← Тафсир

Тафсир · id 554

تفسير العثيمين: الفرقان

ابن عثيمين

Полный текст (346 стр.). Показаны 316–346 · переход к 321.

стр. 316

الآية (٧٣) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. * * * قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ لم يُبَيّن مَنِ المُذَكِّر، لِيَشْمَل كلّ مذكّر، وليبيِّن أنَّ قبولَهم للتذكيرِ لَيْسَ مِنْ أجْلِ شخصِ المُذَكِّر؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن لا يَقبَل الحقَّ إِلَّا من شخصٍ معيَّن، وإذا جاءَهُ من شخصٍ آخرَ لم يَقْبَلْهُ، مثلَما فعلَ أهلُ الكِتَابِ وغيرُهم بالنَّبيِّ ﷺ ، فلا يَقْبَلُون الحقَّ إِلَّا من طائفةٍ معيَّنةٍ أو شخصٍ معيَّن ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، فهنا قال: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ولم يُبَيِّنِ المُذَكِّرَ إشارةً إِلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَقْبَلُونَ الحقَّ لِأَنَّهُ حقٌّ، لا مِنْ أجْلِ مَن قَالَ بِهِ، فهم لا يَقبَلون التذكيرَ لأجلِ شخصِ المذكِّر، أو يَرُدُّونه مِنْ أجْلِ شخصِ المذكِّرِ، وإنما يَقبلونه لِأَنَّهُ تذكيرٌ، وهَذِهِ هي الْفَائِدَةُ فِي حذفِ الفاعِلِ. قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي الْقُرْآنِ]. قوله: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ هل المرادُ (ذُكِّروا بها) أي أنها جُعِلَتْ وسيلةً للذِّكْرَى أو التذكير، أو (ذُكِّروا بها) أي بما حكمت بِهِ ليَعْمَلُوا به؟ شاملة للجميع، يَعْنِي سواء ذُكِّروا تذكيرًا بواسطةِ الآياتِ بأن قُرِئَتْ عليهم ليَذَّكَّروا، أو ذُكِّروا بِهَا أي قِيلَ لهمُ: اذكروا أحكامَ اللَّهِ واعْمَلُوا بِهَا، فَهُوَ شامِلٌ للأمرينِ.

стр. 317

وقوله ﵀: [﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي القُرْآن] الصوابُ العُمُومُ؛ القُرْآنُ وغيرُ القُرْآنِ، وأنه أَيْضًا أعمُّ من جهةِ كونِ الآياتِ كونيَّة أو شرعيَّة، فنحن نقول: بالقُرْآنِ وغيره من الكتبِ السابقةِ، ونقول أَيْضًا: بالقُرْآن والكتب أو بالآيات الكونيَّة؛ فإن الآيات الكونية مُذَكِّرة؛ لِقَوْلِ النَّبي ﵊ فِي الكُسُوف: "يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ" (١)، فالآياتُ الكونيَّة مخوِّفة ومذكِّرة باللَّهِ ؛ ولهذا دائمًا يَحُثُّ اللَّهُ عَلَى النظَرِ فِي هَذِهِ الآياتِ الكونيَّة؛ لمِا فِيهَا مِنَ الدلالةِ عَلَى الخالقِ، وعلى ما تَشتمِل عليه من صفاتِه من الحِكْمَة والرَّحمةِ وغيرِ ذلك، فالآنَ عندنا عمومانِ فِي التذكيرِ بالآياتِ: العمومُ الأوَّل: أنها تَشمَل الآياتِ الكونيَّة والشرعيَّة. العموم الثَّاني: أنها تَشمَل القُرْآن وغير القُرْآن من الكتب السابقةِ؛ لأنَّ المرادَ بقولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لَيْسَ خاصًّا بعبادِ الرَّحمنِ من هَذهِ الأمَّة، بل هو عامٌّ لكلِّ عبادِ الرَّحمنِ من كلِّ أُمَّة. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ يَسْقُطوا ﴿عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ بل خَرُّوا سامعينَ ناظرينَ مُنتفِعِينَ]. قوله: ﴿صُمًّا﴾ جمع أَصَمّ، وهو الَّذِي لم يَسْمَعْ، ﴿وَعُمْيَانًا﴾ جمع أَعْمَى، وهو الَّذِي لم يرَ، وإنما قَيَّده بهاتينِ الحاسَّتيْنِ لأنهما الوسيلة إِلَى وصولِ الشَيْءِ إِلَى القلبِ؛ إذ الأشياء إمَّا مرئيَّة فوسيلتها النظرُ، وإما مسموعة فوسيلتها السمعُ، فنفى أنْ يَكُونوا صُمًّا، ونفَى أن يَكُونوا عُميَانًا.

стр. 318

وقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ يقولُ المُفَسِّر ﵀: [لم يسقُطوا] وإنما يُقْبِلون عَلَيْهَا إقبالَ سامعٍ مُبْصِرٍ، لا أَنَّهُمْ يسقطون عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الوجهِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الصِّفة سلبيةٌ، والصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّة أبلغُ فِي الثناءِ، فلماذا لم يَقُلْ: إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم أَقْبَلُوا عَلَيْهَا مُبْصِرِينَ سَامعينَ؟ نقول: حَتَّى إذا قُلْنَا: إن هَذَا النفيَ يَتَضَمَّن إثباتًا، والنفي -كما تَقَدَّم- لا يَكُون مَدْحًا إِلَّا إذا تَضمَّنَ إثباتًا، لَكِنَّنَا نقول: لمِاذا لم يُثْبِت أصلًا فلا يَرْتَفِع الإِشْكالُ؟ إِنَّمَا يقال: إِنَّهُ تَعْرِيض بهَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم خَرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وعُميانًا، فهم عَلَى نَقِيضِهم، لكِن نقول: لِماذا لم يَقُلْ: خَرُّوا عَلَيْهَا مُبْصِرِينَ سَامعينَ؟ مِنْ أجْلِ السَبَبِ الَّذِي ذكرتُ، ومن المعروفِ أنَّ هَذِهِ السُّورة من أَوَّلها إِلَى آخِرِها فِي مُجَادَلَةِ المنكِرِينَ لمِا جاءَ بِهِ الرَّسولُ ﷺ ، وهم إذا كانوا مُنْكِرِينَ يَخِرُّونَ عَلَى الآياتِ صُمًّا وعميانًا، فهذا -واللَّهُ أَعْلَمُ- وجهُ المناسبةِ فِي العدولِ عن ذكرِ الصِّفةِ الثبوتيَّة إِلَى ذِكرِ الصِّفةِ السلبيَّةِ، ولهذا قَالَ المُفَسِّر: [بلْ خرُّوا سامعينَ ناظرينَ منتفعينَ]. * * *

стр. 319

الآية (٧٤) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ بالجمعِ والإفرادِ]، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جَمْعٌ، و (ذُرِّيتِنَا) إفراد. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نرَاهُمْ مُطِيعِينَ لكَ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فِي الخيرِ]. بعد أنْ ذكرَ اللَّه صلاحَ هَؤُلَاءِ فِي أنفسِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهم أَيْضًا يَسْعَوْنَ فِي إصلاحِ غيرِهِمْ مِمَّن يتَّصِلُ بهم من الأزواجِ والذرِّيَّة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾، وَفِي هَذَا دليلٌ واضحٌ عَلَى أنَّ دأبَ المؤمنينَ دُعَاء اللَّهِ، وَأَمَّا مَن قالَ: (عِلْمُه بحالِي يَكْفِي عن سُؤَالِي) فهذا قولٌ باطلٌ وليسَ بصحيحٍ؛ لأننا نقولُ: إن اللَّه وصفَ الرُّسُلَ وأتباعَهم بأَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ، وهم يعلمون علمَ اليقينِ بأنَّ اللَّه يعلمُ بحالِهم، ومَن قَالَ مثلَ هَذَا القَوْل فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى استكبارِهِ عن دعاءِ اللَّهِ وعَدَم خُضُوعِهِ لِرَبِّهِ، وإلَّا فمِنَ المعلومِ أن اللَّهَ عالمٌ بحالِ كلِّ أحدٍ، فلماذا لم تَقُلْ: يا ربِّ؟ ولَكِنَّ هَذَا -والعياذُ باللَّه- من الطرق الشيطانيَّة الَّتِي أَرْسَلَها الشيطانُ عَلَى مُتَّبِعِيهَا من الصُّوفيَّة وغيرهم. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهِبَة بمعنى العَطِيَّة.

стр. 320

قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ هل (مِنْ) للتبعيضِ أو لبيانِ الجِنْسِ؟ لبيانِ الجنسِ، فهم لا يَقُولُونَ: بعض أزواجنا تهَب لنا منهم قُرَّةَ أَعْيُنٍ، بل الجميع، ولَكِنها للبيان، فـ (من) بيانيَّة وليستْ تَبْعِيضِيَّة. وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوجٍ، فيَشمَل الذَّكَرَ والأُنثى، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الرجل يقوله؛ لأن (الذين) للمذكَّر، والمرأة تقوله أَيْضًا؛ لأن الخطاب أو التحدُّث بصيغةِ جمعِ المذكَّر يشمل المؤنَّث أَيْضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا. قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتانِ (١): "ذُرِّيَتِنَا" و ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أمَّا عَلَى قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجهُ فِيهَا ظاهر لفظًا ومعنًى، أَمَّا لفظًا فلِمُنَاسَبَةِ الجمعِ قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وَأَمَّا معنًى فلأنه أشملُ، فشموله ظاهِرٌ مِنْ أجْلِ الجمعِ، وَأَمَّا "ذُرِّيَّتِنا" فإنها لا تَتَلاقَى معَ ما قبلَها من حيثُ الصِّيغةُ؛ لِأَنَّهَا مفرَدةٌ، لَكِنَّها تُلاقيها من حيثُ المعنى؛ لِأَنَّهَا مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، ويَدُلُّ عَلَى أن المفردَ المضافَ للعمومِ من القُرْآنِ قولُه : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، يقينًا أن المرادَ بالنعمةِ هنا الجمعُ؛ لِأنَّهُ قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ والنعمة الوَاحِدةُ أوَّلًا: لا تُعَدُّ، والشَيْء الثَّاني: تُحْصَى، واللَّه يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ فهذا مثالٌ واضح جِدًّا عَلَى أن المفردَ المضافَ يَكُون للعمومِ والشمولِ، إذَن (ذُرِّيَّتنا) عَلَى قراءةِ الإفرادِ يلاقي ما قبله من حيثُ المعنى؛ لِأنَّهُ يشمل جميع الذُّرِّيَّة. ومَنِ المرادُ بالذُّرِّيَّة؟

стр. 321

المراد بالذرَّية الأولادُ؛ ذُكُورُهُم وإناثُهم، وأولاد الأبناءِ دونَ أولادِ البناتِ، فإن أولاد البناتِ لَيْسُوا من الذريةِ لُغةً ولا شرعًا عند كثيرٍ مِنَ الفقهاءِ، وقيل: بل أولادُ البناتِ من الذُّرِّيَّة؛ لأن اللَّه قَالَ فِي إِبْراهِيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]، وعيسى ولد بنت وليس ولدَ ابنٍ، فجعله اللَّهُ مِن الذريةِ، فدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ أولادَ البناتِ من الذريةِ، ولَكِنَّنا نقولُ: لَيْسَ فِي الآية دَلالةٌ؛ لأنَّ عيسى ﵊ أُمُّهُ أبوه، يَعْنِي لَيْسَ له نَسَبٌ من قِبل الأبُوَّةِ، مُنْقَطِع؛ ولهذا المرأة المُلَاعِنة -أوِ المُلَاعَنة- إذا نفَى زوجُها ولدَها منه صارتْ هي أُمًّا أبًا، فالصوابُ أن الذرية لا يَدْخُلُ فِيهَا أولادُ البناتِ، هَذَا من حيثُ ناحية اللُّغَة والشَّرْع. أما من حيثُ الوَقْفُ والهِبَةُ، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ مِمَّا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْإِنْسَانُ بنفسِهِ، وله الحرِّيَّة فِيهِ، فهذا حَسَبَ ما ينصّ عليه، لو قَالَ مثلًا: هَذَا وَقْفٌ عَلَى ذُرِّيَّتِي الذكور والإناث، ومَن مات منهم عن ولدٍ فنصيبه لولدهِ، يَكُون هَذَا للجميعِ. وكَذَلِك لو قَالَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى ذُرِّيتي ومَن تَفَرَّعَ منهم، وليس له إِلَّا بنات، فيدخل أولاد البناتِ بِلَا شَكٍّ، أو قَالَ مثلًا: عَلَى ذُرِّيَّتِي، وأولاد البنات يَنزِلون منزلة أُمَّهَاتهم، فكَذَلِك إذا نصَّ عَلَى الشَيْءِ أو دلَّت القرينةُ عليه دَخَلَ أولادُ البناتِ، لكِن هَذَا الدخول بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الصِّيغة عُرْفًا أو نُطْقًا، لا بِحَسَب الشرعِ واللُّغة العربيَّة. قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ما معنى قرَّة العَيْن، قرة العين هل معناها الاستقرارُ، يعني أنَّها مأخوذة من الاستقرارِ، أو مأخوذة من القُرّ، وهو البَرْد؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إن دُمُوع العين الحزينة حارَّة، والعَيْنُ القَرِيرَة باردةٌ؟

стр. 322

هَذَا هو الأقربُ، وليس منْ الاستقرار، وليس المعنى أنَّ الْإِنْسَانَ إذا فَرِحَ قَرَّت عينُه، وإذا حَزِنَ اضْطَرَبَتْ وتحركتْ، لَيْسَ الأمر كَذَلِك، لَكِنها من القُرّ الَّذِي هو البرودة؛ لأن الْإِنْسَان إذا حَزِنَ حَمِيَتْ عَيْنُه، ولهذا يقالُ: دموع الحزينِ حارَّة، فالمعنى السرور والاطمئنان، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، وكُني بالعينِ لِأَنَّهَا تَتَأثَّر. وقول المُفَسِّر ﵀: [بأنْ نرَاهُمْ مُطِيعِينَ لكَ] هَذَا فِي الحقيقةِ من جُملةِ ما تَقَرُّ بِهِ عينُ المؤمِن، أن يَرَى أزواجَهُ وذرِّيَّاتِهِ مُطِيعِينَ للَّه، والغريبُ أنَّ الْإِنْسَانَ المسلمَ إذا رأى أزواجَهُ وذرياتِه مطيعينَ للَّه تَقَرُّ عينُه وإنْ كَانَ هو فَاسِقًا، الغريب أن الوالدَ يَفْرَح أن وَلَدَهُ يصيرُ مُطيعًا للَّه مُجتَنِبًا للمعاصي، وهو فاسِقٌ، ويُحِبّ أنَّ وَلَدَهُ يصلي مع الجَماعَةِ، ولو كَانَ هو لا يصَلي، وكَذَلِك يحبُّ أنَّ وَلَدَهُ لا يشرب الدخَانَ، ولو كَانَ هو يشرب الدخانَ؛ لأن المسلمَ مَجبولٌ عَلَى مَحبَة طاعةِ اللَّهِ ﵀، فهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ يَعْنِي بأن نراهم مطيعينَ لكَ، هَذَا وَاحِد. والصواب أَيْضًا (ولنا)؛ لأن الْإِنْسَانَ أَيْضًا إذا كَانَ ولدُه وزوجتُه موافِقِينَ لطاعتِهِ تَقَرُّ عينُه، هَذَا إذا أُضيفت إِلَى طاعةِ اللَّهِ، لكِن إذا كانوا مطيعينَ للَّهِ وعاصِينَ له تَقَرُّ عينُه من وجهٍ، إذا ذَكَرَ طاعتهم للَّه وقيامَهم بطاعةِ اللَّهِ رَضِيَ وفَرِحَ، وإذا رآهُم عاصِينَ له فإن هذا يسوءه، كأنْ يقولَ للولدِ: اجْلِسْ فِي القهوةِ وانتظِرِ الرِّجالَ، ولَكِنَّه يخرج، ويقول للمرأةِ: أَصْلِحِي الطعامَ، ولَكِنَّها لا تُصْلِحُه، فلَا شَكَّ أن هَذَا الشَيْءَ يَسُوءُه، ولا تَقَرّ عَيْنُه بِهِ، معَ أن هَذَا الأمرَ معصيةٌ للَّهِ. يَعْنِي لَوْ شِئْنَا لَقُلْنَا: إن قولَه ﵀: [بأنْ نَراهُمْ مُطِيعينَ لكَ] يَشْمَلُ حَتَّى طاعتهم لأبيهم وطاعة المرأة لِزَوْجِها، يَشمَل هَذَا وهذا، وكَذَلِك قيامُ الرجلِ بما يَجِب لزوجتِهِ يدخلُ فِي ذلكَ، فلو شِئنا أنْ نقولَ هَذَا لَقُلْنَاه، لَكِنَّه خِلافُ ظاهرِ الكَلامِ،

стр. 323

فالصوابُ أن نراهم مُطيعينَ لكَ قائمينَ بما يَجِبُ عليهم لنا؛ لأنَّ بذلك يَتِمُّ قَرار العَيْن. قَالَ : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: ﴿إِمَامًا﴾ يَعْنِي قُدْوَةً، والإمامُ هو القُدْوَةُ الُمَّتبَعُ. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ سَبَقَ الكَلامُ عَنِ التَّقوَى عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وأن المرادَ بالتقوى اتِّخاذ وِقاية من عذابِ اللَّهِ، وذلكَ بِفِعْلِ الأوامرِ واجتنابِ النواهي، ومعنى كونه للمتَّقين إمامًا أي قُدوةً، لاتِّصافهم بالتقوَى، واتصافهم بالعلمِ؛ لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ الْإِنْسَانُ قُدوةً إِلَّا إذا عُلِم فِيهِ العلمُ والتقوى، فإذا لم يكنْ عالمًا لم يَثقِ النَّاسُ بِهِ من حيثُ العلمُ، فالجاهلُ لا يَقْتَدُونَ بِهِ، وإذا كَانَ عالمًا لكِن عنده انحرافٌ قوليّ، أو عمليّ، أو اعتقاديّ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لا يَكُون قدوةً للمتَّقين، لا لعدمِ عِلْمِه، ولكن لِعَدَمِ نُصْحِه. فهذا الدعاء ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يَتَضَمَّنُ ثلاثةَ أمورٍ: العلم والتقوى والتأثير؛ لأنَّ مَن لم يَكُنْ عَالمًا لم يَكُنْ قُدْوَةً، ومَن لم يكنْ مُتَّقِيًا لم يكنْ قُدوةً، ومَن لم يكنْ مُؤَثِّرًا لم يكن قدوةً أَيْضًا، والتأثير بالقَوْلِ والفعلِ له دورٌ كَبيرٌ، تَجِدُ مثلًا رجلينِ متقاربينِ فِي العلمِ لَكِنَّ أحدَهما يَصْرِفُ اللَّهُ القلوبَ إليه فيَتَّخِذُونَه قُدوةً، والآخر لا يحصُل له هَذَا الأمرُ، فلهذا نقولُ: نَزِيدُ عَلَى العلمِ والتقوَى التأثيرَ، والتأثيرُ كما هو معروفٌ يَكُونُ سَبَبه قوَّة البيانِ والفَصَاحَة، إذا كَانَ التأثير بالقَوْلِ، ويَكُون سَبَبه أَيْضًا الاستقامة وحُسْن السُّلُوك، إذا كَانَ تأثيرًا بالفعل. وعلى كلِّ حالٍ فلا تَتِمُّ الإمامةُ إِلَّا بهَذه الأمورِ الثَّلاثَةِ: العِلْم والتقوى والتأثير بِالْقَوْل أو بالفِعْلِ. وفِي الآية إشكالٌ لفظيٌّ، وهو قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ لأنَّ (اجعلنا)

стр. 324

فِعل يَنْصِبُ مَفْعُولينِ، أحدُهما مبتدأ والثَّاني الخبرُ، ومن شروطِ المبتدأ والخبرِ أنْ يَكُونَا متطابقينِ إفرادًا وتثنيةً وجَمعًا، هنا المبتدأ جمع، أي فِي قوله: (واجعلنا) فـ (نا) جمع ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (إمامًا) هَذَا الخبر، وهو المَفْعُول الثَّاني، وهو مفرَد، فيبقى إشكالٌ وهو عَدَمُ مطابقةِ الخبرِ للمبتدأِ، والمطابقة أنْ يقالَ: واجْعَلْنا للمتقينَ أَئِمَّةً، فما هو الجوابُ عَنْ هَذا؟ بعضُهم قَالَ: إنَّ (إمامًا) لفظٌ صالح للمفردِ وغير، مثل فُلْك وجُنب وأشياءَ كثيرة من هَذَا النوعِ، وعلى هَذَا لا إشكالَ لأنَّ (إمامًا) بمعنى أَئِمَّة، صالحة للجَمع. ومنهم مَن قَالَ: إنَّ (نا) فِي قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ نائبةٌ عن كلِّ وَاحِدٍ، لَيْسَ عن المجموعِ، يَعْنِي اجْعَلْ كلَّ وَاحِدٍ مِنَّا إمامًا، يَعْنِي كل وَاحِدٍ يدعو بمفردِهِ، فعلى هَذَا لا إشكالَ أَيْضًا إذا جَعَلْنَا الضميرَ فِي (اجعلنا) لَيْسَ عائدًا للمجموعِ، إِنَّمَا عائد لكلِّ فردٍ مِنَ الجميعِ، فلا إشكال فِي المسألةِ، وهذا أقربُ؛ لأنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنَ المؤمنينَ لا يَسأَلُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ المجموعَ أئمَّةً، هو يريد أن يجعلَ كلَّ وَاحِدٍ إمامًا. وفي هَذَا دليلٌ عَلَى فَضيلةِ الإمامةِ فِي الدينِ، ومنها إمامةُ المساجِدِ، فإنَّ الإمامَ فِي المسجدِ إمامٌ للمتَّقين؛ لأن الَّذِينَ يأتون للصلاةِ متَّقون إنْ شاء اللَّهُ، فَهُوَ إمام لهم، فيدلّ ذلك عَلَى فضيلةِ تولِّي الإمامةِ فِي المساجِدِ، وأمرُ ذلكَ معلومٌ، يَعْنِي فضل الإمامة فِي المساجد معلوم، ولو لم يَكُنْ منها إِلَّا أنَّ الْإِنْسَانَ يَكُون قُدوةً، وأن الإمامة تُعِينه عَلَى أداءِ الصلاةِ، فالإمامُ لا تَفُوتُه الصلاةُ كلَّ يومٍ، وغيرُه تفوتُه أو يفوته بعضُها، كَذَلِك الإمامُ إذا تكلَّم يَسْمَع له أكْثَر، وكم من إنْسَانٍ ما بَرَزَ وظهرَ إِلَّا بسَبَبِ إمامتِهِ، لاسِيَّما إذا تَوَلَّى الخَطابة.

стр. 325

المهمُّ أنَّ إِمَامَةَ المساجِدِ يَنْفِرُ النَّاسُ مِنها معَ الأسفِ، الآنَ تَجِدُ حَتَّى بعض طَلَبَة العلمِ لا يُمْكِن أنْ يَتَوَلَّوْا إمامةَ مسجدٍ، حَتَّى معَ الضرورةِ إِلَى ذلكَ، وهذا يُتِيحُ الفُرصةَ لمِن هم دُونَهم فِي العلمِ والاستقامةِ وحُسْن التوجيهِ والإرشادِ والقُدوة أنْ يَتَوَلَّوْا إمامةَ المساجدِ، حتى إِنَّ منهم مَن يخرُج عَلَى ما اعتادَهُ أهلُ البلدِ، مثل أنْ يَجْهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ ويَقْنُت فِي صلاةِ الفجرِ، وهذا وإنْ كَانَ جائزًا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ أو مُسْتَحَبًّا، لَكِنِ السنَّة عَلَى خِلافه، والسنَّةُ أَوْلَى، لاسيَّما إذا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي بَلَدٍ لا يَفْعَلُون هَذَا، لكِن أولئك يَرَوْنَ أنَّهم عَلَى حقٍّ، وأن الْإِنْسَانَ يَجِبُ أنْ يَتَمَسَّكَ بالحقِّ مَهْمَا كَانَ الأمرُ، وهم مَعْذُورون؛ لأَنَّهُمْ مُجْتَهِدون، ولَكِننا نَأسَفُ لطلبةِ العلمِ أنْ يُفْسِحُوا المجالَ لمثلِ هَؤُلَاءِ، فالمُسْتَحَبُّ المؤكَّد الَّذِي يَنبغي أنْ يَتَوَلَّوْا هم هَذهِ الإمامةَ؛ ليَنْتَفِعُوا ويَنْفَعُوا غيرَهم ويَسُدُّوا الفراغَ الَّذِي رُبَّما يَشْغَلُه مَن لا يُوثَقُ فِي دينِه وعملِه. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لو أنَّ الأوقافَ تقومُ بحملةِ توعيةٍ وإرشادٍ للناسِ فِي فضلِ وأهميَّةِ الإمامةِ لِأَجْلِ ألَّا يَنْفِرَ طُلَّاب العلمِ مِنَ الإمامةِ؛ لأنَّ الأشخاصَ الَّذِينَ يَرْغَبُون فِي الإمامةِ يأتيهم مثلًا آباؤهم أو أقاربهم ويَقُولُونَ لهم: كيف تَتَحَمَّل الجَماعَةَ يومَ القيامةِ؟ ! نقول: صحيحٌ، بعض النَّاسِ يَظُنُّون أنَّ الإمامَ مسؤولٌ عن جماعتِهِ، ولَكِنه لَيْسَ مَسْؤُولًا أبدًا، هو مسؤولٌ عن صلاتِه، صحيح أن عليه مسؤولية من جهةِ إتمامِ الصلاةِ، يَعْنِي مثلًا إذا صليتُ وحدِي ممكِن أن أَقْتَصِر عَلَى الواجباتِ فقطْ، لكِن إذا كنت إمامًا لغيري لا يجوز أن أَقْتَصِرَ عَلَى الواجباتِ، يَجِبُ أنْ آتيَ بالصلاةِ كاملةً، وهَذِهِ مسألة أَيْضًا يَجِب أنْ يُلاحِظَها الأئمَّة؛ لأن بعضَ النَّاسِ يقولُ: ما دام

стр. 326

أني إمامٌ أنا سآتي بأدنى الواجبِ، نقول: نعم، لو كنت تُصَلِّي وحدَكَ فلا حرجَ عليكَ أن تَقْتَصِرَ عَلَى أدنى الواجبِ، ولا حرجَ عليك أنْ تُطَوِّلَ ما شئتَ كما قَالَ الرَّسول ﷺ (١) لَكِنْ إذا كنتَ إمامًا فأنتَ الآن فِي ولايةٍ، والوَلِيّ عَلَى الشَيْءِ يَجِبُ عليه أنْ يَفعَلَ ما هو أحسنُ، قَالَ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فما دام أنك وَلِيّ يَجِب عليكَ أنْ تفعلَ فِي صلاتِكَ أكملَ ما يَكُونُ، فلا تَقْتَصِرْ عَلَى الواجِبِ. والفقهاءُ ﵏ يَقُولُونَ: يُكْرَهُ سُرعةٌ تَمنَعُ المأمومَ فعلَ ما يُسَنّ، وتَحْرُم السرعةُ الَّتِي تَمْنَع المأمومَ فِعلَ ما يَجِبُ. هَذَا صحيحٌ، لكِن أنا عندي أن السرعةَ الَّتِي تمنعُ المأمومَ فعلَ ما يُسَنّ ليستْ مكروهةً فقطْ بل حرام؛ لأنك الآن وليّ، ويَجِب عَلَى الوليِّ أنْ يفعلَ ما هو الأَصْلحُ لمِن وُلِّيَ عليه، ولَا شَكَّ أن الأَصْلحَ هو اتِّبَاعُ السُّنَّةِ مثلما قُلْنَا فِي الأمورِ الَّتِي يُخَيَّر فِيهَا الْإنْسَان، فالأمورُ الَّتِي يخيَّر فِيهَا الْإِنْسَان إن كانتْ مِنْ أجْلِ ما يَتَعَلَّق بنفسِهِ فالتخييرُ الَّذِي يَشتهي يَفْعَله، كالتخييرِ فِي خِصال الكفَّارة مثلًا إطعام عَشَرة مساكين أو كِسْوَتهم أو تحرير رَقَبَة، وإذا كَانَ التخيير فيما يتعلق بمصلحةِ الغيرِ فالتخييرُ تخييرُ مصلحةٍ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل عَلَى الإمامِ مسؤوليةٌ من جهةِ الذينَ لا يُصلُّون مع الجماعَةِ؟ الإمامُ لَيْسَ عليه مسؤولية فِي هَذَا إِلَّا مثل ما عَلَى غيرِه، كل إنْسَان رأى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرهُ، ولا تزيد مسؤوليتُه أبدًا، فَهُوَ مثل غيرِه، لو كَانَ فِي المسجدِ إنْسَانٌ وَجِيهٌ كَلِمَته مسموعةٌ صارَ عليه من السلطةِ أكْثَر من الإمامِ، نحن نقول: هو مثل غيرِهِ بِحَسَبِ

стр. 327

الحالِ، فالْإِنْسَانُ الَّذِي يَقْدِر أنْ يُغَيِّرَ بِيَده يُغَيِّر بيده، والَّذِي لا يَقْدِر يغيِّر بلسانِهِ، والَّذِي لا يقدِر يغيِّر بقلبِه. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل واجبٌ عَلَى الإمامِ قِيَامه بالعددِ؟ قُلْنَا: لا يَجِب عليه العددُ أبدًا. وَلَوْ قِيلَ: هَذَا من التعاونِ. نقول: كل النَّاسِ يريدون أنْ يَتَعَاوَنوا عَلَى هَذَا الأمرِ، حَتَّى لو فُرِضَ أن الرجلَ قَالَ: إن كنتُ إمامًا أَلْزَمْتُ نفسي بِهَذَا، فهل هَذَا من الخيرِ أو من الشرّ؟ الحمدُ للَّه إن كَانَ من الخيرِ فليكنْ مما يدعو إِلَى الإمامةِ ويُشَجِّع عَلَيْهَا، والحقيقة أن اللَّه جعلَ للأشياءِ شُرُوطًا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، لا يُهدَى الْإِنْسَانُ سَبِيلَه إِلَّا بعدَ أنْ يُجاهِدَ فِيهِ، لكِن لا يُمْكِن أنْ تَصلَ إِلَى شيْءٍ بِهِ السرورُ والأُنْسُ والحُبُور عَلَى جَناحِ الرِّيح! فلا بد من شوكٍ ومن حَصًا ومن كلِّ شَيْء: "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ" (١). لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الآن توجد للإمامةِ مُرتَّبات وعدم قيامه بالعدد، فقطْ يَرْكَع الركعاتِ صار كأنه من الجَماعَةِ، فما دام ما شعّ النُّور وصارَ المسجدُ مدرسةً، فما فائدةُ الإمامِ؟ لَيْسَ بلازمٍ، لَكِنْ لا يوجدُ شكٌّ أنَّهُ مِنَ الكمالِ أنْ يَكُونَ الإمامُ عالِمًا أو طالِبَ علم يَستطيع أنْ يَتكلَّم، لَكِنْ إذا لم يكنْ. أنا أقول: إِنَّهُ يَجِب أنْ نَسُدَّ الفَراغَ عن غَيْرِنا؛ لأَنَّهُمْ إذا كَثُر الأجانبُ عِندَنا

стр. 328

وصارتْ مساجدُنا كلها أئِمَّة أجانبَ فالإمامُ يؤثِّر، ولولا أن النَّاسَ عِنْدَهم تَمَسُّك وعدم ثِقَة بالأجانبِ وعندهم ثقةٌ كبيرةٌ فِي المواطنينَ لكانَ كل الَّذِينَ يصلون وراء هَؤُلَاءِ الأجانبِ يَجْهَرُون بِالْبَسْمَلَةِ ويَقْنُتُونَ فِي الفجرِ، وهكذا، لكِن الحمد للَّه أَنَّهُمْ إِلَى الَانَ ما صارَ لهم قَبُول فِي البلدِ، وهَذِهِ من نعمةِ اللَّهِ، وإلَّا كانوا يؤثِّرون تأثيرًا بالغًا، فالإمام لَا شَكَّ أَنَّهُ يؤثِّر في مَن خَلْفه، نحن نقولُ: يَجِب عَلَى المواطنينَ عِندنا أن يَسُدُّوا هَذَا الفراغَ لِئَلَّا يَشْغَلَه مَن لا يُوثَق بِهِ، وبعضهم يُدَخِّنُونَ، لكِن الدخان أهون من العَقِيدة؛ لأن المشكِلة فِي العقيدةِ، الآن المهمُّ هو العقيدةُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الأوقافُ لها لوائحُ ويَجِب عَلَى الإمامِ كذا وكذا، فصارتِ الإمامةُ وظيفةً؟ هي وظيفةٌ، حَتَّى الفقهاء يُسَمُّونها وظائف، وإذا قُلْنَا: إِنَّهُ يَجِب عَلَى الإمامِ كذا بِمُقْتَضَى الإمامةِ، هل هَذَا يَمْنَع أَيْضًا لأنك أنتَ إذا ما قمتَ بِهَذَا قامَ بِهَا الأجنبيُّ. لَوْ قِيلَ: الأَجْنَبِيُّ يُرْشِدُ النَّاسَ وسيقول كَلِمَةَ خَيْرٍ؟ قُلْنَا: ما الَّذِي يُدْرِيكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ كَلِمة خير. لَوْ قِيلَ: هَذَا واضح. نقول: قبل أن يتكلم وهو غير معروف لك ليس بواضح. ثم أَيْضًا هَذَا الإمام نفسُه قد لا يَكُونُ عِنْدَهُ إدراكٌ، فهذا الَّذِي يقولُ كَلِمَةَ خير يمكن أنْ يأتيَ بحديثٍ موضوعٍ؛ كقولهِم: الَّذِي يَتْرُكُ الصلاةَ له خَمْسَةَ عَشْرَةَ خَصْلَةً (١)

стр. 329

وهو حديث موضوعٌ، ما الَّذِي يُدْرِيكَ، واتقاءُ الشرِّ قبلَ الوُقُوعِ فِيهِ أحسنُ مِن علاجِه بعدَما يَقَع. لَوْ قِيلَ: الأَصْلُ الإباحةُ، والرَّسول ﷺ لم يَمْنَعْ أحدًا؟ أولًا ما أظُنُّ أنَّ أحدًا يَتكلَّم والرَّسول ﷺ حاضرٌ، هَذِهِ وَاحِدةٌ، وكَذَلِك أَيْضًا ما عَهِدنا أنَّ أحدًا يتكلَّم معَ وجودِ الأئمَّة، والشَيْء الثَّاني نحن لا نقول: إن الحقَّ يَجِب أنْ يمنع لكِن نقولُ: مَنْ يقولُ: إن هَؤُلَاءِ يريدون الحق؟ نجدُ كثيرًا يتكلمونَ وإذا انْتَهَوْا قالوا: أَعْطُونا. فهَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يُمْنَعُوا ويُضْرَبُوا أيضًا، فهم يَصطادون الدُّنْيا بالدِّين، فبعدما يُوَجِّه يقولُ: واللَّهِ أنا فِي الحقيقةِ مستح منكم وخجلان، لكِن عليَّ كذا وكذا. أنت مستحٍ وخجلان فلماذا تَعِظُهم وتقول: أَعْطُوني قروشًا؟ ! وهَذِهِ حَصَلَتْ عندنا بالجامعِ، وتحصُل عند غيرِنا، ونَسْمَع عن هَذَا، وهذا الشخص لَيْسَ معروفًا، وإذا كَانَ معروفًا لا يُمْنَع، وأنا لم تَأْتِنِي تبليغاتٌ من هَذِهِ، لكِن أَجْزِم جَزْمًا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الَّذِي لا تَعْرِفُونَه، فلا تَسْمَحُونَ لهم. المهم أن هَذَا غير مانعٍ من تولِّي الإمامةِ، وأنت إذا كُنْتَ غيرَ إمامٍ وتَوَلَّى الإمامةَ غيرُك هل سَيَسْمَح للناس أن يَتكلَّموا؟ أبدًا، أنا قَصْدي أن الإمامةَ فِيهَا مصالحُ كثيرةٌ بالنسبة للشخصِ نفسِه؛ لِأنَّهُ يَقْدِر أنْ يَتكَلَّم بما يشاءُ ويوجِّه النَّاسَ، وعندما لا يَكُون إمامًا لو جاء يتكلم قَالَ له الإمام: لا تَتَكَلَّم، لكِن لو صارَ هو الإمامَ هل أحدٌ يَمْنَعُه ويقول له لا تتكلم؟ إذَن يَنْفَع النَّاس بِعِلْمِه، ثم هي أَيْضًا ممَّا يُعِين عَلَى الطاعةِ، فأنا أشعُر بِهَذَا عندَما كنتُ غيرَ إمامٍ، فيَفُوتني بعضَ الأحيانِ بعضُ الصلاةِ، وأتكاسَلُ، وأحيانًا أذهَبُ إِلَى هَذَا المسجدِ، وأحيانًا أذهب إِلَى هَذَا المسجدِ، لكِن لمَّا صِرْتُ إمامًا لم تَفُتْنِي صلاةُ الجمَاعَةِ.

стр. 330

لَكِنْ لَوْ قِيلَ: الَّذِي جَعَلَهُ مُنْضَبِطًا الإمامةُ فهل يَنْقُصُ أَجْرُه؟ لا ينقص أبدًا؛ لأن كونَ الْإِنْسَانِ يَصيرُ له مُشَجِّعَات عَلَى الخير لا يُبْطِل هَذَا أَجْرَه، ما جَعَلَ اللَّهُ المُرَغِّبات الَّتِي فِي الكِتَابِ والسنَّة عَلَى الخيرِ إِلَّا لأجلِ أنْ يُسْعَى له. لَكِنْ لَوْ قِيلَ: بعض النَّاس يَأْتُون الصلاةَ مُبَكِّرين بدونِ إمامةٍ، لماذا لم تُبَكِّر إِلَّا لمَّا صِرْتَ إمامًا؟ المسألةُ ليستْ مسألةَ التبكيرِ، المسألة أنها تُعِينني لَيْسَ عَلَى التبكير فقطْ ولَكِن عَلَى إدراكِ الجَماعَةِ أَيْضًا إذا كنت لا أُبَكِّر، فهذا ممَّا يُعِينُ، أليس اللَّه جعلَ للناسِ من الغنيمةِ شيئًا، وأليس الأئمَّة والمؤذِّنون جعلَ لهم رصدًا من بيتِ المالِ، وأليس النَّبي ﵊ يُشَجِّع بإعطاءِ المؤلَّفة قلوبهم وغير ذلك؟ فكون الْإِنْسَان يَكُون له مُشَجِّعات عَلَى الخيرِ لا يُبْطِل أجرَه، فالأَصْل والكَلامُ عَلَى النِّيَّةَ، إذا كنتَ تَفْعَل هَذَا للدنيا فهَذَا صحيحٌ يؤثِّر فيك كثيرًا، أَمَّا إذا يَسَّرَ اللَّه لكَ من أسباب الطاعة ما يُعِينُكَ عَلَيْهَا؛ فهذا طَيِّبٌ، ولا يَنْقُصُ الأجرُ، بل إن الرَّسول ﷺ يُشَجِّعُ عَلَى ما يُعِينُ: "تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً" (١) وكان يَصُبُّ عَلَى رأسِه الماءَ وهو صائمٌ مِنَ الحَرِّ (٢)، كل هَذَا يُعِينُه عَلَى الطاعةِ، فالمشَجِّعَاتُ عَلَى الخيرِ لا تَنْقُصُ الخيرَ، الكَلام عَلَى النيَّة فقطْ، إنْ فعلتَ هَذَا الشَيْءَ للدنيا فيَكُون صحيحًا وحَبِطَ عَمَلُكَ.

стр. 331

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يُبَكِّر ويُسْرِع لإدراكِ الجَمَاعَةِ خَجَلًا مِنَ النَّاسِ؟ إذا كَانَ يُرائِي النَّاسَ فهَذَا شَيْءٌ ثانٍ، حَتَّى الَّذِي لَيْسَ بإمامٍ قد يَرَى أَنَّهُ يُفقَد فِي الجمَاعَةِ ويحب ألا يُفْقَدَ، ولو لم يكن إمامًا، فالكَلام عَلَى النيَّة، إذا كَانَ يَخْجَل من النَّاس فهذا لَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْقُص الأجرَ، لكِن إذا كَانَ يقولُ: أنا أُسْرِع لأقومَ بالواجبِ عليَّ ولا أُربك النَّاسَ، مرَّة أتقدَّم ومرة أتأخَّر، فهَذَا طيِّب، فهذا أسرع لإحسانِ عَمَلِهِ. لَوْ قَالَ قَائِل: بعضُ الأئمَّة عوامُّ، ولا يَستطيعونَ أنْ يَتكَلَّمُوا، مع أنَّهُ يصلي خلفهم طلَّابُ عِلْمٍ، ولا يُمْكِن أنْ يتركوا الإمامةَ، فيوجد أربعة شباب من طلاب العلم يصلون خلفَ إمامٍ عاميٍّ؟ نقول: نحن نريد أن يأتوا هَؤُلَاءِ عندنا، وإنْ كَانَ تلاميذُنا هَذِهِ السنَةَ أَحْسَن ونَفَعَ بعضُهم فِي التراويحِ، وقاموا ببعضِ الواجب، لكِن نَحْتَاج المزيدَ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الأئمَّة مَنْ صَلَّى بهم إمام لا يُمْكِن أنْ نقولَ له: تَأَخَّر لأنَّ اختيارنا الأَوْلى عند ابتداءِ الإمامةِ، فإذا وُجد إمامٌ لا يمكن أنْ نَعْزِلَه إِلَّا بسَبَبٍ شرعيٍّ، ولنْ يَرْضَى، ولو كَانَ مُتَطَوِّعًا، لكِن يجوز عَزْلُه إذا رَضِيَ، فليس هناك مانعُ، لاسيما إذا كَانَ الَّذِي سَيَتَوَلَّى الإمامةَ خيرًا منه، فإذا كَانَ الَّذِي سَيَتَوَلَّى خيرًا منه فهذا طيِّبٌ، لكِن الإمام الأول هل يجوز أن يأخذَ المرتَّب؟ نعم؛ لأن هَذَا تنازَلَ له؛ لأن المرتبَ للثاني، والثَّاني تنازلَ عنه، وهَذِهِ وَقَعَتْ حسبَ ما سَمِعْتُ، مؤذِّن الجامع الكبيرِ فِي الرياضِ ابن ماجد كَانَ يؤذِّن فِي مسجدٍ فِي أحد الجِهات، ولمَّا عُمِر هَذَا المسجد الجديد الكبير طَلَبُوا منه أن يَكُونَ هو المؤذِّنَ، لكِن إمامه الأول لم يكن راضيًا بذلكَ، فجعلوا له المرتَّب والوظائف الَّتِي للمسجدِ وهذا جعلوا له مُرَتَّبًا جديدًا.

стр. 332

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعضُ الأئمَّةِ عنده ظرُوف فِي البيتِ مثلًا، كأنْ يَكُونَ كبيرًا فِي السنِّ أو شيئًا من هَذَا القَبيل، يقول: أنا أريد أن أُصَلِّيَ أوقاتي الَّتِي أستطيعُ أن أَحْضُرَ فِيهَا إِلَى المسجدِ، ويجعل شخصًا آخرَ من أهلِ البلدِ يساعده، هل يجوز هذا؟ لا يوجد مانعٌ إذا قَالَ لشخصٍ: إذا تَخَلَّفْتُ فَصَلِّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعضُهم يقول: الإمامةُ ارتباطٌ ولا أستطيعُ السفرَ؟ هَذَا أكْثر ما يَعْتَذِرون بِهِ، يَقُولُونَ: واللَّهِ الإمامةُ تَربُط وتُشْغِل، وأنا أريدُ يومًا أتمشَّى هنا ويومًا أتمشى هنا؟ أنا أقولُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، كلُّ هَذِهِ عَقَبَات الأَصْلُ عَدَمُها، فأنتَ اجْزِمْ واحْتَسِبِ الأجرَ مِنَ اللَّهِ، وسَيُسَاعِدُكَ اللَّهُ ويُهَيِّئ اللَّهُ لكَ مِن أمرِكَ يُسْرًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: رَجَّحْتُمْ أنَّ الأذانَ أفضلُ منَ الإمامةِ؟ إِذَا قُلْنَا: إنَّ الأذانَ أفضلُ مِنَ الإمامةِ فلَيْسَ معنى ذلكَ أنَّ الإمامةَ لَيْسَ فِيهَا فضلٌ، ثم نقولُ: جزاك اللَّهُ خيرًا كنْ مؤذِّنًا وإمامًا، فإذا كنتَ حَريصًا عَلَى الخيرِ فكنْ مؤذِّنًا وكن إمامًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما معنى حديث: "الْإِمَامُ ضَامِن" (١)؟ حديث: "الْإِمَامُ ضَامِنٌ" الحديث فِيهِ مقال، لكِن إذا صحَّ فالمعنى أنَّ الإمامَ مسؤولٌ عمَّن وَرَاءَهُ، يَعْنِي ضامنًا لهم، فيَجِبُ أنْ يَكُونَ فِي صلاتِه مثلَما قُلْنَا قبل قليلٍ: أن يأتي بِهَا عَلَى الوجهِ الأكملِ إذا صَلَّى بهم، أَمَّا ما وراء ذلك فليسَ عليه شَيْءٌ،

стр. 333

فلو صلَّى وَاحِدٌ مُحْدِثًا فالإمامُ لَيْسَ عليه شَيْءٌ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ الأحسنُ أخذُ المُرَتَّب أم عدم أَخْذِه، خاصَّةً أنَّ الإمامَ غيرُ محتاجٍ، لكِن جَماعَة المَسْجِد قالوا: لا بدَّ أن تأخُذَه حَتَّى لا يَنْقَطِعَ عنِ المسجِدِ؟ نرى أنَّ الأحسنَ أن يأخذَ المرتَّب، وكذلك الوظائف الَّتِي عَلَى المسجدِ، فَهُوَ عَلَى خيرٍ، يَأْخُذه ما دامتْ نِيَّته أصلًا أنَّهُ ما جاءَ إِلَّا للَّه، أليسَ الرَّسول ﵊ وأصحابه يَأْخُذُون مِنَ الغنائمِ، وهل يوجدُ أحدٌ أخلَص منهم؟ ! لا، لم يَقُولوا: نحن لن نأخذَ من الغنائمِ، هَذَا شَيْءٌ جاءَ مِن بيتِ المالِ "إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأنتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ" (١). وإذا شِئْتَ فَخُذْهُ واصْرِفْهُ فِي شَيْءٍ نافعٍ لَكَ، يَعْنِي حقيقة الأمر مثلما قالوا: إنَّك لو لم تَأْخُذْ أنتَ يَتَعَطَّل المَسْجِد، وإذا جاء إمامٌ جديدٌ بعدَكَ يَحتاج إِلَى معاملةٍ جديدةٍ، وكَذَلِك أَيْضًا الوظائف، بعضُ النَّاسِ يقولُ: واللَّه أنا لن أُطَالِبَ النَّاسَ، أقول: أَعْطُوني حقِّي، مثل بَعْض الصُّبَر الَّتِي تكون للإمامِ أو المؤذِّن، نقول: هَذَا باختيارِكَ، يَعْنِي كونك تأخذ أو لا تأخذ هَذَا شَيْءٌ ثانٍ، لكِن نظرًا لأنك إذا تركتَه وتناساهُ هَؤُلَاءِ ذهب لَيْسَ عليك فقط؛ لأنك أنتَ تقول: لا أُريده، بل يذهب عَلَى غيرِك أَيْضًا؛ لأنَّ الإمامَ فِي الحقيقةِ وأيضًا المؤذن كلاهما لَيْسَ مُسْتقِلًّا بما يُعْطَى من كلِّ وجهٍ. * * *

стр. 334

الآية (٧٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]. * * * قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ جزاءُ عِبَاد الرَّحمنِ أَنَّهُمْ يُجْزون الغرفةَ بما صَبَرُوا. وأنواع الصبرِ: صَبْرٌ عَلَى أحكامِ اللَّهِ القَدَرِيَّة، وصبرٌ عَلَى أحكامِه الشرعيَّة، والصبرُ عَلَى الأحكامِ الشرعيَّة يَنْقَسِمُ إِلَى قسمينِ؛ صبر عَلَى ما حَرَّمَ اللَّهُ، وصبرٌ عَلَى ما أمرَ اللَّهُ به. قوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الباء) للسَبَبيَّة، و (ما) مصدريَّة، أي بِصَبْرِهِم، إذا قُلْنَا: إن الباءَ للسَبَبيَّة فكيف نَجْمَعُ بينَها وبينَ قولِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]؟ الجواب: هما مُتَّفِقانِ، فقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مثلُ قولِهِ: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، فلا تَعَارُضَ بينَهما، فـ (الباء) للسَبَبيَّة فِي هذا وهذا، لكِن نَحتاجُ إِلَى الجمعِ بينَهما وبينَ الحديثِ الصحيحِ: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" (١)، نقول: إن (الباء) فِي قوله: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنكمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" لِلْعِوَض، فالمنفيُّ (باء)

стр. 335

العِوَض، يَعْنِي لا يُمْكِن أنْ يَكُونَ العملُ عِوَضًا، لِأنَّهُ لو كَانَ عِوَضًا وأرادَ اللَّهُ أنْ يَقْتَصَّ مِنَ العاملِ لكانَ العملُ لا يكافِئ نِعْمَةٌ مِنَ النِّعَم، وَأَمَّا الآياتُ والأحاديثُ الَّتِي تُثْبِتُ أنَّ العملَ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ بِهِ الجنَّةَ وينجو بِهِ من النارِ، فهَذِهِ للسَبَبيَّة، إذا قلت: بِعْتُ عليكَ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ (الباء) هنا معلومٌ أنها لِلْعِوَضِ، لَيْسَ بسَبَبِ الدرهمِ، لو كَانَ الدرهمُ مَعَكَ ما أَعْطَيْتُكَ الثوبَ، لكِن إذا عَوَّضْتَنِي بِهِ أَعْطَيْتُكَ الثوبَ، فهذا هو الفرقُ. قوله: ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ هل هما مترادفانِ أو مُتَغَايِرانِ؟ التحيَّة أعمُّ، فكل سلامٍ تحيَّة، ثم أَيْضًا التحيَّة كما تكون بالقَوْلِ تكونُ بالفعلِ، ولهذا يقالُ: حيَّاه بالتُّحَفِ وبِطِيب المنزِل، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ. قوله: ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ يَعْنِي أَنَّهُمْ يُلَقَّوْنَ بالتحيةِ قَوْلًا، وبالسلامةِ بقاءً، يَعْنِي يَبْقُونَ سالمِينَ، وهَذهِ المعاني ثابتةٌ بالنسبةِ لأهلِ الجنَّةِ، فإنهم يحيَّوْنَ بأنواعِ التحيَّاتِ المرضيَّة المُفْرِحَة المُسِرَّة، وكَذَلِك أَيضًا يُسَلَّمُونَ من كلِّ الآفاتِ، وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ مِنَ الملائكةِ]، هَذَا فِيهِ نقصٌ، فَإِنَّهُ يحيِّي بعضُهم بعضًا، وَيُحَيِّيهمُ اللَّهُ ، وكَذَلِك الملائكةُ، لكِن كأنَّ المُفَسِّر خَصَّصَها بقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، لكِن هَذَا ما يُعْطِي التخصيصَ. * * *

стр. 336

الآية (٧٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]. * * * قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ أي ماكِثِينَ، وهنا أطلقَ الخلودَ وقيَّده بِالأَبَدِيَّة فِي مواضعَ مُتَعَدِّدَةٍ بالنسبةِ لأهلِ الجنَّةِ، وكَذَلِك بالنسبةِ للنارِ ذكر اللَّه تَعَالَى فِيهَا الخلودَ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بالأبديَّة. قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي فِي هَذهِ الغُرْفَة، أي ماكِثِينَ أبدًا، ثم أَثْنَى اللَّهُ عَلَى هَذهِ الغُرفةِ بقولِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَوْضِع إِقَامَة لَهُم]، فهم ضِدُّ أهلِ النارِ الَّذِينَ قَالُوا فيها: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، لكِن فِي هَذهِ الآيةِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَوْضِع إقامةٍ]، وَفِي قوله : ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قَالَ ﵀: [أيْ مَوْضِع استقرارٍ وإقامةٍ]، وهَذِهِ الآيةُ يَنْبَغِي أنْ تكونَ مِثْلَها، لكِن هل بينَهما فرقٌ، أي بَيْنَ المُسْتَقَرّ والمُقام؟ المُسْتَقَرُّ الشَيْء الثابِت، والمُقَام الَّذِي يُقيم فِيهِ الْإِنْسَانُ، سواء استقرَّ أمْ لَمْ يَسْتَقِرَّ. فإنْ قيلَ: لا حاجةَ إِلَى قولِهِ: (وَمُقَامًا)؛ لأن الجنَّة أو النارَ مُسْتَقَرٌّ دائمٌ ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]؟ نقول: المُسْتَقَرُّ باعتبارِ المكانِ، والمُقَام باعتبارِ ما يَحْصُل لهم من النَّعِيم والسُّرور والتحيَّة، وغير ذلك، تقول: مُقامي فيكم سُرُور، أو مقامي فِي هَذَا المكانِ حُزْنٌ، أو ما أشبهَ ذلكَ، ويمكن أَيْضًا أن يقال:

стр. 337

المُقام بالنسبةِ للزمنِ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَيْهَا مكانًا وزمنًا، وكوننا نُحاوِل أنْ يَكُونَ بَيْنَ اللفظينِ تغايُر أَوْلى من الترادُف؛ لأننا إذا قُلْنَا بالترادُفِ فِي هَذَا وغيرِه صارَ فِي المسألةِ تكرارٌ، والأَصْلُ عَدَمُ التكرارِ، فحاوِلْ ما استطعتَ أنْ تَجْعَلَ اللفظينِ متغايريْنِ إذا أمكنَ فِي كلِّ آية، فِي آياتِ القُرْآنِ وغيرِ القُرْآنِ، فحاوِلْ فِي كلِّ كَلامٍ فصيحٍ أنْ تكونَ الألفاظُ مُتَمَيِّزًا بعضُها عن بعضٍ فِي المعنى؛ لأن الترادفَ لا يُصارُ إليه إِلَّا عندَ الضروةِ؛ لِأنَّهُ مجرَّد تكرارٍ. قوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وأُولَئِكَ وما بعدَه خبرُ عِبَادِ الرَّحمنِ المُبْتَدَأ]، وعِبَاد الرَّحمنِ أولئك يُجْزَوْنَ الغرفةَ هَذَا بعيدٌ جِدًّا أنَّ اللَّه يَذْكُرُهم لِيُبَيِّن جَزَاءَهم، وإنما يَذْكُرُهم لِيُبَيِّنَ صِفَاتِهِم أولًا، ثم يأتي بالجزاءِ كالخاتمةِ، فالصوابُ، بل المتعيّن، أن تكونَ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وما عُطِفَ عليه، وتكون جملة: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ استئنافيةً لِبَيَانِ جزائهم عَلَى هَذِهِ الأعمالِ. بعدَ أنِ انتهتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجليلةُ لم نَأْخُذْ فوائدَها، وعَمْدًا فَعَلْنَا ذلكَ؛ لأجلِ أنْ نَسْتَنْبِطَ الفوائدَ بعدَ استكمالِ الصِّفاتِ؛ لأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بعضُه ببعضٍ، ولَكِن إذا رأَى الطالبُ أنْ يَمْتَحِنَ عَضَلاتِه العقليَّة والفكريَّة بأنْ يَسْتَنْبِطَ ما يُستفادُ مِنَ الآياتِ، ومنَ الأحكامِ العمليَّة والعِلمية والسلوكيَّة، وصفات اللَّه ، وغير ذلك، ويُعِدّ الطالب عِدَّة ورقاتٍ: ورقة لمِا فِي الآياتِ من صفاتِ اللَّهِ مثلًا، وورقة لمِا فِيهَا مِنَ الأخلاقِ، ووَرَقَة لمَا فِيهَا مِنَ العملِ؛ لأن الآياتِ فِيهَا عمل وفيها أخلاق، وإذا شاء أنْ يسيرَ عَلَى ترتيبِ الآياتِ فلا بأسَ، لكِن ربما تَخْتَلِفُ أفهامُ النَّاسِ فيَظُنّ هَذَا من بابِ السلوكِ، وذاك يقولُ: من باب العملياتِ، إذَن نسير

стр. 338

عَلَى ترتيبِ الآياتِ، فَهُوَ أسهلُ بِلَا شَكٍّ وأضمنُ، ويمكن أنْ يَستعينَ الطالبُ ببعضِ الكتبِ، لكِن لا ينقُل نقلًا، وموضع البحث كما تقدَّمَ من قولِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ إِلَى قولِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. * * *

стр. 339

الآية (٧٧) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّةَ، ﴿مَا﴾ نافِيَةٌ ﴿يَعْبَأُ﴾ يَكْتَرِث ﴿بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ إيَّاه فِي الشدائدِ فيَكْشِفها، ﴿فَقَدْ﴾ أي فكيف يَعْبَأ بكم وقد ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ الرَّسولَ والقُرْآنَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾]. قوله: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يَعْنِي ما يَكْتَرِث بكم، أي بإهلاكِكُم والقضاءِ عليكم، لَيْسَ ذلك مِمَّا يَثْقُل عليه، ولا مما يَعْجِز عنه، بل هو قادرٌ عليه، ولَكِن الَّذِي يَمْنَعُ هو الدعاءُ ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يَعْنِي ودعاؤكم هَذَا يَمْنَع من أَخْذِكُم، ولَكِنَّه إِلَى أجلٍ، ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ وحيئذٍ يَحُلُّ بكم العقابُ، فقد كذَّبتم النَّبي ﷺ وما جاء بِهِ، وهذا التكذيبُ موجِبٌ للعقابِ، ولهذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العِقَاب لكم ﴿لِزَامًا﴾ مُلازِمًا لكمْ فِي الآخرةِ بعدَما يحل بكم فِي الدُّنْيا]، معنى الآية الكريمة أن اللَّه لو شاءَ لَأَهْلَكَكُمْ، ولم يَعْبَأْ بكم؛ لأنكم لا تُعْجِزُونَ اللَّهَ، ولَكِن المانع دعاؤكم فِي الشدائدِ؛ لأَنَّهُمْ إذا أُصِيبُوا بشِدَّة دَعَوُا اللَّهَ أنْ يَكْشِفَها عنهم ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، هَذَا الدعاءُ مانع معَ كُفْرِهِم، فعلى هَذَا يَكُونُ الخِطاب للكفارِ،

стр. 340

والمعنى كما تَقَدَّمَ: لولا دعاؤهم اللَّه لَعَاجَلَهُمْ بالعذابِ، ويَكُون هَذَا الدعاء إذا نزلَ بهم العذابُ، هَذَا هو ظاهرُ الآيةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾. وقيل: إنَّ الخطابَ للمؤمنينَ، وإن المرادَ بالدعاءِ العِبَادَةُ، يَعْنِي ما يَصنَع اللَّهُ بكم لولا عِبَادتكم، ويَكُون قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ انتقال إِلَى خطابِ آخرينَ، لكِن فِي هَذَا تشتيتُ الضمائرِ فِي الواقعِ، واختلاف السياقِ بعضه مع بعضٍ، وما دام المعنى صحيحًا مع وجودِ التناسُقِ بَيْنَ الكَلامينِ فَهُوَ أَولَى. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الدعاءُ لَيْسَ دليلًا عَلَى مَحبَتِهِمْ للَّهِ، بل لِحاجَتِهم؟ لكِن فِي هَذِهِ الحالِ دعاء مُضْطَرّ، واللَّه سبحانه يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، وهذا عامٌّ، فدعاء المضطرّ ودعاء المظلومِ يُجاب؛ لأن المضطرَّ فِي تلك الحالِ يعلم أَنَّهُ مضطرّ إِلَى اللَّهِ، ويسأله سؤالَ افتقارٍ، وسؤالَ حاجةٍ، واللَّه أكرمُ الأكرمينَ، ما أحد يَحتاج إليه ويدعوه، ولو كَانَ كافرا؛ إِلَّا أجابَه، فالكافرُ لو دعا عَلَى ظالمٍ يُستجاب، ولو كَانَ كافِرًا. لَوْ قَالَ قَائِل: أَلَا يُشْكِل عَلَى هَذَا قولُه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]؟ هَذَا تَقَبُّل العملِ؛ لِأَنَّهَا فِي سياق عَمَل، قَرَّب أحدُهما قُربانًا فتُقُبِّلَ منه، والثَّاني لم يُتَقَبَّل، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. لَوْ قِيلَ: والدعاء أَيْضًا عمل، لكِن الدعاء سؤالٌ وإلحاحٌ، يَعْنِي أنَّ وَاحِدًا محتاجًا يَسْألكَ، والكريم إذا سأله السائلُ، ولو كَانَ أعدَى عدوٍّ له، فَهُوَ يعطيه؛ لِكَرَمِهِ، لَيْسَ لذاتِ الشخصِ السائلِ، كما أنَّ المظلومَ يُجاب ولو كَانَ كافرًا، لَيْسَ لِشَخْصِهِ،

стр. 341

ولَكِن إقامةً للعدلِ، ولهذا يقبل الدعاء حَتَّى من غيرِ المتَّقي مثلما ذَكَرْنَا، ثم إن اللَّهَ تَمَدَّحَ فقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ثم اللَّه بَيَّن ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. ثم تهَدَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بقولِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يَعْنِي فالآنَ لا يَنْفَعُكم الدعاءُ بعد أنْ كَذَّبْتُمْ، بل يَحُلّ بكم العقابُ الملازِمُ لكم فِي الآخِرَةِ. يقول المُفَسِّر ﵀: [بعدَما يَحُلُّ بكم فِي الدُّنيا]، وعلى هَذَا التفسيرِ يَكُون فِي الآيةِ دليلٌ عَلَى عذابِ القبرِ؛ لأَنَّهُمْ إذا لَازَمَهُمُ العذابُ مِن حينِ يَحُلُّ بهم إِلَى الأبدِ كَانَ ذلك دليلًا عَلَى عذابِ القبرِ، والأدلَّةُ عَلَى عذابِ القبرِ كثيرةٌ وأصرحُ من هَذَا وأبينُ. قول المُفَسِّر ﵀: [فقُتل منهم يومَ بدرٍ سبعونَ]، الَّذِي قُتِلَ من أهل مكَّة يوم بدر سبعونَ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، وأُسِرَ سبعونَ. وجواب (لولا) فِي قوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ دلَّ عليه ما قبلَه، فهَذهِ شرطيَّة، وجوابها ما سبقَ، المعنى: لولا دعاؤكم ما عبأ اللَّه بكم، ولَكِن الدعاء يَمْنَعُ، واللَّهُ أَعْلَمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: كمالُ قُدْرَةِ اللَّه وأنه لا يَعْبَأُ بأحدٍ مِن خَلْقِه مهما كَثُروا عددًا وعُدَّةً؛ لقولِه: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. الْفَائِدَة الثَّانية: أن الدعاءَ مانعٌ من العقوبةِ، كما أن فِي الدعاءِ أَيْضًا جالبًا للمصالحِ "وَإِنَّ الدُّعَاءَ وَالْبَلَاءَ لَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١) فيَمْنَع أحدُهما الآخرَ.

стр. 342

فالحاصلُ: أن الدعاء مانع مِنَ العذابِ وجالِبٌ للرحمةِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ورد فِي الحديث: "وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ" (١) كيف يُوَفَّق بَيْنَه وبين ما وَرَدَ، سواء فِي الكِتَابِ أو فِي السنَّة أنَّ القَضَاء لا يَرُدُّه شَيْءٌ؟ فيَجِبُ أنْ تعرفَ أنَّ القضاءَ هو وُقُوعُ الشَيْءِ عَلَى ما كَانَ، فالدعاء إذا وقعَ فهناك قضاءٌ كَانَ يقع لولا الدعاءُ، فإذا وقعَ الدعاءُ كَانَ مِنَ القضاءِ، فيَكُون إخبار النَّبي ﵊ بِهَذَا هو حثّ النَّاس عَلَى الدعاءِ، مثلَما ذكر "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٢). فَهُنَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أليسَ الأَجَلُ مُقَدَّرًا، والرزق مقدَّرًا؟ قُلْنَا: بلَى، هو مُقَدَّر ولا يَتَغَيَّر، فيَكُون المقصود من الحديثِ حَثّ النَّاسِ عَلَى البِرِّ والصلةِ، ولا بدَّ أنْ يَقَعَ ما أرادَ اللَّهُ مِن بِرِّك وصِلَتِك، وتكون النتيجةُ أنْ يَكُونَ عُمُرك ممدودًا بسَبَبٍ، كما ما لو وَقَعَ الْإِنْسَانُ فِي هَلَكةٍ وجاء إنْسَانٌ وأنقذَهُ، هَذَا الإنقاذُ صارَ سَبَبًا لحياتِهِ وطُول عُمُره، لكِن معَ ذلك هو مقدَّر، لا بدَّ أنْ يَقَعَ، فيَكُون معنى "لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ" أن الدعاءَ من الأَسْبابِ الَّتِي تَمْنَعُ القضاءَ الَّذِي يَكُون لولا هَذَا الدعاء، ولَكِن لن يَكُونَ هَذَا القضاء لِأَنَّهُ سَيَسْبِقُه دعاءٌ مُقَدَّر مِن قبلُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ له فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" أَلَا يَكُون تفسير الحديثِ معنويًّا بأنْ يُبَارِكَ له فِي عُمُرِهِ، وطِيب العُمُر،

стр. 343

وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ؟ فالجواب: لِنَقُلْ ذلك. والمباركَة فِي العُمُر وعَدَم المباركةِ مكتوبةٌ. إذَن ما الفرقُ، ولماذا نُحَرِّف الحديثَ؛ لأنَّ يَنْسَأ بمعنى يُؤَخِّر معروف، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، لماذا نحرِّف الحديثَ ونجعل (ينسأ) كنايةً عن بركةِ العُمُر فِرارًا من امتدادِ الأجلِ، معَ أنَّ البَرَكَة فِي العُمُر ونَزْع البركة من العُمُر كِلاهما مكتوبٌ؟ إذَن لا فرقَ. وَكَمَا قُلْنَا: إِنَّهُ أَجَلٌ مُقَدَّر لا يَتَغَيَّر؛ لأن هَذَا الرجلَ الَّذِي صار عُمُره خمسينَ سنةً كُتِبَ عُمُره خمسين سنةً لِأنَّهُ بَرٌّ بوالديْهِ، وكُتب بِرُّه أَيْضًا، لكِن أنا غيرُ معلومٍ عندي أني بارٌّ، ولا أنَّ عُمُري خمسونَ مثلًا، فيَكُون المقصود من هَذَا الحديثِ هو حثّ النَّاس عَلَى البرِّ، وإلَّا فكلُّ شَيْءٍ مكتوبٌ، فالَّذِينَ فَرُّوا من ذلك يقال أَيْضًا لهم: هذا كما فِي الحديثِ أنَّ الجَنِينَ فِي الرَّحِمِ يَكْتُبُ المَلَكُ رِزْقَه (١)، والبركة فِي الرِّزْقِ أَيْضًا مكتوبةٌ من قبلُ، مع أنَّ الرَّسولَ يقولُ: "يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقِهِ" يَعْنِي يُوَسَّع، فلا حاجةَ إِلَى هَذَا التحريفِ. لَكِنْ لَوْ قِيلَ: أَلا يُمْكِن أن يَكُونَ هَذَا القدرُ الَّذِي كَانَ سَيَحْدُث مكتوبًا وغُيِّر؟ لا، هو بِصَدَدِ أنْ يقعَ، لكِن ما كُتِبَ أن يقعَ، هو بصددِ أن يقعَ لكِن وُجِدَ مانعٌ مقدَّر أَيْضًا، ومثلما قلتُ لكَ: إذا قَالَ قائل: ما الْفَائِدَة إذَن؟

стр. 344

نقول: الْفَائِدَةُ هي حَثُّ النَّاس عَلَى الدعاءِ، وأن يَحْرِصَ الْإِنْسَان عَلَى الدعاءِ؛ لأجلِ أن يَمْتَنِعَ بِهَذَا الدعاءِ ما كَانَ موجودًا أسبابُه من القضاءِ. لَكِنْ لَوْ قِيلَ: هَذَا يخالِفُ الظاهرَ، ولو قُلْنَا بظاهِرِهِ لَخَالَفْنَا أَيْضًا القدرَ؛ لأن الدعاء مقدَّر، وعدم الدعاء مقدَّر، حَتَّى دعاؤك أنت مقدَّر، بل كل شَيْءٍ مقدَّر، فمعناه: لا بد أنْ تَدْعُوَ فيرد القضاء الَّذِي انعقدتْ أسباب وجوده، فالدعاء مانعٌ، وأسبابُ وجودِ القضاءِ الَّذِي كَانَ سَيَقَع لولا هَذَا المانع موجودةٌ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: الإِشْكالُ إذا قَالَ قائل: إذا كَانَ الدعاء مقدَّرًا فمعناه أن هَذَا الَّذِي قُدِّر لن يقعَ؟ فيقال: إن أسبابَ هَذَا الَّذِي قُدِّر موجودةٌ، والدعاء مانع، فيَكُون عندنا أسبابٌ انعقدتْ لِحُصُولِ هَذَا الواقعِ الَّذِي مَنَعَهُ الدعاءُ، وكلُّ منها مقدَّر. الْفَائِدَة الثالثة والرابعة: إثباتُ الأَسْبابِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، وإثبات الموانعِ أَيْضًا؛ لقولِهِ: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، ففيها إثباتُ الموانعِ لمَا انعقدَ سَبَبُه، وإثباتُ الأَسْبابِ لمَا لم يوجدْ حَتَّى يَكُون، وإثبات الموانع أَيْضًا موجود بكثرةٍ، الرَّسول ﷺ أمرَ عندَ الكسوفِ بالصلاةِ والدعاءِ والاستغفارِ (١)، وهذا مانعٌ للعذابِ الَّذِي انعقدَ سَبَبُه ووُجِدَ الإنذارُ بِهِ، فيمنع هَذَا العذابَ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قد تكونُ المصيبةُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا للعبدِ ابتلاءً لِرَفْعِهِ دَرَجَتَه، كما حصل عَلَى الأنبياءِ؛ كنُوح ولُوط، حيث ابتلاهما اللَّهُ بِزَوْجَتَيْهِمَا، وهما مِنَ الأنبياءِ، وكما حصل للرسولِ ﷺ من عُمُومتِه؟

стр. 345

قُلْنَا: هَذَا صحيحٌ، لكِن قد لا يَكُون الكَسْب هَذَا من يدِ الْإِنْسَانِ نفسِه؛ لأن البلاءَ إذا نَزَلَ يَعُمُّ، فقد يَكُونُ ما أُصيبَ بِهِ الْإِنْسَانُ من ذنوبِ غيرِه، ليَكُونَ موعظةً له، فيُبتلَى بِهَذَا وهذا، بالحُكم الشرعيِّ والقَدَريّ، وربما يَكُون هناك ذنوب خَفِيَّة ليست بيِّنة، فيُبتلَى بِهَا، والذنوب لَيْسَ معناها فِعل المعاصي لُزُومًا، قد يَكُون الذنب تقصيرًا فِي واجبٍ، لكِن الآية عامَّة: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولْيُعْلَمْ أنَّ البلاءَ مِنَ المصائبِ، والمصائبُ من الذنوبِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، هَذهِ الذنوبُ لِآثَارِها موانعُ، وهي الاستغفارُ والتوبةُ والرجوعُ إِلَى اللَّه. الْفَائِدَة الخامسة: إثباتُ عذابِ القبرِ، كما أشار إليه المُفَسِّر أَنَّهُ سَيُلازِمُهُمُ العذابُ بعدَما يَحُلُّ بهم فِي الدُّنْيا، فيَكُون فِي هَذَا إثبات لعذاب القبرِ، وقد دلَّتْ عليه السنَّة الصريحةُ، وظاهرُ القُرْآنِ، كما مرَّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]، بعض العوامّ يقول: الْإِنْسَان لا يَكُونُ صالحًا إِلَّا إذا بلغَ أربعينَ سنةً، وهَذَا ليس صحيحًا أبدًا، لكِن المعنى أن الْإِنْسَان لا يَرجع فِي الغالبِ وَيَتَبيَّن ويَتَفَطَّن الأمر إِلَّا إذا بلغَ أربعينَ سنةً، فكل إنْسَان مكلَّف يعقل، وكَوْنه لم يبلُغِ الأربعينَ لَيْسَ بعُذْرٍ، لكِن يقال: إنك لا تعقِل الأمورَ، فأنتَ الآنَ فِي الحقيقةِ فِي حالةِ سَفَهٍ، وكما يَقُولُونَ: الشباب جنونٌ، لا تعقِل هَذَا الأمرَ إِلَّا إذا بلغتَ أَشُدَّكَ وعَرَفْتَ ما يَحْصُل من أولادِك. ولهذا قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥]، فهنا يَتَبَّيِن مدى عُقُوقِ الوالدينِ، إذا كبِر الْإِنْسَان وجاءه أولادٌ ورأى مَنْزِلَةَ البِرِّ بالوالدينِ من أولادِهِ، فأنتَ لا تشعُر فِي الحقيقة بمودَّة الوالدينِ لكَ،

стр. 346

وبِمَنْزِلَتِكَ عندهم حَتَّى يَكُونَ لكَ أولادٌ، ولا تَشْعُر بقيمة البِرّ حَتَّى يَكُون لكَ أولاد يَعُقُّونَك، حينَئذٍ تَشْعُر. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هل معنى ذلك أَنَّهُ الآنَ بدأ يشكُر؟ لا، لَيْسَ معناه الآن بدأ يَشكُرُ، معناه الآنَ بدأ يَصْحُو. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الآيةُ قِيلَ: إنها نزلتْ فِي أبي بكرٍ؟ قُلْنَا: لا، والعِبرة بعُمُومِ اللفظِ، لا بِخُصُوصِ السَبَبِ، حَتَّى لو نزلتْ فِي أيِّ إنْسَانٍ؛ لأن صحوةَ الْإِنْسَانِ حقيقة بعدَما يَكْبَر ويُولَد له أولادٌ، فيعرف قَدْر الوالدينِ، وإلا قبلُ فَهُوَ طائشٌ، ويؤاخَذ عَلَى ذلكَ؛ لأن التكليفَ فِي سنِّ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُ ابن عباسٍ ﵁: إنَّ العقلَ يَكْمُلُ عندَ خمسٍ وعشرينَ وسبعٍ وعشرينَ، أَلَا يَتَعَارَضُ معَ الآيةِ؟ الجواب: لا أعرِفُ عنِ ابنِ عبَّاس هَذَا القَوْل، إِنَّمَا الآياتُ تَدُلُّ عَلَى أنَّ الكمالَ بالأربعينَ، ويدلُّ عَلَى هَذَا أنَّ اللَّهَ ما بَعَثَ نبيًّا إِلَّا بعدَ سِنِّ الأربعينَ، فالرَّسول ﷺ لمَّا تمَّ له أربعونَ بُعث، وَهِيَ فِي الحقيقةِ استكمال العقل والقوى، فبعد الأربعينَ بعشر سنوات وَمَا أَشْبَهَ ذلك يَضْعُفُ. * * *