← История

История · id 5539

تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف

ابن الضياء

Полный текст (329 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فِي النَّاس فتراجعوا وَأَصَابُوا من فضلهما حَتَّى ضاقوا بذلك ذرعاً، وساد عبد الْمطلب بذلك قُريْشًا فَلم يزل عبد الْمطلب وَأَبُو مَسْعُود فِي غنة من ذَلِك المَال إِلَى أَن مَاتَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ: وَجه النَّجَاشِيّ أرياط بأَرْبعَة آلَاف إِلَى الْيمن فغلب عَلَيْهَا فَأكْرم الْمُلُوك واستذل الْفُقَرَاء، فَقَامَ رجل من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ: أَبْرَهَة الأشرم أَبُو يكسوم فَدَعَا إِلَى طَاعَته فَأَجَابُوهُ فَقتل أرياط وَغلب على الْيمن، فَرَأى النَّاس يَتَجَهَّزُونَ أَيَّام الْمَوْسِم لِلْحَجِّ قَالَ: أَيْن يذهب النَّاس؟ فَقَالُوا: يحجون بَيت الله بِمَكَّة. قَالَ: مِم هُوَ؟ قَالُوا: من حِجَارَة. قَالَ: فَمَا كسوته؟ قَالُوا: الوصائل. قَالَ: والمسيح لأبنين لكم خيرا مِنْهُ. فَبنى لَهُم بَيْتا عمله بالرخام الْأَبْيَض وَالْأسود والأحمر والأصفر وحلاه بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وحفه بالجواهر، وَجعل لَهُ أبواباً عَلَيْهَا صَفَائِح الذَّهَب ومسامير الذَّهَب ورصّعها بالجواهر وَجعل فِيهَا ياقوتة حَمْرَاء عَظِيمَة وَجعل لَهَا حجّاباً، وَكَانَ يُوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك حَتَّى يطيب الْجَوَاهِر، وَأمر النَّاس بحجه فحجه كثير من قبائل الْعَرَب سِنِين وَمكث فِيهِ رجال يتعبدون ويتنسكون، فأمهل نفَيْل الْخَثْعَمِي حَتَّى كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي وَلم ير أحدا يَتَحَرَّك جَاءَ بعذرة فلطخ بهَا قبلته وَألقى فِيهِ الْجِيَف، فَأخْبر أَبْرَهَة بذلك فَغَضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ: إِنَّمَا فعل هَذَا الْعَرَب غَضبا لبيتهم لأنقضه حجرا حجرا. وَكتب إِلَى النَّجَاشِيّ يُخبرهُ بذلك ويسأله أَن يبْعَث إِلَيْهِ بفيله مَحْمُودًا، وَكَانَ فيلاً لم ير مثله فِي الأَرْض عظما وجسماً وَقُوَّة فَبعث بِهِ إِلَيْهِ فغزا الْبَيْت كَمَا ذكرنَا إِلَى أَن قَالَ: أَقبلت الطير من الْبَحْر مَعَ كل طَائِر حجران فِي رجلَيْهِ وَحجر فِي منقاره، فَقَذَفْتُ الْحِجَارَة عَلَيْهِم لَا تصيب شَيْئا إِلَّا هشمته وَإِلَّا نفط ذَلِك الْموضع، وَكَانَ ذَلِك أول مَا رُؤِيَ الجدري والحصبة بِأَرْض الْعَرَب ذَلِك الْعَام، وَأول مَا رُؤِيَ بهَا من أَمر الشّجر من الحرمل والحنظل وَالْعشر فِي ذَلِك الْعَام فأهمدتهم الْحِجَارَة، وَبعث الله سيلاً آتِيَا فَذهب بهم إِلَى الْبَحْر فألقاهم فِيهِ، وَولى أَبْرَهَة وَمن بَقِي مَعَه هراباً، فَجعل أَبْرَهَة يسْقط عضوا عضوا حَتَّى مَاتَ، وَأما مَحْمُود فيل النَّجَاشِيّ فَرَبَضَ وَلم يشجع على الْحرم فنجا، وَأما الآخر فشجعت فحصبت وَهَلَكت.

стр. 72

قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَقَالَ بعض المكيين: أول مَا كَانَت بِمَكَّة حمام اليمام الحرمية ذَلِك الزَّمَان، يُقَال: إِنَّهَا من نسل الطير الَّتِي رمت أَصْحَاب الْفِيل حِين خرجت من الْبَحْر من جدة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: لما أهلكهم الله بِالْحِجَارَةِ لم يفلت مِنْهُم إِلَّا أَبْرَهَة أَبُو يكسوم فَسَار وطائر يطير فَوْقه وَلم يشْعر بِهِ حَتَّى دخل على النَّجَاشِيّ فَأخْبرهُ بِمَا أَصَابَهُم، فَلَمَّا استتم كَلَامه رَمَاه الطَّائِر فَسقط مَيتا فَأرى الله النَّجَاشِيّ كَيفَ كَانَ هَلَاك أَصْحَابه. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ أَبْرَهَة جد النَّجَاشِيّ الَّذِي كَانَ فِي زمن النَّبِي ﷺ وآمن بِهِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التَّفْسِير: وَكَانَ أَصْحَاب الْفِيل سِتِّينَ ألفا لم يرجع مِنْهُم إِلَّا أَمِيرهمْ رَجَعَ وَمَعَهُ شرذمة لَطِيفَة، فَلَمَّا أخبروا بِمَا رَأَوْا أهلكوا. وَقَالَ السُّهيْلي: فَلَمَّا هلك ومزقت الْحَبَشَة كل ممزق وأقفر مَا حول هَذِه الْكَنِيسَة فَلم يعمرها أحد، وَكَثُرت حولهَا السبَاع والحيات، وَكَانَ كل من أَرَادَ أَن يَأْخُذ شَيْئا مِنْهَا أَصَابَته الْجِنّ فَبَقيت من ذَلِك الْعَهْد بِمَا فِيهَا من الْعدَد والخشب المرصع بِالذَّهَب والآلات المفضضة الَّتِي تَسَاوِي قناطير من المَال، لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا إِلَى زمن أبي الْعَبَّاس السفاح، فَذكر لَهُ من أمرهَا وَمَا يتهيب من جنها وحيّاتها فَلم يرعه ذَلِك وَبعث إِلَيْهَا أَبَا الْعَبَّاس بن الرّبيع عَامله على الْيمن مَعَه أهل الحزم والجلادة فخربها وحصلوا مِنْهَا مَالا كثيرا، بيع مَا أمكن بَيْعه من رخامها وآلاتها، فعفى بعد ذَلِك رسمها وَانْقطع خَبَرهَا واندرست آثارها، وَكَانَ الَّذِي يصيبهم من الْجِنّ ينسبونه إِلَى كعيب وَامْرَأَته أُصِيب الَّذِي كسرهما بجذام فَافْتتنَ بذلك رعاع النَّاس وطغاتهم. وَاخْتلفُوا فِي تَارِيخ عَام الْفِيل: قَالَ مقَاتل: كَانَ أَمر الْفِيل قبل مولد النَّبِي ﷺ بِأَرْبَعِينَ سنة. وَقيل: بِثَلَاثِينَ.

стр. 73

وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر والكلبي: كَانَ قبل مولده بِثَلَاث وَعشْرين سنة. وَقَالَ الْآخرُونَ: بل كَانَت قصَّة الْفِيل فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ رَسُول الله ﷺ وعَلى هَذَا أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الْأَصَح يدل عَلَيْهِ مَا روى عَن عبد الْملك بن مَرْوَان أَنه قَالَ لقباث بن أَشْيَم الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ: يَا قباث أَنْت أكبر سنا أم رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: رَسُول الله ﷺ أكبر مني وَأَنا أسن مِنْهُ، ولد رَسُول الله ﷺ عَام الْفِيل، ووقفت بِي أُمِّي على رَوْث الْفِيل أَخْضَر، وروى خرء الطير أَخْضَر محيلاً أَي: قد أَتَى عَلَيْهِ حول. وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا روى عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: رَأَيْت قَائِد الْفِيل وسائسه بِمَكَّة أعميين مقعدين يستطعمان النَّاس. وَقيل: بعد خمسين يَوْمًا من الْفِيل. وَقيل: بعد قدوم أَصْحَاب الْفِيل بشهرين وَكَانَ لعشرين من نيسان. وَقيل: بعد قدومهم بِخمْس وَخمسين لَيْلَة. وَقَول عبد الْمطلب: لَا هم إِن الْمَرْء يمْنَع رَحْله إِلَى آخِره. حذفت الْألف وَاللَّام من " اللَّهُمَّ " وَاكْتفى بِمَا بَقِي كَمَا تَقول: لاه أَبوك تُرِيدُ الله أَبوك قَالَه السُّهيْلي، والحلال بِالْكَسْرِ: الْقَوْم الْحُلُول فِي الْمَكَان يُرِيد بهم سكان الْحرم. قَالَ السُّهيْلي: والحلال أَيْضا: مَتَاع الْبَيْت، وَجَائِز أَن يستعيره هَاهُنَا، وَقَوله: فبرك الْفِيل: فِيهِ نظر؛ لِأَن الْفِيل لَا يبرك فَيحْتَمل أَن بروكه سُقُوطه على الأَرْض لما جَاءَهُ من أَمر الله، وَيحْتَمل أَن يكون فعل فعل البارك الَّذِي يلْزم مَوْضِعه لَا يبرح فَعبر بالبروك عَن ذَلِك. قَالَ: وَسمعت من يَقُول إِن فِي الفيلة صنفا مِنْهَا يبرك كَمَا يبرك الْجمل، فَإِن صَحَّ وَإِلَّا فتأويله مَا

стр. 74

قدمْنَاهُ. قَالَ السُّهيْلي: وَكَانَت الفيلة ثَلَاثَة عشر فيلاً فَهَلَكت كلهَا إِلَّا مَحْمُودًا وَهُوَ فيل النَّجَاشِيّ من أجل أَنه أَبى من التَّوَجُّه إِلَى الْحرم. قَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ أَصْغَر الْحِجَارَة كرأس الْإِنْسَان وكبارها كَالْإِبِلِ، وَكَانَت قصَّة الْفِيل فِي أول الْمحرم من سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة من تَارِيخ ذِي القرنين. وَقَوله: " فَضربُوا رَأسه بالطبرزين " بِفَتْح الْبَاء هَذَا هُوَ الأَصْل كَمَا ذكره الْبكْرِيّ فِي المعجم والطبر هُوَ الفأس، وَقد تسكن الْبَاء؛ لِأَن الْعَرَب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعباً وَلَا تقرها على حَال قَالَه ابْن جنى. وروى يُونُس عَن ابْن إِسْحَاق: أَن الْفِيل ربض فَجعلُوا يقسمون بِاللَّه أَنهم رادوه إِلَى الْيمن فيحرك لَهُم أُذُنَيْهِ كَأَنَّهُ يَأْخُذ عَلَيْهِم بذلك عهدا، فَإِذا أَقْسمُوا لَهُ قَامَ يُهَرْوِل فيردونه إِلَى مَكَّة فيربض، فَيحلفُونَ لَهُ فيحرك لَهُم أُذُنَيْهِ كالمؤكد عَلَيْهِم الْقسم فَفَعَلُوا ذَلِك مرَارًا، وَفِي رِوَايَة: أَنهم استشعروا الْعَذَاب فِي لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم؛ لأَنهم نظرُوا إِلَى النُّجُوم كالحة إِلَيْهِم تكَاد تكلمهم من اقترابها مِنْهُم ففزعوا لذَلِك. قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَأَقْبَلت الطير من نَاحيَة الْبَحْر يَوْم الِاثْنَيْنِ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَت قصَّة الْفِيل فِيمَا بعد من معجزات النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ قبله. قَالَ: وَقَالَ أَبُو صَالح: وَرَأَيْت فِي بَيت أم هَانِئ بنت أبي طَالب نَحوا من قفيزين من تِلْكَ الْحِجَارَة سَوْدَاء مخططة بحمرة. فَإِن قيل: كَيفَ منع أَصْحَاب الْفِيل من الْكَعْبَة قبل مصيرها قبْلَة ومنسكاً، وَلم يمْنَع الْحجَّاج من هدمها وَقد صَارَت قبْلَة ومنسكاً حِين أحرقها وَنصب المنجنيق عَلَيْهَا؟ ! فَالْجَوَاب: إِن فعل الْحجَّاج كَانَ بعد اسْتِقْرَار الدّين فاستغنى عَن آيَات تأسيسه، وَأَصْحَاب الْفِيل كَانُوا قبل ظُهُور النُّبُوَّة فَجعل الْمَنْع مِنْهَا آيَة لتأسيس النُّبُوَّة ومجيء الرسَالَة، وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ عَنهُ: بِأَن الْحجَّاج مَا قصد التسليط على الْبَيْت وَإِنَّمَا تحصن بِهِ ابْن الزبير فاحتال لإخراجه ثمَّ بناه، وَلما قصد التسليط عَلَيْهِ أَبْرَهَة فعل بِهِ مَا فعل على أَن رَسُول الله ﷺ قد أنذر بهدمها، فَصَارَ الْهدم آيه بعد مَا كَانَ الْمَنْع آيَة، وَقد عاصر رَسُول الله ﷺ فِي

стр. 75

زمَان نبوته بعد هجرته جمَاعَة شاهدوا الْفِيل مِنْهُم: " حَكِيم بن حزَام "، و " حويطب ابْن عبد الْعُزَّى "، و " نَوْفَل بن مُعَاوِيَة "؛ لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام. قَالَ كَمَال الدّين الدَّمِيرِيّ فِي كِتَابه " حَيَاة الْحَيَوَان ": إِذا دخل إِنْسَان على من يخَاف شَره فليقرأ " كهيعص "، " حم عسق " وَعدد حُرُوف الْكَلِمَتَيْنِ عشر يعْقد لكل حرف إصبعاً من أَصَابِعه يبْدَأ بإبهام الْيَد الْيُمْنَى وَيخْتم بإبهام الْيَد الْيُسْرَى، فَإِذا فرغ عقد جَمِيع الْأَصَابِع، قَرَأَ فِي نَفسه سُورَة الْفِيل فَإِذا وصل إِلَى قَوْله: " ترميهم " كرر لفظ ترميهم عشر مَرَّات يفتح فِي كل مرّة إصبعاً من الْأَصَابِع المعقودة، فَإِذا فعل ذَلِك أَمن شَره وَهُوَ عَجِيب مجرب. وكنية الْفِيل أَبُو الْحجَّاج وَأَبُو الحرمان وَأَبُو دَغْفَل وَأَبُو كُلْثُوم وَأَبُو مُزَاحم، والفيلة أم شبْل، وَفِي " ربيع الْأَبْرَار " كنية فيل الْحَبَشَة أَبُو الْعَبَّاس، وَقد ألغز فِي اسْم الْفِيل فَقيل: مَا اسْم شَيْء تركيبه من ثَلَاث ... وَهُوَ ذُو أَربع تَعَالَى الْإِلَه قيل تصحيفه وَلَكِن إِذا مَا ... عكسوه يكون لي ثُلُثَاهُ وَهُوَ لَا يتلاقح إِلَّا فِي بِلَاده ومعادنه وَإِن صَار أهلياً، وَهُوَ إِذا اغتلم أشبه الْجمل فِي ترك المَاء والعلف حَتَّى تتورم رَأسه وَلم يكن لسواسه غير الْهَرَب مِنْهُ، وَالذكر ينزو إِذا مضى لَهُ من الْعُمر خمس سِنِين، وزمان نزوه الرّبيع، وَالْأُنْثَى تحمل سنتَيْن فَإِذا حملت لَا يقربهَا الذّكر وَلَا يلمسها وَلَا ينزو عَلَيْهَا إِلَّا بعد ثَلَاث سِنِين، وَقيل: تحمل سبع سِنِين، وَلَا ينزو إِلَّا على فيلة وَاحِدَة وَله عَلَيْهَا غيرَة شَدِيدَة، وَإِذا تمّ حملهَا وأرادت الْوَضع دخلت النَّهر حَتَّى تضع وَلَدهَا؛ لِأَنَّهَا تَلد وَهِي قَائِمَة وَلَا فواصل لقوائمها فتلد، وَالذكر عِنْد ذَلِك يحرسها وَوَلدهَا من الْحَيَّات، وَيَزْعُم أهل الْهِنْد أَن لِسَان الْفِيل مقلوب لَوْلَا ذَلِك لتكلم، وَفِيه من الْفَهم مَا يقبل بِهِ التَّأْدِيب وَيفْعل مَا تَأمره من السُّجُود للملوك وَغير ذَلِك من الْخَيْر وَالشَّر فِي حالتي السّلم وَالْحَرب، وَفِيه من الْأَخْلَاق أَنه يُقَاتل بعضه بَعْضًا والمقهور مِنْهُمَا يخضع للقاهر، وَأهل الْهِنْد يعظمونه؛ لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْخِصَال المحمودة من علو سمكه

стр. 76

وَعظم صورته وبديع منظره وَطول خرطومه وسعة أُذُنه، وَطول عمره وَثقل حمله وخفة وَطئه فَإِنَّهُ رُبمَا مر بالإنسان وَلَا يشْعر بِهِ لحسن خطوه واستقامته، ولطول عمره حكى أرسطو أَن فيلاً ظهر أَن عمره أَرْبَعمِائَة سنة وَاعْتبر ذَلِك بِالْمَوْسِمِ. وَبَينه وَبَين السنور عَدَاوَة طبيعية حَتَّى أَن الْفِيل يهرب مِنْهُ، كَمَا أَن السَّبع يهرب من الديك الْأَبْيَض، وكالعقرب وَأَنَّهَا مَتى رَأَتْ الوزغة مَاتَت. وَذكر الْقزْوِينِي أَن فرج الفيلة تَحت بَطنهَا، فَإِذا كَانَ وَقت الضراب ارْتَفع وبرز للفحل حَتَّى يتَمَكَّن من إيتانه فسبحان من لَا يعجزه شَيْء عَن شَيْء. وَلما رد الله سُبْحَانَهُ الْحَبَشَة عَن مَكَّة وأصابهم مَا أَصَابَهُم من النقمَة، أعظمت الْعَرَب قُريْشًا، وَقَالُوا: أهل الله قَاتل عَنْهُم وكفاهم مُؤنَة عدوهم فَجعلُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِك الْأَشْعَار، ويذكرون فِيهَا مَا صنع الله تَعَالَى بِالْحَبَشَةِ وَمَا دفع عَن قُرَيْش من كيدهم، ويذكرون الأشرم والفيل ومساقه إِلَى الْحرم وَمَا أَرَادَ من هدم الْبَيْت وَاسْتِحْلَال حرمته. فصل: ذكر بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت الْكَعْبَة قبل أَن تبنيها قُرَيْش وضماً يَابسا لَيْسَ بمدر تبروه العناق، وَكَانَ بَابهَا بِالْأَرْضِ وَلم يكن لَهَا سقف وَإِنَّمَا تدلي الْكسْوَة على الْجدر من خَارج وتربط من أَعلَى الْجدر من بَطنهَا، وَكَانَ فِي بطن الْكَعْبَة عَن يَمِين من دَخلهَا جب يكون فِيهِ مَا يهدي للكعبة من مَال وَحلية كَهَيئَةِ الخزانة، وَكَانَ على ذَلِك الْجب حَيَّة تحرسه بَعثه الله مُنْذُ زمن جرهم، وَذَلِكَ أَنه عدا على ذَلِك الْجب قوم من جرهم فسرقوا مَالهَا وحليتها مرّة بعد مرّة، فَبعث الله تَعَالَى تِلْكَ الْحَيَّة فحرست الْكَعْبَة وَمَا فِيهَا خَمْسمِائَة سنة، ثمَّ لم تزل كَذَلِك حَتَّى بنت قُرَيْش الْكَعْبَة، وَكَانَ قرنا الْكَبْش الَّذِي ذبحه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 77

معلقين فِي بَطنهَا بالجدر تِلْقَاء من دَخلهَا ويطيبان إِذا طيب الْبَيْت، وَكَانَ فِيهَا معاليق من حلية كَانَت تهدى للكعبة، وَسبب بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة أَن امْرَأَة ذهبت تجمر الْكَعْبَة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها، وَكَانَت الْكسْوَة عَلَيْهَا ركاماً بَعْضهَا فَوق بعض فَلَمَّا احترقت الْكَعْبَة توهنت جدرانها من كل جَانب وتصدعت، وَكَانَت السُّيُول متواترة فجَاء سيل عَظِيم وَهِي على تِلْكَ الْحَال فَدخل الْكَعْبَة وصدع جدرانها وأحافها، فَفَزِعت من ذَلِك قُرَيْش فَزعًا شَدِيدا وهابوا هدمها وخشوا إِن ينسوها أَن ينزل عَلَيْهِم الْعَذَاب، فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك ينتظرون ويتشاورون إِذْ أَقبلت سفينة للروم حَتَّى إِذا كَانَت بالشعيبة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَهِي يَوْمئِذٍ سَاحل مَكَّة قبل جدة فَانْكَسَرت فَسمِعت بهَا قُرَيْش، فَرَكبُوا إِلَيْهَا فاشتروا خشبها، وأذنوا لأَهْلهَا أَن يدخلُوا مَكَّة فيبيعوا مَا مَعَهم من مَتَاعهمْ على أَن لَا يعشروهم، وَكَانُوا يعشرُونَ من دَخلهَا من تجار الرّوم، كَمَا كَانَت الرّوم تعشر من دخل مِنْهُم بلادها، وَكَانَ فِي السَّفِينَة رومي نجار بِنَاء يُسمى باقوم. قَالَ السُّهيْلي: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ بِمَكَّة نجار قبْطِي، وَذكر غَيره أَنه كَانَ علجاً فِي السَّفِينَة وَأَن اسْم ذَلِك النجار باقوم وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي اسْم النجار الَّذِي عمل مِنْبَر رَسُول الله ﷺ من طرفاء الغابة وَلَعَلَّه أَن يكون هَذَا. انْتهى كَلَامه. فَلَمَّا قدمُوا بالخشب مَكَّة قَالُوا: لَو بنينَا بَيت رَبنَا فَاجْتمعُوا لذَلِك وتعاونوا وترافدوا فِي النَّفَقَة، وربعوا قبائل قُرَيْش أَربَاعًا، ثمَّ اقترعوا عِنْد هُبل فِي جَوف الْكَعْبَة على جوانبها، فطار قدح بني عبد منَاف وَبني زهرَة على الْوَجْه الَّذِي فِيهِ الْبَاب وَهُوَ الشَّرْقِي، وطار قدح بني عبد الدَّار وَبني أَسد بن عبد الْعُزَّى وَبني عدي بن كَعْب على الشق الَّذِي يَلِي الْحجر وَهُوَ الشق الشَّامي، وطار قدح بني سهم وَبني جمح وَبني عَامر بن لؤَي على ظهر الْكَعْبَة وَهُوَ الشق الغربي، وطار قدح بني تَمِيم وَبني مَخْزُوم وقبائل من قُرَيْش ضمُّوا مَعَهم على الشق الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِي الصَّفَا فنقلوا الْحِجَارَة، وَرَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ غُلَام لم ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي ينْقل مَعَهم الْحِجَارَة على رقبته، فَبَيْنَمَا هُوَ ينقلها إِذا انكشفت

стр. 78

نمرة كَانَت عَلَيْهِ فَنُوديَ يَا مُحَمَّد عورتك وَذَلِكَ أول مَا نُودي وَالله أعلم فَمَا رويت لرَسُول الله ﷺ صُورَة بعد ذَلِك، ولبج برَسُول الله ﷺ من الْفَزع حِين نُودي فَأَخذه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فضمه إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَو جعلت نمرتك على عاتقك تعتل الْحِجَارَة. قَالَ: مَا أصابني هَذَا إِلَّا من التعري فَشد رَسُول الله ﷺ إزَاره وَجعل ينْقل مَعَهم، وَكَانُوا ينقلون بِأَنْفسِهِم تبرراً وتبركاً بِالْكَعْبَةِ، فَلَمَّا اجْتمع لَهُم مَا يُرِيدُونَ من الْحِجَارَة والخشب وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، عدوا على هدمها فَخرجت لَهُم الْحَيَّة الَّتِي كَانَت فِي بَطنهَا تحرسها سَوْدَاء الظّهْر بَيْضَاء الْبَطن رَأسهَا مثل رَأس الجدي تمنعهم كلما أَرَادوا هدمها، وَكَانَت لَا يدنو أحد من بِئْر الْكَعْبَة إِلَّا رفعت ذنبها وكشت أَي: صوتت، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك اعتزلوا عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْم، فَقَالَ لَهُم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة: يَا قوم ألستم تُرِيدُونَ بهدمها الْإِصْلَاح. قَالُوا: بلَى. قَالَ: فَإِن الله لَا يهْلك المصلحين، وَلَكِن لَا تدْخلُوا فِي عمَارَة بَيت ربكُم إِلَّا من طيب أَمْوَالكُم، وَلَا تدْخلُوا فِيهِ مَالا من رَبًّا وَلَا مَالا من مَسِيس وَلَا مهر بغي وجنبوه الْخَبيث من أَمْوَالكُم، فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا طيبا. فَفَعَلُوا ثمَّ وقفُوا عِنْد الْمقَام فَقَامُوا يدعونَ رَبهم وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ لَك فِي هدمها رضى فأتمه وأشغل عَنَّا هَذَا الثعبان. فَأقبل طَائِر من جو السَّحَاب كَهَيئَةِ الْعقَاب ظَهره أسود وبطنه أَبيض وَرجلَاهُ صفراوان والحية على جِدَار الْبَيْت فاغرة فاها فَأخذ برأسها، وَفِي رِوَايَة فغرز مخالبه فِي رَأسهَا حَتَّى انْطلق بهَا يجرها وذنبها أعظم من كَذَا وَكَذَا، فطار بهَا حَتَّى أدخلها أجياد الصَّغِير، فَقَالَت

стр. 79

قُرَيْش: إِنَّا لنَرْجُو أَن يكون الله سُبْحَانَهُ قد رَضِي عَمَلكُمْ وَقبل نفقتكم فَاهْدِمُوهُ فهابت قُرَيْش هَدمه، فَقَالُوا: من يبْدَأ فيهدم؟ فَقَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة: أَنا أبدؤكم فِي هَدمه أَنا شيخ كَبِير، فَإِن أصابني أَمر كَانَ قد دنا أَجلي، وَإِن كَانَ غير ذَلِك لم يزرأ بِي، فعلا الْبَيْت وَفِي يَده عتلة يهدم بهَا فتزعزع من تَحت رجله فَقَالَ: اللَّهُمَّ لم نزع إِنَّمَا أردنَا الْإِصْلَاح. وَجعل يَهْدِمهَا حجرا حجرا بالعتلة فهدم يَوْمه ذَلِك، فَقَالَت قُرَيْش: نَخَاف أَن ينزل بِهِ الْعَذَاب إِذا أَمْسَى. فَلَمَّا أَمْسَى لم ير بَأْسا، فَأصْبح الْوَلِيد غادياً على عمله فهدمت قُرَيْش مَعَه حَتَّى بلغُوا الأساس الَّذِي رفع عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ الْقَوَاعِد من الْبَيْت فَأَبْصرُوا حِجَارَة كَأَنَّهَا الْإِبِل الْخلف، لَا يُطيق الْحجر مِنْهُ ثَلَاثُونَ رجلا يُحَرك الْحجر مِنْهَا فترتج جوانبها قد تشبك بَعْضهَا بِبَعْض، فَأدْخل الْوَلِيد بن الْمُغيرَة عتلة بَين حجرين فانفلقت مِنْهُ فلقَة فَأَخذهَا أَبُو وهب بن عَمْرو بن عَائِذ بن عمرَان بن مَخْزُوم فنزت من يَده ثمَّ عَادَتْ فِي مَكَانهَا، وطارت برقة كَادَت أَن تخطف أَبْصَارهم ورجفت مَكَّة بأسرها، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أَمْسكُوا عَن أَن ينْظرُوا إِلَى مَا تَحت ذَلِك، فَلَمَّا جمعُوا مَا أخرجُوا من النَّفَقَة قلت النَّفَقَة عَن أَن تبلغ لَهُم عمَارَة الْبَيْت كُله، فتشاوروا فِي ذَلِك وَأجْمع رَأْيهمْ عَن أَن يقصروا عَن الْقَوَاعِد ويحجروا مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الْبَيْت ويتركوا بَقِيَّته فِي الْحجر عَلَيْهِ جِدَار مدَار يطوف النَّاس من وَرَائه، فَفَعَلُوا ذَلِك وبنوا فِي بطن الْكَعْبَة أساساً يبنون عَلَيْهِ من شقّ الْحجر، وَتركُوا من وَرَائه من فنَاء الْبَيْت فِي الْحجر سِتَّة أَذْرع وشبراً فبنوا على ذَلِك، فَلَمَّا وضعُوا أَيْديهم فِي بنائها، قَالُوا: ارْفَعُوا بَابهَا من الأَرْض واكبسوها حَتَّى لَا تدْخلهَا السُّيُول وَلَا ترقى إِلَّا بسلم، وَلَا يدخلهَا إِلَّا من أردتم ثمَّ إِن كرهتم أحدا دفعتموه، فَفَعَلُوا ذَلِك وبنوها بساق من حِجَارَة وسَاق من خشب بَين الْحِجَارَة حَتَّى انْتَهوا إِلَى مَوضِع الرُّكْن فَاخْتَلَفُوا فِي وَضعه، وَكثر الْكَلَام فِيهِ وتنافسوا فِي ذَلِك فَقَالَت بَنو عبد منَاف وزهرة: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت بَنو تَمِيم ومخزوم: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت سَائِر الْقَبَائِل: لم يكن الرُّكْن مِمَّا استهمنا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة: يَا قوم إِنَّمَا أردنَا الْبر وَلم نرد الشَّرّ، فَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تنافسوا فَإِنَّكُم إِن اختلفتم نسيت أُمُوركُم وطمع فِيكُم غَيْركُمْ، وَلَكِن حكمُوا بَيْنكُم أول من يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج. قَالُوا: رَضِينَا وَسلمنَا فطلع رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وشاحاً نمرة فَقَالُوا: هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ فحكموه، فَبسط رِدَاءَهُ ثمَّ وضع فِيهِ الرُّكْن ودعا من كل ربع رجلا فَأخذُوا بأطراف الثَّوْب، فَكَانَ من بني عبد منَاف عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ فِي الرّبع الثَّانِي أَبُو ربيعَة بن الْأسود وَكَانَ أسن الْقَوْم، وَفِي الرّبع الثَّالِث الْعَاصِ

стр. 80

ابْن وَائِل، وَفِي الرّبع الرَّابِع حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، فَرفع الْقَوْم الرُّكْن وَقَامَ النَّبِي ﷺ على الْجدر فَوَضعه هُوَ بِيَدِهِ، فَذهب رجل من أهل نجد ليناول النَّبِي ﷺ حجرا يشد بِهِ الرُّكْن، فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: لَا، فناول الْعَبَّاس النَّبِي ﷺ حجرا فَشد بِهِ الرُّكْن. وَفِي رِوَايَة: أَمر بالركن فَوضع فِي ثوب ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة فَأعْطَاهُ نَاحيَة الثَّوْب ثمَّ ارْتقى، وَأمرهمْ بالركن أَن يرفعوه إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَكَانَ هُوَ الَّذِي وَضعه. ي وَضعه، وَكثر الْكَلَام فِيهِ وتنافسوا فِي ذَلِك فَقَالَت بَنو عبد منَاف وزهرة: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت بَنو تَمِيم ومخزوم: هُوَ فِي الشق الَّذِي وَقع لنا. وَقَالَت سَائِر الْقَبَائِل: لم يكن الرُّكْن مِمَّا استهمنا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة: يَا قوم إِنَّمَا أردنَا الْبر وَلم نرد الشَّرّ، فَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تنافسوا فَإِنَّكُم إِن اختلفتم نسيت أُمُوركُم وطمع فِيكُم غَيْركُمْ، وَلَكِن حكمُوا بَيْنكُم أول من يطلع عَلَيْكُم من هَذَا الْفَج. قَالُوا: رَضِينَا وَسلمنَا فطلع رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِ وشاحاً نمرة فَقَالُوا: هَذَا الْأمين قد رَضِينَا بِهِ فحكموه، فَبسط رِدَاءَهُ ثمَّ وضع فِيهِ الرُّكْن ودعا من كل ربع رجلا فَأخذُوا بأطراف الثَّوْب، فَكَانَ من بني عبد منَاف عتبَة بن ربيعَة، وَكَانَ فِي الرّبع الثَّانِي أَبُو ربيعَة بن الْأسود وَكَانَ أسن الْقَوْم، وَفِي الرّبع الثَّالِث الْعَاصِ بن وَائِل، وَفِي الرّبع الرَّابِع حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، فَرفع الْقَوْم الرُّكْن وَقَامَ النَّبِي ﷺ على الْجدر فَوَضعه هُوَ بِيَدِهِ، فَذهب رجل من أهل نجد ليناول النَّبِي ﷺ حجرا يشد بِهِ الرُّكْن، فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: لَا، فناول الْعَبَّاس النَّبِي ﷺ حجرا فَشد بِهِ الرُّكْن. وَفِي رِوَايَة: أَمر بالركن فَوضع فِي ثوب ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة فَأعْطَاهُ نَاحيَة الثَّوْب ثمَّ ارْتقى، وَأمرهمْ بالركن أَن يرفعوه إِلَيْهِ فَرَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَكَانَ هُوَ الَّذِي وَضعه. قَالَ الكازروني فِي سيرته: وَكَانَ وَضعه ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ فَلَمَّا وَضعه غضب النجدي قَالَ: واعجباه لقوم أهل شرف وعقول وَسن وأموال، عَمدُوا إِلَى أَصْغَرهم سنا وَأَقلهمْ مَالا فرأسوه عَلَيْهِم فِي مكرمتهم كَأَنَّهُمْ خدم لَهُ، أما وَالله ليفوتنهم سبقاً وليقسمن عَلَيْهِم حظوظاً. وَيُقَال: إِن هَذَا النجدي هُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. فبنوا حَتَّى بلغُوا أَرْبَعَة أَذْرع وشبراً ثمَّ كبسوها وَوَضَعُوا بَابهَا مرتفعاً على هَذَا الذرع رفعوها بمدماك على خشب ومدماك حِجَارَة حَتَّى بلغُوا السّقف، فَقَالَ لَهُم باقوم الرُّومِي: أتحبون أَن تجْعَلُوا سقفها " مُنَكسًا " أَو مسطحًا. قَالُوا: بل ابْن بَيت رَبنَا مسطحًا. قَالَ: فبنوه مسطحًا وَجعلُوا فِيهِ سِتّ دعائم فِي صفّين، كل صف ثَلَاث دعائم من الشق الشَّامي الَّذِي يَلِي الْحجر إِلَى الشق الْيَمَانِيّ، وَجعلُوا ارتفاعها من خَارِجهَا من الأَرْض إِلَى أَعْلَاهَا ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا، وَكَانَت قبل ذَلِك تِسْعَة أَذْرع، فزادت قُرَيْش " فِي السَّمَاء " فِي ارتفاعها فِي السَّمَاء تِسْعَة أَذْرع أُخْرَى، وبنوها من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا بمدماك من حِجَارَة ومدماك من خشب، فَكَانَ الْخشب خَمْسَة عشر مدماكاً وَالْحِجَارَة سِتَّة عشر مدماكاً، وَجعلُوا ميزابها يسْكب فِي الْحجر، وَجعلُوا دَرَجَة من خشب فِي بَطنهَا فِي الرُّكْن الشَّامي يصعد فِيهَا إِلَى ظهرهَا، وزوقوا سقفها وجدرانها من بَطنهَا ودعائمها، وَجعلُوا فِي دعائمها صور الْأَنْبِيَاء وصور الشّجر وصور الْمَلَائِكَة، وَكَانَ فِيهَا صُورَة إِبْرَاهِيم ﵇ خَلِيل الرَّحْمَن شيخ يستقسم بالأزلام، وَصُورَة عِيسَى بن مَرْيَم

стр. 81

وَأمه، وصور الْمَلَائِكَة ﵈ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح دخل رَسُول الله ﷺ فَأرْسل الْفضل بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب فجَاء بِمَاء من زَمْزَم ثمَّ أَمر بِثَوْب فَبل بِالْمَاءِ وَأمر بطمس تِلْكَ الصُّور فطمست، وَوضع ﷺ كفيه على صُورَة عِيسَى بن مَرْيَم وَأمه ﵉ وَقَالَ: " امحوا جَمِيع الصُّور إِلَّا مَا تَحت يَدي " فَرفع يَده عَن عِيسَى وَأمه، وَنظر إِلَى صُورَة إِبْرَاهِيم فَقَالَ: " قَاتلهم الله جَعَلُوهُ يستقسم بالأزلام، مَا لإِبْرَاهِيم وللأزلام ". وَجعلُوا لَهَا بَابا وَاحِدًا فَكَانَ يغلق وَيفتح، وَكَانُوا قد أخرجُوا مَا كَانَ فِي الجبّ من حلية وَمَال وقرني الْكَبْش وجعلوه عِنْد أبي طَلْحَة عبد الله بن عبد الْعُزَّى بن عبد الدَّار بن قصي، وأخرجوا هُبل وَنصب عِنْد الْمقَام حَتَّى فرغوا من بِنَاء الْبَيْت وردوا ذَلِك المَال فِي الْجب وعلقوا فِيهِ الْحِلْية وقرني الْكَبْش وردوا الْجب فِي مَكَانَهُ مِمَّا يَلِي الشق الشَّامي ونصبوا هُبل على الْجب كَمَا كَانَ قبل ذَلِك، وَجعلُوا لَهُ سلما يصعد فِيهِ إِلَى بَطنهَا، وكسوها حِين فرغوا من بنائها حبرات ثَمَانِيَة، وَعَن مشافع بن شيبَة بن عُثْمَان أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " يَا شيبَة امح كل صُورَة فِيهِ إِلَّا مَا تَحت يَدي " قَالَ: فَرفع يَده عَن عِيسَى بن مَرْيَم وَأمه.

стр. 82

وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: زجر النَّبِي ﷺ عَن الصُّور، وَأمر عمر بن الْخطاب زمن الْفَتْح أَن يدْخل الْبَيْت فَيَمْحُو مَا فِيهِ من صُورَة وَلم يدْخلهُ حَتَّى مُحي. وَعَن الْحسن أَن النَّبِي ﷺ لم يدْخل الْكَعْبَة حَتَّى أَمر عمر بن الْخطاب أَن يطمس على كل صُورَة فِيهَا. وَعَن ابْن أبي تجراة عَن أمه قَالَت: أَنا أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يضع الرُّكْن بِيَدِهِ فَقلت: لمن الثَّوْب الَّذِي وضع فِيهِ الْحجر؟ قَالَت للوليد بن الْمُغيرَة. وَيُقَال: فَحمل الْحجر فِي كسَاء رومي كَانَ للنَّبِي ﷺ روى جَمِيع ذَلِك الْأَزْرَقِيّ. ويروى: أَن الطَّائِر الَّذِي اخْتَطَف الْحَيَّة هُوَ الْعقَاب. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن هَذِه الْحَيَّة هِيَ الدَّابَّة الَّتِي تكلم النَّاس قبل يَوْم الْقِيَامَة قَالَ السُّهيْلي: وَاسْمهَا أقْصَى. وَقيل: إِن الدَّابَّة الَّتِي تكلم النَّاس هِيَ فصيل نَاقَة صَالح، وَهُوَ الْأَصَح كَمَا ذكره الْقُرْطُبِيّ؛ لما روى أَبُو دَاوُد عَن حُذَيْفَة قَالَ: ذكر رَسُول الله ﷺ الدَّابَّة فَقَالَ: " لَهَا ثَلَاث خرجات من الدَّهْر: فَتخرج من أقْصَى الْبَادِيَة وَلَا يدْخل ذكرهَا الْقرْيَة يَعْنِي مَكَّة ثمَّ تكمن زَمَانا طَويلا، ثمَّ تخرج خرجَة أُخْرَى دون ذَلِك فيفشو ذكرهَا فِي أهل الْبَادِيَة وَيدخل ذكرهَا الْقرْيَة أَي مَكَّة ثمَّ بَينا النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام لم يرعهم إِلَّا وَهِي ترغو بَين الرُّكْن وَالْمقَام تنفض عَن رَأسهَا التُّرَاب ". الحَدِيث فَفِي قَوْله: ترغو. دَلِيل على أَنَّهَا الفصيل. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذَلِكَ أَن الفصيل لما قتلت النَّاقة هرب فانفتح لَهُ حجر فَدخل فِي جَوْفه، ثمَّ انطبق عَلَيْهِ الْحجر فَهُوَ فِيهِ حَتَّى يخرج بِإِذن الله تَعَالَى، وَقيل: إِنَّهَا الْجَسَّاسَة.

стр. 83

وَاخْتلفُوا فِي صفتهَا فَقيل: إِنَّهَا دَابَّة مرغية الشّعْر ذَات قَوَائِم، طولهَا سِتُّونَ ذِرَاعا. وَقيل: على خلقَة الْآدَمِيّين وَهِي فِي السَّحَاب وقوائمها فِي الأَرْض. وَقيل: جمعت من خلق كل حَيَوَان؛ رَأسهَا رَأس ثَوْر، وَعين عين خِنْزِير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيّل، وعنقها عنق نعَامَة، وصدرها صدر أَسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذَنْب كَبْش، وقوائمها قَوَائِم بعير، بَين كل مفصل ومفصل اثْنَي عشر ذِرَاعا بِذِرَاع آدم ﵇ يخرج مَعهَا عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان، فَتنْكت فِي وَجه الْمُؤمن نُكْتَة بَيْضَاء بعصا مُوسَى فيبيض وَجهه، وتنكت فِي وَجه الْكَافِر نُكْتَة سَوْدَاء بِخَاتم سُلَيْمَان فيسود وَجهه. وَقيل: لَيْسَ لَهَا ذَنْب. وَقيل: لَيْسَ لَهَا وبر وَرِيش. وَلها ثَلَاث خرجات آخِرهنَّ بَين الرُّكْن وَالْمقَام كَمَا تقدم لَا يخرج ثلثاها. قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَفِي الرُّكْن الْعِرَاقِيّ من حِيَال الْبَيْت صدع مستطيل فَلَعَلَّهُ الْمشَار إِلَيْهِ. وَاخْتلف فِي أَي مَوضِع تخرج، فَقيل: من جبل الصَّفَا يتصدع فَتخرج مِنْهُ، أَو من تهَامَة، أَو من الطّواف، أَو من مَسْجِد الْكُوفَة من حَيْثُ فار تنور نوح، أَو من الطَّائِف، أَو من جِيَاد، أَو من بَين الرُّكْنَيْنِ، أَو من صَخْرَة فِي شعب أجياد، أَو من بَحر سدوم، وَتخرج قبل يَوْم التَّرويَة بِيَوْم. وَقيل: يَوْم عَرَفَة. وَقيل: يَوْم النَّحْر. وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل عَن ابْن إِسْحَاق: أَن قُريْشًا وجدت فِي الرُّكْن كتابا بالسُّرْيَانيَّة وَفِيه:

стр. 84

" أَنا الله ذُو بكة خلقتها يَوْم خلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَى آخِره ". وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ: إِن قُريْشًا حِين بنوا الْكَعْبَة وجدوا فِيهِ حجرا وَفِيه ثَلَاثَة صفوح؛ فِي الصفح الأول: " أَنا الله ذُو بكة صنعتها يَوْم صنعت الشَّمْس وَالْقَمَر " إِلَى آخر كَلَام ابْن إِسْحَاق الْمُتَقَدّم فِي الْفَضَائِل. وَفِي الصفح الثَّانِي: " أَنا الله ذُو بكة خلقت الرَّحِم واشتققت لَهَا اسْما من اسْمِي فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته ". وَفِي الصفح الثَّالِث: " أَنا الله ذُو بكة خلقت الْخَيْر وَالشَّر فطوبى لمن كَانَ الْخَيْر على يَدَيْهِ وويل لمن كَانَ الشَّرّ على يَدَيْهِ ". وَحضر سيدنَا رَسُول الله ﷺ بِنَاء قُرَيْش وَله خمس وَثَلَاثُونَ سنة. وَقيل: خمس وَعِشْرُونَ سنة. حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ. فصل: ذكر الْوَقْت الَّذِي كَانُوا يفتحون فِيهِ الْكَعْبَة وَأول من خلع النَّعْل عِنْد دُخُولهَا عَن عَمْرو الْهُذلِيّ قَالَ: رَأَيْت قُريْشًا يفتحون الْبَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ حجابه يَقْعُدُونَ عِنْد بَابه فيرتقي الرجل إِذا كَانُوا لَا يُرِيدُونَ دُخُوله فَيدْفَع ويطرح وَرُبمَا عطب، وَكَانُوا لَا يدْخلُونَ الْكَعْبَة بحذاء يعظمون ذَلِك ويضعون نعَالهمْ تَحت الدرجَة. وَأول من خلع الْخُف والنعل فَلم يدخلهَا بهما الْوَلِيد بن الْمُغيرَة؛ إعظاماً لَهَا فَجرى ذَلِك سنة. ويروى أَن فَاخِتَة بنت زُهَيْر بن حَرْب بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى وَهِي أم حَكِيم بن حزَام دخلت الْكَعْبَة وَهِي حَامِل، فأدركها الْمَخَاض فِيهَا فَولدت حكيماً فِي الْكَعْبَة فَحملت فِي نطع، وَأخذ مَا تَحت مثبرها فَغسل عِنْد حَوْض زَمْزَم.

стр. 85

فصل: ذكر بِنَاء الزبير الْكَعْبَة وَمَا زَاد فِيهَا وَمَا نقص مِنْهَا الْحجَّاج عَن ابْن جريج قَالَ: سَمِعت غير وَاحِد مِمَّن حضر ابْن الزبير حِين هدم الْكَعْبَة وبناها فَقَالُوا: لما أَبْطَأَ عبد الله بن الزبير عَن بيعَة يزِيد بن مُعَاوِيَة وتخلف وخشي مِنْهُم لحق مَكَّة؛ ليمتنع بِالْحرم، وَجمع موَالِيه وَجعل يظْهر عيب يزِيد بن مُعَاوِيَة ويشتمه وَيذكر شربه الْخمر وَغير ذَلِك، ويجتمع النَّاس إِلَيْهِ فَيقوم فيهم بَين الْأَيَّام فيذكر مساوئ بني أُميَّة فيطنب فِي ذَلِك، فَبلغ ذَلِك يزِيد بن مُعَاوِيَة فأقسم لَا يُؤْتى بِهِ إِلَّا مغلولاً فَأرْسل إِلَيْهِ رجلا من أهل الشَّام فِي خيل من أهل الشَّام فَعظم على ابْن الزبير الْقَضِيَّة، وَقَالَ: لِأَن يسْتَحل الْحرم بسببك فَإِنَّهُ غير تاركك وَلَا تقوى عَلَيْهِ وَأقسم أَن لَا يُؤْتى بك إِلَّا مغلولاً وَقد عملت لَك غلاً من فضَّة وتلبس فَوْقه الثِّيَاب وتبر قسم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَالصُّلْح خير عَاقِبَة وأجمل بك وَبِه، فَقَالَ: دَعونِي أَيَّامًا حَتَّى أنظر فِي أَمْرِي فَشَاور أمه السَّمَاء بنت أبي بكر الصّديق فِي ذَلِك فَأَبت عَلَيْهِ أَن يذهب مغلولاً وَقَالَت: يَا بني عش كَرِيمًا ومت كَرِيمًا، وَلَا تمكن بني أُميَّة من نَفسك فتلعب بك فالموت أحسن من هَذَا، فَأبى أَن يذهب إِلَيْهِ فِي غل وَامْتنع فِي موَالِيه وَمن يألف إِلَيْهِ من أهل مَكَّة فَكَانَ يُقَال لَهُم: الزبيرية، فَبَيْنَمَا يزِيد على بعثة الجيوش إِلَيْهِ إِذْ أَتَى يزِيد خبر أهل الْمَدِينَة وَمَا فعلوا بعامله وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ من بني أُميَّة وإخراجهم إيَّاهُم مِنْهَا إِلَّا من كَانَ من ولد عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، فَجهز إِلَيْهِم مُسلم بن عقبَة المري فِي أهل الشَّام وَأمره بِقِتَال أهل الْمَدِينَة فَإِذا فرغ من ذَلِك سَار إِلَى ابْن الزبير بِمَكَّة، وَكَانَ مُسلم مَرِيضا فِي بَطْنه المَاء الْأَصْفَر فَقَالَ لَهُ يزِيد: إِن حدث بك الْمَوْت فول الْحصين بن نمير الْكِنْدِيّ على جيشك، فَسَار حَتَّى قدم الْمَدِينَة فقاتلوه فظفر بهم ودخلها وَقتل من قتل مِنْهُم، وأسرف فِي الْقَتْل فَسُمي بذلك مُسْرِفًا، وَنهب الْمَدِينَة ثَلَاثًا، وَسَار إِلَى مَكَّة فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق حَضرته الْوَفَاة فَدَعَا الْحصين بن نمير فَقَالَ لَهُ: يَا برذعة الْحمار لَوْلَا أكره أَنِّي أتزود عِنْد الْمَوْت مَعْصِيّة أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا وليتك، انْظُر إِذا قدمت مَكَّة فاحذر أَن تمكن قُريْشًا من أُذُنك فَتَقول فِيهَا لَكِن لَا يكن إِلَّا الوقاف ثمَّ العفاف ثمَّ الِانْصِرَاف، فَتوفي مُسلم المسرف وَمضى الْحصين بن نمير إِلَى مَكَّة فقاتل ابْن الزبير بهَا أَيَّامًا

стр. 86

وَجمع ابْن الزبير أَصْحَابه فتحصن بهم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وحول الْكَعْبَة، فَضرب أَصْحَاب ابْن الزبير خياماً يكتنون بهَا من حِجَارَة المنجنيق ويستظلون فِيهَا من الشَّمْس، وَكَانَ الْحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أخشبي مَكَّة وهما أَبُو قبيس والأحمر فَكَانَ يرميهم بهَا فتصيب الْحِجَارَة الْكَعْبَة حَتَّى تخرق كسوتها عَلَيْهَا، فَصَارَت كَأَنَّهَا جُيُوب النِّسَاء فوهّن الرَّمْي بالمنجنيق الْكَعْبَة، فَذهب رجل من أَصْحَاب ابْن الزبير يُوقد نَارا فِي بعض تِلْكَ الْخيام مِمَّا يَلِي الصَّفَا بَين الرُّكْن الْأسود والركن الْيَمَانِيّ، وَالْمَسْجِد يَوْمئِذٍ ضيق صَغِير، فطارت شرارة فِي الْخَيْمَة فاحترقت وَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم ريَاح شَدِيدَة، والكعبة يَوْمئِذٍ مَبْنِيَّة بِنَاء قُرَيْش مدماك من سَاج ومدماك من حِجَارَة من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا وَعَلَيْهَا الْكسْوَة، فطارت الرِّيَاح بلهب تِلْكَ النَّار فاحترقت كسْوَة الْكَعْبَة، وَاحْتَرَقَ الساج الَّذِي بَين الْبناء، وَكَانَ احتراقها يَوْم السبت لثلاث لَيَال خلون من شهر ربيع الأول قبل أَن يَأْتِي نعى يزِيد بن مُعَاوِيَة بِتِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا، وَجَاء نعيه فِي هِلَال شهر ربيع الآخر لَيْلَة الثُّلَاثَاء سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَكَانَ توفّي لأَرْبَع عشرَة خلت من شهر ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاثَة سِنِين وَسَبْعَة أشهر، فَلَمَّا احترقت الْكَعْبَة وَاحْتَرَقَ الرُّكْن الْأسود وتصدع، كَانَ ابْن الزبير بعد ذَلِك ربطه بِالْفِضَّةِ وضعفت جدران الْكَعْبَة حَتَّى أَنَّهَا لتنقض من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا وَيَقَع الْحمام عَلَيْهَا فيستأثر حجارتها وَهِي مُجَرّدَة موهنة من كل جَانب، فَفَزعَ لذَلِك أهل مَكَّة وَأهل الشَّام جَمِيعًا وَالْحصين بن نمير محاصر ابْن الزبير، فَأرْسل ابْن الزبير رجَالًا من أهل مَكَّة من قُرَيْش وَغَيرهم مِنْهُم عبد الله بن خَالِد بن أسيد وَرِجَال من بني أُميَّة إِلَى الْحصين فكلموه وعظموا عَلَيْهِ مَا أصَاب الْكَعْبَة وَقَالُوا: إِن ذَلِك مِنْكُم رميتموها بالنفط. فأنكروا ذَلِك وَقَالُوا: قد توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ فعلى مَاذَا تقَاتل؟ ارْجع إِلَى الشَّام حَتَّى تنظر مَاذَا يجمع عَلَيْهِ رأى صَاحبك يعنون مُعَاوِيَة بن يزِيد وَهل يجمع النَّاس عَلَيْهِ؟ فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى لَان لَهُم وَرجع إِلَى الشَّام، فَلَمَّا أدبر جَيش الْحصين بن نمير وَكَانَ خُرُوجه من مَكَّة لخمس لَيَال خلون من شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَسِتِّينَ، دَعَا ابْن الزبير وُجُوه النَّاس وأشرافهم فشاوروهم فِي هدم الْكَعْبَة، فَأَشَارَ عَلَيْهِم نَاس قَلِيلُونَ بهدمها وأبى كثير من النَّاس هدمها، وَكَانَ أَشَّدهم إباء عبد الله بن عَبَّاس قَالَ لَهُ: دعها على مَا أقرها رَسُول الله ﷺ فَإِنِّي أخْشَى أَن يَأْتِي بعْدك من يَهْدِمهَا، فَلَا تزَال

стр. 87

تهدم وتبنى فيتهاون النَّاس بحرمتها وَلَكِن أرقعها فَقَالَ ابْن الزبير: وَالله مَا يرضى أحدهم أَن يرقع بَيت أَبِيه وَأمه فَكيف أرقع بَيت الله تَعَالَى؟ وَكَانَ مِمَّن أَشَارَ عَلَيْهَا بهدمها جَابر ابْن عبد الله وَعبد بن نمير وَعبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة، فَأَقَامَ أَيَّامًا يشاور وَينظر ثمَّ أجمع على هدمها، وَكَانَ يحب أَن يكون هُوَ الَّذِي يحب أَن يردهَا على مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وعَلى مَا وَصفه رَسُول الله ﷺ لعَائِشَة، فأرادا أَن يبنيها بالورس وَيُرْسل إِلَى الْيمن فِي ورس يشترى بِهِ، فَقيل: إِن الورس يذهب وَلَكِن ابْنهَا بالقصة فَسَأَلَ عَن الْقِصَّة، فَأخْبر أَن قصَّة صنعاء هِيَ أَجود الْقِصَّة فَأرْسل إِلَى صنعاء بأربعمائة دِينَار يشترى لَهُ بهَا قصَّة ويكترى عَلَيْهَا وَأمر بتثجثج ذَلِك ثمَّ سَأَلَ رجَالًا من أهل الْعلم بِمَكَّة من أَيْن أخذت قُرَيْش حجارتها فأخبروه مبلغها، فَنقل لَهُ من الْحِجَارَة قدر مَا يحْتَاج، فَلَمَّا اجْتمعت وَأَرَادَ هدمها خرج أهل مَكَّة إِلَى منى وَأَقَامُوا بهَا ثَلَاثًا؛ فرقا أَن ينزل عَلَيْهِم عَذَاب بهدمها، فَأمر ابْن الزبير بهدمها فَلم يجترئ على ذَلِك أحد، فَلَمَّا رأى ذَلِك علاها هُوَ بِنَفسِهِ فَأخذ الْمعول وَجعل يَهْدِمهَا وَيَرْمِي بحجارتها، فَلَمَّا رَأَوْا أَنه لم يصبهُ شَيْء اجترءوا فَصَعِدُوا وهدموا وأرقى ابْن الزبير فَوْقهَا عبيدا من الْجَيْش فهدموها رَجَاء أَن يكون فيهم صفة الحبشي الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ : " يخرب الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة ". وَقَالَ مُجَاهِد: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول: كَأَنِّي بِهِ أصيلع أفيدع قَائِم عَلَيْهَا يَهْدِمهَا بمسحاته. وَقَالَ مُجَاهِد: فَلَمَّا هدم ابْن الزبير الْكَعْبَة جِئْت أنظر هَل أرى الصّفة الَّتِي قَالَ عبد الله بن عَمْرو؟ فَلم أرها فهدموا وَأَعَانَهُمْ

стр. 88

النَّاس فَمَا ترجلت الشَّمْس حَتَّى ألصقوها بِالْأَرْضِ كلهَا من جوانبها، وَكَانَ هدمها يَوْم السبت النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَلم يقرب ابْن عَبَّاس مَكَّة حِين هدمت الْكَعْبَة حَتَّى فرغ مِنْهَا، وَأرْسل إِلَى ابْن الزبير لَا تدع النَّاس بِغَيْر قبْلَة انصب لَهُم حول الْكَعْبَة الْخشب وَاجعَل عَلَيْهَا الستور حَتَّى يطوف النَّاس من وَرَائِهَا وَيصلونَ إِلَيْهَا، فَفعل ذَلِك ابْن الزبير وَقَالَ ابْن الزبير: أشهد لسمعت عَائِشَة ﵂ تَقول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِن قَوْمك استقصروا فِي بِنَاء الْبَيْت وعجزت بهم النَّفَقَة فتركوا فِي الْحجر مِنْهَا أذرعاً، وَلَوْلَا حَدَاثَة قَوْمك بالْكفْر لهدمت الْكَعْبَة وأعدت مَا تركُوا مِنْهَا، ولجعلت لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ، بَابا شرقياً يدْخل مِنْهُ النَّاس، وباباً غربياً يخرج مِنْهُ النَّاس، وَهل تدرين لم كَانَ قَوْمك رفعوا بَابهَا؟ " قَالَت: قلت: لَا. قَالَ: " تعززاً أَن لَا يدخلهَا إِلَّا من أَرَادوا، فَكَانَ الرجل إِذا كَرهُوا أَن يدخلهَا يَدعُونَهُ أَن يرتقي حَتَّى إِذا كَاد أَن يدخلهَا دفعوه فَسقط، فَإِن بدا لقَوْمك هدمها فهلمى لأريك مَا تركُوا فِي الْحجر مِنْهَا " فأراها قَرِيبا من سَبْعَة أَذْرع. فَلَمَّا هدم ابْن الزبير الْكَعْبَة وسواها بِالْأَرْضِ كشف عَن الأساس أساس إِبْرَاهِيم ﵇ فَوَجَدَهُ دَاخِلا فِي الْحجر نَحوا من سِتَّة أَذْرع وشبر، كَأَنَّهَا أَعْنَاق الْإِبِل أَخذ بَعْضهَا بَعْضًا كتشبيك الْأَصَابِع بَعْضهَا بِبَعْض، يُحَرك الْحجر من الْقَوَاعِد فَتحَرك الْأَركان كلهَا، فَدَعَا ابْن الزبير خمسين رجلا من وُجُوه النَّاس وأشرافهم وأشهدهم على ذَلِك الأساس، قَالَ: فَأدْخل رجل من الْقَوْم كَانَ أيداً يُقَال لَهُ: عبد الله بن سميطع الْعَدوي عتلة كَانَت فِي يَده فِي ركن من أَرْكَان الْبَيْت فتزعزعت الْأَركان كلهَا جَمِيعًا، وَيُقَال: إِن مَكَّة رجفت رَجْفَة شَدِيدَة حِين زعزع الأساس، وَخَافَ النَّاس خوفًا شَدِيدا حَتَّى نَدم كل من كَانَ أَشَارَ على ابْن الزبير بهدمها وأعظموا ذَلِك إعظاماً شَدِيدا وَسقط فِي أَيْديهم، فَقَالَ لَهُم ابْن الزبير: اشْهَدُوا ثمَّ وضع الْبناء على ذَلِك الأساس، وَوضع جِدَار بَاب الْكَعْبَة على مدماك من الشاذروان اللاصق بِالْأَرْضِ، وَجعل الْبَاب الآخر بإزائه فِي ظهر الْكَعْبَة مُقَابِله،

стр. 89

وَجعل عتبته على الْحجر الْأَخْضَر الَّذِي فِي الشاذروان الَّذِي فِي ظهر الْكَعْبَة قَرِيبا من الرُّكْن الْيَمَانِيّ. وَكَانَ البناءون يبنون من وَرَاء السّتْر، وَالنَّاس يطوفون من خَارج، فَلَمَّا ارْتَفع الْبُنيان إِلَى مَوضِع الرُّكْن، وَكَانَ ابْن الزبير حِين هدم الْبَيْت جعل الرُّكْن فِي ديباجة وَأدْخلهُ فِي تَابُوت وقفل عَلَيْهِ وَوَضعه عِنْده فِي دَار الندوة وَعمد إِلَى مَا كَانَ فِي الْكَعْبَة من حلية وَثيَاب وَطيب فَوَضعه فِي خزانَة الْكَعْبَة فِي دَار شيبَة بن عُثْمَان حَتَّى أعَاد بناءها، فَلَمَّا بلغ الْبناء مَوضِع الرُّكْن أَمر ابْن الزبير بموضعه، فَنقرَ فِي حجرين من المدماك الَّذِي تَحْتَهُ وَحجر من المدماك الَّذِي فَوْقه بِقدر الرُّكْن وَطَرِيق بَينهمَا، فَلَمَّا فرغوا مِنْهُ أَمر ابْن الزبير ابْنه عباد بن عبد الله بن الزبير وَجبير بن شيبَة بن عُثْمَان أَن يجْعَلُوا الرُّكْن فِي ثوب، وَقَالَ لَهُم ابْن الزبير: إِذا دخلت فِي صَلَاة الظّهْر فاحملوه واجعلوه فِي مَوْضِعه فَأَنا أطول الصَّلَاة، فَإِذا فَرَغْتُمْ فكبروا حَتَّى أخفف صَلَاتي، وَكَانَ ذَلِك فِي حر شَدِيد فَلَمَّا أُقِيمَت الصَّلَاة وَكبر ابْن الزبير وَصلى بهم رَكْعَة خرج عباد بالركن من دَار الندوة وَهُوَ يحملهُ وَمَعَهُ جُبَير بن مطعم شيبَة بن عُثْمَان فخرقا بِهِ الصُّفُوف حَتَّى أدْخلَاهُ فِي السّتْر الَّذِي دون الْبناء، وَكَانَ الَّذِي وَضعه فِي مَوْضِعه هَذَا عباد بن عبد الله بن الزبير وأعانه عَلَيْهِ جُبَير بن شيبَة، وَقيل: الَّذِي وَضعه فِي مَوْضِعه الْآن حَمْزَة بن عبد الله بن الزبير، ذكره الزبير بن أبي بكر، فَلَمَّا قرروه فِي مَوْضِعه وَطَرِيق عَلَيْهِ الحجران كبروا فأخف ابْن الزبير صلَاته وسمه النَّاس بذلك، وَغَضب فِيهِ رجال من قُرَيْش حِين لم يحضرهم ابْن الزبير، وَقَالُوا: وَالله لقد رفع فِي الْجَاهِلِيَّة حِين وَقع بنته قُرَيْش فحكموا فِيهِ أول من يدْخل عَلَيْهِم من بَاب الْمَسْجِد، فطلع رَسُول الله ﷺ جعله فِي رِدَائه، ودعا رَسُول الله ﷺ من كل قَبيلَة من قُرَيْش رجلا فَأخذُوا بأركان الثَّوْب ثمَّ وَضعه رَسُول الله ﷺ فِي مَوْضِعه. وَفِي رِوَايَة ذكرهَا الْأَزْرَقِيّ: أَن ابْن الزبير وضع الْحجر الْأسود فِي مَوْضِعه هُوَ بِنَفسِهِ. إِلَى مَا كَانَ فِي الْكَعْبَة من حلية وَثيَاب وَطيب فَوَضعه فِي خزانَة الْكَعْبَة فِي دَار شيبَة بن عُثْمَان حَتَّى أعَاد بناءها، فَلَمَّا بلغ الْبناء مَوضِع الرُّكْن أَمر ابْن الزبير بموضعه، فَنقرَ فِي حجرين من المدماك الَّذِي تَحْتَهُ وَحجر من المدماك الَّذِي فَوْقه بِقدر الرُّكْن وَطَرِيق بَينهمَا، فَلَمَّا فرغوا مِنْهُ أَمر ابْن الزبير ابْنه عباد بن عبد الله بن الزبير وَجبير بن شيبَة بن عُثْمَان أَن يجْعَلُوا الرُّكْن فِي ثوب، وَقَالَ لَهُم ابْن الزبير: إِذا دخلت فِي صَلَاة الظّهْر فاحملوه واجعلوه فِي مَوْضِعه فَأَنا أطول الصَّلَاة، فَإِذا فَرَغْتُمْ فكبروا حَتَّى أخفف صَلَاتي، وَكَانَ ذَلِك فِي حر شَدِيد فَلَمَّا أُقِيمَت الصَّلَاة وَكبر ابْن الزبير وَصلى بهم رَكْعَة خرج عباد بالركن من دَار الندوة وَهُوَ يحملهُ وَمَعَهُ جُبَير بن مطعم شيبَة بن عُثْمَان فخرقا بِهِ الصُّفُوف حَتَّى أدْخلَاهُ فِي السّتْر الَّذِي دون الْبناء، وَكَانَ الَّذِي وَضعه فِي مَوْضِعه هَذَا عباد بن عبد الله بن الزبير وأعانه عَلَيْهِ جُبَير بن شيبَة، وَقيل: الَّذِي وَضعه فِي مَوْضِعه الْآن حَمْزَة بن عبد الله بن الزبير، ذكره الزبير بن أبي بكر، فَلَمَّا قرروه فِي مَوْضِعه وَطَرِيق عَلَيْهِ الحجران كبروا فأخف ابْن الزبير صلَاته وسمه النَّاس بذلك، وَغَضب فِيهِ رجال من قُرَيْش حِين لم يحضرهم ابْن الزبير، وَقَالُوا: وَالله لقد رفع فِي الْجَاهِلِيَّة حِين وَقع بنته قُرَيْش فحكموا فِيهِ أول من يدْخل عَلَيْهِم من بَاب الْمَسْجِد، فطلع رَسُول الله ﷺ جعله فِي رِدَائه، ودعا رَسُول الله ﷺ من كل قَبيلَة من قُرَيْش رجلا فَأخذُوا بأركان الثَّوْب ثمَّ وَضعه رَسُول الله ﷺ فِي مَوْضِعه. وَفِي رِوَايَة ذكرهَا الْأَزْرَقِيّ: أَن ابْن الزبير وضع الْحجر الْأسود فِي مَوْضِعه هُوَ بِنَفسِهِ.

стр. 90

وَكَانَ الرُّكْن قد تصدع من الْحَرِيق ثَلَاث فرق فانشظت مِنْهُ شظية كَانَت عِنْد بعض آل شيبَة بعد ذَلِك بدهر طَوِيل، فشده ابْن الزبير بِالْفِضَّةِ إِلَّا تِلْكَ الشظية من أَعْلَاهُ، موضعهَا بيّن فِي أَعلَى الرُّكْن، طول الرُّكْن ذراعان قد أَخذ عرض جِدَار الْكَعْبَة ومؤخر الرُّكْن دَاخله فِي الْجدر مُضرس على ثَلَاثَة رُؤُوس. قَالَ ابْن جريج: فَسمِعت من يصف لون مؤخره الَّذِي فِي الْجدر قَالَ بَعضهم: هُوَ مورد. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ أَبيض كالفضة. وَكَانَت الْكَعْبَة يَوْم هدمها ابْن الزبير ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا فِي السَّمَاء، فَلَمَّا أَن بلغ ابْن الزبير بِالْبِنَاءِ ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وجبرت بِحَال الزِّيَادَة الَّتِي زَاد من الْحجر فِيهَا، واستسمج ذَلِك إِذا صَارَت عريضة لَا طول لَهَا فَقَالَ: قد كَانَت قبل قُرَيْش تِسْعَة أَذْرع حَتَّى زَادَت قُرَيْش فِيهَا تِسْعَة أَذْرع طولا فِي السَّمَاء، فَأَنا أَزِيد فِيهَا تِسْعَة أَذْرع أُخْرَى، فبناها سَبْعَة وَعشْرين ذِرَاعا فِي أَسمَاء، وَهِي سَبْعَة وَعِشْرُونَ مدماكاً وَعرض جدارها ذراعان، وَجعل فِيهَا ثَلَاث دعائم، وَكَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة جعلت فِيهَا سِتّ دعائم، وَأرْسل ابْن الزبير إِلَى صنعاء فَأتى من رُخَام بهَا يُقَال لَهُ: البلق فَجعله فِي الروازن الَّتِي فِي سقفها للضوء، وَكَانَ بَاب الْكَعْبَة قبل بِنَاء ابْن الزبير مصراعاً وَاحِدًا، فَجعل لَهَا ابْن الزبير مصراعين، طولهما أحد عشر ذِرَاعا من الأَرْض إِلَى مُنْتَهى أَعْلَاهُ الْيَوْم، وَجعل الْبَاب الآخر الَّذِي فِي ظهرهَا بإزائه على الشاذروان الَّذِي على الأساس مثله، وَجعل ميزابها يسْكب فِي الْحجر، وَجعل لَهَا دَرَجَة فِي بَطنهَا فِي الرُّكْن الشَّامي من خشب منفرجة يصعد فِيهَا إِلَى ظهرهَا. فَلَمَّا فرغ ابْن الزبير من بِنَاء الْكَعْبَة جعلهَا من داخلها وخارجها من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا وَكَسَاهَا الْقبَاطِي، وَقَالَ: من كَانَت لي عَلَيْهِ طَاعَة فَليخْرجْ فليعتمر من التَّنْعِيم، فَمن قدر وَأَن ينْحَر بدنه فَلْيفْعَل، وَمن لم يقدر فليذبح شَاة، وَمن لم يقدر فليتصدق بِقدر طوله، وَخرج مَاشِيا وَخرج النَّاس مَعَه مشَاة حَتَّى اعتمروا من التَّنْعِيم شكرا لله سُبْحَانَهُ، وَلم ير يَوْم كَانَ أَكثر عتيقاً وَلَا أَكثر بَدَنَة منحورة وَلَا شَاة مذبوحة وَلَا صَدَقَة من ذَلِك الْيَوْم، وَنحر ابْن الزبير مائَة بَدَنَة، فَلَمَّا طَاف بِالْكَعْبَةِ اسْتَلم الْأَركان الْأَرْبَعَة جَمِيعًا وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ترك استلام هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الشَّامي والركن الغربي؛ لِأَن الْبَيْت لم يكن تَاما. فَلم يزل الْبَيْت على بِنَاء ابْن الزبير إِذا كَاف الطَّائِف اسْتَلم الْأَركان جَمِيعهَا،

стр. 91

وَيدخل الْبَيْت من هَذَا الْبَاب وَيخرج من الْبَاب الغربي وأبوابه لاصقة بِالْأَرْضِ، حَتَّى قتل ابْن الزبير ﵁ وَدخل الْحجَّاج مَكَّة وَكتب كتابا إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان: أَن ابْن الزبير زَاد فِي الْبَيْت على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة. فَكتب إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان: أَن سد بَابهَا الغربي الَّذِي فَتحه ابْن الزبير، واهدم مَا كَانَ زَاد فِيهَا من الْحجر، واكبسها بِهِ على مَا كَانَت عَلَيْهِ. فهدم الْحجَّاج مِنْهَا سِتَّة أَذْرع وشبراً مِمَّا يَلِي الْحجر، وبناها على أساس قُرَيْش الَّذِي كَانَت استقصرت عَلَيْهِ، وكبسها بِمَا كَانَ هدم مِنْهَا، وسد الْبَاب الَّذِي فِي ظهرهَا، وَترك سائرها وَلم يُحَرك مِنْهُ شَيْئا، فَكل شَيْء فِيهَا بِنَاء ابْن الزبير إِلَّا الْجِدَار الَّذِي فِي الْحجر فَإِنَّهُ بِنَاء الْحجَّاج، وسد الْبَاب الَّذِي فِي ظهرهَا وَمَا تَحت عتبَة الْبَاب الشَّرْقِي الَّذِي يدْخل مِنْهُ الْيَوْم إِلَى الأَرْض أَرْبَعَة أَذْرع وشبر، كل هَذَا بِنَاء الْحجَّاج، والدرجة الَّتِي فِي بَطنهَا الْيَوْم والبابان اللَّذَان عَلَيْهِمَا الْيَوْم هما أَيْضا من عمل الْحجَّاج فَلَمَّا فرغ الْحجَّاج من هَذَا كُله وَفد بعد ذَلِك الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي على عبد الْملك بن مَرْوَان، فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: مَا أَظن ابْن الزبير سمع من عَائِشَة ﵂ مَا كَانَ يزْعم أَنه سمع مِنْهَا فِي أَمر الْكَعْبَة. فَقَالَ الْحَارِث: أَنا سمعته من عَائِشَة. قَالَ: سَمعتهَا تَقول مَاذَا؟ قَالَ: سَمعتهَا تَقول: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " إِن قَوْمك استقصروا فِي بتاء الْبَيْت، وَلَوْلَا حَدَاثَة عهد قَوْمك بالْكفْر أعدت فِيهِ مَا تركُوا، فَإِن بدا لقَوْمك أَن يبنوه فهلمي لأريك مَا تركُوا مِنْهُ " فأراها قَرِيبا من سبع أَذْرع. وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " وَجعلت لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ على الأَرْض، بَابا شرقياً يدْخل النَّاس مِنْهُ، وباباً غربياً يخرج النَّاس مِنْهُ ". قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان: أَنْت سَمعتهَا تَقول هَذَا. قَالَ: نعم. فَجعل ينكت مُنَكسًا بقضيب فِي يَده سَاعَة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ: وددت وَالله أَنِّي كنت تركت ابْن الزبير وَمَا تحمل من ذَلِك. قَالَ ابْن جريج: وَكَانَ الْبَاب الَّذِي عمله ابْن الزبير طوله فِي السَّمَاء أحد عشر ذِرَاعا، فَلَمَّا كَانَ الْحجَّاج نقص من الْبَاب أَربع أَذْرع وشبراً، وَعمل لَهَا هذَيْن الْبَابَيْنِ وطولهما سِتَّة أَذْرع وشبر، فَلَمَّا كَانَ فِي خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بعث إِلَى واليه على

стр. 92

مَكَّة خَالِد بن عبد الله الْقشيرِي بِسِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَضرب مِنْهَا على بَاب الْكَعْبَة صَفَائِح الذَّهَب وعَلى ميزاب الْكَعْبَة وعَلى الأساطين الَّتِي فِي جوفها. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: فَكل مَا على الْمِيزَاب وعَلى الْأَركان فِي جوفها من الذَّهَب فَهُوَ من عمل الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَهُوَ أول من ذهّب الْبَيْت فِي الْإِسْلَام، فَأَما مَا كَانَ على الْبَاب من عمل الْوَلِيد بن عبد الْملك من الذَّهَب فَإِنَّهُ رق وتفرق، فَرفع ذَلِك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد بن الرشيد فِي خِلَافَته فَأرْسل إِلَى سَالم بن الْجراح عَامل كَانَ لَهُ بِثمَانِيَة عشر ألف دِينَار؛ ليضْرب بهَا على صَفَائِح الذَّهَب على بَابي الْكَعْبَة فَقلع مَا كَانَ على الْبَاب من الصفائح وَزَاد عَلَيْهَا من الثَّمَانِية عشر ألف دِينَار، فَضرب عَلَيْهِ الصفائح الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْم والمسامير وحلى بَاب الْكَعْبَة وعَلى القبارين والعتب، وَذَلِكَ كُله من عمل مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد، وَلم يقْلع فِي ذَلِك بَابي الْكَعْبَة وَلَكِن ضرب عَلَيْهِمَا الصفائح والمسامير وهما على حَالهمَا. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَأَخْبرنِي الْمثنى بن جُبَير الصَّواف أَنه حِين فرقوا ذهب بَاب الْكَعْبَة وجد فِيهِ ثَمَانِيَة عشر ألف مِثْقَال فزادوا عَلَيْهِ خَمْسَة عشر ألف دِينَار، وَأَن الَّذِي على الْبَاب من الذَّهَب ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار. وَقَالُوا أَيْضا: أَنه لما قلع الذَّهَب عَن الْبَاب ألبس الْبَاب ثوبا أصفر. قَالَ ابْن جريج: وَعمل الْوَلِيد بن عبد الْملك الرخام الْأَحْمَر والأخضر والأبيض الَّذِي فِي بَطنهَا مؤزراً بِهِ جدرانها وفرشها بالرخام وَأرْسل بِهِ من الشَّام، فَجَمِيع مَا فِي الْكَعْبَة من الرخام فَهُوَ من عمل الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَهُوَ أول من فرشها بالرخام وأزر بِهِ جدرانها، وَهُوَ أول من زخرف الْمَسَاجِد. انْتهى مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ. وَأهل مَكَّة يعتمرون فِي كل لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب من كل سنة وينسبون هَذِه الْعمرَة إِلَى ابْن الزبير.

стр. 93

قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَلَا يبعد أَن يكون بِنَاء الْكَعْبَة امْتَدَّ إِلَى هَذَا التَّارِيخ، وَقد تقدم هَذَا فِي بَاب الْعمرَة. وَذكروا أَن هَارُون الرشيد سَأَلَ مَالك بن أنس ﵁ عَن هدمها وردهَا إِلَى بِنَاء ابْن الزبير للأحاديث فِي ذَلِك. فَقَالَ مَالك: نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تجْعَل هَذَا الْبَيْت ملعبة للملوك، لَا يَشَاء أحد إِلَّا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صُدُور النَّاس. هَكَذَا ذكر النَّوَوِيّ أَن السَّائِل لمَالِك بن أنس هُوَ هَارُون الرشيد. وَقَالَ السُّهيْلي: إِن السَّائِل هُوَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور. وَقَالَ الشَّافِعِي: أحب أَن لَا تهدم الْكَعْبَة وتبنى لِئَلَّا تذْهب حرمتهَا. وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " اسْتَمْتعُوا من هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ يهدم مرَّتَيْنِ وَيرْفَع فِي الثَّالِثَة ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " يخرب الْكَعْبَة ذُو السويقتين من الْحَبَشَة ". وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " كَأَنِّي بِهِ أسود افحج يقلعها حجرا حجرا ". رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَفِي حَدِيث آخر رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِي فِي غَرِيبه: " لَا يسْتَخْرج كنز الْكَعْبَة إِلَّا ذُو

стр. 94

السويقتين ". فَقَوله: " كَأَنِّي بِهِ " فِي معنى أبْصر بِهِ على معنى هَذِه الصّفة، والسويقتين تَصْغِير السَّاقَيْن وَهِي مُؤَنّثَة فَلذَلِك ظَهرت التَّاء فِي تصغيرها، وَإِنَّمَا صغر السَّاقَيْن؛ لِأَن الغالي على سوق الْحَبَشَة الدقة والحموشة، أَي: يخربها رجل من الْحَبَشَة لَهُ ساقان دقيقتان، وأسود وأفحج حالان عَن خبر كَأَن، وَكَأن وَإِن لم تكن بِفعل فَإِنَّهُ شبه بِهِ، وَإِذا قيد منصوبه أَو مرفوعه بِالْحَال كَانَ تقييداً بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الَّذِي أشبه الْفِعْل، وأفحج بِالْفَاءِ ثمَّ الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ الْجِيم: الَّذِي يتدانى صُدُور قَدَمَيْهِ ويتباعد عقباه ويتفحج ساقاه وَمَعْنَاهُ: يتفرج، والفجج بجيمين فتح مَا بَين الرجلَيْن وَهُوَ أقبح من الفحج، ويقلعها فِي معنى الْحَال وَالضَّمِير للكعبة، وَمن صفة ذِي السويقتين أَنه أصمع أفيدع أصيلع، والأصمع بالصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ الْمِيم ثمَّ الْعين الْمُهْملَة: الصَّغِير الْأذن من النَّاس وَغَيرهم، والأفيدع تَصْغِير أفدع، بِالْفَاءِ ثمَّ الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ: وَهُوَ المفرج الرسغ من الْيَد أَو الرجل، والأصيلع تَصْغِير الأصلع: وَهُوَ الَّذِي انحسر الشّعْر عَن رَأسه، وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة الطَّوِيل عَنهُ ﷺ : " كَأَنِّي بحبشي أفحج السَّاقَيْن، أَزْرَق الْعَينَيْنِ، أفطس الْأنف، كَبِير الْبَطن، وَأَصْحَابه ينقضونها حجرا حجرا ويتناولونها حَتَّى يرموا بهَا فِي الْبَحْر يَعْنِي الْكَعْبَة ". رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ، وَهُوَ حَدِيث فِيهِ طول. وَعَن عَليّ بن أبي طَالب: استكثروا من الطّواف بِهَذَا الْبَيْت قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينه، فَكَأَنِّي بِرَجُل من الْحَبَشَة أصعل أصمع حمش السَّاقَيْن قَاعد عَلَيْهَا وَهِي تهدم. رَوَاهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام. قَالَ الْأَصْمَعِي: قَوْله: أصعل. هَكَذَا يرْوى، قَالَ: وَأما كَلَام

стр. 95

الْعَرَب فَهُوَ صعل بِغَيْر ألف: وَهُوَ الصَّغِير الرَّأْس، وَكَذَلِكَ الْحَبَشَة كلهم، وحمش السَّاقَيْن بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: دقيقهما. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " يُبَايع لرجل بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَأول من يسْتَحل هَذَا الْبَيْت أَهله، فَإِذا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تسْأَل عَن هلكة الْعَرَب، ثمَّ تجئ الحبشى فيخربونه خراباً لَا يعمر بعده أبدا، وهم الَّذين يستخرجون كنزه ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ. وَذكر الْحَلِيمِيّ: أَن ذَلِك يكون فِي زمن عِيسَى ﵇. وَذكر أَبُو حَامِد فِي كتاب " مَنَاسِك الْحَج " لَهُ وَغَيره، وَيُقَال: لَا تغرب الشَّمْس من يَوْم إِلَّا وَيَطوف بِهَذَا الْبَيْت رجل من الأبدال، وَلَا يطلع الْفجْر من لَيْلَة إِلَّا طَاف بِهِ وَاحِد من الْأَوْتَاد، وَإِذا انْقَطع ذَلِك كَانَ سَبَب رَفعه من الأَرْض، فَيُصْبِح النَّاس وَقد رفعت الْكَعْبَة لَيْسَ لَهَا أثر، وَهَذَا إِذا أَتَى عَلَيْهَا سبع سِنِين لم يحجها أحد، ثمَّ يرفع الْقُرْآن من الْمَصَاحِف فَيُصْبِح النَّاس فَإِذا الْوَرق أَبيض يلوح فِيهِ حرف، ثمَّ ينْسَخ الْقُرْآن من الْقُلُوب فَلَا يذكر مِنْهُ كلمة وَاحِدَة، ثمَّ يرجع النَّاس إِلَى الْأَشْعَار والأغاني وأخبار الْجَاهِلِيَّة، ثمَّ يخرج الدَّجَّال وَينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم فَيقْتل الدَّجَّال، والساعة عِنْد ذَلِك بِمَنْزِلَة الْحَامِل المقرب تقرب وِلَادَتهَا. انْتهى. وَقَالَ غير الْحَلِيمِيّ: إِن خرابه يكون بعد رفع الْقُرْآن وَذَلِكَ بعد موت عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵉ وَصَححهُ بعض متأخري الْعلمَاء. وَالله أعلم. وَاعْلَم أَن حَاصِل مَا ذكرنَا فِي بِنَاء الْكَعْبَة فِيمَا تقدم من الرِّوَايَات أَنَّهَا بنيت سبع مَرَّات: أولَاهُنَّ: بِنَاء الْمَلَائِكَة أَو آدم على الْخلاف الْمُتَقَدّم، الثَّانِيَة: بتاء إِبْرَاهِيم ﷺ على الْقَوَاعِد الأولى، الثَّالِثَة: بِنَاء العمالقة، الرَّابِعَة: بِنَاء جرهم، الْخَامِسَة: بِنَاء قُرَيْش من الْإِسْلَام بِخَمْسَة أَعْوَام وَقد حضر النَّبِي ﷺ هَذَا الْبناء كَمَا ذكرنَا، السَّادِسَة: بِنَاء عبد الله

стр. 96

ابْن الزبير حِين احترقت فِي عَهده بشررة طارت من أبي قبيس فَوَقَعت فِي أستارها فاحترقت. وَقيل: إِن امْرَأَة أَرَادَت أَن تجمرها فطارت شررة من المجمرة فِي أستارها فاحترقت، السَّابِعَة: بِنَاء الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي من نَاحيَة حجر إِسْمَاعِيل الَّذِي هُوَ مَوْجُود الْيَوْم. وَذكر السُّهيْلي: أَن بناءها كَانَ خمس مَرَّات وعد أولَاهُنَّ: بِنَاء شِيث بن آدم ﵉، قَالَ: وَكَانَت قبل أَن يبنيها شِيث خيمة من ياقوتة حَمْرَاء يطوف بهَا آدم، قَالَ: وَقد قيل: إِنَّه بنى فِي أَيَّام جرهم مرّة أَو مرَّتَيْنِ؛ لِأَن السَّيْل كَانَ صدع حَائِطه وَلم يكن بنياناً إِنَّمَا كَانَ إصلاحاً لما وَهِي مِنْهُ، وجداراً بنى بَينه وَبَين السَّيْل بناه عَامر الحاذر، وَقد تقدم هَذَا الْخَبَر. انْتهى. وَيُقَال: إِن قصي بن كلاب جدد بناءها بعد إِبْرَاهِيم ﵇ وسقفها بخشب الرّوم وجريد النّخل ثمَّ بنتهَا قُرَيْش. فصل: ذكر الْجب الَّذِي كَانَ فِي الْكَعْبَة وَمَالهَا الَّذِي كَانَ فِيهِ عَن مُجَاهِد قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَة على يَمِين من دَخلهَا جب عميق حفره إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ حِين رفعا الْقَوَاعِد، وَكَانَ فِيهِ مَا يهدى للكعبة لَيْسَ لَهَا سقف، فَسرق مِنْهَا مَال على عهد جرهم مرّة بعد مرّة، وَكَانَ جرهم تَرْتَضِي لذَلِك رجلا يكون عَلَيْهِ يَحْرُسهُ، فَبينا رجل مِمَّن ارتضوه عِنْدهَا إِذْ سَوَّلت لَهُ نَفسه فَنظر حَتَّى إِذا انتصف النَّهَار وَقَامَت الْمجَالِس وتقلصت الظلال وانقطعت الطّرق وَمَكَّة إِذْ ذَاك شَدِيدَة الْحر بسط رِدَاءَهُ ثمَّ نزل فِي الْبِئْر فَأخْرج مَا فِيهَا فَجعله فِي ثَوْبه، فَأرْسل الله عَلَيْهِ حجرا من الْبِئْر فَأخْرج مَا فِيهَا فَجعله فِي ثَوْبه، فَأرْسل الله عَلَيْهِ حجرا من الْبِئْر فحبسه، حَتَّى رَاح النَّاس فوجدوه فأخرجوه وأعادوا مَا وجدوا فِي ثَوْبه من الْبِئْر فسميت بذلك الْبِئْر الأخسف، فَلَمَّا أَن خسف بالجرهمي وحبسه الله، بعث الله عِنْد ذَلِك ثعباناً فأسكنه فِي ذَلِك الْجب فِي بطن الْكَعْبَة أَكثر من خَمْسمِائَة سنة، يحرس مَا فِيهِ فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا رفع رَأسه وَفتح فَاه، فَلَا يرَاهُ أحد إِلَّا ذعر مِنْهُ، وَكَانَ رُبمَا يشرف على جِدَار الْكَعْبَة فَأَقَامَ كَذَلِك فِي زمن جرهم وزمن خُزَاعَة وصدراً من عصر قُرَيْش حَتَّى اجْتمعت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة على هدم الْبَيْت وعمارته فجَاء عِقَاب فاختطفه ثمَّ طَار بِهِ نَحْو أجياد الصَّغِير.

стр. 97

وَعَن شَقِيق عَن شيبَة يَعْنِي ابْن عُثْمَان قَالَ: قعد عمر بن الْخطاب فِي مَقْعَدك الَّذِي أَنْت فِيهِ فَقَالَ: لَا أخرج حَتَّى أقسم مَال الْكَعْبَة. قلت: مَا أَنْت بفاعل؟ قَالَ: بلَى لَأَفْعَلَنَّ. قلت: مَا أَنْت بفاعل. قَالَ: لم؟ قلت: لِأَن رَسُول الله ﷺ رأى مَكَانَهُ هُوَ وَأَبُو بكر وهما أحْوج مِنْك إِلَى المَال فَلم يحركاه فَقَامَ فَخرج. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّيَالِسِي بِهَذَا اللَّفْظ، وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن أبي وَائِل قَالَ: جَلَست مَعَ شيبَة على الْكُرْسِيّ فِي الْكَعْبَة فَقَالَ: لقد جلس هَذَا الْمجْلس عمر فَقَالَ: لقد هَمَمْت أَن لَا أدع فِيهَا صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا قسمته. قلت إِن صاحبيك لم يفعلا. قَالَ: هما المرءان أقتدي بهما. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: لما أخبر شيبَة أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر لم يتعرضا لِلْمَالِ، رأى عمر أَن ذَلِك الصَّوَاب وَكَأَنَّهُ رأى حِينَئِذٍ أَن مَا جعل فِي الْكَعْبَة يجْرِي مجْرى الْوَقْف عَلَيْهَا فَلَا يجوز تَغْيِيره، أَو رأى ذَلِك تورعاً حِين أخبر أَنه تَركه صَاحِبَاه مَعَ رُؤْيَته جَوَاز إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله؛ لِأَن صَاحِبيهِ إِنَّمَا تركاه للْعُذْر الَّذِي تضمنه حَدِيث عَائِشَة. انْتهى. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَذكروا أَن النَّبِي ﷺ وجد فِي الجبّ الَّذِي كَانَ فِي الْكَعْبَة سبعين ألف أُوقِيَّة من الذَّهَب مِمَّا كَانَ يهدى للكعبة للبيت. وَأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: يَا رَسُول الله لَو استعنت بِهَذَا المَال على حربك فَلم يحركه، ثمَّ ذكر لأبي بكر فَلم يحركه. وَعَن مُحَمَّد بن يحيى قَالَ: حَدثنِي بعض الحجبة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة أَن ذَلِك المَال بِعَيْنِه فِي خزانَة الْكَعْبَة ثمَّ لَا أَدْرِي مَا حَاله بعد. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وحَدثني جدي وَغَيره من مَشَايِخ أهل مَكَّة وَبَعض الحجبة أَن الْحُسَيْن بن عَليّ الْعلوِي عمد إِلَى خزانَة الْكَعْبَة فِي سنة مِائَتَيْنِ فِي الْفِتْنَة حِين أَخذ الطالبيون مَكَّة، فَأخذ مِمَّا فِيهَا مَالا عَظِيما وَنَقله إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا تصنع بِهَذَا المَال، مَوْضُوعا لَا

стр. 98

ينْتَفع بِهِ! نَحن أَحَق بِهِ، نستعين على حربنا. ويروى أَن مَال الْكَعْبَة كَانَ يدعى الأبرق وَلم يخالط مَالا قطّ إِلَّا محقه، وَلم يرزأ أحد مِنْهُ إِلَّا بَان النَّقْص فِي مَاله وَأدنى مَا يُصِيب صَاحبه أَن يشدد عَلَيْهِ الْمَوْت. حَتَّى أَن فَتى من الحجبة حَضرته الْوَفَاة فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْمَوْت جدا فَمَكثَ أَيَّامًا ينْزع نزعاً شَدِيدا حَتَّى رَأَوْا مِنْهُ مَا غمهم وأحزنهم من شدَّة كربه، فَقَالَ أَبوهُ: يَا بني لَعَلَّك أصبت من هَذَا الأبرق شَيْئا يَعْنِي: مَال الْكَعْبَة قَالَ: نعم يَا أَبَت أَرْبَعمِائَة دِينَار. فَقَالَ أَبوهُ: اللَّهُمَّ إِن هَذِه الأربعمائة دين عليّ فِي أنفس مَالِي الْكَعْبَة أؤديها إِلَيْهَا ثمَّ انحرف إِلَى أَصْحَابنَا فَقَالَ: اشْهَدُوا أَن للكعبة عليّ أَرْبَعمِائَة دِينَار. فسرى عَن الْغُلَام ثمَّ لم يلبث الْفَتى أَن مَاتَ. فصل ذكر من كسا الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه: نهى عَن سبّ أسعد الْحِمْيَرِي وَهُوَ تبع وَهُوَ أول من كسا الْكَعْبَة كسْوَة كَامِلَة كَسَاه العصب، وَجعل لَهُ بَابا يغلق بضبة وَلم يكن يغلق قبل ذَلِك. ويروى أَن تبعا أرى فِي الْمَنَام أَن يَكْسُوهَا فكساها الأنطاع، ثمَّ أرى أَن يَكْسُوهَا فكساها الوصائل وَهِي ثِيَاب حبرَة من عصب الْيمن

стр. 99

وروى عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ: بلغنَا أَن تبعا أول من كسا الْكَعْبَة الوصائل. ويروى أَن تبعا لما كسا الْبَيْت المسوح والأنطاع انتفض الْبَيْت فَزَالَ ذَلِك عَنهُ، وَفعل ذَلِك حِين كَسَاه الخصف، فَلَمَّا كَسَاه الملاء والوصائل قبلهَا، ثمَّ كساها النَّاس بعد تبع فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقَالَ ابْن جريج: وَقد زعم بعض عُلَمَائِنَا أَن أول من كسا الْكَعْبَة إِسْمَاعِيل ﵇، وَكَانَت الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة تُكْسَى كسى شَيْئا من وصائل وأنطاع وكرار وخز ونمارق عراقية، وَإِذا بلَى مِنْهَا شَيْء أخلف مَكَانَهُ ثوب آخر، وَلَا ينْزع مِمَّا عَلَيْهَا شَيْء من ذَلِك. فصل ذكر من كساها فِي الْإِسْلَام وطيبها وخدمها كساها سيدنَا رَسُول الله ﷺ الثِّيَاب اليمنية ثمَّ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ الْقبَاطِي، وَمُعَاوِيَة وَابْن الزبير وَمن بعدهمْ. وَعَن ابْن جريج قَالَ: كَانَت الْكَعْبَة فِيمَا مضى إِنَّمَا تُكْسَى يَوْم عَاشُورَاء إِذا ذهب آخر الْحَاج حَتَّى كَانَت بَنو هَاشم فَكَانُوا يعلقون عَلَيْهَا القمص يَوْم التَّرويَة من الديباج؛ لِأَن يرى النَّاس ذَلِك عَلَيْهَا بهاءً وجمالاً فَإِذا كَانَ يَوْم عَاشُورَاء عَلقُوا الْإِزَار. ويروى

стр. 100

أَن عُثْمَان أول من ظَاهر بهَا كسوتين الْقبَاطِي والبرود، وَكَانَ عمر يَكْسُوهَا من بَيت المَال. ويروى أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان كَانَ يَكْسُوهَا كسوتين: كسْوَة عمر ﵁ الْقبَاطِي، وَكِسْوَة ديباج، فَكَانَت تُكْسَى الديباج يَوْم عَاشُورَاء وتكسى الْقبَاطِي فِي آخر شهر رَمَضَان. وَكَانَ ابْن عمر يُجَلل بدنه الْقبَاطِي وَالْأَنْمَاط وَالْحلَل ثمَّ يبْعَث بهَا إِلَى الْكَعْبَة يَكْسُوهَا إِيَّاهَا. أخرجه مَالك. وَالْقَبَاطِي بِفَتْح الْقَاف: جمع قبطية بِضَم الْقَاف: وَهُوَ ثوب رَقِيق أَبيض من ثِيَاب مصر كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى القبط، وَالضَّم فِيهِ من تَغْيِير النّسَب، وَالضَّم خَاص بالثياب، وَأما فِي النَّاس فقبطي بِكَسْر الْقَاف لَا غير. وَالْأَنْمَاط ضرب من الْبسط وَاحِدهَا نمط. وَعَن ابْن عمر أَنه كَانَ يفعل ذَلِك فَلَمَّا كساها الْأُمَرَاء كَانَ إِذا نحر كساها الْمَسَاكِين. وَاخْتلفُوا فِي أول من كساها الديباج، فَقيل: عبد الله بن الزبير. وَقيل: يزِيد بن مُعَاوِيَة. وَقيل: عبد الْملك بن مَرْوَان. وَكَانَ النَّاس قبل ذَلِك يهْدُونَ الْبدن عَلَيْهَا الحبرات ثن يبعثون بالحبرات إِلَى الْبَيْت كسْوَة. ويروى أَن أول عَرَبِيَّة كست الْكَعْبَة الْحَرِير والديباج نتيلة بنت جناب أم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهِي بتاء منقوطة بِاثْنَتَيْنِ من فَوق، وَبَعْضهمْ يصحفها بثاء مُثَلّثَة قَالَه السهيلى.

стр. 101

وَكَانَ الْمَأْمُون يَكْسُوهَا ثَلَاث مَرَّات فيكسوها الديباج الْأَحْمَر يَوْم التَّرويَة، وَالْقَبَاطِي يَوْم هِلَال رَجَب، والديباج الْأَبْيَض يَوْم سبع وَعشْرين من رَمَضَان. ويروى أَنه ابْتَدَأَ الْكسْوَة بالأبيض سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ حِين سَأَلَ عَن أحسن مَا يكون فِي الْكَعْبَة فَقيل لَهُ: الديباج الْأَبْيَض. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَأول من خلق جَوف الْكَعْبَة ابْن الزبير، وَأول من دَعَا على الْكَعْبَة عبد الله بن شيبَة ويلقب الْأَعْجَم دَعَا لهشام بن عبد الْملك وَكَانَ خَليفَة. انْتهى. وَذكر الْوَاقِدِيّ عَن أشياخه: أَن عبد الْملك بن مَرْوَان لما ولي كَانَ يبْعَث إِلَيْهَا كل سنة بالطيب والمجمرة، وَكَانَ عبد الله بن الزبير يجمر الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فِي كل يَوْم برطل من الطّيب وَيَوْم الْجُمُعَة برطلين. وأجرى لَهَا مُعَاوِيَة الطّيب لكل صَلَاة، فَكَانَ يبْعَث بالطيب والمجمر والخلوق فِي الْمَوْسِم وَفِي رَجَب، وأخدمها عبيدا بعث بهم والمجمرة، وَكَانَ عبد الله بن الزبير يجمر الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فِي كل يَوْم برطل من الطّيب وَيَوْم الْجُمُعَة برطلين. وأجرى لَهَا مُعَاوِيَة الطّيب لكل صَلَاة، فَكَانَ يبْعَث بالطيب والمجمر والخلوق فِي الْمَوْسِم وَفِي رَجَب، وأخدمها عبيدا بعث بهم إِلَيْهَا فَكَانُوا يخدمونها، ثمَّ اتبعت ذَلِك الْوُلَاة بعد. وَعَن ابْن جريج قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَة أول من طيب الْكَعْبَة بالخلوق والمجمر، وأجرى الزَّيْت لقناديل الْمَسْجِد من بَيت المَال. وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: كسْوَة الْكَعْبَة على الْأُمَرَاء. وعنها قَالَت: لطيب الْكَعْبَة أحب إليّ من أَن أهدي لَهَا ذَهَبا وَفِضة. وعنها قَالَت: طيبُوا الْكَعْبَة الْبَيْت فَإِن ذَلِك من تَطْهِيره. أخرجهن الْأَزْرَقِيّ. وَكِسْوَة الْكَعْبَة الْآن سَوْدَاء من حَرِير، وبطانتها من كتَّان أَبيض، وَهِي أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ شقة كل شقة بطول الْكَعْبَة سَبْعَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا: مِنْهَا عشر شقَاق مَا بَين

стр. 102

الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، واثني عشر شقة مَا بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ والغربي، وَعشر مَا بَين الغربي والشامي وَهُوَ جَانب الْحطيم، واثني عشر شقة مَا بَين الرُّكْن الشَّامي إِلَى الرُّكْن الْأسود وَهُوَ جَانب وَجه الْكَعْبَة بعد، وَالْكِسْوَة الْآن طراز مدور بِالْكَعْبَةِ بَين الطّراز إِلَى الأَرْض قريب من عشْرين ذِرَاعا، وَعرض الطّراز ذراعان إِلَّا شَيْئا يَسِيرا، مَكْتُوب فِي الطّراز على جَانب وَجه الْكَعْبَة بعد الْبَسْمَلَة: " إِن أول بَيت وضع للنَّاس إِلَى قَوْله غَنِي عَن الْعَالمين " صدق الله الْعَظِيم. وَبَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين مَكْتُوب بعد الْبَسْمَلَة: " جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام إِلَى قَوْله بِكُل شَيْء عليم ". صدق الله الْعَظِيم. وَبَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ والغربي مَكْتُوب بعد الْبَسْمَلَة: " وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل إِلَى قَوْله التواب الرَّحِيم ". صدق الله الْعَظِيم. وَبَين الرُّكْن الغربي والشامي مَكْتُوب بعد الْبَسْمَلَة: كَمَا أَمر بِعَمَل هَذِه الْكسْوَة الشَّرِيفَة الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى السُّلْطَان فلَان اسْم ملك مصر. فصل: مَا جَاءَ فِي تَجْرِيد الْكَعْبَة عَن أبي نجيح قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب ينْزع ثِيَاب الْكَعْبَة فِي كل سنة فَيقسمهَا على الْحَاج. ويروى أَن أول من جرد الْكَعْبَة وكشفها شيبَة بن عُثْمَان. ويروى أَنه دخل على عَائِشَة فَقَالَ: يَا أم الْمُؤمنِينَ تَجْتَمِع على الْكَعْبَة الثِّيَاب فتكثر، فيعمد إِلَى بيار فيحفرها ويعمقها فتدفن فِيهَا ثِيَاب الْكَعْبَة؛ لكيلا يلبسهَا الْحَائِض وَالْجنب. قَالَت عَائِشَة ﵂: مَا أصبت وَبئسَ مَا صنعت لَا تعد لذَلِك، فَإِن ثِيَاب الْكَعْبَة إِذا نزعت عَنْهَا لَا يَضرهَا من لبسهَا من حَائِض أَو جنب وَلَكِن بعها وَاجعَل ثمنهَا فِي سَبِيل الله وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل. رواهن الْأَزْرَقِيّ. وَحج الْمهْدي أَمِير الْمُؤمنِينَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة فَرفع إِلَيْهِ أَنه قد اجْتمع على الْكَعْبَة كسْوَة كَثِيرَة حَتَّى أَنَّهَا قد أثقلتها، وَيخَاف على جدرانها من ثقل الْكسْوَة فجردها حَتَّى لم يبْق عَلَيْهَا من كسوتها شَيْئا ثمَّ ضمخها من خَارِجهَا وداخلها بالغالية من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا

стр. 103

من جوانبها كلهَا، وَصعد على ظهر الْكَعْبَة بقوارير الغالية فَجعل يفرغها على جدران الْكَعْبَة من خَارج من جوانبها كلهَا، وَعبيد الْكَعْبَة قد خرطوا فِي البيكار الَّذِي يخاط عَلَيْهَا ثِيَاب الْكَعْبَة، ثمَّ افرغ عَلَيْهَا ثَلَاث كسى من قَبَاطِي وخز وديباج، وَالْمهْدِي قَاعد على ظهر الْمَسْجِد مِمَّا يَلِي دَار الندوة. فصل: مَا جَاءَ فِي أَسمَاء الْكَعْبَة وَأَن لَا يبْنى بَيت يشرف عَلَيْهِ اإنما سميت الْكَعْبَة كعبة لوَجْهَيْنِ: الأول: لِأَنَّهَا مربعة، وَأكْثر بيُوت الْعَرَب مُدَوَّرَة، وَعند أهل اللُّغَة كل بَيت مدور مربع فَهُوَ مكعب، وكعبة بِفَتْح الْكَاف، وَكَانَ فِي خثعم بَيت يسمونه كعبة اليمانية. قَالَ سعيد بن سَالم: قَالَ ابْن جريج: وَكَانَ ابْن الزبير بنى الْكَعْبَة على مَا بناها إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ: وَهِي كعبة على خلقَة الكعب؛ فَلذَلِك سميت الْكَعْبَة. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَكَانَ النَّاس يبنون بُيُوتهم مُدَوَّرَة تَعْظِيمًا للكعبة، وَأول من بنى بَيْتا مربعًا حميد بن زُهَيْر، فَقَالَت قُرَيْش: ربع حميد بن زُهَيْر بَيْتا إِمَّا حَيَاة وَإِمَّا موتا. الثَّانِي: لعلوها ونتوها ونشورها على الأَرْض، فَكل ناتئ بارز كَعْب، مستديراً كَانَ أَو غير مستدير، وَمِنْه كَعْب ثدي الْجَارِيَة وَكَعب الْقدَم وَكَعب الْقَنَاة. وَمن أسمائها الْبَيْت وَهُوَ اسْم علم على الْكَعْبَة زَادهَا الله تَشْرِيفًا وتكريماً سميت بذلك لِأَنَّهَا ذَات سقف وجدار وَهِي حَقِيقَة الْبَيْت وَإِن لم يكن بِهِ سَاكن، وَيُسمى الْبَيْت الْحَرَام لتَحْرِيم الله إِيَّاهَا؛ لقَوْله ﷺ : " إِن مَكَّة حرمهَا الله وَلم يحرمها النَّاس ". أَو لِأَن حرمتهَا انتشرت فَأُرِيد بِالتَّحْرِيمِ سَائِر الْحرم، كَمَا قَالَ : " هَديا بَالغ الْكَعْبَة ". وَأَرَادَ الْحرم. وَيُسمى الْبَيْت الْعَتِيق وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل سَبَب تَسْمِيَتهَا

стр. 104

بذلك. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَكَانَ يدعى الْبَيْت قادسياً، ويدعى بادراً، ويدعى الْقرْيَة الْقَدِيمَة. انْتهى. وَيُسمى بكة على قَول، وَأما مَكَّة فَهِيَ الْقرْيَة. وَذكر صَاحب الْمَشَارِق: من أسمائها البنية وبنية إِبْرَاهِيم، وبنية أبي طَالب. وَعَن شيبَة بن عُثْمَان: أَنه كَانَ يشرف فَلَا يرى بَيْتا مشرفاً على الْكَعْبَة إِلَّا أَمر بهدمه. وَعَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد الْحَرَام إِذْ نظر إِلَى بَيت مشرف على أبي قبيس فَقَالَ: أَبيت ذَلِك؟ قلت: نعم. قَالَ: إِذا رَأَيْت بيوتها يَعْنِي بذلك مَكَّة قد علت أخشبها، وفجرت بطونها أَنهَارًا فقد أزف الْأَمر. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وحَدثني جدي قَالَ: لما أَن بنى الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵁ دَاره الَّتِي بِمَكَّة على الصيارفة حِيَال الْمَسْجِد الْحَرَام، أَمر قوامه أَن لَا يرفعوها فيشرفوا بهَا على الْكَعْبَة، وَأَن يجْعَلُوا أَعْلَاهَا دون الْكَعْبَة فَتكون دونهَا؛ إعظاماً للكعبة أَن تشرف عَلَيْهَا، فَلم تبْق بِمَكَّة دَار لسلطان وَلَا غَيره حول الْمَسْجِد تشرف على الْكَعْبَة إِلَّا هدمت وَخَربَتْ إِلَّا هَذِه الدَّار فَإِنَّهَا على حَالهَا إِلَى الْيَوْم. فصل: ذكر أول من استصبح حول الْكَعْبَة وَفِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَن مُسلم بن خَالِد الزنْجِي قَالَ: بلغنَا أَن أول من استصبح لأهل الطّواف فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عقبَة بن الْأَزْرَق بن عَمْرو الغساني، وَكَانَت دَاره لاصقة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام من نَاحيَة وَجه الْكَعْبَة، وَالْمَسْجِد يَوْمئِذٍ ضيق لَيْسَ بَين جدر الْمَسْجِد وَبَين الْمَسْجِد الْحَرَام الْمقَام إِلَّا شَيْء يسير، فَكَانَ يضع على حرف دَاره مصباحاً كَبِيرا يستصبح فِيهِ فيضيء لَهُ وَجه الْكَعْبَة وَالْمقَام وَأَعْلَى الْمَسْجِد. وَأول من أجْرى لِلْمَسْجِدِ قناديل وزيتاً مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. فَلم يزل يضع عقبَة بن الْأَزْرَق ذَلِك الْمِصْبَاح على حرف الدَّار حَتَّى كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَوضع مِصْبَاح زَمْزَم مُقَابل الرُّكْن الْأسود فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان، وَدخلت تِلْكَ الدَّار فِي الْمَسْجِد حِين وَسعه ابْن الزبير ثمَّ الْمهْدي الأول، فَرفع ذَلِك

стр. 105

الْمِصْبَاح الَّذِي كَانَ يوضع على حرف الدَّار. وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَأْمر النَّاس لَيْلَة هِلَال الْمحرم يوقدون النَّار فِي فجاج مَكَّة ويضعون المصابيح للمعتمرين مَخَافَة السرق. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: فَلم يزل مِصْبَاح زَمْزَم على عَمُود طَوِيل مُقَابل الرُّكْن الْأسود الَّذِي وَضعه خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، فَلَمَّا كَانَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان على مَكَّة فِي خلَافَة الْمَأْمُون فِي سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وضع عموداً طَويلا مُقَابِله بحذاء الرُّكْن الغربي، فَلَمَّا ولي مَكَّة مُحَمَّد بن دَاوُد دعل عمودين طويلين أَحدهمَا بحذاء الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْآخر بحذاء الرُّكْن الشَّامي، فَلَمَّا ولي هَارُون الواثق بِاللَّه أَمر بعمد من شبه طوال عشرَة فَجعلت حول المطاف؛ ليستصبح عَلَيْهَا لأهل الطّواف، وَأمر بثمان ثريات كبار يستصبح فِيهَا وَتعلق فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فِي كل وَجه اثْنَتَانِ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَأول من استصبح بَين الصَّفَا والمروة خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فِي خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك، وَكَانَ حول الطّواف عشرَة أعمدة من صفر يستصبح بهَا على أهل الطّواف بعث بهَا الواثق العباسي. انْتهى كَلَامه. وَأما عَددهَا الْيَوْم فاثنان وَثَلَاثُونَ اسطوانة ثَمَانِيَة عشر مِنْهَا آجر مجصص، وَأَرْبَعَة عشر مِنْهَا حِجَارَة منحوتة دقيقة، وَبَين كل وَاحِدَة من الأساطين خَشَبَة ممدودة راكبة عَلَيْهَا وعَلى الَّتِي بإزائها لأجل الْقَنَادِيل الَّتِي تعلق فِيهَا للاستصباح، وَكَانَ فِي مَوضِع هَذِه الأساطين قبل ذَلِك أخشاب على صفة الأساطين، وَسبب عَملهَا هُوَ الاستضاءة بالقناديل على الطَّائِفَتَيْنِ حول الْكَعْبَة. قَالَ عز الدّين بن جمَاعَة: والأساطين الَّتِي حول المطاف الشريف أحدثت للاستضاءة بالقناديل الَّتِي تعلق بَينهَا بعد الْعشْرين وَسَبْعمائة، وَكَانَت من خشب وَخمسين وَسَبْعمائة فألتمتها ثمَّ جددت فِيهَا. انْتهى.

стр. 106

وَذكر ابْن مَحْفُوظ أَن إِحْدَاث هَذِه الأساطين الْمَذْكُورَة فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة. وَالله أعلم. فصل: ذكر ذرع الْكَعْبَة من دَاخل وخارج قد تقدم أَن طول الْكَعْبَة فِي السَّمَاء سبع وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَقد ذكر الْأَزْرَقِيّ فِي ذرعها من داخلها وخارجها. قَالَ عز الدّين بن جمَاعَة: وحررت أَنا بارتفاعها وَمِقْدَار مَا بَين أَرْكَانهَا وَغير ذَلِك لما كنت مجاوراً بِمَكَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة، فَكَانَ ارتفاعها من أَعلَى الْمُلْتَزم إِلَى أَرض الشاذروان ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا وَنصف ذِرَاع وَثلث ذِرَاع، وَبَين الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود وَبَين الرُّكْن الشَّامي وَيُقَال: الْعِرَاقِيّ من دَاخل الْكَعْبَة ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَثلث وَربع وَثمن، وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة وَعشْرين ذِرَاعا وَربع ذِرَاع، وارتفاع بَاب الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من داخلها سِتَّة اذرع وقيراطان، وَمن خَارِجهَا خَمْسَة أَذْرع وَثلث وَعرضه من داخلها ثَلَاثَة أَذْرع وَربع ثمن وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة أَذْرع وَربع، وَعرض العتبة نصف ذِرَاع وَربع، وارتفاع الْبَاب الشريف عَن أَرض الشاذروان ثَلَاثَة أَذْرع وَثلث وَثمن، وارتفاع الشاذروان عَن أَرض المطاف ربع وَثمن، وَعرضه فِي هَذِه الْجِهَة نصف وَربع، وذرع الْمُلْتَزم وَهُوَ ابين الرُّكْن وَالْبَاب من دَاخل الْكَعْبَة ذراعان وَمن خَارِجهَا أَرْبَعَة وَسدس، وارتفاع الْحجر الْأسود عَن أَرض المطاف ذراعان وَربع و " سدس "، وَبَين الرُّكْن الشَّامي والغربي من دَاخل الْكَعْبَة خَمْسَة عشر ذِرَاعا وقيراطان، وَمن خَارِجهَا ثَمَانِيَة عشر وَنصف وَربع، وَبَين الغربي واليماني من داخلها ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَثلثا ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَبَين الْيَمَانِيّ والركن الْأسود من داخلها خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَثلث ذِرَاع، وَمن خَارِجهَا تِسْعَة عشر بِتَقْدِيم التَّاء على السِّين وَربع، وذرع دائر الْحجر من دَاخله من الفتحة إِلَى الفتحة أحد وَثَلَاثُونَ وَثلث، وَمن خَارج من الفتحة إِلَى الفتحة سَبْعَة وَثَلَاثُونَ وَنصف وَربع وَثمن، وَمن الفتحة إِلَى الفتحة على الاسْتوَاء سَبْعَة عشر ذِرَاعا، وَمن صدر دائر الْحجر من دَاخله إِلَى جِدَار الْبَيْت تَحت الْمِيزَاب خَمْسَة عشر ذِرَاعا، وَعرض جِدَار الْحجر ذراعان وَثلث ذِرَاع، وارتفاعه عَن أَرض المطاف مِمَّا يَلِي الفتحة الَّتِي من جِهَة الْمقَام ذِرَاع وَثلثا ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، وارتفاعه مِمَّا يَلِي الفتحة الْأُخْرَى ذِرَاع وَثلث وَنصف وَثمن، وارتفاعه من وَسطه ذِرَاع

стр. 107

وَثلث ذِرَاع، وسعة مَا بَين جِدَار الْحجر والشاذروان عِنْد الفتحة الَّتِي من جِهَة الْمقَام أَرْبَعَة أَذْرع وَثلث، وَعرض الشاذروان فِي هَذِه الْجِهَة نصف ذِرَاع، وَالْخَارِج من جِدَار الْحجر فِي هَذِه الْجِهَة عَن مسامتة الشاذروان نصف ذِرَاع وَربع ذِرَاع وَثمن، وسعة الفتحة الْأُخْرَى أَرْبَعَة أَذْرع وَنصف، وَعرض الشاذروان فِي هَذِه الْجِهَة ثلثا ذِرَاع، وَالْخَارِج من جِدَار الْحجر فِي هَذِه الْجِهَة عَن مسامتة الشاذروان نصف ذِرَاع وَثلث ذِرَاع. قَالَ عز الدّين: كل ذَلِك حررته بِذِرَاع القماشي الْمُسْتَعْمل فِي زَمَاننَا بِمصْر. انْتهى كَلَامه. قَالَ الْأَزْرَقِيّ وذرع عرض بعد جِدَار الْكَعْبَة ذراعان، والكعبة لَهَا سقفان أَحدهمَا فَوق الآخر، وَكَانَت غير مسقفة فِي عهد إِبْرَاهِيم ﵇ وَفِي سقف الْكَعْبَة أَربع روازن نَافِذَة من السّقف الْأَعْلَى إِلَى السّقف الْأَسْفَل للضوء، وعَلى الروازن رُخَام، وَكَانَ ابْن الزبير أَتَى بِهِ من صنعاء يُقَال لَهُ: البلق وَبَين السقفين فُرْجَة، وذرع التحجير الَّذِي فَوق ظهر سطح الْكَعْبَة ذراعان وَنصف، وذرع عرض جِدَار التحجير كَمَا يَدُور ذِرَاع، وَفِي التحجير ملبن مربع من سَاج فِي جدران سطح الْكَعْبَة، كَمَا يَدُور فِيهِ حلق حَدِيد تشد فِيهَا ثِيَاب الْكَعْبَة، وَكَانَ أَرض سطح الْكَعْبَة بالفسيفساء، ثمَّ كَانَت تتْلف عَلَيْهِم إِذا جَاءَ الْمَطَر فقلعته الحجبة بعد سنة الْمِائَتَيْنِ وشيدوه بالمرمر الْمَطْبُوخ والجص، وميزاب الْكَعْبَة فِي وسط الْجدر الَّذِي يَلِي الْحجر يسْكب فِي بطن الْحجر، وذرع طول الْمِيزَاب أَربع أَذْرع، وسعته ثَمَانِي أَصَابِع فِي ارْتِفَاع مثلهَا، والميزاب ملبس صَفَائِح ذهب دَاخله وخارجه، وَكَانَ الَّذِي جعل عَلَيْهِ الذَّهَب الْوَلِيد بن عبد الْملك، وذرع مسيل المَاء فِي الْجدر ذِرَاع وَسَبْعَة عشر إصبعاً. فصل: ذكر مَا يَدُور بِالْحجرِ الْأسود من الْفضة وَكَانَ ابْن الزبير أول من ربط الرُّكْن الْأسود بِالْفِضَّةِ لما أَصَابَهُ الْحَرِيق، ثمَّ كَانَت الْفضة قد رقت ونزعت حول الْحجر الْأسود حَتَّى خَافُوا على الرُّكْن أَن ينْقض، فَلَمَّا اعْتَمر

стр. 108

أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد وجاور فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة أَمر بِالْحِجَارَةِ الَّتِي بَينهَا الْحجر الْأسود فثقبت بالماس من فَوْقهَا وتحتها ثمَّ أفرغ فِيهَا الْفضة. وَذكر المسبحي: أَن فِي سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة قلع الحجبة الْحجر الْأسود وَكَانَ " بضه مِنْبَر " وجعلوه فِي الْكَعْبَة خوفًا عَلَيْهِ، وأحبوا أَن يجْعَلُوا لَهُ طوقاً من فضَّة يشد بِهِ كَمَا كَانَ قَدِيما فِي عهد ابْن الزبير، فأصلحه صائغان حاذقان وَعَملا لَهُ طوقاً من فضَّة وأحكماه، قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن نَافِع الْخُزَاعِيّ: أَن مبلغ مَا على الْحجر الْأسود من الطوق وَغَيره ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعَة وَتسْعُونَ درهما على مَا قيل. انْتهى. قيل: والحلية الَّتِي على الْحجر الْأسود الْآن غير الْحِلْية الْمُتَقَدّمَة؛ لِأَن دَاوُد بن عِيسَى بن فليتة الحسني أَمِير مَكَّة أَخذ طوق الْحجر الْأسود قبيل عَزله من مَكَّة فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة أَو فِي الَّتِي بعْدهَا على مَا ذكر غير وَاحِد من أهل التواريخ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون قلع الْحجر الْأسود ليعْمَل لَهُ طوق يصونه. فصل: مَا جَاءَ فِي مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ الْمقَام فِي اللُّغَة: مَوضِع قدم الْقَائِم. ومقام إِبْرَاهِيم: هُوَ الْحجر الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد من الْمقَام فِي قَوْله تَعَالَى: " فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم ". فَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ الْحجر الْمَعْرُوف. وَقيل: الْبَيْت كُله مقَام إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ بناه وَقَامَ فِي جَمِيع أقطاره. وَقيل: مَكَّة كلهَا. وَقيل: الْحرم كُله. وَالصَّحِيح قَول الْجُمْهُور. وَفِي سَبَب وُقُوفه عَلَيْهِ أَقْوَال؛ أَحدهَا: إِنَّه وقف عَلَيْهِ لبِنَاء الْبَيْت قَالَه سعيد بن جُبَير. الثَّانِي: إِنَّه جَاءَ من الشَّام فَطلب ابْنه إِسْمَاعِيل فَلم يجده فَقَالَت لَهُ زَوجته: انْزِلْ فَأبى. فَقَالَت: دَعْنِي أغسل رَأسك، فَأَتَتْهُ بِحجر فَوضع رجله عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب فغسلت شقَّه، ثمَّ رفعته وَقد غَابَتْ رجله فِيهِ، فَوَضَعته تَحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله فِيهِ،

стр. 109

فَجعله الله تَعَالَى من الشعائر، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ﵃. الثَّالِث: إِنَّه وقف عَلَيْهِ فَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: لما فرغ من التأذين أَمر بالْمقَام فَجعله قبْلَة، فَكَانَ يُصَلِّي إِلَيْهِ مُسْتَقْبل الْبَاب ثمَّ كَانَ إِسْمَاعِيل بعد يُصَلِّي إِلَيْهِ إِلَى بَاب الْكَعْبَة. وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه وأخمص قَدَمَيْهِ والعقب غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم. وَعَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: " وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى ". قَالَ: إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه، وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا، وَلَقَد ذكر لنا بعض من رأى أَثَره وأصابعه فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة تمسحه حَتَّى اخلولق وانماح. وَعَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة الديلِي قَالَ: رَأَيْت الْمقَام فِي عهد عبد الْمطلب مثل المهاة، والمهاة: خرزة بَيْضَاء. فصل: مَا جَاءَ فِي مَوضِع الْمقَام وَكَيف رده عمر إِلَى مَوْضِعه هَذَا اخْتلفُوا هَل كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ، أَو فِي مَوْضِعه الْآن؟ وَالصَّحِيح أَنه كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ. روى الْأَزْرَقِيّ عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي قَالَ: كَانَت السُّيُول تدخل الْمَسْجِد الْحَرَام من بَاب بني شيبَة قبل أَن يردم عمر بن الْخطاب الرَّدْم الْأَعْلَى، وَكَانَ يُقَال لهَذَا الْبَاب: بَاب السَّيْل، وَكَانَت السُّيُول رُبمَا رفعت الْمقَام عَن مَوْضِعه وَإِلَى وَجه الْكَعْبَة. حَتَّى جَاءَ سيل فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب يُقَال لَهُ: سيل أم نهشل، وَسمي بذلك؛ لِأَنَّهُ ذهب بِأم نهشل ابْنة عُبَيْدَة ابْن أبي حجيجة فَمَاتَتْ فِيهِ، فَاحْتمل الْمقَام من مَوْضِعه هَذَا فَذهب بِهِ حَتَّى وجد بِأَسْفَل مَكَّة، فَأتى بِهِ فَربط فِي أَسْتَار الْكَعْبَة فِي وَجههَا، وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عمر ﵁ فَأقبل عمر فَزعًا، فَدخل بِعُمْرَة فِي شهر رَمَضَان وَقد عُفيَ مَوْضِعه وعفاه السَّيْل، فَدَعَا عمر بِالنَّاسِ فَقَالَ: أنْشد الله عبدا عِنْده علم فِي هَذَا الْمقَام أَيْن مَوْضِعه؟ فَقَالَ الْمطلب بن أبي ودَاعَة: عِنْدِي ذَلِك فقد كنت أخْشَى عَلَيْهِ

стр. 110

هَذَا، فَأخذت قدره فِي مَوْضِعه إِلَى الرُّكْن، وَمن مَوْضِعه إِلَى بَاب الْحجر وَمن مَوْضِعه إِلَى زَمْزَم بميقاط وَهُوَ عِنْدِي فِي الْبَيْت. فَقَالَ لَهُ عمر: فاجلس عِنْدِي وَأرْسل إِلَيْهَا. فَأتى بهَا فَمدَّهَا فَوَجَدَهَا مستوية إِلَى مَوْضِعه هَذَا، فَسَأَلَ النَّاس وشاورهم فَقَالُوا: نعم هَذَا مَوْضِعه. فَلَمَّا استثبت ذَلِك عمر وَحقّ عِنْده أَمر بِهِ فَاعْلَم بِبِنَاء ربضه تَحت الْمقَام ثمَّ حوله فَهُوَ فِي مَكَانَهُ هَذَا إِلَى الْيَوْم. وروى الْأَزْرَقِيّ أَيْضا عَن ابْن أبي مليكَة أَنه قَالَ: مَوضِع الْمقَام هُوَ الَّذِي بِهِ الْيَوْم، وَهُوَ مَوْضِعه فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي عهد النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵄ إِلَّا أَن السَّيْل ذهب بِهِ فِي خلَافَة عمر فَجعل فِي وَجه الْكَعْبَة حَتَّى قدم عمر ﵁ فَرده بِمحضر من النَّاس. وَنقل الْأَزْرَقِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير أَن الْمقَام كَانَ عِنْد صقع الْبَيْت فَأَما مَوْضِعه الَّذِي هُوَ مَوْضِعه فموضعه الْآن، وَأما مَا يَقُول النَّاس: إِنَّه كَانَ هُنَالك مَوْضِعه فَلَا. انْتهى كَلَام الْأَزْرَقِيّ. وَقَالَ مَالك فِي الْمُدَوَّنَة: كَانَ الْمقَام فِي عهد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ فِي مَكَانَهُ الْيَوْم، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ألصقوه بِالْبَيْتِ خيفة السَّيْل وَكَانَ ذَلِك فِي عهد النَّبِي ﷺ وعهد أبي بكر، فَلَمَّا ولي عمر ﵁ رده بعد أَن قَاس مَوْضِعه بخيوط قديمَة قيس بهَا حِين أَخْبرُوهُ. وَحكى سَنَد عَن أَشهب عَن مَالك: أَن الَّذِي حمل عمر على ذَلِك وَالله أعلم مَا كلن النَّبِي ﷺ يذكرهُ من كَرَاهِيَة تَغْيِير مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ وَمِنْه قَوْله ﷺ لعَائِشَة: " لَوْلَا حدثان قَوْمك بِكفْر لنقضت الْكَعْبَة ". فَرَأى عمر أَن ذَلِك لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير لمَكَان مَا رَآهُ من مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ انْتهى. وَفِي هَذَا مناقضة ظَاهِرَة لما ذكره الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن أبي مليكَة، وَأما مَا ذكره الْمطلب
следующие страницы →