← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذا كتب القُرْآن لنفسِه أو لغيره تعليمًا أو تلاوةً أو أيَّ حال مِنَ الأحوال؛ يَجِب أن يَكُون على الرسم العثمانيّ؛ بناءً عَلَى أَنَّ هَذَا من باب التوقيف، فكما أنَّنا لا نغيِّر اللفظ فكذلك لا نُغَيِّر الكِتابة. القول الثَّاني: يجوز أن يُكتَبَ القُرْآنُ بحسَبِ القواعدِ الَّتِي يُكتَب بها في أيِّ عصرٍ كان، ولا يَجِب التقيُّد بالرسْم العُثمانيّ. قالوا: لِأَنَّ الكِتَابة لها قواعد تَختلِفُ باختلاف العصورِ والأُمم، والقُرْآن لم يَنْزِلْ مكتوبًا، وإنَّما نزل مَقروءًا باللفظ، لا بالكِتَابة، فالكِتَابةُ ليستْ تَوْقِيفِيَّة، ولأنه لو كانت قواعد الرَّسْم حينَ نُزُولِ القُرْآنِ على غير هَذَا الوجهِ لَكُتب بها، يعني لو فُرض أنَّ الرسمَ حينَ نُزولِ القُرْآنِ أو حينَ جَمْعه في عصرِ عُثمان ﵁ على غير هَذِهِ القواعد لكُتِبَ بها، ولم يُكْتَبْ بشَيْءٍ آخَرَ، فدَلَّ ذلك عَلَى أَنَّ الكِتَابةَ تابعةٌ للعصر الَّذِي تُكتَب فيه. القول الثالث: التفصيل؛ إن كُتِبَ لعالم فبالرسم العثمانيّ، وإن كتب لجاهلٍ فبالرسم العَصري الَّذِي هو فيه. قالوا: لِأَنَّهُ إذا كانَ جاهِلًا ثُمَّ كُتب له على الرَّسم العُثمانيّ أخطأَ في اللفظِ، مثلًا الصلاة إذا أردنا أن نَكْتبهَا على الرسمِ العثمانيّ ففيها واو، فيقرؤها الجاهل: الصلوات مثلًا أو الصلوة، وكذلك الزكاة، وكذلك الرِّبا وما أشبهها، فهَؤُلَاءِ يُفَصِّلون بين أن يكتب لعالم وأن يُكتب لجاهل. والصحيحُ القولُ الثَّاني؛ أَنَّهُ يجوز أن يُكتَب القُرْآن بحسَب القواعد العصرية الَّتِي كُتب بها؛ لِأَنَّ كتابته ليس بتوقيفيَّة؛ لِأَنَّهُ لم ينزِلْ مكتوبًا فنقولَ: يَجِب التوقُّف على ما نزل عليه، وإنما هو كُتب في عصرٍ كانت قواعد الرسم على هَذَا الوجه، فبقِيَ على هَذَا الوجه. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا قد يؤدي إلى التحريف؟

стр. 37

فالجواب: القُرْآن يُتلَى، فالتِّلاوة تضبِط عن التحريف. بناءً على هَذَا الخلافِ فهل كتابةُ القُرْآن بطَريقةِ برايل تجوز أو لا؟ لا تجوز من باب أَولى؛ لِأَنَّ هَذِهِ النُّقط أبعدُ ما تكون عن الحروف، وعلى هَذَا فلا يجوز إطلاقًا أن يُكتَب، وعملُ النَّاس الآنَ على خلاف ذلك، فالآن يوجد مصاحف كاملة مكتوبة بهَذِهِ الطَّريقة لفظًا لا ترجمةً. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما المانِع أن يُكتَب القُرْآن بطَريقة برايل بالرسم العثماني؟ فالجواب: الآن مثلًا قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿قَالَ﴾ لا تكتب إلا حسب قواعد برايل، حسب رسمه بالنقاط. فَلَوْ قِيلَ: كتابة برايل أكْثَرها اختصارات، فمثلًا كلمة (كيف) يرمزون لها رمزًا؟ نقول: حتى لو فرض أنها تبقى على ما هي عليه وإذا كانت كتابة برايل أكْثَرها اختصارات بحيث يرمزون الكلمات رمزًا، فيُسقِطون بعض الحروف كتابةً، فهَذِهِ تكون أبعدَ عن الجواز، وحتى لو قُلْنا بالجواز فينظر في هذا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كتابة المصحف على الرسم العُثمانيّ قد تشكل بالنسبة للقراءات؛ لِأَنَّهَا تَحتمِل أكْثَرَ من وجهٍ، فلو كتبت على الكِتَابة المعروفة لاحتملت وجهًا وَاحِدًا؟ نقول: القراءات على الرسم العثماني صحيح تأتي على وجوهٍ، لكِن قبل أن يوجد التشكيل والإعراب، فالإعجام الآن يَمنع، فقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مثلًا بعد أن أُعجمتْ ونُقطتْ لا يمكن أنك تقرؤها: (فتثبتوا)، وكلمة ﴿مَالِكِ﴾ لو أردنا أن نَقْرَأَها على الرسم العُثمانيّ بدون تشكيل فورًا نَقْرَؤها (مَلِكِ)، ولا يمكن أن نقرأها (مالك)، وبالتشكيل نقرؤها (مالك)، لِأَنَّهُ يرمز للألف بالشرطة، فإذَن على كلِّ حالٍ

стр. 38

سَيَتبَيَّن هَذَا وهذا، فبعد التشكيل -في الحقيقة- لا تتبين القراءة، يعني لا تكون الكلمة الوَاحِدة جامعة للقراءات. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أليس القُرْآن نزل ملفوظًا به، فالمقصود تَعَلُّم اللفظ، فما المانع على هَذَا أن تكونَ الكِتَابةُ على هَذِهِ الطَّريقةِ جائزةً؟ نحن نقول بناء على الخلاف، أَمَّا إذا قُلْنا بالجواز فطَريقة برايل جائزة، لكِن الَّذِي يوجِب علينا الإِشْكال قول مَن قال: إن فيها اختصارًا. المهم أننا إذا قُلْنا بالجواز سواء تفصيلًا أو إطلاقًا فطَريقة برايل هَذِهِ جائزة للحاجة، فعلى القول بجواز كتابة القُرْآن بغير الرسم العثماني الأمر فيها واسع، وما زال النَّاس الآن بالنسبة لتعليم الصبيان يكتبونه بالرسم العصري، وأنا ليس عندي إشكال في جواز الرسم العصري حتى وإن لم يحتج الإنْسَان إليه، كما أشرنا إليه، وذكرنا ثلاثة أوجه للجواز: الوجه الأول: أن القُرْآن نزل مَلفوظًا به لا مَكتوبًا، وحِينَئذٍ يمنع التوقيف. الوجه الثَّاني: أَنَّهُ إِنَّمَا كُتب على هَذَا الوجه لِأَنَّ القاعدة الرسميَّة في ذلك الوقت كانت على هَذَا الوصفِ، لا لأنَّ الرَّسول مثلًا قال: اكْتبوه على هَذِهِ الصِّفةِ، أو أن جِبريل نَزَلَ به على هَذِهِ الصِّفةِ، إلى آخِرِهِ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: في حديثٍ ذَكَرَه الزُّرقاني ذَكَرَ فيه كيفيَّة أمرِ النَّبيّ ﷺ لهم بكتابةِ القُرْآنِ على هَذِهِ الصِّفةِ، كأنْ يقولَ لَهُم: مُدُّوا الألفَ أوْ حرِّكوا اللامَ، ذكر فيه قواعد الرسم الخمسة: الحذف والوصل. . . إلخ؟ فالجواب: إذا قال: مُدُّوا الألف فهذا عليهم؛ لِأَنَّ (مَلِكْ يَومِ الدِينِ) إذا مُدَّتِ الألفُ ثَبَتَتِ الألفُ، معَ أني لا أَعتقِد أن هَذَا يَصِحُّ عن الرَّسولِ ﵊ أبدًا،

стр. 39

يعني أن يقول: اكْتُبُوا الصلاة بالواوِ، واكتبوا الزكاةَ بالواوِ، واكْتُبُوا الربا بالواو، فالَّذِي يُغيِّر اللفظَ هو أن يأمر به الرَّسول ﵊ لفظًا أي أمرًا خاصًّا، فهَذَا معلومٌ، أَمَّا الأحرف السبعة فباللفظ لا بالكِتَابةِ. الوجه الثالث: أنَّنا نَجْزِمُ أَنَّهُ لو كانتِ القواعد الرسميَّة في ذلك الوقت على غير هَذَا الشكل؛ لَكُتِبَ بها بلا شكٍّ، فلا يُمْكِنُ أن يُكتَب بغير القواعد الرسميَّة في ذلك الوقت، لَكِنَّهُ في عهد عثمان ﵁ كَتَبُوه حسَب القواعد الرسميَّة -فيما يبدو لي- في المدينة في ذلك الوقت. فعلى هَذَا نقول: هَذَا القول هو الراجِح؛ أَنَّهُ يجوز أن يُكتَب القُرْآن بحسَب القواعد العصريَّة، والَّذِي نراه أيضًا: أَنَّهُ لا يجوز أن يُكتَب بالرسم العُثماني للجاهِلِ، فالإنْسَان الجاهل لا يجوز أن نكتُبَ له بالرسمِ العثمانيّ، والسَّبب أَنَّهُ لو قَرَأَهُ على حسَب الرسم العُثماني وهو لم يُعلَّم إيَّاه في التلاوة سوف يُحَرِّفُ القُرْآنَ. * * *

стр. 40

الآية (٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]. * * * ردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الغيبَ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنينَ ﴿رَحِيمًا﴾ بهم]. قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي القُرْآن، أمر للنبيِّ ﵊ بأن يقول لهم في رد قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ونحن ذكرنا فيما سبق أن القُرْآن كله قد أُمر النَّبي ﷺ بتبليغِه، ولَكِن إذا جاء حُكْم مِنَ الأحكام أو خبر مِنَ الأخبار وأُمِرَ النَّبي ﷺ أن يقولَه فهذا يدل على الاهتمام به والعناية به، كأنه وصيَّة خاصَّة بهذا الأمر، وفي هَذَا المقام الَّذِي معنا فيه أيضًا زيادة على ذلك أَنَّهُ دَعْمٌ للرسول ﵊؛ لِأَنَّهُ إذا كان اللَّه هو الَّذِي يُلَقِّنُه الحُجَّة كان ذلك أبلغَ في دعمِه وتقويتِه، يعني كأن اللَّه يُلَقِّنه الحجَّة لِيُحَاجَّ عنه، لكِن على لسانِه. قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يَبدو للإنْسَان لأوَّل وَهلة أن هَذَا الجواب غيرُ مقنِعٍ، كيف ذلك؟ لِأَنَّ الرَّسولَ ما زال يقول: إن الَّذِي أنزلَهُ اللَّه، فكيف يَكُون هَذَا الجواب مفحِمًا لهم ومبطِلًا لقولِهم؟

стр. 41

الوجه الأول: أن في القُرْآن أسرارًا وإخبارًا بالغيب لا يمكن أن يأتيَ بها بَشَرٌ. ولهذا قَالَ اللَّه : ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ففي أخبار هَذَا القُرْآن ما هو مِنَ الأسرار الَّتِي لا يطَّلِع عليها مُحَمَّد ﷺ ولا غيره، ولهذا عدل اللَّه عن قوله: قُلْ أنزله اللَّه إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني وَرَدَ في القُرْآن مِنَ الأخبار ما لم يكن معلومًا حينها، فيُخبِر بالخبر فيقع، فالرَّسول ﵊ لا يمكنه أن يعلم ذلك، وإنما الَّذِي يعلمه اللَّه، وهو الَّذِي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ البُرهانَ القاطِعَ عَلَى أَنَّ هَذَا القُرْآن ليس من كَلام الرَّسول ﵊ وليس أساطيرَ الأوَّلين؛ لِأَنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هَذَا وجهٌ بَيِّن جدًّا. وجهٌ آخرُ يمكِن أن يؤخَذ، وهو أَنَّهُ إذا كان هَذا القُرْآن من عند مُحَمَّد ﷺ وينسُبه إلى اللَّهِ، ويجاهد به وعليه أيضًا، فإن اللَّه لا يمكِن أن يُقِرَّه على هَذَا الأمر؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يعلَم السرَّ، وهذا الَّذِي فعله مُحَمَّد ﷺ على فرضِ أَنَّهُ ليس بصحيحٍ هل هو سرٌّ أو جهرٌ؟ هو جهرٌ، فإذا كان اللَّه يعلم السرَّ فَإِنَّهُ يعلم الجهرَ من باب أَولى، وإذا كان يعلم الجهرَ، ومُحَمَّد ﵊ يقول: إن هَذَا كَلام اللَّه، فإن اللَّه تَعَالَى لا يمكن أن يُهْمِلَه، ولكان اللَّه يعاجله بالعقوبة؛ لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ بعض الأقاويل ليس كلها ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٦]، وهذا هو السِّرُّ في العُدُول عن قولِه: (قلْ: أنزله اللَّه) إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ المُفَسِّر ﵀ تَصَرَّفَ في إطلاق هَذِهِ الآية، فالآية ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهو يقول هنا: [﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين

стр. 42

﴿رَحِيمًا﴾ بهم]، وهذا التصرف مِنَ المُفَسِّر في الحقيقة تخصيص لا وجه له، فاللَّه تَعَالَى موصوف بهذا الوصف ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ لكل مَن يَستحِقّ المغفِرة من مؤمنٍ معه أصل الإيمان لَكِنَّهُ يعمل المعاصي. * * *

стр. 43

الآيتان (٧، ٨) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨]. * * * قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾. قُلْنَا: إن (ما) استفهاميَّة، و (لهذا) جار ومجرور خبر المبتدأ، و ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة ما محلها مِنَ الإعراب؟ نأتي بآيةٍ تُشْبِهُها حتى يَتَّضِحَ لنا: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، كيف نعرب ﴿مُعْرِضِينَ﴾؟ حال. إذن قوله: ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الجملة حاليَّة، يعني ما باله آكِلًا للطعام، كأَنَّهُمْ يقولون: لو كان رسولًا لم يأكل الطعام. هَذِهِ وَاحِدةٌ. ثانيًا: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يمشي في الأسواق مع النَّاس لا يَتَرَفَّع ولا يَختبئ في بيته، ولا يمشي ومعه جنوده يمينًا وشِمالًا وأمامًا وخلفًا. ثالثًا: لماذا يمشي في الأسواق؟ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني كأَنَّهُمْ يقولون: ولماذا لم يكن معه مَلَك؛ لِأَنَّ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلَّا)، وهي للتحضيضِ.

стр. 44

وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ أحد الملائكة، وهو مشتقٌّ مِنَ الأَلُوكَة، وهي لغة الرِّسَالة، وقد قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]. قوله: ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ﴾ مع الرَّسول ﷺ ﴿نَذِيرًا﴾ يعني منذرًا؛ لِيُعْلَم بذلك أَنَّه صادق. الوجه الرابع: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنَ السَّمَاء ينفقه، ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلبِ المعاشِ]. قوله: ﴿يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني يُنزل كَنْزٌ مِنَ السماءِ، وإنما قُلْنا: مِنَ السَّمَاء لِأَنَّ قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ يدل على الانتهاء والغاية، وإلا مِنَ الجائز أن يَكُونَ معنى قوله: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يعني يجد كَنزًا في الأرض، ولَكِنَّ (إلى) تفيد الانتهاء والغاية، فيَكُون معنى هذا: يُلْقى إليه مِنَ السماء، أي يُنْزَلُ إليه مِنَ السَّمَاء كَنز ليَكُونَ ذا مالٍ كثيرٍ؛ فلا يَحتاج إلى المشي في الأسواق، ولا يُصيبه الفقر كما هي حال النَّبي ﷺ الآن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي من ثمارها فيَكتفي بها، وفي قراءةٍ: "نأكل" بالنون، أيْ نحنُ، فيَكُون له مَزِيَّة عَلَيْنَا بها]، قوله [وفي قراءة]، أي سَبْعِيَّة؛ لِأَنَّ قاعدة المُفَسِّر ﵀ أَنَّهُ إذا قال: "وفي قراءة" فهي سبعيَّة، وإذا. قال: (وقُرِئ) فهي شاذَّة. إذَن فيها قراءتان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ و"نأكلُ مِنهَا" (١). فهَذِهِ خمسةُ أشياءَ اعْتَرَضُوا بها.

стр. 45

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أي الكافرون للمؤمنين ﴿إِنْ﴾ ما ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مخدوعًا مغلوبًا على عقله]. قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ أولًا في هَذَا إظهار في مَقام الإضمارِ؛ لأنه قَالَ قبلُ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، وهنا ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ والإظهارُ في مَقامِ الإضمارِ له فوائدُ: الْفَائِدَة الأُولى: أَنَّهُ يُسجِّل على هَؤُلَاءِ وصفهم بهذا الظاهر، إن كان كفرًا فَهُوَ كفر، أو كان ظلمًا فَهُوَ ظلم، أو فسقًا فَهُوَ فِسق، أو إيمانًا فَهُوَ إيمان، إلى آخرِه. الْفَائِدَة الثَّانية: أن هَذَا الحكم أو هَذَا القول أو هَذَا الفعل ظلمٌ من أيِّ إنْسَانٍ وقع؛ لِأَنَّهُ للتعليل، فهذا القول يُعتبر مِنَ الظلم، فيَكُون الأمر شاملًا، يعني أن كلَّ مَن قالَ فَهُوَ ظالِمٌ. الْفَائِدَة الثالثةُ: التنبيه: تنبيه المخاطَب، لِأَنَّ اختلاف الكَلام أو اختلاف النسق في الكَلام يُوجِب الانتباه، فالكَلام إذا كان على نَسَق وَاحِدٍ فإن الإنْسَان يَنسجم، وربما يسرح، فإذا جاءه شَيْءٌ على خلافِ النمطِ الأولِ حَصَلَ بذلك الانتباه، وهَذِهِ الْفَائِدَة لفظيَّة، والفائدتانِ الأُوليانِ معنويَّتان. قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِن﴾ ما]، (ما) هَذِهِ تفسير لـ ﴿إِن﴾، يعني أن ﴿إِن﴾ نافية، وإذا كانت نافيةً فالمسألة فيها حَصرٌ، يعني ما تتبعون إلا رجلًا، وهذا أبلغُ من قولهم: إنكم تتبعون رجلًا مسحورًا، يعني كأَنَّهُمْ قالوا: إن الرَّسول ﵊ ليس له حال مِنَ الأحوال إلا أَنَّهُ مسحورٌ، أي: مخدوع مغلوب على عقله ومختل العقل بالسحر. ومنَ العجائب أَنَّهُمْ أحيانًا يقولون: إِنَّهُ ساحرٌ، وأحيانًا يقولون: إِنَّهُ مسحورٌ، وبينهما فرقٌ، لكِن مع هَذَا المبطِلُ كلُّ ما يمكِنه

стр. 46

مِنَ الدعاوي الباطلة يأتي بها، ولو تناقضتْ. فننظر الآنَ إلى هَذِهِ الأشياءِ الستِّ الَّتِي قَدَحُوا في النَّبيِّ ﷺ بها: أوَّلًا: قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ نجيبهم بأنه بشر، فَهُوَ محتاج إلى الطعام، وهذا ليسَ بقادحٍ ما دامت القرائنُ أو البيِّنات شهِدتْ بصدقِه، فإن كونه يأكل الطعام لا يَمنعُ من صدقِه؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ. ثانيًا: قولهم: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ نَرُدّ عليهم بأن هَذَا مما يؤيِّد كونَه رسولًا، لا مما يناقِض كونه رسولًا؛ لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ على تواضُعِهِ وعلى محَبَّتِه لأنْ يَكُونَ بين أُمَّته يفيدهم ويَسْتَفِيدون منه، إذَن فهَذِهِ كونها دليلًا على الرِّسَالةِ أوضحُ من كَوْنِهَا مانعًا منَ الرِّسَالةِ. ثالثًا: قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ كأنَّهم يقولون: ولماذا لم يُنْزَلْ عليه مَلَكٌ؟ فيُقال: أولًا: إِنَّهُ أُنِزْلَ إليه مَلَك لَكِنَّه ليس كما طَلَبُوا يَمْشِي معَه ويُنذِر، فإنَّ جِبريلَ قد أُنزل إلى النَّبيِّ ﷺ ومعه الوحيُ، وهذا هو ما يقوله النَّبيّ ﵊، وأمَّا كونه معه مصاحِبًا له فهذا لا يَقدَح في الرِّسَالةِ إذا لم يَكُنْ مصاحبًا؛ لِأَنَّهُ لو كانَ مصاحِبًا وجاء على غير صفةِ الملائكةِ عاد الأمرُ كما كان، وصارت الحُجَّة الَّتِي يَحتجُّون بها أو الشُّبهة الَّتِي يَحتجون بها موجودةً، ولو جُعِلَ في صورة الملَك لكان يُقضَى عليهم إذا لم يُؤمِنوا؛ لِأَنَّ الآياتِ المعيَّنة إذا طُلِبَت ولم يُؤمِن مَن طَلَبها فَإِنَّهُ يُهْلَكُ، وأمَّا آية انشقاق القمرِ فليستْ معيَّنة، ولهذا قيَّدناها بالآياتِ المعيَّنة إذا طُلِبَتْ، أمَّا إذا قالوا: أَرِنا آيةً ولم يُعَيِّنونها فهذا قد لا يَهْلِكون به. رابعًا: قولهم: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يقولون: لماذا لم يكنْ هَذَا غنيًّا، فكونه قليلَ ذاتِ اليدِ يدُلُّ على أَنَّهُ غير رسولٍ، يقولون: أنت رسول فلماذا لم يَنزِلْ عليك

стр. 47

كَنز تَستغني به عن طلب الرزق؟ بماذا نُجيبهم؟ دَفع قولهم أنَّ النَّبيَّ -صلي اللَّه عليه وسلم- خُيِّر بينَ أن تُسيَّر معه الجبال ذَهَبًا أو خُيِّر بين أن يَكُونَ ملِكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا، فاختار هذا. لَكِنْ هَذِهِ ليستْ مقنِعةً لهم، فنقول: الرِّسَالة لا تَتَوَقَّف على المال، وليس المال دليلًا للرسالة؛ لِأَنَّ هناك أُناسًا كثيرينَ أغنياء ولَيْسُوا برسلٍ. ثُمَّ نقول: إن عدم المال معه قد يَكُون أكْثَر لتأييد كونه رسولًا؛ لِأَنَّهُ لو نزل إليه مال وكان عندَه كَنزٌ واتبعه النَّاس مِنْ أجْلِهِ لصارت المسألة أَنَّهُمْ ما اتَّبعوه مِنْ أجْل رسالته، ولقيل: اتبعه النَّاس مِنْ أجْل كَنزه وغِناه. إذَن نقول: كونه لم يُنزَل عليه كَنز ليس مانعًا مِنَ الرِّسَالة؛ لِأَنَّ ثبوت الرِّسَالة لا يتوقف على الكنز، بل تَثْبُتُ بدونه، فهذا إبطال لقولهِم. خامسًا: قولهم: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ نقول فيها مثل ما قُلنا في مسألة الكَنْز؛ أن هَذَا ليس بلازمٍ للرسالةِ، وأنه لو كان له جَنَّة يأكل منها أو (نأكل) على القراءة الثَّانية، وهي أَولى، لقيل: إنهم اتَّبعوه لأجل الأكل من هَذِهِ الجنَّة. سادسًا: قولهم: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ بماذا نَرُدُّ عليهم؟ نرد عليهم بأن المسحور لا يُمكِن أن يأتيَ بمثل هَذَا الكَلام الَّذِي يعجِز عنه العقلاء، فيقال: فهل يمكن لإنْسَان مسحور مخبول العقل بالسِّحر أن يأتي بكَلام يعجِز عنه العقلاء ويُتَحَدَّى العقلاء أن يأتوا بمثله ولا يستطيعون؟ لا يمكن، هَذَا واضح جدًّا، ولهذا قَالَ اللَّه : ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، فالمسحورُ لا يُمْكِن أنْ يأتيَ بمثلِ هَذَا الكَلامِ، فنحنُ لا نقولُ: إِنَّهُ يأتي بكَلامٍ يُمْكِن نَقْضُه أو لا يُمْكِن، بل لا يُمْكِن إلَّا أن يأتيَ بكَلامٍ غيرِ متوازنٍ، فكيف بكَلامٍ مُعْجِزٍ؟ ! * * *

стр. 48

الآية (٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٩]. * * * الاستفهام في قولِهِ: ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ للتعجُّب والإنكارِ. وقوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ يعني الأشباهَ أوِ الأوصاف، فالمَثَلَ يأتي بمعنى الشَّبَه ويأتي بمعنى الصِّفة، قَالَ اللَّه : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥] معنى ﴿مَثَلُ﴾ صفة الجنة، قَالَ : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧]، شَبَهُهُمْ كشَبَهِ، فالأمثال إما بمعنى الأشباه أو بمعنى الأوصاف. يعني كيف جَعَلوا هَذِهِ الأوصاف الَّتِي يقدَحون برسالتِك بها، انظُر إليها متعجِّبًا، والتعجُّب يَقتضي في الغالب الإنكارَ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحورِ والمحتاج إلى ما يُنفِقُه، وإلى مَلَكٍ يقوم معه بالأمْر ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلكَ عن الهُدَى ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طَريقًا إليه]. قوله : ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ﴾ الخطاب للرسول ﵊، وكونه يخاطِب الرَّسول ﷺ بهذا الإنكارِ عليهم لا يَخْفَى ما فيه من التأييدِ والتقويَةِ للرسول ﷺ ، وعناية اللَّه تَعَالَى به ﷺ ، وهذا أمرٌ معلومٌ.

стр. 49

وقوله: ﴿فَضَلُّوا﴾ الفاء هَذِهِ عاطِفةٌ، لَكِنَّها تفيد السَّببيَّة، أي فبسَبَب ما ضَرَبُوه لكَ منَ الأمثال ضَلُّوا. وفي هَذَا دليلٌ على أنَّ الإنْسَان إذا أوردَ الشُّبُهاتِ على نفسه أو على مَن أتى بالحقِّ فَإِنَّهُ يَكُون سَبَبًا لضلالِهِ إذا لم يَقْبَلِ الإنْسَانُ الحقَّ ويَدَع ما يَرِدُ على خاطرِه من الشُّبُهات حول ذلك الحق، فَإِنَّهُ يَكُون سَبَبًا لضلالِه، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ الفاء عاطفة وتفيد السَّببيةَ. وقد ذكر ابن القيِّم ﵀ في (مِفتاح دار السَّعادة) أَنَّهُ تكلم مع شيخِه ابن تيميَّة في مسائل فجعل يُورِد عليه بالنقض، فقال له: "لا تَجْعَلْ قَلْبَكَ للإيرادات والشُّبُهاتِ مثلَ السفنجة فيَتَشَرَّبها فلا ينضح إلَّا بِهَا، ولَكِن اجْعَلْهُ كالزُّجاجة المُصْمَتَة، تَمُرُّ الشُّبُهَات بظاهرها ولا تَسْتَقِرّ فيها، فيراها بصفائه ويَدْفَعها بصَلابتِه" (١) وهذا صحيحٌ؛ لِأَنَّ الإنْسَان إذا فتح على نفسِه بابَ الشُّبُهات والتساؤلات فإنَّهُ يَضِلّ، وانظُرْ إلى إرشاد النَّبي ﷺ الرجل حينما يتساءل النَّاس: مَن خَلَقَ كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق اللَّه؟ فأمر النَّبي ﵊ الإنْسَان إذا وصل إلى هَذَا الحدِّ أنْ يَستعيذَ باللَّه ولْيَنْتَهِ، وأَرشدَه إلى أن يقرأ ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) وفي حديثٍ آخرَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣) فهَذِهِ الأشياء الَّتِي تَرِدُ على القلب إذا استرسلَ الإنْسَان معها فسوف تكونُ سَبَبًا لضلالِهِ كما تفيده هَذِهِ الآية وآيات أخرى كثيرة، مثل قوله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ

стр. 50

فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فالإنْسَان يَجِب عليه أن يَكُون قابلًا للحقِّ متشوِّفًا له، ولا يُورِدُ على نفسِه شُبُهاتٍ؛ لِأَنَّ الشبهات ما لَها حدٌّ، والشيطان يحبُّ من ابن آدم أن يَرِدَ على قلبه هَذِهِ الشبهات لِيَضِلَّ. قول المُفَسِّر ﵀: [بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه]، المسحور واضح، وقوله: ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ كلها مندرِجة في قوله: [والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى مَلَكٍ يقوم معه]. الخلاصة: أن هَؤُلَاءِ الكفار جعلوا مع اللَّه آلهةً، وهذا قَدْحٌ في التَّوحِيدِ، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّ القُرْآنَ أساطيرُ الأوَّلينَ، وهذا قَدْحٌ في القُرْآنِ مباشرةً، ويَتَضَمَّن القَدْحَ في اللَّه أيضًا، والقدح في الرَّسول ﷺ ، ثُمَّ بعد ذلك ذكر اللَّه قَدْحَهم في الرَّسول ﷺ ؛ القدح المباشر بهَذِهِ الأوجه الستةِ، وتَبَيَّنَ -وللَّه الحمد- أن هَذِهِ الأوجه الَّتِي أوردوها قدحًا في النَّبي ﷺ كلها ليستْ بقدحٍ، بل منها ما يؤيِّد أنَّهُ رسولٌ. وقدِ استدلَّ بعضُ العلماءِ بهَذِهِ الآية عَلَى أَنَّ النَّبي ﷺ لم يُسْحَرْ، وكذَّبوا بذلك الأحاديثَ المشهورةَ -بل المتواترة- أن النَّبيَّ ﷺ سُحر، وأن اللَّه أنزل عليه المعوِّذتينِ لنقضِ هَذَا السحرِ، وهذا أمر لا شكَّ فيه؛ لِأَنَّ الأحاديث في ذلك متواترة، لكِن هم يقولون: هَذِهِ الأحاديث كلها كذِب ليستْ صحيحةً؛ لِأَنَّ القول بأنه مسحور هو قول الكفَّار، فهل لاستدلالهم بهَذِهِ الآية وجهٌ أو لا؟ الردُّ عليهم بأنْ نقولَ: إنَّ هَؤُلَاءِ الظالمينَ الَّذِينَ قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أرادوا بذلك أن السحرَ وَصْفٌ لازِمٌ له، وأن كل هَذَا الكَلام الَّذِي يقوله كَلامٌ مسحور مخبول، أَمَّا السحر الَّذِي طرأ على النَّبي ﷺ فَهُوَ سحر طارئٌ، ثُمَّ مع ذلك ما أثَّر في الرِّسَالة أبدًا، عائشة ﵂ تقول: الَّذِي حصل أَنَّهُ كان يخيَّل إليه

стр. 51

أَنَّهُ فعل الشَيْء ولم يفعلْه، هَذَا الَّذِي حصل، وهي مدة وجيزة أيضًا، ولم يؤثر هَذَا في الرِّسَالة، فما قَالَ شيئًا في الرِّسَالة مما يمكِن أن تتغير به الرِّسَالة في هَذِهِ المدَّة. فالحاصِلُ: أنَّ الاستدلالَ بهَذه الآيةِ على إبطال أحاديثَ صحيحةٍ متواترةٍ لا شكَّ أَنَّهُ جُرأةٌ عظيمة، فلو كانت الأحاديث ضعيفة أو كانت الأحاديث مثلًا من الأحاديث الَّتِي في أَدنَى مراتب الصحة لَكِنَّا نقول: إن هَذَا له وجهٌ، وَأَمَّا أحاديث صحيحة مشهورة متواتِرة ونُبطِلها بمثل هَذَا الأمر فلا يمكن، ولذلك الصواب، بل اليقين المتيقَّن المتعيَّن أن ذلك وقع للرسول ﵊، ولَكِنَّ اللَّه تَعَالَى أنزل عليه سورتينِ ثُمَّ هُدِيَ إلى مَحَلّ السِّحر، وسِحره كان في بِئْرِ أَرِيسٍ، وكان في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ (١) يعني كافورًا، كافور الفَحل يَكُون كبيرًا وَيَسَع، هَذَا السحر وُضِعَ للرسول ﵊ في مُشط: الَّذِي يكَد به الرأسُ، والمُشاطة: الشَّعر الَّذِي يتناثر مع الكد، وجُعل هَذَا الكافورُ في البئر الَّذِي كان الرَّسول ﷺ يأتي إليه، وذهب النَّبي ﵊ وأمر بأن يُخرَج هَذَا السحر فأُخرِجَ السحرُ فنُقِضَ، فعافاه اللَّه . قوله: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: ﴿سَبِيلًا﴾ بمعنى طَريقًا، وهو طَريق إلى الهدى، والعياذ باللَّه، وفي هَذَا تحذير -كما أشرنا إليه أولًا- من أن يتابع الإنْسَان الشُّبه الَّتِي تَرِد عليه، وأنه يَجِب على الإنْسَان أن يَبْتَعِدَ عن هَذَا كلِّه. * * *

стр. 52

الآية (١٠) * * * * قالَ اللَّهُ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تَبَارَكَ﴾ تكاثَر خَيْر ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾]، المُفَسِّر ﵀ في أول السورة فسَّر تبارك بـ (تَعَالَى)، وهنا فسَّرها بـ (تكاثر خَيْرُه)، فهل معنى ذلك أن هَذِهِ الكلِمة خاضعة للسياق، وأنها تفسَّر في سياقٍ بمعنى (تَعَالَى) وفي سياق بمعنى (تكاثر خيرُه)؟ ظاهر صَنيع المُفَسِّر أنها كذلك وأن هَذِهِ الكلمة (تبارك) إن جاءت في سياق فُسِّرَت بمقتضاهُ وإنْ جاءت في سياق آخَر فسرت بمقتضاه، ولَكِنَّنا أشرنا فيما سبق إلى أنها وإنْ دلَّتْ على التعالي فهي دالَّة أيضًا على كَثرةِ الخير؛ لِأَنَّهَا مِنَ البَركة، والبركة هي كثرة الخير مع دوامِهِ، مأخوذةٌ من البِرْكة الَّتِي هي مَجْمَعُ الماءِ، ففيها ماء ثابتٌ وكثيرٌ. قوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ أي تَعالَى معَ كثرةِ الخيراتِ ﴿الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إلى آخره، جُملة صلة الموصول هنا شرطيَّة، أي الجملة الَّتِي وُصل بها الموصول شرطية؛ وهي ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾، فنستفيد من ذلك أن صلة الموصول تأتي شرطيةً، وإذا أتتْ شرطيةً فلا بدَّ من وجود فعل الشرطِ وجواب الشرط، ثُمَّ نقول: الجملة من فعل الشرط وجوابه صلة الموصول لا محلَّ لها من الإعرابِ.

стр. 53

قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ والمراد به اللَّه : ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الَّذِي قالوه من الكَنز والبُستان]، ما هو الخير؟ أبدل منه قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي في الدُّنْيا؛ لأنَّهُ شاءَ أن يُعْطِيَهُ إيَّاها في الآخرة ﴿وَيَجْعَلْ﴾ بالجزم ﴿لَكَ قُصُورًا﴾ أيضًا، وفي قراءة بالرفع استئنافًا (١)]. قول المُفَسِّر ﵀: [أي في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ شاء أن يعطيَه إياها في الآخِرة]، ليس له داعٍ؛ لِأَنَّ السياق يُغني عن هَذَا القيد؛ إذ إن هَؤُلَاءِ يَقترِحون أنْ تكونَ هَذِهِ الأمور السابقة لهم في الدُّنْيا، فيقول اللَّه : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾، فالقيد الَّذِي ذكره المُفَسِّر كأنه يقول جوابًا عن الإيراد الَّذِي يرِد علينا؛ وهو أن اللَّه قد شاء أن يعطيَ رسوله جنة الآخرة، فقيَّد الآية بالدُّنْيا. نقول: لا حاجة لهذا القيد؛ لأَنَّهُمْ هم لا يريدون أن اللَّه يجعل له كنزًا وجنةً في الآخرة، يريدون أن تكون له في الدُّنْيا، فيقول اللَّه: لو شاء أن يجعل لك ذلك لجعل لك خيرًا منه، وهي هَذِهِ البساتين، وهم يقولون: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ والَّتِي يجعل اللَّه بدلًا عنها لو شاء جناتٍ ليست جنَّةً وَاحِدةً. قوله: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ الجَنَّة ربما يُؤكَل منها، وهي ليس فيها أنهارٌ، يعني يمكن أن يشربَ النخيلُ والأشجار بعروقِه، لكِن قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أبلغ وأتَمُّ؛ لأنَّ لجِريانِ الماءِ في أنهارِهِ شَهوة بَصَرِيَّة يَتَلَذَّذُ بها الإنْسَان عند رؤيته إيَّاها زيادةً على كثرة الماء على البُستان الَّذِي يَكُون سَبَبًا لكثرة نَمائِهِ وقوَّتِه. وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فيها قراءتان (يَجْعَلْ) بالسكون و"يجعلُ" بالرفع،

стр. 54

فعلى قراءةِ السكونِ تكون معطوفةً على جوابِ الشرطِ ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ﴾، وعلى قراءة الرفع يقول المُفَسِّر ﵀: [استئنافًا]، ولَكِنَّه ليس متعينًا على قراءة الرفع، يعني كأَنَّه يقول: وهو يجعل لك قُصورًا، وليس كذلك، يعني لا يُفهَم منه هَذَا الأمرُ، فَهُوَ استئناف من حيثُ الإعرابُ، لا من حيثُ المعنى؛ لَكِنَّه من حيثُ الإعراب يجوزُ فيه الجَزْم اتِّبَاعا للفظِ، ويجوز الرفعُ استئنافًا، ويَكُون عَطْفَ جملةٍ على جملةٍ، يقول ابن مالكٍ في أَلْفِيَّته (١): وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الجَزَا حَسَن ... . . . . . . . . . . . . يعني إذا كان فعل الشرط ماضيًا فرفع الجزاء إذا كان مضارعًا حسنٌ. . . . . . . . . . . . . ... وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارعٍ وَهَنْ يعني: ضَعْفٌ، فَهُوَ جائزٌ لَكِنَّه ضعيفٌ. فائدة: عِناية اللَّه بالرَّسولِ ﷺ في الدفاعِ عنه، وعنايةُ اللَّه بالرَّسولِ في الدفاعِ عنه ليستْ عنايةً به وحدَهُ، بل حتى بالأُمة؛ لِأَنَّ ذلك يُزِيلُ الشُّبَهَ الَّتِي يَحْتَجُّ بها المبطِلون، وإزالةُ الشُّبَه عن الأُمَّة هَذَا من رَحمة اللَّهِ تَعَالَى بهم. * * *

стр. 55

الآية (١١) * * * * قالَ اللَّه : ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]. * * * لمَّا ذَكَرَ اللَّه ما جَنَى به هَؤُلَاءِ عليه وعلى وحيه وعلى رسولِه والجواب عنْ ذلك؛ ذَكَرَ أمرًا آخَرَ، وهو تكذيبهم بالساعةِ، وأتى بـ (بل) الدالَّة على الانتقالِ، وهذا الانتقال ليس إبطالًا لمَا سبقَ، بل إضافة شَيْء آخَرَ إليه، وهو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، والمرادُ بالساعةِ يومُ القيامةِ، وكلمةُ الساعةِ تُطْلَق في اللُّغة على كل أمرٍ هامٍّ، كأنه لا يوجَد إلا هَذِهِ الساعة الَّتِي يُشار إليها بهذا الزمنِ، وإلا فهي في الأَصْل لكلِّ مُدَّةٍ من الزمان؛ قليلة كانت أم كثيرة، لَكِنها تُطلَق كثيرًا على ما يَحْدُثُ فيه أمر هامٌّ، وذلك كما في هَذِهِ الآية. والتكذيبُ بالساعةِ يَشمَلُ التكذيبَ بوقوعِها رأسًا، بأن يقولَ: لا بعثَ، أو التكذيب بما يَقَع فيها من الأمور؛ كالحساب والكُتُب والصِّراط والحوض والشفاعة وما أشبهَ ذلك؛ لِأَنَّ الإيمان باليوم الآخِر يَتَضَمَّن الإيمان بوقوعِه وبما يقع فيه، فإذا كَذَّبَ به الإنْسَان رأسًا فقد كذَّب به، وإذا صدَّق به ولَكِن كذَّب بما يقع فيه فَهُوَ أيضًا مكذِّب له. قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارًا مُسعرةً، أي مُشْتَدَّة]،

стр. 56

﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ بمعنى هَيَّئْنَا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ﴾ بالساعةِ منهم ومن غيرهم، ولهذا أتى بـ (مَنْ) الدالَّة على العمومِ، ولم يَقُلْ: وأَعْتَدْنَا لهم، وهذا إظهار في موضِعِ الإضمارِ، وقد سبقَ أنَّ من فوائدِ الإظهارِ في مَوْضِعِ الإضمارِ العمومُ والتصريحُ بالعِلَّة؛ عِلة الحُكم، فقوله: ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ كأن هَذَا تعليلٌ للحُكْمِ الَّذِي هو قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾؛ لأَنَّهُمْ كذَّبوا بالساعة. وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ﴾ يستفاد منه أن النار مخَلوقةٌ الآن، وهو كذلك، وقد دلَّت على ذلك نصوصُ الكِتَابِ والسنَّة؛ قَالَ اللَّه تَعَالَى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وهذا نصٌّ صريحٌ في أنها مخلوقةٌ. وفي الأحاديث الصحيحة ما يَدُلُّ على ذلك؛ مثل: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لهَا بِنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ" (١). وقوله: ﴿سَعِيرًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نارًا مُسَعَرَّة]، فجعل فَعيلا بمعنى مفعول، أي مسعَّرة، ويَحتمِل أنْ تكونَ بمعنى فاعلٍ؛ أي حارقة تُحْرِق مَن دخل فيها، والمعنى لا يَتنافَى؛ لِأَنَّهَا إذا كانت مُسَعَّرة يعني مشتَدَّة الحرارة، أو كانت هي بنفسها تَسْعَرُ بالنَّاس وتأكلهم، فهذا وهذا متلازمانِ. * * *

стр. 57

الآية (١٢) * * * * قالَ اللَّه : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غَلَيانًا كالغضبانِ إذا غَلَى صَدرُه منَ الغَضَب ﴿وَزَفِيرًا﴾ صوتًا شديدًا أو سماعَ التغيُّظ رُؤْيته وعِلمه]. قوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، الفاعل هي السَّعير، وفيه دليلٌ على أنها تَرَى، وهَذِهِ الرؤيةُ يجِب أن نَحْمِلَها على المعنى الحقيقيِّ، ولا يمكِن أن نقولَ: إن هَذَا من باب الاستعارة، وإنه معنًى مجازيٌّ؛ لِأنَّهُ من الجائز أن يخلُق اللَّه تَعَالَى فيها إدراك الرؤيَة، وإن كانتْ هي ليستْ من ذواتِ الرؤيةِ في العادةِ، ولَكِن اللَّه على كلِّ شَيْءٍ قدير، كما أن الأرضَ تَسمَع وتحدِّث: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، والمؤذِّن لا يسمع صوته شَجَرٌ ولا مَدَرٌ إلا شَهِدَ له يومَ القيامةِ (١)، فنحن نقولُ: ليسَ في هَذِهِ الآية استعارة، بل هي على المعنى الحقيقيِّ، وأن النار ترَى؛ لِأَنَّ اللَّه أخبرَ أنها ترى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ [الفرقان: ١٢]، وما المانِع مِن أن اللَّه يخلُق بها هَذِهِ الحاسَّة، بدليل قوله أيضًا: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١١٢] التغيُّظ من المعروف أَنَّهُ لا يَكُون إلا من ذواتِ الشُّعور، ولَكِنْ مع هَذَا يجِبُ أن نقولَ: إِنَّهُ في هَذِهِ الآية على ظاهره، وإنها تَتغيَّظ ويُسمَع لِتغيُّظِها صوتٌ مثل تغيُّظ الإنْسَان الغضبانِ، إذا امتلأَ

стр. 58

صدرُه غَضَبًا فإنك تَسمَع له صوتًا من الغَضَبِ، وهذا دليل على شِدَّة حَنَقها -والعِيَاذُ باللَّه- على أهلها، وأنها كما قال اللَّه في سورة تبارك: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨]، فما ظنُّك بشَيْءٍ يُلقَى الإنْسَانُ في جوفِه وهو ممتلِئٌ عليه غيظًا وحَنَقًا، ماذا يَصنع به؟ هَذَا دليل على شِدَّة عَذابها والعياذُ باللَّهِ، وأنها لا تَرْحَمُهم ولا تألو فيهم أيّ شَيْء إلَّا ولا ذِمَّةً. قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [غَلَيانًا كالغضبان إذا غلَى صدره غليانًا من الغضبِ]، ﴿وَزَفِيرًا﴾، وهو من مكان بعيدٍ، مِمَّا يدلُّ على أنَّ هَذَا التغيُّظ والزفير شديد، ما دام يُسمَع من مَحَلٍّ بعيدٍ فَإِنَّهُ شديد. المُفَسِّر ﵀ يقول: [أو سماع التغيُّظ: رُؤْيَتُه وعِلْمُه]، هَذَا ليس بصحيحٍ، وإن كانَ محتمَلًا، لكِن المعنى الأوَّل أن تُحمَل الرؤية على الحقيقةِ، هَذَا هو الواجب، وقد مرَّ من قواعد التفسير، بل من قواعد كل كَلام، أَنَّهُ يَجِب أن يُحمَل على ظاهِرِهِ وعلى حقيقتِه ما لم يوجدْ دليل يَصرِف عن الحقيقةِ أو الظاهرِ، وليس أَيَّ دليلٍ، بل لا بدَّ أنْ يوجدَ دليلٌ صحيحٌ، وَأَمَّا ما يظنُّه الإنْسَان دليلًا وليس بدليل فهذا غير مقبول. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعضهم يقول إن المراد بقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: إذا رآهم زَبَانِيَتُها؟ هذا من التحريفِ في الواقعِ؛ لأنَّنا قُلْنا: جائِزٌ أنَّ اللَّه تَعَالَى يخلُق فيها حاسَّة الرؤية. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وردت أحاديثُ ضعيفةٌ في أن النار لها عينانِ، وهَذِهِ الأحاديث تؤيدنا؟

стр. 59

فالجواب: هَذِهِ الأحاديث الضعيفة نحن لا نحتاج إلى تأييدها ما دام عندنا اللفظ صريح ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فالَّذِي خَلَقَ العينَ في الإنْسَانِ لا يَمتنِع عليه أن يَخْلُقَها في النار، لكِن بعض النَّاس إذا لم يُدْرِكْ عقلُه الشَيْءَ ذَهَبَ يحرِّفه إلى ما يدركه، ثُمَّ إِنَّهُ يَجِب أيضًا أن نعرِف أن أحوال الآخِرة لا يُمكِنُ أن تُقاس بأحوال الدُّنْيا، نحن نعلم أن النَّاس يُحشَرون منهم من يَسعَى نورُه بين يديه، ومنهم من هو في ظُلْمَةٍ، وهم في مكانٍ وَاحِدٍ مستوٍ يُسْمِعُهم الداعي ويَنْفُذُهُمُ البصرُ، ونعلم أن من النَّاسِ من يَعْرَق فيصل العرقُ إلى كَعْبَيْه وركبتيه وحِقْوَيْه، ومنهم من يُلْجِمُه إلجامًا، ومع ذلك فهم في مكانٍ وَاحِدٍ، ولا يمكن أنْ تُقاسَ أحوالُ الآخِرةِ بأحوالِ الدُّنْيا أبدًا. * * *

стр. 60

الآيتان (١٣، ١٤) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣ - ١٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ بالتشديد والتخفيف]، يعني قراءتينِ سَبْعِيَّتَيْنِ (١)، ثم قَالَ ﵀: [بأن يضيَّق عليهم و ﴿مِنْهَا﴾ حال من ﴿مَكَانًا﴾؛ لِأنَّهُ في الأَصْل صفة له ﴿مُقَرَّنِينَ﴾]، إلى آخره. قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا﴾ في هَذَا دليل على أَنَّهُمْ -والعِياذُ باللَّه- لا يُعامَلون معاملةَ رحمةٍ، بل يُلقَوْنَ إلقاءً ويُطرَحون طرحًا. وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ ظرفٌ عاملُه قوله: ﴿أُلْقُوا﴾، وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ في الأَصْل صفة، ولَكِن القاعدة عند أهل النحو أن الجارَّ والمجرور إذا تقدمَ على مَوْصُوفِهِ صار حالًا منه؛ لِأَنَّ الصِّفةَ لا تَتَقَدَّمُ على الموصوفِ، تقول مثلًا: (جاء رجل على بعيرٍ راكبًا)، فتعرب (راكبًا) حالًا، لكِن لو قدمتها على رجل (جاء راكب) لوجبَ أن تكون صفة بالمعنى، كذلك الجارّ والمجرور إذا قلت (جاء رجل على بعير) (على بعير) صفة لِرَجل، فإذا قدمتَ (على بعير): (جاء على بعير رجل) وجب أن تكون الصِّفة هَذِهِ حالا؛ لِأَنَّ الصِّفة لا تَتَقَدَّمُ على الموصوفِ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [و ﴿مِنْهَا﴾ حال من ﴿مَكَانًا﴾ لِأنَّهُ في الأَصْل صفة له].

стр. 61

وفي قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أيضًا دليل عَلَى أَنَّ هَذَا المكان الَّذِي يُلقَوْن منه لا يَكُون واسعًا، بل يُضَيَّقُ عليهم، وهذا قبل دخولها، فكيف إذا دخلوها، ويَحتمِل أنَّ نفس الأمكِنة الَّتِي هم فيها في نفس النار تكون ضيِّقةً إذا أُلقوا مكانًا منها ضيقًا، فتكون (مِنْ) هَذِهِ قريبةً من معنى (فيها)، فالمكان نفسه في النار يَكُون ضيِّقًا، يعني تضيَّق عليهم؛ لِأَنَّ كل وَاحِد منهم -والعياذ باللَّه- يَكُون في تابوتٍ كما جاء في الحديثِ؛ في تابوتٍ مغلَق عليه (١). لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يُشكِل على هَذَا أنَّ بعضَ أجسادهم تُفَخَّم في النار؟ نقول: هو نفسه يُفخَّم، ولَكِن لا يَمنَع أن يُفخَّمَ وهو في مكانٍ ضيِّقٍ، ويمكن أن يَكُونَ تفخيمُه هَذَا من أسباب التضييقِ. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مصفَّدين قد قُرِنَتْ أي جُمِعَتْ أيديهم إلى أعناقِهم في الأغلالِ، والتشديدُ للتكثيرِ]، التشديد في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ لِأَنَّ (مُقَرَّن) مأخوذٌ من (قَرَّنَ) أو من (قُرِّنَ)، قُرِّن فَهُوَ مقرَّن، وأصلها من (قَرَنَ) بالتخفيف: قَرَنْتُ هَذَا الرجل أَقْرِنَهُ فَهُوَ مقرون، لَكِنها أتتْ بالتشديد للتكثيرِ، أو للمبالَغة في هَذَا القَرْن، وأَنَّهُمْ يُقَرَّنون بشدة، فهم إذا ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [هلاكًا فيقالُ لهم ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾]، هَذَا في الحقيقة تصويرٌ بَيِّن لحالِ النارِ وأهلِها يوم القيامةِ، أَنَّهُمْ قبل أن يدخُلوها يَسمعون لها تغيُّظًا وزَفيرًا، وهذا بلا شكٍّ يَخلَع قلوبهم ويُرعِبهم، ثم إذا أُلقوا فيها لا يُلقَون على سبيل الكرامةِ، بل يُلقَون إلقاءً، ثم إنهم لا يلقون هكذا مطلَقين، ولكن مقرَّنين، يعني مجموعة أَيديهم إلى أعناقِهم،

стр. 62

ثم إذا أُلقُوا على هَذَا الوصف يُدْعَوْنَ بالثُّبور والعياذ باللَّه ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ يعني: يقولون واهَلَاكَنا واثُبُورَنا، وما أشبهَ ذَلِكَ، فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، هَذَا على سبيل التوبيخِ؛ لِأَنَّ العادةَ أن الرجلَ إذا دَعَا بالثبورِ في الدُّنْيا رُحِم، ولكنَّهم هناك لا يُرحَمون، يقال لهم: إِنَّ دَعْوَاكُم بالثبورِ لا تفيدكم شيئًا ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ فالعذاب سَيَسْتَمِرّ، وكل هَذَا يُوجِب لأهلِ النارِ -نسأل اللَّه السلامة منها- أَنَّهُمْ يُعذَّبون عذابًا قلبيًّا وعذابًا جسميًّا، والعذاب القلبيّ قد يَكُون في بعض الأحيان أشدَّ من العذاب الجسميِّ، والعياذ باللَّه، فهم لا يُكَرَّمون لا بالفعلِ ولا بالاستقبالِ ولا بالقولِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما ذُكِرَ عن هَؤُلَاءِ الكفارِ فيما سبقَ من الآياتِ يَدُلّ على أَنَّهُمْ لا يؤمنون بالبَعث، فلماذا نصَّ على تكذيبهم بالبَعث؟ صحيحٌ أن ما ذكر عنهم مما سَبَقَ يدل على أَنَّهُمْ لا يؤمنون بالبعثِ؛ لِأَنَّ مَن آمَنَ بالبَعث لَزِمَ أنْ يَعْمَلَ له، ولكن هَذَا في الحقيقة من جملةِ ما قالوه؛ أَنَّهُمْ كذبوا بالبعث، فَهُوَ إضافة إلى ما سبقَ، لكِن يَنبغي أن نقولَ: لماذا ذُكِرَ بـ (بل) دون (الواو)، مع أن المعائب أو المساوئ الَّتِي سبقت كلها ذُكرت بالواو، وهَذِهِ ذكرت بـ (بل)؟ قد يوحي هَذَا بأن من أسباب أقوالهم السابقة أَنَّهُمْ كذبوا بالساعةِ، يعني أَنَّهُمْ ليس عندهم إيمان بالساعة، ولو آمنوا بها ما قَالُوا ما سبق. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل كل كفَّار العرب يُنكِرون الساعة؟ الجوابُ: الظاهرُ لَيْسُوا كلهم ينكرون هذا، فبعضهم يُقِرّ بهذا، لَكِنَّهُ يُشرِك باللَّه، ولكن يذكر اللَّه الأفعالَ منسوبةً إلى الأُمَّة جميعًا، حتى إِنَّهُ أحيانًا يخاطِب آخِرَ الأُمة بما فعل أوَّلهُا؛ لِأَنَّهَا تَرضَى به وتُقِرّه، انظر مثلًا يخاطب اللَّه بني إسرائيل

стр. 63

في عهدِ الرَّسول ﵊ بما فَعَلَ أوَّلهُم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، معَ أن هَذَا الخطاب لا يتأتَّى لهؤلاء؛ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا هم الَّذِينَ فعلوا، لكِن الأُمَّة الوَاحِدة يَكُون فِعل بعضِها فِعلًا للجميعِ؛ لِأَنَّهَا تَرضَى به. * * *

стр. 64

الآيتان (١٥، ١٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفة النار ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علمه تَعَالَى ﴿جَزَاءً﴾ ثوًابا ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا]. الخِطَاب في ﴿قُلْ﴾ للرسول ﵊ وكذلك لغير، ولهذا يمكِن أن نقول: إنَّ الخِطابَ لكل من يَتَأتَّى خِطابه، يعني الرَّسول ﷺ وغيره، ولكن الأقرب أنَّه للنبيّ ﵊، ومع ذلك الخطاب للرسول ﵊ ولأمته ما لم يَدُلَّ الدليلُ على تخصيصِ، فنحن كل وَاحِد يمكن أن يقولَ مثل هذا، فيقول للمكذِّبين الَّذِينَ وُعِدوا بالنار: أذلك المذكورُ من الوعيد الَّذِي لا بدَّ أنْ يقعَ ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾؟ فالجوابُ: بل جنة الخلد بلا شك. وهنا إشكال، وهو أَنَّهُ قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، معَ أنَّ ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يُمكِن أن يُقارَنَ بما فيه الخيرُ المطلَقُ؟ الجواب: أنَّ هَذَا من باب التنزُّلِ مع الخصْم، ولا بأسَ أن تأتيَ مثل هَذِهِ المقارنة،

стр. 65

وقد قارن اللَّه ﵊ بينَ شيئينِ بينهما من التبايُنِ أعظم من التباين في وَعيد أهل النار ووعد أهل الجنة؛ فقال : ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، ومعلوم أن اللَّه خيرٌ وأنه لا يمكِن لأيِّ عاقلٍ أن يقارِن بين هَذَا وهذا، لكِن لمَّا كان المخاطَبون يُساوون غير اللَّه باللَّه صارَ من بابِ التنزُّل معهم أن نخاطِبَهم بهذا ونقول: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى الخُلد من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صِفتِه، يعني الجنة الَّتِي هي مكان الخُلد، والخلد معناه المُكث، وقد صرَّح اللَّه تَعَالَى كثيرًا بالتأبيدِ في خلودِ أهلِ الجنَّةِ، وأمَّا أهل النار فالتأبيدُ وَرَدَ في ثلاثِ آياتٍ من القُرْآنِ؛ في سورة النساءِ وفي سورة الأحزابِ وفي سورة الجنِّ؛ ففي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]، وفي سورة الجِنّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. وفي هَذَا ردٌ واضِحٌ على من قالَ: إن عذابَ النار غير مؤبَّد، وممن مال إلى هَذَا القول -وهو من أغرب ما يَكُونُ- ابنُ القيِّم ﵀، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّد، وأنه لا بد أنْ يَنتهيَ، ولكن لا يقول: إِنَّهُ يَنتهي ثم يَنتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكِن ينتهي بمعنى أنها تَفنَى ومَن فيها، وابن القيم ﵀ ذكره في شفاء العَليل، وجَزَمَ به في أولِ الكَلامِ، ثم ساق الآثارَ في هذا (١).

стр. 66

والصواب الَّذِي لا شكَّ فيه ما عليه جمهورُ أهلِ السنَّة، وحُكي إجماعًا أن النارَ مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة اللَّه ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قد أَعذرَ إلى هؤلاءِ وأقامَ عليهم الحُجَّة، فهم الَّذِينَ جَنَوْا على أنفسِهم. وأما الاستثناء في هُود فقد استثنى من قولِه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، فَإِنَّهُ لو قيدت بدوامِ السَّمواتِ والأرضِ لكانَ لها أَمَدٌ، فلمَّا قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهذا ما خرج عن دوام السَّموات والأرض، فهذا معنى الاستثناء. وأما قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، نقولُ: هَذَا الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلت النصوصُ على أنَّهُ لا يشاء أن لا يُخلَّدوا، فكأن هَذَا الاستثناءَ يُشِيرُ إلى أن اللَّه لو شاء لمَنَعَ العذابَ عنهم، وأنه ليس أمرًا محتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته، فالاستثناء إذَنْ مُفَسَّرٌ بالآيات الصريحةِ الواضحةِ أَنَّهُ تَعَالَى لا يشاء أنْ يرفعَ العذابَ عنهم؛ لِأنَّهُ أخبرَ، ولا يخلِف اللَّه الخبرَ بأن عذابهم مؤبَّد. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما مناسبة قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]؟ الجواب: كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل اللَّه هَذَا مع أَنَّهُ عذاب دائم، ورحمته وسعتْ كل شَيْء؟ فقال: إِنَّهُ فعَّال لما يريد، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ [هود: ١٠٨]، وفي الحقيقة هَذِهِ الاحْتِمَالات، وإنْ كانتْ قد يَكُونُ لها وجهٌ، لكِن ما دام عندنا نصوصٌ صريحةٌ محكَمَة، فالواجب على المؤمنِ أنْ يَحمِلَ المتشابِهَ على المحكَمِ، ما دام أن المسائلَ في الآياتِ الثلاثِ هَذِهِ احْتِمَال فإن عندنا

стр. 67

شيئًا لا يَحتمِل وهو التصريح بالتأبيدِ، وكما هو معروف أن هَذَا خبرٌ، والخبرُ لا يَدْخُلُه النَّسْخُ ولا التعيينُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: العربُ تَتَمَدَّحُ بإخلافِ الوعيدِ دونَ إخلافِ الوعدِ؟ الجواب: اللَّه جَلَّ وَعَلَا يُتَمَدَّح بأنه لا يُخلِف، وأن خبره صِدْق، والوعيد الَّذِي يتمدح اللَّه به هو ما يدخل تحت المشيئةِ، ما سوى الشرك، مثلًا يوجد وَعيد على المعاصي الَّتِي دون الشرك، فإذا عفَا اللَّه عنها فهذا طيِّب ويُمدَح عليه . لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما تقولون في قول عمرَ ﵁: "لو لَبثَ أهلُ النارِ كقَدْرِ رَمْلِ عَالِجٍ لكانَ لهم على ذلك يومَ يخرجون فيه" (١)؟ الجواب: لكِن عمر ﵁ وغير عمر، يخاطَب بقولِه : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. لَوْ قِيلَ: كَلام عمر ﵁ ليس صريحًا. نقول: حتى لو كانَ كَلامه صريحًا وقال: سيخرجون، نقول: لا يخرجونَ، ما دام توجد آياتٌ صريحةٌ، وأيضًا قوله تَعَالَى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، هَذِهِ لا تدل على التقييد؛ لِأَنَّ أحقابًا يعني طويلة لا مُنْتَهى لها، هَذَا هو المعنى، والإنْسَان إذا تَصَوَّرَ أَنَّهُ يَبْقَى في النار ليس أحقابًا بل ثانية من الزمن، وهو عاقلٌ، فسوف يَتَجَنَّبُ عَمَلَ أهل النارِ، فكيف بمن يَلْبَثُون فيها أحقابًا؟ ! فهي لا تدل على التَّقييد، ومَن زَعَمَ أنها تدُلّ على التقييدِ وقال: إن الأحقابَ هَذِهِ مقيَّدة بما بعدَها، يعني أحقابًا لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا وأحقابًا أخرى يذوقون،

стр. 68

فهذا ليس بصحيحٍ، بل إن المعنى المبالَغة في ذلك، وأَنَّهُمْ لَابِثون فيها دُهُورًا عظيمةً طويلةً لا مُنْتَهى لها. قوله: [﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾]، أتى المُفَسِّر بـ (ها) وهي مفعولٍ ثانٍ لـ ﴿وُعِدَ﴾ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولينِ ليسَ أصلهما المبتدَأ والخبر، فالمفعولُ الأوَّلُ محذوفٌ، والمفعولُ الثَّاني نائبُ الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾، وقد سَبَقَ كثيرًا أن المتَّقِيَ هو مَنِ اتَّخذَ وِقايةً من عذابِ اللَّهِ بفعلِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ، وأن هَذَا أجمع ما قيل في التقوَى وأنسَب ما يَكُون لِلَفْظِها؛ لِأَنَّهَا من (اتقى) من الوقاية. وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ الَّذِي وَعَدَهُمُ اللَّه ، وحذف الفاعل هنا للعلمِ به؛ كقولِه تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، والخالِق هو اللَّه . وقوله ﵀: [﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلمه]، تقييدُ المُفَسِّر ﵀ الكَينونة في عِلمه لِأَنَّ (كان) فعلٌ ماضٍ، والجنة ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكَينونةَ الَّتِي عُبِّر عنها بالفعلِ الماضي، قيَّدها في علمِ اللَّهِ، يعني لا بِحَسَبِ الواقعِ؛ لِأَنَّ الواقعَ لم تَكُنْ، وإنَّما سَتَكُون، ولكن هَذَا بناءً عَلَى أَنَّ (كان) يُراد بها الزمنُ، مع أنَّ (كان) إذا تأمَّل الإنْسَان مَوَاضِعَها في القُرْآنِ وفي السنَّة وَجَدَها أنها أحيانًا تَدُلُّ على مجرَّدِ الحَدَثِ، لا على الزمنِ؛ لِأَنَّ الفعلَ كما هو معروفٌ يَدُلّ على زمنٍ ومعنًى، فـ (كان) دائمًا تأتي للدَّلالة على مجرَّد المعنى فقط، يعني الَّتِي وُعد المتقون وهي لهم جزاء ومصيرٌ، وعلى هَذَا فلا حاجةَ إلى التقديرِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر ﵀، وهذا هو الأوضحُ، ولا حاجةَ إلى أن نقدِّر أنها كانت في عِلم اللَّهِ، بل هي كانت، أي: هي جزاء، فنُجَرِّد (كان) من الدَّلالةِ على الزمنِ، وإذا جَرَّدناها كما تَرِد كثيرًا في اللغةِ العربيَّة سلِمنا من هَذَا التقديرِ

стр. 69

الَّذِي جاء به المُفَسِّر. ومثلها قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، مجردة عن الزمنِ؛ لِأَنَّ اللَّه ما زالَ ولا يزال غفورًا رحيمًا، عندما نأتي بـ (كان) ونقول: المراد بها الزمَنُ والحدَث تكون معفرة اللَّه ورحمته فيما سبق، أمَّا الآنَ فليسَ غفورًا رَحيمًا! لكِن هَذِهِ يُرادُ بها مجرَّدُ الحَدَثِ، يعني أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بالمَغْفِرَةِ والرَّحمةِ، ومثلها هَذِهِ الآية. و (كان) دائمًا تَدُلُّ على مجرَّد الحَدَث، لا على الزَّمَن. لَوْ قَالَ قَائِل: إنَّ قولَه : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يؤتَى بها لكي تتناسب مع رُؤوس الآيِ؟ فالجواب: ليس بلازمٍ، أحيانًا تأتي متناسبةً وأحيانًا تأتي غيرَ متناسبةٍ. المهم أنَّ (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربيةِ لا يُرادُ بها الزمَنُ، وإنما يُرادُ بها مطلَق الحَدَث، يعني أن هَذَا الأمرَ هو الواقع، فهنا قوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ من المعلومِ أنَّ المتقينَ الآنَ ما دَخَلُوا الجنةَ ولا صاروا إليها، ولكنَّهم سَيَصِيرُونَ لذلك، فاحتاج المُفَسِّر أن يُقَدِّر (في عِلمه) إذ كانت في علمِ اللَّهِ، ولكنَّنا نقول: لا حاجة لهذا التقديرِ؛ لِأَنَّ (كان) مسلوبة الدلالة على الزمنِ. وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [ثوابًا]، والَّذِي جعلَ هَذَا الثوابَ لهم هو اللَّه . ثم قال ﵀: [﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا]، متى تكون مصيرًا؟ تكون مصيرًا مِن حين يموتون، قال : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]، وليسَ المراد أنهم يدخلون الجنَّة الَّتِي في السماء فور موتهم، ولهذا يُفتَح له باب إلى الجنَّةِ ويُفرَش له فِراش من الجنَّة، ويُلبس بلِباسٍ من الجنة، فالمتقونَ من حينِ يموتونَ يدخلون الجنةَ، كما أنَّ أهلَ الجحِيم من حين يموتون يذوقون عذابَ الجحيمِ.

стр. 70

وأنا قد سمِعت البارحةَ وَاحِدًا يَقْرَأُ في كُتُبِ المواعظ، وفي كتب المواعظ يأتون بالمَوْتِ والدُّود مثل أكله الدود والصَّديد وهَذِهِ الأشياء، في الحقيقة إِنَّمَا تكون على الجسم فقط، والنَّاس إذا شعروا بهذا الشَيْء لا يفرحون بالمَوْت، بل ينفرون منه كثيرًا، فالَّذِي يَنْبَغِي أن يُوعَظ الإنْسَان بما يَكُون على رُوحه، فيقال مثلًا: إِنَّهُ إذا مات وهو ليس من أهل التقوى يَكُون له من العذاب كذا وكذا إلى آخِره، وإذا كان من أهل التقوى يَكُون في نعيمٍ، ومن أهل الجنَّةِ، لأجلِ أنَّ المؤمنَ يَفرَح، أمَّا أننا نَذهَب ونُوَجِّه النَّاسَ إلى التخويفِ مِنَ الأَمْرِ الحِسِّي الماديّ فقطْ فهذا في الحقيقةِ مما يُسِيءُ إلى النَّاسِ، فعندما يسمع الإنْسَان هَذَا الشَيْءَ هل يَكُون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، يَنْفِرُ منه، لكنْ عندما يَسمَع أَنَّهُ إذا كان مؤمنًا دخلَ الجنَّةَ من حين ما يموت، تجده لا أقول: يفرح بالمَوْت، لَكِنَّهُ يَستبشِر بهذا الوعدِ الَّذِي يَكُونُ له، فهذا هو الَّذِي يَنبغي أن يُنَشَّأُ النَّاسُ عليه، ما يَنبغي أَنَّهُمْ يُذْكَرُ لهم من الأمور المادية فقطْ، ولذلك لو تأملتَ القُرْآنَ كلَّه لَوَجَدْتَ أنَّ هَذِهِ الأمور المادِّيَّة ليس لها ذِكْرٌ في القُرْآنِ، إِنَّمَا يُذْكَر في القُرْآنِ ما يَكُون على الرُّوحِ مِنَ النَّعيمِ أو العذاب، حتى يَسْتَبْشِرَ الإنْسَانُ ويَفْرَح ويعمل لهذا النعيم ويخاف ويَرْهَب ويَهْرَب مِن هَذَا الجَحيم. هَذِهِ المسألة أَحْبَبْنَا أنْ نُنَبِّه عليها لِأَنَّهَا توجد كثيرًا في كتب الوَعظ، فمثلما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة تُرَغِّب فيما نهى عنه الشرع، فإنها ترغِّب في الأمور الَّتِي نهى عنها الشرعُ، مثلما يذكرون عن بعض العُبَّادِ الَّذِينَ يُعذَرون بجهلهم أَنَّهُمْ كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقِي أربعين سنةً يصلي الفجر بوضوء العشاء، قصدهم بهذا الترغيب، هَذَا ضد ما أمر به الرَّسول ﵊، فيَكُون هَذَا من المحادَّة للَّه ورسوله، فهم يأتون بأمورٍ منكَرة لا يعرفونها، وأنا أبيِّن ذلك لِأَنَّ طلَّاب العلمِ يَسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل أنَّ قارئًا مثلًا من الأئمَّة

стр. 71

يقرأ في مثل هَذِهِ الكتب فَإِنَّهُ يَجِب علينا أن نتكلم معه، ليس أمام النَّاس، لا؛ لِأَنَّ العوامَّ كما هو معروف يَكُونون مع إمامهم، فيمكن أن تقوم بحقٍّ وهم يقومون عليك، لكِن من الممكن إذا انتهى تقول: يا أخي، فتأتي به بطمأنينة وتقول: أنت إمام يُقتدَى بك والعوامّ يقولون: (ما قيل في المِحْراب فَهُوَ صواب)، فيَجِبُ أن تعرفَ أن هَذَا خِلافُ الشرع. وتُبَيِّن له ما استطعتَ مِنَ البيان حتى يَكُون الأئمَّة الَّذِينَ يُقتدَى بهم الآن على صوابٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل حديثُ ضَغطةِ القبرِ صحيحٌ؟ الجواب: ضَغطة القبرِ لا أَعْرِف في صِحَّتها دليلًا، وَرَدَ في قِصَّة سَعْدِ بنِ مُعاذ (١)، ولكن لا يَحْضُرني الآن هل هو صحيح أم لا؟ هو قَطعًا ليس في الصحيحينِ، لكِن لا أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكِن مهما كان ضغطة القبر ليست بشَيْءٍ بالنسبة لما يقولون وما يصفونَ من حال الميتِ، وهم يركِّزون على مسألةِ الجسمِ، حتى إن النَّاسَ مهما كانت أعمالُهم الصالحةُ يَقَعُون في القُنوط. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل فَناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح؟ فالظاهر: أن بقاءَه يدل على الصلاح؛ لِأنَّهُ ما يَبْقَى إلا كَرامة؛ لِأَنَّ الأَصْل أن الأجسام تأكلها الأرض إلا الأنبياء؛ فإنهم لا تأكلهم الأرض (٢)، وفناؤه لا يدل عَلَى أَنَّ الإنْسَان ليس من أهلِ الخيرِ، لكِن بقاء الجسم قد يَقَعُ كرامةً لبعضِ أهلِ الخيرِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؟

стр. 72

قُلْنَا: الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط، وهو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، لكِن في شهداء أُحد مَن وُجد أن الأرض قد أكلتْ بعضَ جِسْمِه، ليس كل جِسْمه. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ هَذه الآية تدل عَلَى أَنَّ كل ما يشاءون فَهُوَ لهم، وفي سورة (ق) أن اللَّه قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، يعني عند اللَّه مَزيد على ما يشاؤه الإنْسَانُ؛ لِأَنَّ الإنْسَان مهما بلغَ فإن تصوُّره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياءَ ويَخفَى عليه من النعيم أشياء فيكملها اللَّه له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ حال لازمة]، الحال اللازمة (خالدين)، ما معنى حال لازمة؟ هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟ فالجواب: نعمْ، إذا كانت الحال ليستْ لازمةً لصاحبها فهي حال عارضةٌ، تقول: أقبل الرجلُ راكبًا، هَذِهِ حالٌ عارضةٌ؛ لِأنَّهُ قد يُقبِل غيرَ راكبٍ، ماشيًا. * * *

стр. 73

الآيات (١٧ - ٢٤) * * * ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ٢٤]. * * *

стр. 74

الآية (٢٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. * * * قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أمر اللَّه أن يذكرَ هَذَا اليومَ العظيمَ، وهو يوم تَشَقُّقِ السماءِ بالغَمام لِنُزُول اللَّه . قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ من كل سماء ﴿تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبه بـ (اذْكُر) مقدَّر، وفي قراءة بتشديد شينِ تَشَّقَقُ بإدغام التاء الثَّانية في الأَصْل فيها، وفي أخرى: (نُنْزِلُ) بنونين، الثَّانية ساكنة وضم اللام ونصب (الملائكة)]. القراءات: في ﴿تَشَقَّقُ﴾ قراءتان: أولًا: القراءة المشهورة ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، القراءة الثَّانية: "تَشَّقَقُ"، وأصلها تَتَشَقَّق، فأُدغمت التاء في الشين فصارت تَشَّقَقُ، وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ أم "تَشَّقَقُ"؟ "تَشَّقَقُ" أبلغُ (١). وأما ﴿وَنُزِّلَ﴾ ففيها قراءتانِ سَبعيَّتان: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماضٍ، و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل، والثَّانية "نُنْزِلُ المَلائكَةَ" على أنها فعل مضارع والملائكة مفعول به، والفاعل هو اللَّه (٢).

стр. 75

ومن بلاغة القُرْآن أن القراءات يُستفاد منها إما التفسير وإما زيادة المعنى، فقراءة "تَشَّقَقُ" فيها زيادة المعنى، وعلى قراءة: "نُنْرِلُ المَلائكةَ" فيها تفسير؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، وَأَمَّا قوله: "نُنْزِلُ المَلائكَةَ" فمبنيَّة للفاعل، فالفاعل فيها معلوم، وعلى هَذَا إذا سُئلت: مَنِ الَّذِي ينزل الملائكة؟ تقول: هو اللَّه، والدليل أمر مفهوم بالأذهانِ، ودليل آخر من لفظ الآية، القراءة الثَّانية: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾. قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ كل سماء أكْثَر ملائكة من السَّمَاء الَّتِي تحتها، كذلك أيضًا هَؤُلَاءِ الملائكة الَّذِينَ يُحيطون بالعالم، كل دائرة أكْثَر عددًا من الدائرة الَّتِي قبلَها، وإنما يُنزَّلُونَ بَيانًا لعظمةِ اللَّهِ وإحاطة بالخَلْق، وحينئذٍ يَصدُق قول اللَّه تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ لأَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ معَ إحاطةِ الملائكة بهم أن يهربوا من أهوالِ هَذَا اليومِ. وقوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر نُزِّل، وهو كما أسلفنا يدل على أَنَّهُمْ ينزلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملةً، فتنزل ملائكة السَّمَاء الدُّنْيا أولًا، ثم الثَّانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وأشرنا إلى الآية الَّتِي في سورة الرَّحمن دفعًا لقولِ بعضِ النَّاسِ الَّذِينَ يفسِّرونها بهَذه الأقمار الصناعيَّة أو المراكب الفضائيَّة الَّتِي صعِد النَّاس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قولَ اللَّه : ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ إلا بعِلمٍ، وأن هَذَا العلم أَوصَلَهم إلى النفوذِ، وهذا لا شكَّ تحريفٌ للقرآنِ، ولا حاجةَ إلى أن نَتَكَلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القُرْآن له شاهد، لا حاجة إلى هَذَا التكلُّف؛ لِأَنَّ هَذِهِ الحوادث شواهدها حصولها، متى حَصَلَت فإننا نؤمنُ بها، سواء دلَّ عليها القُرْآنُ
следующие страницы →