والمُفَسِّر ﵀ لم يذكر القِراءَةَ الثَّانيةَ، وهي قِراءَة الرفع ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، وعلى قِراءَة الرفع نقول: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُه ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
قَوْلهُ: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ أي: لا بُدَّ أنْ يقولَ: أشهدُ، قَوْلهُ: ﴿بِاللَّهِ﴾ متعَلِّق بشهاداتٍ، فلا يكفي أنْ يقولَ: أشهدُ أنَّ امرأتَه كذا وكذا، بل لابُدَّ أنْ يقولَ: أشهدُ باللهِ، لِتَتَضَمَّنَ الشَّهادة شَهادة وقسمًا، ولهَذَا أُجِيبتْ بجواب القَسَمِ، وهو قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
إِذَنْ لابُدَّ أنْ يشهدَ شَهادةً باللهِ لتكونَ شَهادة مقرونةً بالقَسَمِ، والدَّليلُ على هَذَا أنَّه أُجِيبَ بما يُجابُ به القَسَمُ، وهو قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فهَذِهِ الجُمْلَةُ الخبريةُ مُؤَكَّدَةٌ بالشَّهادة والقَسَمِ و (إنَّ) و (اللَّام)، أرْبَعة مُؤَكِّدَاتٍ، وتُكرر أربعَ مراتٍ، فيصيرُ تأكيدًا من وراء تأكيدٍ، فإخبارُه عن زَوْجَته بأنَّها زنت مُؤَكَّدٌ بهَذِهِ الأرْبَعة.
والشَّهادةُ أربع شَهادَات يعني: أشهد باللهِ إني لمن الصَّادِقينَ.
وقَوْلهُ: ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ والصَّادق هو المُخْبِرُ بما يُطابِقُ الواقِعَ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [فِيمَا رَمَى بِهِ زَوْجَتَهُ مِنَ الزِّنَا] أي: لا بُدَّ أنْ يقولَ هَذَا أو معناه، إما أنْ يقولَ فيما رميتُها به من الزِّنَا أو فيما قذفتُها به من الزِّنَا، أو ما أدى هَذَا المَعْنى، المُهِمّ لا يكفي أنْ يقولَ: أشهدُ باللهِ إني لمِنَ الصَّادقينَ؛ لأنَّه قد ينوي به الصَّادِقينَ في غير هَذ القَضيَّة.
وظاهر القُرْآن الكَرِيم أنَّه يُجْزي؛ لأَن الله لَمْ يَقُلْ: "فيما رميتُها به من الزِّنَا"، فهَذَا جائزٌ، لكنَّه لو نوى أنَّه من الصَّادِقينَ في قَوْل آخر، فإنَّه لا ينفعه، لأَنَّه كما جاء
стр. 26
في الحديث: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ" (١).
فأنتَ وإنْ نويتَ خلاف ذَلِك، فأنتَ إنما اسْتَشْهَدْتَ على ما رميتَها به من الزِّنَا، فسواءٌ ذكرتَه أم لم تذكُرْه لا يختلفُ الحُكمُ، ولهَذَا فالقرآنُ لم يُقَيِّدْهُ بِذَلِك، بناءً على أن المقام يُعَيِّنُه، وأن مَنْ نيتُه خلاف ذَلِك لا تنفعه نيتُه؛ لأَن الْيَمِين على ما يُصَدِّقُكَ به صاحبُكَ أي خَصْمُكَ.
لكن لو أنَّه قَالَ ذَلِك أو هي طلبَتْ ذَلِك مثلًا أو الحاكم طلب منه ذَلِك، فإنَّه أَوْلَى لأجل أن يطمئنَ الْإِنْسَان أكثر، فلو أن القَاضِي مثلًا خاف من أن يَتَأوَّلَ وإن كَانَ تَأَوُّلُه لا ينفعه، فإنَّه إِذَا أمره أنْ يقولَ ذَلِك فَلْيَجبهُ للطُمَأْنينة.
ولكن لو قَالَ قَائِلٌ: هل يَجب على الزَّوج أنْ يقولَ: أشهدُ أربعَ شَهادَات باللهِ على ما رميتُها به من زنا؟
الجواب: لا يَجب أنْ يقولَ: على ما رميتُها به من زنا، وإن كَانَ لَيْسَ موجودًا في الآيَة، لكن المقام يعيِّنه.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: الحكْمَةُ في تَشْريع الله جَلَّ وَعَلَا؛ لأَن هَذ الآية مُستثناةٌ في الحُكْم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، ولو أن هَذه الآيَة بقيت على ما هي علَيْه لوجب أنْ يُجْلَدَ الزَّوجُ.
стр. 27
والحكْمَةُ هُنا أنَّه خص الزَّوج بهَذَا الحُكْم من حكم الَّذِينَ يرْمُون المُحْصَناتِ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦].
وهَذَا من التَّخصِيص المنفصل؛ والتَّخصِيص نوعان:
١ - تَخْصِيص متصل.
٢ - تَخْصِيص منفصل.
أمَّا التَّخْصِيصُ المتصلُ فيَكُون بالاسْتِثْناء أو الصِّفة أو الشَّرْطِ.
مثال التَّخصِيص بالاسْتِثْناء قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢ - ٣].
ومثال التَّخصِيص بالصِّفَة: "أَكرِم الطَّالبَ المجتهدَ"، المجتهد خَصَّصْتُه بالصِّفَةِ المتصلةِ.
ومثال التَّخصِيص بالشَّرْطِ: "أَكرِم الطالبَ إنِ اجْتَهَدَ"، "قَرّر رَوْضَةَ النَّاظرِ إن كانوا يعرفون أصول الفِقْه".
التَّخصِيص الَّذِي في الآية هو منفصلٌ، حيث خَصَّصَتْ عمومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤] لأنَّه لو بقيتِ الآيَة الأولى عَلى عُمومِها لكان الزَّوج إِذَا قَذَفَ زوجتَه يثبتُ له الأَحْكامُ الثَّلاثَةُ السَّابقةُ، لكن الزَّوج انفرد عن غيره بهَذَا الحُكْم.
إِذَنْ تَخْصِيصُ الأَزْواج من عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ خُصِّصَ بمُخَصصٍ منفصلٍ لأنَّه نصٌّ مستقلٌ.
стр. 28
وما الحكْمَةُ من تَخْصِيص الأَزْواج بهَذَا الحُكْم دون غيرهم من القَذَفَة؟
تَقَدَّمَ أن هَذَا من حِكمة التَّشْريع، والحكْمَةُ أن الزَّوج لا يُمْكِن أن يَقْذِفَ زوجتَه بالزِّنَا إلا والْأَمْرُ كما قَالَ؛ لأَن زنا زَوْجَته عارٌ عليه؛ لأنَّها حَرْثُه، فإذا قذفَها بالزِّنَا أصبح الْأَمْر شديدًا وعَظِيمًا، إِذْ إنَّ هَذَا يُوجِبُ التشكيكَ في أولاده عند النَّاس، ويوجبُ العارَ علَيْه حيث يُقال: هَذَا الرَّجل ديوث كَانَ يقرُّ الْفَاحِشَة في أهله؛ لأَن النفوسَ قد تقول: لَيْسَت هَذ أول مرةٍ يعثر، فهو لن يعثرَ إلا في المرة الثَّانية والثَّالِثَة، وما أشبه ذَلِك، إِذْ إنَّ الزِّنَا عادةً لا يأتي علنًا، بل يأتي سرًّا، والسِّرُّ لا يظهر في أول مرة.
فلمَّا كَانَ زنا الزَّوْجَة عارًا على الزَّوج صَارَ لا يُمْكِن أن يَقْذِفَ زوجتَه بالزِّنَا إلا والْأَمْر كما ذكر، ولهَذَا خُصَّ من بين سائر القاذِفين بهَذَا الحُكْم، وهل يُعتبر قذفُه رميًا أو شَهادةً؟ يُعتبر شَهادةً.
الفَائِدة الثَّانية: أنَّه لا يصِح اللِّعان إِذَا قَذَفَ أجنبيةً ثم تزوجها، أي: لو قذفَ امرأةً أجنبيةً ثم تزوَّجها فلا لِعانَ؛ لقَوْلهُ: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وإنما يحدُّ للقَذْفِ.
الفَائِدة الثَّالِثَة: عمومُ الآيَة في قَوْلهُ: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ يشملُ ما قبل الدُّخول وما بعده، فلو عَقَدَ على امرأةٍ ثم رماها بالزِّنَا أُجْرِيَ بينهما اللِّعانُ؛ لأنَّها زوجتُه.
الفَائِدة الرَّابِعَة: أنَّ رَمْيَ غيرِ الزَّوْجَة ولو كَانَت الأم أو البنت أو الأخت ممَّن يلحقهم عارُه فهو لَيْسَ كقذف الزَّوْجَة، بمَعْنى أن الرَّجل لو قَذَفَ أقربَ النَّاس إلَيْه بالزِّنَا طُبِّقَ علَيْه أحكامُ القاذِفين الثَّلاثَة السَّابقة بخلاف الزَّوج، ووجه ذَلِك ما سبق من الإِشَارَة إلى الحكْمَةُ.
стр. 29
الفَائِدة الخَامِسَة: أنَّ البَدَلَ يُجْعَلُ له حُكم المُبْدَلِ منه، فلمَّا كَانَت البيِّنة على الزِّنَا أرْبَعة شهود، وكان الزَّوج إِذَا قَذَفَ زوجتَه بالزِّنَا يعتبر شاهدًا، والتعدد الشَّخْصِيّ في حقه ممتنعٌ، جُعل التعددُ في نفس الشَّهادةِ.
وَيكُون هَذَا تقريرًا للقاعِدَة المَشْهُورَة المعْرُوفة أنَّ البَدَلَ له حُكم المُبْدَلِ منه، فلمَّا كَانَت شهادةُ الزَّوج على زَوْجَته بالزِّنَا بمنزلة شهادةِ رجلٍ صَارَ تَكرارُها بمنزلة تَكرارِ الرِّجَال وتَعَدُّدِ الشُّهودِ.
الفَائِدة السَّادِسَة: تعظيم هَذَا الْأَمْر بحيث لا يُكتفى فيه بالشَّهادةِ المجرَّدَة؛ بل لا بُدَّ من شهادةٍ مقرونةٍ بيمينٍ فيقول: أشهدُ باللهِ! أشهدُ باللهِ!
لو قَالَ: أشهدُ باللهِ إني لَصادقٌ هل يُجْزِئُ أو لا بُدَّ أنْ يقولَ: إنه لمَنَ الصَّادِقينَ؟
قَالَ الفقهاءُ في هَذِهِ المَسْألة: لا بُدَّ أن يَكُون باللفظ، وفي نفسي من ذَلِك شَيْء؛ لأنَّ هَذ لَيْسَتْ ألفاظَ ذِكْرٍ يَتَعَبَّدُ الْإِنْسَان بها، إنما هي ألفاظٌ يُقْصَدُ بها إِثْباتُ ما شهد به.
ولا شَكَّ أن الأَوْلَى والأَحْرى والأَبْرَأَ أنْ يقولَ ذَلِك بلفظ القُرْآن، لكن لو قَالَ: إني لصادقٌ؛ فالظَّاهِر أنَّه يُجْزِئُ؛ لأَن المَقْصُودَ بقَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إِثْباتُ الصِّدق أو الشَّهادة باللهِ على صِدْقه.
* * *
стр. 30
الآية (٧)
° قَالَ اللهُ : ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور: ٧].
قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ خَبَرهُ في تأويل مَصْدَرٍ، وقَوْلهُ: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ اللعنةُ: هي الطَّرْدُ والإبعادُ عن رحمة الله.
وقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هَذَا شرطٌ في الدُّعاء علَى نفْسِه بِاللَّعْنِة، أي: إن كَانَ كاذبًا فلعنةُ الله عليه، وإن كَانَ صادقًا فلا لعنةَ، وقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي فيما رمى به زَوْجَته من الزِّنَا فإنَّه مستحقٌّ للعنة الله الَّتِي هي الطَّرْد والإبعاد.
ومناسبةُ ذكر اللَّعنةِ هُنا في مقابل كذبه؛ لأَن كلامه في الحَقيقَة يتضمَّنُ إبعادَ زوجتِه واتهامَها بما هي بريئةٌ منه؛ ولِذَلك جاء بذكر اللَّعْنة، بخلاف المَرْأَة فإنها تأتي بأمرٍ آخَرَ، كما سيأتي إِنْ شَاء اللهُ.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: وُجوبُ قَرن هَذ الشَّهادة المؤكَّدة باليمين في الخَامِسَة بِاللَّعْنِة بالنِّسْبَةِ للزوج، وبالْغَضب بالنِّسْبَةِ للزوجة.
الفَائِدة الثَّانية: أنَّه يَجب البداءَة بشهاداتِ الزَّوج، والدَّليل من الآيَة أنَّه لمَّا قَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ قَالَ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ ولا يتم الْعَذَاب عَلَيْها إلا إِذَا شهد الزَّوج، هَذَا من جهة الأثر أو الدَّليل.
стр. 31
أما من جهة النَّظر أن الزَّوج مُدَّعٍ في الحَقيقَة، وأيهما يُبدأ به المدعِي أو المُنْكِر؟ الَّذِي يُطلَب منه إِثْبات الدعوى هو المُدعي، فيُقال له: هاتِ بيِّنةً، وإذا لم توجد بينة رجعنا إلى المُنْكِر، وهو المُدَّعَى عليه.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أنَّه لا بُدَّ أن يُؤَكِّدَ الشَّهادةَ بـ (إنَّ) و (اللَّام) مع الْيَمِين السَّابقة، لقَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فلو قَالَ: "أشهدُ باللهِ أني صادقٌ"، فإنَّه لا يكفى، لا بُدَّ أن يأتي باللَّام، لأَن اللَّام تفيد زيادةَ تأكيدٍ وتقوية.
الفَائِدة الرَّابِعَة: جَواز الدُّعاء مُعَلَّقًا بالشَّرْطِ؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهي تقول: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، ففيه دليل على جَواز الدُّعاء مُعَلَّقًا بالشرط، وقد جاء مثله أو قريبٌ منه في الاستخارة: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْر خَير لي فِي دينِي وَمَعَاشِي ... " (١).
وكما جاء الشَّرط مقيدًا في دُعاء الخالق، جاء مقيدًا في تَشْريع الشَّرع؛ أي في الأَحْكام الشَّرْعِيَّة، مثل ما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ ﵁ لمَّا قالتْ: يا رَسُول الله، إني أريدُ الحجَ وأَجِدُنِي شَاكِيَةً، قَالَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّيَ حَيْثُ حَبَسْتَنِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ" (٢).
وَكَما يجوزُ الشَّرط في دُعاء المَسْأَلة يجوزُ في دُعاء العِبادَةِ، كما في حديث ضُبَاعَةَ
стр. 32
بنتِ الزُّبَيْرِ ﵂.
وهَذَا يشهد لرؤيا رآها شيخُ الإِسلام ابنُ تيميةَ ﵀ قَالَ: إنه رأى النبيَّ ﷺ ذاتَ ليلة فسَأَله عن أشياءَ، منها الرَّجل يُقَدَّمُ إلى الإمامِ ليُصَلِّيَ علَيْه وهو يشكُّ في إسلامِه، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : عَلْيَكَ بالشَّرطِ يَا أَحْمَدُ (١).
والشَّرط مثل قَوْل الإمام إِذَا شك في إِسْلام صاحبِ الجِنازةِ: اللهمَّ إنْ كَانَ مؤمنًا فاغفرْ له وارحمْه، وهَذَا جائز، وشاهده هَذ الآية وحديث الاستخارة في دُعاء المَسْأَلة.
والدَّليل في دُعاء العِبادَة حديثُ ضُباعة بنتِ الزُّبَيْر، إِذْ قَالَ لها النَّبِيُّ ﷺ : "حُجِّي وَاشْتَرِطِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ".
* * *
стр. 33
الآية (٨)
° قَالَ اللهُ : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨].
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَدْرَأُ﴾ أَي يَدْفَعُ ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ حَدَّ الزِّنَا الَّذِي ثَبَتَ بِشَهَادَاتِهِ] اهـ.
الرّجل إِذَا قذفَ زَوْجَته بالزِّنَا، وأتى بشهود أربع يشهدون أنَّها زنت، وأنهم رأوا ذكر الزَّاني في فرجها، فلا نحتاج لِعَانًا؛ لأنَّ اللِّعانَ ذُكِرَ فيمن لم يكن له شاهدٌ إلا نفسه.
وإذا شهد على ما رماها به وأَقَرَّتْ بِذَلِك أُقِيمَ عَلَيْها الحَدُّ، وإذا لم تُقِرَّ فإنها حينئذٍ تُلاعن.
فالخُلاصَةُ: أنَّه إِذَا رمى الرَّجل زوجتَه بالزِّنَا فلا يخلو الْأَمْر من ثلاث حالات:
• إما أنْ يُقِيمَ بينة فنُقِيمَ عَلَيْها الحدَّ.
• وإما أن تُقِرَّ فَيُقام عَلَيْها الحدُّ بالْإِقْرار.
• وإما أن تنكرَ، وهنا يُطلب اللِّعان.
стр. 34
فإذا شهد الرَّجل أربع شَهادَات باللهِ أُقيم عَلَيْها الحَدُّ، لكن لها أنْ تدفعَ هَذَا الْحَدَّ بشهاداتٍ تُنْقِضُ شهادَاتِه.
إِذَنْ المُراد بالْعَذابِ في قَوْلهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ هو حَدُّ الزِّنَا، وأما قَوْل فقهائنا ﵏: "إن المُراد بالْعَذابِ الحبسُ حَتَّى تُقِرَّ أو تُلاعِنَ"، فهَذَا قولٌ ضعيفٌ جدًّا لا دليلَ عليه؛ لأنَّه لا ذكر للحبس في الآيَة، بل هي صريحةٌ في أن الَّذِي يندفع هو الْعَذَاب؛ أي حَدُّ الزِّنَا؛ بِدَلِيل قَوْلهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
ولو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا أنكرتِ المَرْأَة ماذا نعمل؟
الجواب: نقول للرَّجُلِ: اشهدْ على ما قلتَ أربعَ شَهادَات باللهِ إنكَ لمن الصَّادِقينَ، والخَامِسَة أنَّ لعنةَ الله عليكَ إن كنتَ من الكاذِبِين، فإذا شهدَ يثبتُ عَلَيْها الحدُّ؛ أي حَدُّ الزِّنَا، وهو الرَّجْمُ إنْ كَانَت مُحْصَنَةً، والجلدُ مع التَّغْريب إنْ كَانَت غيرَ مُحصنةٍ.
ولو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن تَكُون الزَّوْجَة غيرَ مُحصنةٍ؟
الجواب: يُمْكِن بأن يعقدَ عَلَيْها ولا يُجامِعها فتكونَ غيرَ مُحصنةٍ.
فإذا ثبتَ الحْدُّ عَلَيْها بشَهادَة الزَّوج، فلها أنْ تُسْقِطَ هَذَا الحْدَّ بشهاداتٍ تقابلُ شهاداتِه، ولهَذَا يَقُول الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ أي: شهاداتها ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزِّنَا.
فإذا شهدَ عَلَيْها، فإنْ لاعنَتْ قبلنا منها، وإن أبَتْ لا نقيم عَلَيْها حد الزِّنَا، بل نحبسها حَتَّى تُقِرَّ بالزِّنَا أو تلاعنَ، وأمَّا الآيَة فتدل على أنَّه إِذَا لم تلاعن نقيم عَلَيْها الْحَدَّ مباشرةً.
стр. 35
يَقُول المُفَسِّر ﵀: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا]. اهـ. مُقابِل قَوْلهُ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: ثبوتُ الحدِّ على المَرْأَة بلِعَان الزَّوج إلا إِذَا أنكرتْ ولاعنتْ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾، وقد تقدَّم أن الْعَذَاب هو الحد، والدَّليل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وأما من فسر الْعَذَاب بالحبس؛ أي أن تُحبس حَتَّى تُقِرَّ أو تُلاعِنَ، فلا دليلَ علَيْه ولا مُعَوَّلَ عليه.
إِذَنْ يثبتُ الحْدُّ على المَرْأَة بلعان الزَّوج، ويثبتُ إِذَا أتى بالبَيِّنَة، وهَذَا مفهومٌ من الآية السَّابقة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ويثبتُ بأمرٍ ثالثٍ وهو إقرارُ المَرْأَة، لكن إِذَا أنكرتِ المَرْأَة وقالت: هو كاذب، حينئذٍ نقول: لَاعِنْ وأَجيبيهِ على شهاداتِه، فإذا أجابَتْهُ على شهاداتِه سَقَطَ عنها العَذابُ، وإن لم تُجِبْه أُقِيمَ عَلَيْها الحدُّ.
стр. 36
الآية (٩)
• قَالَ اللهُ : ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩].
قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾، يعني: وتشهد الخَامِسَة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قَوْلهُ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ في مقابل قَوْلهُ: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، والغضبُ أشدُّ من اللَّعْنة، فالغضبُ -والعِيَاذ باللهِ- يَلْزَم منه اللَّعْنة وزيادة، بخلاف اللَّعْنة فهي طردٌ وإبعادٌ عن الرَّحمة، لكن هَذَا طردٌ وإبعادٌ مع غضبٍ، وإنما اختير لها ذَلِك -أي: الغَضَب- لسببين:
السَّبب الأوَّل: أن رَمْيَ الزَّوج إياها بالزِّنَا أقربُ إلى الصدق من إنكارها، ولأنَّهُ يبعد أن يرميَ الزَّوجُ زوجتَه بالزِّنَا وهي حليلته، فهَذَا بعيد جدًّا، إلا إِذَا تَيَقَّنَ ذَلِك، لكنَّ إنكارَها أمرٌ متوقع؛ لأنَّها تَدْرَأُ عن نفسها عارَ الْفَاحِشَة، وكَذلِك عن أهلها، كما قالتِ المَرْأَة: "لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ" (١).
السَّبب الثَّاني: أنَّه إِذَا كَانَ الزَّوجُ صادقًا والمَرْأَة تنكر صَارَت تَرُدُّ الحَقّ مع علمها به، ومن رَدَّ الحَقّ مع علمه به فجزاؤه الغَضَب، كحال اليهود الَّذِينَ ردوا
стр. 37
الحَقّ مع علمهم به، فاستحقوا الغَضَب، وأمَّا الضالون فهم الَّذِينَ لَمْ يقولوا الحقَّ لجهلهم به.
لو قَالَ قَائِل: يستطيعُ الزَّوجُ أن يطلقَ زوجتَه ويتخلصَ؟ نقولُ: هو لا يريدُ أن يطلقَها، ولو أَرَادَ ذَلِك ما احتاجَ أن يأتيَ ويرميَها، بل يطلقها.
ولو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن يرمىَ الزَّوجُ زوجتَه كاذبًا؟
الجواب: لا يُمْكِن أن يُقْدِمَ الْإِنْسَان على رمي زَوْجَته بالزِّنَا لمجرد ظنون أبدًا، لا يَكُون ذَلِك إلا بشَيْء رآه ولا يسْتَطيع أن يصبرَ عليه؛ لأَن هَذَا عارٌ عليه، ولهَذَا -كما سيأتي إِنْ شَاء اللهُ- فالْإِنْسَان العفيفُ -في الغالِب- لا يُمْكِن أن يبتليَهُ اللهُ بامرأةٍ تزني، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فلهَذَا فالزَّوجُ نفسُه يجد أن مِنَ العَار أن يشهرَ عند النَّاس أنَّ امرأتَه زانيةٌ، لكن المَرْأَة تجد أنَّه مِنَ العَار أنْ تُقِرَّ علَى نفْسِها؛ ولذا فهي تحاول أن تنكر.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحُكْم لو قالت المَرْأَة لزوجها: طلقني؟
الجواب: هو لن يطلقها لأنَّها ربما تُقِرُّ ويثبت عَلَيْها حد الزِّنَا، وحينئذٍ يتخلص بدون طلاق، لكن إِذَا كَانَ يُرِيد الطَّلاقَ لا يُمْكِن رَدُّهُ؛ لأَنه يجوز له أن يطلقها وإن لم تزنِ.
ماذا يَجب على الرَّجل إِذَا زنت زَوْجَته وأَرَادَ إمساكها؟
الجواب: يَجب إِذَا حصل هَذَا أن يَسْتَبْرِئَها بحَيْضَةٍ، فإن قُدِّرَ أنَّه لمَّا اسْتَبْرَأَها لم تَحِضْ بل حَمَلَتْ فالْوَلَد له؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ
стр. 38
وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ" (١)، حَتَّى لو فوضنا أنَّه حسب تقدير الله من هَذَا الزَّاني فهو ولده؛ لأَن الْوَلَد لِلْفِراشِ.
فإذا لاعنَ لنفي الْوَلَد انتهى الموضوع، لكن اللِّعَان لنفي الْوَلَد فيه خلافٌ، المذهبُ أنَّه لا يجوز أن يُلاعن لنفي الْوَلَد، بل لا بُدَّ أن يقذفها أوَّلا بالزِّنَا، ثم يُلاعِنُ وينفي الْوَلَد.
والصحيحُ أنَّه يجوز أن يُلاعِنَ لنفي الْوَلَد فقط، بأنْ يقولَ: أنا لم أقل: زنت، لكن هَذَا الْوَلَد لَيْسَ مني، وأُلاعِنُ على ذَلِك، ويقول في اللِّعَان: أشهدُ باللهِ، ويشهد أربعَ شَهادَات إنه لمِنَ الصَّادقينَ في أن الْوَلَد لَيْسَ منه، وأنَّ لعنةَ الله علَيْه إن كَانَ من الكاذِبين؛ لأَن المَرْأَة قد تَكُون مُكْرَهَةً لم تَزْنِ، أو مُشْتبَهًا فيها مثلًا؛ لأنَّ مَسْأَلة الزِّنَا صعبةٌ؛ ولهَذَا أوجبَ اللهُ فيه الحدَّ.
وهَذَا الرَّجل لو نفى ولده لا يَجب علَيْه الحْدُّ، ولا على المَرْأَة، ولا يُقالُ لها: إن هَذَا الْوَلَد ابن زنا، ولا يُقالُ له: هَذَا العَمَلُ يُعَدُّ قَذْفًا.
فَعلَى القَوْلِ الصَّحيح، إِذَا حملتْ ولَيْسَ لها زوج فإنها تحدُّ إلا إِذَا ادَّعَتْ شُبْهَةً، أما الَّتِي لها زوج فلا يُمْكِن أن نأتيَها أو نَقْرَبَها.
ولو قَالَ قَائِلٌ: هل ينتفي الْوَلَد عن الزَّوج باللِّعان أو لا ينتفي؟
الجواب: إن نفاه في لِعانه انتفى وإلا فهو ولدُه.
стр. 39
إِذَنْ لا بُدَّ من أن يصرح بنفيه وإلا فهو ولده؛ لأنَّ "الْوَلَد لِلْفِرَاشِ"، كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ".
إذا سكتَ عن الْوَلَد فهو ولده، وإن نفاه انتفى، لكن إِذَا نفى الزَّوجُ الْوَلَد، فَمَنْ يَكُون أبوه؟
الجواب: لَيْسَ له أبٌ شرعًا، ويُنْسَبُ إلى أُمِّه، وهل ترثه أمه ميراثَ أُم أو ميراثَ أُم وأب؟ بما أنَّه يُنْسَب إلى أمه، فتكون أمُّه أمًّا وأبًا، وينبني على ذَلِك صُورَة: لو مات هَذَا الْوَلَد عن أمه الَّتِي ولدته وعن إخوتِه من أُمِّه، كَيْفَ يَكُون الميراثُ؟
الجواب: إِذَا قُلْنا: إن الأمَّ أمٌّ وأب، حَجَبَتْهُم الأم، وصَارَ الميراث لها ولَيْسَ لإخوته شَيْءٌ، فيَكُون لها السُّدس على أنَّها أم، والباقي لها تَعْصِيبًا على أنَّها أب، وهَذَا هو الصَّحيح لحديث: "تَحُوزُ المَرْأَة ثَلَاَثةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (١).
والمَذْهَب يَقُولُونَ: إنها ترثُه ميراثَ أُمٍّ فقط، ويَكُون العاصبُ له عصبةَ أمه، وعلى هَذَا فيَكُون للأم هُنا السُّدسُ، والباقي لإخوته من أمه؛ لأنهم أبناؤها، فهم عصبة الأم، فيَكُون الباقي لهم.
стр. 40
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: الحكْمَةُ في اللِّعان حيث خُصَّ الرَّجل بالدُّعاء علَى نفْسِه بِاللَّعْنِة، والمَرْأَة بالدُّعاء علَى نفْسِها بالْغَضب، وهَذَا سبقت الإِشَارَة إلَيْه، فكَوْنُ الزَّوج يَلْعَن نفسه إنْ كَذَبَ لأَن في اتهامه إياها بالزِّنَا إبعادًا لها عن العفة وعن نفسه وأولاده، فناسب أن يدعو علَى نفْسِه بِاللَّعْنِ الَّذِي هو الطَّرْد والإبعاد.
الفَائِدة الثَّانية: الحكْمَةُ في المُغايَرَة بين الزَّوج والزَّوْجَة فيما يدعو أحَدهما به علَى نفْسِه؛ المَرْأَة بالْغَضب والزَّوج بِاللَّعْنِة.
لو أنَّه عكس وقال الزَّوج: غضب الله عليه، وقالت الزَّوْجَة: لعنة الله عَلَيْها، هل يصحُّ أو لا يصِحُّ؟
الجواب: لا يصِحُّ، حَتَّى قَالَ العُلَماء: لو أبدلتِ الغضبَ بالسّخطِ، أو أبدلَ اللعنةَ بالطَّرْدِ والإبعادِ عن رحمة الله، فإنَّه لا يصِح اتّباعًا للفظ، وهَذَا في الحَقيقَة مَحَلُّ نظرٍ خصوصًا في الطَّرْد والإبعاد، وأما السّخطُ فقد يَكُون بينه وبين الغَضَب فرقٌ، لكن الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله هو معنى اللعن، إلا أنَّنا مع ذَلِك نقول: لا يَنْبَغِي العُدولُ عما جاء به القُرْآن، ونقول للزوج: قل: لعنة الله عَليْك، وللزوجة: غضب الله عَلَيْها.
هل يُشترط أنْ يقولَ: فيما رميتُها به من الزِّنَا، وتقول هي: فيما رماني به من الزِّنَا، أو لا يُشترط؟
الجواب: ظاهرُ القُرْآن أنَّه لا يُشترط، وكَذلِك ظاهرُ السُّنَّة؛ وَذلِك لأنَّه حينما لاعنَ النَّبِيُّ ﷺ بين هِلالِ بن أُمَيَّةَ وزوجتِه لم يقل: لمن الصَّادِقينَ فيما رميتُها به،