Полный текст (329 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه ثقتي وَصلى الله على سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ. وَبعد: فَهَذَا جُزْء مُشْتَمل على مَا يتَعَلَّق بأحوال مَكَّة المشرفة وَالْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَدينَة الشَّرِيفَة والقبر الشريف، وَغير ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِالْمَقْصُودِ. جمعه الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى، الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة، حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، مفتي الْأَنَام بِبَلَد الله الْأمين، مرجع الطلاب والمدرسين، قَاضِي الْقُضَاة، شيخ الْإِسْلَام، أَبُو الْبَقَاء مُحَمَّد بهاء الدّين بن الضياء الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الْقرشِي الْعمريّ الْعَدوي، جمعا مُرَتبا على بَابَيْنِ لم يسْبق إِلَيْهِ وَلَا سبر غَيره عَلَيْهِ؛ رَجَاء للثَّواب من الْملك الْوَهَّاب، وَالله الْمُنعم وَإِلَيْهِ المآب.
стр. 2
الْبَاب الأول تَارِيخ مَكَّة المشرفة وَمَا يتَعَلَّق بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَغير ذَلِك على سَبِيل الِاخْتِصَار .
стр. 3
فصل: ذكر مَا كَانَت الْكَعْبَة عَلَيْهِ فَوق المَاء قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض
اعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام، ابْتِدَاؤُهَا يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ ". وَخلق الْجبَال يَوْم الثُّلَاثَاء، وَالْمَاء وَالشَّجر يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَالسَّمَاء يَوْم الْخَمِيس، وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْمَلَائِكَة وآدَم يَوْم الْجُمُعَة، وَلذَلِك سمي يَوْم الْجُمُعَة؛ لِأَنَّهُ جمع فِيهِ خلق كل شَيْء قَالَه الشّعبِيّ حَكَاهُ الشهرستاني فِي " أَعْلَام النُّبُوَّة " لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْكسَائي فِي " بَدْء الدُّنْيَا " لَهُ: أول مَا خلق الله تَعَالَى اللَّوْح ثمَّ الْقَلَم ثمَّ المَاء. قَالَ: وكل شَيْء لَا يفتر عَن تسبيحه فِي وَقت عَن وَقت إِلَّا المَاء، وتسبيحه: اضطرابه. وَقيل: إِنَّه بَدَأَ بِخلق السَّمَوَات قبل الأَرْض يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ " وَقيل: خلق السَّمَاء دخاناً قبل الأَرْض، وفتقها سبعا بعد الأَرْض؛ لقَوْله تَعَالَى: " ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين ". قيل: إِن ظُهُور الطَّاعَة مِنْهُمَا قَامَ مقَام قَوْلهمَا. وَقيل: إِنَّه تَعَالَى خلق فيهمَا كلَاما نطق بذلك، فَنَطَقَ من الأَرْض مَوضِع الْكَعْبَة، ونطق من السَّمَاء مَا بحيالها، فَوضع الله تَعَالَى فِيهَا حرمه، قَالَه أَبُو نصر السكْسكِي. وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى اتِّصَال حُرْمَة الْبَيْت الْمَعْمُور علوياً بِحرْمَة الْبَيْت الْحَرَام سفلياً، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَقيل: خلق الله الْأَشْيَاء من يَوْم الْأَحَد إِلَى
стр. 4
يَوْم الْخَمِيس، وَخلق فِي يَوْم الْخَمِيس ثَلَاثَة أَشْيَاء: السَّمَاوَات وَالْمَلَائِكَة وَالْجنَّة، إِلَى ثَلَاث سَاعَات بقيت من يَوْم الْجُمُعَة، فخلق فِي السَّاعَة الأولى الْأَوْقَات، وَفِي الثَّانِيَة الأرزاق، وَفِي الثَّالِثَة آدم ﵇. قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي كِتَابيه " العرائس "، و " التَّفْسِير " حِين ذكر بَدْء الأَرْض: إِن الله تَعَالَى خلق جَوْهَرَة خضراء، ثمَّ نظر إِلَيْهَا بالهيبة فَصَارَت مَاء، فخلق الأَرْض من زبده، وَالسَّمَاء من بخاره، فَأول مَا ظهر على وَجه الأَرْض مَكَّة. زَاد غَيره ثمَّ الْمَدِينَة، ثمَّ بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ دحى الأَرْض مِنْهَا طبقًا وَاحِدًا، ثمَّ فتقها بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ السَّمَاء؛ لقَوْله تَعَالَى: " أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقاً ففتقناهما ". ثمَّ حمل الأَرْض على عاتق ملك، وَالْملك وَاقِف على ياقوتة خضراء، والياقوتة على سَنَام الثور، واسْمه يونان حَكَاهُ الْكسَائي، والثور على صَخْرَة خضراء، وَهِي الْمَذْكُورَة فِي سُورَة لُقْمَان والصخرة على النُّون، وَهُوَ الْحُوت، واسْمه لوثيا، وَقيل: بهموت، وَقيل: بنموت، والحوت على الْبَحْر، وَالْبَحْر على الرّيح، وَالرِّيح على الْقُدْرَة، وَهَذَا الْحُوت الَّذِي يَأْكُل أهل الْجنَّة كبده، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي سُورَة ن والقلم، وَقيل المُرَاد بِهِ: الدواة. فَهَذَا بَدْء الدُّنْيَا. وَأول من سكن الأَرْض بعد الْجِنّ آدم وَذريته إِلَى زمن نوح ﵇، ثمَّ قسم نوح الأَرْض بَين أَوْلَاده: سَام وَحَام وَيَافث: إِن الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ، اثْنَا عشر ألفا للسودان، وَثَمَانِية آلَاف للروم، وَثَلَاثَة آلَاف لفارس، وَألف للْعَرَب، وَقيل: الدُّنْيَا دِرْهَم خَمْسَة أسداسه للروم، وَحَام
стр. 5
أَبُو السودَان، وَيَافث أَبُو الرّوم وَالتّرْك ويأجوج، وسام أَبُو الْعَرَب. وَقيل: سَام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالروم، وَفَارِس وَالروم تنْسب إِلَى جدهم روم بن عيص. وَقيل: بَنو الْأَصْفَر مُلُوك الرّوم، والأصفر اسْم نتالوس بن روم أول مُلُوك الرّوم. وَقَالَ وهب بن مُنَبّه فِي كِتَابه " التيجان ": إِن إِسْحَاق ولد لَهُ يَعْقُوب وعيص، فيعقوب هُوَ إِسْرَائِيل أَبُو الأسباط، وَهُوَ بالعربي صفوة الله، وعيص هُوَ الْأَصْفَر، سمى بِهِ؛ لِأَن النيروز كَانَ عِنْدهم عيداً فحلته جدته سارة بِالذَّهَب فِي ذَلِك الْيَوْم، وَدخلت بِهِ على إخْوَته، فَقيل لَهُ: الْأَصْفَر؛ لصفرة الذَّهَب. وَقيل: إِنَّه كَانَ أسمر إِلَى الصُّفْرَة، وَهُوَ مَوْجُود فِي ذُريَّته إِلَى الْيَوْم. وَأما الْعَرَب فَمن ولد إِسْمَاعِيل؛ لِأَن ولد إِسْمَاعِيل نشأوا من عربه، وعربه من تهَامَة فنسبوا إِلَيْهَا وَقَالَ قَتَادَة: الأَرْض عشرُون ألف فَرسَخ؛ اثْنَا عشر ألفا للسند والهند، وَثَمَانِية آلَاف ليأجوج وَمَأْجُوج، وَثَلَاثَة آلَاف للروم والعجم، وَألف للْعَرَب. ومعمور الأَرْض هُوَ جُزْء من اسْتِوَاء الشَّمْس على وسط كرة الأَرْض إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط بِالْأَرْضِ، وَهُوَ المسكون الَّذِي قسمه نوح ﵇ بَين أَوْلَاده، فقسم سَام وسط الأَرْض مِنْهُ بَيت الْمُقَدّس والنيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وَذَلِكَ مَا بَين قاسيون إِلَى شَرْقي النّيل، وَمَا بَين منخر الرّيح الجنوبي إِلَى منخر الرّيح الشمالي، ولحام قسمه الرّيح النّيل إِلَى وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الرّيح الدبور، وليافث من قاسيون وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الصِّبَا. وَقيل: إِن الْعَجم من وَرَاء الْبَحْر مسيرَة اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وبلاد الرّوم مسيرَة خمس سِنِين، وبلاد منسك عَن يَمِين الدُّنْيَا مسيرَة خَمْسَة عشر سنة، وبلاد يَأْجُوج مسيرَة مائَة سنة، وَقيل: الأَرْض سِتَّة أَجزَاء خَمْسَة مِنْهَا ليأجوج وَمَأْجُوج وجزء لِلْخلقِ حَكَاهُ
стр. 6
الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ المنجمون: الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قيراطاً العامر مِنْهَا أَرْبَعَة قراريط وَكسر. وَقيل: مَا العامر فِي الخراب إِلَّا كفسطاط فِي فلاة من الأَرْض حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي درياق الْقُلُوب وَقَالَ فِي كِتَابه المدهش: الإقليم الأول: إقليم الْهِنْد، وَالثَّانِي: إقليم الْحجاز، وَالثَّالِث: إقليم مصر، وَالرَّابِع: إقليم بابل، وَالْخَامِس: إقليم الشَّام، وَالسَّادِس: إقليم بِلَاد التّرْك، وَالسَّابِع: إقليم بِلَاد الصين، كل إقليم مائَة فَرسَخ، وأوسطها إقليم بابل وَفِيه الْعرَاق الَّتِي هِيَ سرة الدُّنْيَا. والحجاز هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وتحاليفها وقراها، وَسمي حجازاً؛ لِأَنَّهُ حجز بَين السُّرَّة ونجد. وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين الشَّام والبادية وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين نجد والعور. رَجعْنَا إِلَى مَا نَحن فِيهِ عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: كَانَت الْكَعْبَة غثاء على المَاء قبل أَن يخلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِأَرْبَعِينَ سنة، وَمِنْهَا دحيت الأَرْض. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما كَانَ الْعَرْش على المَاء قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، بعث الله ريحًا هفافة فصفقت المَاء فأبرزت عَن خشفة. فِي مَوضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا قبَّة، فدحى الله الأَرْض من تحتهَا فمادت ثمَّ مادت فأوتدها بالجبال، وَكَانَ أول جبل وضع فِيهَا أَبُو قبيس فَلذَلِك سميت مَكَّة أم الْقرى. وَفِي رِوَايَة: خلق الله مَوضِع الْبَيْت قبل أَن يخلق الأَرْض بألفي سنة، وَإِن قَوَاعِده لفي الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى. وَأجْمع الْعلمَاء على أَن الْكَعْبَة أول بَيت وضع للعباد، وَاخْتلفُوا هَل هُوَ
стр. 7
أول بَيت وضع لغَيْرهَا أم لَا؟ فَقيل: كَانَت قبله بيُوت. وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه أول بَيت وضع مُطلقًا. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْبَيْت الْمَعْمُور الَّذِي فِي السَّمَاء يُقَال لَهُ: الضراح، وَهُوَ على الْبَيْت الْحَرَام لَو سقط سقط عَلَيْهِ يعمره كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لم يروه قطّ، وَإِن فِي السَّمَاء السَّابِعَة حرما على قدر حرمه ". رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَفِي رِوَايَة " يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف دحْيَة مَعَ كل دحْيَة سَبْعُونَ ألف ملك ". والدحية: رَئِيس الْجند، والضراح بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا رَاء ثمَّ ألف حاء ثمَّ حاء مُهْملَة، وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَيْت الْمَعْمُور يَعْنِي بالضاد هُوَ الضريح بِالْمُعْجَمَةِ، والضريح فِي اللُّغَة الْبعيد. وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " هَذَا الْبَيْت خَامِس خَمْسَة عشر بَيْتا، سَبْعَة مِنْهَا فِي السَّمَاء إِلَى الْعَرْش، وَسَبْعَة مِنْهَا إِلَى تخوم الأَرْض، وأعلاها الَّذِي يَلِي الْعَرْش الْبَيْت الْمَعْمُور، لكل بَيت مِنْهَا حرم كحرم هَذَا الْبَيْت، لَو سقط مِنْهَا بَيت لسقط بَعْضهَا إِلَى تخوم الأَرْض السُّفْلى، وَلكُل بَيت من أهل السَّمَاء وَمن أهل الأَرْض من يعمره، كَمَا يعمر هَذَا الْبَيْت ".
فصل: ذكر بِنَاء الْمَلَائِكَة الْكَعْبَة قبل آدم ومبتدأ الطّواف
عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ وَقد سُئِلَ عَن بَدْء الطّواف
стр. 8
بِالْبَيْتِ: إِن الله تَعَالَى قَالَ: " إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة ". قَالَت الْمَلَائِكَة: أَي رب أخليفة من غَيرنَا مِمَّن يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء، فَغَضب عَلَيْهِم فلاذوا بالعرش وَرفعُوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يَتَضَرَّعُونَ ويبكون إشفاقاً لغضبه، فطافوا بالعرش ثَلَاث سَاعَات. وَفِي رِوَايَة: سَبْعَة أطواف يسترضون رَبهم فَرضِي عَنْهُم، وَقَالَ لَهُم: ابْنُوا لي فِي الأَرْض بَيْتا يعوذ بِهِ كل من سخطت عَلَيْهِ من خلقي فيطوف حوله كَمَا فَعلْتُمْ بعرشي فَأغْفِر لَهُ كَمَا غفرت لكم فبنوا الْبَيْت ". ويروى: أَن الله تَعَالَى بعث مَلَائِكَة، فَقَالَ: ابْنُوا لي بَيْتا على مِثَال الْبَيْت الْمَعْمُور وَقدره فَفَعَلُوا، وَأمر الله أَن يُطَاف بِهِ كَمَا يُطَاف بِالْبَيْتِ الْمَعْمُور. وَإِن هَذَا كَانَ قبل خلق آدم ﵇، وَقبل خلق الأَرْض بألفي عَام، وَإِن الأَرْض دحيت من تَحْتَهُ، وَلذَلِك سميت مَكَّة أم الْقرى أَي أصل الْقرى. ويروى: أَنه كَانَ قبل هبوط آدم ياقوتة من يَوَاقِيت الْجنَّة، وَكَانَ لَهُ بَابَانِ من زمرد أَخْضَر شَرْقي وَغَرْبِيٌّ وَفِيه قناديل من قناديل الْجنَّة.
فصل: ذكر هبوط آدم ﵇ إِلَى الأَرْض وبنائه الْكَعْبَة وحجه وطوافه بِالْبَيْتِ
عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أهبط آدم إِلَى الأَرْض كَانَ رَأسه فِي السَّمَاء وَرجلَاهُ فِي الأَرْض وَهُوَ مثل الْفلك من رعدته. قَالَ: فطأطأ الله مِنْهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا، فَقَالَ: يَا رب مَا لي لَا أسمع أصوات الْمَلَائِكَة وَلَا حسهم قَالَ: خطيئتك يَا آدم، وَلَكِن اذْهَبْ فَابْن لي بَيْتا فَطُفْ بِهِ، واذكرني حوله كنحو مَا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تصنع حول عَرْشِي. قَالَ: فَأقبل آدم يتخطى فطويت لَهُ الأَرْض وَصَارَت كل مفازة يمر بهَا خطْوَة، وقيض لَهُ مَا كَانَ من مَخَاض أَو بَحر فَجعل لَهُ خطْوَة وَفِي رِوَايَة: أَن خطوه مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم تقع قدمه فِي شَيْء من الأَرْض إِلَّا صَار عمراناً وبركة حَتَّى انْتهى إِلَى مَكَّة فَبنى الْبَيْت الْحَرَام، وَأَن جِبْرِيل ﵇ ضرب بجناحه الأَرْض فأبرز عَن أس ثَابت فِي الأَرْض السُّفْلى فَقَذَفْتُ فِيهِ الْمَلَائِكَة الصخر " مَا يُطيق " الصَّخْرَة مِنْهَا ثَلَاثُونَ رجلا، وبناه من
стр. 9
خَمْسَة أجبل من: لبنان وطور زيتاً وطور سيناء والجودي وحراء حَتَّى اسْتَوَى على وَجه الأَرْض. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَكَانَ أول من أسس الْبَيْت وَصلى فِيهِ وَطَاف بِهِ أَدَم ﵇ حَتَّى بعث الله الطوفان، وَكَانَ غَضبا ورجساً فَحَيْثُ مَا انْتهى الطوفان ذهب ريح آدم، وَلم يقرب الطوفان أَرض السَّنَد والهند. قَالَ: فدرس مَوضِع الْبَيْت فِي الطوفان حَتَّى بعث الله تَعَالَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل فرفعا قَوَاعِده وأعلامه، وبنته قُرَيْش بعد ذَلِك. ويروى أَنه لما هَبَط إِلَى الأَرْض بِأَرْض الْهِنْد وَاشْتَدَّ بكاؤه وحزنه وَتَابَ الله عَلَيْهِ أَمر بالسير إِلَى مَكَّة حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا، فَعَزاهُ الله بخيمة من خيام الْجنَّة ووضعها لَهُ مَوضِع الْكَعْبَة، وَتلك الْخَيْمَة ياقوتة حَمْرَاء من يَوَاقِيت الْجنَّة، فِيهَا ثَلَاث قناديل من ذهب من تبر الْجنَّة، فِيهَا نور يلتهب من نور الْجنَّة، وَنزل مَعَه الرُّكْن ياقوتة بَيْضَاء من ربض الْجنَّة وَكَانَ كرسياً لآدَم ﵇ يجلس عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَار آدم بِمَكَّة حرسه الله وحرس لَهُ تِلْكَ الْخَيْمَة بِالْمَلَائِكَةِ، كَانُوا يحرسونها ويذودون عَنْهَا سَاكِني الأَرْض، وسكانها يَوْمئِذٍ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَلَا يَنْبَغِي لَهُم أَن ينْظرُوا إِلَى شَيْء من الْجنَّة؛ لِأَنَّهُ من نظر إِلَى شَيْء من الْجنَّة وَجَبت لَهُ، وَالْأَرْض يَوْمئِذٍ طَاهِرَة نقية لم تنجس وَلم تسفك فِيهَا الدِّمَاء وَلم يعْمل فِيهَا الْخَطَايَا، فَلذَلِك جعلهَا الله مسكن الْمَلَائِكَة وجعلهم فِيهَا كَمَا كَانُوا فِي السَّمَاء يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون، وَكَانَ وقوفهم فِي أَعْلَام الْحرم صفا وَاحِدًا مستديرين بِالْحرم كُله، الْحل من خَلفهم وَالْحرم كُله من أمامهم فَلَا يجوز بهم جني وَلَا شَيْطَان، فَمن أجل مقَام الْمَلَائِكَة حرم الْحرم حَتَّى الْيَوْم وَوضعت أَعْلَامه حَيْثُ كَانَ مقَام الْمَلَائِكَة، وَحرم الله على حَوَّاء دُخُول الْحرم وَالنَّظَر إِلَى خيمة آدم من أجل خطيئتها فَلم تنظر إِلَيْهَا حَتَّى قبضت، وَكَانَ آدم إِذا أَرَادَ أَن يلم بَقَاء للْوَلَد خرج من الْحرم كُله حَتَّى يلقاها، فَلم تزل خيمة آدم مَكَانهَا حَتَّى قَبضه الله ورفعها، وَبنى بَنو آدم من بعْدهَا مَكَانهَا بَيْتا بالطين وَالْحِجَارَة فَلم يزل معموراً يعمرونه وَمن بعدهمْ حَتَّى كَانَ زمن نوح فنسفه الْغَرق وخفى مَكَانَهُ، فَلَمَّا بعث الله إِبْرَاهِيم طلب الأساس فَلَمَّا وصل
стр. 10
إِلَيْهِ ظلل الله مَكَان الْبَيْت بغمامة فَكَانَت حفاف الْبَيْت الأول، وَلم تزل راكدة على حفافه تظل إِبْرَاهِيم وتهديه مَكَان الْبَيْت حَتَّى رفع الْقَوَاعِد قامة ثمَّ انكشفت الغمامة. ويروى أَنه لما أهبطه الله إِلَى الأَرْض أهبطه إِلَى مَوضِع الْبَيْت الْحَرَام واشتاق إِلَى الْجنَّة فَأنْزل الله عَلَيْهِ الْحجر الْأسود وَهُوَ ياقوتة من يَوَاقِيت الْجنَّة فَأَخذه آدم فضمه إِلَيْهِ استئناساً بِهِ، فَقيل لَهُ: تخطى يَا آدم فتخطا فَإِذا هُوَ بِأَرْض الْهِنْد فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ استوحش إِلَى الرُّكْن، فَقيل لَهُ: احجج فحج فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فَقَالُوا: بر حجك يَا آدم فقد حجَجنَا هَذَا الْبَيْت قبلك بألفي عَام. وَذكر الْأَزْرَقِيّ أَن الْمَلَائِكَة لَقيته بالمأزمين وَفِي رِوَايَة بالردم، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الطّواف ويروى: أَنه أَقَامَ بِمَكَّة يعبد الله عِنْد الْبَيْت فَلم تزل دَاره حَتَّى قَبضه الله بهَا ويروى: أَن الله تَعَالَى أنزل الْبَيْت الْحَرَام ياقوتة مجوفة مَعَ آدم فَقيل لَهُ: إِن هَذَا بَيْتِي أنزلته مَعَك يُطَاف حوله كَمَا يُطَاف حول عَرْشِي، وَنزلت مَعَه الْمَلَائِكَة فَرفعُوا قَوَاعِده من حِجَارَة فَوضع الْبَيْت عَلَيْهِ فَلَمَّا أغرق الله قوم نوح رَفعه إِلَى السَّمَاء وَبقيت قَوَاعِده. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ آدم أول من أسس الْبَيْت وَصلى فِيهِ. وَعنهُ قَالَ: حج آدم فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فِي الطّواف، فَقَالُوا: بر حجك يَا آدم أما إِنَّا قد حجَجنَا قبلك هَذَا الْبَيْت بألفي عَام. قَالَ: فَمَا كُنْتُم تَقولُونَ فِي الطّواف؟ قَالُوا: كُنَّا نقُول: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر. قَالَ آدم: فزيدوا فِيهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. فزادت فِيهَا ذَلِك، ثمَّ حج إِبْرَاهِيم بعد بنائِهِ الْبَيْت فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فِي الطّواف فَسَلمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُم إِبْرَاهِيم: مَاذَا كُنْتُم تَقولُونَ فِي طوافكم؟ قَالُوا: كُنَّا نقُول قبل أَبِيك آدم: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر. فَقَالَ آدم: زيدوا فِيهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
стр. 11
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: زيدوا فِيهَا الْعلي الْعَظِيم فَفعلت الْمَلَائِكَة ذَلِك. وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: إِن آدم ﵇ لما أهبط إِلَى الأَرْض استوحش لما رأى من شعثها، وَلم ير فِيهَا أحدا غَيره، فَقَالَ: يَا رب أما لأرضك هَذِه عَامر يسبحك فِيهَا ويقدس لَك غَيْرِي. قَالَ: سأجعل فِيهَا من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فِيهَا بُيُوتًا ترفع لذكري ويسبحني فِيهَا خلقي، وسأبوئك فِيهَا بَيْتا أختاره لنَفْسي وأختصه بكرامتي وأوثره على بيُوت الأَرْض كلهَا، باسمي فأسميه بَيْتِي وأنطقه بعظمتي وأحوزه بحرماتي وأجعله أَحَق بيُوت الأَرْض كلهَا وأولاها بذكري، وأضعها فِي الْبقْعَة الَّتِي اخْتَرْت لنَفْسي فَإِنِّي اخْتَرْت مَكَانَهُ يَوْم خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَقبل ذَلِك قد كَانَ بغيتي، فَهُوَ صفوتي من الْبيُوت وَلست أسْكنهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لي أَن أسكن الْبيُوت وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تسعني، وَلَكِنِّي على كرْسِي الْكِبْرِيَاء والجبروت وَهُوَ الَّذِي يسْتَقلّ بعرشي وَعَلِيهِ وضعت عظمتي، ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك ضَعِيف عني لَوْلَا قوتي، أجعَل ذَلِك الْبَيْت لَك وَلمن بعْدك حرما وَأمنا، أحرم بحرماته مَا فَوْقه وَمَا تَحْتَهُ، فَمن حرمه بحرماتي فقد عظم حرماتي، وَمن أحله فقد أَبَاحَ حرماتي، وَمن آمن أَهله فقد اسنوجب بذلك أماني وَمن أَخَافهُم فقد أخفرني فِي ذِمَّتِي وَمن عظم شَأْنه عظم فِي عَيْني، وَمن تهاون بِهِ صغر فِي عَيْني، وَلكُل ملك حِيَازَة مَا حواليه وبطن مَكَّة خيرتي وحيازتي وجيران بَيْتِي، وعمارها وفدي وأضيافي فِي كنفي ضامنون عليّ فِي ذِمَّتِي وجواري، فأجعله أول بَيت وضع للنَّاس وأعمره بِأَهْل السَّمَاء وَالْأَرْض، يأتونه أَفْوَاجًا شعثاً غبراً على كل ضامر يَأْتِين من كل فج عميق، يعجون بِالتَّكْبِيرِ عجيجاً، ويرجّون بِالتَّكْبِيرِ رجيجاً، وينتحبون بالبكاء نحيباً، فَمن اعتمره لَا يُرِيد غَيره فقد زارني ووفد إليّ وَنزل بِي، وَمن نزل بِي فحقيق على أَن أتحفه بكرامتي، وَحقّ على الْكَرِيم أَن يكرم وفده وأضيافه وَأَن يسعف كل وَاحِد مِنْهُم بحاجته، تعمره يَا آدم مَا كنت حيّاً ثمَّ تعمره من بعْدك الْأُمَم والقرون والأنبياء، أمة بعد أمة وَقرن بعد قرن وَنَبِي بعد نَبِي حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى نَبِي من ولدك وَهُوَ خَاتم النَّبِيين فأجعله من عماره وسكانه وحماته
стр. 12
وولاته وسقاته يكون أميني عَلَيْهِ مَا كَانَ حَيا، وَأَجْعَل اسْم ذَلِك الْبَيْت وَذكره وشرفه لنَبِيّ من ولدك قبل هَذَا النَّبِي وَهُوَ وَأَبوهُ يُقَال لَهُ: إِبْرَاهِيم، أرفع لَهُ قَوَاعِده وأقضي على يَدَيْهِ عِمَارَته وأنيط لَهُ سقايته، وأريه حلّه وَحرمه وأعلمه مَنَاسِكه ومشاعره وأجعله أمة وَاحِدَة قَانِتًا إليّ، بأَمْري أجتبيه وأهديه إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم، أستجيب لَهُ فِي وَلَده وَذريته من بعده وأشفعه فيهم فأجعلهم أهل ذَلِك الْبَيْت وولاته وحماته، وسقاته وخدّامه وخزانه وحجابه، حَتَّى يبتدعوا ويغيروا، فَإِذا فعلوا ذَلِك فَأَنا أقدر القادرين على أَن أستبدل من أَشَاء بِمن أَشَاء، أجعَل إِبْرَاهِيم أهل ذَلِك الْبَيْت وَأهل تِلْكَ الشَّرِيعَة يأتم بِهِ من حضر تِلْكَ المواطن من جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ يطأون فِيهَا آثاره ويتبعون فِيهَا سنته ويقتدون فِيهَا بهديه، فَمن فعل ذَلِك مِنْهُم أوفى نَذره واستكمل نُسكه، وَمن لم يفعل ضيع نُسكه وَأَخْطَأ بغيته، فَمن سَأَلَ عني يَوْمئِذٍ فِي تِلْكَ المواطن أَيْن أَنا؟ فَأَنا مَعَ الشعث الغبر الْمُوفينَ بنذورهم المستكملين مناسكهم المستهدين إِلَى رَبهم، وَلَيْسَ هَذَا الْأَمر الَّذِي قصصت عَلَيْك يَا آدم شَأْنه يزايدني فِي ملكي وَلَا عظمتي وسلطاني، إِلَّا كَمَا زَادَت قَطْرَة من رشاش وَقعت فِي سَبْعَة أبحر تمدها من بعْدهَا سَبْعَة أبحر لَا تحصى بل القطرة أَزِيد فِي الْبَحْر من هَذَا الْأَمر فِي شَيْء مِمَّا عِنْدِي من الْغنى وَالسعَة. الحَدِيث رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. ويروى عَن عَطاء أَنه أهبط آدم ﵇ مَعَه بَيت وَكَانَ يطوف بِهِ والمؤمنون من وَلَده كَذَلِك إِلَى زمَان الْغَرق ثمَّ رَفعه الله فَصَارَ فِي السَّمَاء وَهُوَ الَّذِي يدعى الْبَيْت الْمَعْمُور ذكره الْحَلِيمِيّ فِي كتاب " منهاج الدّين " لَهُ، وَقَالَ: يجوز أَن يكون معنى مَا قَالَه قَتَادَة: من أَنه أهبط مَعَ آدم بَيت. أَي: أهبط مَعَه مِقْدَار الْبَيْت الْمَعْمُور طولا وعرضاً وسمطاً ثمَّ قيل لَهُ: ابْن بِقَدرِهِ وخياله فَكَانَ خياله مَوضِع الْكَعْبَة فبناها فِيهِ، وَأما الْخَيْمَة فقد يجوز أَن تكون أنزلت وَضربت فِي مَوضِع الْكَعْبَة فَلَمَّا أَمر ببنائها فبناها كَانَت حول الْكَعْبَة؛ طمأنينة لقلب آدم مَا عَاشَ ثمَّ رفعت. فتتفق هَذِه الْأَخْبَار. وَفِي رِوَايَة: لما فرغ آدم من بِنَاء الْبَيْت خرج بِهِ الْملك إِلَى عَرَفَات، فَأرَاهُ
стр. 13
الْمَنَاسِك كلهَا الَّتِي يَفْعَلهَا النَّاس الْيَوْم، ثمَّ قدم بِهِ مَكَّة وَطَاف بِالْبَيْتِ أسبوعاً، ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَرض الْهِنْد.
فصل مَا جَاءَ فِي رفع الْبَيْت الْمَعْمُور من الْغَرق وَبِنَاء ولد آدم الْبَيْت بعده وَطواف سفينة نوح بِالْبَيْتِ، وَأثر الْكَعْبَة بَين نوح وَإِبْرَاهِيم وَاخْتِيَار إِبْرَاهِيم ﵇ مَوضِع الْبَيْت
عَن مُجَاهِد قَالَ: بَلغنِي أَنه لما خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَ أول شَيْء وَضعه فِيهَا الْبَيْت الْحَرَام، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ياقوتة حَمْرَاء لَهَا بَابَانِ شَرْقي وَغَرْبِيٌّ، فَجعله مُسْتَقْبل الْبَيْت الْمَعْمُور، فَلَمَّا كَانَ زمن الْغَرق رفع فِي ديباجتين وَهُوَ فيهمَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، واستودع الله الرُّكْن أَبَا قبيس. وَفِي رِوَايَة: بعث جِبْرِيل حَتَّى خبأه فِي أبي قبيس؛ وَفِي رِوَايَة: رفع إِلَى السَّمَاء؛ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ ذَهَبا فَرفع زمَان الْغَرق، وَقَالَ ابْن جريج: كَانَ بِمَكَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فَرفع زمَان الْغَرق فَهُوَ فِي السَّمَاء. ويروى: أَن آدم ﵇ قَالَ: أَي رب إِنِّي أعرف شقوتي إِنِّي لَا أرى شَيْئا من نورك بعد؛ فَأنْزل الله الْبَيْت الْمَعْمُور على عرض الْبَيْت فِي مَوْضِعه من ياقوتة حَمْرَاء، وَلَكِن طوله كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَأمره أَن يطوف بِهِ؛ فَأذْهب الله عَنهُ الْغم الَّذِي كَانَ يجد، ثمَّ رفع على عهد نوح. وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: لما رفعت الْخَيْمَة الَّتِي وضعت بِمَكَّة فِي مَوضِع الْبَيْت وَمَات آدم، بنى بَنو آدم من بعده مَكَانهَا بنياناً بالطين وَالْحِجَارَة، فَلم يزل معموراً يعمرونه هم وَمن بعدهمْ حَتَّى كَانَ زمن نوح فنسفه الْغَرق، وَفِي رِوَايَة: أول من بنى الْبَيْت بالطين وَالْحِجَارَة شِيث ﵇ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ مَعَ نوح ﵇ فِي السَّفِينَة ثَمَانُون رجلا مَعَهم أهلوهم، وَكَانُوا فِي السَّفِينَة مائَة وَخمسين يَوْمًا، وَأَن الله تَعَالَى وَجه السَّفِينَة إِلَى مَكَّة فدارت بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَجههَا إِلَى الجودي فاستقرت عَلَيْهِ فَبعث نوح
стр. 14
الْغُرَاب؛ ليَأْتِيه بِخَبَر الأَرْض فَذهب وَلم يرجع فَوَقع فِي الْجِيَف وَأَبْطَأ عَنهُ، فَبعث بالحمامة فَأَتَت بورق الزَّيْتُون ولطخت رجلهَا بالطين، فَعرف نوح أَن المَاء قد نضب فهبط إِلَى أَسْفَل الجودي فابتنى قَرْيَة، فَأَصْبحُوا ذَات يَوْم قد تبلبلت ألسنتهم على ثَمَانِينَ لُغَة، أَحدهَا الْعَرَبِيّ وَكَانَ لَا يفقه بَعضهم كَلَام بعض، وَكَانَ نوح ﵇ يعبر عَنْهُم. وَعَن مُجَاهِد: أَنه كَانَ مَوضِع الْبَيْت قد خَفِي ودرس من الْغَرق بَين نوح وَإِبْرَاهِيم ﵉ قَالَ: فَكَانَ مَوْضِعه أكمة حَمْرَاء مَدَرَة لَا يعلوها السُّيُول، وَكَانَ يَأْتِيهِ الْمَظْلُوم من أقطار الأَرْض وَيَدْعُو عِنْده المكروب فقلّ من دَعَا هُنَالك إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَكَانَ النَّاس يحجون إِلَى مَوضِع الْبَيْت حَتَّى بوأ الله مَكَانَهُ لإِبْرَاهِيم. وَعَن عُثْمَان بن سَاج قَالَ: بلغنَا أَن إِبْرَاهِيم عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء فَنظر إِلَى الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا فَاخْتَارَ مَوضِع الْكَعْبَة، فَقَالَت لَهُ الْمَلَائِكَة: يَا خَلِيل الله اخْتَرْت حرم الله فِي الأَرْض، فبناه من حِجَارَة وَسَبْعَة أجبل، وَقيل: خَمْسَة، وَكَانَت الْمَلَائِكَة تَأتي بِالْحِجَارَةِ إِلَى إِبْرَاهِيم من تِلْكَ الْجبَال.
فصل مَا جَاءَ فِي إسكان إِبْرَاهِيم ابْنه إِسْمَاعِيل وَأمه فِي بَدْء أمره عِنْد الْبَيْت
عَن مُجَاهِد: أَن الله تَعَالَى لما بوأ لإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت خرج إِلَيْهِ من الشَّام وَخرج مَعَه بِابْنِهِ إِسْمَاعِيل وَأمه هَاجر، وَإِسْمَاعِيل طِفْل مرضع وحملوا على الْبراق وَمَعَهُ جِبْرِيل يدله على مَوضِع الْبَيْت ومعالم الْحرم، وَجعل إِبْرَاهِيم ﵇ لَا يمر بقرية من الْقرى إِلَّا قَالَ إِبْرَاهِيم: أَبِهَذَا أمرت؟ فَيَقُول لَهُ جِبْرِيل: امْضِ حَتَّى قدم مَكَّة، وَهِي إِذْ ذَاك عضاه من سلم وَسمر، وَبهَا العماليق خَارِجا عَن مَكَّة فِيمَا حولهَا، وَالْبَيْت يَوْمئِذٍ ربوة حَمْرَاء مَدَرَة، فَقَالَ إِبْرَاهِيم لجبريل: أها هُنَا أمرت أَن أضعهما؟ قَالَ: نعم. فَعمد بهما إِلَى مَوضِع الْحجر فأنزلهما فِيهِ، وَأمر هَاجر أم إِسْمَاعِيل تتَّخذ فِيهَا عَرِيشًا، ثمَّ قَالَ: " رَبنَا إِنِّي
стр. 15
أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم " الْآيَة. ثمَّ انْصَرف إِلَى الشَّام وتركهما عِنْد الْبَيْت. قَالَ ابْن جريج: وَبَلغنِي أَن جِبْرِيل قَالَ لأم إِسْمَاعِيل فَأَشَارَ بهَا إِلَى مَوضِع الْبَيْت هَذَا أول بَيت وضع للنَّاس، وَهُوَ بَيت الله الْعَتِيق، واعلمي أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل يرفعانه للنَّاس ويعمرانه، فَلَا يزَال معموراً محرما مكرماً إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَمَاتَتْ أم إِسْمَاعِيل قبل أَن يرفعهُ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، فدفنت فِي مَوضِع الْحجر.
فصل مَا جَاءَ فِي نزُول جرهم مَعَ أم إِسْمَاعِيل الْحرم
يرْوى أَنه لما أخرج الله مَاء زَمْزَم لأم إِسْمَاعِيل بَيْنَمَا هِيَ على ذَلِك مر ركب من جرهم قافلين من الشَّام فِي الطَّرِيق السُّفْلى، فَرَأى الركب الطير على المَاء، فَقَالَ بَعضهم: مَا كَانَ بِهَذَا الْوَادي من مَاء وَلَا أنيس، فأرسلوا جريين لَهُم حَتَّى أَتَيَا أم إِسْمَاعِيل فكلماها، ثمَّ رجعا إِلَى ركبهما فأخبراهم بمكانهما، فَرجع الركب كلهم حَتَّى حيوها فَردَّتْ عَلَيْهِم، فَقَالُوا: لمن هَذَا " المَال "؟ قَالَت أم إِسْمَاعِيل: هُوَ لي. قَالُوا لَهَا: أَتَأْذَنِينَ لنا أَن ننزل مَعَك عَلَيْهِ؟ قَالَت: نعم. قَالَ النَّبِي ﷺ : " ألفى ذَلِك أم إِسْمَاعِيل، وَقد أحبت الْأنس ". فنزلوا وبعثوا إِلَى أَهَالِيهمْ فقدموا وَسَكنُوا تَحت الدوح، واعترشوا عَلَيْهَا الْعَرْش فَكَانَت مَعَهم هِيَ وَابْنهَا حَتَّى ترعرع الْغُلَام ونفسوا فِيهِ وأعجبهم، وَتوفيت أم إِسْمَاعِيل. وطعامهم الصَّيْد يخرجُون من الْحرم وَيخرج مَعَهم إِسْمَاعِيل فيصيد، فَلَمَّا بلغ أنكحوه جَارِيَة مِنْهُم. فَأقبل إِبْرَاهِيم من الشَّام يَقُول: حَتَّى أطالع تركتي، فَقدم مَكَّة فَوجدَ امْرَأَة إِسْمَاعِيل فَسَأَلَهَا عَنهُ، فَقَالَت: هُوَ غَائِب وَلم تكن لَهُ فِي
стр. 16
القَوْل، فَقَالَ لَهَا: قولي لإسماعيل: قد جَاءَ بعْدك شيخ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: غير عتبَة بَيْتك فَإِنِّي لم أرْضهَا لَك. وَكَانَ إِسْمَاعِيل كلما جَاءَ يسْأَل أَهله هَل جَاءَكُم أحد بعدِي؟ فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَ أَهله، فَقَالَت امْرَأَته: قد جَاءَ بعْدك شيخ فنعتته لَهُ، فَقَالَ لَهَا إِسْمَاعِيل: قلت لَهُ شَيْئا. قَالَت: لَا. قَالَ: فَهَل قَالَ لَك شَيْئا. قَالَت: نعم، اقرئي ﵇ وَقَوْلِي لَهُ: غير عتبَة بَيْتك فَإِنِّي لم أرْضهَا لَك. قَالَ إِسْمَاعِيل: أَنْت عتبَة بَيْتِي فارجعي إِلَى أهلك، فَردهَا إِسْمَاعِيل فأنكحوه امْرَأَة أُخْرَى اسْمهَا سامة بنت مهلهل، وَقيل: عَاتِكَة ثمَّ لبث إِبْرَاهِيم مَا شَاءَ الله أَن يلبث، ثمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم فَوجدَ إِسْمَاعِيل غَائِبا وَوجد امْرَأَته الْأُخْرَى، فَوقف فَسلم فَردَّتْ ﵇ واستنزلته وَعرضت عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب، فَقَالَ: مَا شرابكم وطعامكم، قَالَت: اللَّحْم وَالْمَاء. فَقَالَ: هَل من حب أَو غَيره من الطَّعَام؟ قَالَت: لَا. قَالَ: بَارك الله لكم فِي اللَّحْم وَالْمَاء. قَالَ النَّبِي ﷺ : " لَو وجد عِنْدهَا يَوْمئِذٍ حبا لدعا لَهُم بِالْبركَةِ فِيهِ؛ فَكَانَت تكون أَرضًا ذَات زرع ". ثمَّ ولى إِبْرَاهِيم وَقَالَ: قولي لَهُ: قد جَاءَ بعْدك شيخ فَقَالَ: إِنِّي وجدت عتبَة بَيْتك صَالِحَة فأقرّها.
فصل مَا جَاءَ فِي بِنَاء إِبْرَاهِيم الْكَعْبَة
قَالَ الله تَعَالَى: " وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت " أَي: يَبْنِي الْقَوَاعِد وَهِي الأساس جمع قَاعِدَة. عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لبث إِبْرَاهِيم مَا شَاءَ الله أَن يلبث، ثمَّ جَاءَ الثَّالِثَة فَوجدَ إِسْمَاعِيل قَاعِدا تَحت الدوحة الَّتِي إِلَى نَاحيَة السّتْر يبري نبْلًا لَهُ فَسلم عَلَيْهِ وَنزل عَلَيْهِ فَقعدَ مَعَه، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: يَا إِسْمَاعِيل إِن الله قد أَمرنِي بِأَمْر. فَقَالَ إِسْمَاعِيل: أطع رَبك فِيمَا أَمرك ويروى: أَنه
стр. 17
قَالَ: وتعينني. قَالَ: وأعينك فَقَالَ إِبْرَاهِيم: أَمرنِي رَبِّي أَن أبني لَهُ بَيْتا. قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل: وَأَيْنَ هُوَ؟ فَأَشَارَ لَهُ إِلَى أكمة مُرْتَفعَة على مَا حولهَا عَلَيْهَا رَضْرَاض من حَصْبَاء يَأْتِيهَا السَّيْل من نَوَاحِيهَا وَلَا يركبهَا، فقاما يحفران عَن الْقَوَاعِد ويقولان: رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم، رَبنَا تقبل منا إِنَّك سميع الدُّعَاء. وَيحمل لَهُ إِسْمَاعِيل الْحِجَارَة على رقبته وَيَبْنِي إِبْرَاهِيم، فَلَمَّا ارْتَفع الْبُنيان وشق على إِبْرَاهِيم تنَاوله قرب لَهُ هَذَا الْحجر يَعْنِي الْمقَام فَكَانَ يقوم عَلَيْهِ وَيَبْنِي ويحوله فِي نواحي الْبَيْت، حَتَّى انْتهى إِلَى وَجه الْبَيْت فَلذَلِك سمي مقَام إِبْرَاهِيم لقِيَامه عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عَبَّاس: أَنه لما جَاءَ إِبْرَاهِيم إِلَى إِسْمَاعِيل وَرَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فصنعا كَمَا يصنع الْوَلَد بالوالد وَالْوَالِد بِالْوَلَدِ، وبكيا حَتَّى أبكيا أَو أجابتهما الطير. وَقَالَ مُجَاهِد: أقبل إِبْرَاهِيم وَمَعَهُ السكينَة والصّرد وَالْملك من الشَّام دَلِيلا، حَتَّى تبوءا الْبَيْت الْحَرَام، كَمَا تبوأ العنكبوت بَيْتا، وَكَانَ للسكينة رَأس كرأس الْهِرَّة وجناحان. وَفِي رِوَايَة: كَأَنَّهَا غمامة أَو ضَبَابَة فِي وَسطهَا كَهَيئَةِ الرَّأْس يتَكَلَّم، وَفِي رِوَايَة: هِيَ ريح خجوج لَهَا رَأس، وَفِي رِوَايَة: لَهَا رأسان، وَفِي رِوَايَة: لَهَا وَجه يتَكَلَّم وَهُوَ بعد ريح هفافة، وَفِي رِوَايَة: لَهَا رَأس كرأس الْإِنْسَان، وَقيل: السكينَة الرَّحْمَة. قَالَ السُّهيْلي: والسكينة من شَأْن الصَّلَاة. قَالَ ﷺ : " وأتوها وَعَلَيْكُم السكينَة ". فَجعلت علما على قبلتها حِكْمَة من الله سُبْحَانَهُ. فَقَالَت السكينَة: يَا إِبْرَاهِيم ربّض على الْبَيْت، فَلذَلِك لَا يطوف بِالْبَيْتِ ملك من هَذِه
стр. 18
الْمُلُوك وَلَا أَعْرَابِي نافر وَلَا جَبَّار إِلَّا رَأَيْت عَلَيْهِ السكينَة. وَفِي رِوَايَة: قَالَت السكينَة ورأيتها تَتَكَلَّم يَا إِبْرَاهِيم: خُذ قدري من الأَرْض لَا يزِيد وَلَا ينقص، فَخط فَذَلِك بكة وَمَا حواليها مَكَّة. وَفِي رِوَايَة: قَالَت لَهُ: يَا إِبْرَاهِيم إِن رَبك يَأْمُرك أَن تخط قدر هَذِه السحابة، فَجعل ينظر إِلَيْهَا وَيَأْخُذ قدرهَا، فَقَالَ لَهُ رَأس السكينَة: قد فعلت. قَالَ: نعم،، فارتفعت السحابة، وَفِي رِوَايَة: أَن الغمامة لم تزل راكدة تظل إِبْرَاهِيم وتهديه مَكَان الْقَوَاعِد حَتَّى رفع الْقَوَاعِد قامة، ثمَّ انكشفت الغمامة فأبرز عَن أس " يانت " من الأَرْض فبناه إِبْرَاهِيم، وَفِي رِوَايَة: فحفر فأبرز عَن ربض أَمْثَال حلف الْإِبِل، لَا يُحَرك الصَّخْرَة إِلَّا ثَلَاثُونَ رجلا، وَفِي رِوَايَة: لما بعث الله إِبْرَاهِيم ليبني الْبَيْت، طلب الأساس الأول الَّذِي وَضعه بَنو آدم فِي مَوضِع الْخَيْمَة الَّتِي عزى الله بهَا آدم من خيام الْجنَّة، حِين وضعت لَهُ بِمَكَّة فِي مَوضِع الْبَيْت، فَلم يزل إِبْرَاهِيم يحْفر حَتَّى وصل إِلَى الْقَوَاعِد الَّتِي أسس بَنو آدم فِي زمانهم فِي مَوضِع الْخَيْمَة، فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا ظلل الله لَهُ مَكَان الْبَيْت بغمامة، وَلم تزل راكدة تظل إِبْرَاهِيم وتهديه مَكَان الْقَوَاعِد حَتَّى رفع الْقَوَاعِد قامة، ثمَّ انكشفت الغمامة، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَبْنِي فِي كل يَوْم سافاً، وَمَكَّة يَوْمئِذٍ شَدِيدَة الْحر، وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: أما وَالله مَا بنياه بِقصَّة وَلَا مدر وَلَا كَانَ مَعَهُمَا من الأعوان وَالْأَمْوَال مَا يسقفانه، ولكنهما أعلماه وطافا بِهِ، وَفِي رِوَايَة: ورضماه رضماً فَوق الْقَامَة وَلم يسقفاه. والرضم: أَن ينضد الْحِجَارَة بَعْضهَا على بعض من غير ملاط، فَلَمَّا ارْتَفع الْبُنيان قرب إِسْمَاعِيل لإِبْرَاهِيم الْمقَام، فَكَانَ
стр. 19
إِبْرَاهِيم يُقيم عَلَيْهِ وَيَبْنِي ويحوله إِسْمَاعِيل فِي نواحي الْبَيْت. قَالَ السُّهيْلي: بناه من خَمْسَة أجبل، كَانَت الْمَلَائِكَة تَأتيه بِالْحِجَارَةِ مِنْهَا، وَهِي: طور سيناء وطور زيتا اللَّذين بِالشَّام، والجودي وَهُوَ بالجزيرة ولبنان وحراء هَكَذَا ذكر السُّهيْلي أَن لبنان بِالْحرم، وهما بِالْحرم قَالَ: وانتبه لحكمة الله كَيفَ جعل بناءهما من خَمْسَة أجبل، فشاكل ذَلِك مَعْنَاهَا إِذْ هِيَ قبْلَة للصلوات الْخمس وعمود الْإِسْلَام وَقد بني على خَمْسَة. انْتهى. وَقيل إِن قَوَاعِده من حراء. وَفِي رِوَايَة: أسس الْبَيْت من خَمْسَة، وَفِي رِوَايَة: وَكَانَ ربضه من حراء. قَالَ الْخَلِيل: والربض هَهُنَا الأساس المستدير بِالْبَيْتِ من الصخر، ويروى: أَن ذَا القرنين قدم مَكَّة وهما يبنيان، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَا: نَحن عَبْدَانِ مأموران أمرنَا بِالْبِنَاءِ. فَقَالَ: فهاتا البنية على مَا تدعيان فَقَامَتْ خَمْسَة أكبش، فَقُلْنَ: نشْهد أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَبْدَانِ مأموران بِالْبِنَاءِ. فَقَالَ: قد رضيت وسلمت وَمضى. فَلَمَّا انْتهى إِبْرَاهِيم فِي الْبناء إِلَى مَوضِع الْحجر الْأسود قَالَ إِسْمَاعِيل: اذْهَبْ فائتني بِحجر أَضَعهُ هُنَا؛ ليَكُون علما للنَّاس يبتدئون مِنْهُ الطّواف وَفِي رِوَايَة: ليقتدي النَّاس بِهِ فَذهب إِسْمَاعِيل إِلَى الْوَادي يطْلب حجرا، فَأَتَاهُ بِحجر فَلم يرضه، فَذهب فَطلب حجرا آخر، فجَاء جِبْرِيل بِالْحجرِ الْأسود وَفِي رِوَايَة: نزل بِهِ من الْجنَّة وَفِي رِوَايَة: جَاءَ بِهِ من أبي قبيس؛ لِأَنَّهُ كَانَ استودع أَبُو قبيس الرُّكْن زمَان الْغَرق على مَا قيل وَفِي رِوَايَة: لما غرقت الأَرْض استودع الله أَبَا قبيس الْحجر الْأسود، وَقَالَ: إِذا رَأَيْت خليلي يَبْنِي لي بَيْتا فأعطه إِيَّاه. فَلَمَّا ابْتغى إِبْرَاهِيم ﵇ الْحجر الْأسود ناداه من أبي قبيس أَلا أَنا هَذَا فرقي إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم فَأَخذه
стр. 20
فَوضع بالموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْم وَفِي رِوَايَة: صَاح أَبُو قبيس يَا إِبْرَاهِيم يَا خَلِيل الرَّحْمَن إِن لَك عِنْدِي وَدِيعَة فَخذهَا، فَإِذا هُوَ بِحجر أَبيض من ياقوت الْجنَّة، فجَاء إِسْمَاعِيل فَوجدَ إِبْرَاهِيم قد وضع الْحجر فِي مَكَانَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَت من أَيْن لَك هَذَا الْحجر؟ قَالَ: جائني بِهِ من لم يكلني إِلَيْك وَلَا إِلَى حجرك وَفِي رِوَايَة: من عِنْد من لم يتكل على بنائي وبنائك وَفِي رِوَايَة: وضع جِبْرِيل الْحجر فِي مَكَانَهُ وَبنى عَلَيْهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ يتلألأ تلألؤا من شدَّة بياضه، فأضاء نوره شرقاً وغرباً ويمناً وشاماً، فَكَانَ نوره يضيء إِلَى مُنْتَهى أنصاب الْحرم من كل نَاحيَة من نواحي الْحرم، وَقيل: إِنَّمَا شدَّة سوَاده؛ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ الْحَرِيق مرّة بعد مرّة فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام؛ فَأَما حريقه فِي الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُ ذهبت امْرَأَة فِي زمن قُرَيْش تجمر الْكَعْبَة، فطارت شرارة من أستاء الْكَعْبَة، فأحرقت الْكَعْبَة فَاحْتَرَقَ الرُّكْن الْأسود واسود وتوهنت الْكَعْبَة، وَكَانَ هُوَ الَّذِي هاج قُريْشًا على هدمها وبنائها. وَأما حريقه فِي الْإِسْلَام فَفِي عصر ابْن الزبير أَيَّام حاصره الْحصين بن نمير الْكِنْدِيّ، احترقت الْكَعْبَة وَاحْتَرَقَ الرُّكْن فتفلق ثَلَاث فلق حَتَّى شعبه ابْن الزبير بِالْفِضَّةِ، وَقيل: سوَاده لِمَعْنى آخر وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل. وَجعل إِبْرَاهِيم طول الْبَيْت فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع، وَعرضه فِي الأَرْض اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا من الرُّكْن الْأسود إِلَى الرُّكْن الشَّامي الَّذِي هُوَ عِنْد الْحجر من وَجهه، وَجعل عرض مَا بَين الرُّكْن الشَّامي إِلَى الرُّكْن الغربي الَّذِي فِيهِ الْحجر اثْنَيْنِ وَعشْرين ذِرَاعا، وَجعل عرض ظهرهَا من الرُّكْن الغربي إِلَى الرُّكْن الْيَمَانِيّ أحدا وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا، وَجعل عرض شقها الْيَمَانِيّ من الرُّكْن الْأسود إِلَى الرُّكْن الْيَمَانِيّ عشْرين ذِرَاعا، فَلذَلِك سميت الْكَعْبَة؛ لِأَنَّهَا على خلقَة الكعب، وَكَذَلِكَ بُنيان أساس آدم ﵇ وَجعل بَابهَا بِالْأَرْضِ غير مبوب، حَتَّى كَانَ تبع أسود الْحِمْيَرِي هُوَ الَّذِي جعل لَهَا بَابا وغلقاً فارسياً وَكَسَاهَا كسْوَة تَامَّة وَنحر عِنْدهَا. وَجعل إِبْرَاهِيم الْحجر إِلَى جنب الْبَيْت عريّاً من أَرَاك يقتحمه الْغَيْر فَكَانَ زرباً لغنم إِسْمَاعِيل ﵇ وحفر إِبْرَاهِيم ﵇ جبا فِي بطن الْكَعْبَة على يَمِين
стр. 21
من دخله يكون خزانَة الْبَيْت، يلقى فِيهِ مَا يهدي للكعبة، وَهُوَ الْجب الَّذِي نصب عَلَيْهِ عَمْرو بن لحي هُبل الصَّنَم الَّتِي كَانَت قُرَيْش تعبده وتستقسم عِنْده بالأزلام حِين جَاءَ بِهِ من هيت من أَرض الجزيرة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّفْسِير فِي سُورَة الْبَقَرَة: رُوِيَ أَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل لما فرغا من بِنَاء الْبَيْت أعطاهما الله الْخَيل جَزَاء عَن رفع قَوَاعِد الْبَيْت. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَت الْخَيل وحشاً كَسَائِر الوحوش، فَلَمَّا أذن لإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل بِرَفْع الْقَوَاعِد قَالَ الله تَعَالَى: إِنِّي معطيكما كنزاً ادخرته لَكمَا، ثمَّ أوحى إِلَى إِسْمَاعِيل أَن اخْرُج إِلَى أجياد فَادع يأتك الْكَنْز، فَخرج إِلَى أجياد وَلَا يدْرِي مَا الدُّعَاء وَلَا الْكَنْز فألهمه فَلم يبْق على وَجه الأَرْض فرس بِأَرْض الْعَرَب إِلَّا أَجَابَتْهُ، فأمكنه من نَوَاصِيهَا وذللها لَهُ فاركبوها واعلفوها فَإِنَّهَا ميامين وَهِي مِيرَاث أبيكم إِسْمَاعِيل. وَسمي الْفرس فرسا؛ لِأَنَّهُ يفترس مسافات الجو افتراس الْأسد وثوباً ويقطعها بيدَيْهِ خبطاً وتناولاً، وسمى خيلاً؛ لِأَنَّهَا موسومة بالغر، وسمى عَرَبيا لِأَنَّهُ أعْطِيه إِسْمَاعِيل، وَإِسْمَاعِيل عَرَبِيّ فَصَارَت لَهُ نحلة من الله. لأرض فرس بِأَرْض الْعَرَب إِلَّا أَجَابَتْهُ، فأمكنه من نَوَاصِيهَا وذللها لَهُ فاركبوها واعلفوها فَإِنَّهَا ميامين وَهِي مِيرَاث أبيكم إِسْمَاعِيل. وَسمي الْفرس فرسا؛ لِأَنَّهُ يفترس مسافات الجو افتراس الْأسد وثوباً ويقطعها بيدَيْهِ خبطاً وتناولاً، وسمى خيلاً؛ لِأَنَّهَا موسومة بالغر، وسمى عَرَبيا لِأَنَّهُ أعْطِيه إِسْمَاعِيل، وَإِسْمَاعِيل عَرَبِيّ فَصَارَت لَهُ نحلة من الله. قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي العرائس: وَكَانَ إِبْرَاهِيم عبرانياً وَإِسْمَاعِيل عَرَبيا فألهم الله أَحدهمَا لِسَان صَاحبه، فَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول: رب هَب لي كيناً يَعْنِي هَات حجرا فَيَقُول لَهُ إِسْمَاعِيل: هُنَاكَ فَخذه. وَقَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَكَانَ إِبْرَاهِيم يتَكَلَّم بالعبرانية وَكَذَلِكَ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق، وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم لما خرج هرب من كوثى وَخرج من النَّار عبر الْفُرَات وَلسَانه سرياني فَغير لِسَانه، فَقيل: عبراني حَيْثُ عبر الْفُرَات فَبعث نمْرُود فِي أَثَره، وَقَالَ: لَا تدعوا من يتَكَلَّم بالسُّرْيَانيَّة إِلَّا ائْتُونِي بِهِ، فوجدوا إِبْرَاهِيم يتَكَلَّم بالعبرانية فَتَرَكُوهُ وَلم يعرفوه، وَكَانَ سنّ إِبْرَاهِيم ﵇ حِين أَمر بِبِنَاء الْبَيْت مائَة سنة، وَسن إِسْمَاعِيل سِتَّة وَثَلَاثِينَ سنة، وَفِي رِوَايَة ذكرهَا الْأَزْرَقِيّ: إِن سنّ إِسْمَاعِيل يَوْمئِذٍ عشرُون سنة. وَاعْلَم أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أول نَبِي بعد نوح، وَأول من لبس
стр. 22
السَّرَاوِيل، وجاريته قنطوراً هِيَ أم التّرْك، اختتن بالقدوم، وَقيل: بالقدوم الْمَعْرُوف، وَقيل: مَوضِع يُقَال لَهُ: الْقدوم بالقدوم، وَكَانَ لَهُ يَوْم اختتن ثَمَانُون سنة، وَقيل: مائَة وَعِشْرُونَ، وعاش بعْدهَا ثَمَانِينَ سنة، وَقيل: مَاتَ وعمره مِائَتَا سنة، وَقيل: مائَة وَخمْس وَتسْعُونَ سنة، وَدفن عِنْد قبر سارة، واختتن إِسْمَاعِيل لثَلَاثَة عشر شهرا، وَإِسْحَاق لسبعة أَيَّام، وَكَانَ عمر إِبْرَاهِيم يَوْم ألقِي فِي النَّار سِتَّة عشر سنة، وَبَردت النَّار تِلْكَ اللَّيْلَة، وَفِي ذَلِك الصَّباح فِي سَائِر أقطار الأَرْض فَلم ينْتَفع أحد فِي الدُّنْيَا بِنَار، وَسموا تِلْكَ اللَّيْلَة نيروزاً، والنيروز بالسرياني عيد وَكَانَ استدلاله بالكواكب وَهُوَ ابْن خَمْسَة عشر شهرا، وَأنزل عَلَيْهِ عشرُون صحيفَة بالخط السرياني. وَأما نوح ﵇ فَهُوَ أول رَسُول أرْسلهُ الله إِلَى الأَرْض حَكَاهُ ابْن عَسَاكِر، وَنزل الطوفان بعد مُضِيّ سِتّمائَة سنة من عمره، وَقيل: دَعَا قومه تِسْعمائَة سنة وَخمسين سنة، وَكَانَ لَهُ قبل دُعَائِهِ ثَلَاثمِائَة سنة، وعاش بعد الطوفان ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة، وَقيل: عَاشَ بعد الطوفان خَمْسمِائَة عَام، وَأرْسل الطوفان لثلاث عشرَة خلت من آب، وَركب نوح الْفلك لعشرين خلون من رَجَب، وَصَامَ نوح رَجَب فِي السَّفِينَة، وَجَرت بهم السَّفِينَة إِلَى يَوْم عَاشُورَاء حَكَاهُ
стр. 23
عِكْرِمَة، وَقيل: أَقَامَ على المَاء نَحْو سنة، وَقيل: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقيل: أَرْبَعِينَ سنة قَالَه وهب فِي كتاب " التيجان "، وَقيل: أمطر أَرْبَعِينَ يَوْمًا وغاض المَاء بعد مائَة وَخمسين يَوْمًا حَكَاهُ الشهرستاني، وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء يَوْم الْجُمُعَة وصامه نوح وَمن مَعَه من الْوَحْش، وَقيل: إِن يَوْم الْقِيَامَة يكون يَوْم عَاشُورَاء ويوافق يَوْم الْجُمُعَة، وأرست السَّفِينَة على الجودي وَهُوَ بِأَرْض الجزيرة شمالاً وَيُسمى النَّاظر، وَقيل: هُوَ جبل فردي بِقرب الْموصل، وَكَانَ خشب السَّفِينَة من جبل لبنان، وعملها نوح بِدِمَشْق وَأول مَا حمل فِيهَا النملة، وَقيل: الأوزة، وَآخر مَا حمل الحمارة، وَلم يكن فِي الأَرْض قبل الطوفان نهر وَلَا بَحر، ومياه الْبحار بَقِيَّة الطوفان، وَحمل فِي السَّفِينَة ثَمَانِيَة أنفس: نوح وَزَوجته غير الَّتِي عوقبت، وَبَنوهُ الثَّلَاث وزوجاتهم، وَقيل: كَانُوا سَبْعَة وَأسْقط امْرَأَة نوح. وَقيل: كَانُوا عشرَة، وَقيل: سبعين وَقيل: ثَمَانِينَ. وَعنهُ ﷺ قَالَ: " بَقِي من خشبها يَعْنِي السَّفِينَة شَيْء أدْركهُ أَوَائِل هَذِه الْأمة ". وَحمل نوح ﵇ جَسَد آدم مَعَه فِي السَّفِينَة، وَكَانَ مولد نوح بعد موت آدم بثمانمائة سنة، وَلم يعقب أحد مِمَّن كَانَ مَعَه بالسفينة وَإِنَّمَا عقب أَوْلَاده، قَالَ تَعَالَى: " وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ ". وهم سَام وَحَام وَيَافث. وَبعد الطوفان بستمائة سنة وَسبعين، كَانَ تبلبل الألسن فافترقت اثْنَيْنِ وَسبعين لِسَانا: فِي ولد سَام تِسْعَة عشر، وَفِي ولد حام سَبْعَة عشر، وَفِي ولد يافث سِتَّة وَثَلَاثُونَ، وَكَانَ سَببه وُقُوع الصرح الَّذِي بناه هامان لفرعون وَكَانَ طول الصرح إِلَى السَّمَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع وَقيل: فرسخين، كَانَ فِيهِ خَمْسُونَ ألف بِنَاء فتبلبلت الألسن وَمَات ألفا ألف. ومولد الْخَلِيل إِلَى تبلبل الألسن أَرْبَعمِائَة سنة وَإِحْدَى عشرَة سنة، وَمن مولده أَيْضا إِلَى مولد مُوسَى أَرْبَعمِائَة وَخمْس وَعِشْرُونَ سنة، وَمن هبوط آدم إِلَى مَجِيء الطوفان على مَا قَالَه اثْنَان وَسَبْعُونَ حبرًا من بني إِسْرَائِيل نقلوا التَّوْرَاة إِلَى اليونانية: بَينهمَا أَلفَانِ ومائتان وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة، وَإِلَى وَفَاة مُوسَى ثَلَاثَة
стр. 24
آلَاف وَثَمَانمِائَة وَثَمَانِية وَسِتُّونَ سنة. وَقَالَ آخَرُونَ من بني إِسْرَائِيل المقيمين على العبرانية الَّتِي يتداولها جُمْهُور الْيَهُود فِي وقتنا: إِن من هبوط آدم إِلَى مَجِيء الطوفان ألف وسِتمِائَة وست وَخَمْسُونَ سنة، وَمن انْقِضَاء الطوفان إِلَى تبلبل الألسن مائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة، وَمن التبلبل إِلَى مولد الْخَلِيل مائَة وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سنة، وَمن مولده ﵇ إِلَى وَفَاة مُوسَى خَمْسمِائَة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ سنة، وَمن وَفَاته ﵇ إِلَى ابْتِدَاء ملك بخْتنصر تِسْعمائَة وثمان وَسَبْعُونَ سنة، وَإِلَى ملك الْإِسْكَنْدَر ألف وَأَرْبَعمِائَة وَثَلَاث عشرَة سنة، وَولد عِيسَى لسبع مائَة وتسع وَثَلَاثِينَ سنة من ملك بخْتنصر ولثلاثمائة وَأَرْبع وَسِتِّينَ سنة من ملك الْإِسْكَنْدَر، وَمن ملك بخْتنصر إِلَى ابْتِدَاء الْهِجْرَة ألف وثلاثمائة وتسع وَسِتُّونَ سنة، وَمن ملك بختنصّر إِلَى ابْتِدَاء الْهِجْرَة تِسْعمائَة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة، فَكَانَ بَين مُوسَى وَابْتِدَاء الْهِجْرَة أَلفَانِ وثلاثمائة وَسبع وَأَرْبَعُونَ سنة، ومولد عِيسَى بعد ألف وَسَبْعمائة وَسبع عشرَة سنة من موت مُوسَى، وَقيل: سِتّمائَة وَثَلَاثِينَ سنة من ابْتِدَاء الْهِجْرَة. ويروي الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: إِن النَّاس خَرجُوا من السَّفِينَة بِبَابِل، ثمَّ ضَاقَتْ بهم حَتَّى نزلُوا مَوضِع بابل اثْنَا عشر فرسخاً فِي مثلهَا، وَكَانَ سورها عِنْد النّيل وبابها يَوْمئِذٍ عِنْد بَاب وردان، فملكهم يَوْمئِذٍ نمْرُود بن كنعان بن حام، فَلَمَّا كفرُوا بلبل الله ألسنتهم على اثْنَيْنِ وَسبعين لِسَانا، وَفهم الله الْعَرَبيَّة عمليق وَغَيرهم من بني سَام، فَنزلت العماليق صنعاء ثمَّ تحولت فَنزلت بِمَكَّة، وَقيل: لما تبلبلت الألسن سلبوا اللِّسَان السرياني إِلَّا أهل الجودي، وأجرى جِبْرِيل على لِسَان كل أمة لُغَة، وأفصح عَابِر بِالْعَرَبِيَّةِ وَتكلم مَعَ عَابِر جَمِيع إخْوَته وَبَنُو عَمه مَا خلا الْفرس فَإِنَّهَا تَكَلَّمت بالعجمي، وَأول من تكلم بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ عزقيل بن ساروم بن خاموز بن قنالخ بن أرفخشذ، وَأول من جرت الفارسية على لِسَانه شاهور بن خاموز بن باقر بن سَام، وَأول من جرت الحبشية على لِسَانه سلحب بن باداد بن زباهاش بن شوعان بن كوش بن حام بن نوح، فَهَذِهِ أصُول الألسن. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَأول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل ﵇، وَأول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ مرامر بن مروة من أهل الأنبار. وَقَالَ السُّهيْلي: وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل ". قَالَ أَبُو عَمْرو: وَهَذِه الرِّوَايَة أصح من رِوَايَة من روى:
стр. 25
" أول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل ". وَالْخلاف كثير فِي أول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ، وَفِي أول من أَدخل الْكتاب الْعَرَبِيّ أَرض الْحجاز فَقيل: حَرْب بن أُميَّة، وَقيل: سُفْيَان بن أُميَّة، وَقيل: عبد بن قصي تعلموه بِالْحيرَةِ، وتعلمه أهل الْحيرَة من أهل الأنبار. انْتهى. وَأول من نقش على الدَّرَاهِم بِالْعَرَبِيَّةِ عبد الْملك بن مَرْوَان. قَالَ الشّعبِيّ: وَكَلَام النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بالسرياني، وروى الْأَصْحَاب فِي كتبهمْ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الْعَرَبِيّ والفارسي لِسَانا أهل الْجنَّة ". وَأما شِيث فولد بعد مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة من عمر آدم ﵇، وَمَات وَله تِسْعمائَة واثنتا عشرَة سنة، فَكَانَ قِيَامه بِالْأَمر بعد آدم مِائَتَيْنِ واثنتا عشرَة سنة، واختتن فِي نبوته، وَأنزل عَلَيْهِ خَمْسُونَ صحيفَة، وَقيل: ثَلَاثُونَ، وَقيل: عشرَة، وَبنى الْكَعْبَة بالطين وَحج وولدته حَوَّاء مُفردا، وَكَانَت تَلد ذكرا وَأُنْثَى فِي كل بطن فولدته مُفردا. قَالَ الْمرْجَانِي: يَعْنِي بَدَلا من هابيل. وَأما آدم ﵇ فيكنى أَبَا مُحَمَّد بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبا الْبشر أَيْضا، وآدَم عبراني، وَقيل: عَرَبِيّ خلقه الله من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بنوه على قدر الأَرْض ذَوي ألوان، يرْوى أَنه قَالَ: يَا رب لم سميتني آدم؟ قَالَ: لِأَنِّي خلقتك من أَدِيم الأَرْض، وأديم الأَرْض وَجههَا، وَخلق الله حَوَّاء من ضلعه الْأَيْسَر وَسميت حَوَّاء؛ لِأَنَّهَا خلقت من حَيّ وخلقت قبل دُخُول الْجنَّة، وَاخْتلف فِي الشَّجَرَة الَّتِي أكلهَا، فَقيل: شَجَرَة الكافور أَو الْحَيَاة أَو الكرمة أَو النَّخْلَة أَو السنبلة أَو الحلبة أَو التِّين أَو الحنظلة وَكَانَت حلوة، وأهبط على جبل لبنان أَو الجودي أَو سرنديب أَو نوى أَو اسْم، وحواء بجدة، وإبليس على سَاحل بَحر أَيْلَة بِفَتْح الْهمزَة، وَقيل: بيسان، والحية بالبربر وَقيل: بأصبهان، والطاووس بِأَرْض بابل، فأهبط آدم من بَاب التَّوْبَة، وحواء من بَاب الرَّحْمَة، وإبليس من بَاب اللَّعْنَة، والطاووس من بَاب الْغَضَب، والحية من بَاب السخط وَكَانَ وَقت الْعَصْر، وَقيل: أهبط آدم بَين الظّهْر وَالْعصر من بَاب يُقَال لَهُ: الميرم حذاء الْبَيْت الْمَعْمُور، وَقيل: من بَاب الْمِعْرَاج، وَمكث فِي الْجنَّة نصف يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَذَلِكَ خَمْسمِائَة عَام، وَمكث على جبل الْهِنْد مائَة سنة يبكي وَأنْبت الله العشب من دُمُوعه مِنْهُ: الدَّار صيني والقرفة والقرنفل، وَكَانَ رَأسه يمس السَّحَاب فصلع
стр. 26
فتوارثه ذُريَّته، وخفضت قامته إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا بذراعه، وَحج أَرْبَعِينَ حجَّة، وَكَانَت خطوته مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَهُوَ أول من ضرب الدِّينَار وَالدِّرْهَم، وَكَانَ أَمْرَد وَإِنَّمَا نَبتَت اللحى لذريته، وأنزلت عَلَيْهِ حُرُوف المعجم فِي إِحْدَى وَعشْرين ورقة، وَنزل عَلَيْهِ عشر صَحَائِف وَجَمِيع الصُّحُف مائَة وَأَرْبَعَة: كتب على آدم عشر، وعَلى شِيث خَمْسُونَ، وعَلى إِدْرِيس ثَلَاثُونَ، وعَلى إِبْرَاهِيم عشرَة، والتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان نزل بهَا جِبْرِيل ﵇، وَعنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " أنزلت صحف إِبْرَاهِيم أول لَيْلَة من رَمَضَان، والتوراة لستّ مضين من رَمَضَان، وَالْإِنْجِيل لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ، وَالزَّبُور لثماني عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ، وَالْفرْقَان لأَرْبَع وَعشْرين مِنْهُ ". وَبَين نزُول أول الْقُرْآن وَآخره عشرُون سنة. وَكَانَ آدم من المصطفين دون سَائِر الْمُرْسلين، وَلم يمت حَتَّى بلغ وَلَده وَولد وَلَده أَرْبَعِينَ ألفا، وَقيل: صلى خَلفه ألف رجل غير بني بنيه، وَورد أَن الله شفعه من ذُريَّته فِي مائَة ألف ألف وَعشرَة آلَاف ألف. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: تكلم آدم بسبعمائة ألف لُغَة أفضلهَا الْعَرَبيَّة، وَكَانَ الْقَمْح فِي زَمَنه كبيض النعام وَلم يزل إِلَى أَيَّام إِدْرِيس ثمَّ نقص مِنْهُ قَلِيل، ثمَّ نقص أَيَّام فِرْعَوْن ثمَّ نقص أَيَّام إلْيَاس فَصَارَ كبيض الدَّجَاج، ثمَّ نقص أَيَّام عِيسَى، ثمَّ نقص أَيَّام يحيى فَصَارَ فِي أَيَّام بخْتنصر كالبندق وَكَذَلِكَ كَانَ فِي أَيَّام عَزِيز فَلَمَّا قَالَت الْيَهُود: عُزَيْر ابْن الله، صَار قدر الحمص، ثمَّ صَار إِلَى مَا ترى قَالَه كَعْب الْأَحْبَار، وَمَاتَتْ حَوَّاء قبل آدم بعامين وعمرها سَبْعمِائة سنة وتسع وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: مَاتَت بعده بعامين، وَقيل: بست سِنِين، وَمَات آدم يَوْم الْجُمُعَة وَوَافَقَ من شهور السرياني لعشرين من نيسان، مَاتَ على الْجَبَل الَّذِي أهبط عَلَيْهِ، وَصلى عَلَيْهِ شِيث وكبّر عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَحمله نوح فِي السَّفِينَة، قيل: وَحمل حَوَّاء مَعَه،
стр. 27
وَدَفنه بِبَيْت الْمُقَدّس بعد الطوفان، وَقل: صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وحفروا لَهُ بجبل أبي قبيس ثمَّ حمله نوح ثمَّ إِلَى مَكَانَهُ بِالْجَبَلِ، وَقيل: قبر آدم فِي مَشَارِق الفردوس. قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَالظَّاهِر أَن قبر آدم بِالشَّام يَعْنِي دمشق لِأَنَّهَا كَانَت أرضه وَبهَا مَقْبرَة الفراديس، وَقيل: دَفَنته الْمَلَائِكَة بِمَسْجِد الْخيف حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " درياق الْقُلُوب "، وآدَم الْآن فِي سَمَاء الدُّنْيَا، وَلَا يُسمى أحد خَليفَة الله تَعَالَى بعد آدم ﵇ وانقرض نسل آدم بالطوفان إِلَّا نسل شِيث. قَالَ الطوسي: وَبَلغنِي أَن من كتب للمطلقة آدم وحواء وضعت. انْتهى. وَالله أعلم. وَقدم علينا حاجّاً سنة عشر وَثَمَانمِائَة رجل شرِيف دلوالي وَذكر لنا أَنه رَحل بِلَاد سرنديب وَأَن أَهلهَا كفار، وَأَنه صعد جبل سرنديب وَكَانَ صُعُوده فِيهِ من طُلُوع الْفجْر وَوصل أَعْلَاهُ غرُوب الشَّمْس، قَالَ: وَفَوق جبل سرنديب جبل آخر على هَيْئَة المنارة وقدرها بل أَعلَى مِنْهَا، يصعد إِلَى أَعلَى هَذَا الْجَبَل بسلاسل من حَدِيد يضع الْإِنْسَان فِيهَا رجله وَيتَعَلَّق ثمَّ هَكَذَا إِلَى أَن يصعد إِلَى أَعْلَاهُ، وَأَنه لَا يُمكن الصعُود عَلَيْهِ إِلَّا على هَذِه الصّفة، قَالَ: وَفَوق هَذَا الْجَبَل أَيْضا جبل آخر صَغِير فِيهِ أثر قدم آدم ﵇ غائصاً فِي الصَّخْرَة على سمت الْقبْلَة بِحَيْثُ إِن الْقَائِم عَلَيْهِ يسْتَقْبل الْقبْلَة وَله خمس أَصَابِع، وَذكر أَنه قَاس طول قدمه وَعرضه وَطول إبهامه بمنديل كَانَ مَعَه وَعلم ذَلِك عَلَامَات، فَرَأَيْت هَذَا المنديل مَعَه فقست طول قدمه من رَأس الْإِبْهَام إِلَى آخرهَا ثَلَاثَة أَذْرع وثلثي ذِرَاع وَطول الْإِبْهَام إِلَى الْمفصل شبر وَعرض الْقدَم ثَلَاثَة أشبار وَأَرْبع أَصَابِع كل ذَلِك بِذِرَاع الْحَدِيد، وَذكر أَنه لم ير إِلَّا قدماً وَاحِدًا وَأَن تَحت قدمه غديراً فِي صَخْرَة ممتلئ بهَا مَاء أحلى من الْعَسَل، وَله عينان تجريان إِحْدَاهمَا عَن يَمِين الْقدَم وَالْأُخْرَى عَن يسَاره ينصبان إِلَى أَسْفَل الْجَبَل وَإِلَى الْبَحْر، ومسيل مَاء الْعَينَيْنِ يشم
стр. 28
وتراب الْعين الْيُمْنَى يسيلان، وَإِن الْمَطَر لَا يزَال على هَذَا الْجَبَل فِي كل يَوْم من أَيَّام السّنة لَا يَنْقَطِع أصلا، وَلكنه فِي بعض الْأَوْقَات رشاش، وَإِن فِي كل جِهَة من جِهَات الْجَبَل الْأَرْبَع يَدُوم الْمَطَر فِي أَرض الْهِنْد ثَلَاثَة أشهر على ممر السنين وَالله أعلم.
فصل مَا جَاءَ فِي حج إِبْرَاهِيم وطوافه وأذانه فِي الْحَج
لما فرغ إِبْرَاهِيم ﵇ من بِنَاء الْبَيْت الْحَرَام جَاءَ جِبْرِيل ﵇ وَفِي رِوَايَة قَالَ: أَي ربّ قد فعلت فأرنا مناسكنا، أَي: أبرزها لنا وعلمناها، وَقيل: أرنا مناسكنا: مذابحنا، فَجَاءَهُ جِبْرِيل، فَقَالَ: طف بِهِ سبعا هُوَ وَإِسْمَاعِيل يستلمان الْأَركان كلهَا فِي كل طواف، وَكَانَ آدم يسْتَلم الْأَركان كلهَا قبل إِبْرَاهِيم ﵇ فَلَمَّا أكملا سبعا صليا خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ مَعَه جِبْرِيل فَأرَاهُ الْمَنَاسِك كلهَا الصَّفَا والمروة وَمنى ومزدلفة وعرفة، فَلَمَّا دخل منى وَهَبَطَ من الْعقبَة تمثل لَهُ إِبْلِيس وَفِي رِوَايَة: بعث الله جِبْرِيل فحج بِهِ حَتَّى إِذا جَاءَ يَوْم النَّحْر عرض لَهُ إِبْلِيس عِنْد جَمْرَة الْعقبَة فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇: ارمه فَرَمَاهُ إِبْرَاهِيم ﵇ بِسبع حَصَيَات فَغَاب عَنهُ ثمَّ برز لَهُ عِنْد الْجَمْرَة السُّفْلى، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: ارمه فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات فَغَاب عَنهُ ثمَّ برز لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل ﵇: كبر وارمه فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات مثل حَصى الْخذف فَغَاب عَنهُ إِبْلِيس وَفِي رِوَايَة: فَرَمَاهُ من الْغَد وَالْيَوْم الثَّالِث كَذَلِك ثمَّ مضى إِبْرَاهِيم فِي حجه وَجِبْرِيل يوقفه على المواقف ويعلمه الْمَنَاسِك حَتَّى انْتهى إِلَى عَرَفَات، فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهَا قَالَ لَهُ جِبْرِيل: أعرفت مناسكك؟ قَالَ إِبْرَاهِيم: نعم. فسميت عَرَفَات بذلك، فَلَمَّا فرغ من الْحَج أَمر إِبْرَاهِيم أَن يُؤذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ وَفِي رِوَايَة: لما فرغ إِبْرَاهِيم من بِنَاء الْبَيْت قَالَ: يَا رب قد فرغت فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن أذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة تَقْتَضِي أَن الْأَذَان قبل الْحَج، وَالرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة تخَالف ذَلِك فَلَمَّا أَمر أَن يُؤذن بِالْحَجِّ، قَالَ: يَا رب وَمَا يبلغ صوتي؟ فَقَالَ الله تَعَالَى: أذن وعليّ الْبَلَاغ وَفِي رِوَايَة: قَالَ: وَكَيف أَقُول؟ قَالَ: قل: يَا أَيهَا النَّاس أجِيبُوا ربكُم ثَلَاث مَرَّات فعلا إِبْرَاهِيم على الْمقَام فارتفع بِهِ حَتَّى صَار أرفع الْجبَال وأطولها وَفِي رِوَايَة: صعد أَبَا قبيس وَأذن بِالْحَجِّ، وَفِي رِوَايَة: علا على شبر وجمعت لَهُ الأَرْض يَوْمئِذٍ سهلها
стр. 29
وجبلها وبرها وبحرها وإنسها وجنها حَتَّى أسمعهم جَمِيعًا وتطأطأت الْجبَال، وَفِي رِوَايَة: خفضت الْجبَال رؤوسها وَرفعت لَهُ الْقرى فَأدْخل إصبعيه فِي صماخي أُذُنَيْهِ وَأَقْبل بِوَجْهِهِ يمناً وشاماً وشرقاً وغرباً، وَبَدَأَ بشق الْيمن فَقَالَ: أَيهَا النَّاس كتب عَلَيْكُم الْحَج إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق فأجيبوا ربكُم وَفِي رِوَايَة: أَن الله قد أَمركُم بِحَجّ هَذَا الْبَيْت ليثيبكم بِهِ الْجنَّة ويجيركم من عَذَاب النَّار فحجوا فَأَجَابُوهُ من تَحت التخوم السَّبْعَة وَمن بَين الْمشرق وَالْمغْرب إِلَى مُنْقَطع التُّرَاب من أقطار الأَرْض كلهَا لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك وَفِي رِوَايَة: أَي كل رطب ويابس، وسَمعه من بَين الْمشرق وَالْمغْرب وأجابه من كَانَ فِي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء فَلَيْسَ أحد يحجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من أجَاب نِدَاء إِبْرَاهِيم، وَإِنَّمَا حجهم على قدر إجابتهم يَوْمئِذٍ، فَمن أَجَابَهُ مرّة حج مرّة، وَمن أَجَابَهُ مرَّتَيْنِ حج مرَّتَيْنِ، وَمن أَجَابَهُ أَكثر فَأكْثر على حسب إجَابَته. ويروى أَنه كَانَ بَين ذَلِك وَبَين أَن بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ ثَلَاثَة آلَاف سنة، وَكَانَ أول من أجَاب دَعْوَة إِبْرَاهِيم بِالتَّلْبِيَةِ أهل الْيمن، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن الْمَأْمُور فِي قَوْله تَعَالَى: " وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ ". سيدنَا رَسُول الله ﷺ . وَفِي رِوَايَة اسْتقْبل إِبْرَاهِيم الْيمن ودعا إِلَى الله وَإِلَى حج بَيته فَأُجِيب أَن لبيْك لبيْك، ثمَّ اسْتقْبل الْمشرق فَدَعَا إِلَى الله وَإِلَى حج بَيته فَأُجِيب أَن لبيْك لبيْك، ثمَّ إِلَى الْمغرب بِمثل ذَلِك، ثمَّ إِلَى الشَّام بِمثل ذَلِك، ثمَّ حج إِبْرَاهِيم بِإِسْمَاعِيل وبمن مَعَه من الْمُسلمين من جرهم، وهم سكان الْحرم يَوْمئِذٍ مَعَ إِسْمَاعِيل وهم أصهاره، وَصلى بهم الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء بمنى ثمَّ بَات بهم حَتَّى أصبح وَصلى بعن الْغَدَاة، ثمَّ غَدا بهم إِلَى نمرة فَقَالَ بهم هُنَالك حَتَّى إِذا مَالَتْ الشَّمْس جمع بَين الظّهْر وَالْعصر بِعَرَفَة فِي مَسْجِد إِبْرَاهِيم، ثمَّ رَاح بهم إِلَى الْموقف من عَرَفَة وَهُوَ الْموقف الَّذِي يقف عَلَيْهِ الإِمَام الْيَوْم فَوقف بهم فَلَمَّا غربت الشَّمْس دفع بِهِ وبمن مَعَه حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَة فَجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ الْمغرب وَالْعشَاء الْآخِرَة، ثمَّ بَات حَتَّى إِذا طلع الْفجْر صلى بهم الْغَدَاة ثمَّ وقف بِهِ على قزَح من الْمزْدَلِفَة وبمن مَعَه وَهُوَ الْموقف الَّذِي يقف بِهِ الإِمَام الْيَوْم حَتَّى
стр. 30
إِذا أَسْفر غير مشرق دفع بِهِ وبمن مَعَه يرِيه ويعلمه كَيفَ يَرْمِي الْجمار حَتَّى فرغ من الْحَج كُله، ثمَّ انْصَرف إِبْرَاهِيم رَاجعا إِلَى الشَّام فَتوفي بهَا.
فصل ذكر ولَايَة بني إِسْمَاعِيل الْكَعْبَة من بعده وَأمر جرهم
قَالَ ابْن إِسْحَاق: ولد لإسماعيل بن إِبْرَاهِيم اثْنَا عشر رجلا، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عَمْرو الجرهمي، ثَابت بن إِسْمَاعِيل وقيدار وواصل وميّاش وطيما وقطور وَقيس وقيدمان، وَكَانَ عمر إِسْمَاعِيل مائَة وَثَلَاثِينَ سنة، فَمن ثَابت وقيدار نشر الله الْعَرَب، وَكَانَ أكبرهم قيدار وثابت وَكَانَ من حَدِيث جرهم وَبني إِسْمَاعِيل: أَن إِسْمَاعِيل لما توفّي دفن فِي الْحجر مَعَ أمه فولى الْبَيْت ثَابت بن إِسْمَاعِيل مَا شَاءَ الله أَن يَلِيهِ، ثمَّ توفّي ثَابت بن إِسْمَاعِيل فولى بعده مضاض بن عَمْرو الجرهمي وَهُوَ جد ثَابت بن إِسْمَاعِيل أَبُو أمه وَضم بني ثَابت وَبني إِسْمَاعِيل إِلَيْهِ فصاروا مَعَ جدهم أبي أمّهم مضاض بن عَمْرو وَمَعَ أخوالهم من جرهم، وجرهم وقطوراً يَوْمئِذٍ أهل مَكَّة، وعَلى جرهم مضاض بن عَمْرو ملكا عَلَيْهِم، وعَلى قطورا رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ: السَّميدع ملكا عَلَيْهِم، وَكَانَ حِين ظعنا من الْيمن أَقبلَا سيارة، وَكَانُوا إِذا خَرجُوا من الْيمن لم يخرجهم إِلَّا وَلَهُم ملك يُقيم أَمرهم، فَلَمَّا نزلا مَكَّة رَأيا بَلَدا طيبا وآداماً وشجراً فأعجبهما وَنزلا بِهِ، فَنزل مضاض بن عَمْرو بِمن مَعَه من جرهم أَعلَى مَكَّة وقيقعان فَمَا حَاز ذَلِك، وَنزل السميدع أجيادين وأسفل مَكَّة فَمَا حَاز ذَلِك، وكل فِي قومه على حياله لَا يدْخل وَاحِد مِنْهُم على صَاحبه فِي ملكه، ثمَّ إِن جرهما وقطوراً بغى بَعضهم على بعض وتنافسوا الْملك فَاقْتَتلُوا بهَا حَتَّى نشبت الْحَرْب بَينهم على الْملك، وولاة الْأَمر بِمَكَّة مَعَ مضاض بن عَمْرو بَنو ثَابت بن إِسْمَاعِيل وَبَنُو إِسْمَاعِيل وَإِلَيْهِ ولَايَة الْبَيْت دون السميدع، فَلم يزل الْبَغي حَتَّى سَار بَعضهم إِلَى بعض
стр. 31
فَخرج مضاض بن عَمْرو من قيقعان فِي كَتِيبَة سائراً إِلَى السميدع وَمَعَ كتيبته عدتهَا من الرماح والدرق وَالسُّيُوف والجعاب يقعقع ذَلِك مَعَهم، وَيُقَال: مَا سميت قيقعان إِلَّا بذلك، وَخرج السميدع بقطوراً من أجياد مَعَه الْخَيل وَالرِّجَال، وَقيل: مَا سمي أجياداً إِلَّا لخُرُوج الْخَيل الْجِيَاد مَعَ السميدع حَتَّى الْتَقَوْا بفاضح فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل السميدع وفضحت قطوراً، وَيُقَال: مَا سمي فاضحاً إِلَّا بذلك ثمَّ إِن الْقَوْم تداعوا إِلَى الصُّلْح فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا للصالح شعب بِأَعْلَى مَكَّة يُقَال لَهُ: شعب عبد الله بن عَامر بن كويز، فَاصْطَلَحُوا بذلك الشّعب، وَأَسْلمُوا الْأَمر إِلَى مضاض بن عَمْرو فَلَمَّا جمع أَمر أهل مَكَّة وَصَارَ ملكهَا لَهُ دون السميدع نحر للنَّاس وأطعمهم فطبخ النَّاس وأكلوا، فَيُقَال: مَا سمي المطابخ مطابخاً إِلَّا بذلك، وَكَانَ الَّذِي بَين عَمْرو والسميدع أول بغي كَانَ بِمَكَّة فِيمَا يَزْعمُونَ، وَقيل: إِنَّمَا سميت المطابخ؛ لِأَن تبع نحر بهَا وَأطْعم وَكَانَت منزله بِمَكَّة، ثمَّ نشر الله تَعَالَى بني إِسْمَاعِيل ﵇ بِمَكَّة وأخوالهم جرهم إِذْ ذَاك هم الْحُكَّام وولاة الْبَيْت، فَلَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْهِم مَكَّة وانتشروا بهَا انبسطوا فِي الأَرْض وابتغوا المعاش والتفسح فِي الأَرْض، فَلَا يأْتونَ قوما، وَلَا ينزلون بَلَدا إِلَّا أظهرهم الله عَلَيْهِم بدينهم فوطئوهم وغلبوهم عَلَيْهَا حَتَّى ملئوا الْبِلَاد وَنَفَوْا عَنْهَا العماليق وَمن كَانَ سَاكِنا بِلَادهمْ الَّتِي كَانُوا اصْطَلحُوا عَلَيْهَا من غَيرهم، وجرهم على ذَلِك بِمَكَّة وُلَاة الْبَيْت لَا ينازعهم إِيَّاه بَنو إِسْمَاعِيل لخؤوليتهم وقرابتهم. قَالَ بعض أهل الْعلم: كَانَت العماليق هُوَ وُلَاة الحكم بِمَكَّة فضيعوا حُرْمَة الْحرم، وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ أموراً عظاماً ونالوا مَا لم يَكُونُوا ينالون، فَقَامَ رجل مِنْهُم
стр. 32
يُقَال لَهُ: عُمُوم فَقَالَ: يَا قوم أَبقوا على أَنفسكُم فقد رَأَيْتُمْ وسمعتم من أهلك من صدر الْأُمَم قبلكُمْ قوم هود وَصَالح وَشُعَيْب، فَلَا تَفعلُوا وتواصلوا وَلَا تستخفوا بحرم الله وَمَوْضِع بَيته، وَإِيَّاكُم وَالظُّلم والإلحاد فِيهِ، فَإِنَّهُ مَا سكنه أحد قطّ فظلك فِيهِ وألحد إِلَّا قطع الله دابرهم واستأصل شأفتهم وَبدل أرْضهَا غَيرهم حَتَّى لَا يبْقى لَهُم بَاقِيَة، فَلم يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ وتمادوا فِي هلكة أنفسهم، ثمَّ إِن جرهماً وقطوراً خَرجُوا سيارة من الْيمن وأجدبت عَلَيْهِم فَسَارُوا بذراريهم وأنفسهم وَأَمْوَالهمْ، وَقَالُوا: نطلب مَكَانا فِيهِ مرعى تسمن فِيهِ ماشيتنا إِن أعجبنا أَقَمْنَا فِيهِ وَإِلَّا رَجعْنَا إِلَى بِلَادنَا، فَلَمَّا قدمُوا مَكَّة وجدوا فِيهَا مَاء معينا وعضاة ملتفة من سلم وَسمر، ونباتاً أسمن مَوَاشِيهمْ وسعة من الْبِلَاد ودفئاً من الْبرد فِي الشتَاء، قَالُوا إِن هَذَا الْموضع يجمع لنا مَا نُرِيد فأقاموا مَعَ العماليق، وَكَانَ لَا يخرج من الْيمن قوم إِلَّا وَلَهُم ملك يُقيم أَمرهم، وَكَانَ ذَلِك سنة فيهم وَلَو كَانُوا نَفرا يَسِيرا، فَكَانَ مضاض بن عَمْرو ملك جرهم وَكَانَ السميدع ملك قطوراً فَنزل مضاض بن عَمْرو على مَكَّة، فَكَانَ يعشر من دَخلهَا من أَعْلَاهَا وَكَانَ حوزهم وَجه الْكَعْبَة والركن الْأسود وَالْمقَام وَمَوْضِع زَمْزَم مصعد يَمِينا وَشمَالًا وقيقعان إِلَى أَعلَى الْوَادي، وَنزل السميدع أَسْفَل مَكَّة وأجيادين وَكَانَ يعشر من دخل مَكَّة من أَسْفَلهَا، وَكَانَ حوزهم المسفلة وَظهر الْكَعْبَة والركن الْيَمَانِيّ والغربي وأجيادين فبنيا فِيهَا الْبيُوت واتسعا فِي الْمنَازل وكثروا على العماليق، فنازعتهم العماليق فمنعتهم جرهم وأخرجوهم من الْحرم كُله فَكَانُوا فِي أَطْرَافه لَا يدخلونه، فَقَالَ لَهُم صَاحبهمْ عَمْرو: ألم أقل لكم لَا تستخفوا بِحرْمَة الْحرم فغلبتموني؟ فَجعل مضاض والسميدع يقْطَعَانِ الْمنَازل لمن ورد عَلَيْهِمَا من حولهما فَوْقهمَا وكثروا وربلوا وأعجبهم الْبِلَاد، وَكَانُوا قوما عربا وَكَانَ اللِّسَان عَرَبيا، فَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ يزور إِسْمَاعِيل، فَلَمَّا سمع لسانهم وإعرابهم سمع لَهُم كلَاما حسنا وَرَأى قوما عربا، وَكَانَ إِسْمَاعِيل قد أَخذ بلسانهم، فَأمر
стр. 33
إِسْمَاعِيل أَن ينْكح فيهم فَخَطب إِلَى مضاض بن عَمْرو ابْنَته رعلة فَزَوجهُ إِيَّاهَا، فَولدت لَهُ عشرَة ذُكُور وَهِي الَّتِي غسلت رَأس إِبْرَاهِيم حِين وضع رجله على الْمقَام، وَتُوفِّي إِسْمَاعِيل وَترك ولدا من رعلة بنت مضاض بن عَمْرو فَقَامَ مضاض بِأَمْر ولد إِسْمَاعِيل وكفلهم؛ لأَنهم بَنو ابْنَته، فَلم يزل أَمر جرهم يعظم بِمَكَّة ويستفحل حَتَّى ولوا الْبَيْت فَكَانُوا ولاته وحجابه وولاة الْأَحْكَام بِمَكَّة، فجَاء سيل فَدخل الْبَيْت فانهدم فأعادته جرهم على بِنَاء إِبْرَاهِيم ﵇، وَكَانَ طوله فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع وَقَالَ بعض أهل الْعلم: كَانَ الَّذِي بنى الْبَيْت لجرهم أَبُو الجدرة فيمس عَمْرو " الجادر " وَسمي بنوه " الجدرة "، ثمَّ إِن جرهم استخفت بِأَمْر الْبَيْت وَالْحرم وارتكبوا أموراً عَظِيمَة وأحدثوا فِيهَا أحداثاً لم تكن، فَقَامَ مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث فيهم خَطِيبًا فَقَالَ: يَا قوم احْذَرُوا الْبَغي فَإِنَّهُ لَا بَقَاء لأَهله قد رَأَيْتُمْ من كَانَ قبلكُمْ استخفوا بِالْحرم فَلم يعظموه وَتَنَازَعُوا بَينهم وَاخْتلفُوا، حَتَّى سلطكم الله عَلَيْهِم فأخرجتموهم فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد فَلَا تستخفوا بِحَق الْحرم وَحُرْمَة الْبَيْت، فَإِنَّكُم إِن فَعلْتُمْ ذَلِك تخوفت أَن تخْرجُوا مِنْهُ خُرُوج ذل وصغار حَتَّى لَا يقدر أحد مِنْكُم أَن يصل إِلَى الْحرم وَلَا إِلَى زِيَارَة الْبَيْت، فَقَالَ قَائِل مِنْهُم يُقَال لَهُ: مخدع: من الَّذِي يخرجنا مِنْهُ؟ أَلسنا أعز الْعَرَب وَأَكْثَرهم رجَالًا وأموالاً وسلاحاً؟ فَقَالَ مضاض بن عَمْرو: إِذا جَاءَ الْأَمر بَطل مَا تَقولُونَ. فَلم يقتصروا على شَيْء مِمَّا كَانُوا يصنعون، وَكَانَ للبيت خزانَة تبر فِي بَطنهَا يلقى فِيهَا الحلى وَالْمَتَاع الَّذِي يعدي لَهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ لَا سقف لَهُ، فتواعد لَهُ خَمْسَة نفر من جرهم أَن يسرقوا مَا فِيهِ على كل زَاوِيَة من الْبَيْت رجل مِنْهُم واقتحم الْخَامِس فَجعل الله أَعْلَاهُ أَسْفَله وَسقط مُنَكسًا على ذَلِك، وَقيل: لما دخل الْبِئْر سقط عَلَيْهِ حجر من شَفير الْبِئْر فحبسه فِيهَا، وفر الْأَرْبَعَة. قَالَ آخَرُونَ: فَعِنْدَ ذَلِك مسخت الْأَركان الْأَرْبَعَة فَلَمَّا كَانَ من أَمر هَؤُلَاءِ الَّذين حاولوا سَرقَة مَا فِي خزانَة الْكَعْبَة مَا كَانَ، بعث الله سُبْحَانَهُ حَيَّة سَوْدَاء الظّهْر بَيْضَاء الْبَطن رَأسهَا مثل رَأس الجدي فحرست الْبَيْت خَمْسمِائَة سنة لَا يقربهُ أحد بِشَيْء من معاصي الله تَعَالَى إِلَّا أهلكه الله وَلَا يقدر أحد على سَرقَة مَا كَانَ فِي الْكَعْبَة وَسَيَأْتِي قصَّة رفع الْحَيَّة عِنْد بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة وَلما طغت جرهم فِي الْحرم دخل رجل مِنْهُم وَامْرَأَة يُقَال لَهما: إساف ونائلة الْبَيْت ففجرا فِيهِ، وَقيل: لم يفجر بهَا فِي الْبَيْت وَلَكِن قبّلها، فمسخهما الله حجرين فأخرجا
стр. 34
من الْكَعْبَة ونصبا على الصَّفَا والمروة؛ ليعتبر بهما من رآهما وليزدجر النَّاس عَن مثل مَا ارتكبا، فَلم يزل أَمرهمَا يدرس ويتقادم حَتَّى صَارا صنمين يعبدان حَتَّى كَانَ يَوْم الْفَتْح فكسرا، وَكَانَت مَكَّة لَا يقر فِيهَا ظَالِم وَلَا بَاغ وَلَا فَاجر إِلَّا نفى مِنْهَا، وَكَانَ نزلها بِعَهْد العماليق وجرهم جبابرة، فَكل من أَرَادَ الْبَيْت بِسوء أهلكه الله، فَكَانَت تسمى بذلك الباسة وبكة.
فصل ذكر ولَايَة خُزَاعَة الْكَعْبَة بعد جرهم وَأمر مَكَّة
عَن أبي صَالح قَالَ: لما طَالَتْ ولَايَة جرهم استحلوا من الْحرم أموراً عظاماً، ونالوا مَا لم يَكُونُوا ينالون، وأكلوا مَال الْكَعْبَة الَّذِي يهدي إِلَيْهَا سرا وَعَلَانِيَة، وَكلما عدا سَفِيه مِنْهُم على مُنكر وجد من أَشْرَافهم من يمنعهُ وَيدْفَع عَنهُ، وظلموا من دَخلهَا من غير أَهلهَا حَتَّى دخل إساف بنائلة الْكَعْبَة ففجر بهَا، أَو قبّلها فمسخا حجرين، فرق أَمرهم فَمِنْهَا وضعُوا وَتَنَازَعُوا أَمرهم بَينهم وَاخْتلفُوا وَكَانُوا قبل ذَلِك من أعز حَيّ فِي الْعَرَب وَأَكْثَرهم رجَالًا وأموالاً وسلاحاً، فَلَمَّا رأى ذَلِك مضاض بن عَمْرو قَامَ فيهم خَطِيبًا ثمَّ ذكر مقَالَته لَهُم الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، وَمَا قَالَ لَهُ مخدع فِي الْجَواب، فَعِنْدَ ذَلِك عمد مضاض بن عَمْرو إِلَى غزالين كَانَا فِي الْكَعْبَة من ذهب وأسياف قلعية فَدَفعهَا فِي مَوضِع بِئْر زَمْزَم، وَكَانَ مَاء زَمْزَم قد نضب وَذهب لما أحدثت جرهم فِي الْحرم مَا أحدثت حَتَّى عَفا مَكَان الْبِئْر ودرس، فَقَامَ مضاض بن عَمْرو وَبَعض وَلَده فِي لَيْلَة مظْلمَة فحفر فِي مَوضِع زَمْزَم وأعمق ثمَّ دفن فِيهَا الأسياف والغزالين، فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذْ كَانَ من أهل مأرب مَا كَانَ، وَذَلِكَ أَلْقَت طريفة الكاهنة إِلَى زَوجهَا عَمْرو بن عَامر، الَّذِي يُقَال لَهُ: مزيقياء بن مَاء السَّمَاء وَهُوَ عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن امْرِئ الْقَيْس أَنَّهَا قد رَأَتْ فِي كهانتها أَن سد مأرب
стр. 35
سيخرب وَأَنه سَيَأْتِي سيل العرم فيخرب الجنتين، فَبَاعَ عَمْرو بن عَامر أَمْوَاله وَسَار هُوَ وَقَومه من بلد إِلَى بلد لَا يطئون بَلَدا إِلَّا غلبوا عَلَيْهِ وقهروا أَهله حَتَّى يخرجُوا مِنْهُ، وَلذَلِك حَدِيث طَوِيل مَذْكُور فِي مَحَله، فَلَمَّا قاربوا مَكَّة سَارُوا وَمَعَهُمْ طريفة الكاهنة، فَقَالَت لَهُم: سِيرُوا فَلَنْ تجتمعوا أَنْتُم وَمن خَلفْتُمْ أبدا ثمَّ قَالَت لَهُم: وَحقّ مَا أَقُول مَا عَلمنِي مَا أَقُول إِلَّا الْحَكِيم الْمُحكم رب جَمِيع الْإِنْس من عرب وَمن عجم. قَالُوا لَهَا: مَا شَأْنك يَا طريفة؟ قَالَت: خُذُوا الْبَعِير الشدقم فخضبوه بِالدَّمِ بلون أَرض جرهم جيران بَيته الْمحرم، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى مَكَّة وَأَهْلهَا جرهم قد قهروا النَّاس وحازوا ولَايَة الْبَيْت على بني إِسْمَاعِيل وَغَيرهم، أرسل إِلَيْهِم ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر يَقُول: إِنَّا قد خرجنَا من بِلَادنَا فَلم ننزل بَلَدا إِلَّا فسح أَهلهَا لنا وَمن خَرجُوا عَنَّا فنقيم مَعَهم حَتَّى نرسل روادنا فيرتادوا لنا بَلَدا تحملنا فأفسحوا لنا فِي بِلَادكُمْ حَتَّى نُقِيم قدر مَا نستريح وَنُرْسِل روادنا إِلَى الشَّام وَإِلَى الْمشرق فَحَيْثُمَا بلغنَا أَنه أمثل لحقنا بِهِ، وَأَرْجُو أَن يكون مقامنا مَعكُمْ يَسِيرا، فَأَبت جرهم ذَلِك واستكبروا فِي أنفسهم وَقَالُوا: لَا وَالله مَا نحب أَن ينزلُوا مَعنا فيضيقوا علنا مراحلنا ومواردنا فارحلوا عَنَّا حَيْثُ جئْتُمْ فَلَا حَاجَة لنا بجواركم، فَأرْسل إِلَيْهِم ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر أَنه لَا بُد لي من الْمقَام بِهَذَا الْبَلَد حولا حَتَّى ترجع إليّ رُسُلِي الَّتِي أرْسلت، فَإِن تركتموني طَوْعًا نزلت وحمدتكم وآسيتكم فِي الرعى وَالْمَاء، وَإِن أَبَيْتُم أَقمت على كرهكم ثمَّ لم ترعوا معي إِلَّا فضلا فَإِن قاتلتموني قاتلتكم ثمَّ إِن ظَهرت عَلَيْكُم سبيت النِّسَاء وَقتلت الرِّجَال وَلم أترك مِنْكُم أحدا ينزل الْحرم أبدا، فَأَبت جرهم أَن تتركه طَوْعًا وَبعثت لقتاله فَاقْتَتلُوا ثَلَاثَة أَيَّام، فانهزمت جرهم فَلم ينفلت مِنْهُم إِلَّا الشريد، وَكَانَ مضاض بن عَمْرو قد اعتزل جرهم وَلم يُعِنْهُمْ فِي ذَلِك وَقَالَ: قد كنت أحذركم من هَذَا ثمَّ رَحل هُوَ وَولده وَأهل بَيته حَتَّى نزلُوا قنونى
стр. 36
وحلى وَمَا حول ذَلِك وفنيت جرهم أفناهم السَّيْف فِي تِلْكَ الْحَرْب، وشرد بَقِيَّة جرهم وَسَارُوا بهم فِي الْبِلَاد وسلط عَلَيْهِم الذَّر والرعاف، وَهلك بَقِيَّتهمْ بأضم حَتَّى كَانَ آخِرهم موتا امْرَأَة رئيت تَطوف بِالْبَيْتِ بعد خُرُوجهمْ مِنْهَا بِزَمَان فعجبوا من طولهَا وَعظم خلقتها حَتَّى قَالَ لَهَا قَائِل: أجنية أم إنسية؟ فَقَالَت: بل إنسية من جرهم، وأنشدت رجزاً فِي معنى حَدِيثهمْ، واستكبرت بَعِيرًا من رجلَيْنِ من جُهَيْنَة فاحتملاها على الْبَعِير إِلَى أَرض خَيْبَر فَلَمَّا أنزلاها بالمنزل الَّذِي سمت لَهما سألاها عَن المَاء فَأَشَارَتْ لَهما إِلَى مَوضِع المَاء فوليا عَنْهَا وَإِذا الذَّر قد تعلق بهَا حَتَّى بلغ خاشيمها وَهِي تنادي بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور حَتَّى دخل الذَّر حلقها وَسَقَطت لوجهها وَذهب الجهينيان إِلَى المَاء فاستوطناه، فَمن هُنَالك صَار موقع جُهَيْنَة بالحجاز وَقرب الْمَدِينَة وَإِنَّمَا هم من قضاعة، وقضاعة من ريف الْعرَاق وَأقَام ثَعْلَبَة بِمَكَّة وَمَا حولهَا فِي قومه وعساكره حولاه فَأَصَابَتْهُمْ الْحمى، وَكَانُوا بِبَلَد لَا يَدْرُونَ فِيهِ بالحمى فدعوا طريفة فشكوا إِلَيْهَا الَّذِي أَصَابَهُم، فَقَالَت لَهُم: قد أصابني الَّذِي تشكون وَهُوَ مفرّق مَا بَيْننَا قَالُوا: فَمَاذَا تأمرين؟ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا هم بعيد وَحمل شَدِيد ومزاد جَدِيد فليلحق بقصر عمان المشيد فَكَانَ أَزْد عمان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا جلد وَقصر وصبر على أزمات الدَّهْر فَعَلَيهِ بالأراك من بطن مر فَكَانَت خُزَاعَة، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الراسيات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل فليلحق بِيَثْرِب ذَات النّخل، فَكَانَت الْأَوْس والخزرج، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الْخمر والخمير وَالْملك والمعامير ويلبس الديباج وَالْحَرِير فليلحق
стр. 37
ببصرى وعوير وهما من أَرض الشَّام فَكَانَ الَّذِي سكنهما آل جَفْنَة من غَسَّان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الثِّيَاب الرقَاق وَالْخَيْل الْعتاق وكنوز الأوراق وَالدَّم المهراق فليلحق بالعراق فَكَانَ الَّذِي سكنها " آل خُزَيْمَة الأبرس " حَتَّى جَاءَهُم روادهم، فافترقوا من مَكَّة فرْقَتَيْن فرقة تَوَجَّهت إِلَى عمان وَهُوَ أَزْد عمان، وَسَار ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر نَحْو الشَّام فَنزلت الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر وهم الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ، وَمَضَت غَسَّان فنزلوا الشَّام، فانحازت خُزَاعَة إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا ربيعَة بن حَارِثَة بن عمر بن عَامر وَهُوَ لحي فولي أَمر مَكَّة وحجابة الْكَعْبَة، فَلَمَّا أخررت خُزَاعَة أَمر مَكَّة وصاروا أَهلهَا، جَاءَهُم بَنو إِسْمَاعِيل وَقد كَانُوا اعتزلوا حَرْب جرهم وخزاعة فَسَأَلُوهُمْ السُّكْنَى مَعَهم وحولهم فأذنوا لَهُم، فَلَمَّا رأى ذَلِك مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث وَقد كَانَ أَصَابَهُ من الصبابة إِلَى مَكَّة مَا أحزنه، أرسل إِلَى خُزَاعَة يستأذنهم فِي الدُّخُول عَلَيْهِم وَالنُّزُول مَعَهم بِمَكَّة فِي جوارهم، ومتّ إِلَيْهِم بِرَأْيهِ وتوريعه قومه عَن الْقِتَال وَسُوء السِّيرَة فِي الْحرم واعتزاله الْحَرْب، فَأَبت خُزَاعَة أَن يقربوهم ونفتهم عَن الْحرم كُله، وَلم يتركوهم ينزلون مَعَهم، فَقَالَ عَمْرو بن لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر لِقَوْمِهِ: من وجد مِنْكُم جرهميّاً وَقد قَارب الْحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي من قنوني تُرِيدُ مَكَّة فَخرج فِي طلبَهَا حَتَّى وجد أَثَرهَا قد رحلت مَكَّة، فَمضى على الْجبَال من نَحْو أجياد حَتَّى ظهر على أبي قبيس يبصر الْإِبِل فِي بطن وَادي مَكَّة، فأبصر الْإِبِل تنحر وتؤكل لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا يخَاف إِن هَبَط الْوَادي أَن يقتل فولى منصرفاً إِلَى أَهله وَأَنْشَأَ يَقُول: اد جَدِيد فليلحق بقصر عمان المشيد فَكَانَ أَزْد عمان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا جلد وَقصر وصبر على أزمات الدَّهْر فَعَلَيهِ بالأراك من بطن مر فَكَانَت خُزَاعَة، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الراسيات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل فليلحق بِيَثْرِب ذَات النّخل، فَكَانَت الْأَوْس والخزرج، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الْخمر والخمير وَالْملك والمعامير ويلبس الديباج وَالْحَرِير فليلحق ببصرى وعوير وهما من أَرض الشَّام فَكَانَ الَّذِي سكنهما آل جَفْنَة من غَسَّان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الثِّيَاب الرقَاق وَالْخَيْل الْعتاق وكنوز الأوراق وَالدَّم المهراق فليلحق بالعراق فَكَانَ الَّذِي سكنها " آل خُزَيْمَة الأبرس " حَتَّى جَاءَهُم روادهم، فافترقوا من مَكَّة فرْقَتَيْن فرقة تَوَجَّهت إِلَى عمان وَهُوَ أَزْد عمان، وَسَار ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر نَحْو الشَّام فَنزلت الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر وهم الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ، وَمَضَت غَسَّان فنزلوا الشَّام، فانحازت خُزَاعَة إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا ربيعَة بن حَارِثَة بن عمر بن عَامر وَهُوَ لحي فولي أَمر مَكَّة وحجابة الْكَعْبَة، فَلَمَّا أخررت خُزَاعَة أَمر مَكَّة وصاروا أَهلهَا، جَاءَهُم بَنو إِسْمَاعِيل وَقد كَانُوا اعتزلوا حَرْب جرهم وخزاعة فَسَأَلُوهُمْ السُّكْنَى مَعَهم وحولهم فأذنوا لَهُم، فَلَمَّا رأى ذَلِك مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث وَقد كَانَ أَصَابَهُ من الصبابة إِلَى مَكَّة مَا أحزنه، أرسل إِلَى خُزَاعَة يستأذنهم فِي الدُّخُول عَلَيْهِم وَالنُّزُول مَعَهم بِمَكَّة فِي جوارهم، ومتّ إِلَيْهِم بِرَأْيهِ وتوريعه قومه عَن الْقِتَال وَسُوء السِّيرَة فِي الْحرم واعتزاله الْحَرْب، فَأَبت خُزَاعَة أَن يقربوهم ونفتهم عَن الْحرم كُله، وَلم يتركوهم ينزلون مَعَهم، فَقَالَ عَمْرو بن لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر لِقَوْمِهِ: من وجد مِنْكُم جرهميّاً وَقد قَارب الْحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي من قنوني تُرِيدُ مَكَّة فَخرج فِي طلبَهَا حَتَّى وجد أَثَرهَا قد رحلت مَكَّة، فَمضى على الْجبَال من نَحْو أجياد حَتَّى ظهر على أبي قبيس يبصر الْإِبِل فِي بطن وَادي مَكَّة، فأبصر الْإِبِل تنحر وتؤكل لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا يخَاف إِن هَبَط الْوَادي أَن يقتل فولى منصرفاً إِلَى أَهله وَأَنْشَأَ يَقُول: كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر الأبيات وَانْطَلق مضاض بن عَمْرو نَحْو الْيمن إِلَى أَهله وَهُوَ يتذاكرون مَا حَال بَينهم
стр. 38
وَبَين مَكَّة، وَمَا فارقوا من أمنها وملكها فَحَزِنُوا على ذَلِك حزنا شَدِيدا فبكوا على مَكَّة، وَجعلُوا يَقُولُونَ الْأَشْعَار فِي مَكَّة، واختصت خُزَاعَة بحجابة الْكَعْبَة وَولَايَة أَمر مَكَّة وَفِيهِمْ بَنو إِسْمَاعِيل ﵇ بِمَكَّة وحولها، لَا ينازعهم أحد مِنْهُم فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا يطلبونه، فَتزَوج لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بهبرة بنت عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي ملك جرهم فَولدت لَهُ عمرا وَهُوَ عَمْرو بن لحي وَبلغ بِمَكَّة وَفِي الْعَرَب من الشّرف مَا لَا يبلغهُ عَرَبِيّ قبله وَلَا بعده فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهُوَ الَّذِي قسم بَين الْعَرَب فِي حطمة حطموها عشرَة آلَاف نَاقَة، وَقد كَانَ فَقَأَ عين عشْرين فحلاً، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ملك ألف نَاقَة فَقَأَ عين فَحل إبِله، وَكَانَ أول من أطْعم الْحَاج بِمَكَّة سدائف الْإِبِل ولحمانه على الثَّرِيد وَعم فِي تِلْكَ السّنة جَمِيع حَاج العري بِثَلَاثَة أَثوَاب من برود الْيمن، وَكَانَ قد ذهب شرفه فِي الْعَرَب كل مَذْهَب، وَكَانَ قَوْله فيهم دينا منيفاً لَا يُخَالف، وَهُوَ الَّذِي بَحر الْبحيرَة ووصّل الوصيلة وَحمى الحام وسيّب السائبة وَنصب الْأَصْنَام حول الْكَعْبَة، وَجَاء بهبل من هيت من أَرض الجزيرة فنصبه فِي بطن الْكَعْبَة فَكَانَت قُرَيْش تستقسم عِنْده بالأزلام، وَهُوَ أول من غير الحنيفية دين إِبْرَاهِيم ﵇، فَكَانَ عَمْرو بن لحي يَلِي الْبَيْت وَولده من بعده خَمْسمِائَة سنة حَتَّى كَانَ آخِرهم " خَلِيل بن حبشية " بن سلول بن كَعْب بن عَمْرو فَتزَوج إِلَيْهِ قصي ابْنَته حبى ابْنة خَلِيل، وَكَانُوا هم حجابه وخزانه والقوام بِهِ وولاة الحكم بِمَكَّة، وَهُوَ عَامر لم يجر فِيهِ خراب وَلم يبن خُزَاعَة فِيهِ شَيْئا بعد جرهم وَلم يسرق مِنْهُ شَيْء علمناه وَلَا سمعنَا بِهِ، وترافدوا على تَعْظِيمه والذب عَنهُ.
стр. 39
فصل مَا جَاءَ فِي ولَايَة قصي بن كلاب الْبَيْت الْحَرَام وَأمر مَكَّة بعد خُزَاعَة: عَن ابْن جريج وَابْن إِسْحَاق قَالَا: إِقَامَة خُزَاعَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ من ولَايَة الْبَيْت وَالْحكم بِمَكَّة ثَلَاثمِائَة سنة، وَكَانَ بعض التبابعة قد سَار إِلَيْهِ وَأَرَادَ هَدمه وتخريبه فَقَامَتْ دونه خُزَاعَة فقاتلت عَلَيْهِ أَشد الْقِتَال حَتَّى رَجَعَ ثمَّ جَاءَ آخر فكذاك، وَأما تبع الثَّالِث الَّذِي نحر لَهُ وكساه وَجعل لَهُ علفاً، وَأقَام عِنْده أَيَّامًا ينْحَر كل يَوْم مائَة بَدَنَة لَا يرزؤه هُوَ وَلَا أحدا من عسكره شَيْء مِنْهَا، يردهَا النَّاس فِي اللخاخ والشعاب فَيَأْخُذُونَ مِنْهَا حوائجهم ثمَّ يَقع الطير عَلَيْهَا فيأكل ثمَّ يتناهبها السبَاع إِذا أمست لَا يرد عَنْهَا إِنْسَان وَلَا طَائِر وَلَا سبع ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن إِنَّمَا كَانَ فِي عهد قُرَيْش فَمَكثت خُزَاعَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ وقريش إِذْ ذَاك فِي بني كنَانَة مُتَفَرِّقَة، وَقد قدم فِي بعض الزَّمَان حَاج قضاعة فيهم ربيعَة بن حزَام بن ضبة بن عبد كثير بن عذرة بن سعد بن زيد، وَقد هلك كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وَترك زهرَة وقصيا ابْني كلاب مَعَ فَاطِمَة بنت عَمْرو بن سعد بن شنل وزهرة أكبرهما فَتزَوج ربيعَة بن حزَام أمهما، وزهرة رجل بَالغ وقصي فطيم أَو فِي سنّ الفطيم، فاحتملها ربيعَة إِلَى بِلَاده من أَرض عدن من أَشْرَاف الشَّام فاحتملت مَعهَا قصيّا لصغره وتخلف زهرَة فِي قومه، فَولدت فَاطِمَة بنت عَمْرو لِرَبِيعَة رزاح بن ربيعَة فَكَانَ أَخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حزَام من امْرَأَة أُخْرَى ثَلَاثَة نفر حن ومحمودة وجلهمة بَنو ربيعَة، فَبينا قصي بن كلاب فِي أَرض قضاعة لَا ينتمي إِلَّا إِلَى ربيعَة بن حزَام إِذْ كَانَ بَينه وَبَين رجل من قضاعة شَيْء وقصي قد بلغ فَقَالَ لَهُ الْقُضَاعِي: أَلا تلْحق بنسبك وقومك فَإنَّك لست منا. فَرجع قصيّ إِلَى أمه وَقد وجد فِي نَفسه مِمَّا قَالَ لَهَا الْقُضَاعِي فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ لَهُ فَقَالَت: أَنْت وَالله يَا بني خير مِنْهُ
стр. 40
وَأكْرم أَنْت ابْن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وقومك عِنْد الْبَيْت الْحَرَام وَمَا حوله. فأجمع قصي على الْخُرُوج إِلَى قومه واللحاق بهم وَكره الغربة فِي أَرض قضاعة فَقَالَت لَهُ أمه: يَا بني لَا تعجل بِالْخرُوجِ حَتَّى يدْخل عَلَيْك الشَّهْر الْحَرَام فَتخرج فِي حَاج الْعَرَب فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك. فَأَقَامَ قصي حَتَّى دخل الشَّهْر الْحَرَام وَخرج فِي حَاج قضاعة حَتَّى قدم مَكَّة فَلَمَّا فرغ من الْحَج وَأقَام بهَا، وَكَانَ قصي رجلا جليداً حازماً بارعاً فَخَطب إِلَى خَلِيل بن حبشية الْخُزَاعِيّ ابْنَته حبى ابْنة خَلِيل، فَعرف خَلِيل النّسَب فَرغب فِي الرجل فَزَوجهُ خَلِيل، وَكَانَ خَلِيل يَوْمئِذٍ يَلِي الْكَعْبَة وَأمر مَكَّة، فَأَقَامَ قصي مَعَه حَتَّى ولدت حبى لقصي عبد الدَّار وَهُوَ أكبر وَلَده وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد بن قصي. فَكَانَ خَلِيل بِفَتْح الْبَيْت، فَإِذا اعتل أعْطى ابْنَته حبى الْمِفْتَاح ففتحته فَإِذا اعتلت أَعْطَتْ الْمِفْتَاح زَوجهَا قصياً أَو بعض وَلَدهَا ففتحه، وَكَانَ قصي يعْمل فِي حيازته إِلَيْهِ وَقطع ذكر خُزَاعَة عَنهُ، فَلَمَّا حضرت خَلِيلًا الْوَفَاة نظر إِلَى قصي وَإِلَى مَا انْتَشَر لَهُ من الْوَلَد من ابْنَته فَرَأى أَن يَجْعَلهَا فِي ولد ابْنَته، فدعى قصيّاً فَجعل لَهُ ولَايَة الْبَيْت وَأسلم إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَكَانَ يكون عِنْد حبى، فَلَمَّا هلك خَلِيل أَبَت خُزَاعَة أَن تَدعه وَذَاكَ وَأخذُوا الْمِفْتَاح من حبى، وَيذكر أَيْضا أَن أَبَا غبشان من خُزَاعَة، واسْمه سليم، وَكَانَت لَهُ ولَايَة الْكَعْبَة بَاعَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة من قصي بزق خمر فَقيل: " أخسر من صَفْقَة أبي غبشان " ذكره المَسْعُودِيّ والأصبهاني فِي الْأَمْثَال. فَعِنْدَ ذَلِك هَاجَتْ الْحَرْب بَينه وَبَين خُزَاعَة، فَمشى قصي إِلَى رجال من قومه قُرَيْش وَبني كنَانَة ودعاهم إِلَى أَن يقومُوا مَعَه فِي ذَلِك وَأَن ينصروه ويعضدوه فَأَجَابُوهُ إِلَى نَصره، وَأرْسل قصي إِلَى أَخِيه لأمه رزاح بن ربيعَة وَهُوَ بِبِلَاد قومه من قضاعة يَدعُوهُ إِلَى نَصره ويعلمه مَا حَالَتْ خُزَاعَة بَينه وَبَينه من ولَايَة الْبَيْت، ويسأله الْخُرُوج إِلَيْهِ من إِجَابَة قومه، فَقَامَ رزاح فِي قومه فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَخرج رزاح بن ربيعَة وَمَعَهُ إخْوَته من أَبِيه فِيمَن تَبِعَهُمْ من قضاعة فِي حَاج الْعَرَب مُجْتَمعين بالنصر قصي وَالْقِيَام مَعَه، وفلما اجْتمع النَّاس بِمَكَّة خَرجُوا إِلَى الْحَج فوقفوا بِعَرَفَة ونزلوا منى، وقصي مجمع على مَا أجمع عَلَيْهِ من قِتَالهمْ بِمن مَعَه من قُرَيْش وَبني كنَانَة وَمن قدم عَلَيْهِ مَعَ أَخِيه رزاح من قضاعة، فَلَمَّا كَانَ آخر أَيَّام منى أرْسلت قضاعة إِلَى خُزَاعَة يَسْأَلُونَهُمْ أَن يسلمُوا إِلَى قصي مَا جعل لَهُ خَلِيل، وعظموا عَلَيْهِم الْقِتَال فِي الْحرم وحذروهم الظُّلم وَالْبَغي بِمَكَّة وذكروهم مَا كَانَت فِيهِ جرهم وَمَا صَارَت إِلَيْهِ حِين ألحدوا فِيهِ الظُّلم، فَأَبت خُزَاعَة أَن تسلم ذَلِك فَاقْتَتلُوا بمنقضى مأزمي منى فَسمى
следующие страницы →