَن قَذَفَ واحدةً من زوجاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَائِشَة أو غيرِها، فإنَّه كافرٌ مرتدٌ يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتِلَ.

стр. 50

وعَدُّهُ؛ أي: عَدُّ المُفَسِّر ﵀ عبد الله بن أُبَيٍّ من هَؤُلَاءِ العُصْبة على أساس أن عبدَ الله بن أُبَيٍّ كَانَ يتظاهرُ بالْإِسْلَام، ويتظاهر بأنه مع المُؤْمِنِينَ، ولكنَّه في الحَقيقَة منافقٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، ثم إن عبد الله بن أُبَيٍّ لم يصرح بالقَذْفِ، وإنَّما لِخُبْثِهِ يجمعه ويشيِّعه بين النَّاس بلفظٍ لَيْسَ فيه تصريحٌ، ومع هَذَا فهو الَّذِي تولى كِبْرَ هَذَا الْأَمْر، كما سيأتي. فالخِطَاب في قَوْلهُ: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ للمُؤْمِنِينَ، ولا شَكّ أن مثل حسَّان بن ثابتٍ ﵁ ومسْطَح بن أثاثَةَ وحَمْنَةَ بنتِ جَحْشٍ مُؤْمِنُونَ، وأنهم لم يخرجوا من الإِيمَان بما فعلوا؛ لأنَّه قبل تَبَيُّنِ الحُكْم. قَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لَا تَظُنُّوهُ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ غَيْر الْعُصْبَةِ ﴿شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾]. اهـ. قَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ نهى أن نظن بأن هَذَا الإفْكَ شَرٌّ لنا قبل أن نثبتَ أنَّه خيرٌ؛ لأنَّه لا شَكَّ أن المُؤْمِنِينَ، حين وقع هَذَا الإِفْكُ، أصابَهم ما أصابَهم من الأَذَى، وظنوا أن ذَلِك شَرٌّ، فأَرَادَ الله تَعَالَى أن ينتزعَ هَذَا الظَّنَّ من نفوسهم قبل أن يُبَيِّنَ حُكْمَه؛ لأَنَّ هَذَا أول ما يَنْبَغِي معالجته بالنِّسْبَةِ لِهَذَا الإِفْك، وهو انتزاع ما يظنه بعض المُؤْمِنِينَ من أن هَذَا الإِفْك شَرٌّ، وبعد ذَلِك تأتي المعالجةُ، ولذا يَقُولُونَ: إنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ؛ أي تخلية الشَّيء من القبح والتَّشويه قبل تحليتِه بالشَيْء الجميل؛ لأنك لا بُدَّ أن تزيل الأشواك أولًا قبل أن تفرش. فلهَذَا نهى الله أن نحسب هَذَا شرًّا حَتَّى يختلع ذَلِك من نفوسنا أولًا ثم تَكُون مستعدة للتحلية، ولإِثْبات ما يُثبت ويُحدَّث عنه في شأن هَذَا الإِفْك، فتبين بهَذَا أنَّه يَنْبَغِي عند معالجة الأَشْيَاء أن نزيل أولًا الأَذَى لنفتح الطَّريق أمام الخَيْر حَتَّى يَلِجَ.

стр. 51

وقَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ فيه أيضًا أنَّه يَنْبَغِي أن يبدأ بأهم شَيْء، وهو أن يُزال ما في النُّفوس من ظَنِّ أن يَكُون هَذَا الإِفْك شرًّا للنبي ﷺ ولآل أبي بكر وللمُؤْمِنِينَ عُمومًا؛ لأَنَّ حَقِيقَة الْأَمْر لو وقع هَذَا -وحاشا لله أن يقع- لكان هَذَا شرّا بالنِّسْبَةِ لآل أبي بكر وبالنِّسْبَةِ لنبيّ الله ﷺ . ولِهَذَا لا يُمْكِن للمُؤْمِيينَ حقًّا أن يَظنُّوا هَذَا الظَّن، وأجِلَّاء المُؤْمِنِينَ من الصَّحابَة أنكروا ذَلِك وقالوا: لا يُمْكِن أن يَكُون، وممن أنكره أسامة بن زيد ﵄ وغيره، أنكروا أن يَكُون هَذَا، ولكن بعض النَّاس لكثرة التَّرويج والإشاعات، وأيضًا مما ينفثُ الشَّيطان في قلوبهم، حصل منهم بعض الشَّك. والصَّحابَة المُؤْمِنُونَ انقسموا بهَذَا إلى ثلاثة أقسام: القِسْم الأوَّل: قسم حصل منه ما حصل من الانحراف في هَذَا الْأَمْر. القِسْم الثَّاني: قسمٌ منهم أنكر ذَلِك إنكارًا بالغًا وقال: هَذَا لا يُمْكِن. القسمُ الثَّالثُ: توقَّفَ وشكَّ في الْأَمْر، لكن الأجلاء من الصَّحابَة والمعظم منهم أنكروا ذَلِك، كما ذكره أهْل العِلْم. قَوْلهُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أولًا: كَيْفَ لا نحسبه شرًّا؟ نحنُ نُؤْمِن بِذَلِك لأَنَّ الله قَالَ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا﴾ وإن كَانَ الْإِنْسَان قد يظن بادئ ذي بدء أنَّه شر، وهَذَا شَيْء معْرُوف، رجل يقذف أهلك أول ما تظنه تعلم أن هَذَا شرٌّ مُوَجَّهٌ إليك، هَذَا أمر مُسلَّم به، فلمَّا قَالَ اللهُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ انتهت المشكلة هَذِه، وقُضِيَ عَلَيْها بنهي الله العليم بما سيَكُون، بأنه لَيْسَ بشَرٍّ. بقي أن يُقال: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ نحنُ نُؤْمِن بهَذَا أيضًا وأنَّه خير لنا، لكن

стр. 52

ما الخَيْر الَّذِي ظهر في هَذَا الإِفْك؟ الجواب: نقول الخَيْر الَّذِي ظهر في هَذَا الإِفْك خيرٌ لَيْسَ له نظير؛ إِذْ ظهرت براءة أم المُؤْمِنِينَ عَائِشَة ﵂ ونزاهتها ظهورًا لا يعادله شَيْء، شهد الله لها بالبراءة من فوق عرشه ﵎. ثانيًا: ظهر بِذَلِك نَقاء وطُهر فِراش النَّبِيِّ ﷺ وأنَّه لا يُمْكِن لفِراشه ﷺ أن يتدنس بهَذَا. ثالثًا: من الخَيْر، الأجر العَظِيم الَّذِي ترتب على ما أصاب المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الحادثة من الأَذَى والمشقَّة والجهد الجهيد، حَتَّى إنَّه من حِكْمَة الله أن الوَحْي انقطع شهرًا كاملًا، لم ينزل على النَّبِيّ ﷺ لأجل أن يَتَمَحَّصَ المُؤْمِنُ من المنافقِ، ولأجل أن يشتد اشتياقُ المُؤْمِنِينَ إلى بَيان الله في هَذِهِ القَضيَّة العَظِيمَة المهمَّة، ولأجل أن يَزدَاد أجرهم بهَذَا في هَذِهِ المدة. ثم إن فيه أيضًا من الخَيْر رِفْعة شأن النَّبِيِّ ﷺ ، وهَذَا فوق قولنا: نزاهة فِراشه وطهارته، لكونِ الله يدافع بنَفْسِه عنه، ثم فيه أيضًا من الخَيْر تأديبُ المُؤْمِنِينَ وعِظتهم بما يَنْبَغِي أن يَكُونوا علَيْه من عدم إطلاق القَوْل والتجريء على أعْرَاض الأعفاء، إلى غير ذَلِك مما سيتبَيَّن إِنْ شَاء اللهُ في أثناء هَذِهِ القصَّة العَظِيمَة. قَوْلهُ: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يَأْجُرُكُمْ اللهُ بِهِ، وَيُظْهِرُ بَرَاءَةَ عَائِشَة، وَمَنْ جَاءَ مَعَهَا مِنْهُ، وَهُوَ صَفْوَانُ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ ... إِلَى آخِرِهِ]. اهـ. هَذَا أيضًا من الخَيْر لصَفْوَانَ بنِ المُعَطِّلِ ﵁، لأنَّه إِذَا أنزل الله براءةَ عَائِشَة من ذَلِك، وكانَ هُوَ الَّذِي رماه المُنافِقُونَ بها، تظهر براءتُه ﵁.

стр. 53

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قَالَتْ عَائِشَة ﵂: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ بَعْدَ مَا أُنزِل الحِجَابُ". اهـ. وهَذِهِ الغزوة تسمى غزوةَ المُرَيْسِيعِ أو غزوة بَنِي المُصْطَلِقِ، ولم يبين المُفَسِّر ﵀ متى كَانَت هَذِهِ الغزوةُ، لكنَّه يتبَيَّن لنا متى كَانَت من قولها: بعد ما أُنزل الحجابُ، والحجابُ نزل سنةَ ستٍّ من الِهجْرَة، وعلى هَذَا فتكون هَذِهِ الغزوة في آخر السَّنَةِ السَّادِسَة، أو في السَّابِعَة. وأمَّا قَوْل بعض المؤرخين إنَّها في الخَامِسَة أو في الرَّابِعَة فهَذَا وَهْمٌ منهم، والصَّحيح أنَّها كَانَت في آخر السَّادِسَة؛ لأنَّها صرحت بأنَّها بعد ما أُنزل الحجاب، وأيضًا النَّبيُّ ﵊ استشار زينب في شأنها، وآية الحجاب نزلت عند زواج النَّبِيِّ ﷺ بزينب. ثم يَقُول المُفَسِّر ﵀ في سِيَاق القصَّة: [فَفَرَغَ مِنْهَا وَرَجَعَ وَدَنَا مِنَ المَدَينَةِ وَآذَنَ بِالرَّحِيلِ لَيْلَةً، فَمَشَيْتُ وَقَضَيْتُ شَأْنِي، وَأَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَإِذَا عِقْدِي انْقَطَعَ -هُوَ بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ: الْقِلَادَةُ- فَرَجَعْتُ ألتَمِسُهُ، وَحَمَلُوا هَوْدَجِي -هُوَ مَا تَرْكَبُ فِيهِ- عَلَى بَعِيري يَحْسَبُونَنِي فِيهِ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ خِفَافًا إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ -هُوَ بِضَمِّ المُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّام- مِنَ الطَّعَامِ؛ أَيِ: الْقَلِيلِ]. اهـ. تحدثتْ عَائِشَة ﵂ عن قصَّة الإفْكِ، تقول: إنَّها لما رجعَ النَّبِيُّ ﷺ من هَذِه الغزوة في ليلة من الليالي أذنَ بالرحيلِ، فذهبَتْ تقضي حاجَتَها، كشَأْنِ الْإِنْسَان إِذَا أَرَادَ أن يركبَ أو أَرَادَ أن ينامَ أو ما أشبه ذَلِك، ذهبتْ تقضي حاجَتَها؛ أي تبولُ أو تَتَغَوَّطُ، فلمَّا رجعتْ إِذَا بالعِقْد قد انقطعَ، فرجعتْ تَلْتَمِسُه، وقد ذكر المؤرِّخون

стр. 54

أن هَذَا العِقد كَانَ عاريةً عندها لأختها أَسْماء ﵂ فذهبتْ تَلْتَمِسُه؛ أي: تطلبه، فوجدت العِقد. فلمَّا رجعتْ إلى مكانها إِذَا بالقوم قد حملوا هَوْدَجَها، وما ظنوا أنَّها لَيْسَتْ فيه؛ لأنَّها كَانَت خفيفةً كما قالت ﵂: "كَانَ النِّساءُ خفافًا ما كَانَ اللحم قد بني عليهنَّ؛ لأنهنَّ إنَّما يأكلن العُلْقَةَ من الطَّعام"؛ أي: القليل. ثم إن الَّذِي حمل الهَوْدَجَ لَيْسَ رجلًا واحدًا أو اثنين حَتَّى يميزوا خفته، إنَّما حمله جماعةٌ، والعادة أن الجَماعَة لا يحسون بثِقل الشَّيء ولا يهمهم، لِذَلك حملوه على أنَّها فيه وساروا، فلمَّا رجعت ولم تجدهم عرفت أن القوم سيفقِدُونها وسيرْجِعُون إلَيْها كما هو معْرُوف، هي من ذكائِها وعقلِها لم تذهب يمينًا ولا شمالًا، لم تقل: ألحقهم وأبحث، بقيت في مكانها. ومن العجيب أنَّها من طُمَأْنِينَتِها ورَبَاطَةِ جَأْشِهَا نامت في هَذَا المكان، ولما نامت كَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطِّلِ ﵁ في أُخْرَيات القوم، وكان كثير النوم وثقيلَ النوم أيضًا، فلمَّا استيقظ لحَقَ القومَ، فلمَّا أقبل على مكانهم وجد سوادَ شخصٍ فَآوَى إلَيْه، وحصل ما حصل. ثم يَقُول المُفَسِّر ﵀ في سِيَاق القصَّة: [وَوَجَدْتُ عِقْدِي وَجِئْتُ بَعْدَمَا سَارُوا، فَجَلَسْتُ فِي المَنْزِلِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَغَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الجيش فَادَّلَجَ -هُمَا بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالدَّالِ، أَي نَزَلَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ للاسْتِرَاحَةِ- فَسَارَ مِنْهُ (أي: من مكانه) فَأَصْبَحَ فِي مَنْزِلِهِ (أي: في منزلِ الجيش) فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَان نَائِمٍ -أَي: شَخْصَهُ- فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ

стр. 55

حِينَ عَرَفَنِي -أَي: قَولهُ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ- فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي؛ أَي: غَطَّيْتُهُ بِالمُلَاءَةِ، وَاللهِ مَا كَلَّمَنِيَ بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أناخَ رَاحِلَتهُ وَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجيْشَ بَعْدَمَا نَزُلوا مُوغِرِينَ ... إِلَى آخِرِهِ]. اهـ. لما رأى صَفْوَانُ بْنُ المُعَطِّلِ ﵁ سواد الشَّخص أقبل إلَيْه، فإذا بأم المُؤْمِنِينَ عَائِشَة ﵂ نائمة ولم تُغَطِّ وجهها؛ لأنَّها لَيْسَ حولها أحد، فعرَفها ﵁، وكان قد رآها قبل الحجاب فقال: إنا لله وإنا إلَيْه راجعونَ، ثم أناخ بعيره ووطئ على ركبته حَتَّى ركبت، وذهب يقود بها حَتَّى أتى الجيش، ولم يكلِّمْها بكَلِمةٍ، وإنَّما استرجع ﵁ خوفًا مما وقع، توقَّع أمرًا فوقع؛ لأَنَّ امرأة في فلاة من الأَرْض وحدها ويأتي بها رجل متأخِّر عن الجيش وهي متأخِّرة عنه، هَذَا لا شَكَّ أنَّه بليةٌ وابتلاءٌ من الله . ولهَذَا رأى أنَّها مصيبةٌ فاسترْجَع، ولكن لعفته وتعظيمه النَّبِيّ ﷺ وتعظيمه أم المُؤْمِنِينَ ﵂ لم يكلمها ولا بكَلِمة حَتَّى لم يقل: اركبي، ولا قَالَ: ما الَّذِي خلَّفك؟ ولا قَالَ: لا بأس عَليْك، ما تكلم بكَلِمة إطلاقًا احترامًا لفِراش النَّبِيّ ﷺ . ثم يَقُول المُفَسِّر ﵀: [مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، أَي: مِنْ أَوْغَرَ وَاقِفِينَ فِي مَكَانٍ وَغرٍ مِنْ شِدَّةِ الحرِّ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِيَّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَبْدَ اللهِ ابْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ. قَوْلهَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ] (١). اهـ.

стр. 56

لما حَصَلَ الَّذِي حصلَ، وجد عبد الله بن أُبي بن سَلُولَ ونُظَرَاؤُه من المُنافِقِينَ مُتَنَفَّسًا يتنفسون منه الصُّعداء للقَدْح في النَّبِيِّ ﷺ ، فجعلوا يتكلمون: ما الَّذِي أتى به؟ ما الَّذِي خلَّفه؟ ما الَّذِي خلَّف عَائِشَة؟ ثم صاروا يجمعون الحَديث ويصوغونه ويزخرفونه حَتَّى شاع الخبر وانتشر. تَألَّمَ النَّبيُّ ﵊ ولابُدَّ أن يَتَألَّمَ، تَألَّمَ في الحَقيقَة من وجهين: أولًا: لأنَّ عَائِشَة ﵂ فِراشُه وأَحَبُّ نسائِه إلَيْه، وهو يحبها وهي تحبه. ثانيًا: أنَّها ابنةُ أَعَزِّ النَّاس إلَيْه أبي بكر الصِّديق ﵁ فكَيْفَ يقع هَذَا الْأَمْر وكَيْفَ يَكُون؟ ولذا ضاقت على النَّبِيِّ ﷺ الضَّائقة، حَتَّى إنَّه مع شدة صبره ومع فهمه لأهله ونزاهتهم وبعدهم عما رُموا به دخل علَيْه مما دخل، فصَارَ يستشير بعض أصْحابه: هل يُفارِق عَائِشَة أو لا يُفارقها؟ فمنهم من يشير علَيْه بعدم المفارقة ويقول: أهلك يا رَسُول الله لا نعلمُ إلَّا خيرًا، ومنهم من أشار علَيْه بالمفارقة لما رأى تأذيه ﷺ وقال: إنَّه إِذَا فارقها يستريح. وممن أشار بِذَلِك عليّ بن أبي طالب ﵁ ابن عم النَّبِيِّ ﵊؛ لأنَّه قريب النَّبِيِّ ﵊، فقد رأى من النَّبِيِّ ﵊ مشقَّةَّ عظِيمةً وأذىً كبيرًا فقال: لعله إِذَا طلقها يستريح ويطمئن، لكن كبار الصَّحابَة ﵃ قالوا: هَذَا أمر لا يُمْكِن، وممن أشار علَيْه بأن يمسكها ولا يطلقها أسامةُ بن زيدٍ ﵄. عَلَى كُلِّ حَالٍ بَقِيَ الْأَمْرُ هكذا في زعزعةٍ وقلق وشدة إلى تمام الشَّهر، عَائِشَة ﵂ ما كَانَت تعلم بما يقول النَّاس، ولا تدري عنه شيئًا؛ لأنَّها كَانَت مريضةً،

стр. 57

وكانت في بيت والدها، ولم تعلم إلَّا في آخر الْأَمْر؛ إِذْ خرجت تقضي حاجتها فعثرت، فقالت أُمُّ مِسْطَح: تَعِسَ مِسْطَحٌ؛ لأنَّها أيضًا لَيْسَ في قلبها إلَّا ما حصل. وإنَّما خَصَّتْ مِسْطَح بن أُثاثَةَ من بَيْنِ الَّذِينَ قالوا ما قالوا: لأنَّهُ كَانَ ابنَ خالة أبي بكر، وكان المفروضُ أنَّ مثله يُدافع عن هَذِهِ القَضيَّة لقرابته، لكن كَانَ أمر الله قَدَرًا مَقْدُورًا، فلمَّا قالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ؛ استغربت عَائِشَة ﵂ من قَوْل أم مِسْطَح، فسألت: ما الْأَمْر؟ فأخبرَتْها بالْأَمْر، وقالت: إن النَّاس يَقُولُونَ في هَذَا الْأَمْر منذ كذا وكذا، فازداد ألمها ومرضها حَتَّى جعلت تبكي ولا تنام ﵂، وحُقَّ لها أن تفعل هَذَا؛ لأَنَّ الْأَمْر عَظِيم، فجاء النَّبِيُّ ﵊ ذات يوم إلَيْهم. وتقول عَائِشَة ﵂: إنَّها أيضًا قد استنكرتْ من النَّبِيِّ ﷺ لأنَّها كَانَت تعتاد منه لِينَ الجانب والتَّحَفِّي عنها بالسُّؤال إِذَا مرضت، أما هَذِهِ المرة فلم يتحفَّ بل يَقُول: "كيْفَ تِيكم؟ " ويجلس قليلًا ثم يخرج. وفي يوم من الأيَّام جاء النَّبِيُّ ﷺ وقال: كَيْفَ تِيكم على العادة، فبينما هو جالس إِذْ نزل علَيْه الوَحْي بالفرج من الله ، وببراءة عَائِشَة ﵂، فلمَّا سُرِّيَ عنه، فإذا هو يضحك ﵊ فقال لها: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَة" فقالت: مِنْكَ أَوْ مِنَ اللهِ ؟ قَالَ: "بَلْ مِنَ اللهِ" فقالت: الحمْدُ للهِ (١). ثم انتهت قصةُ الإفْكِ، ولكن حَصَلَ ما حصلَ فيها من هَذَا البَلاء العَظيم. قَوْلهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي عَلَيْهِ ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ فِي ذَلِك]. اهـ.

стр. 58

قَوْلهُ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ أي: من هَؤُلَاءِ العصبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: عَلَيْهِ] فتكون (اللَّام) بمَعْنى (على) هَذَا ما رآه المُفَسِّر، لكن إِذَا كَانَت مضمنة معنى (على) فلماذا عُدل عنها إلى (اللَّام)؟ الجواب: لِتُفِيدَ الاستحقاقَ؛ أي: لبَيان أن هَؤُلَاءِ العُصبة الَّذِينَ ارتكبوا ما ارتكبوا مستحقون لما عليهم من الإثم. وقَوْلهُ: ﴿مَا اكْتَسَبَ﴾ في هَذَا العَدْل من الله في المُجازاة على السَّيئة، وأن الْإِنْسَان لا يحمَّلُ إلَّا ما اكتسب بلا زيادةٍ، وفيه أيضًا دَليل على أنهم لَيْسَوا مشتركين في إثم واحد في هَذِهِ المَسْأَلة، بل كُلُّ واحدٍ له إثمُه الكامل فيما اشترك فيه من هَذِهِ القَضيَّة. وقَوْلهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي تحَمَّلَ مُعْظَمَهُ، فَبَدَأَ بِالخَوْضِ فِيهِ وَأَشَاعَهُ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، هُوَ النَّارُ فِي الْآخِرَة]. اهـ. وقَوْلهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ أتى بالجُمْلَة على هَذِهِ الصِّفة للمُبالَغةِ، لم يقل: "وَلمنْ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَذَاب عَظِيم" بل قَالَ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جعلها في الحَقيقَة جملتين في جملة؛ لأَنَّ ﴿الَّذِي﴾ مُبْتَدَأ و ﴿لَهُ﴾ خبرٌ مقدمٌ و ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مُبْتَدَأ ثانٍ، فكأن الجُمْلَة صَارَت جملتين، لبَيان الأهمِّيَّة والتَّاكيد والإِشَارَة إلى أن توليه لهَذَا الشَّيء أمر عَظِيم. قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ تولى الشَّيء بمَعْنى احتفى به وأولاه عنايته. وقَوْلهُ: ﴿كِبْرَهُ﴾ أي: معظمه فكِبْر الشَّيء بمَعْنى معظمه، يعني ابتدأ به وصَارَ

стр. 59

يُغَذِّيه ويُنَمِّيه ويَذكره في المجالس ويُوغِرُ الصُّدور به، وهو عبد الله بن أُبي -لعنه الله- وهو جدير بمثل هَذِه الخِسَّة؛ لأنَّه منافقٌ بل هو رأسُ المُنافِقِينَ، وهو يتمنى أن يقع مثل هَذَا الْأَمْر ليجدَ فيه مَنْفَذًا للطعن بالنبي ﷺ وبفِراشه وبخاصة أصْحابه. وقَوْلهُ: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، معنى الْعَذَاب العُقوبة، و ﴿عَظِيمٌ﴾ أي عَظِيمٌ في قدره، وعَظِيم في نوعه وجنسه، وعَظِيم في أمده، فإنَّه -والعِيَاذ باللهِ- في الدَّرْكِ الأسفل من النَّار، ولا يوجد أحد من أهل النَّار أسفل من المُنافِقِينَ، ورأس المُنافِقِينَ في هَذِهِ الأُمَّة عبد الله بن أُبي، فيَكُون هو أسفل مَنْ في الدَّرْكِ الأسفل من النَّار؛ ولذَلك عَظُمَ عَذابه -والعِيَاذ باللهِ- في شكله ومدته وفي قدره. بقي: هل حُدَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تكلموا؟ الجواب: ما حَدَّ النَّبِيُّ ﵊ منهم إلَّا المُؤْمِنِينَ فقط، وهم: حسَّانُ بن ثابت ﵁، ومِسْطَح بن أثاثَةَ، وحَمْنَةُ بنت جَحْشٍ أختُ زينَبَ بنت جَحْشٍ زوج الرَّسُول ﷺ . وزينبُ ﵂ مع أنَّها ضَرَّةُ عَائِشَة ﵂، لما سألها النَّبِيُّ ﷺ عن عَائِشَة أَثْنَتْ عَلَيْها خيرًا، وأما أختها فهلكت فيمن هلك، فحَدَّهُم النَّبِيُّ ﵊ حَدَّ القَذْفِ ثمانين جَلْدَةً. وأمَّا المُنافِقُونَ فلم يحدهم النَّبِيُّ ﵊، رُبَّما لأَنَّ الحدَّ تطهيرٌ وكَفَّارة، والمُنافِقُونَ لَيْسَوا أهلًا للتَّطهير ولا للكَفَّارة، فعبد الله بن أُبي كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلم نفاقَه، وهَذَا تعليلٌ واضح من حيث المَعْنى، لكن من حيث الواقِع قد يَكُون غير واضح؛ لأَنَّ المُنافِقِينَ يظهرون أنهم مُسلِمونَ، فكان يَنْبَغِي أن تجري عليهم أحكامُ الإِسْلام الظَّاهِرة وتُوكَلُ سرائرُهم إلى الله .

стр. 60

وقال آخرون: لم يَحُدَّهُم النَّبِيُّ ﵊ لأنهم لم يصرحوا، ولكنهم كانوا يجمعون الحديث ويصوغونه بعبارات تعطي هَذَا المَعْنى لكن بدون تصريح. فعبد الله بن أُبي خبيثٌ وخدَّاع لم يكن يصرح، كَانَ يجمع الحَديث ويقول: ماذا تقولون في امرأةٍ خلا بها رجل وجاء يقود راحلتها، وما أشبه ذَلِك، ومن شروط إقامة حَدِّ القَذْف أن يصرح القاذِف بالزِّنَا؛ فلِذَلك لم يَحُدَّهُم النَّبِيُّ ﷺ . ويجوز أن يَكُون الرَّسُول ﵊ ترك حَدَّهُم لهَذَا أو لغيره، فقد يَكُون مثلًا ترك حَدَّ عبد الله بن أُبي؛ لأَنَّه رأس المُنافِقِينَ وكان زعيمًا في قومه، فيخشى أن يَكُون بِذَلِك فتنة كَبيرَة، وحَدُّ القَذْف على القَوْل أنَّه يجوز للآدمي إسقاطه، فإنَّه يسقط إِذَا أسقطه مَنْ هو له، لكن الَّذِي يظهر -والله أعلم- أن السَّبب في ذَلِك أن المنافق كعادته يلوذ ولا يسْتَطيع أن يصرح، فعادته الخداع في كُلِّ شَيْء، فتجدهم لا يُصرِّحونَ ولكن يحومون حول الشَّيء حَتَّى يملئُوا قلوب النَّاس منه، ولهَذَا الصَّحابَة هم الَّذِينَ صرحوا بما ظنوه وإن كَانَ ظنًّا باطلًا، فحَدَّهُم النَّبِيُّ ﷺ حَدَّ القَذْفِ. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الَّذينَ جاءوا بالإِفْك أُناسٌ من المُؤْمِنِينَ؛ لقَوْلهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ والأَصْل أن الإضافة حقيقيةٌ، ولأنهم لم يخرجوا من الإِيمَان بهَذَا الإِفْك. الفَائِدة الثَّانية: أن المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ باعتبار الظَّاهِر؛ إِذْ إنَّ من الَّذينَ جاءوا بالإِفْك منافقين، ومع ذَلِك قَالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، وجه ذَلِك أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يعامل المُنافِقِينَ بحسب ظاهر حالهم على أنهم مُسلِمونَ،

стр. 61

ولهَذَا لم يفرق بينهم وبين نسائهم ولم يقتلهم ولم يأخذ منهم الجِزْية، فهَؤُلَاءِ خرجوا من الإِيمان لكن ظاهرهم أنهم مُسلِمونَ. فإذا قُلْنا: إن الإضافة بحسب الظَّاهِر لم يتعين أن يخرجوا من الإِيمان، لكن لمَّا قُلْنا: إن المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ باعتبار الظَّاهِر. فلا يُمْكِن أن نأخذ من الآية الفائدتين معًا، إمَّا أن تُؤخذ فَائِدَة أنهم لم يخرجوا من الإِيمَان، وتُترك فَائِدَة أن المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ باعتبار الظَّاهِر، أو تُؤخذ فائدةُ أن المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ، وتُترك فائدةُ أنهم لم يخرجوا من الإِيمَان. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن قَذْف أمهاتِ المُؤْمِنِينَ كغيرهم يُوجِبُ حَدَّ القَذْفِ ولا يُوجِبُ حَدَّ الكُفر، إلَّا مَنْ قَذَفَ عَائِشَة بما رُميَتْ به، فإنَّه يكفرُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ للقرآنِ، ولهَذَا قَالَ بعض العُلَماء: إن مَنْ قَذَفَ عَائِشَة بما برَّأها الله به في الكتاب كَفَرَ، وجعلوا البقية لهنَّ حُكْمُ غيرِهنَّ؛ لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. لكن الصَّحيح أنَّه يكفر لا من أَجْلِ قَذْفِ المَرْأَة ذاتِها، لكن من أَجْلِ حَقِّ النَّبِيِّ ﵊. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن الْإِنْسَان محُاسَبٌ على ظنِّه الَّذِي يَجْزِمُ به؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾، وحَقِيقَةً لا ندري هل هم ظنُّوا أنَّه شرٌّ، أو أن الله نهاهم عن أمر مُتَوَقَّع أن يظنوه، وإن كَانَت لَيْسَت صريحةً، لكن يوجد احتمالٌ، حسبوه أو يتوقع أن يحسبوه شرًّا لهم. الفَائِدة الخَامِسَة: أن الخيْرَ قد يَكُون فيما يَتَوَقَّعُ الْإِنْسَان منه الشَّرَّ، ومنه قَوْله

стр. 62

تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ لأَنَّ قَوْلهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ عامٌّ. وكثيرٌ من الأَشْيَاء يكرهها الْإِنْسَان في أمور الدُّنْيَا، ويتبَيَّنُ له الخَيْرُ فيها، ويُمْكِن أن نعبر عن هَذَا بأنَّ على الْإِنْسَان ألَّا يأخذَ بظواهر الْأُمُورِ، بل علَيْه أن يتَأنَّى ويتأمَّلَ وينظرَ ويفكرَ، فقد يحسَب الشَّيء شرًّا وهو خيرٌ له، فتبَيَّنَ براءةُ عَائِشَة وصفوانَ، وبراءةُ فِراشِ النَّبِيِّ ﷺ ، وحصولُ الأجر العَظِيم لما حصل من الأَذَى لعَائِشَة ﵂ بل للنبي ﷺ ، بل ولآل أبي بكرٍ وللصحابة ﵃ جميعًا- لا شَكَ أنَّه من الخَيْر. الفَائِدة السَّادِسَة: أنَّ القَرَائِنَ لها تأْثِيرٌ، وأن الْإِنْسَان يحكمُ بالظَّنِّ بحسب القَرَائِنِ؛ لقَوْلهُ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، فهَذَا يدُلّ على أن القَرَائِنَ لها تأْثِيرٌ في الأَحْكام، وأن الْإِنْسَان يَجب علَيْه أن يبنيَ ظنَّه على قرائنَ. الفَائِدة السَّابِعَة: كمالُ غَيْرَةِ الله على رَسُول الله ﷺ ؛ لأنَّه جَلَّ وَعَلَا يدافعُ عن نبيه وعن فِراشِ نبيه هَذِه المُدافعة البَليغة، وهَذَا أيضًا من الخَيْر، ولهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﵊ لما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. قَالَ سعدُ بن عُبَادَةَ ﵁: كَيْفَ أجد إنسانًا على أهلي وأنتظرُ حَتَّى آتيَ بأرْبَعة شهداء، والله لَأَضْرِبَنَّهُ بالسَّيف غير مُصْفِحٍ؛ يعني بِحَدِّهِ، فقَالَ النَّبِيُّ ﵊: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي" (١).

стр. 63

الفَائِدة الثَّامِنة: أن الأَوْلَى تَصْفِيَةُ الشَّيءِ وتَنْقِيَتُه، ثم جَلْبُ الصِّفاتِ المحمودة على القاعِدَة المعْرُوفة عند أهْل العِلْم: التَّخْلِيَةُ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ، نظف المكان أولًا ثم افْرشه. الفَائِدة التَّاسِعَة: كَمالُ عَدْلِ الله -جَلَّ وَعَلَا-؛ لأنَّه لا يحمِّلُ الْإِنْسَان أكثر مما يستحقُّ، ولا يحمِّلُ أحَدًا وِزْرَ أَحَدٍ، فهَذ الآيَة دليلٌ على مسألتين: أن الْإِنْسَان يُجازى بقَدر عمله، وأنَّه لا يُجازى بذَنْب غيره؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾. الفَائِدةُ العاشرةُ: أنَّ مَصلحةَ الجَماعَةِ مُقَدَّمَة على مَصلحةِ الفَرْد، أما كون مصلَحَةِ الجَماعَةِ مُقَدَّمَةً على مصلَحَةِ الفرد، فهَذَا لا إِشْكالَ فيه، لكن هل يُستفاد هَذَا من الآيَة؟ يُمْكِن. الفَائِدة الحَادِيَة عشرةَ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يُجْزَوْنَ بالإثْمِ في الدُّنْيَا؛ لأنهم يُقامُ عليهمُ الحدُّ، أما المُنافِقُونَ فعَذابُهم في الْآخِرَة، ولا يقام عليهمُ الحدُّ؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهَذَا جعل له الإثم، والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ثَبَتَ له عَذابٌ عَظِيمٌ. الفَائِدة الثَّانية عشرة: أن زعماء الشَّرِّ يُعذَّبون أكثر من مقلِّديهم ولهَذَا قَالَ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جعله الله عَظِيمًا لأَنَّ فاتح الشَّرِّ والعِيَاذ باللهِ كُلُّ مَن عمل بشره فعلَيْه مثل وزره، كما أن فاتح الخَيْر كُلُّ مَن عَمِل بخير فله مثل أجره ولهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * * *

стр. 64

الآية (١٢) قَالَ اللهُ : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]. * * * قَوْلهُ: ﴿لَوْلَا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [هلَّا ﴿إِذْ﴾ حِينَ ﴿سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أَي: ظَنَّ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ ﴿خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ كَذِب بَيِّن] اهـ. يَقُول الشَّارِحُ: ﴿لَوْلَا﴾ بمَعْنى (هلَّا) فهي أداة تحضيض وفيها شَيْء من التَّوبِيخ حيث ظنوا أمرًا لا يَنْبَغِي أن يَكُون، والمَعْنى هلَّا إِذْ سمعتموه أي: سمعتم هَذَا الخبر الَّذِي فَشَا ولا أصلَ له. قَوْلهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. أولًا: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [فِيهِ الْتِفَات عَنْ الخِطَاب] أي: إلى الظَّاهِر، انظر ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ مقتضى السِّياق أن يُقال ظننتم بأنفسكم خيرًا لكنَّه قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فالتفت من الخِطَاب إلى الظَّاهِر يعني من ضمير الخِطَاب إلى الاسْم الظَّاهِر. وقد تقدَّم أن للالتفات فائدتين على الأقل: الأولى: التَّنْبيه، والثَّانية: يُعَيّنها السِّياق، فلا نستطيع أن نُعَيّنها ونُحددها لكن يُعَيّنها السِّياق وأمَّا التحديد فلَيْسَ دائمًا.

стр. 65

فالالْتِفات عَلَى كُلِّ حَالٍ الفَائِدة المتيقنة المعينة منه هي التَّنْبيه؛ لأَنَّ مجرى الخِطَاب إِذَا اختلف يقْتَضِي أن ينتبه الْإِنْسَان، ولهَذَا كَانَ بعض الخطباء يغير الأسلوب من خبر إلى إنشاء أو من إنشاء إلى خبر أو من استفهام إلى إِثْبات وما أشبه ذَلِك، حَتَّى في الصَّوْت والإلقاء تجده يُغير لأجل أن ينتبه النَّاس لأنهم إِذَا خوطبوا على وتيرة واحدة في الخِطَاب يُمْكِن أن يأتيهم النَّوْم لكن إِذَا تغير الأسلوب أو كَيْفِيَّة الأداء يحصل بِذَلِك الانتباه. الفَائِدة الثَّانية والثَّالِثَة: بعد فَائِدَة التَّنْبيه الإِشَارَة إلى أنهم في ظنهم هَذَا لَيْسَوا بمُؤْمِنِينَ، ولِذَلك قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾، ولم يقل ظننتم خيرًا؛ لأَنَّ المُؤْمِنِينَ لا يظنون إلَّا الخَيْر، فكان يَنْبَغِي عليهم أن يَظنُّوا هَذَا الظَّن لأنهم يَقُولُونَ: إنهم مُؤْمِنُونَ وهم مُؤْمِنُونَ حقًّا فكان يَنْبَغِي لهم أن يَظنّوا خيرًا فهم ظنوا ما ظنوا فكانوا بِذَلِك غير مُؤْمِنِينَ؛ لأنهم بظنهم هَذَا خرجوا من الإِيمَان، لكن لَيْسَ خروجًا مطلقًا إلَّا بعد نزول الآيات، إِذْ المُؤْمِنُونَ لا يظنون إلا خيرًا. قَوْلهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ لأَنَّ الواقِع أن القَضيَّة بين ذكر وأنثى، صفوان ابن معطل وعَائِشَة أم المُؤْمِنِينَ ﵂ فهي من الجنسين، فلِذَلك قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ نص على الجنسين لأَنَّ القَضيَّة أو التهمة في الجنسين جميعًا في صفوان وهو من المُؤْمِنِينَ وفي عَائِشَة وهي من المُؤْمِنات ولهَذَا قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الَّذينَ هم بمنزلة صفوان ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ اللاتي هنَّ بمنزلة عَائِشَة ﵁. قَوْلهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ هل المُراد ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يعني أنفسهم هم يعني بأعينهم أو المُراد بأنفسهم أي: بعَائِشَة وصَفْوان والنَّبيّ ﷺ وجعلهم الله أنفسًا لأَنَّ المُؤْمِنِينَ كلهم كنفس واحدة، فيَكُون المُراد بالأنفس هُنا

стр. 66

الجنس كما في قَوْلهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ كما والمُراد هو المعنَى الأَخِير، واضح أن المُراد ظنوا أي بعضهم ببعض كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: فمعنى قَوْلهُ: [ظنوا بأنفسهم] أي: بهَؤُلَاءِ المتهمين كذبًا وزورًا خيرًا لأنهم من أنفسهم يعرفونهم ويعرفون أحوالهم وهم إخوانهم في الإِيمَان، أو أن المَعْنى الَّذِي أشرنا إلَيْه وَيكُون المُراد بالأنفس أي: نفس الظان. وكَيْفَ يتنزل المَعْنى؟ الجواب: المَعْنى يظنون بأنفسهم خيرًا أي: بأن هَذَا الْأَمْر لو كَانَ أمرًا متهمين به لكانوا يعرفون أنفسهم ولا يُمْكِن أن يصدقوا بهَذَا الْأَمْر لأنهم يعرفون أنهم نزيهون منه وبريئون منه، ويظنون بأنفسهم خيرًا وبراءة. يعني كما أنكم لا تتهمون أنفسكم لو قِيلَ فيكم ذَلِك فالواجب كَذلِكَ أن تظنوا بعَائِشَة وصفوان ﵄. عَلَى كُلِّ حَالٍ المعنيان محتملان وكلاهما له وجه صحيح، فعَائِشَة وصفوان من أنفس المُؤْمِنِينَ؛ لأَنَّ المُؤْمِن مع أخيه كنفس واحدة، والَّذِي يظن بأم المُؤْمِنِينَ وصفوان خلاف ما يَنْبَغِي فكأنما ظن بنَفْسِه، يعني فَكَما أنك تعرف نفسك ولا تظن فيها مثل هَذَا الظَّن، فكَذلِكَ يَجب أن تعرف أم المُؤْمِنِينَ وصفوان فلا تظن فيهما إلَّا ما تظن بنفسك، يعني: كما أنك لا تظن بنفسك إلا خيرًا كَذلِكَ لا تظن بأم المُؤْمِنِينَ وصفوان إلا خيرًا. قَوْلهُ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على (ظن) فهي داخلة في التَّحضيض أي: أن الله تَعَالَى يَقُول: الواجب أن يَظنُّوا الخَيْر وأن يبطلوا الباطل؛

стр. 67

أي: يَجب على المُؤْمِن إبطال الباطل بقَلْبِه وبلسانه، لا يكفي أنك تعتقد أن هَذَا لَيْسَ بصحيح، بل يَجب أن تبيّن بطلان هَذَا الشَّيْء؛ لأَنَّ الَّذِي يعتقد أن هَذَا الْأَمْر غير صحيح ويسكت موقفه سلبي في الواقِع غايَة ما هنالك أنَّه برأ نفسه. لكن الواجب أن يبطل الباطل ولهَذَا قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ لا بُدَّ من ظن وقول، فلا يكفي أنك تعتقد أن ما قِيلَ في عَائِشَة وصفوان أنَّه إِفْك بل يَجب أن تقول: لأجل أن يقابل هَذَا الباطل بالإبطال، وأما أن نسكت نقول: نحنُ نبرأ إلى الله، ونقول: هَذَا لَيْسَ بصحيح أبدًا لا يكفي هَذَا، لا بُدَّ أن نظن الخَيْر ونبطل الباطل. من فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن توجيه الخِطَاب بأسلوب العتاب والحض إِذَا كَانَ في محله فهو من الرَّحمة، يعني إِذَا وجهت لشخص الخِطَاب باللوم والحض والمقام يقْتَضِي ذَلِك فهَذَا من الرَّحمة لأَنَّ الله عاتب المُؤْمِنِينَ لكونهم لا يظنون الخَيْر بالمُسْلِمِينَ. الفَائِدة الثَّانية: أن إنكار القَوْل لا يكفي أن ينكره الْإِنْسَان بقَلْبِه ويسكت، يعني لا بُدَّ أن يقابل الشَّيء بمثْلِه، فهَذَا القَوْل الَّذِي أشيع يَجب أن يُقابل بقول ضده ولا يكفي أن نقول: نحنُ لا نصدق هَذَا الشَّيء، بل يَجب أن نقول: هَذَا كذب لأنَّه قَالَ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ فلابُدَّ أن ينفي الْإِنْسَان بالْقَلْب هَذَا الظَّن ثم يدافع هَذَا القَوْل بمثْلِه. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الإنكار يَكُون بالْقَلْب واللِّسَان، لقَوْلهُ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ﴾ يعني الشَّيء الَّذِي سمعتموه.

стр. 68

الفَائِدة الرَّابِعَة: أنَّ مِنْ فَوَائِدِ الإِيمَان أن صاحبه محل للثقة وأن الإِيمَان موجب للعدالة حيث إن الله نهى أن يُظن بالمُؤْمِنِينَ إلَّا الخَيْر. الفَائِدة الخَامِسَة: أن المُؤْمِنِينَ بعضهم لبعض كالنَّفس الواحدة فهم شَيْء واحد ونفس واحدة؛ لقَوْلهُ: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فالمُراد بقَوْلهُ: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ المقذوفون أي: بعَائِشَة والنَّبيّ ﷺ وصَفْوان لأنهم مُؤْمِنُونَ، والمُؤْمِن مع المُؤْمِن كالنَّفس الواحدة. ويستدلون على ذَلِك بقول النَّبِيّ ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهِمْ وَترَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتكَى مِنْهُ عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى والسَّهَرِ" (١)، فنجعل المقذوفين هم أنفس هَؤُلَاءِ المتكلِّمين. لكن يوجد قَوْل ثانٍ في المَسْأَلَة: أن المُراد بقَوْلهُ: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ يعني إِذَا كانوا يظنون بأنفسهم خيرًا وهم يعرفون أنفسهم وطهارتهم ونزاهتهم فيَجب أن يَظنُّوا بعَائِشَة وهي فراش النَّبِيّ ﵊ وبالنَّبيّ ﷺ وهو زوجها الَّذِي لا يُمْكِن أن يدنس فراشه بمثل هَذِهِ التهمة يَجب أن يَظنُّوا خيرًا مِنْ بَابِ أَوْلَى. الفَائِدة السَّادِسَة: أن القَرَائِن لها تأْثِير وأن الْإِنْسَان يحكم بالظن بحسب القَرَائِن أي: أن الْإِنْسَان يَجب علَيْه أن يبني ظنه على قرائن، كما لقَوْلهُ: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. الفَائِدة السَّابِعَة: أن ظن السُّوء بمن يستحقه لا ينافي الإِيمَان؛ لقَوْلهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فالمُؤْمِن لَيْسَ محلًّا لسوء الظَّن، أما غيره من الفُسَّاق

стр. 69

إِذَا كَانَ محلًّا فلا بأس، فإذا دلت القَرَائِن مثلًا على أن هَذَا الرَّجل محل لسوء الظَّن فلا بأس أن نظن به بل قد يَجب على الْإِنْسَان أن يتهم الشَّخْصَ الَّذِي دلت القَرَائِن على اتهامه. الفَائِدة الثَّامِنَة: وُجوب إنزال النَّاس منازلهم؛ لقَوْلهُ: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فالمُؤْمِن يظن به الخَيْر والفاسق الَّذِي هو محل التهمة يظن به ما يليق به. الفَائِدة التَّاسِعَة: وُجوب احترام أعْرَاض المُؤْمِنِينَ وألا تعرض لما يسيء إلَيْها وما يخدش المجتمع الْإِسْلَامي لأَنَّ هَذَا الكَلام في الحَقيقَة لَيْسَ بضرر على المقْذُوف فقط لا سيَّما إِذَا كَانَ المقْذُوف له مكانة في المجتمع الْإِسْلَامي، فإن قذفه لَيْسَ عيبًا علَيْه شخصيًا بل عيبًا على الإِسْلام كله، فمثلًا إِذَا كُنَّا نتكلَّم في علماء المُسْلِمِينَ هَذَا في الحَقيقَة لَيْسَ عيبًا شخصيًا بل عيب للإِسْلام كله؛ لأننا إِذَا عبنا واجهة الإِسْلام وهم علماؤه فقد عبنا الإِسْلام كله. الفَائِدة العاشرة: بَيان كيد المُنافِقِينَ للإِسْلام وأهله واستغلالهم الفرص الَّتِي ينفذون منها إلى القَدْح في الإِسْلام والمُسْلِمِينَ وهَذَا صحيح، ولهَذَا نجد أن الله قَالَ في سورة المُنافِقِينَ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]، وهَذِهِ الجُمْلَة حسب ما تقدَّم تتضمن الحصر لأَنَّ المبتدأ والخبر كلاهما جملة اسمية، والجُمْلَة الاسْمية إِذَا كَانَ طرفاها معرفتين فإنَّها تفيد الحصر، فقَوْلهُ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ كأنه لَيْسَ هُناكَ أحد أبلغ منهم في العداوة فكأنه لا عدو سواهم، وهَذَا صحيح بلا شَكَّ، أن عداوة المُنافِقِينَ أبلغ من عداوة الكافرين؛ لأَنَّ الكافر يَقُول لك: أنا عدوك فتتحرز منه وتحاربه وتقاتله.

стр. 70

لكن هَذَا المنافق لا يُمْكِن التخلص منه؛ لأنَّه بلاء ظاهر، ولهَذِهِ الحكْمَةِ كَانَت عُقوبَة اللواط الإعدام بكلِّ حال؛ والسَّبب لأَنَّ اللواط لا يُمْكِن التحرز منه لأَنَّه ذكر مع ذكر ماذا تقول؟ تقول: لا تمشِ معه. فلمَّا كَانَ التحرز منه صعبًا كَانَت عقوبته قطع هَذِهِ الجذور من الأَرْض، وكَذلِك المغتال الَّذِي يقتل غيلة التحرز منه صعب ولذا كَانَت عقوبته الإعدام، فمن جاء على غرة وقتل آخر حَتَّى لو قَالَ أولياء المقتول: عفونا ولا نريد دية ولا قصاصًا فإنَّه يَجب قتله؛ لأَنَّ ذَلِك لا يُمْكِن التحرز منه بخلاف المتشاجر مع آخر وكل واحدٍ مستعد للآخر ويقتله، فهَذَا لا بأس، كما قَالَ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ". فعَلَى كُلِّ حَالٍ يُفرَّقُ بين الْأُمُور الَّتِي يُمْكِن التحرز منها والتي لا يُمْكِن التحرز منها. * * *

стр. 71

الآية (١٣) ° قَالَ اللهُ : ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣]. * * * مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: حماية الله للأعْرَاض حيث جعل البَيِّنَة على الزِّنَا أرْبَعة رِجال. الفَائِدة الثَّانية: أن القاذِف لا بُدَّ أن يأتي بأرْبَعة شهداء وإلا اتهم بِالكَذِب؛ لقَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فإذا لم يأتوا بأرْبَعة شهداء ثبت عليهم الحدّ؛ لقَوْلهُ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ لأنهم كاذبون في دعواهم. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن القَاضِي يحكم بالظَّاهِر؛ فإذا جاءت البَيِّنَة العادلة فلَيْسَ للقاضي أن يقولَ: يَجب أن نبحث، ويوجب أيضًا أن يتهم النَّاس أنفسهم ولا أحد يشهد إلَّا بعد استيفاء الشُّروط، هَذِهِ الفَائِدة قد تؤخذ من قَوْلهُ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فإن الإتيان بها ملزم للقاضي أن يحكم بِذَلِك بمقتضى الشَّهادة وإن كَانَ الشُّهود قد يتوهمون وقد يخطئون. وقد تؤخذ من قَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وَذلِك أن الله حكم فيهم بِالكَذِب، وإن كَانَ الواقِع قد يَكُون صادقًا في غير قَضيَّة عَائِشَة ﵂، فإذا قذف إِنْسَان

стр. 72

أحدًا ربَّما يَكُون صادقًا لكن إِذَا لم يأت بأرْبَعة شهداء فهو عند الله كاذب ولِذَلك قَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ لم يقل: فأولئك هم الكاذبون، قَالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني في حكمه وشرعه. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن النِّساء لا يقبلن في الشَّهادة في الزِّنَا، وقاس على ذَلِك أهْل العِلْم جميع الحُدُود، فلا تقبل فيها النِّساء بل لا بُدَّ من شهادة الرِّجَال، أما النِّساء فلا يقبلن. مَسْألة: ما الفَرْق بين الشَّاهد والقاذِف؟ الجواب: الَّذي يتبَيَّن لي هو أن الفَرْق بين القاذِف والشَّاهد أن القاذِف ينشر الزِّنَا على سبيل العيب والقدح؛ أي: يُرِيد القَدْح بنشر عيبه بين النَّاس، والشَّاهد يشهد به عند القَاضِي، ولا يتكلم به عند النَّاس، بل يشهد لإِثْبات الحْدّ علَيْه لا لعيبه وقدحه. ولهَذَا قَالَ الفُقَهاء ﵏: لا فرق بين أن يأتي هَؤُلَاءِ الشُّهداء الأرْبَعة إلى الحاكم جملة أو متفرِّقين، ومن قَالَ: إِذَا جاءوا متفرِّقين صاروا قَذَفَةً، يرى أن القاذِف لا فرق بينه وبين الشَّاهد يعني مثلًا: لو جاء واحدٌ في الصباح عند القَاضِي وشهد، وجاء الثَّاني في الضُّحَى، والثَّالث بعد ذَلِك، والرَّابع بعد الظُّهر، فلا فرق يعني يصح أن يحكم بشهادتهم ويثبت الحد، هَذَا ما ظهر لي، والمَسْأَلة تحتاج إلى تحقيق ونظر في كلام أهْل العِلْم في هَذَا الموضوع. لو قَالَ قَائِلٌ: هل ثبت الزِّنَا في الإِسْلام عن طريق الشَّهادة؟ الجواب: ليعلم أنَّه لم يثبت في الإِسْلام زنا بطريق الشَّهادة أبدًا والحمد لله إنَّما

стр. 73

الَّذِي ثبت في الإِسْلام بطريق الإقرار لأَنَّ الشَّهادة صعبة، الآن لو يَقُول إنسان: رأيت الرَّجل على المَرْأَة فخذه على فخذها وبطنه على بطنها ويهز عَلَيْها هَذِهِ لَيْسَت بشَهادَة حَتَّى يَقُول: إنَّه رأى ذكرهُ في فَرْجَهَا، وهَذَا صعب جدًّا. الفَائِدة الخَامِسَة: عظم الزِّنَا وحماية الله لأعْرَاض المُؤْمِنِينَ؛ لقَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فقال: ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فحصر الكَذِب فيهم؛ أي: لا أحد يكذب سوى هَؤُلَاءِ، وإن كَانَ الحصر إضافيًّا، فإنَّه يدُلّ على عظم هَذَا الْأَمْر وأنَّه لا أحدَ أكذب ممَّن رمى محصنًا بالزِّنَا. * * *

стр. 74

الآية (١٤) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤]. * * * مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الأَسْباب قد يحصل لها من المَوانِع ما يمنع تأْثِيرها، فقد يجعل الله تَعَالَى من المَوانِع ما يمنع حصول الشَّيء مع تحقق أسبابه؛ لأَنَّ الأَسْباب موجودة وهي المسُّ بعَذاب عَظِيم والمانع من هَذَا فضل الله ورحمته. الفَائِدة الثَّانية: عظم مِنة الله على المُؤْمِنِينَ حيث يتفضل عليهم ويرحمهم بدفع الْعَذَاب المستحقين له، ومِنة الله غير الفَضْل والرَّحمة؛ لأَنَّ الفَضْل والرَّحمة أثبتناهما صفتين من صِفات الله -جَلَّ وَعَلَا-، لكن مِنَّة الله على العباد شَيْء آخر. الفَائِدة الثَّالِثَة: إِثْبات أن الأَسْباب الشَّرْعِيَّة مؤثرة بنفْسِها خلافًا لمن أنكر أن السَّبب مؤثر بنَفْسِه، وقد تقدَّم أن بعض الأشَاعِرَة ينكرون أن يَكُون السَّببُ مؤثرًا بنَفْسِه حَتَّى إنهم قالوا: إن إحراق النَّار لما تحرق لَيْسَ بالنَّار وإنَّما يحصل الإحراق عنْدَه لا به. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن شِيوع المعْصِيَة بين النَّاس سبب للعُقوبَة العامَّة؛ ؛ لقَوْلهُ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 75

الفَائِدة الخَامِسَة: إِثْبات أن الجزَاء من جِنس العَمَل؛ لقَوْلهُ: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ لأَنَّ ﴿فِي﴾ للسببية. الفَائِدة السَّادِسَة: تفاضُل العُقوبَات حسب تفاضُل الأعْمَال؛ لقَوْلهُ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأَنَّ بعض العُقوبَات أَشَدّ من بعض، وأَشَدّ اسم تفضيل، والأحْسَن أن نقول: تفاوت العُقوبَات حسب تفاوت الأعْمَال. * * *
следующие страницы →