الفَائِدة التَّاسِعَة: منَّة الله على العباد ببَيان الآيَات الْكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة حَتَّى لا يبقى للنَّاس على الله حجة بعد هَذَا البَيان؛ لقَوْله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.
الفَائِدة العاشرة: أنَّه لا يسْتَطيع أحد أن يأتي بمثل تَشْريع الله ونظامه، تؤخذ من كونه جعل ذَلِك من الآيَات، وآيات الله مَعْناها أنَّها لا تصلح لغيره، إِذْ لو صلحت لغيره لم تكن آية له؛ فهَذَا يدُلّ على أن شرع الله لا يُمْكِن أن يأتي أحد بمثْلِه وإلَّا ما صح أن يَكُون آية.
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: ثبوت ملك الْيَمِين للآدميين وأن الإِسْلام جاء بالرّق؛ لقَوْله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولكن كما هو معْرُوف أن الإِسْلام حمى حقوق هَؤُلَاءِ المماليك ورغب في تحريرهم وعتقهم، وجعل للعتق أَسْبَابًا متعددة.
الفَائِدة الثَّانية عشرة: جَواز وضع الثَّوب عند النَّوْم ويلتحف الْإِنْسَان بلحافه؛ لقَوْله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحكْمَةُ في تقييد الظهيرة بقَوْلهُ: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ ولم يقيدها بِذَلِك في قَوْلهُ: (﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ﴾ و ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، ولم يقل: "وحين تضعون ثيابكم من الفجر أو من العشاء"؟
الجواب: لَيْسَتِ العورةُ في وقت الظُّهر حاصلةً لكل النَّاس، إنما تَكُون عورة لمن يضع ثيابه لينام عند الظَّهيرة، وبعضُهم قَالَ: لأَن نومة الظهر لَيْسَت طويلة، فبعض النَّاس لا يخلع ثيابه، ولِهَذَا قيّدها بقَوْلهُ: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بخلاف نوم الليل؛ فإن النَّاس يخلعون ثيابهم؛ لأَن مدته تطول.
стр. 387
الفَائِدة الثَّالِثَة عشرة: عناية الله بالخلق وأنهم وإن رضوا بما يُستقبح فلن يرضى الله به، فقد يَقُول قائل: أنا لا أبالي إِذَا دخل عليّ طفلي في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة؛ فنقول له: ولكن الله قد اعتنى بك ومنع من الدُّخول عَليْك في هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
الفَائِدة الرَّابِعَة عشرة: جَواز الدُّخول بدون اسْتِئْذان في غير هَذِهِ الأوْقات الثَّلاثة.
وهنا بحث: هل هَذِهِ الآيَة محكمة أو منسوخة أو ترك العَمَل بها لزوال الحاجة إلَيها؟
تقدَّم أن الآيَة محكمة؛ لكن يَجب أن نعلم أنَّه لا يجوز أن نقول عن آية أو حديث انَه منسوخ إلَّا بعد أن يتعذر الجمع بينه وبين ما ادُّعيَ أنَّه ناسخ، وأن يُعلم التاريخ بتأخر النَّاسخ، وإذا كنت لا تَسْتَطِيع أن تجمع فَكل العِلْم إلى الله، أما أن تدَّعي النَّسخ فهَذَا لا يجوز؛ لأَن معنى النَّسخ إبطال هَذَا النَّصِّ، وإبطال النَّصِّ صعب؛ فلِذَلك يَجب على الْإنْسَان أن يتورّع عن إطلاق النَّسخ فيما لم يثبت نسخه، ثم إن ترك العَمَل به لا يدُلَّ على أنَّه منسوخ حَقِيقَة؛ لأنَّه كم من أشْيَاء محكمة ترك النَّاس العَمَل بها، فترك النَّاس العَمَل بها إما تهاونًا وإما لزوال السَّبَب الموجب للاسْتِئْذان، والمُفَسِّر ﵀ له تعليق على هَذَا؛ يَقُول ﵀: ﴿وَآيَة الاسْتِئْذَان قِيلَ مَنْسُوخَة وَقِيلَ لَا وَلَكِنْ تهَاوَنَ النَّاس فِي تَرْك الاسْتِئْذَان] اهـ.
هَذَان القولان اللذان أشرنا إلَيْهما.
والصَّحيح أن الآيَة محكمة وباقية، وأن ترك الاسْتِئْذان إما للتهاون وإما لزوال السَّبَب الموجب للاسْتِئْذان، وأما أن نقول: إن الأَحْكام الشَّرْعِيَّة تُنْسَخ بترك النَّاس العَمَل بهَذَا، فهَذَا لا وَجْهَ له.
стр. 388
الفَائِدة الخَامِسَة عشرة: إِثْبات العِلْم والحِكْمة لله من هَذَيْنِ الاسْمين: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والحكْمَةُ سبق أنَّها وضع الأَشْيَاء في مواضعها، بل سبق أن (الحَكِيم)؛ لَيْسَ معناه ذي الحِكْمة فقط، بل معناه ذو الحِكَم والحِكْمة.
الفَائِدة السَّادِسَة عشرة: أن المشقَّة تجلِب التَّيسير.
* * *
стр. 389
الآية (٥٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩].
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيّهَا الْأَحْرَار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ فِي جَمِع الْأَوْقَات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَي: الْأَحْرَار الْكِبَار] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿مِنْكُمُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَيّهَا الْأَحْرَار، وَذلِك لأَن المماليك كما سبق لا يستأذِنَون إلَّا في الأوْقات الثَّلاثة سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، وتقييد المُفَسِّر ﵀ بالأحرار لمفهوم الآيَة أولى.
وقَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ هو كِناية عن البُلوغ بالإنْزال، والحلُم بمَعْنى الاحتِلام أو بمَعنى العَقْل، وَذلِك لكمال عقولهم، لكن الأوَّل أولى، لأنَّه لا يشترط في هَذَا كمال العَقْل، وكمال العَقْل يحصل بكمال أربعين سنة.
وقَوْلهُ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ لم يذكر الله سوى بلوغ الحلم، والمعْرُوف أن هُناكَ شيئين آخرين يحصل بهما البُلوغ هما تمام خمس عشرة سنة وإنبات شعر العَانَة، لكن هَذَان الْأَمْران فيهما خلاف بين العُلَماء فمنهم من يرى أنَّه لا بلوغ إلَّا بالإنزال وأن تمام خمس عشرة سنة لَيْسَ علامة على
стр. 390
البُلوغ بل علامة على قدرة الْإِنْسَان على الجهاد؛ لأَن الَّذينَ أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر ﵄ حينما عُرض على النَّبِيّ ﷺ عام أُحد فلم يجزه، وعرض علَيْه عام الخندق فأجازه، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة (١)، لكن في رِوايَة للحاكم أنَّه قَالَ: "فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ" (٢)، والثَّاني: "فَأَجَازَنِي وَرَآنِي بَلَغْتُ"، لكن كَلِمة بلغت هل معناه بلغت سن التكليف أو بلغت الحالة الَّتِي يُمْكِنني فيها أن أجاهد؟ فيه احتمال".
لكنَّ عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه - كتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة ورآهم قد بلغوا، وقال: إِذَا كَانَ هَذَا السن حدًّا لصلاحهم للقتال فهو حد لبلوغهم (٣)، ويرى بعض العُلَماء كأبي حنيفة أن حد البُلوغ ثماني عشرة سنة لا خمس عشرة سنة، وهَذَا هو الَّذِي مشى علَيْه نظام العَمَل والعمال هُنا؛ لأَن واضعه فيما يظهر إِنْسَان أجنبي لا يعرف إلَّا المَذْهب المعْرُوف في الشَّارع عند عامَّة المُسْلِمِينَ وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ الَّذِي يقيده بثماني عشرة سنة.
إنما مذاهب الأئمة الثَّلاثة أن البُلوغ يحصل بخمس عشرة سنة، أما إِنْبَات العَانَة ففيه خلاف أيضًا، والَّذينَ قالوا: إنه لَيْسَ علامة على البُلوغ قالوا: إن كون الرَّسُول ﵊ يكشف عن أُزُرِ بني قريظة فمن أَنْبَتَ قتله (٤)، لَيْسَ ذَلِك دليلًا
стр. 391
على أنَّه مكلف بل هو دَليل على أنَّه من أهل القتال فيقتله النَّبِيّ ﵊، لكن المَشْهُور من المَذْهب ما هو معْرُوف من أن البُلوغ يحصل بواحد من ثلاثة أشْيَاء.
قَوْلهُ: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ وجَّه الخِطَاب لهم، لأنهم إِذَا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف وتوجيه الخِطَاب إلَيْهم.
وقَوْلهُ: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من عامَّة النَّاس الَّذينَ يستأذنون في جميع الأوْقات.
قَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذَلِك البَيان يبين، وقد تقدَّم أن (الكاف) اسم بمَعْنى (مثل) وهي مفعول مطلق بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾.
وهَذه الآية الْكَرِيمَةِ مثل الَّتِي قبلها إلَّا أن الفَرْق في قَوْلهُ: ﴿آيَاتِهِ﴾ بدل ﴿الآيَاتِ﴾؛ ولعل هَذَا - والله أعلم - من باب التنويع في الخِطَاب أو في الأسلوب، وإلَّا فمعناهما سواء.
* * *
стр. 392
(الآية: ٦٠)
* * *
* قَالَ اللهُ ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قَعَدْنَ عَنْ الحْيْضِ وَالْوَلَد لِكِبَرِهِنَّ، ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾؛ لِذَلك ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ومِنْ الجِلْبَاب وَالرِّدَاء وَالْقِنَاع فَوْق الخِمَار ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ مُظْهِرَات ﴿بِزِينَةٍ﴾ خَفِيَّة كَقِلَادَةٍ وَسِوَار وَخَلْخَال ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ ... إِلَى آخِرِهِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ جمع قاعِدَة.
وقَوْلهُ: ﴿مِنَ﴾ بَيان للقواعد؛ لأَن (ال) في قَوْلهُ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ اسم موصول؛ لأَن (ال) إِذَا دخلت على اسم مشتق سواء كَانَ اسم مفعول أو اسم فاعل فهي اسم موصول؛ فالقواعد بمَعْنى (اللاتي قعدن)، وقَوْلهُ: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بَيان للقواعد، لكن قعدن عن أي شَيْء؟
يَقُول المُفَسِّر ﵀: [الحْيْضِ وَالْوَلَد]؛ فالقواعد مَعْناها: اللاتي لا يلدن ولا يحضن لكبرهنَّ، بل وقعدن أيضًا عن الأعْمَال لكِبَرهنَّ، وقِيلَ: (القواعد): الملازمات للبيوت لكِبَرهنَّ؛ لأنَّهنَّ لا يخرجن من العجز والضعف؛ فهنَّ قواعد،
стр. 393
وقِيلَ: إن (القواعد) اسم للعجائز مطلقًا، مثلما نقول: عجوز؛ مشتقة من (العجز)، نقول أيضًا: قاعِدَة بمَعْنى عاجزة عن القيام والذهاب والإياب.
وقَوْلهُ: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ ﴿اللَّاتِي﴾ هل هي صفة للقواعد أو للنِّساء؟
صفة للقواعد؛ لأنك إِذَا قلت: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ صَارَ يوجد قواعد من النِّساء اللاتي يرجون نكاحًا ولَيْسَ الْأَمْر كَذلِكَ.
وقَوْلهُ: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ كَيْفَ يعبر بقَوْلهُ: ﴿اللَّاتِي﴾ مع أن قَوْلهُ: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مؤنث و ﴿يَرْجُونَ﴾ فعل مذكر؟
نقول: (الواو) واو الفِعْل و (النُّون) نون النِّسوة، ومعنى ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يطمعن فيه وَذلِك لكبرهنَّ؛ لأنهنَّ لا يرجون أحذا يتزوجهنَّ، لأنهنَّ عجائز لا يريدهنَّ أحد.
قَوْلهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ لا شَكَّ أن المُرادَ بقَوْلهُ: ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ لَيْسَ المُرادُ أن يضعن جميع الثِّياب، بمَعْنى: يبقين عراة، هَذَا لا يُمْكِن القَوْل به، إِذَنْ فما المُرادُ بالثِّياب؟
المراد: الثِّيابُ الظَّاهِرة الَّتِي جرت العادة بلبسها، يَقُول المُفَسِّر ﵀: مثل [الجِلْبَاب وَالرِّدَاء وَالْقِنَاع فَوْق الخِمَار]؛ الأَشْيَاء الظَّاهِرة. فيجوز للمَرْأة العجوز أن تلبس ثوبًا وتبدي يديها ورأسها ووجهها ورجليها وساقيها، لكن بشرط ألّا تَتَبرَّج بِزِينَةٍ، لقَوْله: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، فإن كَانَ تريد إبداء الزِّينَة فلا يجوز؛ لأَن بعض العجائز، وإن كُنَّ لا يرجون النِّكَاح يُرِدْنَ أن يَظْهَرْنَ بمنزلة الشَّواب، تجدها تلبس سوارًا وخلخالًا، وتختال بين النَّاس. لكن هَذَا؛ بشرط ألّا تَكُون بهَذه الحال، إن كَانَت بهَذه الحال فلا يجوز، لكن إِذَا كَانَ المَسْأَلَة طبيعية فيجوز لها أن تضع ثيابها.
стр. 394
لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كَانَ في البَيْت خادم؛ هل يجوز للمَرْأة الكَبيرَة أن تكشف عن وجهها عنْدَه؟
الجواب: إِذَا كَانَت عجوزًا فلا بأس، لو أن إنسانًا أتى عجوزا بخادم في البَيْت يجوز أن تكشف له، لَيْسَ هُناكَ مانع؛ لأَن البَيْت إِذَا لم تكن فيه خلوة فلا بأس، فَالمَحْرَم لَيْسَ بشرط، والمحرم الأحاديث فيه عامَّة، أما السَّفَر فلا يجوز أن تسافر إلَّا بمحرم.
قَوْلهُ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ التبرج بمَعْنى التعلي والظهور، ومنه البروج الَّتِي في السَّماء، لعلوها وارتفاعها، ومعنى ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ أي: متعلياتٍ، وقول المُفَسِّر ﵀: (مظهرات)، هَذَا من باب التفسير باللازم، وإلَّا فالتبرج معناه: التعلي، ويَلْزَم منه أن يظهرن الزينة.
وقَوْلهُ: ﴿بِزِينَةٍ﴾ أي: بزينة خفية يظهرنها إِذَا وضعن تِلْك الثِّيابَ.
قَوْلهُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِأَنْ لَا يَضَعْنَهَا ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾] اهـ.
لِمَا في ذَلِك من البعد عن مواضع الْفِتْنَة، وكما قِيلَ: لكل ساقطة لاقطة، قد تَكُون بنفْسِها لا ترجو النِّكَاح لكبرها، ولكن ربما يَتعلَّق بها إِنْسَان وهي بهَذه الحال، ولِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾.
قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لِقَوْلِكُمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَا فِي قُلُوبكُمْ] اهـ.
ختم الآية بالسمع والعلم؛ لأَن المقام قد يقْتَضِي قولًا كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وبالعلم؛ لأَن قَوْلهُ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ محله الْقَلْب
стр. 395
ومتعَلِّقه العِلْم؛ لأَن ما في الْقَلْب لا يُسمع ولا يُرى، وإنَّما يُعلم علمًا؛ فهو سميع بما يُقال لهنَّ أو يَقُلْنَه هَؤُلَاءِ القواعد، وأما الجَوارِح فلا تتعلق بالعلم بل تتعلق بالرؤية؛ لأَن الزِّينَة قد تظهر بدون قصد التبرج فلا يَكُون في ذَلِك نية، و ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبهنَّ وقلوب من نظر إلَيْهنَّ من الميل والْفِتْنَة.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: الحُكْم الظَّاهِر من الآية؛ وهو أن العجائز اللاتي يَئسْنَ من النِّكَاح لكبرهنَّ يجوز لهنَّ وضع الثِّياب الظَّاهِرة، مثل: العباءات والجلباب والرداء والخِمَار وما أشبه ذَلِك، يعني: هَذِهِ الألبسة الظَّاهِرة يجوز للعجائز أن يضعنها؛ وَذلِك لأنهنَّ ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ فلا يخفن من الْفِتْنَة.
الفَائِدة الثَّانية: إن على غير القواعد أن يلبسن لباسًا ظاهرًا ساترًا لا تقول المَرْأَة: أنا سأخرج بالثَّوب وبدون خمار وما أشبه ذَلِك، فيَجب على غير القواعد أن يبقين ثيابهنَّ الظَّاهِرة عليهنَّ لما في ذَلِك من التستر، ولأن عدمه يدخل في الحَديث الصَّحيح: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، وَقَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، لَا يَدْخُلُونَ الجَنّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا" (١)؛ فإن المَرْأَة إِذَا كَانَ عَلَيْها ثياب ولكن تصف مقاطع جسمها ولا تزول بها الْفِتْنَة فهي كاسية عارية.
ويقاس على القواعد من لا تشتهي لغاية في قبحها كالعجائز؛ لأنَّها لا ترجو النكاح ولا يطمع أحد فيها، ولِهَذَا ألحق العُلَماء هَذَا الصِّنف من النِّساء بالقواعد.
стр. 396
لو قَالَ قَائِلٌ: المَرْأَة العجوز لَيْسَ فيها شَهْوَة وهَذه الشَّابة القبيحة فيها شَهْوَة لماذا تلحق بها؟
الجواب: لم يقل الله تعالى: والقواعد من النِّساء اللاتي لَيْسَ فيهنَّ نكاحٌ، بل قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: يئسن من النِّكاح؛ لأنَّهنَّ علمن أن النَّاس لا يرغبون فيهنَّ، ولو قَالَ: "والقواعد من النِّساء اللاتي لا نكاح فيهنَّ أو لا شَهْوَة فيهنَّ" لقُلْنا صحيح، لا يجوز تعدية الحُكْم إلى القبيحة الشَّوهاء، لكن لَمَا قَالَ: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ يعني: لا يأملن نكاحًا لا لمجرد أنَّه لا شَهْوَة فيهنَّ، ولكن لأَن النَّاس لا يرغبونهنَّ.
الفَائِدتان الثَّالِثَة والرَّابِعَة: أن التبرج بالزينَة حرام على العجائز؛ لقَوْله: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ فهَذَا الشَّرط إِذَا تخلف صَارَ عليهنَّ جناح في ذَلِك، وهَذَا يدُلّ على التَّحْريم، فإذا كَانَ التبرج حرام على العجائز، فيتفرع على هَذِهِ الفَائِدة تَحْريم التبرج على الشَّابات ومن هي محل الْفِتْنَة، وهل هَذَا القياس قياس أولوية أو قياس مساواة؟ قياس أولوية؛ لأَنَّه معْلُوم إِذَا حرُم على القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا؛ فغيرهنَّ ممَّن يرجون النكاح وتتعلق بهنَّ الْفِتْنَة أبلغ.
الفَائِدة الخَامِسَة: أن الحُكْم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ لأَن الله إنما أباح وضع الثِّياب لهؤُلَاءِ القواعد؛ لأَن الْفِتْنَة بعيدة فيهنَّ فيؤخذ منه أن المدار كله على خوف الْفِتْنَة في مثل هَذِهِ الْأُمُور، فالحُكْم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الفَائِدة السَّادِسَة: ما نبه علَيْه كثير من أهْل العِلْم بأنه حَتَّى على القَوْل بجَواز كشف الوجه واليدين، إِذَا كَانَ ذَلِك ذريعة للفتنة والتوسع، كَانَ حرامًا؛ فمتى خِيفَ
стр. 397
الْفِتْنَة بكشف الوجه واليدين بناء على القَوْل به فإنَّه لا يجوز ذَلِك، وعلَيْه فيَكُون هَذَا القَوْل لا محل له في عصرنا؛ لأنه لا يُمْكِن ضبط النِّساء أبدًا، لا يُمْكِن ضبطهنَّ لأَن الْفِتْنَة قائمة، وكونه ذريعة إلى التوسع قائم، ولِهَذَا تجد المجتمعات الَّتِي أخذت بهَذَا القَوْل أصبحت لا تَسْتَطِيع أن تتخلص مما وقعت فيه من التبرج السافر الَّذِي لا يَمُتُّ إلَيْه هَذَا القَوْل بأي صلة، فلم تقتصر المَسْأَلَة على الوجه والكفين، بل تدرَّجت إلى الرَّأْسِ والرقبة والنَّحر والذراع بل والعضد أحيانا والساق والقدم، كل هَذَا بأَسْبَاب أن النِّساء الآن، بل والمجتمعات الْإِسْلَامية مع الأسف لا يُمْكِن أن تنضبط بالحُدُود الشَّرْعِيَّة؛ لأنَّها مُدْبِرة عن الدِّين؛ إلَّا ما شاء الله.
وعلى هَذَا فنقول: القَوْل الَّذِي يُطنْطِن به بعض النَّاس المحبين للسفور لا محل له في هَذَا العصر؛ لأَن من شرطه ألا تتبرج بزينة وألا يُخاف منه الْفِتْنَة، وهَذَا موجود محقق؛ فالْفِتْنَة موجودة والتبرج موجود، ولِهَذَا القواعد اللاتي رخّص الله تَعَالَى لهنَّ في وضع الثِّياب اشترط الله تَعَالَى هَذَا الشَّرط؛ فقال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ ونجد كثيرًا من نساء هَؤُلَاءِ النَّاس تتبرج بزينة ولا شَك فتحمّر الخدين والشَّفتين وتكحل العينين وتزجج الحواجب، كل هَذَا مما يدُلّ على أن الموضوع أصبح الآن لَيْسَ ذا محل في هَذَا الوقت.
الفَائِدة السَّابِعَة: أن الأفضل البعد عن الريبة ومحل الْفِتْنَة، وإن بعدت؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، ويجوز لهنَّ أن يضعن الثِّياب لبعد الْفِتْنَة بهنَّ، ولكن مع ذَلِك كلما بعُد الْإِنْسَان عن أَسْبَاب الْفِتْنَة كَانَ خيرًا له، والْإِنْسَان قد يشعر في نفْسِه أنَّه بعيد عن الْفِتْنَة ثم يقع فيها، وقد أمر النَّبِيِّ ﵊ من سمع الدجال أن ينأى عنه؛ لأنَّه يأتيه وهو يرى أنَّه مُؤْمن فلا يزال يقذف به بالحجج والشُّبُهَات
стр. 398
حتَّى يتبعه (١).
الفَوائِد الثَّامِنة والتَّاسِعَة والعاشرة: إِثْبات تفاضل الأعْمَال، لأَن قَوْلهُ: ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ يعني من عدم الاستعفاف؛ فدل ذَلِك على أن بعض الأعْمَال أفضل من بعض، ويتفرع على ذَلِك تفاضل الإِيمَان، لأَن الأعْمَال منه، فإذا ثبت تفاضل الأعْمَال فيما بينها ثبت تفاضل الإِيمَان وأنه يزيد وينقص، وهَذَا هو مذهب أهْل السُّنَّة والجماعَة.
لو قَالَ قَائِلٌ: بعض طوائف المبتدعة يرون أن الأعْمَال لا تتفاضل، فهل معنى قولهم هَذَا أن الأعْمَال متساوية؟
الجواب: لا، هم لا يَقُولُونَ: الصَّلاة مثل الصِّيام، والصِّيام مثل كذا، بل يرون أن بعض الأعْمَال أفضل من بعض، لكن يَقُولُونَ: إنها غير داخلة في الإِيمَان؛ يخرجونها من الإِيمَان ولا أعلم أنهم يَقُولُونَ: إن الأعْمَال متساوية في فضلها، ما أعلم ذَلِك، ولا أظن أن أحدًا يَقُول به، لكن مَسْأَلة إخراجها من الإِيمَان هو الَّذِي جعلهم يَقُولُونَ: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق النَّاس واحد، وعندهم أن الإِيمَان هو مُجرَّد الإقرار باللهِ .
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: إِثْبات اسمين من أَسْماء الله، لقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٤]
وما تضمناه من الصِّفات؛ وهي: السمع والعلم، وقد تقدَّم أنَّه لا يُراد من أَسْماء الله وصفاته مُجرَّد معرفة ذَلِك الاسْم وتلْك الصِّفة، بل المُراد والغرض التعبد لله بمقتضى ذَلِك، فإذا علمت أن الله ﴿عَلِيمٌ﴾ عملت بكل قَوْل يرضيه، لأنك تعلم أنَّه
стр. 399
يسمعك ويثيبك عليه، وتجنبت كل قَوْل يسخطه؛ لأنك تعلم أنَّه يسمعك فيسخط عَليْك، وكَذلِك بالنِّسْبَةِ لسائر الأَسْماء والصِّفات فلَيْسَ المُراد أن تعلم هَذَا الاسْم أو هَذِهِ الصِّفة ومدلولهما، بل المُراد أن تعمل لله وأن تتعبد لله بمقتضى ذَلِك الاسْم وتلْك الصِّفة، ولِهَذَا جاء في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ ﵊: "إِنَّ لله تِسْعَةً وتسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنّةَ" (١)، والمُراد بإحصائها ثلاثة أمور: ضَبط لفظها ومعناها والتعبد لله بمقتضاها.
* * *
لكن المعْرُوف خصوصًا عند البصريين أن هَذِهِ صفة مشبهة، وأنه لا يجوز أن يُصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أَفْعَل، أما الكوفيون فيَقُولُونَ إنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان. وقولهم أصح؛ لأَن هَذَا شَيْء يدخله الذوق، فلا مانع منه، إنما المُراد هُنا بالأعمى الصِّفة المشبهة.
قَوْلهُ: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الأعرج: هو الَّذِي لا يمشي مشيًا مستقيمًا.
وقَوْلهُ: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ المريض: هو الَّذِي خرجت صحته عن الاعتدال؛ فكل من خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الْأَمْراض، لكن لَيْسَ على المريض حرج في أي شَيْء؟
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فِي مُؤَاكَلَة مُقَابِلِيهِمْ].
مقابل الأعمى البصير، ومقابل الأعرج السَّليم، ومقابل المريض الصَّحيح؛ يعني أنَّه لَيْسَ على الأعمى حرج إِذَا أكل مع البصير لَيْسَ علَيْه حرج، لكن هل هَذَا فيه حرج؟
هَذَا شَيْء واضح لا يحتاج إلى نفي الحرج عنه، لكن يُقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى؛ يَقُولُونَ: لأَنَّنا إِذَا أكلنا معه نأكل الزَّيْن ونُبْقِي الشَّيْن، ومن جهة أُخْرَى الأعمى أيضًا يتحرج من الأكل مع البصير؛ لأنَّه يَقُول: إِذَا أكلت مع البصير أخاف أن آكل أكثر منه.
فعلى الرأي الأوَّل يَكُون قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ يعني: لَيْسَ في الأعمى، أي: بمؤاكلته ﴿حَرَجٌ﴾.
كَذلِكَ المريض لَيْسَ على المريض حرج إِذَا أكل مع الصَّحيح، لا يُقال: إن في ذَلِك حرج؛ لأَن الصَّحيح يأكل أكثر، وكَذلِك الأعرج، الأعرج لا بأس أن يأكل
стр. 402
مع الصَّحيح ولا حرج عليه؛ لأَنَّه قد يَقُول الأعرج: أنا رجلي مائلة، وإذا قعدت أخذت مكان رجلين، فلَيْسَ علَيْه حرج. هَذَا ما ذهب إلَيْه بعضهم؛ أن المراد: لَيْسَ عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هَذَا تَكُون ﴿عَلَى﴾ في قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ مَعْنى: (في)؛ يعني: لَيْسَ في الأعمى حرجٌ في مؤاكلَتِه، ولا في الأعرج حرجٌ، ولا في المريض حرج.
وقال آخرون: المراد: الجهاد؛ ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ يعني: في ترك الجهاد، ولا على الأعرج حرج في ترك الجهاد، ولا على المريض حرج في ترك الجهاد، قالوا: والدَّليل على ذَلِك أن الله ذكر بعد هَذِهِ الآية قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] إلى آخر الآيَات؛ فإنها في الجهاد، وتكون هَذِهِ الآيَات مقدّمة لذكر الجهاد، ولكن صُدّرت بها آية الأكل من البُيُوت المذكورة للتمهيد والتوطئة والتَّنْبيه؛ لأنَّه إِذَا جاء كلام في غير محَلِّه المرتقب لا بُدَّ أن ينتبه ويبحث عن السَّبَب، بخلاف ما إِذَا جاء الكَلام على نسق واحد؛ فإنَّه قد ينساب معه، ولا يتفهم المعاني.
ومن فَائِدَة الالْتِفات هو تنبيه المخاطَب أو السَّامع، وهنا أيضًا وضعت هَذِهِ الجُمْلَة: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في هَذَا المحل قبل ذكر آيات الجهاد ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المَسْأَلة عما هو متبادر ومتوقع.
المُهِمّ أن هَذَا قَوْل آخر؛ أن المراد: لَيْسَ عليهم حرج في ترك الجهاد، وقالوا: هَذَا كقَوْله تَعَالَى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب.
стр. 403
وقال آخرون: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في ترك أي عبادة تَكُون فيها هَذِهِ الأعذار مانعة، فكل عبادة تمنع منها هَذِهِ الأعذار، فإنَّه لا حرج عليهم في تركها، فتكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها أو الإخلال بها أحد هَذِهِ الأوصاف الثَّلاثة، فإنَّه لا حرج عليهم فيها، قالوا: وهَذَا مقتضى الأدلَّة الشَّرْعِيَّة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فإذا ترك الْإِنْسَان عبادة أو أخلّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، أو لعذر المرض فلا حرج عليه، أو لعذر العرج فلا حرج عليه، فتكون الآية عامَّة في الأكل أو المؤاكلة، كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، وكَذلِك أيضًا في ترك الجهاد، وكَذلِك فيما يشترط له المشي وهو أعرج لا يسْتَطيع، أو يشترط له الصِّحة وهو مريض لا يسْتَطيع، أو يشترط له البصر وهو أعمى لا يسْتَطيع، فكل هَذَا لَيْسَ عليهم فيه حرج.
لكن على هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ الآخرين يبقى ما هو وجه مناسبة صدر الآيَة مع آخِرها؟
المناسبة أنَّه كما هو معْلُوم أن هَؤُلَاءِ لا حرج عليهم فيما يشترط فيه السَّلامة من هَذِهِ الْأَمْراض، فإن كَذلِكَ لا حرج عليكم فيما يأتي، فيَكُون الغرض التمهيد لنفي الحرج في الآتي، يعني: كما أنَّه معْلُوم أن هَذِهِ الأَشْيَاء أعذار تمنع من الحجر بدون أي مجادلة، فكَذلِكَ أيضًا لَيْسَ عليكم حرج في الأكل من بيوتكم ... إِلَى آخِرِهِ.
إِذَنْ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ لَيْسَت متعَلِّقة بالتي قبلها، لأنَّها لو كَانَت متعَلِّقة لكان المَعْنى: لَيْسَ على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيته، ولكنَّنا قُلْنا: إن الآيَة عامَّة، يعني لَيْسَ على هَؤُلَاءِ حرج فيما تَكُون هَذِهِ العلل عذرًا لهم في تركه.
стр. 404
قَوْلهُ: ﴿وَلَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ولا حَرَجَ ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أَيْ: بُيُوت أَوْلَادِكُمْ، اهـ.
لماذا لم يجعل المُفَسِّر الآية عامَّة، فيَكُون معنى قَوْلهُ: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ يعني: بيوت أنفسكم؟
لأَن هَذَا لا حاجة لنفي الحرج فيه.
لكن قد يَقُول قائل: إن في آخر الآية ما يدُلّ على أنَّه يُراد بيوت الْإِنْسَان أيضًا، وهو قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يَكُون نفي الحرج عن الأكل من البُيُوت من حيث كونهم جميعًا أو أشتاتًا لا لمطلق الأكل؛ فقَوْلهُ: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المُفَسِّر حمل الآية على أن المُراد ببيوت الإِنْسَان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيته الحقيقي وبيت ولده.
فإن قَالَ قَائِلٌ: أي فَائِدَة في نفي الحرج عن أكله من بيتِه؟
قُلْنا: لأجل ما ذُكر في آخر الآية، وهو قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ يعني: لَيْسَ عَليْك جُناح أن تأكلَ من بيتك؛ سواء أكلتَ أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كَانَ الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكره - إِنْ شَاء اللهُ - آخر الآية، لكن مع ذَلِك لا جناح، يعني: لَيْسَ على الْإِنْسَان جناح أنَّه يأكل فيَتَغَدَّى وحده وعياله وحدهم، أو يَتَغَدَّى وحده وزَوْجَته وحدها أو ما أشبه ذَلِك، ولا بأس أيضا أن يأكلوا جميعًا، لا بأس بهَذَا وبهَذَا.
يبقى النَّظر في قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ ... إِلَى آخِرِهِ، لم يذكر بيوت الأولاد؟
стр. 405
نقول: هي داخلة في قَوْلهُ: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، فإن بيت الْوَلَد بيت لأبيه، لقول النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كسْبِكُمْ" (١)، ولقَوْلهُ: "أنتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، " (٢)؛ فعلَيْه يَكُون بيت الْوَلَد بيت للوالد.
ونحن لم ننتقد على المُفَسِّر ﵀ إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الْإِنْسَان، لأَن هَذَا صحيح، وإنَّما انتقدنا تَخْصِيصه البُيُوت ببيوت الأولاد.
المُهِمّ أن قَوْلهُ: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوت أنفسكم وبيوت أولادكم، بالنِّسْبَةِ لبيت الْإِنْسَان نفسه فَائِدَته ما ذُكر في آخر الآيَة، وبالنِّسْبَةِ لبيت ولده أعم من ذَلِك.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ يشمل الْأَبّ الأدنى والأعلى، فإن الجد أب كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، فسمّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنَّه جدٌّ بعيد، فالجدُّ مثل الأب، إلَّا أنَّه يخالف الْأَبّ في بعض المَسائِل؛ كمَسْأَلة التملّك، فإن الَّذينَ قالوا بجَواز تملك الْأَبّ من مال ولده خصّوه بالْأَبّ الأدنى، لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن المَسْأَلة ضعيفة لا تتوصل إلى أن يَكُون الجد وإن علا يتملك، بل الْأَبّ مختلف في تملكه من مال ولده.
стр. 406
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ يشمل الأم الدُّنْيَا الَّتِي ولدت الْإِنْسَان والأم العليا الَّتِي هي الجدة؛ فالجدة مثل الأم، لكن الأم أَشَدّ؛ يعني أوجب برًّا، وكلما دنا فهو أوجب برًّا كما قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ" (١)، فلهَذَا يَجب بِرُّهَا والإنفاق عَلَيْها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها إلَّا أن الأم أحق وأولى.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ الأشقاء أو لأب أو لأم.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ لكن بشرط ألا تَكُون ذات زوج؛ فإن كَانَت ذاتَ زوج والمال له، لم يكن بيتًا لأختي، بل لزوجها، لكن إِذَا كَانَت الأخت لها بيت فإنَّه لا بأس أن يأكل الْإِنْسَان من هَذَا البَيْت.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ يقال في عماتكم مثل ما قِيلَ في أخواتكم؛ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج، فلا يأكل الْإِنْسَان من بيت زوجها؛ لأَنَّه له ولَيْسَ لها.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ بالنِّسْبَةِ للأعمام والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هَؤُلَاءِ والأعلى، فالأدنى أخو أبيك بالنِّسْبَةِ للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنِّسْبَةِ للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك وإن علا فإنَّه خال.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [خَزَنْتُمُوهُ لِغَيْرِكُمْ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ المَفَاتِح بمَعْنى: الخزائن، يعني ما ملكتم خزائنه، وقِيلَ:
стр. 407
إنها بمَعْنى المَفَاتِيح؛ وهي: ما يُفتح به، فالمِفْتَاح غير المِفْتَحٍ، (مِفْتَح) جمعه: مَفَاتِح، (مِفْتَاح) جَمْعُه: مَفَاتِيح، ولمحيلَ: إنه يطلق المِفْتَح على المِفْتَاح، والمَفَاتِح على المَفَاتِيح، وقِيلَ: إن المُراد بالمَفَاتِح: الخزائن والمَفَاتِيح: ما يُفتح به، والقرآن يؤيد القَوْل الأَوَّل، كما في قَوْل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ وعلى هَذَا فنقول هُنا في الآيَة الْكَرِيمَةِ ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه.
وقَوْلهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ معنى ﴿مَلَكْتُمْ﴾ أي: جُعلت مفاتيحه في أيديكم، وهي الخزائن، فلا جناح على الْإِنْسَان أن يأكل منها، لكن بالمعْرُوف، يعني مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة أعطاك مفتاح المخزن لتحافظ عليه، فدخلت يومًا من الأيَّام المخزن، فيجوز أن تأكل منه، لكن بشرط أن يَكُون ذَلِك بالمعْرُوف، فلا تأخذ في جيبك وتحمله، ولا تتردد علَيْه دائمًا إلَّا إِذَا رضي بِذَلِك.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَهُوَ مَنْ صَدَقَكُمْ فِي مَوَدَّته، المَعْنَى يجوز الْأكلُ مِنْ بُيُوت مَنْ ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُمْ بِهِ] اهـ.
المُفَسِّر يَقُول: [المَعْنَى يجوز الْأَكْلُ مِنْ بُيُوت مَنْ ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا، هَذَا صحيح.
وأما قَوْلهُ: [أي: إِذَا عَلِمَ رِضَاهُمْ بِهِ، فهَذَا غير صحيح، وَذلِك أنَّه إِذَا علم رضا صاحب البَيْت بأكله فإنَّه لا فرق بين أن يَكُون من هَؤُلَاءِ أو من غيرهم، لكنَّه يؤكل من بيوت هَؤُلَاءِ ما لم يُعلم عدم رضاهم، فالمراتب ثلاثة:
المرتبة الأولى: أن تعْلم رضا صاحب البَيْت بأكلك؛ فهَذَا جائز من هَذِهِ البُيُوت ومن غيرها.
стр. 408
المرتبة الثَّانية: أن تعلم عدم رضاه؛ فلا تأكل لا من هَذِهِ البُيُوت ولا من غيرها؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١).
المرتبة الثَّالِثَة: ألا تعلم رضاه من عدم رضاه، فهُنا يُفَرّق بين من ذُكر وغيرهم، فيُقال: تأكل من بيوت هَؤُلَاءِ؛ لأَن الغالِب رضاهم، لِوُجود صلة بينك وبينهم من القرابة أو الصَّداقة أو الائتمان، يعني حَقِيقَة الْأَمْر أن الأكل من هَذِهِ البُيُوت ترجع إلى ثلاثة أشْيَاء: إما قرابة أو ائتمان أو صداقة؛ فالقرابة ذُكروا، وأما الائتمان ففي قَوْلهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾، وأما الصَّداقة ففي قَوْلهُ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؛ ففي حالة عدم العِلْم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هَذِهِ البُيُوت دون غيرها.
وأما اشتراط المُفَسِّر علم الرضا فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذَلِك لم يكن بينها وبين البُيُوت الأُخْرَى فرق، لو فُرض أن صديقًا لك أدخلك بيته ووجدت في مجلس القهوة أكلًا وأكلت بدون أن تستأذن؛ فهل يجوز أو لا؟
نقول: يجوز، وهَذَا هو معنى الآية. المُفَسِّر ﵀ يرى أنَّه لا يجوز إلَّا إِذَا علمت أنَّه يرضى بِذَلِك، والصَّحيح: أنَّه لا يُشترط العِلْم بالرضا، لكن لو علمنا أن هَذَا الرَّجل شحيح لا يرضى أن تأكل شيئًا أبدًا من ماله إلَّا ما قدّمه ففي هَذِهِ الحال لا يجوز الأكل للحديث الَّذِي أشرنا إلَيْه؛ فالصَّديق سواء دعاك أو لم يدعُك، وسواء أَرَادَ أن يقدم لك كرامة أو لم يرد، فمتى دخلت بيت صديقك فلك الأكل، ما لم تعلم أنَّه لا يرضى بِذَلِك.
стр. 409
وفي قَوْلهُ: ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ دَليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كَذلِكَ، والسبب: الصِّلة الَّتِي بينك وبينه.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما تقولون في المصاهرة وفي صلة الرضاعة، هل تدخل في صلة النَّسب أو في الصَّداقة أو لا تدخل؟
الجواب: تدخل في الصَّداقة إن كَانَ صديقك؛ فإن لم يكن بينك وبينه صداقة فلا يجوز الأكل من بيته.
لأَن كثيرًا من النَّاس يَكُون له أب من الرضاعة وبينهما عداوة، وكثير من النَّاس يَكُون له صهر وبينهما عداوة.
الحاصل: ما لم يكن بين الصّهر وصهره أو بين الرضيع ومرضعه صداقة فإنَّه لا يجوز الأكل من بيته.
قَوْلهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ﴿جَمِيعًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مُجتمِعِينَ ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ مُتَفَرِّقِينَ جَمْع شَتّ] اهـ.
شَتّ وأشتات مثل سبب وأَسْبَاب، إلَّا أن سبب غير مدغمة، وشَتّ مدغمة.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَ فِيمَنْ تحَرَّجَ أَنْ يَأْكُل وَحْده وَإِذَا لَمْ يَجِد مَنْ يُؤَاكِلهُ يَتْرُك الْأكَل] اهـ.
هَذِهِ يُقال: إنها كَانَت عادة لبعض العرب أنَّه لا يأكل إلَّا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه لم يأكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع ولا يأكل إلَّا أن يجد أحدًا يأكل معه، وهَذَا لا شَك أنَّه دَليل على الكرم، لكنَّه كرم فيه إفراط.
стр. 410
القصد: أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قَالَ اللهُ : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، وهَذَا في باب الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النَّبِيّ ﷺ بِذَلِك وأخبر أن في ذَلِك بَرَكَة، وَذلِك لما شكى إلَيْه رجل أنَّه كَانَ يأكل ولا يشبع؛ فقال له النَّبِيّ ﵊: "فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ" (١).
فاجتماع النَّاس على الأكل من أَسْبَاب البَرَكَة، كما أنَّه أيضا من أَسْبَاب الألفة والمودة؛ لأَن أهل البَيْت متفرقون في أعمالهم، فإذا لم يكن شَيْء يجمعهم، وهو الأكل، فمتى يجتمعون، لكن من المؤسف أن هَذِهِ السُّنَّة أصبحت مفقودة عند كثير من النَّاس، تجد الْأَبّ يأكل وحده، والْوَلَد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، واللاتي يُمْكِن أن يجتمعن النِّساء، أما الرِّجَال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هَذَا خلاف السُّنَّة، السُّنَّة أن يجتمع النَّاس على الأكل، ينتظر بعضهم بعضًا، لا يضرّ إِذَا تأخر بعض الوقت في انتظار صاحبه؛ لأنهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا وهَذَا يجلب المودة والألفة، لكن كون الْوَلَد لا يرى أباه أبدًا، يسهر الْوَلَد بالليل وأَبوه ينام مبكرًا، وبالنَّهار أَبوه يطلب المعيشة والْوَلَد يدرس، وفي الأكل أَبوه يصلي مع الجَماعَة وهو قاعد يتغدّى مثلًا أو ما أشبه ذَلِك، إِذَنْ متى يَكُون الاجتماع ومتى تَكُون الألفة بين النَّاس؟ !
стр. 411
هل الأفضل الآن أن يأكل الرَّجل وأهل بيته من رِجال ونساء؟
هَذَا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حَتَّى الرِّجَال مع النِّساء، وقد شاهدنا من السَّلف السَّابِقين من يأكلون جميعًا هم وأَبوهم، وقد كنا عند أخوال إِذَا أصبحنا عندهم نجدهم كلهم يجتمعون.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لَكُمْ لَا أَهْل بِهَا ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ قُولُوا السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد الله الصالحِينَ فَإنَّ المَلَائِكَة تَرُدّ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ بِهَا أَهْل فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سِيَاق الشَّرط، فتكون عامَّة في بُيوت الْإِنْسَان وبُيوت غيره.
وقَوْلهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إن كَانَ بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمّيَ سلامًا على النَّفس وهو على الغير؛ لأَن المُؤْمِنِينَ نفس واحدة، كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذَا اشْتكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى كُلُّهُ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى" (١).
ويُمْكِن أن يُقال: لكن على بُعد أنك إِذَا سلّمت علَيْه فقد سلّمت على نفسك؛ لأنك أنت السَّبَب في رده، والمتسبب كالمباشر مثل قَوْل الرَّسُول ﵊: "يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ، "، بعد أن قالوا: كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجل وَالِدَيْهِ (٢).
стр. 412
فيُمْكِن أن نجعل وجْه كونِه على أنفسِنا أَنَّنا إِذَا سلّمنا رد علَيْنا، لكنَّه في الحَقيقَة قد يتخلف فيما إِذَا لم يرد، لكن إِذَا سلّمت فقد سلّمت على نفسي رَدَّ أم لم يرد، حَتَّى لو فرض أنَّه لم يردّ عليّ؛ فقد امتثلت الْأَمْر، وإن كَانَت بيوتًا لَيْسَ فيها أحد فإن الْإِنْسَان يسلم علَى نفْسِه، يَقُول: السَّلام علَيْنا وعلى عباد الله الصَّالحين؛ لأَن هَذَا هو السَّلام الَّذِي علّمه النَّبِيّ ﷺ أمته أن يسلّموا على أنفسهم، كما في الصَّلاة.
قَوْلهُ: ﴿تَحَيَّةً﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَصْدَر حَيَّا] اهـ.
يعني تحيون تحية.
وقَوْلهُ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافها الله إلَيْه؛ لأَنَّه هو الَّذِي شرعها وأمر بها؛ يعني؛ هَذِهِ التحية من عند الله، أو لأَنَّه غايتها، أي: الَّذِي تنتهي إلَيْه هَذِهِ التحية ليثيب عَلَيْها ويجيبها؛ لأنك تقول: السَّلام علَيْنا أو السَّلام عليكم، فهي تُطلب منه؛ فهو غايتها، أو هو مشرعها.
وقَوْلهُ: ﴿مُبَارَكَةً﴾ معنى (مباركة) أي: ذات بَرَكَة، والبَرَكَة - كما تقدَّم -: هي الخَيْر الكثير الثَّابت.
قَوْلهُ: ﴿طَيِّبَةً﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مُثَابًا عَلَيْهَا] اهـ.
وهَذَا من الطيب أن تَكُون مثابًا عَلَيْها، لكن من الطيب أيضًا أن تَكُون موافقة لشريعة الله؛ لأَن الأعْمَال الصَّالحة والطيبة هي الموافقة للشَّرع بأن تَكُون مُخْلِصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رَسُول الله ﷺ .
قَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: يُفَصِّل لَكُمْ مَعَالِم دِينكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ تَفْهَمُوا ذَلِك] اهـ.
стр. 413
قَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ تقدَّم أَنَّنا نعرب (الكاف) اسمًا بمَعْنى (مثل)، على أنَّها مفعول مطلق لـ ﴿يُبَيِّنُ﴾، أي: مثل ذَلِك البَيان يبين، و ﴿الْآيَاتِ﴾ سبق أن المُراد بها الشَّرْعِيَّة والْكَوْنِيَّة، فالشَّرْعِيَّة ما جاءت بها الرُّسل، والْكَوْنِيَّة مخلوقات الله الَّتِي نشاهد ونسمع.
وقَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (لعل) هَذِهِ للتَّعليل، أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العَقْل هُنا: الفَهْم، على ما مشى علَيْه المُفَسِّر ﵀.
ولكن الأصح أنَّه أعم من ذَلِك، وأنه الفَهْم وحسن التصرف؛ لأَن العَقْل كما تقدَّم نوعان: عقل الإدراك وعقل التصرف.
فعقل الإدراك هو مناط التكليف الَّذِي يتميز به الْإِنْسَان عن المجنون، وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر.
وعقل التصرف هو إحسان التصرف، أن يتصرف الْإِنْسَان تصرفًا مبنيًّا على عقل؛ لأنَّه من العقال؛ إِذْ يَعْقِلُ صاحبه فيحسن التصرف، هَذَا يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهما لم يحسنا التصرف فهما غير عَاقِلَيْنِ، ولِهَذَا دائمًا ينفي الله العَقْل عن الْكُفَّار، مع أنهم من أذكى النَّاس وأفهمهم، لكن لَيْسَ عندهم حسن التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد علَيْه الْإِنْسَان هو عقل التصرف، أما العَقْل الأوَّل فلا يُحمد عليه؛ لأنَّه لَيْسَ من كسبه.
المُهِمّ أن المُراد بالعقل هُنا لَيْسَ مُجرَّد الفَهْم؛ لأَنَّنا إِذَا فسّرناه بمجرد الفَهْم حوّلناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك لَيْسَ مناطًا للمدح، وإنَّما المناط للمدح عقل التصرف الَّذِي يحسن به الْإِنْسَان التصرف، وهَذَا هو المُراد بهَذِهِ الآية:
стр. 414
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] أي: تدركون ذَلِك وتحسنون التصرف بمقتضى هَذِهِ الآيَات الَّتِي بينها الله لكم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان رحمة الله في نفي الحرج عمّن يستحقه؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، ويلحق بِذَلِك سائر العاهات؛ فلو فرضنا أن الْإِنْسَان كُلّف بالكتابة والكتابة واجبة إِذَا دُعي الْإِنْسَان إلَيْها كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢، ]؛ يعني: لو دعاك إِنْسَان لِتكتُبَ بينه وبين آخر وثيقة وأنت قادر فقد وَجَبَت عَليْك الكِتابَة، فإذا كنت ضعيف النَّظر لا تَسْتَطِيع؛ فلَيْسَ علَيْه حرج، ولو لم تكن أعمى.
والعاهات إن كَانَت كاملة عذر الْإِنْسَان عذرًا كاملًا، وإن كَانَت ناقصة فبحسبه؛ فالحُكْم يدور مع علته.
الفَائِدة الثَّانية: بَيان سهولة هَذِهِ الشَّريعة بنفي الحرج عمّن لا يستحقه.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الأَحْكام تدور مع عللها؛ فإذا وُجدت العِلَّة في الحُكْم ثبت، وإذا انتفت انتفى الحُكْم؛ لأَن نفي الحرج عن هَؤُلَاءِ إنما كَانَ لِهَذِهِ العِلَّة الَّتِي فيهم؛ فإذا بَرِئَ المريض واسْتَقَام، ومَشى الأعرج، ورَدَّ الله البصر على الأعمى، انتفى هَذَا الحُكْم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين.
الفَائِدة الرَّابِعَة: جَواز الأكل من بيوت هَؤُلَاءِ المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن، إلَّا إِذَا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون؛ فإنَّه لا يجوز الأكل من بيوتهم.
стр. 415
الفَائِدة الخَامِسَة: أن مال ابن الْإِنْسَان مالٌ له، لقوله ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكلْتُمْ مِنْ كسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ" (١)، وجه الدَلالَة من الآيَة أنَّه لم يذكر الأولاد، فدل على أن المُراد بالبُيُوت بيوتكم وبيوت أولادكم.
الفَائِدة السَّادِسَة: تحكيم العادة في الْأُمُور، لأَنَّه إنما أبيح لنا الأكل من هَذِهِ البُيُوت؛ لأَن العادة والعرف الرضا بِذَلِك، ومعْرُوف أن القريب والصَّديق وما لك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم مسامحون في الأكل، ولكن سبق أن الْإِنْسَان لا يحمل شيئًا، بل يأكل ولا يحمل، ولِهَذَا أجاز الله الأكل فقط.
الفَائِدة السَّابِعَة: جَواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقَوْلهُ: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾، ولكن الأفضل كما تقدَّم الاجتماع.
الفَائِدة الثَّامِنة: مشروعية السَّلام عند الدُّخول إلى البُيُوت، لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكان هَذَا من هدي النَّبِيّ ﷺ ، إلَّا أن يبدأ الْإِنْسَان بشَيْء قبل السَّلام وهو السواك (٢)؛ فإذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك ثم يسلم على أهله؛ هَذَا لأَن الغالِب في وقتنا هَذَا أنهم لا يَكُونون عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسَّلام عليهم قبل.
الفَائِدة التَّاسِعَة: فضيلة السَّلام فقد وصفه الله تَعَالَى بثلاثة أوصاف، تحية من عنْدَه مباركة طيبة، وَذلِك من الآيَات الَّتِي بيّنها الله تَعَالَى للعباد وأوضحها لهم، لما في ذَلِك من جلب المودة والمحبَّة والخَيْر، وقد أمر النَّبِيّ ﵊ بالسَّلام،
стр. 416
وقال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الجَنّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، إنْ شِئْتُمْ دَلَلْتكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِنْ فَعَلْتُمْ تَحَابَبْتُمْ؟ " قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: "أَفْشُوا السَّلَامَ بيْنكُمْ" (١).
وهَذَا - لا شَك - دَليل على فضله، فيدُلّ على أنَّه أفضل من قَوْل الْإِنْسَان: (أهلًا وسهلًا) وشبهه، وعلى أن الْإِنْسَان لو أجاب السَّلام بـ (أهلًا وسهلًا) لم يُجزِه؛ لأَن (أهلًا وسهلًا) لا توصف بأنَّها تحية من عند الله مباركة طيبة، أما (السَّلام عليكم) أو (وعليكم السَّلام) فإنَّه يوصف بأنه تحية من عند الله مباركة طيبة، ولِهَذَا تجدون هَذَا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرَّسُول ﷺ كَانَ إِذَا سلّم على النَّبِيّ الَّذِي يواجهه في السَّماء رد ﵇ وقال: مرحبًا بالابن الصَّالح؛ في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصَّالح؛ فيمن عداهما: مرحبًا بالأخ الصَّالح والنَّبي الصَّالح (٢)؛ فيرحبون بعد أن يردوا السَّلام، وكونه يَقُول في الحَديث: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ، ... " دَليل على أن هَذَا لَيْسَ من رد السَّلام، وهَذَا أمر معْلُوم، ولكن مع الأسف أن النَّاس الآن هجروا هَذَا، وصَارَ غالب النَّاس إِذَا سلمت عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا أو هلا أو مرحبًا، وهَذَا لا يُجزئ ولا يجوز الاقتصار عليه.
لو قَالَ قَائِلٌ: هل فضيلة السَّلام تطبق على المحادثة التليفونية؟
الجواب: كلما حادثت أحدًا تسلم عليه؛ فالتليفون حَقِيقَة مواجهة، لكنها مواجهة غيبية، فتقول: السَّلام عليكم، ولكن أيضًا مما يؤسف له أن النَّاس الآن
стр. 417
كلهم صغيرهم وكبيرهم، ويُمْكِن أن نقول: عالمهم وجاهلهم لا يفعلون هَذَا، بل يَقُولُونَ: ألو.
لو قَالَ قَائِلٌ: ألَيْسَ تعريب كَلِمة (تليفون) وتسميته هاتفًا أفضل؟
الجواب: أنا أرى أن الأَسْماء الواردة لا بأس أن تبقى على ما هي عليه؛ لأَن الأَسْماء المعرَّبة في اللُّغَة العربيَّة موجودة من قديم؛ فلا بأس أن نقول: تليفون ولا يَلْزَم أن نقول: هاتفًا، كَذلِكَ نقول: راديو، ولا يَلْزَم أن نقول: مذياع. لكن المُشْكِل الشَّيء المخالف للشَّرع؛ أن نبدل كَلِمة شرعيَّة واردة في مثل هَذَا المقام بكَلِمة غير شرعيَّة؛ هَذَا هو المشكل، وإلا: فالأَسْماء الَّتِي تَرِدُ هم الَّذينَ صنعوها وسمّوها بهَذَا الاسْم فلَيْسَ لنا شأن بهم، مع أن بعض العُلَماء يَقُول: لا، هم سمّوها بهَذَا الاسْم مُراعَاة للمعنى لا مُراعَاة لمجرد الصَّنعة، فهم يَقُولُونَ مثلًا: راديو، أظن بمَعْنى مذياع، فما دام أنهم يراعون المَعْنى يَجب أن نأتي باللفظ الَّذِي يدُلّ على هَذَا المَعْنى في لغتنا، والمَسْأَلة هَذِهِ بسيطة، لكن الكَلام على الَّذِي يخالف الشَّرع، أما هَذِهِ المَسائِل فهي أهون.
الفَائِدة العاشرة: مطلق السَّلام فيه البَرَكَة، وهو أولى؛ لأَن تقييدنا إياه بما إِذَا قَالَ: "ورحمة الله وبركاته" يَكُون تقييدًا لشَيْء موسع؛ فالنَّبيّ ﵊ دائمًا يسلم يَقُول: "السَّلام عليكم"، ولكن مع ذَلِك نقول: إن الأفضل: "ورحمة الله وبركاته"، لا شَك في هَذَا، إنما إِذَا اقتصر على الأوَّل فإنَّه يصح أن نقول: تحية من عند الله مباركة طيبة؛ لأَن هَذَا وصف للتحية لا وصف لصيغتها، يعني نفس التحية مباركة طيبة ولَيْسَ يشترط أن مجُون فيها لفظ البَرَكَة ولفظ الطيب، وإلا كنا نقول: وطيباته.
стр. 418
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: عناية الله بالخلق؛ حيث إنه يبين لهم الآيَات لأجل أن يتصرفوا تصرف العاقِل فيتبعوا شريعته؛ لقَوْلهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وتقدَّم أن هَذَا العَقْل أو هَذَا البَيان بالنِّسْبَةِ للآيات الشَّرْعِيَّة ما يعرفه إلَّا المُؤْمِنُونَ الَّذينَ آمنوا بها وعقلوها، وأما الآيات الْكَوْنِيَّة فقد يؤمن بها حَتَّى الكافر؛ فالْكُفَّار يؤمنون بأن الله خالق السَّموات والأَرْض، وأنه بيده ملكوت السَّموات والأَرْض، وأنه منزل الغيث ... إِلَى آخِرِهِ.
* * *
стр. 419
الآية (٦٢)
* قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]
* * *
قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر يُفيد إِثْبات الحُكْم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هَذَا فالإِيمَان ثابت لمن وصفوا بهَذ الصِّفات ومنتفٍ عمَّن تخلَّف عنهم منها شَيْء.
قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الإِيمَان باللهِ ورسوله لا يَكُون إيمانًا حَتَّى يتضمَّن القبول والإذعان، أما مُجرَّد التصديق فلَيْسَ إيمان، فلو صدق الْإِنْسَان باللهِ وبرسوله ﷺ ، ولكن لم يقبل ما جاء به ولا أذعن له فلَيْسَ بمؤمن، ولِهَذَا أَبو طالب كَانَ مصدِّقًا بالنَّبيّ ﷺ مع ذَلِك لَيْسَ بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له.
وقَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: إيمانًا صحيحًا يتضمَّن القبول والإذعان.
قَوْلهُ: (﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي الرَّسُول ﷺ ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كَخُطْبَةِ الجُمُعَة؛ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لِعُرُوضِ عُذْر لَهُمْ حَتَى ﴿يَسْتَأْذِنُوهُ﴾] اهـ.
стр. 420
قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني على أمر عامٍّ للمُسْلِمين من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمُسْلِمين لَيْسَ أمرًا خاصًّا بهم إِذَا اجتمعوا لا يذهبون حَتَّى يستأذنوه، لأَن ذهابهم بدون اسْتِئْذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النِّظام، فلو فُرض أنَّه نودي: "الصَّلاة جامعة" واجتمع النَّاس للتشاور في أمر ثم بعد أن حضر النَّاس قام واحد وانصرف بدون اسْتِئْذان نقول: هَذَا حرام ولا يجوز، لأَن هَذَا يؤدي إلى تفكك هَذَا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النِّظام، فإذا اجتمع المُسْلِمُونَ على أمر جامع، يعني: عامًّا من خطبة الجمعة وغيرها، فإنَّه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلَّا بعذر وبعد الاسْتِئْذان، لما في ذَلِك من إضعاف الباقين؛ لأنهم لو رأوا واحدًا يقوم، قام الثَّاني، وقام الثّالث، وقام الرابع، وهَكَذا.
ولا شَكَّ - كما نُشاهد الآن - أنَّه إِذَا قام واحد من المجتمعين فإنَّه يتبعه أناس وَيكُون هَذَا بمنزلة الحائط، أي: الجدار، الَّذِي انهدم منه ثلمة؛ لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثل، يَقُولُونَ: "إذا طاح من طي الركية طية لا تُعِدّ طي الركية إلَّا طاح" الركية: البئر، يعني إِذَا سقط منها حصاة فالباقي يتداعى ولا تعده إلَّا ساقطًا.
فالحاصِل: أن المُؤْمِنِينَ حَقِيقَة إِذَا كانوا مع الرَّسُول ﷺ على أمر جامع، ومعنى ﴿جَامِعٍ﴾ أي شامل وعام كالتجمع للجهاد والتجمع للمشاورة والتجمع لأمر هام يَتعلَّق بالمُسْلِمِينَ عُمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حَتَّى يستأذنوا النَّبِيّ ﷺ .
ثم إن المُفَسِّر ﵀ قيّده بقيد لا بُدَّ منه؛ قَالَ: [لِعُرُوضِ عُذْر لهمْ].
أيضًا لا يذهبون إلَّا لعذر، فلابُدَّ من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولأبدَّ من الاسْتِئْذان ليتبَيَّن لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يَكُون في ذَلِك خلل.
стр. 421
وهَذ قاعِدَة عامَّة لكل اجتماع؛ فكل الاجتماعات العامَّة الَّتِي لمصلَحَة الإِسْلام والمُسْلِمِينَ لا يجوز لأحد أن ينصرف إلَّا بعذر وبعد الاسْتِئْذان.
قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شَكَّ أن تركيب الجُمْلَة على هَذَا يدُلّ على الشَّرف ورِفْعَة المكانة؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أولاء) اسم إِشارَة يدُلّ على تعظيم المشار إلَيْه؛ ولهَذَا جاء بِصيغَة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إِشارَة إلى علو مرتبتهم، ثم جاء مؤكَّدًا بـ (إنَّ) ثم جاء السِّيَاق بالجُمْلَة الاسْمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فحصر الإِيمَان باللهِ ورسوله في هَؤُلَاءِ الَّذينَ يستأذنون رَسُول الله ﷺ قبل أن ينصرفوا إِذَا كانوا معه على أمر جامع.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَمْرِهِم ﴿فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بِالانْصِرَاف ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله أن يَكُون الاسْتِئْذان لشأن من الشُّؤون؛ يعني لأمر من الْأُمُور الَّتِي يعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قَالَ للرَّسول: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه؛ ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾.
وهَذَا التَّخيير؛ هل هو تخيير تشهي وإرادة مطلقة أو تخيير مصلَحَة؟
تخيير مصلَحَة، لكن ما هو الضَّابِط لتخيير المصْلَحة وتخيير التشهي والإِرادَة المطلقة؟
إذا كَانَ التَّخيير من أجل الرفق بالمكلَّف؛ فهو تخيير تشهٍّ؛ مثل ما يوجد في بعض الكفارات: ككَفَّارة الْيَمِين قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ
стр. 422
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وكما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كَانَ الغرض من التَّخيير مُراعَاة التسهيل على المكلف؛ فهو من باب التشهي، يعني الَّذِي تشتهيه افعله.
وإذا كَانَ التَّخيير من أجل مصلَحَة عامَّة أو خاصة، فإنَّه تخيير مصلَحَة، وَذلِك فيما إِذَا كَانَ يَتعلَّق بالغير، فتخيير ولي اليتيم في بَيْع مالِه أو حبسه أو إقراضِه أو عدم إقراضِه، هَذَا من باب تخيير المصْلَحة؛ لأنه يتصرف لغيره، وكَذلِك أيضًا تخيير النَّبِيّ ﵊ في قَوْلهُ: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ هَذَا تخيير مصلَحَة، إِذَا كَانَ إِذْن الرَّسُول ﷺ لِهَوُلَاءِ لا يضر بالجمع.
وفيه أيضًا مصلَحَة بيِّنة أكثر من مصلَحَة بقائهم فهُنا يتعين الإذن، وإذا كَانَ يخشى إن أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هَذَا الجمع أو أن بقاءهم في هَذَا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم؛ فهُنا يتعين ألّا يأذن لهم، فتخيير النَّبِيّ ﵊ هُنا يرجع إلى المصْلَحة: إِذَا اقتضت المصْلَحة الإذن أذِن، وإلَّا فلا.
وقَوْلهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبر بالبعض إِشارَة إلى أنهم إِذَا استأذنوا لشَيْء مهم، وإن لم يكن شؤونًا متعددة فإنَّه يَكُون عذرًا في جَواز الاسْتِئْذان والإذن لهم، ثم مع ذَلِك قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ﴾، هَذَا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم إِذَا انصرفوا عن هَذَا الجمع وفاتهم أجره فاستغفر لهم الرَّسُول ﵊؛ فإن قلوبهم تطيب بالانصراف ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق؛ هَذَا من جهة.
ومن جهة أُخْرَى يستغفر لهم، لأَنَّه قد يَكُون في اسْتِئْذانهم هَذَا أمر لا يُعذرون فيه، هم ظنّوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو لَيْسَ بعذر عند الله، وَيكُون استغفارك
стр. 423
لهم ماحيًا لما عسى أن يَكُون من التقصير والتفريط في ذَلِك واستغفار الرَّسُول ﷺ كأنْ يقولَ: انصرفوا غفر الله لكم، أو: اللهم اغفر لهم.
وقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذَا تقدَّم الكَلام علَيْه مرارًا، وقُلْنا: إن المغْفِرة في جانب الذُّنوب، والرَّحمة في جانب حصول المَطْلوب؛ ففي المغْفِرة النَّجاة من المرهوب، وفي الرَّحمة حصول المَطْلوب.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الإِيمَان ينقسم إلى ناقصٍ وكاملٍ؛ لأَن عدم الاسْتِئْذان في الْأَمْر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معْصِيَة تنافي كمال الإِيمَان، فالإِيمَان قد يُراد به مطلق الإِيمَان ولو بإيمان ناقص، والإِيمَان المطلَق هو الإِيمَان الكامل، ففرق بين مطلق الإِيمَان؛ وهو: أن تضيف كَلِمة (مطلق) إلى إيمان، وبين أن تصف الإِيمَان بالمطلَق؛ فالإِيمَان المطلَق أي: الكامل، ومطلق الإِيمَان أي: أن يَكُون مع الْإِنْسَان أصل الإِيمَان، وإن لم يكن كاملًا؛ ففي قَوْله تَعَالَى في كَفَّارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، المُراد بالإِيمَان هُنا مطلق الإِيمَان؛ لأَنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يَكُون المُعتَق كامل الإِيمَان، بل يكفي أن يَكُون مؤمنًا ولو أن معه أصل الإِيمَان فقط.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهَذِهِ الآية.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]؛ المُراد بالإِيمَان: الإِيمَان المطلَق، يعني: الإِيمَان الكامل، هو الَّذِي يَكُون على هَذِهِ الأوصاف.
стр. 424
الفَائِدة الثَّانية: أن ولي الْأَمْر يَجب علَيْه التيسير على من تحت يده، لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الاسْتِئْذان بدون عذر لا يُقبل؛ لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، أما إِذَا استأذنوا لمجرد أن يتركوا العَمَل؛ فإنَّه لا يؤذن لهم.
الفَائِدة الرَّابِعَة: تفويض الْأَمْر إلى من له ولاية، لقَوْلهُ: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هَذَا التفويض كما أشرنا إلَيْه تفويض للمصلَحَة لا لمجرد التشهي والإِرادَة، بل لا بُدَّ إِذَا رأى أن في الإذن لهم مصلَحَة أذِن لهم، وإذا رأى أن المصْلَحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن.
الفَائِدة الخَامِسَة: عناية الله بعباده المُؤْمِنِينَ، حيث أمر الله النَّبِيّ ﷺ أن يستغفر لهم ليطمئنوا على هَذَا الانصراف.
الفَائِدة السَّادِسَة: أن الأولى عدم الاسْتِئْذان حَتَى وإن كَانَ لِلإنْسان شأن، لأَن الْأَمْر بالاستغفار دَليل على أن هُناكَ شيئًا من التفريط الَّذِي أُمر النَّبِيّ ﷺ بأن يستغفر لهم عليه، وهَذَا صحيح، لا شَك وأن الأولى البقاء مع الجماعَة، وأن الإذن أو الاسْتِئْذان للانصراف أمر قد يَكُون فيه ذم، ولِهَذَا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾.
الفَائِدة السَّابِعَة: انتفاع الْإِنْسَان بدُعاء غيره، لقَوْلهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ والشَّواهد على ذَلِك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كَثيرَة، ولكن هل يَنتفِع الْإِنْسَان بعمل غيره سوى الدّعاء أو لا يَنتفِع؟
الجواب: إن كَانَ له أثر في ذَلِك العَمَل، فإنَّه يَنتفِع به بلا شَك، مثل أن يَكُون
стр. 425
هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنة، يعني: ابتدع العَمَل بها للنَّاس ودَلَّ عَلَيْها، فإن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلام سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
وكَذلِك إِذَا كَانَ له أثر في العامِل مثل أن يَكُون والدًا له لقوله ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكمْ مِنْ كسْبِكُمْ" (٢)، فالوالد يَنتفِع بعمل ابنه إِذَا تبرع به له، ولِهَذَا جاء رجل إلى النَّبِيّ ﵊، وقال: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" (٣).
وكَذلِك المَرْأَة الَّتِي سألت النَّبِيّ ﷺ أن على أمها صوم شهر، فهل يجزيء أن تصوم عنها؟ فأذن لها النَّبِيّ ﵊ (٤).
وكَذلِك الأضحية؛ فإن الرَّسُول ﷺ ضحى عن أمته، وفيهم من هو حي وميت (٥).