Полный текст (700 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قَالَ الزّجاج أما فتح التَّاء فِي هيت فَلِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة أصوات لَيْسَ مِنْهَا فعل يتَصَرَّف ففتحت التَّاء لسكونها وَسُكُون الْيَاء واختير الْفَتْح لِأَن قبل التَّاء يَاء كَمَا قَالُوا كَيفَ وَأَيْنَ
وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام ﴿هيت﴾ وَهِي لُغَة وَقَرَأَ ابْن كثير ﴿هيت﴾ بِفَتْح الْهَاء وَضم التَّاء وحجته قَول الشَّاعِر
لَيْسَ قومِي بالأبعدين إِذا مَا
قَالَ دَاع من الْعَشِيرَة هيت ... هم يجيبون ذَا هَلُمَّ سرَاعًا
كالأبابيل لَا يُغَادر بَيت
فَأَما الضَّم من ﴿هيت﴾ فَلِأَنَّهَا بِمَعْنى الغايات كَأَنَّهَا قَالَت دعائي لَك فَلَمَّا حذفت الْإِضَافَة وتضمنت هيت مَعْنَاهَا بنيت على الضَّم كَمَا بنيت حَيْثُ
وَقَرَأَ هِشَام / هئت / بِالْهَمْز من الْهَيْئَة كَأَنَّهَا قَالَت تهيأت لَك
﴿إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر ﴿المخلصين﴾ بِكَسْر اللَّام فِي جَمِيع الْقُرْآن أَي أَخْلصُوا دينهم وأعمالهم من الرِّيَاء وحجتهم قَوْله ﴿وَأَخْلصُوا دينهم﴾ وَقَوله ﴿مخلصا لَهُ ديني﴾ فَإِذا
стр. 282
أَخْلصُوا فهم مخلصون تَقول رجل مخلص مُؤمن فترى الْفِعْل فِي اللَّفْظ لَهُ
وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة والكوفة ﴿المخلصين﴾ بِفَتْح اللَّام أَي الله أخلصهم من الأسواء وَالْفَوَاحِش فصاروا مُخلصين وحجتهم قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدَّار﴾ فصاروا مُخلصين بإخلاص الله إيَّاهُم
﴿وقلن حاش لله﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو / وقلن حاشا لله / بِالْألف وحجته ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ يُقَال حاشاك وحاشالك وَلَيْسَ أحد من الْعَرَب يَقُول حاشك وَلَا حاش لَك
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿حاش لله﴾ وحجتهم أَنَّهَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف بِغَيْر ألف حكى أَبُو عبيد عَن الْكسَائي أَنَّهَا فِي مصحف عبد الله كَذَلِك وأصل الْكَلِمَة التبرئة وَالِاسْتِثْنَاء وَاخْتلف النحويون فِي حاشا مِنْهُم من قَالَ إِنَّه فعل وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه حرف
﴿قَالَ تزرعون سبع سِنِين دأبا﴾ ﴿وَفِيه يعصرون﴾ ٤٧ و ٤٩
قَرَأَ حَفْص ﴿سبع سِنِين دأبا﴾ بِفَتْح الْهمزَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ سَاكِنة الْهمزَة وهما لُغَتَانِ مثل النَّهر وَالنّهر والظعن والظعن وكل اسْم كَانَ ثَانِيه حرفا من حُرُوف الْحلق جَازَ حركته وإسكانه
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / وَفِيه تعصرون / بِالتَّاءِ أَي تنجون من
стр. 283
الْبلَاء وتعتصمون بِالْخصْبِ قَالَ عدي بن زيد ... لَو بِغَيْر المَاء حلقي شَرق ... كنت كالغصان بِالْمَاءِ اعتصاري ...
وَقَالَ مؤرج الْعَصْر الملجأ فعنى / تعصرون / أَي تلجؤون إِلَى الْعَصْر وحجتهما قَوْله ﴿تزرعون سبع سِنِين﴾ و ﴿تَأْكُلُونَ﴾ و ﴿مِمَّا تحصنون﴾ كَأَنَّمَا وَجه الْخطاب إِلَى المستفتين الَّذين قَالُوا أَفْتِنَا فِي كَذَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يعصرون﴾ بِالْيَاءِ أَي يعصرون الزَّيْت وَالْعِنَب وحجتهم ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ يَعْنِي النَّاس ذهب اليزيدي إِلَى أَنه لما قرب الْفِعْل من النَّاس جعله لَهُم
﴿يتبوأ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿حَيْثُ نشَاء﴾ بالنُّون الله أخبر عَن نَفسه وحجته مَا بعده وَهُوَ ﴿نصيب برحمتنا من نشَاء وَلَا نضيع﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ حَيْثُ يَشَاء أَي يُوسُف كَأَنَّهُ قَالَ يتبوأ يُوسُف
﴿وَقَالَ لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم﴾
стр. 284
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿وَقَالَ لفتيانه﴾ بِالْألف مثل جَار وجيران وتاج وتيجان والفتيان للكثير من الْعدَد وحجتهم قَوْله ﴿اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم﴾ فَكَمَا أَن الرّحال للعدد الْكثير فَكَذَلِك المتولون ذَلِك لِأَن الْجمع الْقَلِيل أرحل وَيُقَوِّي هَذِه قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَقد مر بِقوم يربعون حجرا فَقَالَ
فتيَان الله أَشد من هَؤُلَاءِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / لفتيته / جمع فَتى فِي الْعدَد الْقَلِيل مثل أَخ وإخوة وقاع وقيعة وحجتهم قَوْله جلّ وَعز ﴿إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف﴾ وَقَوله ﴿إِنَّهُم فتية آمنُوا برَبهمْ﴾ فَردُّوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ قَالَ الْكسَائي هما لُغَتَانِ مثل إخْوَان وإخوة وصبيان وصبية وغلمان
وغلمة ﴿منع منا الْكَيْل فَأرْسل مَعنا أخانا نكتل وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / أخانا يكتل / بِالْيَاءِ أَي أخونا يكتال قَالَ الْفراء من قَالَ / يكتل / بِالْيَاءِ قَالَ يُصِيبهُ كيل لنَفسِهِ فَجعل الْفِعْل لَهُ خَاصَّة لأَنهم يزدادون بِحُضُورِهِ كيل بعير وحجتهما أَنه قرب من الْفِعْل فأسند إِلَيْهِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿نكتل﴾ بالنُّون وحجتهم قَوْله ﴿منع منا الْكَيْل﴾ أَي لغيبة أخينا فَأرْسلهُ مَعنا نكتل مَا منعنَا لغيبته فَإِذا كَانَ مَعنا اكتلنا
стр. 285
نَحن وَهُوَ وَالنُّون أولى وَذَلِكَ أَنا إِذا قَرَأنَا ﴿نكتل﴾ بالنُّون جَازَ أَن يكون أخوهم دَاخِلا مَعَهم وَإِذا كَانَ / يكتل / بِالْيَاءِ لم يدخلهم فِي هَذِه الْجُمْلَة
﴿فَالله خير حَافِظًا وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿ونحفظ أخانا﴾ ٦٤ و ٦٥
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿فَالله خير حَافِظًا﴾ بِالْألف وحجتهم قَوْله جلّ وَعز حِكَايَة عَن إخْوَة يُوسُف ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ فَقَالَ يَعْقُوب حِين قَالُوا ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ ﴿فَالله خير حَافِظًا﴾ وَأُخْرَى وَهِي أَن فِي حرف عبد الله بن مَسْعُود / فَالله خير الحافظين / جمع حَافظ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / فَالله خير حفظا / وحجتهم قَوْله ﴿ونحفظ أخانا﴾ فَلَمَّا أضافوا إِلَى أنفسهم قَالَ يَعْقُوب / فَالله خير حفظا / من حفظكم الَّذِي نسبتموه إِلَى أَنفسكُم قَالَ الْفراء / حفظا / تجْعَل مَا بعد خير مصدرا وتنصب على التَّفْسِير وتضمر بعد خير اسْم المخاطبين فَكَأَن تَقْدِيره فَالله خَيركُمْ حفظا ويجرى مجْرى قَوْلك فلَان أحسن وَجها تُرِيدُ أحسن النَّاس وَجها ثمَّ تحذف الْقَوْم فَكَذَلِك خَيركُمْ حفظا ثمَّ تحذف الْكَاف وَالْمِيم
قَالَ الزّجاج / حفظا / مَنْصُوب على التَّمْيِيز و ﴿حَافِظًا﴾ مَنْصُوب
стр. 286
على الْحَال وَيجوز أَن يكون ﴿حَافِظًا﴾ على التَّمْيِيز أَيْضا
﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾
قَرَأَ أهل الْكُوفَة نرفع دَرَجَات من نشَاء بِالتَّنْوِينِ الْمَعْنى نرفع من نشَاء دَرَجَات
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿دَرَجَات﴾ بِغَيْر تَنْوِين وَقد بيّنت الْحجَّة فِي سُورَة الْأَنْعَام
﴿قَالُوا أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾
قَرَأَ ابْن كثير وورش / قَالُوا إِنَّك لأَنْت يُوسُف / بِكَسْر الْألف على الْخَبَر كَا تَقول إِنَّك فِي الدَّار
وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو / قَالُوا آنك / بالاستفهام بِهَمْزَة مُطَوَّلَة وحجتهم قَوْله ﴿أَنا يُوسُف﴾ فَإِنَّمَا أجابهم عَمَّا استفهموا عَنهُ الأَصْل أإنك بهمزتين ثمَّ أدخلُوا بَينهمَا ألفا ليبعد الْمثل عَن الْمثل ثمَّ لينوا الثَّانِيَة فَصَارَت آنك بِهَمْزَة وَاحِدَة مُطَوَّلَة
وَقَرَأَ القَاضِي عَن قالون ﴿إِنَّك﴾ بِهَمْزَة وَاحِدَة من غير مد وَإِنَّمَا لين الثَّانِيَة وَلم يدْخل بَينهمَا ألفا كَمَا فعل من تقدم ذكره
وَقَرَأَ أهل الشَّام والكوفة ﴿أئنك﴾ بهمزتين على الأَصْل وَقد
стр. 287
ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة
قَرَأَ ابْن كثير / إِنَّه من يتقى ويصبر / بِإِثْبَات الْيَاء وحجته أَن من الْعَرَب من يجْرِي المعتل مجْرى الصَّحِيح فَيَقُول زيد لم يقْضِي وَيقدر فِي الْيَاء الْحَرَكَة فيحذفها مِنْهَا فَتبقى الْيَاء سَاكِنة للجزم قَالَ الشَّاعِر ... ألم يأتك والأنباء تنمي ... بِمَا لاقت لبون بني زِيَاد ...
وَلم يقل ألم يأتك وَقَالَ آخر ... هزي إِلَيْكُم الْجذع يجنيك الجنى ...
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول يجنك الجنى لِأَنَّهُ جَوَاب الْجَزَاء وَيُقَوِّي هَذَا قِرَاءَة حَمْزَة فِي قَوْله / فَلَا تخف دركا وَلَا تخشى / وَلم يقل تخش قَالَ الْفراء ﴿تخشى﴾ فِي مَوضِع جزم لِأَن من الْعَرَب من يفعل ذَلِك قَالَ وَإِن شِئْت استأنفت ﴿وَلَا تخشى﴾ وَقَالَ
وَقَالَ نحويو الْبَصْرَة يجوز أَن يَجْعَل / من يَتَّقِي / بِمَنْزِلَة الَّذِي
стр. 288
يَتَّقِي كَمَا تَقول الَّذِي يأتيني وَتحمل الْمَعْطُوف على الْمَعْنى لِأَن من إِذا كَانَت بِمَنْزِلَة الَّذِي فَكَأَنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْجَزَاء الْجَازِم بِدلَالَة أَن كل وَاحِد يصلح دُخُول الْفَاء فِي جَوَابه فَتَقول الَّذِي يأتيني فَلهُ دِرْهَم كَمَا تَقول من يأتني فَلهُ دِرْهَم
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِنَّه من يتق﴾ بِغَيْر يَاء مَجْزُومًا بِالشّرطِ
﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى أفلم يَسِيرُوا﴾ ﴿أَفلا تعقلون﴾
قَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم ﴿نوحي إِلَيْهِم﴾ بالنُّون وَكسر الْحَاء الله يخبر عَن نَفسه لِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك﴾ فَكَذَلِك ﴿نوحي﴾ وحجته قَوْله ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يُوحى﴾ بِالْيَاءِ وَفتح الْحَاء على مَا لم يسم فَاعله وحجتهم قَوْله ﴿وأوحي إِلَى نوح﴾ وَقَوله ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَعَاصِم ﴿أَفلا تعقلون﴾ بِالتَّاءِ على الْخطاب وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وحجتهم قَوْله ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض﴾
﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا أَنهم قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا فنجي من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾
стр. 289
قَرَأَ ابْن كثير فِي رِوَايَة البزي فَلَمَّا / استايسوا مِنْهُ / / حَتَّى إِذا استايس / بِغَيْر همز وَتَقْدِيم الْألف وَالْأَصْل الْهَمْز لِأَنَّهُ من الْيَأْس وَالْعرب تَقول يئست وأيست لُغَتَانِ فَمن قَالَ استايس بِغَيْر همز فَهِيَ على لُغَة من يَقُول أَيِست نقل الْعين إِلَى مَوضِع الْفَاء فَصَارَ استعفل استأيس ثمَّ خففت الْهمزَة فَصَارَت ألفا لسكونها وانفتاح مَا قبلهَا فَصَارَت استايس وَهُوَ من الأياس
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿حَتَّى إِذا استيأس﴾ بِالْهَمْز من الْيَأْس على لُغَة من يَقُول يئست فالياء فَاء الْفِعْل والهمز عينه وَالْعرب تَقول يئس واستيأس وَعجب واستعجب وسخر واستسخر وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَة يستسخرون﴾
قَرَأَ أهل الْكُوفَة ﴿وظنوا أَنهم قد كذبُوا﴾ بِالتَّخْفِيفِ من قَوْلك كذبتك الحَدِيث أَي لم أصدقك وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله﴾ وفيهَا وَجْهَان من التَّفْسِير أَحدهمَا حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبُوا بِمَعْنى أخْلفُوا مَا وعدوه ن النَّصْر جَاءَ الرُّسُل نصرنَا فَجعل الضَّمِير فِي قَوْله ﴿ظنُّوا﴾ للْقَوْم وَجعل الظَّن مُوَافقا لَفظه مَعْنَاهُ فَإِن قيل كَيفَ يجوز أَن يحمل الضَّمِير فِي ﴿ظنُّوا﴾ على الْقَوْم وَالَّذِي تقدم ذكره الرُّسُل قيل إِن ذَلِك لَا يمْتَنع لِأَن ذكر الرُّسُل يدل على الْمُرْسل إِلَيْهِم فَلهَذَا جَازَ أَن يحمل الضَّمِير على الْمُرْسل إِلَيْهِم وَالْوَجْه الآخر حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن
стр. 290
قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبتهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من أَنهم إِن لم يُؤمنُوا بهم نزل بهم الْعَذَاب ثمَّ رد إِلَى مَا لم يسم فَاعله فَقيل إِنَّهُم كِنَايَة عَن الْقَوْم
قَرَأَ أهل الْحجاز وَالْبَصْرَة وَالشَّام ﴿كذبُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَلَقَد كذبت رسل﴾ وَقَوله ﴿فكذبوا رُسُلِي﴾ وَجعلُوا الضَّمِير فِي ظنُّوا للرسل وَالظَّن بِمَعْنى الْيَقِين وحجتهم فِي ذَلِك أَن ذكر الرُّسُل قد تقدم وَلم يتَقَدَّم ذكر الْمُرْسل إِلَيْهِم فَيجْعَل الضَّمِير لَهُم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَالْأولى أَن يَجْعَل الضَّمِير للرسل فَيكون الفعلان للرسل وَيصير كلَاما وَاحِدًا وَمعنى الْآيَة حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وظنوا أَي أيقنوا أَن قَومهمْ قد كذبوهم جَاءَهُم نصرنَا أَي جَاءَ الرُّسُل نصرنَا وَقَالَ قوم لَيْسَ الظَّن بِمَعْنى الْيَقِين بل لَفظه مَعْنَاهُ قَالُوا وَمعنى الْآيَة حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل مِمَّن كذبهمْ من قَومهمْ أَن يصدقوهم وظنت الرُّسُل بِأَن من قد آمن بهم من قَومهمْ قد كذبوهم جَاءَهُم نصر الله عِنْد ذَلِك قَالَت عَائِشَة ﵂ لم يزل الْبلَاء بالرسل حَتَّى خَافُوا أَن يكون من مَعَهم من الْمُؤمنِينَ قد كذبوهم
قَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر ﴿فنجي من نشَاء﴾ بنُون وَاحِدَة وَتَشْديد الْجِيم وَفتح الْيَاء على مَا لم يسم فَاعله وحجتهما أَن الْقِصَّة مَاضِيَة فَأتيَا ب نجي على لفظ الْمَاضِي وَيُقَوِّي هَذَا أَنه قد عطف عَلَيْهِ فعل لم يسم فَاعله وَهُوَ قَوْله ﴿وَلَا يرد بأسنا﴾ وَلَو كَانَ ننجي مُسْندًا إِلَى الْفَاعِل كَقَوْل من خَالفه لَكَانَ لَا نرد ليَكُون مثل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ
стр. 291
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / فننجي من نشَاء / بنونين وحجتهم قَوْله ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَقَوله / فننجي من نشَاء / حِكَايَة حَال الْأَمر من الْقِصَّة فِيمَا مضى كَمَا أَن قَوْله ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ إِشَارَة إِلَى الْحَاضِر والقصة مَاضِيَة لِأَنَّهُ حكى الْحَال
١٣ - سُورَة الرَّعْد
﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وابو بكر ﴿يغشى﴾ بِالتَّشْدِيدِ وحجتهم قَوْله تَعَالَى ﴿فغشاها مَا غشى﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يغشى﴾ بِالتَّخْفِيفِ وحجتهم قَوْله ﴿فأغشيناهم﴾
стр. 292
﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص ﴿وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان﴾ بِالرَّفْع وحجتهم ذكرهَا الْعَبَّاس فَقَالَ سَأَلت أَبَا عَمْرو كَيفَ لَا تقْرَأ و ﴿زرع﴾ بِالْجَرِّ قَالَ الجنات لَا تكون من زرع فَذهب أَبُو عَمْرو إِلَى أَن الزَّرْع وَمَا بعده مَرْدُود على قَوْله قطع كَأَنَّهُ قَالَ فِي الأَرْض قطع متجاورات وفيهَا جنَّات وفيهَا زرع ونخيل
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَرِّ كلهَا حملُوا الزَّرْع والنخيل على الأعناب كَأَنَّهُ قَالَ جنَّات من أعناب وَغير ذَلِك من زرع ونخيل وحجتهم فِي ذَلِك على أَن الأَرْض إِذا كَانَ فِيهَا النّخل وَالْكَرم وَالزَّرْع سميت جنَّة قَوْله ﴿جعلنَا لأَحَدهمَا جنتين من أعناب وحففناهما بِنَخْل وَجَعَلنَا بَينهمَا زرعا﴾ فَكَمَا سميت الأَرْض ذَات النّخل وَالزَّرْع جنَّة كَذَلِك يكون فِي قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿وجنات من أعناب وَزرع ونخيل﴾ أَن يكون الزَّرْع والنخيل محمولين على الأعناب
قَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد﴾ أَي يسقى الْمَذْكُور بِمَاء وَاحِد وحجتهما قَوْله ﴿وَجَعَلنَا فِيهَا جنَّات من نخيل وأعناب وفجرنا فِيهَا من الْعُيُون ليأكلوا من ثمره﴾ على معنى من ثَمَر الْمَذْكُور
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تَسْقِي﴾ بِالتَّاءِ أَي تسقى هَذِه الْأَشْيَاء بِمَاء وَاحِد قَالُوا وَلَا يكون التَّذْكِير لِأَنَّك إِن حَملته على الزَّرْع فقد
стр. 293
تركت غَيره وَإِن حَملته على الجنات مَعَ حمله على الزَّرْع فقد ذكرت الْمُؤَنَّث وحجتهم قَوْله تَعَالَى بعْدهَا ﴿ونفضل بَعْضهَا على بعض﴾ فَقَالَ ﴿بَعْضهَا﴾ فَكَمَا حمل هَذَا على التَّأْنِيث كَذَلِك يحمل ﴿تَسْقِي﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / ويفضل بَعْضهَا / بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَن الله أَي يفضل الله بَعْضهَا على بعض وحجتهما أَن ابْتِدَاء الْكَلَام جرى من أول السُّورَة بقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض وَجعل فِيهَا رواسي﴾ وَفعل وَفعل فَردُّوا قَوْله / ويفضل / على لفظ مَا تقدمه إِذْ كَانَ فِي سِيَاقه ليأتلف نظام الْكَلَام على سِيَاق وَاحِد
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ونفضل﴾ بالنُّون إِخْبَار الله عَن نَفسه وحجتهم قَوْله ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ وَقَالَ ﴿ونفصل الْآيَات﴾ بِلَفْظ الْجمع
﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد﴾
قَرَأَ ابْن عَامر / وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم إِذا كُنَّا / على الْخَبَر ﴿أئنا﴾ بهمزتين على الِاسْتِفْهَام وحجته فِي ذَلِك أَن الِاسْتِفْهَام مِنْهُم على إحيائهم بعد الْمَمَات وَلم يستفهموا فِي كَونهم تُرَابا لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم يصيرون تُرَابا وَمَا كَانُوا يُنكرُونَ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا الْبَعْث والنشور فَيجب على هَذَا أَن يكون مَوضِع الِاسْتِفْهَام فِي الْكَلِمَة الثَّانِيَة فِي قَوْله ﴿أئنا لفي خلق جَدِيد﴾ لَا الأولى
وَقَرَأَ نَافِع وَالْكسَائِيّ بالاستفهام فِي الأولى وَالثَّانِي على الْخَبَر
стр. 294
غير أَن الْكسَائي قَرَأَ بهمزتين وَنَافِع بِالْمدِّ وحجتهما فِي ذَلِك أَن الِاسْتِفْهَام إِذا دخل فِي أول الْكَلَام أحَاط بِآخِرهِ وَالَّذِي يدل على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿أئذا مَا مت لسوف أخرج حَيا﴾ وَقَوله أَيْضا ﴿أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ أَلا ترى أَنه لم يعد الِاسْتِفْهَام فِي قَوْله ﴿فهم الخالدون﴾ وَأُخْرَى لما كَانَ أحد الاستفهامين عِلّة للْآخر كَانَ الْمَعْنى فِي أَحدهمَا دون الآخر وَكَانَ الآخر عِلّة لَهُ يَقع لوُقُوعه ويرتفع بارتفاعه وَيدل عَلَيْهِ ﴿أَفَإِن مت فهم الخالدون﴾ وَلم يعد الِاسْتِفْهَام فِي ﴿فهم﴾ وَهُوَ مَوْضِعه وَكَذَلِكَ قَالَ ﴿أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم﴾ فَلم يعد الِاسْتِفْهَام مَعَ قَوْله ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾ وَهُنَاكَ معقد الِاسْتِفْهَام لِأَن معنى الْكَلَام أفهم الخالدون إِن مت وأفتنقلبون على أعقابكم إِن مَاتَ أَو قتل فالموت وَالْقَتْل عِلّة للانقلاب وَالْخُلُود وَكَذَلِكَ كَونهم تُرَابا وموتهم عِلّة لإحيائهم ورجوعهم خلقا جَدِيدا فَلَمَّا كَانَ ذَلِك كَذَلِك جعل الِاسْتِفْهَام لما هُوَ سَبَب للإحياء وَهُوَ الْمَوْت وَالتُّرَاب
وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَحَمْزَة ﴿أئذا﴾ ﴿أئنا﴾ بالاستفهام فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَمذهب ابْن كثير الْقصر وَمذهب أبي عَمْرو الْمَدّ وَمذهب عَاصِم وَحَمْزَة الهمزتان وحجتهم أَن مَوضِع الِاسْتِفْهَام فِي الْكَلِمَة الثَّانِيَة لِأَن الْمَعْنى أئنا لفي خلق جَدِيد إِذا كُنَّا تُرَابا فَإِنَّمَا كَانَ الِاسْتِفْهَام مِنْهُم عَن إحيائهم بعد الْمَمَات وَلم يستفهموا عَن كَونهم تُرَابا أُعِيد فِي مَوْضِعه الَّذِي هُوَ فَائِدَة السامعين فِي استفهامهم وَالْعرب إِذا بدؤوا بِحرف قبل الْموضع الَّذِي أَرَادوا إِيقَاعه فِيهِ أعادوه فِي مَوْضِعه وَقد نزل بذلك الْقُرْآن قَالَ الله جلّ وَعز ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخرجون﴾
стр. 295
وَإِنَّمَا مَوضِع الْفَائِدَة فِي الْكَلَام الْإِخْرَاج فَلَمَّا بُدِئَ ب أَن قبل الْإِخْرَاج أُعِيدَت مَعَ الْإِخْرَاج وَقد قيل إِن الِاسْتِفْهَام الأول رد على كَلَام مَحْذُوف كَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُم إِنَّكُم مبعوثون بعد الْمَوْت فَردُّوا الِاسْتِفْهَام وَقَالُوا ﴿أئذا كُنَّا تُرَابا﴾
﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال﴾
قَرَأَ ابْن كثير / المتعالي / بِإِثْبَات الْيَاء فِي الْوَصْل وَالْوَقْف وَهُوَ الْقيَاس وَلَيْسَ مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام من هَذَا كَمَا لَا ألف وَلَام فِيهِ من هَذَا النَّحْو نَحْو غاز وقاض قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِذا لم يكن فِي مَوضِع تَنْوِين يَعْنِي اسْم الْفَاعِل فَإِن الْبَيَان أَجود فِي الْوَقْف وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا القَاضِي لِأَنَّهَا ثَابِتَة فِي الْوَصْل يُرِيد أَن الْيَاء مَعَ الْألف وَاللَّام تثبت وَلَا تحذف كَمَا تحذف فِي اسْم الْفَاعِل إِذا لم يكن فِيهِ الْألف وَاللَّام نَحْو هَذَا قَاض فَاعْلَم فالياء مَعَ غير الْألف وَاللَّام تحذف فِي الْوَصْل وَمَعَ الْألف وَاللَّام لَا تحذف
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿المتعال﴾ بِغَيْر يَاء وحجتهم خطّ الْمُصحف بِغَيْر يَاء والمتعال متفاعل من الْعُلُوّ وَالْأَصْل متعالو فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا لِقَوْلِك الدَّاعِي والغازي وَالْأَصْل الداعو والغازو
﴿أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر / أم هَل يَسْتَوِي الظُّلُمَات /
стр. 296
بِالْيَاءِ وحجتهم فِي ذَلِك أَن تَأْنِيث ﴿الظُّلُمَات﴾ غير حَقِيقِيّ فَجَاز تذكيره مثل قَوْله ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة﴾ ذهب إِلَى الْوَعْظ كَذَلِك ذَهَبُوا فِي الظُّلُمَات إِلَى معنى الْمصدر فَيكون بِمَعْنى الإظلام والظلام وَمثله ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ يَعْنِي الصياح
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أم هَل تستوي الظُّلُمَات﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم تَأْنِيث الظُّلُمَات ذَهَبُوا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى
﴿وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار﴾ ﴿وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ﴾ بِالْيَاءِ وحجتهم أَن الْكَلَام خبر لَا خطاب فِيهِ بِدلَالَة قَوْله ﴿وَأما مَا ينفع النَّاس﴾ فَأخْبر عَنْهُم فَكَذَلِك ﴿وَمِمَّا يوقدون﴾ جرى بِلَفْظ الْخَبَر نظيرا لما أَتَى عَقِيبه من الْخَبَر
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ ردوا على المخاطبة فِي قَوْله قبلهَا قل ﴿أفاتخذتم من دونه﴾
﴿بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ وصدوا عَن السَّبِيل﴾
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وصدوا عَن السَّبِيل﴾ بِضَم الصَّاد على مَا لم يسم فَاعله وحجتهم أَن الْكَلَام أَتَى عقيب الْخَبَر من الله
стр. 297
بِلَفْظ مَا لم يسم فَاعله وَهُوَ قَوْله ﴿بل زين للَّذين كفرُوا مَكْرهمْ﴾ فَجرى الْكَلَام بعده بترك تَسْمِيَة الْفَاعِل ليأتلف الْكَلَام على نظام وَاحِد
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وصدوا عَن السَّبِيل﴾ بِفَتْح الصَّاد أسندوا الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل وحجتهم قَوْله ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ فَلَمَّا رَأَوْا الصد مُسْندًا إِلَيْهِم فِي هَذ الْآيَات كَذَلِك يكون مُسْندًا إِلَيْهِم فِي قَوْله ﴿وصدوا عَن السَّبِيل﴾
﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم و ﴿يثبت﴾ بِالتَّخْفِيفِ من أثبت يثبت إِثْبَاتًا فَهُوَ مُثبت إِذا كتب وحجتهم قَوْلهم فلَان ثَابت
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يثبت﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَي يقر الله مَا قد كتبه فيتركه على حَاله وحجتهم قَوْله ﴿وَأَشد تثبيتا﴾ وَقَالَ قوم هما لُغَتَانِ مثل وفيت وأوفيت وعظمته وأعظمته
﴿وَقد مكر الَّذين من قبلهم﴾ ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾
стр. 298
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / وَسَيعْلَمُ الْكَافِر / على التَّوْحِيد قَالَ أَبُو عَمْرو عني بِهِ أَبُو جهل وحجتهم قَوْله ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ وَقَالَ آخَرُونَ الْكَافِر وَاحِد وَالْمعْنَى جمع وَلم يرد كَافِرًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْس كَمَا تَقول أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم تُرِيدُ الْجِنْس الْمَعْنى سَيعْلَمُ كل من كفر من النَّاس
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار﴾ على الْجمع وحجتهم فِي ذَلِك أَن الْكَلَام أَتَى عقيب قَوْله ﴿وَقد مكر الَّذين من قبلهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار﴾ بِلَفْظ مَا تقدمه ليأتلف الْكَلَام على سِيَاق وَاحِد وَفِي التَّنْزِيل مَا يُقَوي هَذَا وَهُوَ قَوْله ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾
وقف ابْن كثير على ﴿هادي﴾ و / واقي / و ﴿وَإِلَى﴾ بِالْيَاءِ ووقف الْبَاقُونَ بِغَيْر يَاء وَهُوَ الْوَجْه لِأَنَّك تَقول هَذَا قَاض وهاد وواق فتحذف فِي الْوَصْل الْيَاء لسكونها والتقائها مَعَ النُّون لأَنهم استثقلوا الكسرة على الْيَاء فحذفوها فَالتقى ساكنان الْيَاء والتنوين فحذفت الْيَاء لالتقاء الساكنين مثل مَا أَنْت قَاض وَوجه قَول ابْن كثير أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْخطاب أَن بعض من يوثق بِهِ من الْعَرَب
стр. 299
يَقُول هَذَا دَاعِي فيقفون بِالْيَاءِ وَوجه ذَلِك أَنهم كَانُوا قد حذفوا الْيَاء فِي الْوَصْل لالتقائها مَعَ التَّنْوِين وَقد أَمن فِي الْوَقْف أَن يلْحق التَّنْوِين فَإِذا أَتَى التَّنْوِين الَّذِي كَانَت الْيَاء حذفت فِي الْوَصْل من أجل التقائها مَعَه فِي الْوَصْل ردَّتْ الْيَاء فَصَارَ هَذَا قَاضِي وهادي وواقي ووالي وَمن ثمَّ قَالَ الْخَلِيل فِي نِدَاء قَاض يَا قَاضِي بِإِثْبَات الْيَاء لِأَن النداء مَوضِع لَا يلْحق فِيهِ التَّنْوِين فثبتت الْيَاء فِي النداء لما أَمن من لحاق التَّنْوِين فِيهِ كَمَا ثبتَتْ مَعَ الْألف وَاللَّام لما أَمن التَّنْوِين مَعهَا فِي نَحْو الْمَعَالِي والداعي
١٤ - سُورَة إِبْرَاهِيم
﴿إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر ﴿الله الَّذِي لَهُ﴾ بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف لِأَن الَّذِي قبله رَأس آيَة
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد الله﴾ بالخفض لِأَنَّهُ بدل من ﴿الحميد﴾ وَلَا يجوز أَن يَقُول نعت للحميد وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد الظريف فَإِن قلت بالظريف زيد عَاد بَدَلا وَلم يكن نعتا
﴿ألم تَرَ أَن الله خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / ألم تَرَ أَن الله خَالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض /
стр. 300
وحجتهما أَنه إِذا قرئَ على فَاعل وأضيف دخل بِهِ معنى الْمَاضِي وَدخل فِيهِ معنى الْمَدْح يكسبه لفظ فَاعل وَمِمَّا يُقَوي ذَلِك ﴿فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَلا ترى أَن فاطرا بِمَعْنى خَالق وَكَذَلِكَ ﴿فالق الإصباح﴾ هُوَ على فَاعل دون فعل
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ نصبا وحجتهم أَن أَكثر مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن على هَذَا اللَّفْظ من قَوْله ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ ﴿خلق السَّمَاوَات بِغَيْر عمد﴾ ونظائر ذَلِك
﴿وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾
قَرَأَ حَمْزَة ﴿وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾ بِكَسْر الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ الِاخْتِيَار لالتقاء الساكنين وَالْأَصْل بمصرخيني فَذَهَبت النُّون للإضافة وأدغمت يَاء الْجمع بياء الْإِضَافَة كَمَا تَقول لدي وَعلي وَتقول مَرَرْت بمسلمين فَإِذا أضفتهم إِلَى نَفسك قلت بمسلمي وأسقطت النُّون
وَأهل النَّحْو يلحنون حَمْزَة قَالُوا وَذَلِكَ أَن يَاء الْإِضَافَة إِذا لم يكن قبلهَا سَاكن حركت إِلَى الْفَتْح تَقول هَذَا غلامي قد جَاءَ وَذَلِكَ أَن الِاسْم الْمُضمر لما كَانَ على حرف وَاحِد وَقد منع الْإِعْرَاب حرك بأخف الحركات كَمَا تَقول هُوَ قَامَ وَيجوز إسكاء الْيَاء لثقل الْيَاء الَّتِي قبلهَا كسرة فَإِذا كَانَ قبل الْيَاء سَاكن حركت إِلَى الْفَتْح لَا غير لِأَن أَصْلهَا أَن تحرّك وَلَا سَاكن قبلهَا فَإِذا كَانَ قبلهَا سَاكن صَارَت
стр. 301
حركتها لَازِمَة لالتقاء الساكنين فَتَقول ﴿وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾ وَأما حَمْزَة فَلَيْسَ لاحنا عِنْد الحذاق لِأَن الْيَاء حركتها حَرَكَة بِنَاء لَا حَرَكَة إِعْرَاب وَالْعرب تكسر لالتقاء الساكنين كَمَا تفتح
قَالَ الْجعْفِيّ سَأَلت أَبَا عَمْرو عَن قَوْله ﴿بمصرخي﴾ فَقَالَ إِنَّهَا بالخفض لحسنة
﴿وَجعلُوا لله أندادا ليضلوا عَن سَبيله﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿ليضلوا عَن سَبيله﴾ بِفَتْح الْيَاء أَي ليضلواهم أَي يصيرون هم ضلالا وحجتهم قَوْله ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله﴾ وَقد وصف بالضلال
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ليضلوا﴾ بِضَم الْيَاء أَي ليضلوا غَيرهم وحجتهم فِي وَصفهم الْكفَّار بالإضلال أَن الَّذين أخبر الله جلّ وَعز عَنْهُم بِمَا تقدم من قَوْله ﴿وَجعلُوا لله أندادا﴾ ثَبت أَنهم ضالون بجعلهم لله الأنداد وَلم يكن لإعادة الْوَصْف لَهُم بالضلال معنى لاستقرار ضلالهم بفعلهم ذَلِك عِنْد السامعين بل وَصفهم بإضلال النَّاس عَن السَّبِيل بفعلهم
стр. 302
ذَلِك وَيزِيد الْكَلَام فَائِدَة لأَنهم لم يَكُونُوا وصفوا بهَا فَكَانَ ذَلِك أبلغ فِي ذمهم مِمَّا تقدم م كفرهم وَإِذا قرئَ ليضلوا بِالْفَتْح لم يكن فِي الْكَلَام فَائِدَة غير أَنهم ضالون وَقد علم ضلالهم فِيمَا تقدم وَإِذا قرئَ ﴿ليضلوا﴾ بِضَم الْيَاء فقد وَصفهم بِأَنَّهُم ضالون لشركهم مضلون غَيرهم
﴿وَقد مكروا مَكْرهمْ وَعند الله مَكْرهمْ وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال﴾
قَرَأَ الْكسَائي ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول﴾ بِفَتْح اللَّام الأولى وَضم الثَّانِيَة اللَّام لَام التوكيد وتزول رفع بالمضارعة كَمَا تَقول إِن زيدا ليقول وَإِن فِي قَوْله ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ﴾ مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَي وَإِن مكر هَؤُلَاءِ لَو بلغ مكر ذَلِك يَعْنِي نمْرُود لم ينتفعوا بِهِ وحجته قِرَاءَة عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَابْن مَسْعُود / وَإِن كَاد مَكْرهمْ لتزول / بِالدَّال وَهَذَا دَلِيل على تَعْظِيم مَكْرهمْ
قَالَ الزّجاج ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول﴾ مَعْنَاهُ معنى حسن الْمَعْنى وَعند الله مَكْرهمْ وَإِن كَانَ مَكْرهمْ يبلغ فِي الكيد إِزَالَة الْجبَال فَإِن الله جلّ وَعز ينصر دينه ومكرهم عِنْده لَا يخفى
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول﴾ بِكَسْر اللَّام الأولى وَفتح اللَّام الْأَخِيرَة بِمَعْنى مَا وَاللَّام لَام الْجُحُود وَالْمعْنَى وَمَا كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال أَي مَا كَانَ مَكْرهمْ ليزول بِهِ أَمر النَّبِي وَأمر دين الْإِسْلَام وثبوته كثبوت الْجبَال الراسيات لِأَن
стр. 303
الله جلّ وَعز وعد نبيه صلى الله عَلَيْهِ إِظْهَار دينه على الْأَدْيَان فَقَالَ ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ وَدَلِيل هَذَا قَوْله بعْدهَا ﴿فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾ أَي لَا يخلفهم مَا وعدهم من نَصره وَإِظْهَار نبوتهم وكلمتهم وحجتهم مَا رُوِيَ عَن الْحسن أَنه قَالَ كَانَ مَكْرهمْ أوهن وأضعف من أَن تَزُول مِنْهُ الْجبَال
١٥ - سُورَة الْحجر
﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾
قَرَأَ نَافِع وَعَاصِم ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ
قَالَ الْكسَائي هما لُغَتَانِ وَالْأَصْل التَّشْدِيد لِأَنَّك لَو صغرت رب لَقلت ربيب فَرددت إِلَى أَصله فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا مَوضِع مَا فِي رُبمَا قيل فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن تكون مَا نائبة عَن اسْم منكور فِي مَوضِع جر بِمَعْنى شَيْء وَذَلِكَ كَقَوْلِه الشَّاعِر ... رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال ...
ف مَا فِي هَذَا الْبَيْت اسْم لما تقدم من عود الذّكر إِلَيْهِ من الصّفة الْمَعْنى رب شَيْء تكرههُ النُّفُوس
стр. 304
قَالَ الْبَصْرِيّ تَقْدِيره رب ود يود الَّذين كفرُوا وَالْوَجْه الآخر أَن تدخل كَافَّة نَحْو هَذِه الْآيَة وَذَلِكَ أَن إِن وَرب لَا يليهما إِلَّا الْأَسْمَاء فَإِذا وليتهما الْأَفْعَال وصلوهما ب مَا كَقَوْلِه إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء
﴿مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
قَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر / مَا تنزل / بِضَم التَّاء مَفْتُوحَة الزَّاي ﴿الْمَلَائِكَة﴾ رفع على مَا لم يسم فَاعله حجَّته قَوْله ﴿وَنزل الْمَلَائِكَة تَنْزِيلا﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿مَا ننزل﴾ بالنُّون ﴿الْمَلَائِكَة﴾ نصب يخبر الله عَن نَفسه وحجتهم قَوْله ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة﴾ فَلَمَّا كَانَت الْمَلَائِكَة مفعولين منزلين بِإِجْمَاع رد مَا اخْتلف فِيهِ إِلَى مَا أجمع عَلَيْهِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تنزل﴾ بِالتَّاءِ مَفْتُوحَة ﴿الْمَلَائِكَة﴾ رفع وحجتهم إِجْمَاعهم على قَوْله ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا﴾ ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك﴾ على أَن التَّنْزِيل مُسْند إِلَيْهِم والمعنيان يتداخلان لِأَن الله لما أنزل الْمَلَائِكَة نزلت وَإِذا نزلت الْمَلَائِكَة فبإنزال الله نزلت وتنزل
﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾
стр. 305
قَرَأَ ابْن كثير ﴿لقالوا إِنَّمَا سكرت﴾ أَي سحرت وحبست وَالْعرب تَقول سكرت الرّيح إِذا سكنت فَكَأَنَّهَا حبست فَكَأَن معنى ﴿سكرت أبصارنا﴾ لَا ينفذ نورها وَلَا تدْرك الْأَشْيَاء على حَقِيقَتهَا فَكَأَنَّهَا حبست
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿سكرت﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَي غشيت فغطيت كَذَا قَالَ أَبُو عَمْرو والغشاء الْحَبْس أَيْضا
وَقَالَ قَتَادَة سدت وحجتهم فِي التَّشْدِيد أَن الْفِعْل مُسْند إِلَّا جمَاعَة وَهُوَ قَوْله ﴿سكرت أبصارنا﴾ وَالتَّشْدِيد مَعَ الْجمع أولى
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح﴾
قَرَأَ حَمْزَة / وَأَرْسَلْنَا الرّيح لَوَاقِح / بِغَيْر ألف وجته أَن الرّيح فِي معنى جمع أَلا ترى أَنَّك تَقول قد جَاءَت الرّيح من كل مَكَان تُرِيدُ الرِّيَاح وكما تَقول ثوب أَخْلَاق قَالَ الشَّاعِر ... جَاءَ الشتَاء وقميصي أَخْلَاق ...
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿الرِّيَاح﴾ على الْجمع وحجتهم قَوْله ﴿لَوَاقِح﴾ وَلم يقل لاقحا
﴿فَبِمَ تبشرون﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿فَبِمَ تبشرون﴾ مُشَدّدَة النُّون مَكْسُورَة الأَصْل
стр. 306
تبشرونني النُّون الأولى عَلامَة الرّفْع وَالثَّانيَِة مَعَ الْيَاء فِي مَوضِع النصب وَإِنَّمَا دخلت لتمنع الْفِعْل من أَن ينكسر ثمَّ أدغم النُّون فِي النُّون وَحذف الْيَاء اجتزاء بالكسرة لِأَنَّهَا نابت عَن الْيَاء
وَقَرَأَ نَافِع ﴿تبشرون﴾ بِكَسْر النُّون مَعَ التَّخْفِيف والأل فَبِمَ تبشرونني كَمَا ذكرنَا فاستثقل النونين فَحذف إِحْدَاهمَا وَهِي الثَّانِيَة لِأَن التكرير بهَا وَقع وَلم يحذف الأولى قَالَ الشَّاعِر فِي حذف النُّون ... ترَاهُ كالثغام يعل مسكا ... يسوء الفاليات إِذا فليني ...
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فَبِمَ تبشرون﴾ بِفَتْح النُّون خَفِيفَة لم يُرِيدُوا الْإِضَافَة إِلَى النَّفس فتجتمع نونان
﴿قَالَ وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ ﴿وَمن يقنط﴾ بِكَسْر النُّون من قنط يقنط وحجتهما قَوْله ﴿من بعد مَا قَنطُوا﴾
وقرا الْبَاقُونَ بِفَتْح النُّون من قنط يقنط وَقَنطَ يقنط لُغَتَانِ وَمثله نقم ينقم ونقم ينقم
﴿إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ﴾
стр. 307
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿إِنَّا لمنجوهم﴾ خَفِيفَة من أنجى يُنجي وحجتهما قَوْله ﴿فأنجاه الله من النَّار﴾ وَالْأَصْل لمنجوونهم بواوين الأولى لَام الْفِعْل من نجا ينجو وَالثَّانيَِة وَاو الْجمع فَانْقَلَبت الأولى يَاء لانكسار الْجِيم فَصَارَت لمنجوونهم فاستثقلوا الضمة على الْيَاء فحذفت فَالتقى ساكنان فحذفوا الْيَاء وضموا الْجِيم لمجاورة الْوَاو وحذفوا النُّون للإضافة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا منجوك﴾ وَالْأَصْل منجونك
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِنَّا لمنجوهم﴾ بِالتَّشْدِيدِ من نجى يُنجي وحجتهم قَوْله ﴿ونجينا الَّذين آمنُوا﴾ وهما لُغَتَانِ مثل أكْرم وكرم
﴿إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾
قَرَأَ أَبُو بكر ﴿قَدرنَا إِنَّهَا﴾ بِالتَّخْفِيفِ من قدر يقدر وحجته قَوْله ﴿قد جعل الله لكل شَيْء قدرا﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ من قدر يقدر تَقْديرا فَكَانَ الْفِعْل على لفظ مصدره
١٦ - سُورَة النَّحْل
﴿أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا تشركون / بِالتَّاءِ وَكَذَلِكَ
стр. 308
الَّذِي بعده وحجتهما قَوْله ﴿فَلَا تستعجلوه﴾ رد الْخطاب الثَّانِي على الأول
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ على الِابْتِدَاء لَا يردون على أول الْكَلَام وَلَهُم حجتان إِحْدَاهمَا أَن سعيد بن جُبَير قَرَأَ / أَتَى أَمر الله فَلَا يستعجلوه / بِالْيَاءِ وَالثَّانيَِة أَن الله تَعَالَى أنزل الْقُرْآن على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَ مُحَمَّد تَنْزِيها لله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾
﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ﴾
قَرَأَ أَبُو بكر فِي رِوَايَة الْكسَائي ﴿تنزل﴾ بِالتَّاءِ مَضْمُومَة وَفتح الزَّاي ﴿الْمَلَائِكَة﴾ رفع على مَا لم يسم فَاعله وحجته قَوْله ﴿وَنزل الْمَلَائِكَة﴾
وَقَرَأَ روح ﴿تنزل الْمَلَائِكَة﴾ بِفَتْح التَّاء وحجته قَوْله ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا﴾
وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿ينزل الْمَلَائِكَة﴾ أَي الله ينزلها وحجتهم قَوْله ﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ وحجتهم فِي التَّخْفِيف ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر﴾
стр. 309
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وحجتهم قَوْله ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾
﴿ينْبت لكم بِهِ الزَّرْع﴾
قَرَأَ أَبُو بكر / ننبت لكم بِهِ الزَّرْع / بالنُّون الله أخبر عَن نَفسه بِلَفْظ الْمُلُوك كَمَا قَالَ ﴿نَحن قسمنا﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ أَي ينْبت الله وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّمَاء مَاء﴾
﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾
قَرَأَ ابْن عَامر ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات﴾ بِالرَّفْع فيهمَا لِأَنَّهُ لَا يصلح أَن تَقول وسخر النُّجُوم مسخرات فقطعها عَمَّا قبلهَا وَجعل ﴿والنجوم﴾ ابْتِدَاء و ﴿مسخرات﴾ خَبرا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيع ذَلِك بِالنّصب نسقا على مَا قبله فَإِن قيل فَكيف جَازَ المتصرفة المخلوقة على ﴿سخر﴾ فَإِن تِلْكَ جَاءَ ﴿مسخرات﴾ بعْدهَا هَذِه الْأَشْيَاء المنصوبة المنسوقة على ذَلِك قيل فَإِن ذَلِك لَا يمْتَنع لِأَن الْحَال تكون مُؤَكدَة كَقَوْلِه ﴿وَهُوَ الْحق مُصدقا﴾ و
стр. 310
أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي ... كفى بالنأي من أَسمَاء كَاف
وحجتهم قَوْله ﴿وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ وكما حمل هَا هُنَا على التسخير كَذَلِك فِي الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ ﴿النُّجُوم﴾ فِي قَوْله و ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم النُّجُوم﴾
﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾
قَرَأَ عَاصِم ﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله﴾ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَن الْمُشْركين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / وَالَّذين تدعون من دون الله / وحجتهم مَا تقدم وماتأخر فَمَا تقدم ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله﴾ وَمَا تَأَخّر ﴿إِلَهكُم إِلَه وَاحِد﴾
стр. 311
﴿أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تشاقون فيهم﴾
قَرَأَ نَافِع ﴿تشاقون فيهم﴾ بِكَسْر النُّون أَرَادَ تشاقونني أَي تعادونني فَحذف إِحْدَى النونين استثقالا للْجمع بَينهمَا وَحذف الْيَاء اجتزاء بالكسرة
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تشاقون﴾ بِفَتْح النُّون لَا يجعلونه مُضَافا إِلَى النَّفس وَالنُّون فِي هَذ الْقِرَاءَة عَلامَة الرّفْع وَالنُّون مَعَ الْيَاء المحذوفة فِي قِرَاءَة نَافِع فِي مَوضِع النصب
﴿الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾
قَرَأَ حَمْزَة / الَّذين يتوفاهم الْمَلَائِكَة / بِالْيَاءِ وَكَذَلِكَ الَّذِي بعده وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ
اعْلَم أَن فعل الْجَمِيع إِذا تقدم يذكر وَيُؤَنث فَإِن ذكرته أردْت جمع الْمَلَائِكَة وَإِذا أنثته أردْت جمَاعَة الْمَلَائِكَة وَحجَّة التَّاء قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة﴾
﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / إِلَّا ان يَأْتِيهم الْمَلَائِكَة / بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ قد تقدم القَوْل فِي هَذَا وَنَحْوه
﴿إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لَا يهدي من يضل﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَعَاصِم وَالْكسَائِيّ ﴿فَإِن الله لَا يهدي﴾ بِفَتْح الْيَاء
стр. 312
وَكسر الدَّال قَالَ الْكسَائي فِيهِ وَجْهَان أَن الله إِذا كتب عبدا شقيا فَإِنَّهُ لَا يهديه كَقَوْلِه ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَكَانَ مُجَاهِد ﵀ يَقُول أَرْبَعَة أَشْيَاء لَا تغير الشَّقَاء والسعادة والحياة وَالْمَوْت وَالْوَجْه الآخر أَن الله جلّ وَعز من يضل لَا يهدي أَي لَا يَهْتَدِي وَالْعرب تَقول هداه الله فهدى واهتدى لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد ف من فِي مَوضِع رفع على هَذَا الْوَجْه وعَلى القَوْل الأول نصب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فَإِن الله لَا يهدي﴾ بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال على مَا لم يسم فَاعله أَي من أضلّهُ الله لَا يهديه أحد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قيل لَهُ فَإِن الله لَا يهدي من يضل قَالَ من أضلّهُ الله لَا يهدى وحجتهم قِرَاءَة أبي / لَا هادي لمن أضلّهُ الله / مثل لَا يهان من أكْرمه الله وَمن فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهُ لم يسم فَاعله
﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾
قَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ بِالنّصب وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع
стр. 313
فالنصب على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون قَوْله ﴿فَيكون﴾ عطفا على ﴿أَن يَقُول﴾ الْمَعْنى أَن يَقُول فَيكون وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون نصبا على جَوَاب ﴿كن﴾ وَالرَّفْع على فَهُوَ يكون على معنى مَا أَرَادَ الله فَهُوَ يكون
﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم﴾
قَرَأَ حَفْص ﴿إِلَّا رجَالًا نوحي﴾ بالنُّون وَكسر الْحَاء إِخْبَار الله عَن نَفسه وحجته مَا تقدم وَهُوَ قَوْله ﴿وَمَا أرسلنَا﴾ وَفِي التَّنْزِيل ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يُوحى﴾ بِضَم الْيَاء على مَا لم يسم فَاعله وحجتهم قَوْله ﴿وأوحي إِلَى نوح﴾ و ﴿قل أُوحِي إِلَيّ﴾
﴿أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف فَإِن ربكُم لرؤوف رَحِيم أَو لم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل﴾ ٤٧ و ٤٨
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / أَو لم تروا إِلَى مَا خلق الله / بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهما قَوْله قبلهَا / فَإِن ربكُم لرؤوف رَحِيم ألم تروا /
стр. 314
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَن غيب وتوبيخا لَهُم وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو / تتفيأ ظلاله / بِالتَّاءِ وحجته أَن كل جمع خَالف الآدمين فَهُوَ مؤنث تَقول هَذِه الْمَسَاجِد وَهَذِه الظلال
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يتفيأ﴾ وحجتهم أَن الْفِعْل إِذا تقدم جَازَ التَّذْكِير مِنْهُ
﴿لَا جرم أَن لَهُم النَّار وَأَنَّهُمْ مفرطون﴾
قَرَأَ نَافِع ﴿وَأَنَّهُمْ مفرطون﴾ بِكَسْر الرَّاء أَي مسرفون مكثرون من الْمعاصِي كَمَا تَقول أفرط فلَان فِي كَذَا إِذا تجَاوز الْحَد وأسرف
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿مفرطون﴾ بِفَتْح الرَّاء أَي متروكون فِي النَّار منسيون فِيهَا كَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن جُبَير مبعدون وَعَن أبي عَمْرو معجلون مقدمون فِي الْعَذَاب
﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم﴾ بِفَتْح النُّون وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع
قَالَ الْخَلِيل سقيته كَقَوْلِك ناولته فَشرب وأسقيته جعلت لَهُ سقيا وَقَالَ الْفراء الْعَرَب تَقول كل مَا كَانَ من بطُون الْأَنْعَام وَمن مَاء السَّمَاء أَو نهر أسقيت وَفِي الْفرْقَان ﴿ونسقيه مِمَّا خلقنَا أنعاما﴾ وَتقول سقيته إِذا ناولته مَاء يشربه لَا يَقُولُونَ غَيره قَالَ الله
стр. 315
تَعَالَى ﴿وسقاهم رَبهم﴾ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع فَإِنَّهُ يُرِيد أَنا جعلنَا فِي كثرته وإدامته كالسقيا كَقَوْلِك أسقيته نَهرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأسقيناكم مَاء فراتا﴾ أَي جَعَلْنَاهُ سقيا لكم وَأما من فتح النُّون فَإِنَّهُ لما كَانَ للشفة فتح النُّون
وَقَالَ آخَرُونَ سقى وأسقى لُغَتَانِ قَالَ الشَّاعِر ... سقى قومِي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هِلَال ...
﴿اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا وَمن الشّجر وَمِمَّا يعرشون﴾
قَرَأَ ابْن عَامر وَأَبُو بكر ﴿يعرشون﴾ بِضَم الرَّاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ وهما لُغَتَانِ يُقَال عرش يعرش ويعرش
﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾
قَرَأَ أَبُو بكر / أفبنعمة الله تجحدون / بِالتَّاءِ أَي قل لَهُم يَا مُحَمَّد أفبنعمة الله أَي بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرهَا تجحدون وحجته قَوْله أول الْآيَة ﴿وَالله فضل بَعْضكُم على بعض﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يجحدون﴾ بِالْيَاءِ الله وبخهم على جحودهم وَيُقَوِّي الْيَاء قَوْله تَعَالَى بعْدهَا ﴿وبنعمة الله هم يكفرون﴾
﴿ألم يرَوا إِلَى الطير مسخرات فِي جو السَّمَاء﴾
стр. 316
قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة / ألم تروا إِلَى الطير / بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهما أَن المخاطبة لاصقة بقوله قبلهَا ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ٧٨ فَكَذَلِك / ألم تروا إِلَى الطير /
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ألم يرَوا﴾ بِالْيَاءِ وَكَانَ أَبُو عَمْرو يرد الْيَاء إِلَى قَوْله قبل آيَات ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يملك لَهُم رزقا﴾ ألم ير هَؤُلَاءِ إِلَى تسخير الطير
﴿وَجعل لكم من جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا تستخفونها يَوْم ظعنكم وَيَوْم إقامتكم﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿يَوْم ظعنكم﴾ بِفَتْح الْعين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ سَاكِنة الْعين وهما لُغَتَانِ مثل النَّهر وَالنّهر تَقول ظعن وظعنا وَحجَّة الإسكان فِي قَوْله ﴿سرا وجهرا﴾ وَالْهَاء أَحَق أَن تفتح لخفائها فَلَمَّا كَانُوا قد أَجمعُوا على إسكانها ردوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
﴿مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ ولنجزين الَّذين صَبَرُوا أجرهم﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَعَاصِم وَابْن عَامر ﴿ولنجزين﴾ بالنُّون أخبر جلّ وَعز عَن نَفسه وحجتهم إِجْمَاعهم على قَوْله فِي الْآيَة بعْدهَا ﴿ولنجزينهم﴾ بالنُّون
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / وليجزين / بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَن الله جلّ وَعز
стр. 317
وحجتهم ذكر الله قبله وَهُوَ قَوْله / وَمَا عِنْد الله بَاقٍ وليجزين / فَإِذا عطفت الْآيَة على مثلهَا كَانَ أحسن من أَن تقطع مِمَّا قبلهَا ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون﴾ بِفَتْح الْيَاء والحاء من لحد يلْحد إِذا مَال
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يلحدون﴾ بِضَم الْيَاء يُقَال ألحد يلْحد إلحادا وحجتهم قَوْله ﴿وَمن يرد فِيهِ بإلحاد بظُلْم﴾
قَالَ الْكسَائي إِن كل وَاحِد من لحدت وألحدت يَأْتِي بِمَعْنى غير معنى الآخر وَذَلِكَ أَن ألحد يلْحد مَعْنَاهُ اعْترض وَأَن لحد يلْحد مَعْنَاهُ مَال وَعدل فَلَمَّا ولي ألحد مَا يَلِي الِاعْتِرَاض الَّذِي هُوَ بِمَعْنَاهُ قَرَأَ بِأَلف فَقَالَ ﴿وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ و ﴿إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا﴾ بِمَعْنى يعترضون فِي آيَاتنَا إِذْ كَانَ من عَادَة فِي أَن تصْحَب الِاعْتِرَاض الَّذِي بِمَعْنى الْإِلْحَاد فَلَمَّا ولي الْفِعْل مَا لَيْسَ من عَادَة الِاعْتِرَاض أَن يَلِيهِ وَهُوَ إِلَى دلّ على أَن مَعْنَاهُ غير معنى الِاعْتِرَاض وَأَنه بِمَعْنى الْميل فقرأه يلحدون بِفَتْح الْيَاء إِذْ كَانَت بِمَعْنى يميلون فَحسن ذَلِك وَكَانَ ذَلِك مَشْهُورا من كَلَام الْعَرَب لحد فلَان إِلَى كَذَا إِذا مَال إِلَيْهِ
﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا﴾
стр. 318
قَرَأَ ابْن عَامر / من بَعْدَمَا فتنُوا / بِفَتْح الْفَاء وَالتَّاء جعل الْفِعْل لَهُم يُقَال فتنت الشَّيْء إِذا امتحنته وفتنت الذَّهَب إِذا امتحنته فَعرفت جيده من رديئه فَمَعْنَى الْقِرَاءَة أَنهم هجروا أوطانهم وَقد عرفُوا مَا فِي ذَلِك من الشدَّة
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فتنُوا﴾ بِضَم الْفَاء على مَا لم يسم فَاعله أَي من بَعْدَمَا فتنهم الله وحجتهم ﴿فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك﴾
﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق﴾ بِكَسْر الضَّاد وَفِي النَّمْل مثله وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح
стр. 319
قَالَ أَبُو عبيد ضيق تَخْفيف ضيق يُقَال أَمر ضيق وضيق وَالْأَصْل ضييق فيعل ثمَّ حذفوا الْيَاء فَصَارَ ضيق على وزن فيل مثل هَين وهين قَالَ الْأَخْفَش الضّيق والضيق لُغَتَانِ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الضّيق بِالْفَتْح الْغم والضيق بِالْكَسْرِ الشدَّة قوم الضّيق بِالْفَتْح مصدر والضيق اسْم ووزنه على هَذَا القَوْل فعل لم يحذف مِنْهُ شَيْء
١٧ - سُورَة سُبْحَانَ
﴿وآتينا مُوسَى الْكتاب وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل أَلا تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو / أَلا يتخذوا / بِالْيَاءِ وحجته أَن الْفِعْل قرب من الْخَبَر عَن بني إِسْرَائِيل فَجعل الْفِعْل مُسْندًا إِلَيْهِم إِذْ قَالَ ﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ الْمَعْنى جَعَلْنَاهُ هدى لبني إِسْرَائِيل لِئَلَّا يتخذوا من دوني وَكيلا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَلا تَتَّخِذُوا﴾ بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهم فِي الِانْصِرَاف إِلَى الْخطاب بعد الْغَيْبَة قَوْله ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فَالضَّمِير فِي ﴿تَتَّخِذُوا﴾ وَإِن كَانَ على لفظ الْخطاب فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْغَيْب فِي الْمَعْنى وَيجوز أَن تكون أَن بِمَعْنى أَي الَّتِي هِيَ للتفسير على هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّهُ انْصَرف الْكَلَام من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب وَيجوز أَن تكون زائده وتضمر القَوْل
стр. 320
الْمَعْنى وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل وَقُلْنَا لَهُم لَا تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا وَيجوز أَن تكون الناصبة للْفِعْل فَيكون الْمَعْنى وجعلناه هدى كَرَاهَة أَن تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا أَو بِأَن لَا تَتَّخِذُوا
﴿فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة ليسوؤوا وُجُوهكُم وليدخلوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أول مرّة وليتبروا مَا علوا تتبيرا﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص ﴿ليسوؤوا وُجُوهكُم﴾ بِالْيَاءِ على الْجمع وحجتهم ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ وَالْألف تدل على أَنَّهَا جمع وَلَو كَانَت ليسوء على وَاحِد أَو لتسوء لم يكن فِيهَا ألف وَحجَّة أُخْرَى وَهِي أَن مَا قبله وَمَا بعده جَاءَ بِلَفْظ الْجمع فَالَّذِي قبله ﴿بعثنَا عَلَيْكُم عبادا﴾ وَالَّذِي بعده ﴿وليدخلوا الْمَسْجِد﴾ ﴿وليتبروا﴾ قَوْله ﴿ليسوؤوا﴾ إِخْبَار عَن قَوْله ﴿بعثنَا عَلَيْكُم عبادا﴾ وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف الْمَعْنى فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا ليسوؤوا وُجُوهكُم أَي ليسوء الْعباد وُجُوهكُم
وَقَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ / ليسوء / بِالْيَاءِ وَفتح الْهمزَة فَاعل / ليسوء / يجوز أَن يكون أحد شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْم الله تَعَالَى أَي ليسوء الله وُجُوهكُم وَالْآخر أَن يكون الْعَذَاب أَي ليسوء الْعَذَاب وُجُوهكُم وَيجوز أَن يكون الْوَعْد وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف الْمَعْنى فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة جَاءَ ليسوء وُجُوهكُم وَمن وَجه تَأْوِيله إِلَى ليسوء الله كَانَ أَيْضا فِي الْكَلَام مَحْذُوف غير أَنه سوى
следующие страницы →