← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ للَّهِ، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ، فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجزاءِ. وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ * * *

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * * * * قالَ اللَّه : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * * * الحمدُ للَّه ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحَسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد: تَقَدَّمَ الكَلامُ على البَسْمَلَةِ، وما أكثرَ الكَلامَ عليها في المؤلَّفات؛ لِأَنَّهَا تكون في كل مؤلَّف. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ تقديره (اقْرَأْ)، ويُقَدَّر عندَ كلِّ فِعلٍ بما يُناسِبُه، فعندَ القراءةِ تقولُ: بِاسمِ اللَّهِ أَقرَأُ، وعندَ الأكلِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ آكُل، وعندَ الشُّرْبِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ أَشرَبُ، وعندَ الذَّبحِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ أَذبَحُ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : "فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ" (١). وقدَّروه فِعلًا، لا مصدرًا، يعني قالوا: (باسمِ اللَّه أَقْرَأُ) ولم يقولوا: (باسمِ اللَّهِ قِراءتي) فيقدَّر فعلًا؛ لسَبَبين: أوَّلًا: التَّسْمِيَة على فِعْلٍ، والفعل يَقتضي التجدُّد والحُدُوث، وهَذِهِ فائدة مَعنويَّة. ثانيًا: لأنَّ الأَصْلَ في العَمَلِ هو الفعلُ، فَهُوَ الَّذِي يَقْوَى على أنْ يعملَ محذوفًا،

стр. 4

وحينَئذٍ هو الَّذِي يَحسُن أن يُقدَّر دونَ الِاسمِ، لِأَنَّ عَمَلَ الاسمِ فرعٌ، ليسَ أصلًا، فاسم الفاعِلِ مثلًا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعله لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ به. وقدَّروه مؤخَّرًا، يعني قالوا: يَنبغي أن تقولَ: "باسمِ اللَّهِ أَقرَأُ"، لا "أقرَأُ باسمِ اللَّهِ"، والسَبَبُ: أولًا: التبرُّك بالبداءةِ بـ (باسمِ اللَّهِ). ثانيًا: إفادةُ الحصْرِ، لِأَنَّ تقديمَ المعمولِ يَدُلُّ على الحَصْرِ. وقدَّروه خاصًّا أيضًا، يعني لا تقول مثلًا عندما تُرِيد أن تتوضأ: (باسمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ)، وعندما تُرِيد أنْ تقرأَ (باسمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ)، لِأَنَّهُ أدلُّ على المقصود. إذَن الجارُّ والمجرورُ متعلِّق بمحذوفٍ، يَكُون هَذَا المحذوف فِعلًا متأخِّرًا خاصًّا، والبَسْمَلَةُ كثيرًا ما تقع؛ فعندما تُرِيد أن تتوضأَ تقول: (بِاسمِ اللَّه) التقدير (بِاسمِ اللَّهِ أَتَوَضَّاُ)، وهذا أحسنُ من أن تقدِّر (وُضُوئي بِاسْمِ اللَّهِ) مثلًا، وأحسن من أن تقدِّر (بِاسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ) فتقدِّر الفعل الخاصَّ المتأخِّر. أمَّا (اللَّه) فَهُوَ عَلَمٌ على الذَّات المقدَّسة، ذات اللَّه ، ويَخْتَصُّ به، وأصله (الإِلَه)، لكِن لكثرة الاستعمالِ حَذَفوا الهمزةَ، مثلَما حذفوا الهمزة في (النَّاس)، وأصلها (الأُناس)، إذَن (إِلَه) فِعَالٌ بمعنى مفعولٍ، أي مَأْلُوه، ومعنى مألوه أي معبود، فهَذِهِ اللَّفظة إذَن مُشْتَقَّة وأصلها الإله، والأُلُوهِيَّة هي العِبَادَة. وقوله: (الرَّحْمَنِ) من الأَسْماء المُخْتَصَّة باللَّه ، وهو صفة مُشَبَّهة، وإنما قدَّرناه صفةً مشبهةً لِأَنَّهُ على وزنها، مثل (فَعْلَان) على وزن (غَضْبَان)، ثُمَّ إن الصِّفة المشبَّهة تفيد الثُّبُوت والاستمرار، بخلاف اسْم الفاعل، وإنما جاءت (الرَّحمن)

стр. 5

بهَذِهِ الصيغة لِسَعَةِ رحمة اللَّه ، وبهذا فسَّرَه بعض العلماء بقوله: الرَّحمن ذو الرَّحمة العامَّة، والرَّحيم فَعِيل مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَة أيضًا، لَكِنَّه يُفيدُ الفعلَ، أي: إيصال الرَّحمة إلى المرحومِ، والأوَّل الرَّحمن يُفيدُ الوَصْفَ. ولهذا قالَ تعالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ حينما أراد الصِّفَة المطلَقة، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حينما أراد إيصال الرَّحمةِ إلى المرحومِ. فالحاصِلُ: أنَّ الرَّحمنَ والرَّحيمَ إذا اجتمعا يُفَسَّرُ الرَّحمنُ بأنَّه دالٌّ على الصِّفة أكثر من دَلالتِه على الفعلِ، والرَّحيم دال على الفعلِ أكْثَر من دلالته على الصِّفةِ، وإنْ كانَ كلٌّ مِنْهُمَا يدُلُّ على صفةِ الرَّحمةِ، هَذَا إذا اجْتَمَعَا، أمَّا إذا افْتَرَقَا فمعناهما وَاحِدٌ. * * *

стр. 6

الآية (١) * * * * قالَ اللَّه : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. * * * قال المُفَسِّر (١) ﵀: [﴿تَبَارَكَ﴾ تَعَالَى]، ففسَّر المُفَسِّر التَّبارُكَ بالتعالي. ولا شكَّ أَنَّ هَذَا التفسير فيه نوعٌ من القُصُور؛ لِأَنَّ ﴿تَبَارَكَ﴾ تدل على التعالي بل وعلى كثرة الخير وسَعَتِه ودوامه، فمعناه أَنَّهُ كثُرتْ خيراتُه وعظُمتْ واستمرَّتْ للعِبادِ. قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ هَذَا من جُملة البَرَكَة الَّتِي هي من صفةِ اللَّه أَنَّهُ نَزَّل الفُرقان على عبدِهِ محمَّدٍ ﷺ وقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ فَعَّل تُفِيدُ النُّزُول شيئًا فشيئًا، وهكذا القُرْآن الكريم كان يَنزِلُ على النَّبيِّ ﷺ شيئًا فشيئًا، والكُتُب السابقة كانت تَنزل جُملةً وَاحِدةً؛ لقولِهِ تَعَالَى في هَذِهِ السُّورة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. وقوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يفيد أَنَّ هَذَا القُرْآن كَلامُ اللَّهِ.

стр. 7

فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ليس في هَذَا دليلٌ على أنَّهُ كَلام اللَّه، لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، والماء الَّذِي هو المطرُ ليس صفةً من صفات اللَّه، فلا يَلْزَمُ إذا قال اللَّه: إِنَّهُ نَزَّل القُرْآن أنْ يَكُونَ القُرْآن صفةً من صفاتِهِ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يُضِيفُ التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليسَ من صِفَتِه؟ فالجواب عن ذلك أنْ يُقالَ: إذا أضاف اللَّه تَعَالَى إنزالَ شَيْءٍ إليه فإنْ كانَ هَذَا الشَيْءُ عَيْنًا قائمًا بذاته فليس من صفات اللَّه، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات اللَّه، وإن كان صفةً لا يُمْكِنُ أن تقوم بعَينِها، يعني ليس عينًا قائمًا بذاتِه ولا صفةً في عين قائمةٍ بذاتها؛ لَزِمَ أنْ يَكُونَ صفةً من صفات اللَّه، فالقُرْآنُ كَلام هل يمكن أن يَكُون الكَلام عينًا قائمةً بذاتها؟ لا يُمكِنُ، وهنا لم يُضَفْ إلى أحدٍ من النَّاس حتى نقول: إِنَّهُ صِفَة في عينٍ قائمةٍ بذاتِها، فيَلْزَم أنْ يَكُونَ مخلوقًا كالعينِ القائمةِ به. وعلى هَذَا يَتَعَيَّن أنْ يَكُونَ كَلامًا للَّهِ وصفةً من صفاتِهِ. وكذلك في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ﴾ دليلٌ على صفةِ العلوِّ للَّهِ . وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القُرْآنُ، وُصِفَ بذلك لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بين الخير والشرِّ، وبينَ الحقِّ والباطِلِ، وبينَ أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطِلِ، وأهل الخير وأهل الشرِّ، فَهُوَ فُرقان في كل شَيْءٍ، وكما أَنَّهُ فُرقان بذاتِهِ يُفرِّق فإنَّ مَن كان من أهلِهِ ولَازَمَه وعَمِلَ به أُوتِيَ هَذِهِ الصِّفَةَ، وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. قوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ إذا كان القُرْآن فُرقانًا بين الحقِّ والباطلِ، وبين الخيرِ والشرِّ؛ لَزِمَ من ذلك أنْ يَكُون بَيِّنًا واضحًا، ليسَ فيه إجمالٌ وليس فيه إشكالٌ، كيف يَلْزَمُ ذلكَ؟ لِأَنَّهُ لو كان فيه إجمالٌ أو اشتباه لم يَكُنْ فُرقانًا؛ لِأَنَّ ما ليسَ بِمُشْتَبِهِ

стр. 8

كيفَ يَكُونُ فُرقانًا، فالفُرْقان يَحتاج أن يَكُونَ واضحًا موضِّحًا بَيِّنًا. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّه يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ وهذا يَقتضي أن يَكُون فيه اشتباهٌ؟ قُلْنَا: المرادُ بالمتشابِهِ هنا الموافِق بعضُه بعضًا، والمُشْبِه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، فهذا من المُتَشَابِه؛ كَقَوْلِهِ : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي متوافقًا ومتشاكِلًا، هكذا القُرْآن متشابهًا، بمعنى أَنَّ بعضَه يُشْبِهُ بعضًا في الحُكْمِ ويُوافِقه ولا يُخالِفهُ، وَأَمَّا قوله : ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فقد بَيَّن اللَّه أَنَّ هَذِهِ المُحْكَمَات إليها المَرْجِع: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وإذا كنَّ أُمَّ الكِتَاب لَزِمَ أن يُرَدَّ المتشابِه إلى المُحْكَمِ، وإذا رُدَّ المتشَابِهُ إلى المحكَم صار الجميع محكَمًا، وهَذِهِ القاعدة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ هي الَّتِي عليها الراسِخونَ في العِلم، وهي الَّتِي يَستريحُ بها الإنْسَانُ منْ الِاحْتِمَالات؛ لِأَنَّهُ يأتينا دائمًا في القُرْآن وفي السنَّة نصوصٌ فيها احْتِمَالاتٌ تَحتمِل كذا وتَحتمل كذا، وعندنا نصوصٌ أُخْرَى واضحة صريحة ليس فيها إشكالٌ، فالواجبُ عَلينا أنْ نَحْمِلَ هَذَا المُشْتَبِهَ على المُحْكَم، أيْ على ما يُوافِقُه ولا يُخالِفُه؛ ليَكُونَ الجميعُ محُكَمًا. مثال رَدِّ المتشابِهِ إلى المحكَم: أولًا: مثال في الخبر: قول اللَّه : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قد يَشْتَبِهُ على الإنْسَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى معنا بذاته، ولَكِن عندنا نصوصٌ محكَمَةٌ تدل على عُلُوِّ اللَّه، وأن المَعِيَّة الذَّاتية الَّتِي يَكُون اللَّه تَعَالَى معنا في كل مكان هَذِهِ مستحيلة، ولهذا الَّذِين في قلوبهم زَيْغٌ اتبعوا هَذَا المتشابِهَ وتركوا المحكَم، وقالوا: إن اللَّه مَعَنا بذاتِهِ في كل مكانٍ.

стр. 9

ثانيًا: مثال في الحُكْم: قال النَّبي ﵊: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (١)، ودخل رجل يوم الجمعة وهو يخطب فجلس فقال: "أَصَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٢) هَذَا مُحْكمٌ واضِحٌ بَيِّن على طلب صلاة الركعتين لكل من دخلَ المسجدَ وألَّا يجلسَ حتى يصليَ ركعتينِ، وفيه حَديث الثَّلاثَةِ الَّذِينَ جَاؤُوا والرَّسول ﵊ في أصحابِهِ، فأَحَدُهم جلسَ وأحدُهم دخلَ الحَلْقَة، والثالث انصرفَ (٣)، وليس في الحديث ما يَدُلُّ على أنَّ أحدًا منهم صَلَّى ركعتينِ، فهذا مُشْتَبِهٌ؛ لِأَنَّهُ قد يَدُلُّ على أَنَّ تحيةَ المسجدِ ليستْ مطلوبةً، لَكِننا لا يمكن أنْ نَدَعَ الحديثَ المحكَمَ مِنْ أجْلِ هَذَا الاحْتِمَالِ، لاحْتِمَالِ أن هَؤُلَاءِ الرِّجالَ الثَّلاثَةَ صَلَّوْا والرَّسول ﷺ يَرَاهُم ولم يُنْكِرْ عليهم، ولاحْتِمَال أن يَكُونوا على غير وضوءٍ، ولاحْتِمَالاتٍ أُخرى، فلهذا لا نَدَعُ المحكَم مِنْ أجْل هَذَا المتشابِهِ، والأمثلةُ على هَذَا كثيرةٌ. وقوله تَعَالَى: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذِهِ العُبُودية أَخَصُّ العُبُودِيَّاتِ الَّتِي يُوصَف بها النَّاس، لِأَنَّ العبودية تَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسامٍ: عامَّة، وخاصَّة، وأخص:

стр. 10

* العامَّة: هي الَّتِي تَشمَل جميع الخَلْق، مثل قوله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، كل الخَلْق عِبَاد اللَّه، ومنها أيضًا قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، استثنَى مَنِ اتَّبَعَه من عِبادِهِ. * الخاصَّة: مثل قوله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. * الأخَصّ: وهي عُبُودِيَّة الرِّسَالة؛ كَقَوْلِهِ في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقوله في مُحَمَّد ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، هَذِهِ أخص مِنَ الأُولى؛ لِأَنَّهَا عُبُودِيَّة خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ، وهو الرِّسَالة. ووصفُ الإنْسَان بالعبوديَّةِ للَّه وإضافتُه إلى اللَّهِ هل هَذَا تشريف أو إهانة؟ تشريف، ولا شك أنَّ له الفخرَ كلَّ الفخرِ بأنْ يَكُونَ عبدًا للَّه . حتى إن الإنْسَان ليحب أن يُنْسَب إلى عبودية غيره من بني الإنْسَان إذا كان يُحِبُّه، وفي هَذَا يقول الشاعر في مَعْشُوقَتِه (١): لَا تَدْعُني إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي يعني: لا تقول: يا مُحَمَّدُ، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عليُّ، لا، هناك اسْم أشرف عنده وهو أن تقول: يا عبدَ فُلانةَ؛ لِأَنَّهُ يَفْخَرُ أن يَكُونَ عبدًا لها.

стр. 11

فالعُبُودية للَّه لا شكَّ أنها مَفْخَرَةٌ للعابدِ إذا أُضيفتْ إلى اللَّهِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْفُرْقَانَ﴾ القُرْآن لِأَنَّهُ فَرَّق بينَ الحقِّ والباطلِ]، وكذلك بين الخيرِ والشرِّ، ثُمَّ قَالَ ﵀: [﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّد ﷺ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي الإنس والجِنّ دونَ المَلائِكةِ]. قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ الضمير يعود على مُحَمَّدٍ ﷺ لقولِهِ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦]، فالنَّذير مُحَمَّد ﷺ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضمير في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ أي الفُرقان نذيرًا للعالمينَ؛ لِقَولِه : ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأَنعام: ١٩]، فجعل الإنذارَ بالقُرْآنِ، ولَكِنْ هَذَا ليسَ براجِحٍ، بل الراجح الأوَّل. أولًا: لِأَنَّ الضميرَ يعود إلى أقربِ مذكورٍ، وقوله : ﴿لِيَكُونَ﴾ الَّذِي قبلَه مباشرةً: ﴿عَبْدِهِ﴾. ثانيًا: أن اللَّه وَصَفَ النَّبي ﷺ بذلك في قولِه : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. وقوله : ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ العَالَم، يقول المُفَسِّر ﵀: [الإنس والجن دون الملائكة]، أَمَّا الإنسُ فظاهِرٌ، وَأَمَّا الجِنُّ فكذلك أيضًا دَلَّتِ النصوص عَلَى أَنَّ النَّبي ﷺ مُرْسَلٌ إليهم. والدليل على هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]. وكذلك النَّبي ﵊ قال لهم: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ

стр. 12

اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحَمًا" (١)، فقَيَّدَهُمْ بأحكامِ الشَّريعة. أما الملائكة فالدليل على أَنَّهُ ليسَ رسولًا إليهم قولُ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فأفادتِ الآية أن الملائكةَ يُرْسَلُ إليهم ملائكة، والنَّبي ﵊ ليس بِمَلَك، ويَقْتَضِي ذلك ألَّا يَكُون رسولًا إلى الملائكة، لكِن على الملائكة أن يُصَدِّقُوا به، وهم بلا شكٍّ مُصدِّقون بالرَّسول ﵊، ولَكِنَّه ليس مَبعوثًا إليهم، ولا مكلَّفًا بتبليغِهم، ﵊. إذَنْ يَكُون قوله تَعَالَى: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ من باب العامِّ الَّذِي أُريدَ به الخاص؛ لِأَنَّ الملائكةَ مِنَ العالمَين، كما في قولِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]، فكلُّ مَن سِوَى اللَّه عَالَم. وقولُه: ﴿نَذِيرًا﴾ النَّذير هو المُخْبِر بما يُخَوِّفُ، والبَشير المُخْبِرُ بما يَسُرُّ وعلى هَذَا يَكُون الرَّسول ﷺ مُخْبِرًا بما يخوِّف، وهذا لا يُنافي أيضًا أن يَكُون بَشيرًا، وقد ذَكَرَ اللَّه الحالينِ في قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ١ - ٣]، فإذَنْ الِاقتصار على البِشارة أو الإنذار في مكانٍ لا يَقتضي نفيَ الثَّاني؛ لِأَنَّ الرَّسول ﷺ موصوفٌ بهذا وهذا. لكِن إذا وَرَدَتِ البِشارةُ مُقَيَّدةً بأمرٍ مَخُوفٍ مثل قوله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، فبعضهم يقول: إن هَذَا على سبيل التهكُّم بهم؛ لأَنَّهُمْ

стр. 13

يُبَشَّرُونَ بالعذاب، وهو لا يبشَّر به عادةً، وبعضهم يقول: إذا قُيّد بشَيْءٍ تُقيِّد به لكِن عند الإطلاق هو في الخيرِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأولى: استدلَّ أهل السُّنَّة والجَماعَة بمثل هَذِهِ الآية عَلَى أَنَّ القُرْآن كَلام اللَّه، يُستفاد من قولِه: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾. الْفَائِدَة الثَّانية: أنَّ اللَّه في السماء، ووجهُ الدلالة أو وجه الْفَائِدَة أن النزول يَكُون من عُلُوٍّ، وإذا كان اللَّه نزَّل الفُرقان فإن هَذَا يدل على عُلُوِّ اللَّهِ ﵎. الْفَائِدَة الثالثة: أنَّ القُرْآنَ كلَّه واضحٌ صريحٌ، ليس فيه إشكالٌ؛ لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ أن يَكُون فرقانًا إلا على هَذَا الوجهِ؛ لقولِهِ: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾. وقد أجبنا عمَّا أوردناه من قوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، وبيَّنَّا أن المراد بالتشابُهِ ليس اشتباه المعنى، بل هو الموافَقة والمشاكَلَة في الكمال والحُسْن. الْفَائِدَة الرابعة: إثبات الحِكمة في أفعال اللَّه؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ﴾ لِأَنَّ (اللام) في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ للتعليل، فإذا كانت للتعليل دلَّ هَذَا على أنها تُفِيدُ الحِكمة؛ إذ العِلَّة هي الباعثة على الشَيْء، أو هي غاية الشَيْء؛ لِأَنَّ العِلَّة إما غائِيَّةٌ أو باعِثة، وكل منها يدل على الحِكْمَة. الْفَائِدَة الخامسة: عموم رسالة النَّبيِّ ﷺ ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾. وَأَمَّا مَن قال: إِنَّهُ رسولٌ إلى العرب فقطْ فَإِنَّهُ كافرٌ به، فالَّذِينَ قالوا: إِنَّهُ رسول إلى العرب قالوا: إن اللَّه تَعَالَى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رسولُ للعربِ فقطْ، وَأَمَّا بنو إسرائيل فلا يُكَلَّفون باتباع الرَّسول ﷺ .

стр. 14

فما هو الجوابُ عن هَذِهِ الشُّبْهَةِ؟ الجواب: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ لو كان المراد منه تخصيصهم لقالَ: هو الَّذِي بَعَثَ لِلْأُمّيِّين، كما في قوله : ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، لَكِنْ قوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ معناه أن الرَّسول ﷺ مبعوث فيهم، بُعث فيهم، لا لهم، بُعث فيهم لهم ولغيرهم، وعندما أقول مثلًا: بُعث فلان في هَذَا البلد، أو مثلًا: خَلَقَ اللَّه في هَذَا البلد رجلًا كريمًا أو رجلًا عالِمًا، أو ما أشبهَ ذلك، فإن هَذَا لا يعني أَنَّهُ لهَذِهِ البلد فقطْ، بل المراد: مكانه في البلد، لكِن ما يحصُل منه عامٌّ، فالتخصيص بالمكان أو التخصيص بالزمان لا يدل على تخصيص الدعوةِ. الفائدتان السادسة والسابعة: فضل الرَّسول ﵊ حيث كُلِّفَ الرِّسَالة إلى جميع الخَلقِ، لِأَنَّ هَذَا دليل على فَضْلِهِ وأنه أهل لَهَذِهِ المهمَّة العظيمة، فلو أرسلتَ إنْسَانًا لِيُصْلِحَ بين شخصينِ فهذا دليل على فَضْلِه، لكِن لو أرسلتَ إنْسَانًا لِيُصْلِحَ بين طائفتينِ أو أُمَّتين فهَذِهِ زيادةُ فضلٍ، ولذلك لا يُرسَل لهَذِهِ المهمة الأخيرة إلا مَن هو جَديرٌ بها، فكون الرَّسول ﵊ أُرسل لجميع الخَلْق دليل على فضله حيث حُمِّلَ الرِّسَالةَ إلى جميع الخَلق. ثم إن فيه دليلًا على مِنَّة اللَّه عليه أيضًا؛ لِأَنَّ كلَّ مَنِ انتفع برسالته نالَه -أي النَّبي ﵊ من أَجْرِهِ: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (١) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ. ولهذا لو تُعَلِّم إنْسَانًا فيَعْمَل بعِلمه ويُعلِّم آخر ويعلم آخر ويعلم آخر فَإِنَّهُ يأتيك مِنَ الأجر والفضل بقَدْرِ مَنِ انتفعَ به.

стр. 15

الآية (٢) * * * * قالَ اللَّه : ﴿لَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من شأنِهِ أنْ يُخْلَق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ سوَّاه تَسويةً]. قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هَذِهِ صفة لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ فذكر اللَّه إنزال الفرقانِ، وهو تشريعٌ وتنظيمٌ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى أَنَّهُ يَجِب العمل بما جاء في هَذَا الفُرقان؛ لِأَنَّهُ جاء من مالك السَّمواتِ والأرضِ، والمالك له حق التصرُّف في مَمْلُوكِهِ، بأن يُشَرِّعَ له ما شاءَ وينظِّم له ما شاء، وهَذِهِ هي الْفَائِدَة من قولِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ بعد قولِه: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ فأتى بالتشريع أولًا، أو بدستورِ التشريعِ كما يقولون، ثُمَّ أَتَى بعد ذلك بعموم المُلْك؛ لِأَنَّهُ إذا كان هو المالِكَ العامَّ للسماوات والأرض لَزِمَ أنْ يَكُونَ مما شَرَعَهُ حَتْمًا على المملوكينَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الملُك مُلك أَعيانٍ فقطْ أو ملك أعيانٍ وتَصَرُّف؟ فالجواب: مُلك أعيانٍ وتصرف؛ لِأَنَّ المَلِكَ قد يَكُونُ مَلِكًا للعَيْنِ دون التصرُّف فيها، وقد يَكُون مَلِكًا للتصرف دون العَين، يعني: قد يملك الإنْسَان

стр. 16

التصرُّفَ في العين دون ذاتها، أو يملك عين الشَيْء دون التصرُّف فيه، فالمالك للشَيْء الَّذِي لم يَتَعَلَّقْ به حقُّ أحدٍ هَذَا مالِكٌ للعين والتصرف فيها، والموقوف عليه مالك للعين، لكِن لا يملك التصرف المطلَق فيها؛ لا يبيع ولا يَهَب ولا تورَث عنه، فالمستأجر مالك للمنفعة، أي التصرف في المنفعة فقط، دون العين، أَمَّا اللَّه فإن له ملك السَّموات والأرض أعيانهما والتصرف فيهما. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لم يذكر ملك من فيهما؟ قُلْنَا: السَّموات والأرض يَدْخُلُ فيهما كلُّ من فيهما؛ لِأَنَّ مَنْ في السَّموات والأرض هم مِنَ السَّمواتِ والأرضِ، فأصلُهم مِنَ السَّموات والأرض، فالإنْسَان خُلِقَ من طين، والحيوانات الأخرى فيما يبدو -واللَّه أعلم- أنها خُلقت مِنَ الأرض، لَكِنَّنا لا نَعْلَم عنها شيئًا؛ لأنَّ المهمَّ أن نَعرِفَ أصلنا، أمَّا هَذِهِ فخَلَقَها اللَّه لنا، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. قوله: ﴿وَلَدًا﴾ بمعنى: مَوْلُودًا، وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أعمُّ من قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لَكِنْ مع ذلك نفى اللَّه عن نفسه اتِّخاذ الولد والولادة، فَهُوَ لم يَلِدْ ولم يَتَّخِذْ ولدًا من عباده، وفي هَذَا إبطال لقول النَّصارى الَّذِينَ قالوا: إنَّ المسيح ابنُ اللَّه، ولقول اليهودِ الَّذِينَ قالوا: عُزَيْرٌ ابنُ اللَّهِ، وللمشركين الَّذِينَ قالوا: الملائكة بنات اللَّه، فاللَّه ما وَلَدَ شيئًا، ولم يَتَّخِذْ أحدًا من خلقه ولدًا. وقد ذكرنا فيما سبق أن اللَّه تَعَالَى إذا نَفَى عن نفسِهِ صفة فليس المراد بذلك نفي الصِّفة فقط، بل نفي الصِّفة وإثبات كمال ضِدِّها، والضدُّ هنا كمال قُدْرَته وغِناه، وأنه غير محتاجٍ إلى الولدِ؛ لكمالِ غِنَاهُ عن غيرِهِ، فلا يحتاج للولد ولا اتِّخاذ الولد إلَّا مَن كان محتاجًا له، أَمَّا من كان غنيًّا عنه قادرًا على ما يريد فهذا لا يَتَّخِذُ ولدًا.

стр. 17

قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ اللَّه ليس له شَريكٌ في المُلْك، فما شَارَكَه أحدٌ؛ لا أحدٌ مِنَ الملائكة ولا أحد مِنَ الأنبياء، ولا أحد مِمَّن دونهم، المُلْكُ للَّه وحدَهُ، لا شَريكَ له فيه، وفي هَذَا إبطالٌ للذين أشركوا باللَّه في الربوبيَّة، مثل الَّذِينَ يقولون: إن بعض الأولياء يَتَصَرَّفُونَ بالكون، هَؤُلَاءِ لا شكَّ أنَّهم خاطئون، وأنَّهم كاذِبون أيضًا، فهم خاطئون في عقيدتهم، كاذبون فيما أَخبَروا به، فاللَّه ليس له شريكٌ في المُلْكِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَلَسْنَا نملِك بيوتَنا وثِيَابَنا ومواشيَنا، فهل هَذَا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ للَّه شريكٌ؟ فالجواب: لا؛ لِأَنَّ مِلْكَنَا لهَذِهِ الأشياءِ ليس مِلكًا مُطْلَقًا، صحيح أنا مالك لبيتي، ومالك لثوبي، ومالك لسيارتي، ومالك لماشيتي، لكِن مِلكي لهَذِهِ الأشياءِ ليس مِلكًا مطلقًا، بدليل أنني مقيَّد بالشرعِ في التصرُّف في هَذِهِ الأشياءِ، فأنا لا أملِك مثلًا أنْ أقومَ عليها فأُحْرِقها، وحرام عليَّ ذلك، كذلك لا أملِك مثلًا أن أَشُقَّ على الحيوانِ في الحمل والركوب وغير ذلك، إذَن فكوني مالكًا لا يَقتضِي أن أكونَ شريكا للَّه في ملكه؛ لِأَنَّ مِلكي هَذَا مقيَّد بحسَب إذنِ الشارع لي، فلا أتصرف فيه إلَّا بما أَذِنَ اللَّه . قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول المُفَسِّر: [مِن شأنِهِ أنْ يُخْلَقَ]، و ﴿كُلَّ﴾ للعموم. لكِن المُفَسِّر قيَّدها بقوله: [من شأنه أن يُخْلَق]؛ لكي لا يدخل القُرْآنُ أو نفسُه. فَلَوْ قَالَ الإِنْسَانُ: هل خَلَقَ اللَّه نفسَه.

стр. 18

قُلْنَا: مستحيلٌ أن يَخْلُقَ نفسَه، لَكِنَّهُ مع ذلك نقول: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَن شأنُه أن يُخْلَقَ، أَمَّا ما ليس من شأنِه أنْ يُخْلَقَ كذات اللَّه وصفات اللَّه فهذا ليس داخلًا مِنَ الأَصْل؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خالِقٌ، والخالقُ غير المخلوق، وصفات الخالق ليستْ مخلوقةً؛ لِأَنَّ الصِّفة تابعة للذَّات. ولهذا كأن المُفَسِّر ﵀ حينما يقول: [من شأنه أن يُخْلَق]، يُنَبِّهك لِتَرُدَّ بِهَذِهِ الكلمة على من قالوا: إنَّ القُرْآن مخلوق، فتقول: القُرْآن ليس من شأنه أن يُخلَق؛ لأَنَّه من صفات اللَّه ، وصفات اللَّه تَعَالَى غير مخَلوقةٍ. ولَكِنْ يَنبغي أن لا نقيِّد الآية بهذا، نقول: هو خلق كل شَيْءٍ، والخالق لا يمكن أن يَكُونَ هو المخلوقَ، فإذا كان لا يمكن دَلَّ ذلك عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى غيرُ مخلوقٍ، وعَلَى أَنَّ صفاتِه أيضًا غير مخلوقةٍ؛ لِأَنَّ الصِّفة تابعة للموصوف، وحينئذٍ لا نَحتاج أن نقولَ: من شأنِه أن يُخْلَقَ؛ لأننا إذا قُلْنا: من شأنه أن يخلق قيَّدنا الآيةَ الكريمةَ، ويمكن أن يَحتجَّ علينا الَّذِي يقول بخلق القُرْآنِ فيقول: مَن قَالَ لك: إنَّ الآية مقيَّدة بهذا، فنحن نقول: خلق كلَّ شَيْءٍ على سبيل الإطلاق، وعلى سبيل العموم، وهذا لا يَقتضي أن يَكُون القُرْآن مخلوقًا؛ لِأَنَّ الخالق غير المخلوق، والقُرْآن من صفات اللَّه، وصفات الخالق قطعًا غير مخلوقةٍ؛ لِأَنَّ الصِّفاتِ تابعةٌ للذاتِ. إذَنْ فلو احتجَّ علينا المُعْتَزِلة والجَهْمِيَّة الَّذِينَ يقولون: إن القُرْآن مخلوقٌ فبماذا نُجيبهم؟ نجيبهم بأحد وجهين: الوجه الأول: ما أشار إليه المُفَسِّر؛ وهو أن يقال: إن هَذَا من باب العامِّ المراد به الخاصُّ، يعني: كلّ شَيْء من شأنه أن يخلق، هَذَا وجهٌ، وبهذا أجاب كثير مِنَ

стр. 19

السلف، وقالوا: إذا قَالَ قائل: إنَّ القُرْآن مخلوق واستدلَّ بقوله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فقل له: إن اللَّه قَالَ عن رِيح عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ومع ذلك هي ما دمرتِ السَّمَاء ولا الأرضَ ولا المساكِنَ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. والبعض الآخر مِنَ العلماءِ يقول: الآية على عُمومها، والقُرْآن غير داخلٍ إطلاقًا حتَّى نحتاج إلى إخراجه؛ لأَنَّه إذا كان خالِقًا فالخالق غير المخلوق، والقُرْآن كَلام اللَّه، وكَلام اللَّه من صِفاتِه، وصفات الخالِقِ غير مخلوقةٍ؛ لِأَنَّ الصِّفة تابعة للموصوفِ. قوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الفاء تَدُلُّ على الترتيب، و (قدَّرَه) بمعنى سَوَّاه؛ لِأَنَّ الخَلْق قد يوجد لكِن بدون تسويةٍ، فاللَّه تَعَالَى خَلَقَ كل شَيْء ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي: سوَّاه، والدليل على أنَّ التقدير هنا بمعنى التسوِيَة قولُه تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]، وعلى هَذَا فالترتيب في قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ﴾ حسَب الواقع، فالترتيب واقعي؛ لِأَنَّ التسوية تكون بعد الخَلْق، فأنت عندما تُوجِدُ بناءً فإنك أولًا تُوجِدُ الهيكل، ثُمَّ تُدخِل التعديلات والتسويَة، هكذا اللَّه خلق كلَّ شَيْءٍ فقدَّره؛ أي: سوَّاه تسويةً مناسبةً لِمَا خُلِقَ له. وقال بعضُهم إن معنى ﴿قَدَّرَهُ﴾ أي: قضاه، فتدلّ الآية على القضاء والخَلْق. وعلى هَذَا القول الَّذِي يَجعل التقديرَ بمعنى القضاءِ يَكُون في الآية ترتيبٌ غير واقعيٍّ، والسَّبب أنَّ التقدير بمعنى القضاء سابِقٌ للخلق؛ لِأَنَّ اللَّه يَقضي أولًا ثُمَّ يخلُق ثانيًا، ولَكِن الأَصْل أن يَكُون الترتيب واقعيًّا وأن الخَلْق قبل التقدير. ويدُلُّ على ذلك أيضًا الآية الكريمة: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]، فالقُرْآن يفسِّر بعضُه بعضًا.

стр. 20

فعلى ذلك نجعل التقدير هنا بمعنى التسوية. وكونه يأتي ترتيبه على خلاف الواقع هَذَا وإن جاء في اللغة العربية لَكِنَّهُ خلاف المعهود، وإلَّا فقد قيلَ: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ (١) فالسيادة للجَدِّ هي الأُولى، وهي في الترتيب هنا هي الأخيرة. فالأقرب والأَولى ما مشَى عليه المُفَسِّر مِن أنَّ التقدير هنا بمعنى التسويةِ؛ لِأَنَّ كَلام اللَّه تَعَالَى يفسِّر بعضه بعضًا. * * *

стр. 21

الآية (٣) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]. * * * مناسبة هَذِهِ الآية لمَا قبلَها أنَّ اللَّه لمَّا أَثنَى على نفسِه بما أثنى به؛ ناسبَ أن يَذْكُرَ تلك الأصنام الَّتِي اتُّخِذَتْ من دونه -يعني من دون اللَّه آلهة- لِيَتبَيَّنَ حالُها؛ لأنَّ الأشياء تَتبَيَّن بما يَكُون لها من صفاتٍ. قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي الكفَّار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي اللَّه]، أَمَّا الضمير الأول في قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلم يُذكَر له مَرْجعٌ لَفْظِيٌّ، لكِن مَرْجِعُه معلوم بحسَب الحالِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الكفار المتَّخِذون، فَهُوَ لا مَرْجِعَ له لفظًا، لكِن مرجعه معلوم بحالِ الواقعِ. وَأَمَّا قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمرجعه ظاهر مما سبق؛ لأنَّ اللَّه تحَدَّثَ عن نفسه بقوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾. وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جَمعْ إله، وهَذِهِ الآلهة إِنَّمَا كانت آلهةً باتخاذِهِم، أَمَّا في الحقيقة فليستْ آلهةً؛ لِأَنَّهَا ليستْ مُسْتَحِقَّةً للعبادة؛ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)

стр. 22

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف ﵊: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، فهي آلهة باسْمهم واعتقادهم، أَمَّا في الواقع فليستْ آلهةً، بمعنى أنها لا تَستحِقُّ أن تكون آلهةً، فعلى هَذَا مثلًا إذا قَالَ قائل: كيف أثبتَ اللَّهُ هنا أنَّها آلهةٌ ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ مع أنَّ الأنبياء ﵈ كلَّهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، واللَّه يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. كيف نَجمَع بين هَذَا النفي وبينَ هَذَا الإثباتِ؟ نَجْمَعُ بين هَذَا النفي وبين هَذَا الإثبات بأنَّ النفيَ باعتبارِ الحقيقةِ والواقع، فَإِنَّهُ لا إلهَ إلا اللَّه، ولا شكَّ في ذلك، وأمَّا الإثبات فَهُوَ بحسَب عمل هؤلاء، حيثُ جعلوا هَذِهِ آلهةً، أي مَعْبُودَةً، وهي لا شكَّ أنها تُعبَد، لَكِنَّها ليست مُستحِقَّة للعبادةِ، فبحسَب الاستحقاق يَكُون النفي، وبحسَب الواقع يَكُون الإثباتُ، بحسَب الاستحقاق يَكُون النفي يعني لا أحدَ يَستحِقّ ولا أحد يَكُون حقيقةً إلهًا سِوَى اللَّه ، وأمَّا باعتبار الاعتقاد، وباعتبار العمل؛ فإنَّ مِنَ النَّاس مَنِ اعتقد وعمِل فجعل مع اللَّه إلهًا آخرَ، وحقيقة هَذِهِ الآلهة أنها ليست بشَيْءٍ، صحيحٌ أنها تُعبَد وتُدْعَى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لَكِنَّها في الواقع ليستْ مستحِقَّةً لهذا الأمرِ، فليستْ آلهةً. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّه هَذِهِ الآلهة المُتَّخَذة، فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خَلقهم دليلٌ على عجزهم، وعجزُهم دليل على أنَّهم لَيْسُوا آلهةً؛ لِأَنَّ الإلهَ لا بدَّ أن يَكُونَ

стр. 23

قادرًا؛ لِأَنَّ القُدرةَ من كمالِه، وهذا العجزُ الَّذِي اتصفتْ به هَذِهِ الآلهة يَمنَعُ أن تكون آلهةً. ثُمَّ قال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي هَذِهِ الآلهة إذَن هي حادِثة بعدَ أنْ لم تكنْ، والربُّ يَجِب أن يَكُونَ أوَّليًّا، ليس قبلَه شَيْء؛ لِأَنَّ الربَّ المستحِق للعبادة لا بدَّ أن يَكُون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فَهُوَ حادث، وإذا كان حادثًا فمَن قبلَه ليس من خلقه. وعلى هَذَا يَكُونُ في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدمِ صلاحِيَتِهِم أن يَكُونوا آلهةً من حيثُ انتفاءُ القُدْرَةِ ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. فلا يَصْلُحون أن يَكُونوا آلهةً من وجهينِ: الوجه الأول: الحُدُوث؛ لأَنَّهُمْ مُحْدَثون، والإله لا يُمْكِن أن يَكُونَ مُحْدَثًا. الوجه الثَّاني: أن مَنْ قبلهم ومَن سبَقهم ليس من خَلْقِهم، على فرض أَنَّهُمْ يخلُقون، وهذا دليل على عدم صلاحيتهم للأُلوهيةِ. قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي دَفْعَه]، ونحن نقول: دفعه وجَلْبه أيضًا، والمانِع أَنَّهُمْ لو أرادوا أن يَضُّروا أنفسَهم ما ضَرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَولى ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ لا جَلبًا للضَّرِّ ولا دفعًا له، حتى الضرر الَّذِي يمكن أن يَكُونَ سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا، يعني لو أرادت هَذِهِ الأصنام أن تُتْلِفَ نفسها لا تستطيع، ولو أرادتْ أن تُمرِضَ نفسها إذا كانت مما يَلْحَقُه المرض هل تملِك ذلك أو لا؟ لا تملِك، ولو أراد أحد أن يَعْتَدِيَ عليها لا تملِك دَفْعَه، ولا تستطيع، ولهذا يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، وهذا يدل على أهميته، فأَمْرُ اللَّه لنا بأن نَستمِعَ لهذا المثَلِ يدل على أهميَّتِه، المَثَل ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ

стр. 24

مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب الَّذِي هو من أهون الحيوانات وأضعفها لو أَنَّهُمْ اجتمعوا عَلَى أَنَّ يَخْلُقوه ما استطاعوا، أمرٌ آخَرُ: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضَعفِه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ لا يستطيعون أن يَسْتَنْقِذُوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، فهَؤُلَاءِ لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعه ولا جَلْبه. قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [أي جَرَّهُ]، يعني لا يملِكون أن يَجُرُّوا لأنفسهم نفعًا، ولا يملِكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مثل الأُولى، يعني يَنْبَغِي أن نجعلها على سبيل العموم، وإن كان مُقتضَى الحال أن أيَّ وَاحِدٍ يريد دفع الضررِ ويريد جَلْب النفع، ولَكِنَّ إبقاءَ الآية على العمومِ أَولى، يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمن باب أَوْلَى لا يَستطيعوه لِعَابِدِيهم. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي بعثًا للأمواتِ]. قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يُمَوِّتُوا أحدًا، وبهذا نعرِف أن الَّذِي حاجَّ إِبْراهِيم في ربه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أَنَّهُ كاذب، فهم لا يملكون أن يجلِبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يجلبوا حياةً لأحدٍ مهما جَمَعُوا لذلكَ. فَإِذَا قَالَ إِنْسَانٌ: أليسَ يُمكِن أنْ يَقْتُلُوا أحدًا؟ فالجواب: إن هَذَا سَبَب المَوْت، وليس هو المَوْتَ، يعني: يُمكِن أنَّ الإنْسَان يفعَل سَبَب المَوْت، لكِن لا يمكِن أن يُوقِعَ المَوْتَ، وبينَ الأمرينِ فرقٌ، ولهذا أحيانًا يوجد سَبَب المَوْت ولا يموت الإنْسَان، وأحيانًا يموت الإنْسَان بدون سَبَبٍ، يعني

стр. 25

بدون سَبَبٍ معلومٍ، فإذَن هَؤُلَاءِ لا يملِكون موتًا لأحد ولا حياةً، فلا يملكون أنْ يُحْيُوا أحدًا مِنَ الأمواتِ، لِأَنَّ ذلك إلى اللَّهِ . وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هَذَا البابِ، ليس مِنَ الأمر الَّذِي نَفَاه اللَّه، لِأَنَّ الَّذِي يُحْيي الأموات حقيقةً هو اللَّهُ، ولهذا قيَّد اللَّه إحياءَه للموتَى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١٠]، فعيسى لا يَسْتَقِلّ بهذا، وإنَّما يَكُون قوله سَبَبًا للحياة الَّتِي يخلُقها اللَّه . قوله : ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشُور هو بَعْث المَوْتى وتفريقهم، فمعنى نَشْرِهم أَنَّهُمْ يُفَرَّقون ويخرجون مِنَ الأجداثِ ويَنتشِرون في الأرض ويَتَفَرَّقون فيها، فهم لا يملِكون شيئًا من هَذَا كلِّه، فإذا تَبَيَّنَ عَجْزُهم الذَّاتيّ والعَرَضي تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لا يصلُحون أنْ يَكُونوا آلهةً، ففيهم عَجْزٌ ذاتيٌّ وعَرَضِيٌّ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرق بين الحياة والنشور؟ قُلْنَا: الفرق بينَهما أنَّ النُّشُورَ عامٌّ، ولهذا قُلْنا: إِنَّهُ مِنَ النشر بمعنى التفريق والانتشار، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، فالحياة لوَاحِد معيَّن، مثل أن يقال لهم: أَحْيُوا هَذَا الميِّت، ولهذا قُلْنا: إِنَّهُ مِنَ النشر بمعنى التفريق والانتشارِ، فَهُوَ أعمُّ. قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ عطفه على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، أو التفصيل بعد الإجمال، فنجد الآية الكريمة تَتَرَقَّى مِنَ الأَدنَى إلى الأعلى (ضَرًّا ولا نفعًا)، (موتًا وحياةً ونشورًا) لِأَنَّ الحياة أشدّ مِنَ المَوْت، فوجود سَبَب الحياة أو القُدرة على الحياة أعظمُ مِنَ المَوْت، كذلك أَيْضًا النفع والضرر؛ النفع أعظم لِأَنَّ الإنْسَان يريد مِنَ الضرر دَفْعَ الشَيْء، ودفع الشَيْء أسهلُ من جَلْبِه، لِأَنَّ الجلب

стр. 26

إيجابيٌّ، والدفع سلبيٌّ، وغالبًا يَكُون السلبيُّ أهونَ مِنَ الإيجابيِّ، فانتقل اللَّه في بيان عَجْز هَذِهِ الآلهةِ وأنها لا تصلُح مِنَ الأدنى إلى الأعلى، هَذَا بالنسبة للتفصيلِ، أمَّا بالنسبة للإجمالِ فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأولى: أَنَّهُ يَنْبَغِي للإنْسَان أن يسوق للخصم ما يقر به لزوما حتى تقوم الحجة عليه، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جعلوها آلهةً لا يمكن أن يَدَّعوا أنها تخلق، ولا يمكن أن يدَّعوا أنها غير مخلوقة؛ لأَنَّهُمْ يعرِفون أنها موجودة وليستْ من قبل. فهل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضُر؟ نقول: يُمْكِنُ أنْ يَدَّعوا ذلك، وفعلًا يَدَّعون ذلك، يقولون: إن الأولياء يَنفعون، وإنهم يضرون، وإن مَن لم يذبحْ لهذا الوليِّ أو ينذِر له فَإِنَّهُ يضرُّه. وهَذِهِ دَعْوى، فإذا ادَّعوا هَذَا يُطَالَبُون بالدليلِ، والدليل أنْ يقالَ لهم مثلًا: ادعوا هَذَا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلِب لكم ذلك أو لا يجلِبه؟ وذلك مِثلما أَنَّهُمْ يُطَالِبُونَ الرسُل بأشياءَ معيَّنةٍ، يقولون مثلًا لمَّا قالتْ لهم الرُّسُل: إن اللَّه يحيي المَوْتى: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، مع أن الرُّسُل ما قالت لهم: إن البعث في الدُّنْيا حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إِنَّمَا قالت لهم: إن البَعْث بعد المَوْت، وهذا غير ما طالَبَ به هَؤُلَاءِ الخُصماء للرسل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مكابَرة وطَلَب دليلٍ لشَيْءٍ لم يَقُلْه الرسُلُ عليهم الصلاة والسلام، إذ لم يقولوا: إنهم يُبعَثون الآنَ. فعلى كلِّ حالٍ هَذِهِ الدَّعْوَى -وهي أَنَّهُمْ يملكون نفعًا أو ضَرًّا- دعوى تحتاج إلى بيِّنة، أَمَّا دعوى المَوْت والإحياء فهي أيضًا أوضحُ في البُطلان، بل ربما تُدَّعَى؛

стр. 27

لِأَنَّ الَّذِي حاجَّ إِبْراهِيم في ربِّه قَالَ له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فربما تُدَّعَى، وفي مناظرة إِبْراهِيم ﷺ يمكن أنْ نَنْتَفِعَ بها هنا- دليلٌ على أَنَّهُ إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإننا، نَنْقُلُه إلى ما هو أوضحُ؛ لِأَنَّ المقصود ليس المجادَلة، إِنَّمَا المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هَذَا الأمر، وهو إذا بطل ولو من دليلٍ وَاحِدٍ كفَى، ولا حاجة أن نُبْطِله مِنَ الدليل الَّذِي يُعَيِّنه الخَصم، قد نبطِله من دليل آخرَ، فإِبْراهِيم ﷺ لو أراد أن يحاجَّ هَذَا الرجُلَ ويجادل هَذَا الرجل لقال له: لستَ تُحْيي وتميت، وإنَّما تفعل سَبَب الإحياء والإماتة، لَكِنَّه ﵊ ذهب إلى دليل أوضحَ وأبينَ، ولا تُمكِن المحاجَّة فيه، قطعًا للنزاع والمجادَلة، فالإنْسَان الَّذِي يجادِل قَابِلْهُ بدليلٍ لا يمكنه دَفْعُه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وهذا إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يَدَّعِيَ شيئًا، ولهذا قَالَ اللَّه : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. المهم الآن قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ هو مُسَلَّم، ولا يمكِن دَعْوَى نفيِه حتى عند العابدين، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فحتى عند العابدين لا يمكن أن يَدَّعُوا هَذِهِ الصِّفة المنفِيَّة. قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يَدَّعوا أنها ليست مخلوقة وأَنَّهُمْ صَنَعُوها بأيديهم، يقول إِبْراهِيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. قُلْنَا: إِنَّهُ يمكن أن يُدَّعَى خلافُ هَذَا النفي، وجوابنا عنه من أمرين: إما إبطال هَذِهِ الدعوَى بعينها ونقول: هَذَا أمرٌ لا يمكِن، وإذا شئتم فادْعُوا، وإمَّا أنْ يقالَ:

стр. 28

ننتقِل عن هَذَا النفي، ولا ننتقل عن هَذَا النفي لعدم إيمان به، بل يَجِب علينا أن نؤمن بأَنَّهُمْ لا يملكون ذلك، لكِن عند المخاصَمة ننتقل إلى أمر أعظم وأَبْيَنَ وأوضحَ، مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مُغْرِقَة، أو حصلتْ زلازلُ يُمْكِن أن نقولَ لهمُ: ادْعُوا هَذِهِ الأصنامَ وانظروا هل تمسك السَّمَاء وهل تتوقف الأرض عن الزلازل، وما أشبهَ ذلك، لَكِنْ مهما كان لو ادَّعَوْا ما يدعون فإننا ننتقل عند المجادَلة إلى أمرٍ أوضحَ لا يَتَمَكَّنُونَ من نفيِهِ. * * *

стр. 29

الآية (٤) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]. * * * لمَّا ذكر اللَّه ما يعود إلى التَّوحِيدِ انتقلَ إلى ما يعود إلى الرِّسَالة؛ وذلك لِأَنَّ الشهادة: أشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأشهدُ أن مُحَمَّدًا رسول اللَّه. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي ما القُرْآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِب ﴿افْتَرَاهُ﴾ مُحَمَّدٌ ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وهم من أهل الكِتَاب]، هَذَا الأَصْل الثَّاني مِنَ الأُصُول: التَّوحِيد وإثبات الرِّسالة، وإثبات الرِّسَالة لا شكَّ أَنَّهُ أَحَدُ شَطْرَيِ التَّوحِيدِ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وأشهد أنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّه، ولا يُمكِن أن يُعْبَدَ اللَّه إلَّا بما جاءت به الرسُل؛ لِأَنَّ العِبَادَة طَريق للمرءِ إلى ربه، وهل يمكن أن نَتَوَصَّل إلى اللَّهِ بطَريقٍ لم يَجْعَلْه طَريقًا؟ فالجواب: لا، وهذا الطَّريق الَّذِي جَعَلَه اللَّه طَريقًا إليه جاء بواسطة الرُّسُل، إذَن فالعِبَادَة لا بدَّ لها من رسالةٍ، ولا يمكِن أن يُعبَد اللَّه بمجرَّد العقل؛ لِأَنَّ العِبَادَة طَريق يوصِّل إلى اللَّهِ، وهذا الطَّريق لا يمكن إلا بوضعٍ مِنَ اللَّهِ، واللَّه جَعَلَه بواسطةِ الرسُلِ. والمكذِّبون للرسُل أيضًا قَدَحُوا بالرُّسُل وبما جاءوا به ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ

стр. 30

هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسْم الظاهر، قَالَ أوَّلًا: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ لِيَعُمَّ جميع المشركينَ مِنَ العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني منَ العربِ الذينَ رَدُّوا رسالةَ النَّبيِّ ﵊. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ هَذَا﴾ أيْ: ما القُرآن]، المُفَسِّر ﵀ دَقيقٌ في التفسيرِ، فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾ وفسَّر لنا اسْمَ الإشارةِ. ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافيةٌ، (هذا) يقولُ ﵀: [القُرْآن]، فالمشارُ إليه إذَنِ القُرْآنُ. فقوله: ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هَذَا القُرْآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ انْظُر -والعياذُ باللَّهِ- أَتَوْا بالحصرِ، يعني لا يمكن أن يَكُونَ إلَّا إِفْكًا، لا يمكِن أنْ يَكُونَ فيه صِدْقٌ، فأَتَوْا بالحَصْرِ عن طَريقِ النفي والإثباتِ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾، ولا يُمْكِن أنْ يَكُونَ صِدْقًا. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ]. ﴿افْتَرَاهُ﴾ يعني اخْتَلَقَه، أي النَّبي ﵊، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول ﵀: [مِن أهلِ الكِتَابِ]، ومنه أيضًا الرجلُ الَّذِي قالوا: إِنَّهُ يُعَلِّمُه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، يقولون: إن هَذَا ليسَ مِنَ اللَّهِ، بل هو من مُحَمَّدٍ ﵊ افتراهُ معَ مُساعدةِ غَيْرِه، يقول اللَّه مُبْطِلًا لِكَلامِهِم: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [كُفْرًا وكَذِبًا]، المُفَسِّر ﵀ فَسَّرَ الظُّلْمَ بالكفرِ؛ لأنَّ الكفرَ ظُلْمٌ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ثُمَّ هو ظُلْمٌ بالنسبةِ للرسولِ ﵊ لِأَنَّهُ اعتداءٌ عليه، ووَصْفٌ له بالكَذِبِ، ولو أنَّ إنْسَانًا وصفَ أحدًا مِنَ النَّاسِ بالكَذِبِ لَقُلْنَا: إنَّه ظالمٌ له ومُعْتَدٍ عليه. قوله: ﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأَصْل كل ما انحرفَ عن الصراط المستقيم، كل انحراف فَهُوَ زُور ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١١٧]، تميل،

стр. 31

فكل مَيل فَهُوَ زُور، وفي الحديث: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ" (١)، الزور المراد به كلّ قول منحرِف، فالزُّور إذَن الكذِب، فهُمْ مِن أكذبِ النَّاسِ، بل أكذب النَّاسِ فيما قالوا، فقولهُم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ليسَ فيه شَيْء مِنَ الصدق، بل هو كذِب وظُلم وعُدوان على الرَّسول ﷺ . ثم نقول لهم: إذا كان مُحَمَّد ﷺ هو الَّذِي افتراهُ، وأعانَه عليه قوم آخرونَ، فأْتُوا بسورةٍ من مِثْلِه، قَالَ : ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ثُمَّ إن مُحَمَّدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي أربعينَ سنةً وما قَالَ يومًا مِنَ الأَيَّام: إِنَّهُ يُوحَى إليه، والَّذِي يريد أن يكذِبَ فَإِنَّهُ يكذب في عُنفوان شَبابِه لِيَكْسِبَ الأتباعَ من أول الأمرِ، فلمَّا لم يكنْ هَذَا إلَّا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً دلَّ ذلك عَلَى أَنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع. أيضًا فإن هَذَا الوحي جاء والرَّسول ﷺ في سنِّ الأربعينَ، ولا يمكِن أن يَكُون الكذِب يَتَجَدَّدُ له في هَذَا السنّ، ثُمَّ إننا نقول: ممَّا يبيِّن أَنَّهُ زور أن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يقولون: إِنَّهُ افتراه هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين، ولا يشكُّون في صِدقه، ولا يشكون في عدالته ﷺ فأين كانوا من قبلُ؟ ! * * *

стр. 32

الآية (٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أكاذيبهم، جمع أُسْطُورة بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم بغيرِه ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرَأ عليه لِيَحْفَظَهَا ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعَشِيًّا]. قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أساطير جمع أُسطورةٍ، وهي الأحاديث الرائِجَة الَّتِي لا أصلَ لها، وعند العامَّة يُسمُّونها (السَّبَاحين)، قالوا: إن الرَّسول ﵊ أتى باساطير الأوَّلين، يعني أقاصيصهم وأحاديثهم الَّتِي لا أصلَ لها. وهذا القول الَّذِي قالوه هل هو عن عقيدة كاذبة أو قالوه بحسَب الواقع، يعني هل ادعوا ذلك دعوى أو هَذَا الَّذِي يعتقدونه وهذا الَّذِي تَبَيَّنَ لهم؟ يُمْكِن هَذَا ويمكن هذا، واللَّه يقول في سورة المُطَفِّفِينَ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ٧ - ١٤]، هَذَا يدل عَلَى أَنَّ قولهم: أساطير الأولين ليس دعوى، بل اعتقاد، وأن هَذَا هو الَّذِي يعتقدونه، فإن كانت

стр. 33

دعوى وهم يعتقدون أنها وحي وصدق فهَذِهِ دعوى باطلة مثل غيرها مِنَ الدعاوى، وإن كان هَذَا ما يعتقدونه، وهو ما ظهر لهم مِنَ القُرْآن، فليس بغريبٍ أيضًا؛ لِأَنَّ الإنْسَان -والعياذ باللَّه- إذا حُجِبَ قلبُه رأَى الحقَّ باطلًا، والباطل حقًّا، فيمكن أن هَؤُلَاءِ لِظُلْمِهِم وكفرهم وعُدوانهم لم يَتَبَيَّنْ لهم حقيقة القُرْآن، وظنُّوها أساطير، وهذا الأخير في الحقيقة معنًى جيِّدٌ، أَنَّهُمْ يقولونه لا مجرد دعوى لتكذيب الرَّسول ﵊، ولَكِن بحسَب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنَّهم ليس عندهم اتجاه سليم صحيح لقول الحقِّ، فأُروا الحقَّ باطلًا، فالآن لو قرأنا القُرْآن على إنْسَانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوق حلاوتَه، وهل يُحِسُّ بأنه كَلام اللَّه، هل يحس بأنه أصدق الأخبار وأنه أعدل الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشَيْءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع؛ لِأَنَّهُ -والعياذ باللَّه- كما قَالَ اللَّه : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فقولهم: أساطير الأولين قد يَكُون ذلك عن عقيدةٍ، وأن هَذَا بحسب الواقع؛ لِأَنَّ حالهم تَقْتَضي ذلك، وكُلَّمَا أعرضَ الإنْسَان عن القُرْآن يَكُون أشدَّ خفاءً عليه وأبعد عن معرفته، وكُلَّمَا أقبلَ عليه ازداد به يقينًا ومعرفةً. ولهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أن يتأمَّل الإنْسَان دائمًا في القُرْآن ويتدبَّر؛ لئلَّا يَكُونَ أُمِّيًّا، فاللَّه سمَّى الَّذِي لا يَعرِف المعنى، وإن كان يعرف اللفظ، سمَّاه اللَّه أميًّا؛ كما قَالَ اللَّه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فمعنى (أماني) قراءة، فسمى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لا يعلمون الكِتَاب إلا قراءةً سماهم أُمِّيِّينَ؛ لِأَنَّ مَن يقرأ ولا يَفهم فَهُوَ كمَن لا يقرأ، لا فرقَ بينَهما، إلَّا أن هَذَا عنده فَهمٌ للفظ، وذاك ليس عنده فهم، وماذا يستفيد المرء مِنَ اللفظ وهو لا يعرف معناه؟ !

стр. 34

فاللَّفْظُ بمنزِلة الثوبِ للجِسْمِ، فإذا كان عند الإنْسَان ثِيَابٌ فهي ليستْ رِجالًا، فلو أنَّ وَاحِدًا عنده عشرونَ ثوبًا وقال: واللَّهِ أنا سأغزو هَؤُلَاءِ الجَماعَة وأريد أن أشُنَّ الحرب عليهم، فقيل: ماذا عندَكَ؟ قال: عندي عشرونَ ثوبًا. فهل تَنْفَعُه هَذِهِ الثياب؟ فالجواب: عشرون ثوبًا لا تكون عشرين رجلًا، فالمهمُّ أَنَّنا نقولُ: إنَّ الواقعَ أن الرجلَ إذا لم يُقْبِل على القُرْآنِ وهو يتأمَّلُهُ ويحرِصُ على معرفةِ معناه فَإِنَّهُ لا يَستفيد منَ القُرْآنِ شيئًا، وكما هو معروفٌ مِن حالِ الصَّحَابَةِ ﵃ لا يتجاوزون عشْر آياتٍ حتى يَتَعَلَّمُوها وما فيها منَ العِلمِ والعملِ، فتعلَّمُوا القُرْآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا (١). والَّذِي يَضُرُّنا نحن أننا نحرِص على تلاوة القُرْآن لفظًا، وهذا طيِّب، لكِن لا بدَّ أن نَعمَل أيضًا، ومنَ الممكِن أن يقرأ الإنْسَان ما تيسَّرَ لفظًا، ثُمَّ إذا كان قد مَنَّ اللَّه عليه بحفظِه يتأمَّله، فيتأمله وهو يمشي، وهو على فراشِه، وبتأمُّل القُرْآن يَفْتَح اللَّه على الإنْسَان معانيَ ما كان يَعرِفها ولا تَخطُر له على البالِ، قَالَ : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وجَرِّبْ تَجِدْ؛ لِأَنَّ القُرْآن تِبيانٌ لكل شَيْءٍ، وهذا كَلام اللَّه عنه. والَّذِي يَحُول بيننا وبينَ هَذَا التِّبيانِ لكلِّ شَيْءٍ هو عدمُ إقبالنا على هَذَا القُرْآنِ، والتأمُّل فيه، والتفكُّر فيه، وإلَّا لو أنَّنا تأمَّلناه لَوَجَدْنَاهُ تِبْيَانًا لكلِّ شَيْءٍ. قوله : ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني استنسخها من غيرِه، وأيضًا الرَّسول ﵊ هم يعرِفون أَنَّهُ كانَ أُمِّيًّا، لا يقرأ ولا يكتب،

стр. 35

لَكِنَّه أَمَرَ غيرَه أن يكتبَها له، ولهذا المُفَسِّر ﵀ يقول: [انْتَسَخَهَا مِن ذلك القوم بغيرِه]، انتسخها بغيره لأَنَّهُمْ ما قالوا: كتبها، قالوا: اكتتبها، يعني أمرَ غيرَه أن يكتبها له؛ لأَنَّهُمْ يعرِفون الرَّسول ﵊ أنَّهُ كان أُمِّيًّا، لا يَقرأُ ولا يكتُبُ، ولا شكَّ أنَّ كُبَراءَهُم يعرِفون الحقَّ، لَكِنَّ عوامَّهم قد لا يعرِفون، قد يَخْفَى عليهم هَذَا الأمر ويقولون: أساطير الأوَّلين. قوله : ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ تُمْلَى عليه يعني تُقْرَأ عليه، ليس تملى عليه لِيَكْتُبَهَا؛ لِأَنَّهُ لا يكتب ولَكِن تُقرَأُ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخِر النهارِ، ثُمَّ يأتي بها للناس ويقول: هَذَا كَلام اللَّه، وهذا وحيٌ يُوحَى إليَّ، وهو في ذلك على زَعْمِهِم ليسَ بصادِقٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هل يُؤْخَذ منه أن لهذينِ الوقتينِ ميزةً في حفظ القُرْآن وغيره؟ الجواب: يؤخَذ من هَذَا العموم: عموم كل وقتٍ، دائمًا إذا أُريد العموم يُذْكَرُ البُكرة والعَشِيّ؛ قَالَ : ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، معَ أنَّ رِزْقَهم لا يَنقطِع في الجنَّة ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، لكِن يُذكَر هذانِ الوقتانِ للدوام، أَمَّا بالنسبة للواقع والتجرِبة فإننا جرَّبنا أن الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخِر النهار -حسَب ما جَرَّبْتُ أنا- ليس بسريعٍ، لَكِنك إذا قمتَ مِنَ النومِ وجدتَ أنك حافِظُه، فكل وَاحِدٍ منهما له مَزِيَّة بالنسبة للحِفظ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوز أن يكتب القُرْآن الكريم حسَب القواعد الإملائية الَّتِي في عصرنا؟ القول الأول: يقولون: لا يجوز مخالَفة الرسم العُثمانيّ، ويَجِب على الإنْسَان

стр. 36

إذا كتب القُرْآن لنفسِه أو لغيره تعليمًا أو تلاوةً أو أيَّ حال مِنَ الأحوال؛ يَجِب أن يَكُون على الرسم العثمانيّ؛ بناءً عَلَى أَنَّ هَذَا من باب التوقيف، فكما أنَّنا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نُغَيِّر الكِتابة. القول الثَّاني: يجوز أن يُكتَبَ القُرْآنُ بحسَبِ القواعدِ الَّتِي يُكتَب بها في أيِّ عصرٍ كان، ولا يَجِب التقيُّد بالرسْم العُثمانيّ. قالوا: لِأَنَّ الكِتَابة لها قواعد تَختلِفُ باختلاف العصورِ والأُمم، والقُرْآن لم يَنْزِلْ مكتوبًا، وإنَّما نزل مَقروءًا باللفظ، لا بالكِتَابة، فالكِتَابةُ ليستْ تَوْقِيفِيَّة، ولأنه لو كانت قواعد الرَّسْم حينَ نُزُولِ القُرْآنِ على غير هَذَا الوجهِ لَكُتب بها، يعني لو فُرض أنَّ الرسمَ حينَ نُزولِ القُرْآنِ أو حينَ جَمْعه في عصرِ عُثمان ﵁ على غير هَذِهِ القواعد لكُتِبَ بها، ولم يُكْتَبْ بشَيْءٍ آخَرَ، فدَلَّ ذلك عَلَى أَنَّ الكِتَابةَ تابعةٌ للعصر الَّذِي تُكتَب فيه. القول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالم فبالرسم العثمانيّ، وإن كتب لجاهلٍ فبالرسم العَصري الَّذِي هو فيه. قالوا: لِأَنَّهُ إذا كانَ جاهِلًا ثُمَّ كُتب له على الرَّسم العُثمانيّ أخطأَ في اللفظِ، مثلًا الصلاة إذا أردنا أن نَكْتبهَا على الرسمِ العثمانيّ ففيها واو، فيقرؤها الجاهل: الصلوات مثلًا أو الصلوة، وكذلك الزكاة، وكذلك الرِّبا وما أشبهها، فهَؤُلَاءِ يُفَصِّلون بين أن يكتب لعالم وأن يُكتب لجاهل. والصحيحُ القولُ الثَّاني؛ أَنَّهُ يجوز أن يُكتَب القُرْآن بحسَب القواعد العصرية الَّتِي كُتب بها؛ لِأَنَّ كتابته ليس بتوقيفيَّة؛ لِأَنَّهُ لم ينزِلْ مكتوبًا فنقولَ: يَجِب التوقُّف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتب في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هَذَا الوجه، فبقِيَ على هَذَا الوجه. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا قد يؤدي إلى التحريف؟

стр. 37

فالجواب: القُرْآن يُتلَى، فالتِّلاوة تضبِط عن التحريف. بناءً على هَذَا الخلافِ فهل كتابةُ القُرْآن بطَريقةِ برايل تجوز أو لا؟ لا تجوز من باب أَولى؛ لِأَنَّ هَذِهِ النُّقط أبعدُ ما تكون عن الحروف، وعلى هَذَا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكتَب، وعملُ النَّاس الآنَ على خلاف ذلك، فالآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهَذِهِ الطَّريقة لفظًا لا ترجمةً. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما المانِع أن يُكتَب القُرْآن بطَريقة برايل بالرسم العثماني؟ فالجواب: الآن مثلًا قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ لا تكتب إلا حسب قواعد برايل، حسب رسمه بالنقاط. فَلَوْ قِيلَ: كتابة برايل أكْثَرها اختصارات، فمثلًا كلمة (كيف) يرمزون لها رمزًا؟ نقول: حتى لو فرض أنها تبقى على ما هي عليه وإذا كانت كتابة برايل أكْثَرها اختصارات بحيث يرمزون الكلمات رمزًا، فيُسقِطون بعض الحروف كتابةً، فهَذِهِ تكون أبعدَ عن الجواز، وحتى لو قُلْنا بالجواز فينظر في هذا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كتابة المصحف على الرسم العُثمانيّ قد تشكل بالنسبة للقراءات؛ لِأَنَّهَا تَحتمِل أكْثَرَ من وجهٍ، فلو كتبت على الكِتَابة المعروفة لاحتملت وجهًا وَاحِدًا؟ نقول: القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي على وجوهٍ، لكِن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب، فالإعجام الآن يَمنع، فقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مثلًا بعد أن أُعجمتْ ونُقطتْ لا يمكن أنك تقرؤها: (فتثبتوا)، وكلمة ﴿مَالِكِ﴾ لو أردنا أن نَقْرَأَها على الرسم العُثمانيّ بدون تشكيل فورًا نَقْرَؤها (مَلِكِ)، ولا يمكن أن نقرأها (مالك)، وبالتشكيل نقرؤها (مالك)، لِأَنَّهُ يرمز للألف بالشرطة، فإذَن على كلِّ حالٍ

стр. 38

سَيَتبَيَّن هَذَا وهذا، فبعد التشكيل -في الحقيقة- لا تتبين القراءة، يعني لا تكون الكلمة الوَاحِدة جامعة للقراءات. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس القُرْآن نزل ملفوظًا به، فالمقصود تَعَلُّم اللفظ، فما المانع على هَذَا أن تكونَ الكِتَابةُ على هَذِهِ الطَّريقةِ جائزةً؟ نحن نقول بناء على الخلاف، أَمَّا إذا قُلْنا بالجواز فطَريقة برايل جائزة، لكِن الَّذِي يوجِب علينا الإِشْكال قول مَن قال: إن فيها اختصارًا. المهم أننا إذا قُلْنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا فطَريقة برايل هَذِهِ جائزة للحاجة، فعلى القول بجواز كتابة القُرْآن بغير الرسم العثماني الأمر فيها واسع، وما زال النَّاس الآن بالنسبة لتعليم الصبيان يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ليس عندي إشكال في جواز الرسم العصري حتى وإن لم يحتج الإنْسَان إليه، كما أشرنا إليه، وذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: الوجه الأول: أن القُرْآن نزل مَلفوظًا به لا مَكتوبًا، وحِينَئذٍ يمنع التوقيف. الوجه الثَّاني: أَنَّهُ إِنَّمَا كُتب على هَذَا الوجه لِأَنَّ القاعدة الرسميَّة في ذلك الوقت كانت على هَذَا الوصفِ، لا لأنَّ الرَّسول مثلًا قال: اكْتبوه على هَذِهِ الصِّفةِ، أو أن جِبريل نَزَلَ به على هَذِهِ الصِّفةِ، إلى آخِرِهِ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: في حديثٍ ذَكَرَه الزُّرقاني ذَكَرَ فيه كيفيَّة أمرِ النَّبيّ ﷺ لهم بكتابةِ القُرْآنِ على هَذِهِ الصِّفةِ، كأنْ يقولَ لَهُم: مُدُّوا الألفَ أوْ حرِّكوا اللامَ، ذكر فيه قواعد الرسم الخمسة: الحذف والوصل. . . إلخ؟ فالجواب: إذا قال: مُدُّوا الألف فهذا عليهم؛ لِأَنَّ (مَلِكْ يَومِ الدِينِ) إذا مُدَّتِ الألفُ ثَبَتَتِ الألفُ، معَ أني لا أَعتقِد أن هَذَا يَصِحُّ عن الرَّسولِ ﵊ أبدًا،

стр. 39

يعني أن يقول: اكْتُبُوا الصلاة بالواوِ، واكتبوا الزكاةَ بالواوِ، واكْتُبُوا الربا بالواو، فالَّذِي يُغيِّر اللفظَ هو أن يأمر به الرَّسول ﵊ لفظًا أي أمرًا خاصًّا، فهَذَا معلومٌ، أَمَّا الأحرف السبعة فباللفظ لا بالكِتَابةِ. الوجه الثالث: أنَّنا نَجْزِمُ أَنَّهُ لو كانتِ القواعد الرسميَّة في ذلك الوقت على غير هَذَا الشكل؛ لَكُتِبَ بها بلا شكٍّ، فلا يُمْكِنُ أن يُكتَب بغير القواعد الرسميَّة في ذلك الوقت، لَكِنَّهُ في عهد عثمان ﵁ كَتَبُوه حسَب القواعد الرسميَّة -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت. فعلى هَذَا نقول: هَذَا القول هو الراجِح؛ أَنَّهُ يجوز أن يُكتَب القُرْآن بحسَب القواعد العصريَّة، والَّذِي نراه أيضًا: أَنَّهُ لا يجوز أن يُكتَب بالرسم العُثماني للجاهِلِ، فالإنْسَان الجاهل لا يجوز أن نكتُبَ له بالرسمِ العثمانيّ، والسَّبب أَنَّهُ لو قَرَأَهُ على حسَب الرسم العُثماني وهو لم يُعلَّم إيَّاه في التلاوة سوف يُحَرِّفُ القُرْآنَ. * * *

стр. 40

الآية (٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. * * * ردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الغيبَ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنينَ ﴿رَحِيمًا﴾ بهم]. قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي القُرْآن، أمر للنبيِّ ﵊ بأن يقول لهم في رد قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ونحن ذكرنا فيما سبق أن القُرْآن كله قد أُمر النَّبي ﷺ بتبليغِه، ولَكِن إذا جاء حُكْم مِنَ الأحكام أو خبر مِنَ الأخبار وأُمِرَ النَّبي ﷺ أن يقولَه فهذا يدل على الاهتمام به والعناية به، كأنه وصيَّة خاصَّة بهذا الأمر، وفي هَذَا المقام الَّذِي معنا فيه أيضًا زيادة على ذلك أَنَّهُ دَعْمٌ للرسول ﵊؛ لِأَنَّهُ إذا كان اللَّه هو الَّذِي يُلَقِّنُه الحُجَّة كان ذلك أبلغَ في دعمِه وتقويتِه، يعني كأن اللَّه يُلَقِّنه الحجَّة لِيُحَاجَّ عنه، لكِن على لسانِه. قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يَبدو للإنْسَان لأوَّل وَهلة أن هَذَا الجواب غيرُ مقنِعٍ، كيف ذلك؟ لِأَنَّ الرَّسولَ ما زال يقول: إن الَّذِي أنزلَهُ اللَّه، فكيف يَكُون هَذَا الجواب مفحِمًا لهم ومبطِلًا لقولِهم؟
следующие страницы →