وهَذ قاعِدَة عامَّة لكل اجتماع؛ فكل الاجتماعات العامَّة الَّتِي لمصلَحَة الإِسْلام والمُسْلِمِينَ لا يجوز لأحد أن ينصرف إلَّا بعذر وبعد الاسْتِئْذان.
قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شَكَّ أن تركيب الجُمْلَة على هَذَا يدُلّ على الشَّرف ورِفْعَة المكانة؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أولاء) اسم إِشارَة يدُلّ على تعظيم المشار إلَيْه؛ ولهَذَا جاء بِصيغَة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إِشارَة إلى علو مرتبتهم، ثم جاء مؤكَّدًا بـ (إنَّ) ثم جاء السِّيَاق بالجُمْلَة الاسْمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فحصر الإِيمَان باللهِ ورسوله في هَؤُلَاءِ الَّذينَ يستأذنون رَسُول الله ﷺ قبل أن ينصرفوا إِذَا كانوا معه على أمر جامع.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَمْرِهِم ﴿فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بِالانْصِرَاف ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله أن يَكُون الاسْتِئْذان لشأن من الشُّؤون؛ يعني لأمر من الْأُمُور الَّتِي يعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قَالَ للرَّسول: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه؛ ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾.
وهَذَا التَّخيير؛ هل هو تخيير تشهي وإرادة مطلقة أو تخيير مصلَحَة؟
تخيير مصلَحَة، لكن ما هو الضَّابِط لتخيير المصْلَحة وتخيير التشهي والإِرادَة المطلقة؟
إذا كَانَ التَّخيير من أجل الرفق بالمكلَّف؛ فهو تخيير تشهٍّ؛ مثل ما يوجد في بعض الكفارات: ككَفَّارة الْيَمِين قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ
стр. 422
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وكما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كَانَ الغرض من التَّخيير مُراعَاة التسهيل على المكلف؛ فهو من باب التشهي، يعني الَّذِي تشتهيه افعله.
وإذا كَانَ التَّخيير من أجل مصلَحَة عامَّة أو خاصة، فإنَّه تخيير مصلَحَة، وَذلِك فيما إِذَا كَانَ يَتعلَّق بالغير، فتخيير ولي اليتيم في بَيْع مالِه أو حبسه أو إقراضِه أو عدم إقراضِه، هَذَا من باب تخيير المصْلَحة؛ لأنه يتصرف لغيره، وكَذلِك أيضًا تخيير النَّبِيّ ﵊ في قَوْلهُ: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ هَذَا تخيير مصلَحَة، إِذَا كَانَ إِذْن الرَّسُول ﷺ لِهَوُلَاءِ لا يضر بالجمع.
وفيه أيضًا مصلَحَة بيِّنة أكثر من مصلَحَة بقائهم فهُنا يتعين الإذن، وإذا كَانَ يخشى إن أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هَذَا الجمع أو أن بقاءهم في هَذَا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم؛ فهُنا يتعين ألّا يأذن لهم، فتخيير النَّبِيّ ﵊ هُنا يرجع إلى المصْلَحة: إِذَا اقتضت المصْلَحة الإذن أذِن، وإلَّا فلا.
وقَوْلهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبر بالبعض إِشارَة إلى أنهم إِذَا استأذنوا لشَيْء مهم، وإن لم يكن شؤونًا متعددة فإنَّه يَكُون عذرًا في جَواز الاسْتِئْذان والإذن لهم، ثم مع ذَلِك قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ﴾، هَذَا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم إِذَا انصرفوا عن هَذَا الجمع وفاتهم أجره فاستغفر لهم الرَّسُول ﵊؛ فإن قلوبهم تطيب بالانصراف ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق؛ هَذَا من جهة.
ومن جهة أُخْرَى يستغفر لهم، لأَنَّه قد يَكُون في اسْتِئْذانهم هَذَا أمر لا يُعذرون فيه، هم ظنّوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو لَيْسَ بعذر عند الله، وَيكُون استغفارك
стр. 423
لهم ماحيًا لما عسى أن يَكُون من التقصير والتفريط في ذَلِك واستغفار الرَّسُول ﷺ كأنْ يقولَ: انصرفوا غفر الله لكم، أو: اللهم اغفر لهم.
وقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذَا تقدَّم الكَلام علَيْه مرارًا، وقُلْنا: إن المغْفِرة في جانب الذُّنوب، والرَّحمة في جانب حصول المَطْلوب؛ ففي المغْفِرة النَّجاة من المرهوب، وفي الرَّحمة حصول المَطْلوب.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الإِيمَان ينقسم إلى ناقصٍ وكاملٍ؛ لأَن عدم الاسْتِئْذان في الْأَمْر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معْصِيَة تنافي كمال الإِيمَان، فالإِيمَان قد يُراد به مطلق الإِيمَان ولو بإيمان ناقص، والإِيمَان المطلَق هو الإِيمَان الكامل، ففرق بين مطلق الإِيمَان؛ وهو: أن تضيف كَلِمة (مطلق) إلى إيمان، وبين أن تصف الإِيمَان بالمطلَق؛ فالإِيمَان المطلَق أي: الكامل، ومطلق الإِيمَان أي: أن يَكُون مع الْإِنْسَان أصل الإِيمَان، وإن لم يكن كاملًا؛ ففي قَوْله تَعَالَى في كَفَّارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، المُراد بالإِيمَان هُنا مطلق الإِيمَان؛ لأَنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يَكُون المُعتَق كامل الإِيمَان، بل يكفي أن يَكُون مؤمنًا ولو أن معه أصل الإِيمَان فقط.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهَذِهِ الآية.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]؛ المُراد بالإِيمَان: الإِيمَان المطلَق، يعني: الإِيمَان الكامل، هو الَّذِي يَكُون على هَذِهِ الأوصاف.
стр. 424
الفَائِدة الثَّانية: أن ولي الْأَمْر يَجب علَيْه التيسير على من تحت يده، لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الاسْتِئْذان بدون عذر لا يُقبل؛ لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، أما إِذَا استأذنوا لمجرد أن يتركوا العَمَل؛ فإنَّه لا يؤذن لهم.
الفَائِدة الرَّابِعَة: تفويض الْأَمْر إلى من له ولاية، لقَوْلهُ: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هَذَا التفويض كما أشرنا إلَيْه تفويض للمصلَحَة لا لمجرد التشهي والإِرادَة، بل لا بُدَّ إِذَا رأى أن في الإذن لهم مصلَحَة أذِن لهم، وإذا رأى أن المصْلَحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن.
الفَائِدة الخَامِسَة: عناية الله بعباده المُؤْمِنِينَ، حيث أمر الله النَّبِيّ ﷺ أن يستغفر لهم ليطمئنوا على هَذَا الانصراف.
الفَائِدة السَّادِسَة: أن الأولى عدم الاسْتِئْذان حَتَى وإن كَانَ لِلإنْسان شأن، لأَن الْأَمْر بالاستغفار دَليل على أن هُناكَ شيئًا من التفريط الَّذِي أُمر النَّبِيّ ﷺ بأن يستغفر لهم عليه، وهَذَا صحيح، لا شَك وأن الأولى البقاء مع الجماعَة، وأن الإذن أو الاسْتِئْذان للانصراف أمر قد يَكُون فيه ذم، ولِهَذَا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾.
الفَائِدة السَّابِعَة: انتفاع الْإِنْسَان بدُعاء غيره، لقَوْلهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ والشَّواهد على ذَلِك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كَثيرَة، ولكن هل يَنتفِع الْإِنْسَان بعمل غيره سوى الدّعاء أو لا يَنتفِع؟
الجواب: إن كَانَ له أثر في ذَلِك العَمَل، فإنَّه يَنتفِع به بلا شَك، مثل أن يَكُون
стр. 425
هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنة، يعني: ابتدع العَمَل بها للنَّاس ودَلَّ عَلَيْها، فإن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلام سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
وكَذلِك إِذَا كَانَ له أثر في العامِل مثل أن يَكُون والدًا له لقوله ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكمْ مِنْ كسْبِكُمْ" (٢)، فالوالد يَنتفِع بعمل ابنه إِذَا تبرع به له، ولِهَذَا جاء رجل إلى النَّبِيّ ﵊، وقال: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" (٣).
وكَذلِك المَرْأَة الَّتِي سألت النَّبِيّ ﷺ أن على أمها صوم شهر، فهل يجزيء أن تصوم عنها؟ فأذن لها النَّبِيّ ﵊ (٤).
وكَذلِك الأضحية؛ فإن الرَّسُول ﷺ ضحى عن أمته، وفيهم من هو حي وميت (٥).
стр. 426
ولكن لقائل أنْ يقولَ: إن الرَّسُول ﵊ أب للمُؤْمِنينَ؛ فهو كالرّجل يضحي عن أهل بيته.
وكَذلِك الحج حيث إن امرأة سألت النَّبِيّ ﷺ ، قالت إن أباها أدركته فريضة الله علَى عِبَادِه في الحج شيخًا، لا يسْتَطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قَالَ: "نعمْ" (١)، ذلك في حجة الوداع؛ فإذا كَانَ للمهدي إلَيْه أو للإنْسان أثر في العَمَل أو في العامِل انتفع به.
لكن إِذَا لم يكن له أثر فيهما، مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذَلِك أو لا يجزئ؟
اختلف في ذَلِك أهْل العِلْم؛ فالجمهور يَقُولُونَ: إنه يجزئ، وأن الْإِنْسَان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المُسْلِمِينَ؛ فإنَّه يَنتفِع به، وهَذَا هو المَشْهُور من مذهب الْإِمَام أحمد، على أن أي قربة أو طاعة يتقرب بها العَبْد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت؛ فإنَّه يَنتفِع بِذَلِك، ودليلهم على هَذَا قياس غير الأولاد على الأولاد، وقياس ما عدا الأموال على الأموال، وَيقُولُونَ: المُهِمّ أن يصل الثَّوابُ إلى الميت من غيره، قالوا: لأنَّه إِذَا جاز أن يصل عمل غير الْإِنْسَان فلا فرق بين أن يَكُون ولذا أو غير ولد؛ الشَّأن: هل يَنتفِع الْإِنْسَان بعمل غيره.
والَّذينَ قالوا بالمنع، قالوا: إن الْوَلَد لَيْسَ كغيره؛ لأَن الْوَلَد من أثر الْإِنْسَان ومن كسبه وفعله، ولَيْسَ كالأخ والقريب والصَّديق ونحوه، أما الدُّعاء للمُسْلِمين
стр. 427
فهَذَا أمر مجمع عليه، وفيه نَصٌّ من الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يُخالف في ذَلِك.
فإذا سألنا سائل: أيهما أولى؛ أن أصلي ركعتين وأتصدق بثوابهما لشخص من أقاربي غير الْأَبّ أو أن أدعو لِهَذَا الشَّخص في صلاتي؟
نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأَن هَذَا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق علَيْه بثواب صلاتك، فهَذَا مختلف فيه، من العُلَماء من يرى جَوازه، ومنهم من يرى أنَّه لَيْسَ بجائز ولَيْسَ بمشروع، وأن الميت لا يَنتفِع به.
هَذَا في غير من استؤجر لعمل صالح ليهديه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنا للميت، فإن هَذَا لا يَنتفِع به الميت قطعًا؛ لأَن هَذَا الرَّجل الَّذِي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كَانَ يُرِيد الحَياة الدُّنْيَا وزينتها فلَيْسَ له حظ في الْآخِرَة، وعلى هَذَا فلا ثواب لِهَذَا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل يَنْتَفِع الميت بِذَلِك؟ لا، لأَنَّه إنما يَنْتَفِع بالثَّوابِ لا بمجرد القِراءَة.
فإذا قُلْنا هَذَا القارئ لا ثواب له، لأَنَّه أَرَادَ بعمل الْآخِرَة الدُّنْيَا بقي الميت غير مستفيد من هَذِهِ القِراءَة، فالمَسْأَلة لَيْسَت من الْأُمُور الَّتِي يطمئن فيها الْإِنْسَان إلى صِحَّة القَوْل بأن كل الأعْمَال تنفع الميت إِذَا أُهديت له أو تنفع الحي إِذَا أهديت له، ولِهَذَا نرى أن الدُّعاء للأموات خير من إهداء القُرب لهم إلَّا ما ورد فيه النَّص فيُتَّبع.
* * *
стр. 428
الآية (٦٣)
قَالَ اللهُ : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
* * *
قَوْلهُ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِأَنْ تَقُولُوا يَا مُحَمَّد بَلْ قُولُوا يَا نَبِيّ الله يَا رَسُول الله فِي لِين وَتَوَاضُع وَخَفْض صَوْت ... إِلَى آخِرِهِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (دُعاء) على كلام المُفَسِّر ﵀ بمَعْنى نداء، ومنه قولهم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هَذَا فدُعاء مضافٌ إلى مفعوله؛ لأَن (دُعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتَّقدير: لا تجعلوا دُعاءكم الرَّسُول، هَذَا الأَصْل؛ فحذف الفاعل وأضيف المَصْدَر إلى مفعوله، أي: دُعاءكم الرَّسُول.
قَوْلهُ: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ هَذَا مضافٌ إلى فاعلِه، ومفعوله: ﴿بَعْضًا﴾ يعني: كما إِذَا دعا بعضكم بعضًا؛ فإننا عنْدَما يدعو بعضُنا بعضا نقول: يا فلان، لكن النَّبِيّ ﵊ له من الحقّ والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رَسُول الله.
стр. 429
وقد التزم الصَّحابَة ﵃ هَذَا الأدب فصاروا ينادون النَّبِيّ ﷺ بوصفه بالنُّبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذَلِك من أقوال الصَّحابَة أو دعائهم؛ فإما أن يَكون قبل النَّهْي، وإما أن يَكُون من جاهل كالذي يحصل من بعض الأعراب.
هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀ وبعض المفسرين.
وقال آخرون: المُراد من دُعاء الرَّسُول، أي: دُعاء الرَّسُول إياكم، فيَكُون المَصْدَر مضافًا إلى فاعله، أي: لا تجعلوا دُعاء الرَّسُول إِذَا دعاكم كدُعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم وإن شئتم تركتم، بل إن النَّبِيّ ﵊ إجابته فرض.
وعلَيْه فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علَيْنا، فالنَّبيّ ﷺ لَيْسَ كغيره؛ إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هَذَا فيَكُون في الآيَة نهي عن معْصِيَة الرَّسُول ﷺ وأمر بطاعته، ويؤيد هَذَا قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، فإن سِيَاق الآية يؤيد هَذَا القَوْل.
لو قِيلَ بأن الآية شاملة المعنيين يجوز أو لا؟
يجوز أن جعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعِدَة في هَذَا، وهي: أن الآية إِذَا كَانَت تحتمل المعنيين بدون تناقض، فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إِذَا كَانَت تحتمل المعنين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنَّه حينئذ يَجب طلب الترجيح الَّذِي يرجح أحد المعنيين؛ فيؤخذ به، وأما إِذَا كَانَت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا.
فعلَيْه نقول: إن هَذَا من باب الأدَب في مخاطبة الرَّسُول ﵊ والأدَب
стр. 430
في إجابته، ففي مخاطبته لا نجعل مخاطبته ودُعاءنا إياه كدُعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دُعاءه وطلبه لأمر من الْأُمُور كطلب غيره.
ومن ثمَّ قَالَ أهْل العِلْم: لو دعاه النَّبِيّ ﷺ -وهو يصلي؛ فهل تجب علَيْه الإجابة أو لا؟
تجب علَيْه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي، فإن كَانَ في فريضة لم يَجبه، وإن كَانَ في نافلة أجابه إلَّا أن يعلم رضا والده بِذَلِك بحيث يشعره بأنه يصلي ويعلم أنَّه لا يهمه إِذَا كَانَ يصلي ألّا يجيب؛ فهَذَا فلا يجيبه، وأما إِذَا كَانَ والده من النَّاس الَّذينَ لا يعذرون، وكَذلِك والدته، فإنَّه يجيبه في النَّفل ويقطع صلاته ويخفف الفريضة إِذَا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يخل بها.
قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ يَخْرُجُونَ مِنْ المَسْجِد فِي الخُطْبَة مِنْ غَيْر اسْتِئْذَان خُفْيَة مُسْتَتِرينَ بِشَيْءٍ و ﴿قَدْ﴾ لِلتَّحْقِيقِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل معناه الخروج بخفية، هَذَا معنى التسلل.
وقَوْلهُ: ﴿لِوَاذًا﴾ أي: لائذين بشَيْء؛ فهو مصدر في موضع الحال، يعني: يتسلل ويلوذ بشَيْء كالسارية مثلًا أو كالشَّخص الآخر يَكُون واقفًا ثم يذهب من وراءه وينسل وما أشبه ذَلِك.
وقول المُفَسِّر ﵀: [في الجمعة]؛ هَذَا بناء على أن المُراد بالْأَمْر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قُلْنا: إن المُراد به ما هو أعم فيَكُون المُراد أنهم يتسللون عن موضع
стр. 431
الجمْع؛ سواء في الجمعة أو في غيرها؛ فالله تَعَالَى عالم بهَؤُلَاءِ الَّذينَ يتسللون لائذين بشَيْء؛ لأنهم خرجوا عما كَانَ علَيْه المُسْلِمُونَ وعما يَجب عليهم أن يَكُونوا عليه.
وقَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَدْ﴾ لِلتَّحْقِيقِ].
وإنَّما نص على ذَلِك؛ لأَن المعْرُوف في علم النَّحو أن (قد) إِذَا دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مُضارع فهي للتقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذَلِك، فـ (قد) هَذِهِ للتقليل، لكنها أحيانًا قد تأتي للتحقيق مثل هَذِهِ الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، ومثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]، وإنَّما أُتي بالمُضارع هُنا لأجل أن يتبَيَّن أن هَذَا العِلْم لَيْسَ لما مضى فقط بل ولما يُستقبل؛ فعلم الله في هَؤُلَاءِ المتسلِّلين لَيْسَ علمًا بمن سبق تسلله بل بمن سبق تسلله وبمن يتسلل في المستقبل، ولذَلك توعدهم الله جَلَّ وَعَلَا على ذَلِك بأنه يعلم هَذَا العَمَل منهم، وإخباره بأنه عالم به دَليل على أنَّه سيجازيهم عليه، إِذْ لا فَائِدَة من الإخبار بالعلم إلَّا وقوع المجازاة على ذَلِك.
قَوْلهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي الله وَرَسُوله ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ بَلَاء، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فِي الْآخِرَة] اهـ.
﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ (اللَّام) لام الْأَمْر، ولِهَذَا سكنت بعد (الفاء)، ومعنى (يحذر): يخاف، وإنَّما يُقال الحذر في مخوف محقق، أما المخوف غير المحقق فيقال فيه: "فليخف"، لكن قَوْلهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ دَليل على أن هَذَا الخَوْف واقع ويَجب الحذر منه.
وقَوْلهُ: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ المتبادر أن يقال يخالفون أمره؛ لأَن المخالفة فعل
стр. 432
متعدٍ بنَفْسِه، لا بـ (عن)؛ فكَيْفَ تُخَرّج الآيَة؟
تخرّج الآيَة على حسب ما تقدَّم على أحد الوجهين:
• إما أن يُجعل التجوّز بالحرف.
• وإما أن يجعل التجوّز بالعامِل.
فهُنا إما أن نقول: (عن) زائدة، وإما أن نقول: إن ﴿يُخَالِفُونَ﴾ بمَعْنى: (يخرجون عن أمره)، وعلَيْه تَكُون (عن) أصلية لا زائدة، لأنَّنا ضمنَّا الفِعْل معنى يُناسِب هَذَا الحرف فصَارَ هَذَا الحرف في موضعه، وهَذَا الأَخِير هو الأصح، فكلما جاء حرف لا يَتعلَّق بمثل عامله ظاهرًا فإننا نؤول هَذَا العامِل إلى عامل يُناسِب ذَلِك الحرف، ويسمى هَذَا التضمين، يعني: تضمين الفِعْل فعلًا مناسبًا للمعمول، فنجعل ﴿يُخَالِفُونَ﴾ مضمنة معنى: يخرجون، يعني: يخالفون فيخرجون عن أمره، وإذا ضمن الفِعْل الموْجُود فعلًا آخر صَارَ فيه دَليل على معنى هَذَا الفِعْل الموْجُود ومعنى الفِعْل المضمن؛ فالمَعْنى يخالف ويخرج، أي: يخرج مخالفًا لأمرهما.
وقَوْلهُ: ﴿أَمْرِهِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي الله وَرَسُوله].
(أو) هَذِهِ لَيْسَت للشك ولكنها للتنويع، ومعنى التنويع يعني: إما أن يَكُون الضَّمِير عائدًا إلى الله، وإما أن يَكُون عائدًا إلى الرَّسُول، لكن أيهما أرجح؟
إذا نظرنا إلى قَوْله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وقَوْلهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ قُلْنا: للرَّسول ﷺ ، وإذا نظرنا إلى ما بعد قَوْلهُ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾، وهو قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ قُلْنا: إنها عائدة إلى الله؛ فيَكُون هَذَا مفرع على ما يُفيده قَوْلهُ: ﴿يَعْلَمُ﴾
стр. 433
من التَّهدِيد، يعني: قد يعلم الَّذينَ يتسلَّلُون؛ فليحذر هَؤُلَاءِ أن يخالفوا أمر الله ، أي: عن أمر الله، والمعنيان لا منافاة بينهما، لأَن أمر الرَّسُول ﷺ من أمر الله تعالى، فمن خالف عن أمر الله فهو مهدد بهَذَا الوعيد، ومن خالف عن أمر الرَّسُول ﷺ فهو مهدد بهَذَا الوعيد، وهَذَا من بلاغة القُرْآن، حيث يأتي اللَّفْظ صالحًا لمعنيين فيشمل هَذَا وهَذَا، فالسِّيَاق يؤيد أنَّها للرَّسول ﵊ وآخر مذكور يؤيد أنَّها لله، ولكن مثل ما أشرنا إلَيْه سابقًا أن أمر الله وأمر رسوله ﷺ شَيْء واحد.
وقَوْلهُ: ﴿أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ الْفِتْنَة بالبلاء والعَذاب الأليم في الْآخِرَة، وفي هَذَا نظر ظاهر، فإن الْفِتْنَة لا تطلق على البلاء، إنما تُطلق - كما سبق - على الصَّدِّ عن دين الله، فمعنى الْفِتْنَة - كما قَالَ الْإِمَام أحمد ﵀: الشِّرك؛ لأَن الْإِنْسَان إِذَا رد بعض قَوْل الرَّسُول ﵊ وخالف عن أمره فهو لهوى في نفْسِه، فيَكُون هَذَا الهوى معبودًا له، كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وإذا سهلت علَيْه المخالفة أول مرة سهل علَيْه أن يخالف بعد ذَلِك، لأَنَّ المعَاصِي في الحقيقَة بين الْإِنْسَان وبينها سياج منيع حائل، فإذا انتهك أول معْصِيَة سهلت علَيْه المعَاصِي، وجرِّب بنفسك حينما تُخالف في أمر من الْأُمُور تجدك أول مرة خائفًا ولا تُقدِم بسهولة، لكن بعد هَذِهِ المرة، أي: في الثَّانية والثَّالِثَة والرَّابِعَة يَكُون الْأَمْر عَليْك سهلًا.
فالصَّحيح: أن المُراد بالْفِتْنَة هُنا الشِّرك، كما قَالَ الْإِمَام أحمد ﵀؛ لأنَّها من الصَّد عن دين الله، كما قَالَ اللهُ : ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].
قَوْلهُ: ﴿تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ﴾ ﴿أَوْ﴾ مانِعة اجتماع أو مانعة خُلوٍّ؟ يعني هل المَعْنى إما هَذَا أو هَذَا ولا يجتمعان فتكون مانعة اجتماع، مثل: تزوج هندًا
стр. 434
أو أختها، هَذِهِ مانعة اجتماع؛ لأنهما لا يُمْكِن أن يجتمعا، فهل نقول: إن ﴿أَوْ﴾ هو هَذِهِ مانعة اجتماع أو مانعة خلو، بمَعْنى أنَّه لا يخلو من أحَدهما وربما يجتمعان؟
الجواب: مانعة خلو، بمَعْنى أنَّه لا يخلو من أحد هَذَيْنِ الْأَمْرين المتوقعين أو منهما جميعًا، لا سيَّما إِذَا قُلْنا بأن الْفِتْنَة الشِّرك؛ فإن الْعَذَاب الأليم ملازم لها.
وقَوْلهُ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ بمَعْنى: مؤلم، ولم يقيده الله تَعَالَى بالْآخِرَة؛ فقد يَكُون في الدُّنْيَا، وقد يَكُون في الْآخِرَة، وقد يَكُون فيهما جميعًا، ولذَلك استدل العُلَماء بهَذه الآية على أن الأَصْل في أمر الله ورسوله الوُجوب، وجه الدَلالَة حيث إنه حذّر من هَذَيْنِ الْأَمْرين فيمن خالف أمر الله أو أمر رسوله ﷺ ، والتَّحذِير من العُقوبَة دَليل على أن المخالفة حرام؛ لأَنَّه لا يحذَّر من العُقوبَة إلَّا في أمر محرم، أما الْأَمْر الَّذِي لَيْسَ بمحرم فلا عُقوبَة فيه حَتَّى يُحذَّر منه.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: وُجوب احترام النَّبِيِّ ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز لِلإنْسان أن يناديه كما ينادي غيره من النَّاس لما له من التَّعظيم والتوقير.
الفَائِدة الثَّانية: على الوجه الثَّاني في معنى الآيَة أن دُعاء النَّبِيّ ﷺ لَيْسَ كدُعاء غيره، فإذا دعاك النَّبِيّ ﷺ إلى أمر أو أمرك به يَجب عَليْك ألا تجعل هَذَا الدُّعاء كدُعاء غيره لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله.
الفَائِدة الثَّالِثَة: تحذير المتسلِّلين في الْأُمُور الجامعة بدون عذر واسْتِئْذان؛ لقَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، وهَذ الجُمْلَة وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ لا شَكَّ أنَّها تحذير لِهَوُلَاءِ الَّذينَ يتسللون، وأنهم سوف يجازون على هَذَا العَمَل المحرم.
стр. 435
الآية (٦٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٤]
* * *
قَوْلهُ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مُلْكًا وَخَلْقًا وَعَبِيدًا] اهـ.
﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، ﴿إِنَّ﴾ للتَّوكيد، و ﴿لِلَّهِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، و ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اسمها مؤخر، وتقديم الخبر يدُلّ على الحصر، وتصدير الجُمْلَة بـ ﴿إِنَّ﴾ للتَّوكيد، وبـ ﴿أَلَا﴾ للتَّنبُّه والتَّوكيد أيضًا؛ لأَن ﴿أَلَا﴾ الاستفتاحية تفيد التَّوكيد والتَّنبُّه أيضًا؛ لأنك إِذَا قلت: ﴿أَلَا﴾ فهَذَا قَرْع للسمع كأنك قرعت سمع المخاطب ثم تؤكّد ذَلِك، ولِهَذَا نجد ﴿أَلَا﴾ الاستفتاحية غالبًا ملازمة لأداة تأكيد؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢]، وأيضًا قَوْلهُ: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقَوْلهُ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّها تفيد التَّوكيد، وعلى هَذَا فالجُمْلَة هُنا مؤكّدة بمؤكّدين: الأوَّل بـ ﴿أَلَا﴾ الاستفتاحية، الثَّاني بـ ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة.
وقَوْلهُ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هَذِهِ الآيَة جاءت بعد قَوْلهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كالدَّليل على أن ما هدد الله به من الْفِتْنَة أو الْعَذَاب
стр. 436
الأليم أمر لا يعجز الله؛ لأَن الله تَعَالَى له ملك السَّموات والأَرْض، ومن كَانَ له ملك السَّموات والأَرْض فإنَّه لا يعجز عن تنفيذ ما هدد به وإيقاعه.
قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيّهَا المُكَلَّفُونَ ﴿عَلَيْهِ﴾ مِنْ الْإِيمَان وَالنِّفَاق، ويعْلَم يَوْمَ ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ﴾ ... إِلَى آخِرِهِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ تقدَّم أن ﴿قَدْ﴾ إِذَا دخلت على الفِعْل المُضار فإنها تفيد التَّقليل كما في قولهم: "قد يجود البخيل"، لكنها تدلّ على التَّحقيق إِذَا دلت القرينة على ذَلِك؛ فهُنا قَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لا يُمْكِن أن نجعلها للتقليل، لأَن علم الله ثابت مستقِر، فتكون ﴿قَدْ﴾ للتحقيق، ولم يعبر بقَوْلهُ: [قد علم ما أنتم عليه] إِشارَة إلى ما سيفعلونه في المستقبل، وأنه عليم بما صَدَرَ وبما يَصدر، فهُنا الاستقبال لَيْسَ للعلم، ولكن للمعْلُوم، لأَن علم الله سابق أزلي، وإنَّما هو للمعْلُوم الَّذِي سيفعله هَؤُلَاءِ، فإن الله تَعَالَى يعلمه باستمرار.
وقَوْلهُ: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يرى المُفَسِّر ﵀: الخِطَاب للمكلفين، يعني: يعلم ما أنتم - أيها المكلفون - عليه، ولو جعله ﵀ للنَّاس عُمومًا لكان أولى، أي: ما أنتم - أيها النَّاس - عليه، ليشمل المكلف وغير المكلف، لأَن غير المكلف أيضًا يُثاب على ما يفعل من الأعْمَال الصَّالحة، ولا يكتب علَيْه ما يعمل من الأعْمَال السيئة، وعلى هَذَا فالله تَعَالَى عليم بما هو علَيْه حَتَّى غير المكلف.
وقول المُفَسِّر ﵀: [مِنْ الْإِيمَان وَالنِّفَاق] يَنْبَغِي أن يَكُون هَذَا من باب التَّمثيل ولَيْسَ من باب الحصر؛ لأَن الله يعلم ما نحنُ عليه، لَيْسَ من الإِيمَان والنِّفاق فقط، بل من الإِيمَان والنِّفاق والعَمَل الصَّالح والعَمَل السَّيئ والرخاء والشِّدة وغير ذَلِك، كل ما نحنُ علَيْه من الأَحْوال والأعمال فإن الله تَعَالَى يعلمه.
стр. 437
قَوْلهُ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾؛ لمَّا ذَكَر الله ما نحنُ علَيْه في الدُّنْيَا، ذكر ما نؤول إلَيْه يوم القِيامَة، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يعني: ويعلم يوم يرجعون إلَيْه، فعلمه تَعَالَى بالعَمَل بما نحنُ علَيْه في الدُّنْيَا حال العَمَل ويوم نرجع إلَيْه حال الحساب والجزاء فهو عالم بالحالين.
قَوْلهُ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فِيهِ الْتِفَات عَنْ الخِطَاب أَي مَتَى يَكُون] اهـ.
قوله ﵀: [مَتَى يَكُون] لا بأس به، لكن لنا علَيْه مناقشة ستأتي.
قوله ﵀: [فِيهِ الْتِفَات عَنْ الخِطَاب]؛ كَيْفَ ذَلِك؟
قَوْلهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ هَذَا الخِطَاب ومقتضى السِّيَاق أنْ يقولَ: "ويوم ترجعون إلَيْه"، لكنَّه التفت عن الخِطَاب إلى الغيبة، وفائدة الالْتِفات تنبيه المخاطب؛ لأَن الأسلوب إِذَا تغير فلابُدَّ أن يتنبه المخاطب، بخلاف ما إِذَا كَانَ الأسلوب على نسق واحد فإن الْإِنْسَان ينسجم معه ولا يجد شيئًا يوجب الانتباه، وله أيضًا فوائد أُخْرَى لكن تُفهم من السِّيَاق، إنما الشَّيء المُهِمّ الدائم هو التَّنْبيه، ومن الفوائد الأُخْرَى ما ذكرنا في قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]؛ هَذَا كله غيب، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، هَذَا خطاب الفَائِدة منه التَّنْبيه، والفَائِدة الثَّانية: هو أنَّه لما وصفت الله بتِلْك الأوصاف صَارَ كأنه أمامك فخاطبته مخاطبة الحاضر؛ لقَوْلهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
وقَوْلهُ: [مَتَى يَكُون] في هَذَا نظر؛ لأنه لَيْسَ المُراد أنَّه يعلم ما يرجعون إلَيْه متى يَكُون فقط، بل يعلم حالهم حينما يرجعون إلَيْه مع علمه متى يرجعون أيضًا، فمتى يرجعون إلَيْه عالم به بلا شَكٍّ، لكن السِّيَاق لا يؤيده بل يؤيد
стр. 438
أَنَّه عالم بهم حال عملهم وحال الجزاء على العَمَل، وَيكُون المَعْنى: ويعلم يوم يرجعون إلَيْه ماذا يَكُونون علَيْه من الحال، كما أن الله تَعَالَى يعلم متى يرجعون، سواء كَانَ رجوعًا عامًّا كيوم القِيامَة أم خاصًّا كموت الْإِنْسَان؛ هَذَا أيضًا مرجعه إلى الله .
وقَوْلهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فِيهِ ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ مِنْ الخَيْر وَالشَّرِّ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنْ أَعْمَالهِم وَغَيْرَهَا] اهـ.
وقَوْلهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: يخبرهم بما عملوا من خيرٍ وشر، وفائدة الإنباء هو الإقرار، يعني: يقررهم حَتَّى يَكُون جزاؤهم على وجه العَدْل الَّذِي أقروا به هم، فلا يَقُولُونَ: إننا ظُلمنا، بل الله يَقُول: علمتم كذا وعملتم كذا وعملتم كذا، حَتَّى يقرروا بِذَلِك، ثم بعد هَذَا الإقرار يترتب الجزاء فضلًا أو عدلًا؛ لأَن الجزاء إما فضل وإما عدل وإما جور؛ فالثَّالث الأَخِير منتفٍ عن الله، والأولان ثابتان؛ فإن جزاءه بين العَدْل والفضل، فجزاء الحسنات من قبيل الفَضْل، وجزاء السيئات من قبيل العَدْل؛ إِذَا جازى كل سيئة بمثلها، وإن عفا فهو من باب الفَضل.
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ هَذَا عام في كل شَيْء من أعمال بني آدم؛ صغيرها وكبيرها ومن غيرها أيضًا؛ فإن الله تَعَالَى عليم بها، والعلم: إدراك الشَّيء على ما هو علَيْه إدراكًا جازمًا؛ فلَيْسَ في علمه شك ولا ظن، بل كل علمه علم يقيني.
لو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن نجعل قَوْلهُ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ متعَلِّق بقوله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾؟
стр. 439
الجواب: لا يصِح؛ لأَن الفاء تمنع من أن يَكُون ما قبلها متعَلِّق بما بعدها، ولو لم يكن في الآيَة (فاء)، يعني: (ويوم يرجعون إلَيْه ينبئهم)، لكان مستقيمًا، لكن الفاء هي الَّتِي منعت من أن يَكُون من قبلها معمولًا لما بعدها.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الكريمة:
في هَذِهِ الآيَة من الفوائد فوائد لفظية وفوائد معنوية:
أما اللفظية:
الفَائِدةُ الأُولَى: أنَّه يَنْبَغِي تأكيد الْأُمُور الهامة والتَّنْبيه عَلَيْها وأن تصدَّر الْأُمُور العامَّة بما يؤكّدها وينبه عَلَيْها؛ لقَوْلهُ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فإن علمنا بِذَلِك وإقرارنا به واعتقادنا له هَذَا أمر مهم، ولِهَذَا أكد بـ ﴿أَلَا﴾ وبـ ﴿إِنَّ﴾.
الفَائِدة الثَّانية: فَائِدَة لفظية أيضًا، وهي تحويل الخِطَاب من الغيبة إلى الخِطَاب أو من الخِطَاب إلى الغيبة الَّذِي يسميه أهل البديع الالْتِفات، وهَذَا لا يخلو من فَائِدَة؛ وهي: تنبيه المخاطب، ومنْ فَوَائِدِ مضافة إلَيْها حسب ما يَقْتَضيه السِّيَاق.
الفَائِدة الثَّالِثَة: عُمُوم ملك الله لما في السَّموات وما في الأَرْض، لقَوْله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفَائِدة الرَّابِعَة والخَامِسَة: عُمُوم علمه؛ لقَوْلهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وأن علمه ﵎ في الحاضر والمستقبل، لقَوْلهُ: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ويعلم يوم يرجعون إلَيْه.
الفَائِدة السَّادِسَة: إِثْبات المعاد والبعث، لقَوْله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
стр. 440
الفَائِدة السَّابِعَة: إِثْبات الحساب؛ لقَوْلهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ ثم هَذَا الإنباء؛ هل هو مناقشة أو هو مُجرَّد إخبار؟
الجواب: لَيْسَ فيه مناقشة بل مُجرَّد إخبار؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ - أو قَالَ: هَلَكَ -" (١)؛ لأَنَّه لو نوقش يُقال له مثلًا: عملت كذا وكذا من الأعْمَال الصَّالحة، وثبت ذَلِك علَيْه ثم قوبلت هَذِهِ الأعْمَال بنعمة من النِّعم استوعبتها النِّعمة وبقي الْإِنْسَان مطلوبًا؛ هَذَا معنى المناقشة، لكن الأعْمَال تعرض حَتَّى يُقرّ بها العَبْد ثم بعد ذَلِك يرتب الله الجزاء كما يُرِيد وكما يشاء.
أما بالنِّسْبَةِ للكفار؛ فإنهم لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنهم لَيْسَوا لهم حسنات وإنَّما تُعرض عليهم الأعْمَال على وجه العار والخزي - والعِيَاذ باللهِ -؛ حَتَّى يُقرّوا ويقولوا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، ثم يَكُون بعد ذَلِك مآلهم النَّار.
الفَائِدة الثَّامِنة: عُمُوم علم الله ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وفائدة ذكر عُمُوم العِلْم التَّحذِير من المخالفة؛ لأَن من علم بك ممتثلًا أو مخالفًا فسوف يجازيك على ذَلِك؛ فإن كَانَ الْأَمْر هكذا ففي كل آية فيها إِثْبات العِلْم تحذير من مُخَالَفَةُ الله لئلا يقع الْإِنْسَان فيما يسخط الله عليه.
* * *