Полный текст (329 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وحلى وَمَا حول ذَلِك وفنيت جرهم أفناهم السَّيْف فِي تِلْكَ الْحَرْب، وشرد بَقِيَّة جرهم وَسَارُوا بهم فِي الْبِلَاد وسلط عَلَيْهِم الذَّر والرعاف، وَهلك بَقِيَّتهمْ بأضم حَتَّى كَانَ آخِرهم موتا امْرَأَة رئيت تَطوف بِالْبَيْتِ بعد خُرُوجهمْ مِنْهَا بِزَمَان فعجبوا من طولهَا وَعظم خلقتها حَتَّى قَالَ لَهَا قَائِل: أجنية أم إنسية؟ فَقَالَت: بل إنسية من جرهم، وأنشدت رجزاً فِي معنى حَدِيثهمْ، واستكبرت بَعِيرًا من رجلَيْنِ من جُهَيْنَة فاحتملاها على الْبَعِير إِلَى أَرض خَيْبَر فَلَمَّا أنزلاها بالمنزل الَّذِي سمت لَهما سألاها عَن المَاء فَأَشَارَتْ لَهما إِلَى مَوضِع المَاء فوليا عَنْهَا وَإِذا الذَّر قد تعلق بهَا حَتَّى بلغ خاشيمها وَهِي تنادي بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور حَتَّى دخل الذَّر حلقها وَسَقَطت لوجهها وَذهب الجهينيان إِلَى المَاء فاستوطناه، فَمن هُنَالك صَار موقع جُهَيْنَة بالحجاز وَقرب الْمَدِينَة وَإِنَّمَا هم من قضاعة، وقضاعة من ريف الْعرَاق وَأقَام ثَعْلَبَة بِمَكَّة وَمَا حولهَا فِي قومه وعساكره حولاه فَأَصَابَتْهُمْ الْحمى، وَكَانُوا بِبَلَد لَا يَدْرُونَ فِيهِ بالحمى فدعوا طريفة فشكوا إِلَيْهَا الَّذِي أَصَابَهُم، فَقَالَت لَهُم: قد أصابني الَّذِي تشكون وَهُوَ مفرّق مَا بَيْننَا قَالُوا: فَمَاذَا تأمرين؟ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا هم بعيد وَحمل شَدِيد ومزاد جَدِيد فليلحق بقصر عمان المشيد فَكَانَ أَزْد عمان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا جلد وَقصر وصبر على أزمات الدَّهْر فَعَلَيهِ بالأراك من بطن مر فَكَانَت خُزَاعَة، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الراسيات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل فليلحق بِيَثْرِب ذَات النّخل، فَكَانَت الْأَوْس والخزرج، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الْخمر والخمير وَالْملك والمعامير ويلبس الديباج وَالْحَرِير فليلحق
стр. 37
ببصرى وعوير وهما من أَرض الشَّام فَكَانَ الَّذِي سكنهما آل جَفْنَة من غَسَّان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الثِّيَاب الرقَاق وَالْخَيْل الْعتاق وكنوز الأوراق وَالدَّم المهراق فليلحق بالعراق فَكَانَ الَّذِي سكنها " آل خُزَيْمَة الأبرس " حَتَّى جَاءَهُم روادهم، فافترقوا من مَكَّة فرْقَتَيْن فرقة تَوَجَّهت إِلَى عمان وَهُوَ أَزْد عمان، وَسَار ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر نَحْو الشَّام فَنزلت الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر وهم الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ، وَمَضَت غَسَّان فنزلوا الشَّام، فانحازت خُزَاعَة إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا ربيعَة بن حَارِثَة بن عمر بن عَامر وَهُوَ لحي فولي أَمر مَكَّة وحجابة الْكَعْبَة، فَلَمَّا أخررت خُزَاعَة أَمر مَكَّة وصاروا أَهلهَا، جَاءَهُم بَنو إِسْمَاعِيل وَقد كَانُوا اعتزلوا حَرْب جرهم وخزاعة فَسَأَلُوهُمْ السُّكْنَى مَعَهم وحولهم فأذنوا لَهُم، فَلَمَّا رأى ذَلِك مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث وَقد كَانَ أَصَابَهُ من الصبابة إِلَى مَكَّة مَا أحزنه، أرسل إِلَى خُزَاعَة يستأذنهم فِي الدُّخُول عَلَيْهِم وَالنُّزُول مَعَهم بِمَكَّة فِي جوارهم، ومتّ إِلَيْهِم بِرَأْيهِ وتوريعه قومه عَن الْقِتَال وَسُوء السِّيرَة فِي الْحرم واعتزاله الْحَرْب، فَأَبت خُزَاعَة أَن يقربوهم ونفتهم عَن الْحرم كُله، وَلم يتركوهم ينزلون مَعَهم، فَقَالَ عَمْرو بن لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر لِقَوْمِهِ: من وجد مِنْكُم جرهميّاً وَقد قَارب الْحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي من قنوني تُرِيدُ مَكَّة فَخرج فِي طلبَهَا حَتَّى وجد أَثَرهَا قد رحلت مَكَّة، فَمضى على الْجبَال من نَحْو أجياد حَتَّى ظهر على أبي قبيس يبصر الْإِبِل فِي بطن وَادي مَكَّة، فأبصر الْإِبِل تنحر وتؤكل لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا يخَاف إِن هَبَط الْوَادي أَن يقتل فولى منصرفاً إِلَى أَهله وَأَنْشَأَ يَقُول: اد جَدِيد فليلحق بقصر عمان المشيد فَكَانَ أَزْد عمان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم ذَا جلد وَقصر وصبر على أزمات الدَّهْر فَعَلَيهِ بالأراك من بطن مر فَكَانَت خُزَاعَة، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الراسيات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل فليلحق بِيَثْرِب ذَات النّخل، فَكَانَت الْأَوْس والخزرج، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الْخمر والخمير وَالْملك والمعامير ويلبس الديباج وَالْحَرِير فليلحق ببصرى وعوير وهما من أَرض الشَّام فَكَانَ الَّذِي سكنهما آل جَفْنَة من غَسَّان، ثمَّ قَالَت: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الثِّيَاب الرقَاق وَالْخَيْل الْعتاق وكنوز الأوراق وَالدَّم المهراق فليلحق بالعراق فَكَانَ الَّذِي سكنها " آل خُزَيْمَة الأبرس " حَتَّى جَاءَهُم روادهم، فافترقوا من مَكَّة فرْقَتَيْن فرقة تَوَجَّهت إِلَى عمان وَهُوَ أَزْد عمان، وَسَار ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر نَحْو الشَّام فَنزلت الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر وهم الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ، وَمَضَت غَسَّان فنزلوا الشَّام، فانحازت خُزَاعَة إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا ربيعَة بن حَارِثَة بن عمر بن عَامر وَهُوَ لحي فولي أَمر مَكَّة وحجابة الْكَعْبَة، فَلَمَّا أخررت خُزَاعَة أَمر مَكَّة وصاروا أَهلهَا، جَاءَهُم بَنو إِسْمَاعِيل وَقد كَانُوا اعتزلوا حَرْب جرهم وخزاعة فَسَأَلُوهُمْ السُّكْنَى مَعَهم وحولهم فأذنوا لَهُم، فَلَمَّا رأى ذَلِك مضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث وَقد كَانَ أَصَابَهُ من الصبابة إِلَى مَكَّة مَا أحزنه، أرسل إِلَى خُزَاعَة يستأذنهم فِي الدُّخُول عَلَيْهِم وَالنُّزُول مَعَهم بِمَكَّة فِي جوارهم، ومتّ إِلَيْهِم بِرَأْيهِ وتوريعه قومه عَن الْقِتَال وَسُوء السِّيرَة فِي الْحرم واعتزاله الْحَرْب، فَأَبت خُزَاعَة أَن يقربوهم ونفتهم عَن الْحرم كُله، وَلم يتركوهم ينزلون مَعَهم، فَقَالَ عَمْرو بن لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر لِقَوْمِهِ: من وجد مِنْكُم جرهميّاً وَقد قَارب الْحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي من قنوني تُرِيدُ مَكَّة فَخرج فِي طلبَهَا حَتَّى وجد أَثَرهَا قد رحلت مَكَّة، فَمضى على الْجبَال من نَحْو أجياد حَتَّى ظهر على أبي قبيس يبصر الْإِبِل فِي بطن وَادي مَكَّة، فأبصر الْإِبِل تنحر وتؤكل لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا يخَاف إِن هَبَط الْوَادي أَن يقتل فولى منصرفاً إِلَى أَهله وَأَنْشَأَ يَقُول: كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر الأبيات وَانْطَلق مضاض بن عَمْرو نَحْو الْيمن إِلَى أَهله وَهُوَ يتذاكرون مَا حَال بَينهم
стр. 38
وَبَين مَكَّة، وَمَا فارقوا من أمنها وملكها فَحَزِنُوا على ذَلِك حزنا شَدِيدا فبكوا على مَكَّة، وَجعلُوا يَقُولُونَ الْأَشْعَار فِي مَكَّة، واختصت خُزَاعَة بحجابة الْكَعْبَة وَولَايَة أَمر مَكَّة وَفِيهِمْ بَنو إِسْمَاعِيل ﵇ بِمَكَّة وحولها، لَا ينازعهم أحد مِنْهُم فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا يطلبونه، فَتزَوج لحي وَهُوَ ربيعَة بن حَارِثَة بهبرة بنت عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مضاض بن عَمْرو الجرهمي ملك جرهم فَولدت لَهُ عمرا وَهُوَ عَمْرو بن لحي وَبلغ بِمَكَّة وَفِي الْعَرَب من الشّرف مَا لَا يبلغهُ عَرَبِيّ قبله وَلَا بعده فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهُوَ الَّذِي قسم بَين الْعَرَب فِي حطمة حطموها عشرَة آلَاف نَاقَة، وَقد كَانَ فَقَأَ عين عشْرين فحلاً، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ملك ألف نَاقَة فَقَأَ عين فَحل إبِله، وَكَانَ أول من أطْعم الْحَاج بِمَكَّة سدائف الْإِبِل ولحمانه على الثَّرِيد وَعم فِي تِلْكَ السّنة جَمِيع حَاج العري بِثَلَاثَة أَثوَاب من برود الْيمن، وَكَانَ قد ذهب شرفه فِي الْعَرَب كل مَذْهَب، وَكَانَ قَوْله فيهم دينا منيفاً لَا يُخَالف، وَهُوَ الَّذِي بَحر الْبحيرَة ووصّل الوصيلة وَحمى الحام وسيّب السائبة وَنصب الْأَصْنَام حول الْكَعْبَة، وَجَاء بهبل من هيت من أَرض الجزيرة فنصبه فِي بطن الْكَعْبَة فَكَانَت قُرَيْش تستقسم عِنْده بالأزلام، وَهُوَ أول من غير الحنيفية دين إِبْرَاهِيم ﵇، فَكَانَ عَمْرو بن لحي يَلِي الْبَيْت وَولده من بعده خَمْسمِائَة سنة حَتَّى كَانَ آخِرهم " خَلِيل بن حبشية " بن سلول بن كَعْب بن عَمْرو فَتزَوج إِلَيْهِ قصي ابْنَته حبى ابْنة خَلِيل، وَكَانُوا هم حجابه وخزانه والقوام بِهِ وولاة الحكم بِمَكَّة، وَهُوَ عَامر لم يجر فِيهِ خراب وَلم يبن خُزَاعَة فِيهِ شَيْئا بعد جرهم وَلم يسرق مِنْهُ شَيْء علمناه وَلَا سمعنَا بِهِ، وترافدوا على تَعْظِيمه والذب عَنهُ.
стр. 39
فصل مَا جَاءَ فِي ولَايَة قصي بن كلاب الْبَيْت الْحَرَام وَأمر مَكَّة بعد خُزَاعَة: عَن ابْن جريج وَابْن إِسْحَاق قَالَا: إِقَامَة خُزَاعَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ من ولَايَة الْبَيْت وَالْحكم بِمَكَّة ثَلَاثمِائَة سنة، وَكَانَ بعض التبابعة قد سَار إِلَيْهِ وَأَرَادَ هَدمه وتخريبه فَقَامَتْ دونه خُزَاعَة فقاتلت عَلَيْهِ أَشد الْقِتَال حَتَّى رَجَعَ ثمَّ جَاءَ آخر فكذاك، وَأما تبع الثَّالِث الَّذِي نحر لَهُ وكساه وَجعل لَهُ علفاً، وَأقَام عِنْده أَيَّامًا ينْحَر كل يَوْم مائَة بَدَنَة لَا يرزؤه هُوَ وَلَا أحدا من عسكره شَيْء مِنْهَا، يردهَا النَّاس فِي اللخاخ والشعاب فَيَأْخُذُونَ مِنْهَا حوائجهم ثمَّ يَقع الطير عَلَيْهَا فيأكل ثمَّ يتناهبها السبَاع إِذا أمست لَا يرد عَنْهَا إِنْسَان وَلَا طَائِر وَلَا سبع ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن إِنَّمَا كَانَ فِي عهد قُرَيْش فَمَكثت خُزَاعَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ وقريش إِذْ ذَاك فِي بني كنَانَة مُتَفَرِّقَة، وَقد قدم فِي بعض الزَّمَان حَاج قضاعة فيهم ربيعَة بن حزَام بن ضبة بن عبد كثير بن عذرة بن سعد بن زيد، وَقد هلك كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وَترك زهرَة وقصيا ابْني كلاب مَعَ فَاطِمَة بنت عَمْرو بن سعد بن شنل وزهرة أكبرهما فَتزَوج ربيعَة بن حزَام أمهما، وزهرة رجل بَالغ وقصي فطيم أَو فِي سنّ الفطيم، فاحتملها ربيعَة إِلَى بِلَاده من أَرض عدن من أَشْرَاف الشَّام فاحتملت مَعهَا قصيّا لصغره وتخلف زهرَة فِي قومه، فَولدت فَاطِمَة بنت عَمْرو لِرَبِيعَة رزاح بن ربيعَة فَكَانَ أَخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حزَام من امْرَأَة أُخْرَى ثَلَاثَة نفر حن ومحمودة وجلهمة بَنو ربيعَة، فَبينا قصي بن كلاب فِي أَرض قضاعة لَا ينتمي إِلَّا إِلَى ربيعَة بن حزَام إِذْ كَانَ بَينه وَبَين رجل من قضاعة شَيْء وقصي قد بلغ فَقَالَ لَهُ الْقُضَاعِي: أَلا تلْحق بنسبك وقومك فَإنَّك لست منا. فَرجع قصيّ إِلَى أمه وَقد وجد فِي نَفسه مِمَّا قَالَ لَهَا الْقُضَاعِي فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ لَهُ فَقَالَت: أَنْت وَالله يَا بني خير مِنْهُ
стр. 40
وَأكْرم أَنْت ابْن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وقومك عِنْد الْبَيْت الْحَرَام وَمَا حوله. فأجمع قصي على الْخُرُوج إِلَى قومه واللحاق بهم وَكره الغربة فِي أَرض قضاعة فَقَالَت لَهُ أمه: يَا بني لَا تعجل بِالْخرُوجِ حَتَّى يدْخل عَلَيْك الشَّهْر الْحَرَام فَتخرج فِي حَاج الْعَرَب فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْك. فَأَقَامَ قصي حَتَّى دخل الشَّهْر الْحَرَام وَخرج فِي حَاج قضاعة حَتَّى قدم مَكَّة فَلَمَّا فرغ من الْحَج وَأقَام بهَا، وَكَانَ قصي رجلا جليداً حازماً بارعاً فَخَطب إِلَى خَلِيل بن حبشية الْخُزَاعِيّ ابْنَته حبى ابْنة خَلِيل، فَعرف خَلِيل النّسَب فَرغب فِي الرجل فَزَوجهُ خَلِيل، وَكَانَ خَلِيل يَوْمئِذٍ يَلِي الْكَعْبَة وَأمر مَكَّة، فَأَقَامَ قصي مَعَه حَتَّى ولدت حبى لقصي عبد الدَّار وَهُوَ أكبر وَلَده وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد بن قصي. فَكَانَ خَلِيل بِفَتْح الْبَيْت، فَإِذا اعتل أعْطى ابْنَته حبى الْمِفْتَاح ففتحته فَإِذا اعتلت أَعْطَتْ الْمِفْتَاح زَوجهَا قصياً أَو بعض وَلَدهَا ففتحه، وَكَانَ قصي يعْمل فِي حيازته إِلَيْهِ وَقطع ذكر خُزَاعَة عَنهُ، فَلَمَّا حضرت خَلِيلًا الْوَفَاة نظر إِلَى قصي وَإِلَى مَا انْتَشَر لَهُ من الْوَلَد من ابْنَته فَرَأى أَن يَجْعَلهَا فِي ولد ابْنَته، فدعى قصيّاً فَجعل لَهُ ولَايَة الْبَيْت وَأسلم إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَكَانَ يكون عِنْد حبى، فَلَمَّا هلك خَلِيل أَبَت خُزَاعَة أَن تَدعه وَذَاكَ وَأخذُوا الْمِفْتَاح من حبى، وَيذكر أَيْضا أَن أَبَا غبشان من خُزَاعَة، واسْمه سليم، وَكَانَت لَهُ ولَايَة الْكَعْبَة بَاعَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة من قصي بزق خمر فَقيل: " أخسر من صَفْقَة أبي غبشان " ذكره المَسْعُودِيّ والأصبهاني فِي الْأَمْثَال. فَعِنْدَ ذَلِك هَاجَتْ الْحَرْب بَينه وَبَين خُزَاعَة، فَمشى قصي إِلَى رجال من قومه قُرَيْش وَبني كنَانَة ودعاهم إِلَى أَن يقومُوا مَعَه فِي ذَلِك وَأَن ينصروه ويعضدوه فَأَجَابُوهُ إِلَى نَصره، وَأرْسل قصي إِلَى أَخِيه لأمه رزاح بن ربيعَة وَهُوَ بِبِلَاد قومه من قضاعة يَدعُوهُ إِلَى نَصره ويعلمه مَا حَالَتْ خُزَاعَة بَينه وَبَينه من ولَايَة الْبَيْت، ويسأله الْخُرُوج إِلَيْهِ من إِجَابَة قومه، فَقَامَ رزاح فِي قومه فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَخرج رزاح بن ربيعَة وَمَعَهُ إخْوَته من أَبِيه فِيمَن تَبِعَهُمْ من قضاعة فِي حَاج الْعَرَب مُجْتَمعين بالنصر قصي وَالْقِيَام مَعَه، وفلما اجْتمع النَّاس بِمَكَّة خَرجُوا إِلَى الْحَج فوقفوا بِعَرَفَة ونزلوا منى، وقصي مجمع على مَا أجمع عَلَيْهِ من قِتَالهمْ بِمن مَعَه من قُرَيْش وَبني كنَانَة وَمن قدم عَلَيْهِ مَعَ أَخِيه رزاح من قضاعة، فَلَمَّا كَانَ آخر أَيَّام منى أرْسلت قضاعة إِلَى خُزَاعَة يَسْأَلُونَهُمْ أَن يسلمُوا إِلَى قصي مَا جعل لَهُ خَلِيل، وعظموا عَلَيْهِم الْقِتَال فِي الْحرم وحذروهم الظُّلم وَالْبَغي بِمَكَّة وذكروهم مَا كَانَت فِيهِ جرهم وَمَا صَارَت إِلَيْهِ حِين ألحدوا فِيهِ الظُّلم، فَأَبت خُزَاعَة أَن تسلم ذَلِك فَاقْتَتلُوا بمنقضى مأزمي منى فَسمى
стр. 41
ذَلِك الْمَكَان المفجر؛ لما فجر فِيهِ وَسَفك من الدَّم وانتهك من حرمته، فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى كثرت الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا وفشت فيهم الْجِرَاحَات، وحاج الْعَرَب جَمِيعًا من مُضر واليمن مستنكفون ينظرُونَ إِلَى قِتَالهمْ ثمَّ تداعوا إِلَى الصُّلْح وَدخلت قبائل الْعَرَب بَينهم وعظموا على الْفَرِيقَيْنِ سفك الدِّمَاء والفجور فِي الْحرم فَاصْطَلَحُوا على ن يحكموا بَينهم رجلا من الْعَرَب فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ، فحكموا يعمر بن عون بن كَعْب بن عَامر بن اللَّيْث ين بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة وَكَانَ رجلا شريفاً فَقَالَ لَهُم: مَوْعدكُمْ لنا الْكَعْبَة غَدا فَاجْتمع النَّاس وعدوا الْقَتْلَى فَكَانَت فِي خُزَاعَة أَكثر مِنْهَا فِي قُرَيْش وقضاعة وكنانة، وَلَيْسَ كل بني كنَانَة قَاتل مَعَ قصي خُزَاعَة إِنَّمَا كَانَت مَعَ قُرَيْش من بني كنَانَة فلال يسير واعتزلت عَنْهَا بكر بن عبد مَنَاة قاطبة، فَلَمَّا اجْتمع النَّاس بِفنَاء الْكَعْبَة قَامَ يعمر بن عون فَقَالَ: أَلا إِنِّي قد شدخت مَا كَانَ بَيْنكُم من دم تَحت قدميّ هَاتين فَلَا تباحد لأحد على أحد فِي دم وَإِنِّي حكمت لقصي بحجابة الْكَعْبَة وَولَايَة أَمر مَكَّة دون خُزَاعَة كَمَا جعل لَهُ خَلِيل وَأَن يخلي بَينه وَبَين ذَلِك، وَأَن لَا تخرج خُزَاعَة من مساكنها بِمَكَّة فَسُمي يعمر ذَلِك الْيَوْم " الشّدّاخ " فَسلمت خُزَاعَة لقصي وافترق النَّاس. ميعاً وفشت فيهم الْجِرَاحَات، وحاج الْعَرَب جَمِيعًا من مُضر واليمن مستنكفون ينظرُونَ إِلَى قِتَالهمْ ثمَّ تداعوا إِلَى الصُّلْح وَدخلت قبائل الْعَرَب بَينهم وعظموا على الْفَرِيقَيْنِ سفك الدِّمَاء والفجور فِي الْحرم فَاصْطَلَحُوا على ن يحكموا بَينهم رجلا من الْعَرَب فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ، فحكموا يعمر بن عون بن كَعْب بن عَامر بن اللَّيْث ين بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة وَكَانَ رجلا شريفاً فَقَالَ لَهُم: مَوْعدكُمْ لنا الْكَعْبَة غَدا فَاجْتمع النَّاس وعدوا الْقَتْلَى فَكَانَت فِي خُزَاعَة أَكثر مِنْهَا فِي قُرَيْش وقضاعة وكنانة، وَلَيْسَ كل بني كنَانَة قَاتل مَعَ قصي خُزَاعَة إِنَّمَا كَانَت مَعَ قُرَيْش من بني كنَانَة فلال يسير واعتزلت عَنْهَا بكر بن عبد مَنَاة قاطبة، فَلَمَّا اجْتمع النَّاس بِفنَاء الْكَعْبَة قَامَ يعمر بن عون فَقَالَ: أَلا إِنِّي قد شدخت مَا كَانَ بَيْنكُم من دم تَحت قدميّ هَاتين فَلَا تباحد لأحد على أحد فِي دم وَإِنِّي حكمت لقصي بحجابة الْكَعْبَة وَولَايَة أَمر مَكَّة دون خُزَاعَة كَمَا جعل لَهُ خَلِيل وَأَن يخلي بَينه وَبَين ذَلِك، وَأَن لَا تخرج خُزَاعَة من مساكنها بِمَكَّة فَسُمي يعمر ذَلِك الْيَوْم " الشّدّاخ " فَسلمت خُزَاعَة لقصي وافترق النَّاس. قَالَ السُّهيْلي: وَكَانَ الأَصْل فِي انْتِقَال ولَايَة الْبَيْت من ولَايَة مُضر إِلَى خُزَاعَة أَن الْحرم حِين ضَاقَ عَن ولد نزار وَبعث فِيهِ إياداً، أخرجتهم بَنو مُضر بن نزار وجلوهم عَن مَكَّة، تعجدوا فِي اللَّيْل إِلَى الرُّكْن الْأسود فاقتلعوه وَاحْتَمَلُوهُ على بعير فورخ الْبَعِير بِهِ وَسقط إِلَى الأَرْض وجعلوه على آخر فورخ أَيْضا وعَلى الثَّالِث فَفعل مثل ذَلِك دفنوه وذهبوا فَلَمَّا أصبح أهل مَكَّة وَلم يروه وَقَعُوا فِي كرب عَظِيم، وَكَانَت امْرَأَة من خُزَاعَة قد بصرت بِهِ حِين دفن وأعلمت قَومهَا بذلك فَحِينَئِذٍ أخذت على خُزَاعَة
стр. 42
على وُلَاة الْكَعْبَة الْبَيْت أَن ينحلوا لَهُم عَن ولَايَته ويدلوهم على الْحجر فَفَعَلُوا ذَلِك، فَمن هُنَالك صَارَت ولَايَة الْبَيْت لخزاعة إِلَى أَن صيرها أَبُو غبشان إِلَى عبد منَاف هَذَا قَول الزبير. فولى قصي بن كلاب حجابة الْكَعْبَة وَأمر مَكَّة وَجمع قومه من قُرَيْش من مَنَازِلهمْ إِلَى مَكَّة يستعز بهم وتملك على قومه، وخزاعة مُقِيمَة بِمَكَّة على رباعهم ومساكنهم وَلم يتحركوا وَلم يخرجُوا مِنْهَا، فَلم يزَالُوا على ذَلِك حَتَّى الْآن، وَكَانَ قصي أول رجل من بني كنَانَة أضَاف ملكا وأطاع لَهُ بِهِ قومه، فَكَانَت إِلَيْهِ الحجابة والرفادة والسقاية والندوة واللواء والقيادة، وَلما جمع قُرَيْش قصياً بِمَكَّة سمي مجمعا، فحاز قصي شرف مَكَّة وابتنى دَار الندوة، وفيهَا كَانَت قُرَيْش تقضي أمورها وَلم يكن يدخلهَا من قُرَيْش من غير ولد قصي إِلَّا ابْن أَرْبَعِينَ سنة للمشورة وَكَانَ يدخلهَا ولد قصي كلهم أَجْمَعُونَ وخلفاؤهم فَلَمَّا كبر قصي وَكَانَ عبد الدَّار أكبر وَلَده وبكره وَكَانَ عبد منَاف قد شرف فِي زمَان أَبِيه وَذهب شرفه على كل مَذْهَب وَعبد الدَّار وَعبد الْعُزَّى وَعبد بَنو قصي بهَا لم يبلغُوا وَلَا أحد من قَومهمْ من قُرَيْش مَا بلغ عبد منَاف من الذّكر والشرف والعز، وَكَانَ قصي وحبى بنت خَلِيل يُحِبَّانِ عبد الدَّار ويرقان عَلَيْهِ؛ لما يريان من شرف عبد منَاف عَلَيْهِ وَهُوَ أصفر مِنْهُ. فَقَالَت لَهُ حبي: لَا وَالله لَا أرْضى حَتَّى يخص عبد الدَّار بِشَيْء يلْحقهُ بأَخيه. فَقَالَ قصي: وَالله لألحقنه بِهِ ولأحبونه بِذرْوَةِ الشّرف حَتَّى لَا يدْخل أحد من قُرَيْش وَلَا غَيرهَا الْكَعْبَة إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يعصون لَهُ أمرا وَلَا يعقدون لِوَاء إِلَّا عِنْده، فأجمع قصي على أَن يقسم أُمُور مَكَّة السِّتَّة الَّتِي فِيهَا الذّكر والشرف والعز بَين ابنيه، فَأعْطى عبد الدَّار السدَانَة وَهِي الحجابة وَدَار الندوة واللواء، وَأعْطى عبد منَاف السِّقَايَة والرفاة والقيادة فَأَما السدَانَة وَهِي الحجابة أَي: خدمَة الْبَيْت وَتَوَلَّى أمره وَفتح بَابه وإغلاقه، فيروى إِنَّهَا كَانَت قبل قُرَيْش لطسم قَبيلَة من عَاد فاستخفوا بِحقِّهِ وَاسْتَحَلُّوا حرمته
стр. 43
فأهلكهم الله، ثمَّ وليته بعدهمْ جرهم فاستخفوا بِحقِّهِ وَاسْتَحَلُّوا حرمته فأهلكهم الله، ثمَّ وليته خُزَاعَة ثمَّ بعد خُزَاعَة ولي قصي بن كلاب حجابة الْكَعْبَة وَأمر مَكَّة ثمَّ أعْطى وَلَده عبد الدَّار السدَانَة وَدَار الندوة واللواء، وَأعْطى عبد منَاف السِّقَايَة والرفادة والقيادة فَلَمَّا هلك قصي أقيم أمره فِي قومه بعد وَفَاته على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاته، وَولى عبد الدَّار حجابة الْبَيْت وَولَايَة دَار الندوة واللواء فَلم يزل عَلَيْهِ حَتَّى هلك، وَجعل عبد الدَّار الحجابة بعده إِلَى ابْنه عُثْمَان بن عبد الدَّار، وَجعل دَار الندوة إِلَى ابْنه عبد منَاف بن عبد الدَّار، أما الندوة فَلم تزل بَنو عبد منَاف بن عبد الدَّار يلون الندوة دون ولد عبد الدَّار، فَكَانَت قُرَيْش إِذا أَرَادَت أَن تشَاور فِي أَمر فتحهَا لَهُم عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار وَبَعض وَلَده أَو ولد أَخِيه، وَكَانَت الْجَارِيَة إِذا حَاضَت أدخلت دَار الندوة ثمَّ شقّ عَلَيْهَا بعض ولد عبد منَاف بن عبد الدَّار درعها، ثمَّ درعها إِيَّاه وانقلب بهَا أهلوها فحجبوها، فَكَانَ عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار يُسمى محيضاً، وَإِنَّمَا سميت دَار الندوة لِاجْتِمَاع الندى فِيهَا يندونها أَي: يَجْلِسُونَ فِيهَا لإبرام أُمُورهم وتشاورهم. وَأما السدَانَة: فَلم تزل بَنو عُثْمَان بن عبد الدَّار يلون الحجابة دون ولد عبد الدَّار، ثمَّ وَليهَا عبد الْعُزَّى بن عُثْمَان بن عبد الدَّار، ثمَّ وَليهَا وَلَده أَبُو طَلْحَة عبد الله بن عبد الْعُزَّى بن عُثْمَان بن عبد الدَّار، ثمَّ وَليهَا وَلَده طَلْحَة من بعده حَتَّى كَانَ فتح مَكَّة فقبضها رَسُول الله ﷺ من أَيْديهم، وَفتح الْكَعْبَة ودخلها ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ من الْكَعْبَة مُشْتَمِلًا على الْمِفْتَاح، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله أعطنا الحجابة مَعَ السِّقَايَة فَأنْزل الله : " إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا ". قَالَ عمر بن الْخطاب: فَمَا سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ قبل تِلْكَ السَّاعَة فَتَلَاهَا ثمَّ دَعَا عُثْمَان بن طَلْحَة فَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَقَالَ: غيبوه ثمَّ قَالَ: خذوها يَا بني طَلْحَة بأمانة الله سُبْحَانَهُ فاعملوا بِالْمَعْرُوفِ خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم،
стр. 44
فَخرج عُثْمَان بن أبي طَلْحَة، إِلَى هجرته مَعَ النَّبِي ﷺ وَأقَام ابْن عَمه شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة فَلم يزل يحجب هُوَ وَولده وَولد أَخِيه وهب بن عُثْمَان حَتَّى قدم ولد عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة وَولده شَافِع بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة من الْمَدِينَة وَكَانُوا بهَا دهراً طَويلا فَلَمَّا قدمُوا حجبوا بني عمهم فولد أبي طَلْحَة جَمِيعًا يحجبون. ويروى عَن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة أَنه قَالَ: كُنَّا نفتح الْكَعْبَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فجَاء رَسُول الله ﷺ يَوْمًا يُرِيد أَن يدْخل مَعَ النَّاس فتكلمت بِشَيْء فحلم عني ثمَّ قَالَ: " يَا عُثْمَان لَعَلَّك سترى الْمِفْتَاح يَوْمًا سَهْما ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت " فَقلت: لقد هَلَكت قُرَيْش يَوْمئِذٍ وذلت. فَقَالَ: " بل عزت ". وَدخل الْكَعْبَة وَوَقعت كَلمته مني موقعاً ظَنَنْت أَن الْأَمر سيصر إِلَى مَا قَالَ. فَأَرَدْت الْإِسْلَام فأخافوني بزبر ديني زبراً شَدِيدا فَلَمَّا دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة عَام الغصبة غير الله قلبِي ودخله الْإِسْلَام، وَلم يقدر لي أَن آتيه حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ قدر لي الْخُرُوج إِلَيْهِ فأدلجت فَلَقِيت خَالِد بن الْوَلِيد فاصطحبنا فلقينا عَمْرو بن الْعَاصِ فاصطحبنا فقدمنا الْمَدِينَة، فَبَايَعته وأقمت مَعَه حَتَّى خرجت مَعَه فِي غَزْوَة الْفَتْح فَلَمَّا دخل مَكَّة قَالَ: " يَا عُثْمَان ائْتِ بالمفتاح ". فَأَتَيْته بِهِ فَأَخذه مني ثمَّ دَفعه إليّ فَقَالَ: " خذوها يَا بني طَلْحَة خالدة تالدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا ظَالِم ". وَفِي ذَلِك أنزل الله: " إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا ". وَفِي الصَّحِيح، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْبَيْت ".
стр. 45
وَعَن النَّبِي ﷺ أَنه لما فتح الْكَعْبَة أَخذ من بني شيبَة مِفْتَاح الْكَعْبَة حَتَّى أشفقوا أَن يَنْزعهُ مِنْهُم ثمَّ قَالَ: " يَا بني شيبَة هاكم الْمِفْتَاح وكلوا بِالْمَعْرُوفِ ". رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور. وَقَالَ الْعلمَاء: إِن هَذِه ولَايَة من رَسُول الله ﷺ فَلَا يجوز لأحد أَن يَنْزِعهَا مِنْهُم. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: لَا يبعد أَن يُقَال هَذَا إِذا حَافظُوا على حرمته ولازموا الْأَدَب فِي خدمته، أما إِذا لم يحفظوا حرمته فَلَا يبعد أَن يَجْعَل عَلَيْهِم وَمَعَهُمْ مشرف يمنعهُم من هتك حرمته، قَالَ: وَرُبمَا تعلق الْجَاهِل المعكوس الْفَهم بقوله ﷺ : " كلوا بِالْمَعْرُوفِ " فاستباح أَخذ الْأُجْرَة على دُخُول الْبَيْت، وَلَا خلاف بَين الْأمة فِي تَحْرِيم ذَلِك وَأَنه من أشنع الْبدع وأقبح الْفَوَاحِش، قَالَ: وَهَذِه اللَّفْظَة وَإِن صحت فيستدل بهَا على إِقَامَة الْحُرْمَة؛ لِأَن أَخذ الْأُجْرَة لَيْسَ من الْمَعْرُوف وَإِنَّمَا الْإِشَارَة وَالله أعلم إِلَى أَن مَا يتَصَدَّق بِهِ من الْبر والصلة على وَجه التبرر فَلهم أَخذه وَذَلِكَ أكل بِالْمَعْرُوفِ لَا محَالة، وَإِلَى مَا يأخذونه من بَيت المَال على مَا يتولونه من خدمته وَالْقِيَام بمصالحه فَلَا يحل لَهُم إِلَّا قدر مَا يستحقونه. وَالله أعلم. وَأما اللِّوَاء: فَكَانَ فِي أَيدي بني عبد الدَّار كلهم يَلِيهِ مِنْهُم ذَوا السن والشرف فِي الْجَاهِلِيَّة، حَتَّى كَانَ يَوْم أحد فَقتل عَلَيْهِ من قتل مِنْهُم. وَأما الرفادة: فَخرج كَانَت قُرَيْش تخرجه من أموالها فِي كل موسم فتدفعه إِلَى قصي يصنع بِهِ طَعَاما للْحَاج يَأْكُلهُ من لم يكن مَعَه سَعَة وَلَا زَاد، وَكَانَ قصي ينْحَر على كل طَرِيق من طرق مَكَّة جزوراً وينحر بِمَكَّة جزراً كَثِيرَة وَيطْعم النَّاس، وَكَانَ يحمل راجل الْحَاج ويكسو عاريهم، فَلَمَّا هلك قصي أقيم أمره فِي قومه بعد وَفَاته على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَلم تزل لعبد منَاف بن قصي يقوم بهَا حَتَّى توفّي فولي بعده هَاشم بن عبد منَاف فَكَانَ يطعم النَّاس فِي كل موسم مِمَّا يجْتَمع
стр. 46
عِنْده من ترافد قُرَيْش، كَانَ يَشْتَرِي بِمَا يجْتَمع عِنْده دَقِيقًا وَيَأْخُذ من كل ذَبِيحَة من بَدَنَة وبقرة أَو شَاة فَخذهَا فَيجمع ذَلِك كُله ثمَّ يخرد بِهِ الدَّقِيق ويطعمه الْحَاج، فَلم يزل على ذَلِك من أمره حَتَّى أصَاب النَّاس فِي سنة جَدب شَدِيد، فَخرج هَاشم بن عبد منَاف إِلَى الشَّام فَاشْترى بِمَا اجْتمع عِنْده من مَاله دَقِيقًا وكعكاً فَقدم بِهِ مَكَّة فِي الْمَوْسِم فهشم ذَلِك الكعك وَنحر الْجَزُور وطبخها وَجعله ثريداً وَأطْعم النَّاس، وَكَانُوا فِي مجاعَة شَدِيدَة حَتَّى أشبعهم، فَسُمي بذلك هاشماً وَكَانَ اسْمه عمرا، فَلم يزل هَاشم على ذَلِك حَتَّى توفّي، فَكَانَ عبد الْمطلب يفعل ذَلِك فَلَمَّا توفّي عبد الْمطلب قَامَ بذلك أَبُو طَالب فِي كل موسم حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَهُوَ على ذَلِك، وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد أرسل بِمَال يعْمل بِهِ الطَّعَام مَعَ أبي بكر ﵁ حِين حج أَبُو بكر بِالنَّاسِ سنة تسع ثمَّ عمل فِي حجَّة النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ أَقَامَهُ أَبُو بكر ﵁ فِي خِلَافَته ثمَّ عمر فِي خِلَافَته ثمَّ الْخُلَفَاء، وهلم جرا. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ طَعَام الْمَوْسِم الَّذِي يطعمهُ الْخُلَفَاء الْيَوْم فِي أَيَّام النَّحْر بمنى حَتَّى تَنْقَضِي أَيَّام الْمَوْسِم، وَكَانَ مُعَاوِيَة ﵁ اشْترى دَارا بِمَكَّة وسماها دَار المراحل وَجعل فِيهَا قدوراً وَكَانَت الْجَزُور وَالْغنم تذبح وتطبخ فِيهَا وَتطعم الْحَاج أَيَّام الْمَوْسِم ثمَّ يفعل ذَلِك فِي شهر رَمَضَان. وَكَانَت الْجَزُور وَالْغنم تذبح وتطبخ فِيهَا وَتطعم الْحَاج أَيَّام الْمَوْسِم، ثمَّ يفعل ذَلِك فِي شهر رَمَضَان. ويروى أَن أول من أطْعم الْحَاج " الفالوزج " بِمَكَّة عبد الله بن جدعَان. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَفد عبد الله بن جدعَان على كسْرَى فَأكل عِنْده الفالوزج فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا: لباب الْبر يلت مَعَ الْعَسَل. فَقَالَ: أبيعوني غُلَاما يصنعه. فَأتوهُ بِغُلَام فابتعاه فَقدم بِهِ مَكَّة فَأمره فصنعه للْحَاج، وَوضع الموائد من الأبطح إِلَى بَاب الْمَسْجِد ثمَّ نَادَى مناديه أَلا من أَرَادَ " الفالوزج " فليحضر فَحَضَرَ النَّاس، وَأَنه مَا زَالَ
стр. 47
طَعَام فِي الْجَاهِلِيَّة. وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ : إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم النَّاس ويقري الضَّيْف فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: " لَا إِنَّه لم يقل يَوْمًا: رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين ". وَابْن جدعَان هُوَ ابْن عَم عَائِشَة ﵂. وَفِي غَرِيب الحَدِيث لِابْنِ قُتَيْبَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " كنت أستظل بِظِل جَفْنَة عبد الله بن جدعَان فِي الهاجرة ". قَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت جفنته يَأْكُل مِنْهَا الرَّاكِب على الْبَعِير وَسقط فِيهَا صبي فَمَاتَ. قَالَ السُّهيْلي: وَكَانَ ابْن جدعَان فِي بَدْء أمره صعلوكاً ترب الْيَدَيْنِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِك شريراً فاتكاً لَا يزَال يجني الْجِنَايَات فتغفل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه حَتَّى أبغضته عشيرته، ونفاه أَبوهُ وَحلف أَن لَا يؤويه أبدا لما أثقله بِهِ من الْغرم وَحمله من الدِّيات، فَخرج فِي شعاب مَكَّة حائراً ثائراً يتَمَنَّى الْمَوْت أَن ينزل بِهِ، فَرَأى شقاً فِي جبل فَظن فِيهِ حَيَّة فتعرض للشق يَرْجُو أَن يكون فِيهِ مَا يقْتله فيستريح فَلم ير شَيْئا فَدخل فِيهِ، فَإِذا فِيهِ ثعبان عَظِيم لَهُ عينان يتقدان كالسراجين، فَحمل عَلَيْهِ الثعبان فأفرج بِهِ فانساب عَنهُ مستديراً بدارة عِنْدهَا بَيت فخطى خطْوَة أُخْرَى فصفر بِهِ الثعبان وَأَقْبل إِلَيْهِ كالسهم فأفرج لَهُ فانساب عَنهُ، فَوَقع فِي نَفسه أَنه مَصْنُوع من ذهب ومسكه بِيَدِهِ فَإِذا هُوَ مَصْنُوع من ذهب وَعَيناهُ ياقوتتان، فَكَسرهُ وَأخذ عَيْنَيْهِ وَدخل الْبَيْت فَإِذا جثث على سرر طوال لم ير مثلهم طولا وعظماً وَعند رؤوسهم لوح من فضَّة فِيهِ تاريخهم، وَإِذا هم رجال من مُلُوك جرهم وَآخرهمْ موتا الْحَارِث بن مضاض، وَإِذا عَلَيْهِم ثِيَاب لَا يمس مِنْهَا شَيْء إِلَّا انتثر
стр. 48
كالهباء من طول الزَّمن وَإِذا فِي وسط الْبَيْت كوم عَظِيم من الْيَاقُوت واللؤلؤ وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والزبرجد فَأخذ مِنْهُ مَا أَخذ ثمَّ علم على الشق عَلامَة وأغلق بَابه بِالْحِجَارَةِ، وَأرْسل إِلَى أَبِيه بِالْمَالِ الَّذِي خرج بِهِ يسترضيه ويستعطفه وَوصل عشيرته كلهم فسادهم، وَجعل ينْفق من ذَلِك الْكَنْز وَيطْعم النَّاس وَيفْعل بِالْمَعْرُوفِ وَصَارَ هَذَا الْكَنْز مَعْرُوفا بكنز ابْن جدعَان وَهُوَ مِمَّن حرم الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة بعد أَن كَانَ مغرى بهَا وَذَلِكَ أَنه سكر فَتَنَاول الْقَمَر ليأخذه فَأخْبر بذلك حِين صَحا فَحلف لَا يشْربهَا أبدا، وَلما كبر وهرم أَرَادَ بَنو تَمِيم أَن يمنعوه من تبذير مَاله ولاموه فِي الْعَطاء فَكَانَ يَدعُوهُ الرجل فَإِذا دنا مِنْهُ لطمه لطمة خَفِيفَة ثمَّ قَالَ لَهُ: قُم فَأَنْشد لطمتك واطلب دِيَتهَا، فَإِذا فعل ذَلِك أعطَاهُ بَنو تَمِيم من مَال ابْن جدعَان حَتَّى يرضى. انْتهى كَلَام السُّهيْلي. وَأما " السِّقَايَة ": فَلم تزل بيد عبد منَاف فَكَانَ يسْقِي النَّاس المَاء من بِئْر خم على الْإِبِل فِي المزاود والقرب، ثمَّ يسْكب ذَلِك المَاء فِي حِيَاض من آدم بِفنَاء الْكَعْبَة فَيردهُ الْحَاج حَتَّى يتفرقوا فَكَانَ يستعذب ذَلِك المَاء. قَالَ السُّهيْلي: ذكرُوا أَن قصياً كَانَ يسقى الحجيج فِي حِيَاض من آدم، وَكَانَ ينْقل المَاء إِلَيْهَا من آبار خَارِجَة من مَكَّة مِنْهَا " بِئْر مَيْمُون الْحَضْرَمِيّ "، وَكَانَ ينْبذ لَهُم الزَّبِيب، ثمَّ احتفر لَهُم قصي " العجول " فِي دَار أم هَانِئ بنت أبي طَالب بالحزورة وَهِي أول سِقَايَة احتفرت بِمَكَّة، وَكَانَت الْعَرَب إِذا قدمت مَكَّة يردونها فيستقون مِنْهَا ويتزاحمون عَلَيْهَا، وَكَانَت قُرَيْش قبل حفر زَمْزَم قد احتفرت آباراً، وحفر قصيّ أَيْضا بِئْرا عِنْد الرَّدْم الْأَعْلَى ثمَّ حفر هَاشم بن عبد منَاف بِئْرا وَقَالَ حِين حفرهَا: لأجعلنها للنَّاس بلاغاً. وحفرها قصى أَيْضا
стр. 49
سجلة، وَقيل: بل حفرهَا هَاشم وَهِي الْبِئْر الَّتِي يُقَال لَهَا: بِئْر جُبَير بن مطعم فَكَانَت سجلة لهاشم بن عبد منَاف فَلم تزل لوَلَده حَتَّى وَهبهَا أَسد بن هَاشم لمطعم بن عدي حِين حفر عبد الْمطلب زَمْزَم واستغنوا عَنْهَا، وَيُقَال: وَهبهَا لَهُ عبد الْمطلب حِين حفر زَمْزَم وَاسْتغْنى عَنْهَا، وَسَأَلَهُ الْمطعم بن عدي أَن يضع حوضاً من أَدَم إِلَى جنب زَمْزَم السُّفْلى؛ ليسقى فِيهِ من مَاء بئره فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فَكَانَ يفعل، فَلم يزل هَاشم بن عبد منَاف يسْقِي الْحَاج حَتَّى توفّي فَقَامَ بِأَمْر السِّقَايَة من بعده عبد الْمطلب بن هَاشم فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى حفر زَمْزَم فأغنت عَن آبار مَكَّة فَكَانَ مِنْهَا مشرب الْحَاج، قَالَ: وَكَانَت لعبد الْمطلب إبل كَثِيرَة إِذا كَانَ يَوْم الْمَوْسِم جمعهَا ثمَّ سقى لَبنهَا بالعسل فِي حَوْض من أَدَم عِنْد زَمْزَم، وَيَشْتَرِي الزَّبِيب فينبذه بِمَاء زَمْزَم ويسقيه الْحَاج؛ ليكسر غلظ مَاء زَمْزَم وَكَانَت إِذْ ذَاك غَلِيظَة جدا، وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك لَهُم فِي بُيُوتهم أسقفة فِيهَا المَاء من هَذِه الْآبَار ثمَّ ينبذون فِيهَا القبضات من الزَّبِيب وَالتَّمْر؛ لتكسر عَنْهُم مَاء آبار مَكَّة، وَكَانَ المَاء العذب بِمَكَّة عَزِيزًا لَا يُوجد إِلَّا لإِنْسَان يستعذب لَهُ من بِئْر مَيْمُون خَارج مَكَّة، فَلبث عبد الْمطلب يسْقِي النَّاس حَتَّى توفّي، فَقَامَ بِأَمْر السِّقَايَة بعده الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ فَلم تزل فِي يَده، وَكَانَ للْعَبَّاس كرم بِالطَّائِف وَكَانَ يحمل زبيبه إِلَيْهَا وَكَانَ يداين أهل الطَّائِف وَيَقْتَضِي مِنْهُم الزَّبِيب فينبذ ذَلِك كُله ويسقيه الْحَاج أَيَّام الْمَوْسِم، فَدخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة يَوْم الْفَتْح فَقبض السِّقَايَة من الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب والحجابة من عُثْمَان بن طَلْحَة، فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ فَبسط يَده وَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي اجْمَعْ لي الحجابة والسقاية فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " أُعْطِيكُم مَا تزرءون فِيهِ وَلَا تزرءون مِنْهُ ". فَقَامَ بَين عضادتي بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ: أَلا إِن كل دم أَو مَال أَو مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحت قدمي هَاتين إِلَّا سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْكَعْبَة، فَإِنِّي قد أمضيتهما لأهلهما على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة. فقبضها الْعَبَّاس فَكَانَت فِي يَده حَتَّى توفّي فوليها بعده عبد الله بن عَبَّاس فَكَانَ يفعل فِيهَا
стр. 50
كَفِعْلِهِ دون بني عبد الْمطلب وَكَانَ مُحَمَّد بن الحنيفة ﵁ قد كلم فِيهَا ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: مَا لَك وَلها نَحن أولى بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، قد كَانَ أَبوك يتَكَلَّم فِيهَا فأقمت الْبَيِّنَة طَلْحَة بن عبد الله وعامر بن ربيعَة وأزهر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومخرومة بن نَوْفَل أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب كَانَ يَليهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بعد عبد الْمطلب وَجدك أَبُو طَالب فِي إبِله فِي باديته بعرنة، وَأَن رَسُول الله ﷺ أَعْطَاهَا الْعَبَّاس يَوْم الْفَتْح دون بني عبد الْمطلب فَعرف ذَلِك من حضر، فَكَانَت بيد عبد الله بن عَبَّاس بتولية النَّبِي ﷺ دون غَيره لَا ينازعه فِيهَا مُنَازع وَلَا يتَكَلَّم فِيهَا مُتَكَلم حَتَّى توفّي، فَكَانَت فِي يَد على ابْن عبد الله بن عَبَّاس يفعل فِيهَا كَفعل أَبِيه وجده ﵃ يَأْتِيهِ الزَّبِيب من مَاله بِالطَّائِف وينبذه حَتَّى توفّي، فَكَانَت بيد وَلَده حَتَّى الْآن. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ لزمزم حوضان: فحوض بَينهَا وَبَين الرُّكْن يشرب مِنْهُ المَاء، وحوض من وَرَائِهَا للْوُضُوء لَهُ سرب يذهب فِيهِ المَاء. وَأما القيادة: أَي قيادة الجيوش من قاد أَي: قَود، الْوَاحِد قَائِد فوليها من بني عبد منَاف عبد شمس بن عبد منَاف ثمَّ من بعده أُميَّة بن عبد شمس، ثمَّ حَرْب بن أُميَّة فقاد النَّاس يَوْم عكاظ وَغَيره، ثمَّ كَانَ سُفْيَان بن حَرْب يَقُود قُريْشًا بعد أَبِيه حَتَّى كَانَ يَوْم بدر فقاد النَّاس عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس، وَكَانَ أَبُو سُفْيَان فِي الْحَرْب فِي العير يَقُود النَّاس فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد قاد النَّاس أَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وقاد النَّاس، يَوْم الْأَحْزَاب، وَكَانَت آخر وقْعَة لقريش وَحرب حَتَّى جَاءَ الله تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ وَفتح مَكَّة.
فصل: مَا جَاءَ فِي عبَادَة بني إِسْمَاعِيل الْحِجَارَة وتغيير دين إِبْرَاهِيم
قَالَ ابْن إِسْحَاق: إِن بني إِسْمَاعِيل وجرهم ضَاقَتْ عَلَيْهِم مَكَّة فتفسحوا فِي الْبِلَاد والتمسوا المعاش، وَأول مَا كَانَت عبَادَة الْحِجَارَة فِي بني إِسْمَاعِيل أَنه كَانَ لَا يظعن من
стр. 51
مَكَّة ظاعن مِنْهُم إِلَّا احتملوا مَعَهم من حِجَارَة الْحرم؛ تَعْظِيمًا للحرم وصبابة بِمَكَّة وَبِالْكَعْبَةِ حيت مَا حلوا وضعوه وطافوا بِهِ كالطواف بِالْكَعْبَةِ حَتَّى أفْضى ذَلِك بهم إِلَى أَن كَانُوا يعْبدُونَ مَا استحسنوا من حِجَارَة الْحرم خَاصَّة حَتَّى خلفت الخلوف بعد الخلوف، ونسوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، واستبدلوا بدين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ غَيره، فعبدوا الْأَوْثَان وصاروا إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ الْأُمَم من قبلهم من الضلالات، واستباحوا مَا كَانَ يعبد قوم نوح مِنْهَا على إِرْث مَا كَانَ قد بَقِي فيهم من ذكرهَا، وَفِيهِمْ على ذَلِك بقايا من عهد إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل يتمسكون بهَا من تَعْظِيم الْبَيْت وَالطّواف بِهِ وَالْحج وَالْعمْرَة وَالْوُقُوف بِعَرَفَة ومزدلفة وَهدى الْبدن والإهلال بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة مَعَ إدخالهم فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَكَانَ أول من غير دين إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم وَنصب الْأَوْثَان وسيّب السائبة وبحر الْبحيرَة وَوصل الوصيلة وَحمى الحام عَمْرو بن لحي. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمك " رَأَيْت عَمْرو بن لحي يجر قصبه فِي النَّار أَي أمعاءه على رَأسه فَرْوَة، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " من فِي النَّار "؟ قَالَ: من بيني وَبَيْنك من الْأُمَم.
فصل: مَا جَاءَ فِي أول من نصب الْأَصْنَام فِي الْكَعْبَة والاستقسام بالأزلام
قَالَ ابْن إِسْحَاق: إِن الْبِئْر الَّتِي كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة كَانَت على يَمِين من دَخلهَا، وَكَانَ عمقها ثَلَاثَة أَذْرع، حفرهَا إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل؛ ليَكُون فِيهَا مَا يهدى للكعبة فَلم تزل كَذَلِك حَتَّى كَانَ عَمْرو بن لحي فَقدم بصنم يُقَال لَهُ: هُبل من هيت من أَرض الجزيرة، وَكَانَ هُبل من أعظم أصنام قُرَيْش عِنْدهَا، فنصبه على الْبِئْر فِي بطن الْكَعْبَة وَأمر النَّاس
стр. 52
بِعِبَادَتِهِ، فَكَانَ الرجل إِذا قدم من سَفَره بَدَأَ بِهِ على أَهله بعد طَوَافه بِالْبَيْتِ وَحلق رَأسه عِنْده، وهبل الَّذِي قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان يَوْم أحد: " أهل " هُبل اعْل هُبل أَي: ظهر دينك فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " الله أَعلَى وَأجل ". وَكَانَ اسْم الْبِئْر الأخسف. قَالَ إِسْحَاق: وَكَانَ عِنْد هُبل فِي الْكَعْبَة سَبْعَة قداح، كل قدح مِنْهَا مَكْتُوب فِيهِ كتاب، قدح فِيهِ " الْعقل " إِذا اخْتلفُوا فِي الْعقل من يحملهُ ضربوا بِالْقداحِ السَّبْعَة عَلَيْهِم فعلى من خرج حمله وقدح فِيهِ " نعم " لِلْأَمْرِ إِذا أرادوه " بِضَرْب بِهِ فِي القداح " فَإِن ظهر قدح فِيهِ نعم عمِلُوا بِهِ، وقدح فِيهِ " لَا " فَإِذا أَرَادوا الْأَمر ضربوا بِهِ فِي القداح فَإِذا خرج ذَلِك لم يَفْعَلُوا ذَلِك الْأَمر وقدح فِيهِ " مِنْكُم "، وقدح فِيهِ " ملصق "، وقدح فِيهِ " من غَيْركُمْ " وقدح فِيهِ " الْمِيَاه " فَإِذا أَرَادوا أَن يحفروا المَاء ضربوا بِالْقداحِ، وفيهَا ذَلِك الْقدح فَحَيْثُ مَا خرج بِهِ عمِلُوا بِهِ، وَكَانُوا إِذا أَرَادوا أَن يختنوا غُلَاما أَو يزوجوا أحدا أَو يدفنوا مَيتا أَو شكوا فِي نسب أحد ذَهَبُوا بِهِ إِلَى هُبل وَمِائَة دِرْهَم وجزور فأعطوها صَاحب القداح الَّذِي يضْرب بهَا ثمَّ قربوا صَاحبهمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ ثمَّ قَالُوا: يَا إلهنا هَذَا فلَان بن فلَان أردنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا فَأخْرج الْحق فِيهِ ثمَّ يَقُولُونَ لصَاحب القداح: اضربه فَإِن خرج " مِنْكُم " كَانَ مِنْهُم وَسِيطًا، وَإِن خرج عَلَيْهِ " من غَيْركُمْ " كَانَ حليفاً، وَإِن خرج عَلَيْهِ " ملصق " كَانَ مُلْصقًا على مَنْزِلَته فيهم لَا نسب لَهُ وَلَا حلف، وَإِن خرج عَلَيْهِ شَيْء سوى هَذَا مِمَّا يعْملُونَ بِهِ عمِلُوا بِهِ، وَإِذا خرج " لَا " أخروه عَامه ذَلِك حَتَّى يأْتونَ بِهِ مرّة أُخْرَى ينتهون فِي أَمرهم ذَلِك إِلَى مَا خرجت بِهِ القداح، وَكَذَلِكَ فعل عبد الْمطلب بِابْنِهِ حِين أَرَادَ أَن يذبحه. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ هُبل من خرز العقيق على
стр. 53
صُورَة إِنْسَان وَكَانَت يَده الْيُمْنَى مَكْسُورَة فَأَدْرَكته قُرَيْش فَجعلت لَهُ يدا من ذهب، وَكَانَت لَهُ خزانَة للقربان وَكَانَ قربانه مائَة بعير، وَكَانَ لَهُ حَاجِب.
فصل: مَا جَاءَ فِي أول من نصب الْأَصْنَام وَمَا كَانَ من كسرهَا
قد تقدم أَنه زنى رجل من جرهم بِامْرَأَة فِي الْكَعْبَة وقبّلها فِيهَا فمسخا حجرين، وَاسم الرجل إساف بن بغه، وَقيل: إساف بن عَمْرو، وَاسم الْمَرْأَة نائلة بنت ذِئْب، وَقيل: بنت سُهَيْل، فأخرجا من الْكَعْبَة وَعَلَيْهِمَا ثيابهما فنصب أَحدهمَا على الصَّفَا وَالْآخر على الْمَرْوَة، فَلم يزل الْأَمر يدرس ويتقادم حَتَّى صَار يمسحهما من وقف على الصَّفَا والمروة ثمَّ صَارا وثنين يعبدان، فَلَمَّا كَانَ عَمْرو بن لحي أَمر النَّاس بعبادتهما والتمسح بهما حَتَّى كَانَ قصيّ فَصَارَت إِلَيْهِ الحجابة وَأمر مَكَّة فحولهما من الصَّفَا والمروة، فَجعل أَحدهمَا بلصق الْكَعْبَة وَجعل الآخر فِي مَوضِع زَمْزَم، وَكَانَ ينْحَر عِنْدهمَا وَكَانَ يطْرَح بَينهمَا مَا يهدى للكعبة، وَلم تكن تَدْنُو مِنْهُمَا امْرَأَة طامث وَكَانَ الطَّائِف إِذا طَاف بِالْبَيْتِ بَدَأَ بإساف فاستلمه، وَإِذا فرغ من طَوَافه ختم بنائلة فاستلمها، حَتَّى كَانَ يَوْم الْفَتْح فكسرهما رَسُول الله ﷺ مَعَ مَا كسر من الْأَصْنَام. فَخرج من نائلة عَجُوز سَوْدَاء شَمْطَاء حبشية تخمش وَجههَا عُرْيَانَة نَاشِرَة الشّعْر تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور، فَقيل لرَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك: فَقَالَ: " تِلْكَ نائلة قد أَيِست أَن تعبد ببلادكم ". وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة يَوْم الْفَتْح وَإِن بهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنماً قد سدها لَهُم إِبْلِيس بِالطَّعَامِ وَفِي رِوَايَة: حول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنماً وَكَانَ بيد رَسُول الله ﷺ قضيب فَطَافَ على رَاحِلَته وَجعل يطعنها
стр. 54
وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقاً " فَمَا مِنْهَا صنم أَشَارَ إِلَى وَجهه إِلَّا وَقع على دبره، وَلَا أَشَارَ إِلَى دبه إِلَّا وَقع على وَجهه حَتَّى وَقعت كلهَا وَأمر بهبل فَكسر وَهُوَ وَاقِف عَلَيْهِ. فَقَالَ الزبير بن الْعَوام ﵁ لأبي سُفْيَان: يَا أَبَا سُفْيَان بن حَرْب قد كسر هُبل أما إِنَّك قد كنت مِنْهُ يَوْم أحد فِي غرور حِين تزْعم أَنه قد أنعم عَلَيْك، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: دع هَذَا عَنْك يَا ابْن الْعَوام فقد أرى أَن لَو كَانَ مَعَ إِلَه مُحَمَّد غَيره لَكَانَ غير مَا كَانَ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما صلى النَّبِي ﷺ الظّهْر يَوْم الْفَتْح أَمر بالأصنام الَّتِي حول الْكَعْبَة فَجمعت ثمَّ حرقت بالنَّار وَكسرت، وَلم يكن فِي قُرَيْش رجل بِمَكَّة إِلَّا وَفِي بَيته صنم. وَيُقَال: إِن إِبْلِيس رن ثَلَاث رنات: رنة حِين لعن فتغيرت صورته عَن صُورَة الْمَلَائِكَة، وَرَنَّة حِين رأى رَسُول الله ﷺ قَائِما بِمَكَّة، وَرَنَّة حِين افْتتح رَسُول الله ﷺ . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: نصب عَمْرو بن لحي الخلصة بِأَسْفَل مَكَّة، وَكَانُوا يلبسونها القلائد ويهدون لَهَا الشّعير وَالْحِنْطَة ويصبون عَلَيْهَا اللَّبن ويذبحون لَهَا ويعلقون عَلَيْهَا بيض النعام، وَنصب على الصَّفَا صنماً يُقَال لَهُ: نهيك مجاود الرّيح، وَنصب على الْمَرْوَة صنماً يُقَال لَهُ: مطعم الطير. وَأما مَنَاة وَكَانَت صَخْرَة لهذيل وخزاعة فَأول من نصبها عَمْرو بن لحي على سَاحل الْبَحْر مِمَّا يَلِي قديد، وَكَانَت الْأَوْس والخزرج وغسان من الأزد وَمن دَان دينهَا من أهل يثرب وَأهل الشَّام كَانُوا يحجونها ويعظمونها، فَإِذا طافوا بِالْبَيْتِ
стр. 55
وأفاضوا من عَرَفَات وفرغوا من منى لم يحلقوا رؤوسهم إِلَّا عِنْد مَنَاة، وَكَانَ يهلون لَهَا وَمن أهل لَهَا لم يطف بَين الصَّفَا والمروة مَكَان الصنمين اللَّذين عَلَيْهِمَا، وهما نهيك مجاود الرّيح ومطعم الطير، وَكَانَ هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار يهلون بمناة، وَكَانُوا إِذا أهلوا بِحَجّ أَو عمْرَة لم يظل أحد مِنْهُم سقف بَيته حَتَّى يفرغ من حجه أَو عمرته، فَكَانَ الرجل إِذا أحرم لم يدْخل بَيته، وَإِن كَانَت لَهُ فِيهِ حَاجَة تسور من ظهر بَيته لِئَلَّا يحف رتاج الْبَاب رَأسه، فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَهدم أَمر الْجَاهِلِيَّة أنزل فِي ذَلِك: " وَلَيْسَ الْبر بِأَن تَأْتُوا الْبيُوت من ظُهُورهَا ". وَأما اللات والعزى فَكَانَ بَدْء أَمرهمَا فِيمَا روى ابْن عَبَّاس: أَن رجلا مِمَّن مضى كَانَ يقْعد على صَخْرَة لثقيف يَبِيع السّمن من الْحَاج إِذا مروا فتلت سويقهم وَكَانَ ذَا غنم فسميت الصَّخْرَة اللات فَمَاتَ، فَلَمَّا فَقده النَّاس قَالَ لَهُم عَمْرو: إِن ربكُم كَانَ اللات فَدخل فِي جَوف الصَّخْرَة، وَكَانَت الْعُزَّى ثَلَاث شجرات سمُرَات بنخلة، وَكَانَ أول من دعى إِلَى عبادتها عَمْرو بن ربيعَة والْحَارث بن كَعْب، وَقَالَ لَهُم عَمْرو: إِن ربكُم يصيف بِاللات لبرد الطَّائِف ويشتو بالعزى لحر تهَامَة، وَكَانَ فِي كل وَاحِدَة شَيْطَان يعبد ثمَّ بعث رَسُول الله ﷺ بعد الْفَتْح خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى الْعُزَّى يقطعهَا فقطعها ثمَّ جَاءَ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : " مَا رَأَيْت فِيهِنَّ؟ " فَقَالَ: لَا شَيْء قَالَ: " مَا قطعتهن فَارْجِع فاقطع " فَرجع فَقطع فَوجدَ تَحت أَصْلهَا امْرَأَة نَاشِرَة شعرهَا قَائِمَة عَلَيْهِم كَأَنَّهَا تنوح عَلَيْهِنَّ فَرجع فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَذَا وَكَذَا قَالَ: " صدقت ". ويروى أَن خَالِد بن الْوَلِيد خرج إِلَى الْعُزَّى يَهْدِمهَا فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا من أَصْحَابه حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا فَهَدمهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " أهدمت؟ " قَالَ: نعم يَا رَسُول الله. قَالَ: " هَل رَأَيْت شَيْئا؟ " قَالَ: لَا.
стр. 56
قَالَ ﷺ : " فَإنَّك لم تَهدمهَا فَارْجِع فَاهْدِمْهَا " فَخرج خَالِد وَهُوَ متغيظ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهَا جرد سَيْفه فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَة عُرْيَانَة نَاشِرَة شعرهَا فَجعل السادن يَصِيح بهَا فَأقبل خَالِد بِالسَّيْفِ إِلَيْهَا فضربها فجزلها بِاثْنَتَيْنِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، قَالَ: " تِلْكَ الْعُزَّى قد أَيِست أَن تعبد ببلادكم ". فَقَالَ خَالِد: يَا رَسُول الله، الْحَمد لله الَّذِي أكرمنا بك وأنقذنا بك من الهلكة، لقد كنت أرى أبي يَأْتِي إِلَى الْعُزَّى بِخَير مَاله من الْإِبِل وَالْغنم فيذبحها للعزى وَيُقِيم عِنْدهَا ثَلَاثًا ثمَّ ينْصَرف إِلَيْنَا مَسْرُورا، وَنظرت إِلَى مَا مَاتَ أبي وَإِلَى ذَلِك الرَّأْي الَّذِي يعاش فِي فَضله، وَكَيف خدع حَتَّى صَار يذبح لما لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يضر وَلَا ينفع، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِن هَذَا الْأَمر إِلَى الله فَمن يسره للهدى تيَسّر لَهُ وَمن يسره للضلالة كَانَ فِيهَا ". وَكَانَ هدمها لخمس لَيَال بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان، وَكَانَ سادنها أَفْلح بن النَّضر السّلمِيّ من بني سليم، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ أَبُو لَهب يعودهُ وَهُوَ حَزِين، فَقَالَ: مَا لي أَرَاك حَزينًا " قَالَ: أَخَاف أَن تضيع الْعُزَّى من بعدِي. فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهب: لَا تحزن فَأَنا أقوم عَلَيْهَا بعْدك. فَجعل أَبُو لَهب يَقُول لكل من لقِيه: إِن تظهر الْعُزَّى كنت قد اتَّخذت عِنْدهَا يدا، وَإِن يظْهر مُحَمَّد ﷺ على الْعُزَّى وَمَا أرَاهُ يظْهر فَابْن أخي. فَأنْزل الله " تبت يدا أبي لَهب وَتب ". وَأما ذَات أنواط: فَكَانَت شَجَرَة عَظِيمَة خضراء بحنين، يُقَال لَهَا: " ذَات أنواط " لكفار قُرَيْش وَمن سواهُم من الْعَرَب، كَانُوا يعظمونها ويذبحون بهَا ويعكفون عِنْدهَا يَوْمًا، وَكَانَ من حج مِنْهُم وضع زَاده عِنْدهَا وَيدخل بِغَيْر زَاد تَعْظِيمًا للحرم، فَلَمَّا ذهب رَسُول الله ﷺ إِلَى حنين قَالَ لَهُ رَهْط من أَصْحَابه فيهم الْحَارِث بن مَالك: يَا رَسُول الله اجْعَل لنا ذَات أنواط كَمَا لَهُم ذَات أنواط فَكبر رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: " هَكَذَا قَالَ قوم مُوسَى ": " اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة قَالَ إِنَّكُم قوم تجهلون ".
стр. 57
فصل: مسيرَة تبع إِلَى مَكَّة
قَالَ ابْن إِسْحَاق: سَار تبع الأول إِلَى الْكَعْبَة فَأَرَادَ هدمها وتخريبها، وخزاعة يَوْمئِذٍ تلِي الْبَيْت وَأمر مَكَّة، فَقَامَتْ خُزَاعَة دونه فقاتلت عَنهُ أَشد الْقِتَال حَتَّى رَجَعَ ثمَّ تبع آخر كَذَلِك، والتتابعة الَّذين أَرَادوا هدم الْكَعْبَة وتخريبها ثَلَاثَة، وَقد كَانَ قبل ذَلِك مِنْهُم من يسير فِي الْبِلَاد فَإِذا دخل مَكَّة عظم الْحرم وَالْبَيْت، فَأَما تبع الثَّالِث الَّذِي أَرَادَ هدم الْبَيْت إِنَّمَا كَانَ فِي أول زمَان قُرَيْش، وَسبب مسيره إِلَيْهِ أَن قوما من هُذَيْل من بني لحيان جاؤوه فَقَالُوا لَهُ: إِن بِمَكَّة بَيْتا يعظمه الْعَرَب جَمِيعًا وتفدى إِلَيْهِ وتنحر عِنْده وتحجه وتعتمره، وَإِن قُريْشًا تليه وَقد حازت شرفه وَذكره وَأَنت أولى أَن يكون ذَلِك الْبَيْت وشرفه لَك، فَلَو سرت إِلَيْهِ وخربته وبنيت بَيْتا عنْدك ثمَّ صرفت حَاج الْعَرَب إِلَيْهِ كنت أَحَق بِهِ مِنْهُم، قَالَ: فأجمع السّير إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ تبع بالدف من جمدان بَين " أمج وَعُسْفَان "، دفت بهم دوابهم وأظلمت عَلَيْهِم الأَرْض، فدعى أحباراً كَانُوا مَعَه من أهل الْكتاب فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: هَل هَمَمْت لهَذَا الْبَيْت بِشَيْء؟ قَالَ: أردْت أَن أهدمه. قَالُوا: فانو لَهُ خيرا أَن تكسوه وتنحر عِنْده، فَفعل
стр. 58
فانجلت عَنْهُم الظلمَة، وَإِنَّمَا سمي الدُّف من أجل ذَلِك. وَفِي رِوَايَة قَالَ لَهُ الْأَحْبَار: هَل هَمَمْت لهَذَا الْبَيْت بِسوء؟ فَأخْبرهُم بِمَا قَالَ لَهُ الهذليون وَبِمَا أَرَادَ أَن يفعل فَقَالَت الْأَحْبَار: وَالله مَا أَرَادوا إِلَّا هلاكك وهلاك قَوْمك، إِن هَذَا بَيت الله الْحَرَام وَلم يردهُ أحد قطّ بِسوء إِلَّا هلك. قَالَ: فَمَا الْحِيلَة؟ قَالُوا: تنوي لَهُ خيرا أَن تعظمه وتكسوه وتنحر عِنْده وتحسن إِلَى أَهله فَفعل، فانجلت عَنْهُم الظلمَة وسكنت الرّيح وَانْطَلَقت بهم رِكَابهمْ ودوابهم، فَأمر تبع بالهذليين فَضربت رقابهم وصلبهم وَإِنَّمَا كَانُوا فعلوا ذَلِك حسداً لقريش على ولايتهم الْبَيْت. قَالَ السُّهيْلي: روى نقلة الْأَخْبَار أَن تبعا لما عمد إِلَى الْبَيْت يُرِيد إخرابه رمي بداء تمخض من رَأسه قَيْحا وصديداً يثج ثَجًّا، وأنتن حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يدنو مِنْهُ قيد رمح وَقيل: بل أرْسلت عَلَيْهِ ريح كتفت مِنْهُ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَجلده فَأَصَابَتْهُمْ ظلمَة شَدِيدَة حَتَّى رقت خيلهم، فَقَالَ لَهُ: الْجِيرَان تب إِلَى الله مِمَّا نَوَيْت فَفعل فبرئ من دائه وَصَحَّ من وَجَعه. قَالَ السُّهيْلي: وأخلق بِهَذَا الْخَبَر أَن يكون صَحِيحا، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: " وَمن يرد فِيهِ بإلحاد بظُلْم نذقه من عَذَاب أَلِيم ". أَي: وَمن يهم فِيهِ بظُلْم وَإِن لم يفعل عذّب تشديداً فِي حَقه وتعظيماً لِحُرْمَتِهِ كَمَا فعله الله بأصحاب الْفِيل أهلكهم قبل الْوُصُول إِلَى بَيته. انْتهى. ثمَّ سَار تبع حَتَّى قدم مَكَّة فَكَانَ سلاحه بقعيقعان فَلذَلِك سمي قعيقعان، وَكَانَت خيله بأجياد فَلذَلِك سمي أجياد الْجِيَاد خيل تبع، وَكَانَت مطابخه فِي الشّعب الَّذِي يُقَال لَهُ: شعب عبد الله بن عَامر بن كريز فَلذَلِك سمي شعب المطابخ، فأقاما بِمَكَّة أَيَّامًا ينْحَر فِي كل يَوْم مائَة بَدَنَة وَلَا يرزأ هُوَ وَلَا أحد من عسكره مِنْهَا شَيْئا، يردهَا النَّاس وَيَأْخُذُونَ مِنْهَا حَاجتهم ثمَّ يَقع عَلَيْهَا الطير فيأكل ثمَّ يتناوبها السبَاع إِذا أمست لَا يصد عَنْهَا إِنْسَان وَلَا طَائِر وَلَا سبع يفعل ذَلِك كل يَوْم مُدَّة مقَامه ثمَّ كسا الْبَيْت كسْوَة كَامِلَة كَسَاه العصب، وَجعل لَهُ بَابا يغلق بصبة فارسية، وَهُوَ أول من كسا الْبَيْت كسْوَة كَامِلَة، أرى فِي الْمَنَام أَن يَكْسُوهَا فكساها الأنطاع ثمَّ أرى أَن يَكْسُوهَا فكساها الوصائل ثِيَاب حبرَة من عصب الْيمن، وَهُوَ أول من جعل لَهَا بَابا
стр. 59
يغلق وَلم يكن يغلق قبل ذَلِك. قَالَ القتبي: كَانَت قصَّة تبع قبل الْإِسْلَام بسبعمائة عَام.
فصل: مُبْتَدأ حَدِيث الْفِيل
كَانَ من حَدِيث الْفِيل مَا ذكرُوا أَن ملكا من مُلُوك حمير يُقَال لَهُ: زرْعَة ذُو نواس، وَكَانُوا قد تهودوا واستجمعت مَعَه حمير على ذَلِك إِلَّا أهل نَجْرَان فَإِنَّهُم كَانُوا على النَّصْرَانِيَّة على أصل حكم الْإِنْجِيل، وَلَهُم رَأس يُقَال لَهُ: عبد الله بن تامر، فَدَعَاهُمْ ذُو نواس إِلَى الْيَهُودِيَّة فَأَبَوا فَخَيرهمْ فَاخْتَارُوا المقتل، فَخدَّ لَهُم أُخْدُودًا وصنف لَهُم المقتل، فَمنهمْ من قتل صبرا وَمِنْهُم من أوقد لَهُ النَّار فِي الْأُخْدُود فَأَلْقَاهُ فِي النَّار إِلَّا رجلا من سبأ يُقَال لَهُ: دوس بن ثعلبان، فهرب على فرس لَهُ يرْكض فَأتى قَيْصر فَذكر لَهُ مَا بلغ مِنْهُم واستنصره، فَقَالَ لَهُ: بَعدت بلادك ونأت دَارك عَنَّا، وَلَكِن سأكتب إِلَى ملك الْحَبَشَة فَإِنَّهُ على ديننَا فينصرك فَكتب لَهُ إِلَى النَّجَاشِيّ يَأْمُرهُ بنصره، فَلَمَّا قدم على النَّجَاشِيّ بعث مَعَه رجلا من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ: أرياط، وَقَالَ: إِن دخلت الْيمن فَاقْتُلْ ثلث رجالها واسب ثلث نسائها وذراريها وابعثهم إليّ وَخرب ثلث بلادها، فَلَمَّا دخلُوا أَرض الْيمن تناوشوا بسبأ من قتال ثمَّ ظهر عَلَيْهِم، ثمَّ خرج ذُو نواس على فرسه فاستعرض لَهُ الْبَحْر حَتَّى لجج بِهِ فماتا جَمِيعًا فِي الْبَحْر وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ، فَدَخلَهَا أرياط فَعمل مَا أمره بِهِ النَّجَاشِيّ.
فصل ذكر الْفِيل حِين ساقته الْحَبَشَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق: لما ظَهرت الْحَبَشَة على أَرض الْيمن كَانَ ملكهم إِلَى أرياط وأبرهة، وَكَانَ أرياط فَوق أَبْرَهَة، فَأَقَامَ أرياط بِالْيمن سنتَيْن فِي سُلْطَانه لَا ينازعه أحد ثمَّ نازعه أَبْرَهَة الحبشي الْملك، وَكَانَ فِي جند من الْحَبَشَة فانحاز إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْحَبَشَة طَائِفَة ثمَّ سَار أَحدهمَا إِلَى الآخر، فَكَانَ أرياط يكون بِصَنْعَاء ومحاليفها، وَكَانَ
стр. 60
أَبْرَهَة يكون بالجند ومحاليفها، فَلَمَّا تقَارب النَّاس ودنا بَعضهم من بعض أرسل أَبْرَهَة إِلَى أرياط لإنك " لَا تضع " بِأَن تلقى الْحَبَشَة بَعضهم بِبَعْض فتفنيها بسبأ، وَلَكِن أبرز إليّ وأبرز لَك فأينا أصَاب صَاحبه انْصَرف إِلَيْهِ جنده، فَأرْسل إِلَيْهِ أرياط أَن قد صدقت وَانْصَرف، فَخرج أرياط وَكَانَ رجلا عَظِيما طَويلا وسيماً وَفِي يَده حَرْبَة لَهُ، وَخرج لَهُ أَبْرَهَة وَكَانَ رجلا قَصِيرا حادراً رحِيما دحداحاً، وَكَانَ ذَا دين فِي النَّصْرَانِيَّة وَخلف أَبْرَهَة عبد لَهُ يحمى ظَهره يُقَال لَهُ: عتودة، فَلَمَّا دنا أَحدهمَا من صَاحبه رفع أرياط الحربة فَضرب بهَا رَأس أَبْرَهَة يُرِيد يأفوخه بِالْهَمْز فَوَقَعت الحربة على جبهة أَبْرَهَة فشرمت حَاجِبه وعينه وَأَنْفه وشفته فبذلك سمي أَبْرَهَة الأشرم، وَحمل غُلَام أَبْرَهَة على أرياط من خلف فزرقه بالحربة فَقتله، فَانْصَرف جند أرياط إِلَى أَبْرَهَة فاجتمعت عَلَيْهِ الْحَبَشَة بِالْيمن، وَكَانَ مَا صنع أَبْرَهَة من قَتله أرياط بِغَيْر علم النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة بِأَرْض البسوم من بِلَاد الْحَبَشَة، فَلَمَّا بلغه ذَلِك غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ: عدا على أَمِيري بِغَيْر أَمْرِي فَقتله، ثمَّ حلف النَّجَاشِيّ لَا يدع أَبْرَهَة حَتَّى يطَأ أرضه ويجز ناصيته، فَلَمَّا بلغ ذَلِك أَبْرَهَة حلق رَأسه ثمَّ مَلأ جراباً من تُرَاب أَرض الْيمن، ثمَّ بعث بِهِ إِلَى النَّجَاشِيّ وَكتب إِلَيْهِ: أَيهَا الْملك إِنَّمَا كَانَ أرياط عَبدك وَأَنا عَبدك اخْتَلَفْنَا فِي أَمرك وكلنَا طَاعَته لَك إِلَّا أَنِّي كنت أقوى على أَمر الْحَبَشَة مِنْهُ وأضبط، وَقد حلقت رَأْسِي كُله حِين بَلغنِي قسم الْملك وَبعثت بِهِ إِلَيْهِ مَعَ جراب من تُرَاب أرضي ليضعه تَحت قَدَمَيْهِ فيبر بذلك قسمه، فَلَمَّا انْتهى ذَلِك إِلَى النَّجَاشِيّ كتب إِلَيْهِ أَن اثْبتْ بِأَرْض الْيمن حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي، فَأَقَامَ أَبْرَهَة بِالْيمن، وَبنى أَبْرَهَة عِنْد ذَلِك الْقليس بِصَنْعَاء إِلَى جنب غمدان فَبنى كَنِيسَة وأحكمها وسماها الْقليس، وَكتب إِلَى النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة: إِنِّي قد بنيت لَك
стр. 61
كَنِيسَة لم يبن مثلهَا لملك كَانَ قبلك، " وَلَيْسَت بمبنية " حَتَّى انْصَرف حَاج الْعَرَب إِلَيْهَا ويتركوا الْحَج إِلَى بَيتهمْ، فَبنى الْقليس بحجارة قصر بلقيس صَاحِبَة الصرح الَّذِي ذكر فِي الْقُرْآن فِي قصَّة سُلَيْمَان ﵇، وَكَانَ سُلَيْمَان ﵇ حِين تزَوجهَا ينزل عَلَيْهَا فِيهِ إِذا جاءها، فَوضع الرِّجَال " تسنعاً " يناول بَعضهم بَعْضًا الْحِجَارَة والآلة، حَتَّى نقل مَا كَانَ فِي قصر بلقيس مِمَّا احْتَاجَ إِلَيْهِ من حِجَارَة ورخام وَآلَة الْبناء، وجدّ فِي بنائِهِ وَكَانَ مربعًا مستوى التربيع، وَجعل طوله فِي السَّمَاء سِتِّينَ ذِرَاعا وكثفه من دَاخله عشرَة أَذْرع فِي السَّمَاء، فَكَانَ يصعد إِلَيْهِ بدرج الرخام، وَحَوله سور بَينه وَبَين الْقليس مِائَتَا ذِرَاع مطيف بِهِ من كل جَانب، وَجعل بِنَاء ذَلِك كُله بحجارة يسميها أهل الْيمن الجروب منقوشة مطبقة لَا تدخل بَين أطباقها الإبرة، وَجعل طول بنائِهِ من الجروب عشْرين ذِرَاعا فِي السَّمَاء، ثمَّ فصل مَا بَين حِجَارَة الجروب بحجارة مُثَلّثَة متداخلة بَعْضهَا بِبَعْض، حجرا أَخْضَر وحجراً أَحْمَر وحجراً أَبيض وحجراً أصفر وحجراً أسود، فِيمَا بَين كل ساقين خشب ساسم مدور الرَّأْس غليظ الْخَشَبَة ناتئ على الْبناء، فَكَانَ مفصلا لهَذَا الْبناء على هَذِه الصّفة، لم فَصله برخام منقوش طوله فِي السَّمَاء ذراعان ناتئ على الْبناء بِذِرَاع، ثمَّ فصل فَوق ذَلِك الرخام بحجارة بَيْضَاء لَهَا بريق وَكَانَ هَذَا ظَاهر حَائِط الْقليس، وَكَانَ عرض حَائِطه سِتَّة أَذْرع، وَكَانَ لَهُ بَاب من نُحَاس عشرَة أَذْرع طولا فِي أَرْبَعَة أَذْرع عرضا، وَكَانَ الْمدْخل مِنْهُ إِلَى بَيت فِي جَوْفه طوله ثَمَانُون ذِرَاعا فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعا مَعْمُولا بالساج المنقوش ومسامير الذَّهَب وَالْفِضَّة، ثمَّ يدْخل من الْبَيْت إِلَى إيوَان طوله أَرْبَعُونَ ذِرَاعا عَن يَمِينه وَعَن يسَاره عُقُود مَضْرُوبَة بالسفيسف مشجرة بَين أضعافها كواكب الذَّهَب ظَاهِرَة، ثمَّ يدْخل من الإيوان قبَّة ثَلَاثِينَ ذِرَاعا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعا منقوشة جدرها بالسفيسفاء وَالذَّهَب وَالْفِضَّة، وفيهَا رخامة مِمَّا يَلِي مطلع الشَّمْس من
стр. 62
البلق مربعة عشرَة أَذْرع فِي عشرَة أَذْرع، تغشى عين من نظر إِلَيْهَا من بطن الْقبَّة تُؤدِّي ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَى دَاخل الْقبَّة، وَكَانَ تَحت الرخامة مِنْبَر من الأبنوس مفصل بالعاج الْأَبْيَض، ودرج الْمِنْبَر من الساج ملبسة ذَهَبا وَفِضة، وَكَانَ فِي الْقبَّة أَو فِي الْبَيْت خَشَبَة سَاج منقوشة طولهَا سِتُّونَ ذِرَاعا يُقَال لَهَا: كعيب، وخشبة من سَاج نَحْوهَا فِي الطول يُقَال لَهَا: امْرَأَة كعيب يتبركون بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ أَبْرَهَة عِنْد بِنَاء الْقليس قد أَخذ الْعمَّال بِالْعَمَلِ أخذا شَدِيدا وَكَانَ قد آلى أَن لَا تطلع الشَّمْس على عَامل لم يضع يَده فِي عمله فَيُؤتى بِهِ إِلَّا قطع يَده. قَالَ: فَتخلف رجل مِمَّن كَانَ يعْمل فِيهِ حَتَّى طلعت الشَّمْس، وَكَانَت لَهُ أم عَجُوز فَذهب بهَا مَعَه لتستوهبه من أَبْرَهَة فَأَتَتْهُ وَهُوَ بارز للنَّاس فَذكرت لَهُ عِلّة ابْنهَا واستوهبته مِنْهُ، فَقَالَ: لَا أكذب نَفسِي وَلَا أفسد عليّ عمالي فَأمر بِقطع يَده، فَقَالَت لَهُ أمه: اضْرِب بمعولك الْيَوْم فاليوم لَك وَغدا لغيرك لَيْسَ كل الدَّهْر لَك، فَقَالَ: أدبوها ثمَّ قَالَ لَهَا: إِن لي هَذَا الْملك أَيكُون لغيري؟ قَالَت: نعم، وَكَانَ أَبْرَهَة قد أجمع أَن يَبْنِي الْقليس حَتَّى يظْهر على ظَهره فَيرى مِنْهُ بَحر عدن، فَقَالَ: لَا أبني حجرا على حجر بعد يومي هَذَا وأعيا النَّاس من الْعَمَل، فانتشر خبر بِنَاء أَبْرَهَة هَذَا الْبَيْت فِي الْعَرَب، فَدَعَا رجلَانِ من بني مَالك بن كنَانَة فتيين مِنْهُم فَأَمرهمَا أَن يذهبا إِلَى ذَلِك الْبَيْت الَّذِي بناه أَبْرَهَة بِصَنْعَاء فيحدثا فِيهِ فذهبا ففعلا ذَلِك، فَدخل أَبْرَهَة الْبَيْت فَرَأى آثارهما فِيهِ، فَقَالَ: من فعل هَذَا؟ فَقيل لَهُ: رجلَانِ من الْعَرَب من أهل الْبَيْت الَّذِي تحج إِلَيْهِ الْعَرَب بِمَكَّة لما أَن سمعا قَوْلك: أصرف إِلَيْهَا حَاج الْعَرَب. جاءاها ففعلا فِيهَا أَي: أَنَّهَا لَيست لذَلِك بِأَهْل فَغَضب عِنْد ذَلِك أَبْرَهَة وَحلف ليسيرن إِلَى الْبَيْت حَتَّى يهدمه وَبعث رجلا كَانَ عِنْده إِلَى بني كنَانَة يَدعُوهُم إِلَى حج تِلْكَ الْكَنِيسَة فقتلت بَنو كنَانَة ذَلِك الرجل، فَزَاد ذَلِك أَبْرَهَة غَضبا وحنقاً ثمَّ أَمر الْحَبَشَة فتهيأت وتجهزت ثمَّ سَار وَخرج بالفيل مَعَه، وَسمعت بذلك الْعَرَب فأعظموه وفظعوا بِهِ، وَرَأَوا أَن جهاده حق عَلَيْهِم حِين سمعُوا أَنه يُرِيد يهدم الْكَعْبَة بَيت الله الْحَرَام،
стр. 63
فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَشْرَاف الْيمن من مُلُوك حمير يُقَال لَهُ: ذُو نفر، فَدَعَا قومه وَمن أَجَابَهُ من سَائِر الْعَرَب إِلَى حَرْب أَبْرَهَة ومجاهدته عَن بَيت الله وَمَا يُرِيد من هَدمه وإخرابه فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك، ثمَّ عرض لَهُ فقاتله فَهزمَ ذُو نفر وأتى بِهِ أَسِيرًا فَلَمَّا أَرَادَ قَتله، قَالَ لَهُ ذُو نفر: أَيهَا الْملك لَا تقتلني فَعَسَى أَن يكون مقَامي مَعَك خيرا لَك من قَتْلِي، فَتَركه من الْقَتْل وحبسه عِنْده فِي وثاق، وَكَانَ أَبْرَهَة رجلا حَلِيمًا ورعاً ذَا دين فِي النَّصْرَانِيَّة، وَمضى أَبْرَهَة على وَجهه ذَلِك يُرِيد مَا خرج إِلَيْهِ، حَتَّى إِذا كَانَ فِي أَرض خثعم عرض لَهُ نفَيْل بن حبيب الْخَثْعَمِي فِي قبائل من خثعم وَمن اتبعهُ من قبائل الْعَرَب فقاتله، فَهَزَمَهُ أَبْرَهَة وَأخذ لَهُ نفَيْل أَسِيرًا فَأتى بِهِ، فَقَالَ لَهُ نفَيْل: أَيهَا الْملك لَا تقتلني فَإِنِّي دليلك بِأَرْض الْعَرَب، فهاتان يداي على قبائل خثعم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فأعفاه وخلى سَبيله وَسَار مَعَه حَتَّى إِذا مر بِالطَّائِف خرج إِلَيْهِ مَسْعُود بن مغيث فِي رجال ثَقِيف، فَقَالَ: أَيهَا الْملك إِنَّمَا نَحن عبيدك سامعون لَك مطيعون وَلَيْسَ عندنَا لَك خلاف وَلَيْسَ بيتنا هَذَا الْبَيْت الَّذِي تُرِيدُ يعنون اللات، إِنَّمَا تُرِيدُ الْبَيْت الَّذِي بِمَكَّة وَنحن نبعث مَعَك من يدلك عَلَيْهِ. فَتَجَاوز عَنْهُم وبعثوا مَعَه أَبَا رِغَال مولى لَهُم يدله على مَكَّة، فَخرج أَبْرَهَة وَمَعَهُ أَبُو رِغَال حَتَّى أنزلهم " بالمغمس " بِفَتْح الْمِيم الثَّانِيَة وتشديدها وَقيل: بِكَسْرِهَا فَلَمَّا أنزلهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَال هُنَالك فرجمت قَبره الْعَرَب، وَهُوَ قَبره الَّذِي يرْجم بالمغمّس وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ جرير بن الحطنا: ن ذِرَاعا يُقَال لَهَا: كعيب، وخشبة من سَاج نَحْوهَا فِي الطول يُقَال لَهَا: امْرَأَة كعيب يتبركون بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ أَبْرَهَة عِنْد بِنَاء الْقليس قد أَخذ الْعمَّال بِالْعَمَلِ أخذا شَدِيدا وَكَانَ قد آلى أَن لَا تطلع الشَّمْس على عَامل لم يضع يَده فِي عمله فَيُؤتى بِهِ إِلَّا قطع يَده. قَالَ: فَتخلف رجل مِمَّن كَانَ يعْمل فِيهِ حَتَّى طلعت الشَّمْس، وَكَانَت لَهُ أم عَجُوز فَذهب بهَا مَعَه لتستوهبه من أَبْرَهَة فَأَتَتْهُ وَهُوَ بارز للنَّاس فَذكرت لَهُ عِلّة ابْنهَا واستوهبته مِنْهُ، فَقَالَ: لَا أكذب نَفسِي وَلَا أفسد عليّ عمالي فَأمر بِقطع يَده، فَقَالَت لَهُ أمه: اضْرِب بمعولك الْيَوْم فاليوم لَك وَغدا لغيرك لَيْسَ كل الدَّهْر لَك، فَقَالَ: أدبوها ثمَّ قَالَ لَهَا: إِن لي هَذَا الْملك أَيكُون لغيري؟ قَالَت: نعم، وَكَانَ أَبْرَهَة قد أجمع أَن يَبْنِي الْقليس حَتَّى يظْهر على ظَهره فَيرى مِنْهُ بَحر عدن، فَقَالَ: لَا أبني حجرا على حجر بعد يومي هَذَا وأعيا النَّاس من الْعَمَل، فانتشر خبر بِنَاء أَبْرَهَة هَذَا الْبَيْت فِي الْعَرَب، فَدَعَا رجلَانِ من بني مَالك بن كنَانَة فتيين مِنْهُم فَأَمرهمَا أَن يذهبا إِلَى ذَلِك الْبَيْت الَّذِي بناه أَبْرَهَة بِصَنْعَاء فيحدثا فِيهِ فذهبا ففعلا ذَلِك، فَدخل أَبْرَهَة الْبَيْت فَرَأى آثارهما فِيهِ، فَقَالَ: من فعل هَذَا؟ فَقيل لَهُ: رجلَانِ من الْعَرَب من أهل الْبَيْت الَّذِي تحج إِلَيْهِ الْعَرَب بِمَكَّة لما أَن سمعا قَوْلك: أصرف إِلَيْهَا حَاج الْعَرَب. جاءاها ففعلا فِيهَا أَي: أَنَّهَا لَيست لذَلِك بِأَهْل فَغَضب عِنْد ذَلِك أَبْرَهَة وَحلف ليسيرن إِلَى الْبَيْت حَتَّى يهدمه وَبعث رجلا كَانَ عِنْده إِلَى بني كنَانَة يَدعُوهُم إِلَى حج تِلْكَ الْكَنِيسَة فقتلت بَنو كنَانَة ذَلِك الرجل، فَزَاد ذَلِك أَبْرَهَة غَضبا وحنقاً ثمَّ أَمر الْحَبَشَة فتهيأت وتجهزت ثمَّ سَار وَخرج بالفيل مَعَه، وَسمعت بذلك الْعَرَب فأعظموه وفظعوا بِهِ، وَرَأَوا أَن جهاده حق عَلَيْهِم حِين سمعُوا أَنه يُرِيد يهدم الْكَعْبَة بَيت الله الْحَرَام، فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَشْرَاف الْيمن من مُلُوك حمير يُقَال لَهُ: ذُو نفر، فَدَعَا قومه وَمن أَجَابَهُ من سَائِر الْعَرَب إِلَى حَرْب أَبْرَهَة ومجاهدته عَن بَيت الله وَمَا يُرِيد من هَدمه وإخرابه فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك، ثمَّ عرض لَهُ فقاتله فَهزمَ ذُو نفر وأتى بِهِ أَسِيرًا فَلَمَّا أَرَادَ قَتله، قَالَ لَهُ ذُو نفر: أَيهَا الْملك لَا تقتلني فَعَسَى أَن يكون مقَامي مَعَك خيرا لَك من قَتْلِي، فَتَركه من الْقَتْل وحبسه عِنْده فِي وثاق، وَكَانَ أَبْرَهَة رجلا حَلِيمًا ورعاً ذَا دين فِي النَّصْرَانِيَّة، وَمضى أَبْرَهَة على وَجهه ذَلِك يُرِيد مَا خرج إِلَيْهِ، حَتَّى إِذا كَانَ فِي أَرض خثعم عرض لَهُ نفَيْل بن حبيب الْخَثْعَمِي فِي قبائل من خثعم وَمن اتبعهُ من قبائل الْعَرَب فقاتله، فَهَزَمَهُ أَبْرَهَة وَأخذ لَهُ نفَيْل أَسِيرًا فَأتى بِهِ، فَقَالَ لَهُ نفَيْل: أَيهَا الْملك لَا تقتلني فَإِنِّي دليلك بِأَرْض الْعَرَب، فهاتان يداي على قبائل خثعم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فأعفاه وخلى سَبيله وَسَار مَعَه حَتَّى إِذا مر بِالطَّائِف خرج إِلَيْهِ مَسْعُود بن مغيث فِي رجال ثَقِيف، فَقَالَ: أَيهَا الْملك إِنَّمَا نَحن عبيدك سامعون لَك مطيعون وَلَيْسَ عندنَا لَك خلاف وَلَيْسَ بيتنا هَذَا الْبَيْت الَّذِي تُرِيدُ يعنون اللات، إِنَّمَا تُرِيدُ الْبَيْت الَّذِي بِمَكَّة وَنحن نبعث مَعَك من يدلك عَلَيْهِ. فَتَجَاوز عَنْهُم وبعثوا مَعَه أَبَا رِغَال مولى لَهُم يدله على مَكَّة، فَخرج أَبْرَهَة وَمَعَهُ أَبُو رِغَال حَتَّى أنزلهم " بالمغمس " بِفَتْح الْمِيم الثَّانِيَة وتشديدها وَقيل: بِكَسْرِهَا فَلَمَّا أنزلهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَال هُنَالك فرجمت قَبره الْعَرَب، وَهُوَ قَبره الَّذِي يرْجم بالمغمّس وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ جرير بن الحطنا: إِذا مَاتَ الفرزدق فارجموه ... كرجم النَّاس قبر أبي رِغَال قَالَ السُّهيْلي: وَرُوِيَ أَيْضا أَن أَبَا رِغَال من ثَمُود، وَأَنه كَانَ بِالْحرم حِين أصَاب قومه الصَّيْحَة، فَلَمَّا خرج من الْحرم أَصَابَهُ من الْهَلَاك مَا أصَاب قومه فَدفن هُنَاكَ، وَدفن مَعَه غصنان من ذهب، وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ مر بالقبر وَأمر باستخراج الغصنين مِنْهُ فاستخرجا. انْتهى.
стр. 64
وَلما نزل أَبْرَهَة المغمّس بعث رجلا من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ: الْأسود بن مَقْصُود على خيل لَهُ حَتَّى انْتهى إِلَى مَكَّة، فساق إِلَيْهِ أَمْوَال " أهل الْحرم " من قُرَيْش وَغَيرهم فَأصَاب فِيهَا مِائَتي بعير لعبد الْمطلب بن هَاشم، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَبِير قُرَيْش وسيدها، فهمت قُرَيْش وخزاعة وكنانة وهذيل وَمن كَانَ فِي الْحرم بقتاله، ثمَّ عرفُوا أَنهم لَا طَاقَة لَهُم بقتاله فتركوا ذَلِك، وَبعث أَبْرَهَة حناطة الْحِمْيَرِي إِلَى مَكَّة، فَقَالُوا لَهُ: سل عَن سيد أهل هَذِه الْبَلدة وشريفهم ثمَّ قل لَهُم: إِن الْملك يَقُول لكم: إِنِّي لم آتٍ لحربكم إِنَّمَا جِئْت لهدم هَذَا الْبَيْت، فَإِن لم تتعرضوا لقِتَال فَلَا حَاجَة لي بدمائكم، فَإِن هُوَ " لم " يرد حَرْبِيّ فائتني بِهِ، فَلَمَّا دخل حناطة مَكَّة سَأَلَ عَن سيد قُرَيْش وشريفها فَقيل لَهُ: عبد الْمطلب فَأرْسل إِلَى عبد الْمطلب فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ أَبْرَهَة، فَقَالَ عبد الْمطلب: وَالله مَا نُرِيد حربه وَمَا لنا بذلك من طَاقَة، وَهَذَا بَيت الله الْحَرَام وَبَيت خَلِيله إِبْرَاهِيم ﵇، فَإِن يمنعهُ فَهُوَ بَيته وَحرمه، وَإِن يخل بَينه وَبَينه فوَاللَّه مَا عندنَا دفع. فَقَالَ لَهُ حناطة: فَانْطَلق إِلَيْهِ فَإِنَّهُ قد أَمرنِي أَن آتيه بك، فَانْطَلق مَعَه عبد الْمطلب وأردفه على بغلة لَهُ كَانَ عَلَيْهَا وَركب مَعَه بعض بنيه حَتَّى أَتَى الْعَسْكَر فَسَأَلَ عَن ذِي نفر وَكَانَ لَهُ صديقا حَتَّى دلّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسه فَقَالَ: يَا ذَا نفر هَل عنْدك من غناء فِيمَا نزل بِنَا؟ فَقَالَ ذُو نفر: وَمَا غناء رجل أَسِير فِي يَدي ملك ينْتَظر أَن يقْتله بكرَة وَعَشِيَّة، مَا عِنْدِي غناء من شَيْء مِمَّا نزل بك غلا أَن أنيساً سائس الْفِيل صديق لي، فَأرْسل إِلَيْهِ وأوصيه بك وَأعظم عَلَيْهِ حَقك، وأسأله أَن يسْتَأْذن لَك على الْملك وتكلمه بِمَا بدا لَك، ويشفع لَك عِنْده بِخَير إِن قدر على ذَلِك، قَالَ: حسبي. فَبعث ذُو نفر إِلَى أنيس فَقَالَ لَهُ: إِن عبد الْمطلب سيد قُرَيْش وَصَاحب عير مَكَّة يطعم النَّاس بالسهل والجبل والوحوش فِي رُؤُوس الْجبَال، وَقد أصَاب الْملك لَهُ مِائَتي بعير فَاسْتَأْذن لَهُ عَلَيْهِ وانفعه عِنْده بِمَا اسْتَطَعْت، فَقَالَ: أفعل فَكلم أنيس أَبْرَهَة فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك هَذَا سيد قُرَيْش ببابك يسْتَأْذن عَلَيْك وَهُوَ صَاحب عير مَكَّة وَهُوَ سَيِّدهَا وَهُوَ يطعم النَّاس بالسهل والجبل والوحوش فِي رُؤُوس الْجبَال فَأذن لَهُ عَلَيْك فليكلمك، فَأذن لَهُ أَبْرَهَة وَكَانَ عبد الْمطلب أوسم رجل وأعظمه وأجمله فَأذن لَهُ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَرَآهُ أَبْرَهَة أَجله وَكَرمه عَن أَن يجلسه تَحْتَهُ، وَكره أَن ترَاهُ الْحَبَشَة مَعَه على سَرِيره فَنزل أَبْرَهَة عَن سَرِيره فَجَلَسَ على بساطه وَأَجْلسهُ مَعَه إِلَى جنبه، ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ
стр. 65
قل لَهُ: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ لَهُ الترجمان: إِن الْملك يَقُول لَك مَا حَاجَتك؟ قَالَ: حَاجَتي أَن يرد عليّ الْملك مِائَتي بعير أَصَابَهَا لي. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِك، قَالَ أَبْرَهَة لِترْجُمَانِهِ قل لَهُ: قد كنت أعجبتني حِين رَأَيْتُك ثمَّ زهدت فِيك حِين كَلَّمتنِي، تكلمني فِي مِائَتي بعير أصبتها لَك وتترك بَيْتا هُوَ دينك وَدين آبَائِك وَقد جِئْت أهدمه وَلَا تكلمني فِيهِ. قَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي أَنا رب إبلي وَإِن للبيت ربّاً سيمنعه. قَالَ: مَا كَانَ ليمنع مني. قَالَ: أَنْت وَذَاكَ. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ قد ذهب مَعَ عبد الْمطلب إِلَى أَبْرَهَة حِين بعث إِلَيْهِ " حناطة الْحِمْيَرِي " " يعمر بن نفاشة بن عدي " من بني كنَانَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد بني بكر، " وخويلد بن وَاثِلَة " وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد هُذَيْل، فعرضوا على أَبْرَهَة ثلث أَمْوَال تهَامَة على أَن يرجع عَنْهُم وَلَا يهدم الْبَيْت فَأبى عَلَيْهِم، ورد أَبْرَهَة على عبد الْمطلب الْإِبِل الَّتِي كَانَ أَصَابَهَا، فَلَمَّا انصرفوا عَنهُ انْصَرف عبد الْمطلب إِلَى قُرَيْش فَأخْبرهُم الْخَبَر وَأمرهمْ بِالْخرُوجِ من مَكَّة والتحرز فِي شعف الْجبَال خوفًا عَلَيْهِم من " معرة الْجَيْش "، ثمَّ أَقَامَ عبد الْمطلب فَأخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة وَقَامَ مَعَه نفر من قُرَيْش يدعونَ الله ويستنصرونه على أَبْرَهَة وعَلى جنده، فَقَالَ عبد الْمطلب وَهُوَ آخذ بِحَلقَة بَاب الْكَعْبَة: لَا هم إِن الْمَرْء يمْنَع رَحل ... هـ فامنع حلالك لَا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك جروا جَمِيع بِلَادهمْ ... والفيل كي يسبوا عِيَالك عَمدُوا حمادك بكيدهم ... جهلا وَمَا رقبوا جلالك
стр. 66
إِن كنت تاركهم وكعتن ... افأمر مَا بدا لَك ثمَّ أرسل عبد الْمطلب حَلقَة بَاب الْكَعْبَة وَانْطَلق هُوَ وَمن مَعَه من قُرَيْش إِلَى شعف الْجبَال فتحرزوا فِيهَا ينتظرون مَا أَبْرَهَة فَاعل بِمَكَّة إِذا دَخلهَا، وَقَالَ عبد الْمطلب أَيْضا: قلت والأشرم تردى خيله ... إِن ذَا الأشرم غر بِالْحرم كَاد يتبع فِيمَن جندت ... حمير والحي من ذَاك قزم فانثنى عَنهُ وَفِي أوداجه ... جارح أمسك مِنْهُ بالكظم نَحن أهل الله فِي بلدته ... لم يزل ذَاك على عهد إبرهم نعْبد الله وَفينَا شِيمَة ... صلَة الْقُرْبَى وإيفاء الذمم إِن للبيت لربّا مَانِعا ... من يردهُ بآثام يصطلم وَقَوله: إبرهم يُرِيد إِبْرَاهِيم ﵇ وَلما أصبح أَبْرَهَة تهَيَّأ لدُخُول مَكَّة وَهدم الْكَعْبَة وهيأ فيله وعبأ جَيْشه وَقدم فيله أَمَام جَيْشه، وَكَانَ اسْم الْفِيل مَحْمُودًا وَكَانَ فيل النَّجَاشِيّ بَعثه إِلَى أَبْرَهَة وَكَانَ فيلاً لم ير مثله فِي الأَرْض عظما وجسماً وَقُوَّة. وَقَالَ مقَاتل: لم يكن مَعَهم إِلَّا ذَلِك الْفِيل الْوَاحِد فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى: " ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل ". وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَت الفيلة ثَمَانِيَة غير الْفِيل الْأَعْظَم. وَقيل: اثْنَي عشر فيلاً. وَقيل: ألف فيل. وَقيل: إِنَّمَا وحد فِي الْقُرْآن لوفاق رُؤُوس الْآي. وَقيل: نسبهم إِلَى الْفِيل الْأَعْظَم. فَلَمَّا وجهوا الْفِيل إِلَى مَكَّة أقبل نفَيْل بن حبيب الْخَثْعَمِي حَتَّى قَامَ إِلَى جنب الْفِيل فالتقم أُذُنه فَقَالَ: ابرك مَحْمُودًا وارجع راشداً من حَيْثُ جِئْت فَإنَّك فِي بلد الله الْحَرَام ثمَّ أرسل أُذُنه فبرك، وَخرج نفَيْل بن حبيب يشْتَد حَتَّى صعد فِي الْجَبَل، فَضربُوا الْفِيل ليقوم فَأبى فَضربُوا رَأسه بالطبرزين فَأبى فأدخلوا
стр. 67
محاجمهم تَحت مراقه ومرافقه فدفعوه بهَا ليقوم فَأبى، فوجهوه رَاجعا إِلَى الْيمن فَقَامَ يُهَرْوِل ووجهوه إِلَى الشَّام فَفعل مثل ذَلِك، ووجهوه إِلَى الْمشرق مثل ذَلِك ووجهوه إِلَى مَكَّة فبرك، وَأرْسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم طيراً من الْبَحْر أَمْثَال الخطاطيف مَعَ كل طَائِر مِنْهَا ثَلَاثَة أَحْجَار يحملهَا: حجر فِي منقاره، وحجران فِي رجلَيْهِ أَمْثَال الحمص والعدس وَفِي رِوَايَة: فَوق العدسة وَدون الحمصة بتَشْديد الْمِيم وبتخفيفها فَلَمَّا غشيت الْقَوْم أرسلتها عَلَيْهِم فَلم تصب تِلْكَ الْحِجَارَة أحدا إِلَّا هلك وَلَيْسَ كلهم أَصَابَت، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى " وَأرْسل عَلَيْهِم طيراً أبابيل ". أَي: أقاطيع كَالْإِبِلِ المؤبلة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا، وَاحِدهَا إبالة. وَقيل: مُتَفَرِّقَة. يُقَال: جَاءَت الْخَيل أبابيل أَي مُتَفَرِّقَة وَمن هَاهُنَا وَهَاهُنَا. قَالَ أَبُو عبيد: لَا وَاحِد لَهَا. وَقيل: وَاحِدهَا إبول كعجول، أَو إبّيل كسكين، أَو أبولة وَهِي الحزمة الْكَبِيرَة من الْحَطب، شبهت الطير بهَا لكثرتها واجتماعها. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَهَا خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الْكلاب. وَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَ لَهَا رُؤُوس كرؤوس السبَاع لم تَرَ قبل ذَلِك وَلَا بعده. وَقَالَ ربيع: لَهَا أَنْيَاب
стр. 68
كأنياب السبَاع. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: طير خضر لَهَا مناقير صفر. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: هِيَ أشبه شَيْء بالخطاطيف. وَقيل: أشباه الوطاويط وَكَانَت حمرا. وَقيل: سُودًا. وَقيل: بَيْضَاء. وَقَالَ أَبُو الجوزاء: أَنْشَأَهَا الله فِي ذَلِك الْوَقْت. وَقَوله تَعَالَى: " ترميهم بحجارة من سجيل ". أَي: من طين مطبوخ بالنَّار كَمَا يطْبخ الْآجر مَكْتُوب فِيهَا أَسمَاء الْقَوْم. وَقيل: مُعرب من سنك وكل فسنك هُوَ الْحجر وكل هُوَ الطين وَالْمَاء. وَقيل: من سجيل أَي من السَّمَاء، وَهِي الْحِجَارَة الَّتِي نزلت على قوم لوط. وَقيل: من الْجَحِيم وَهِي سِجِّين ثمَّ أبدلت اللَّام نوناً. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وسجيل كَأَنَّهُ علم للديوان الَّذِي كتب فِيهِ عَذَاب الْكفَّار كَمَا أَن سجيناً علم لديوان أَعْمَالهم، كَأَنَّهُ قيل: بحجارة من جملَة الْعَذَاب الْمَكْتُوب المدون، واشتقاقه من الإسجال وَهُوَ الْإِرْسَال؛ لِأَن الْعَذَاب مَوْصُوف بذلك، كَقَوْلِه: " فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان ". " وَأرْسل عَلَيْهِم ". قَالَ ابْن مَسْعُود: وصاحت الطير ورمتهم، وَبعث الله ريحًا فَضربت الْحِجَارَة فزادتها شدَّة فَمَا وَقع مِنْهَا حجر على رجل إِلَّا خرج من الْجَانِب الآخر، وَإِن وَقع على رَأسه خرج من دبره. فَقَوله: " فجعلهم كعصف مَأْكُول ". أَي: كزرع قد أكل حبه وَبَقِي تبنه. ويروى: أَن الْحجر كَانَ يَقع على أحدهم فَيخرج كل مَا فِي جَوْفه فَيبقى كقشر الْحِنْطَة إِذا خرجت مِنْهُ الْحبَّة. ويروى: أَنَّهَا لم تصيبهم كلهم لَكِنَّهَا أَصَابَت من
стр. 69
شَاءَ الله مِنْهُم. وَقيل: هلك الْقَوْم جَمِيعًا فَلَمَّا رَأَتْ الْحَبَشَة ذَلِك خَرجُوا هاربين يبتدرون الَّتِي مِنْهُ جَاءُوا، ويسألون عَن نفَيْل بن حبيب ليدلهم على الطَّرِيق إِلَى الْيمن، وَقَالَ نفَيْل بن حبيب حِين رأى مَا أنزل الله بهم من عَذَابه: أَيْن المفر والإله الطَّالِب ... والأشرم المغلوب غير الْغَالِب وَقَالَ نفَيْل أَيْضا فِي ذَلِك: أَلا حييت عَنَّا ياردينا ... نعمناكم مَعَ الإصباح عينا ردنيه لَو رَأَيْت ولت تريه ... لَدَى جنب المحصب مَا رَأينَا إِذا لعذرتني وحمدت أَمْرِي ... وَلم تأسى على مَا فَاتَ بَينا حمدت الله إِذْ عَايَنت طيرا ... وَخفت حِجَارَة تلقى علينا وكل الْقَوْم يسْأَل عَن نفَيْل ... كَأَن عليّ للحبشان دينا ونفيل ينظر إِلَيْهِم من بعض تِلْكَ الْجبَال، وَقد خرج الْقَوْم وماج بَعضهم فِي بعض، فَخَرجُوا يتساقطون بِكُل طَرِيق وَيهْلِكُونَ على كل مِنْهَا، وَبعث الله على أَبْرَهَة دَاء فِي جسده فَجعل تتساقط أنامله، كلما سَقَطت أُنْمُلَة أتبعتها مُدَّة من قيح وَدم فَانْتهى إِلَى صنعاء وَهُوَ مثل فرخ الطير مِمَّن بَقِي من أَصْحَابه وَمَا مَاتَ حَتَّى انصدع صَدره عَن قلبه ثمَّ هلك، وَأقَام بِمَكَّة ضعف الْجَيْش وَبَعض من ضمه الْعَسْكَر فَكَانُوا بِمَكَّة يعتملون ويرعون لأهل مَكَّة. انْتَهَت قصَّة أَصْحَاب الْفِيل. قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: إِن السَّبَب الَّذِي جر حَدِيث أَصْحَاب هُوَ أَن فتية من قُرَيْش خَرجُوا تجارًا إِلَى أَرض النَّجَاشِيّ فَسَارُوا حَتَّى دنوا من سَاحل الْبَحْر فِي سَنَد حقف من أحقافه ببيعة لِلنَّصَارَى تسميها قُرَيْش " الهيكل "، ويسميها النَّجَاشِيّ وَأهل أرضه " الماسرجسان "، فَنزل الْقَوْم فِي سندها فَجمعُوا حطباً وأججوا نَارا وشووا لَحْمًا، فَلَمَّا ارتحلوا تركُوا النَّار كَمَا هِيَ فِي يَوْم عاصف فعجت الرِّيَاح فاضطرم الهيكل نَارا، وَانْطَلق الصَّرِيخ إِلَى النَّجَاشِيّ فَأخْبرهُ فأسف عِنْد ذَلِك غَضبا لِلْبيعَةِ فَبعث أَبْرَهَة لهدم الْكَعْبَة.
стр. 70
وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ بِمَكَّة يَوْمئِذٍ أَبُو مَسْعُود الثَّقَفِيّ، كَانَ مكفوف الْبَصَر يصيف بِالطَّائِف ويشتو بِمَكَّة وَكَانَ رجلا نبيها نبيلاً عَاقِلا، وَكَانَ لعبد الْمطلب خَلِيلًا فَقَالَ عبد الْمطلب يَا أَبَا مَسْعُود: هَذَا يَوْم لَا يسْتَغْنى فِيهِ عَن رَأْيك فَمَاذَا عنْدك؟ فَقَالَ أَبُو مَسْعُود لعبد الْمطلب: اعمد إِلَى مائَة من الْإِبِل فاجعلها حرما لله وقلدها نعلا ثمَّ أثبتها فِي الْحرم لَعَلَّ بعض هَؤُلَاءِ السودَان يعقر مِنْهَا فيغضب رب هَذَا الْبَيْت فيأخذهم، فَفعل مثل ذَلِك عبد الْمطلب فَعمد الْقَوْم إِلَى تِلْكَ الْإِبِل فحملوا عَلَيْهَا وعقروا بَعْضهَا فَجعل عبد الْمطلب يَدْعُو، فَقَالَ أَبُو مَسْعُود: إِن لهَذَا الْبَيْت رَبًّا يمننعه فقد نزل تبع ملك الْيمن بِصَحْنِ هَذَا الْبَيْت وَأَرَادَ هَدمه فَمَنعه الله وابتلاه وأظلم عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام، فَلَمَّا رأى تبع ذَلِك كَسَاه الْقبَاطِي الْبيض وعظمه وَنحر لَهُ جزوراً فَانْظُر نَحْو الْيَمين هَل ترى شَيْئا؟ فَنظر عبد الْمطلب فَقَالَ: أرى طيراً بيضًا نشأت من شاطئ الْبَحْر وحلقت على رؤوسنا فَقَالَ: هَل تعرفها؟ قَالَ: وَالله مَا أعرفهَا مَا هِيَ بنجدية وَلَا غربية وَلَا شامية وَإِنَّهَا لطير بأرضنا غير مؤنسة. قَالَ: مَا قدرهَا؟ قَالَ: أشباه اليعاسيب، فِي مناقيرها حَصى كَأَنَّهَا حَصى الْخذف قد أَقبلت كالليل يكسع بَعْضهَا بَعْضًا، أَمَام كل دفْعَة طير يَقُودهَا أَحْمَر المنقار أسود الرَّأْس طَوِيل الْعُنُق فَجَاءَت حَتَّى إِذا حازت عَسْكَر الْقَوْم ركدت فَوق رؤوسهم ثمَّ أمالت الطير مَا فِي مناقيرها على من تحتهَا، مَكْتُوب على كل حجر اسْم صَاحبه ثمَّ رجعت من حَيْثُ جَاءَت وَقيل: كَانَ على كل حجر مَكْتُوبًا " من أطَاع الله نجا وَمن عَصَاهُ غوى " فَلَمَّا أصبحا انحطا من ذرْوَة الْجَبَل فمشيا فَلم يؤنسا أحدا، ثمَّ مشيا فَلم يسمعا حسا فَقَالَا: بَات الْقَوْم سامدين فَأَصْبحُوا نياماً، فَلَمَّا دنوا من عَسْكَر الْقَوْم إِذا هم خامدون، وَكَانَ الْحجر يَقع على بَيْضَة أحدهم فيخرقها حَتَّى يَقع فِي دماغه، ويخرق الْفِيل والدابه ويغيب الْحجر فِي الأَرْض من شدَّة وقعه، فَأخذ عبد الْمطلب فأساً وحفر حَتَّى أعمق فِي الأَرْض فملأه من الذَّهَب الْأَحْمَر والجوهر الْجيد وحفر لصَاحبه فملأه، ثمَّ قَالَ لأبي مَسْعُود: هَات خاتمك فاختر إِن شِئْت أخذت حفرتي وَإِن شِئْت حفرتك وَإِن شِئْت فهما لَك. فَقَالَ أَبُو مَسْعُود: اختر لي على نَفسك. فَقَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي لم أك أَن أجعَل الْمَتَاع فِي حفرتي فَهِيَ لَك. وَجلسَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على حفرته ونادى عبد الْمطلب
стр. 71
فِي النَّاس فتراجعوا وَأَصَابُوا من فضلهما حَتَّى ضاقوا بذلك ذرعاً، وساد عبد الْمطلب بذلك قُريْشًا فَلم يزل عبد الْمطلب وَأَبُو مَسْعُود فِي غنة من ذَلِك المَال إِلَى أَن مَاتَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ: وَجه النَّجَاشِيّ أرياط بأَرْبعَة آلَاف إِلَى الْيمن فغلب عَلَيْهَا فَأكْرم الْمُلُوك واستذل الْفُقَرَاء، فَقَامَ رجل من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ: أَبْرَهَة الأشرم أَبُو يكسوم فَدَعَا إِلَى طَاعَته فَأَجَابُوهُ فَقتل أرياط وَغلب على الْيمن، فَرَأى النَّاس يَتَجَهَّزُونَ أَيَّام الْمَوْسِم لِلْحَجِّ قَالَ: أَيْن يذهب النَّاس؟ فَقَالُوا: يحجون بَيت الله بِمَكَّة. قَالَ: مِم هُوَ؟ قَالُوا: من حِجَارَة. قَالَ: فَمَا كسوته؟ قَالُوا: الوصائل. قَالَ: والمسيح لأبنين لكم خيرا مِنْهُ. فَبنى لَهُم بَيْتا عمله بالرخام الْأَبْيَض وَالْأسود والأحمر والأصفر وحلاه بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وحفه بالجواهر، وَجعل لَهُ أبواباً عَلَيْهَا صَفَائِح الذَّهَب ومسامير الذَّهَب ورصّعها بالجواهر وَجعل فِيهَا ياقوتة حَمْرَاء عَظِيمَة وَجعل لَهَا حجّاباً، وَكَانَ يُوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك حَتَّى يطيب الْجَوَاهِر، وَأمر النَّاس بحجه فحجه كثير من قبائل الْعَرَب سِنِين وَمكث فِيهِ رجال يتعبدون ويتنسكون، فأمهل نفَيْل الْخَثْعَمِي حَتَّى كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي وَلم ير أحدا يَتَحَرَّك جَاءَ بعذرة فلطخ بهَا قبلته وَألقى فِيهِ الْجِيَف، فَأخْبر أَبْرَهَة بذلك فَغَضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ: إِنَّمَا فعل هَذَا الْعَرَب غَضبا لبيتهم لأنقضه حجرا حجرا. وَكتب إِلَى النَّجَاشِيّ يُخبرهُ بذلك ويسأله أَن يبْعَث إِلَيْهِ بفيله مَحْمُودًا، وَكَانَ فيلاً لم ير مثله فِي الأَرْض عظما وجسماً وَقُوَّة فَبعث بِهِ إِلَيْهِ فغزا الْبَيْت كَمَا ذكرنَا إِلَى أَن قَالَ: أَقبلت الطير من الْبَحْر مَعَ كل طَائِر حجران فِي رجلَيْهِ وَحجر فِي منقاره، فَقَذَفْتُ الْحِجَارَة عَلَيْهِم لَا تصيب شَيْئا إِلَّا هشمته وَإِلَّا نفط ذَلِك الْموضع، وَكَانَ ذَلِك أول مَا رُؤِيَ الجدري والحصبة بِأَرْض الْعَرَب ذَلِك الْعَام، وَأول مَا رُؤِيَ بهَا من أَمر الشّجر من الحرمل والحنظل وَالْعشر فِي ذَلِك الْعَام فأهمدتهم الْحِجَارَة، وَبعث الله سيلاً آتِيَا فَذهب بهم إِلَى الْبَحْر فألقاهم فِيهِ، وَولى أَبْرَهَة وَمن بَقِي مَعَه هراباً، فَجعل أَبْرَهَة يسْقط عضوا عضوا حَتَّى مَاتَ، وَأما مَحْمُود فيل النَّجَاشِيّ فَرَبَضَ وَلم يشجع على الْحرم فنجا، وَأما الآخر فشجعت فحصبت وَهَلَكت.
стр. 72
قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَقَالَ بعض المكيين: أول مَا كَانَت بِمَكَّة حمام اليمام الحرمية ذَلِك الزَّمَان، يُقَال: إِنَّهَا من نسل الطير الَّتِي رمت أَصْحَاب الْفِيل حِين خرجت من الْبَحْر من جدة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: لما أهلكهم الله بِالْحِجَارَةِ لم يفلت مِنْهُم إِلَّا أَبْرَهَة أَبُو يكسوم فَسَار وطائر يطير فَوْقه وَلم يشْعر بِهِ حَتَّى دخل على النَّجَاشِيّ فَأخْبرهُ بِمَا أَصَابَهُم، فَلَمَّا استتم كَلَامه رَمَاه الطَّائِر فَسقط مَيتا فَأرى الله النَّجَاشِيّ كَيفَ كَانَ هَلَاك أَصْحَابه. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ أَبْرَهَة جد النَّجَاشِيّ الَّذِي كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ وآمن بِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّفْسِير: وَكَانَ أَصْحَاب الْفِيل سِتِّينَ ألفا لم يرجع مِنْهُم إِلَّا أَمِيرهمْ رَجَعَ وَمَعَهُ شرذمة لَطِيفَة، فَلَمَّا أخبروا بِمَا رَأَوْا أهلكوا. وَقَالَ السُّهيْلي: فَلَمَّا هلك ومزقت الْحَبَشَة كل ممزق وأقفر مَا حول هَذِه الْكَنِيسَة فَلم يعمرها أحد، وَكَثُرت حولهَا السبَاع والحيات، وَكَانَ كل من أَرَادَ أَن يَأْخُذ شَيْئا مِنْهَا أَصَابَته الْجِنّ فَبَقيت من ذَلِك الْعَهْد بِمَا فِيهَا من الْعدَد والخشب المرصع بِالذَّهَب والآلات المفضضة الَّتِي تَسَاوِي قناطير من المَال، لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا إِلَى زمن أبي الْعَبَّاس السفاح، فَذكر لَهُ من أمرهَا وَمَا يتهيب من جنها وحيّاتها فَلم يرعه ذَلِك وَبعث إِلَيْهَا أَبَا الْعَبَّاس بن الرّبيع عَامله على الْيمن مَعَه أهل الحزم والجلادة فخربها وحصلوا مِنْهَا مَالا كثيرا، بيع مَا أمكن بَيْعه من رخامها وآلاتها، فعفى بعد ذَلِك رسمها وَانْقطع خَبَرهَا واندرست آثارها، وَكَانَ الَّذِي يصيبهم من الْجِنّ ينسبونه إِلَى كعيب وَامْرَأَته أُصِيب الَّذِي كسرهما بجذام فَافْتتنَ بذلك رعاع النَّاس وطغاتهم. وَاخْتلفُوا فِي تَارِيخ عَام الْفِيل: قَالَ مقَاتل: كَانَ أَمر الْفِيل قبل مولد النَّبِي ﷺ بِأَرْبَعِينَ سنة. وَقيل: بِثَلَاثِينَ.
стр. 73
وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر والكلبي: كَانَ قبل مولده بِثَلَاث وَعشْرين سنة. وَقَالَ الْآخرُونَ: بل كَانَت قصَّة الْفِيل فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ رَسُول الله ﷺ وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الْأَصَح يدل عَلَيْهِ مَا روى عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَنه قَالَ لقباث بن أَشْيَم الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ: يَا قباث أَنْت أكبر سنا أم رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: رَسُول الله ﷺ أكبر مني وَأَنا أسن مِنْهُ، ولد رَسُول الله ﷺ عَام الْفِيل، ووقفت بِي أُمِّي على رَوْث الْفِيل أَخْضَر، وروى خرء الطير أَخْضَر محيلاً أَي: قد أَتَى عَلَيْهِ حول. وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا روى عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: رَأَيْت قَائِد الْفِيل وسائسه بِمَكَّة أعميين مقعدين يستطعمان النَّاس. وَقيل: بعد خمسين يَوْمًا من الْفِيل. وَقيل: بعد قدوم أَصْحَاب الْفِيل بشهرين وَكَانَ لعشرين من نيسان. وَقيل: بعد قدومهم بِخمْس وَخمسين لَيْلَة. وَقَول عبد الْمطلب: لَا هم إِن الْمَرْء يمْنَع رَحْله إِلَى آخِره. حذفت الْألف وَاللَّام من " اللَّهُمَّ " وَاكْتفى بِمَا بَقِي كَمَا تَقول: لاه أَبوك تُرِيدُ الله أَبوك قَالَه السُّهيْلي، والحلال بِالْكَسْرِ: الْقَوْم الْحُلُول فِي الْمَكَان يُرِيد بهم سكان الْحرم. قَالَ السُّهيْلي: والحلال أَيْضا: مَتَاع الْبَيْت، وَجَائِز أَن يستعيره هَاهُنَا، وَقَوله: فبرك الْفِيل: فِيهِ نظر؛ لِأَن الْفِيل لَا يبرك فَيحْتَمل أَن بروكه سُقُوطه على الأَرْض لما جَاءَهُ من أَمر الله، وَيحْتَمل أَن يكون فعل فعل البارك الَّذِي يلْزم مَوْضِعه لَا يبرح فَعبر بالبروك عَن ذَلِك. قَالَ: وَسمعت من يَقُول إِن فِي الفيلة صنفا مِنْهَا يبرك كَمَا يبرك الْجمل، فَإِن صَحَّ وَإِلَّا فتأويله مَا
стр. 74
قدمْنَاهُ. قَالَ السُّهيْلي: وَكَانَت الفيلة ثَلَاثَة عشر فيلاً فَهَلَكت كلهَا إِلَّا مَحْمُودًا وَهُوَ فيل النَّجَاشِيّ من أجل أَنه أَبى من التَّوَجُّه إِلَى الْحرم. قَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ أَصْغَر الْحِجَارَة كرأس الْإِنْسَان وكبارها كَالْإِبِلِ، وَكَانَت قصَّة الْفِيل فِي أول الْمحرم من سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة من تَارِيخ ذِي القرنين. وَقَوله: " فَضربُوا رَأسه بالطبرزين " بِفَتْح الْبَاء هَذَا هُوَ الأَصْل كَمَا ذكره الْبكْرِيّ فِي المعجم والطبر هُوَ الفأس، وَقد تسكن الْبَاء؛ لِأَن الْعَرَب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً وَلَا تقرها على حَال قَالَه ابْن جنى. وروى يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق: أَن الْفِيل ربض فَجعلُوا يقسمون بِاللَّه أَنهم رادوه إِلَى الْيمن فيحرك لَهُم أُذُنَيْهِ كَأَنَّهُ يَأْخُذ عَلَيْهِم بذلك عهدا، فَإِذا أَقْسمُوا لَهُ قَامَ يُهَرْوِل فيردونه إِلَى مَكَّة فيربض، فَيحلفُونَ لَهُ فيحرك لَهُم أُذُنَيْهِ كالمؤكد عَلَيْهِم الْقسم فَفَعَلُوا ذَلِك مرَارًا، وَفِي رِوَايَة: أَنهم استشعروا الْعَذَاب فِي لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم؛ لأَنهم نظرُوا إِلَى النُّجُوم كالحة إِلَيْهِم تكَاد تكلمهم من اقترابها مِنْهُم ففزعوا لذَلِك. قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَأَقْبَلت الطير من نَاحيَة الْبَحْر يَوْم الِاثْنَيْنِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَت قصَّة الْفِيل فِيمَا بعد من معجزات النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ قبله. قَالَ: وَقَالَ أَبُو صَالح: وَرَأَيْت فِي بَيت أم هَانِئ بنت أبي طَالب نَحوا من قفيزين من تِلْكَ الْحِجَارَة سَوْدَاء مخططة بحمرة. فَإِن قيل: كَيفَ منع أَصْحَاب الْفِيل من الْكَعْبَة قبل مصيرها قبْلَة ومنسكاً، وَلم يمْنَع الْحجَّاج من هدمها وَقد صَارَت قبْلَة ومنسكاً حِين أحرقها وَنصب المنجنيق عَلَيْهَا؟ ! فَالْجَوَاب: إِن فعل الْحجَّاج كَانَ بعد اسْتِقْرَار الدّين فاستغنى عَن آيَات تأسيسه، وَأَصْحَاب الْفِيل كَانُوا قبل ظُهُور النُّبُوَّة فَجعل الْمَنْع مِنْهَا آيَة لتأسيس النُّبُوَّة ومجيء الرسَالَة، وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ عَنهُ: بِأَن الْحجَّاج مَا قصد التسليط على الْبَيْت وَإِنَّمَا تحصن بِهِ ابْن الزبير فاحتال لإخراجه ثمَّ بناه، وَلما قصد التسليط عَلَيْهِ أَبْرَهَة فعل بِهِ مَا فعل على أَن رَسُول الله ﷺ قد أنذر بهدمها، فَصَارَ الْهدم آيه بعد مَا كَانَ الْمَنْع آيَة، وَقد عاصر رَسُول الله ﷺ فِي
стр. 75
زمَان نبوته بعد هجرته جمَاعَة شاهدوا الْفِيل مِنْهُم: " حَكِيم بن حزَام "، و " حويطب ابْن عبد الْعُزَّى "، و " نَوْفَل بن مُعَاوِيَة "؛ لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام. قَالَ كَمَال الدّين الدَّمِيرِيّ فِي كِتَابه " حَيَاة الْحَيَوَان ": إِذا دخل إِنْسَان على من يخَاف شَره فليقرأ " كهيعص "، " حم عسق " وَعدد حُرُوف الْكَلِمَتَيْنِ عشر يعْقد لكل حرف إصبعاً من أَصَابِعه يبْدَأ بإبهام الْيَد الْيُمْنَى وَيخْتم بإبهام الْيَد الْيُسْرَى، فَإِذا فرغ عقد جَمِيع الْأَصَابِع، قَرَأَ فِي نَفسه سُورَة الْفِيل فَإِذا وصل إِلَى قَوْله: " ترميهم " كرر لفظ ترميهم عشر مَرَّات يفتح فِي كل مرّة إصبعاً من الْأَصَابِع المعقودة، فَإِذا فعل ذَلِك أَمن شَره وَهُوَ عَجِيب مجرب. وكنية الْفِيل أَبُو الْحجَّاج وَأَبُو الحرمان وَأَبُو دَغْفَل وَأَبُو كُلْثُوم وَأَبُو مُزَاحم، والفيلة أم شبْل، وَفِي " ربيع الْأَبْرَار " كنية فيل الْحَبَشَة أَبُو الْعَبَّاس، وَقد ألغز فِي اسْم الْفِيل فَقيل: مَا اسْم شَيْء تركيبه من ثَلَاث ... وَهُوَ ذُو أَربع تَعَالَى الْإِلَه قيل تصحيفه وَلَكِن إِذا مَا ... عكسوه يكون لي ثُلُثَاهُ وَهُوَ لَا يتلاقح إِلَّا فِي بِلَاده ومعادنه وَإِن صَار أهلياً، وَهُوَ إِذا اغتلم أشبه الْجمل فِي ترك المَاء والعلف حَتَّى تتورم رَأسه وَلم يكن لسواسه غير الْهَرَب مِنْهُ، وَالذكر ينزو إِذا مضى لَهُ من الْعُمر خمس سِنِين، وزمان نزوه الرّبيع، وَالْأُنْثَى تحمل سنتَيْن فَإِذا حملت لَا يقربهَا الذّكر وَلَا يلمسها وَلَا ينزو عَلَيْهَا إِلَّا بعد ثَلَاث سِنِين، وَقيل: تحمل سبع سِنِين، وَلَا ينزو إِلَّا على فيلة وَاحِدَة وَله عَلَيْهَا غيرَة شَدِيدَة، وَإِذا تمّ حملهَا وأرادت الْوَضع دخلت النَّهر حَتَّى تضع وَلَدهَا؛ لِأَنَّهَا تَلد وَهِي قَائِمَة وَلَا فواصل لقوائمها فتلد، وَالذكر عِنْد ذَلِك يحرسها وَوَلدهَا من الْحَيَّات، وَيَزْعُم أهل الْهِنْد أَن لِسَان الْفِيل مقلوب لَوْلَا ذَلِك لتكلم، وَفِيه من الْفَهم مَا يقبل بِهِ التَّأْدِيب وَيفْعل مَا تَأمره من السُّجُود للملوك وَغير ذَلِك من الْخَيْر وَالشَّر فِي حالتي السّلم وَالْحَرب، وَفِيه من الْأَخْلَاق أَنه يُقَاتل بعضه بَعْضًا والمقهور مِنْهُمَا يخضع للقاهر، وَأهل الْهِنْد يعظمونه؛ لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْخِصَال المحمودة من علو سمكه
следующие страницы →