لِأَنَّهُ لَيْسَ ممَّن حرم مِنَ الأَصْلِ، فلمَّا ارتدَّ صارَ وَصْفُه كافرًا، فلا يدخل فِي الأربعةِ، لكِن الزاني يَبْقَى عَلَى إسلامِهِ معَ زِنَاهُ، والقاتل يَبقَى عَلَى إسلامِهِ معَ قَتْلِهِ، فالمُرْتَدُّ نقولُ: سُلِبَ عنه وَصْفُ الإسلامِ، يَعْنِي زالَ عنه الوَصْفُ نَهَائِيًّا، فيَكُون غيرَ مُحْتَرَمٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هلِ المرادُ بقولِهِ ﷺ : "التَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (١) المُرْتَدُّ التارِكُ لدينِه المفارِقُ للجَماعَةِ بعضُهم قَالَ: المرادُ قُطَّاع الطَّريقِ؛ لأنَّ قَطْعَ الطَّريقِ تَرْكٌ للدينِ؛ لأجلِ أنْ يَكُونَ الاستثناءُ مُتَّصِلًا، وبعضُهم قَالَ: إنَّ التاركَ لِدِينِهِ هو المرتَدُّ، ويَكُون الاستثناءُ بالنسبة إليه منقطِعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مسلمًا حينَ يَتْرُكُ دينَه إِلَّا باعتبارِ وصفٍ زالَ، والمفارق للجَماعَةِ هو الخارِجُ عَلَى الإمامِ.
قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ لمَّا ذكرَ انتهاكَ الأنفسِ، ذكرَ انتهاكَ الأعراضِ، والزِّنا فِعْلُ الفاحشةِ فِي قُبُل أو دُبُر، فإن كَانَ بِذَكَرٍ سُمِّيَ لُواطًا، وإنْ كَانَ بِأُنْثَى فَهُوَ زِنا، وإنَّما لم يَذْكُرِ اللَّهُ ﵎ اللُّواط لِأَنَّهُ أمرٌ مُسْتكْرَه مُسْتَبْعَد؛ لأنَّ الطبيعةَ لا تدعو إليه إِلَّا مَن نكس اللَّهُ طَبِيعَتَه وفِطْرَتَه؛ لِأَنَّهُ أخبثُ، ولأنَّ اللواطَ لا يَحِلُّ بحالٍ، والفرجُ يَحِلُّ بالزَّواجِ، ولهذا كانتِ عقوبةُ اللواطِ عَلَى القَوْلِ الراجحِ الإعدامَ بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أم غيرَ محصنٍ؛ لِأَنَّهُ فرج لا يُباح بحالٍ، ثم إنَّه أمر لا يُمْكِن التحرُّز منه، فلا يُمْكِن تَطهيرُ المجتمعِ إِلَّا بإعدامِ الفاعلِ والمَفْعُولِ به.
وكَذَلِك أَيْضًا عَلَى القَوْلِ الراجحِ الزِّنا بذواتِ المحارِمِ يُوجِبُ القتل بكلِّ حالٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الفرج لا يُباح بحالٍ مِنَ الأحوالِ، وقد وردَ فِي ذلكَ حديثٌ
стр. 282
فِي السُّنَن (١)، وهو صحيحٌ، والزِّنا بذواتِ المَحَارِمِ -كما لو زَنَا بأُخْتِه، والعياذُ باللَّهِ، ولو مِنَ الرَّضاعِ- يُوجِبُ قَتْلَه بكلِّ حالٍ، سواء كَانَ مُحْصَنًا أمْ غيرَ مُحْصَنٍ.
وقد وَصَفَ اللَّهُ ﵎ الزِّنا بأنه فاحِشةٌ، ووصفَ اللُّواط عَلَى لسانِ لُوطٍ بأنه الفاحشةُ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] فدَخَلَتْ عليه (أل)، أما بصيغة النكرة أي: كَانَ فاحشةً مِنَ الفَوَاحِش، لكِن كأنَّ هَذَا انحصرتِ الفاحشةُ فِيهِ لِعِظَمِهِ وقُبْحِهِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا زَنَا المُسْلِمُ فأُقِيمَ عليه الحدُّ هل يَكُونُ كفَّارة له؟
الجواب: نعم.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا أُطْلِقَتِ النفسُ هل تُخَصّ ببني آدمَ أم يدخل الحيوان فِي الأنفسِ الَّتِي نُهي عن قَتلِها؟
الجواب: تَخْتَصّ ببني آدمَ، أمَّا نفس الحيوان فلا تدخلُ فِي هذا، لكِن هي عَلَى كلِّ حالٍ تدخُلُ فِي المعاصي الأخرى، لكِن إذا قِيلَ: لا يقتل النفس، أو من قتل نفسًا فعليه كذا وكذا، فالمراد نفسُ الآدمِيّ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قاعدةُ: ما آذَى طبعًا قُتِلَ شرعًا مستقيمةٌ؟
الجواب: هي مُستقيمةٌ، فكلُّ ما آذى طبعًا فَإِنَّهُ يُقتَل شرعًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الجِنُّ لو عَمِلوا هَذِهِ الأعمالَ، أي القتل، هل يقتل بعضهم بعضًا قِصاصًا؟
стр. 283
الجواب: الظاهرُ أن أحكامَهم مثل أحكامِ الإنسِ، فالرَّسولُ بُعِثَ إليهم، وهذا من الاعتداء، ولهذا يُذكَر أنَّ شيخَ الإسلامِ ابن تَيْمِيَّة ﵀ كان إذا أُتِيَ إليه بمصروعٍ وَعَظَهُ وزَجَرَهُ (١)، وبَيَّنَ له أن الاعتداءَ عَلَى المسلمِ محرَّم، ممَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَعتقِدون تحريمَ ذلك، وأَنَّهُمْ مُلْزَمُون بِهِ.
وقد سبقتْ هَذِهِ المسألةُ، وَهِيَ: هل تكليف الجنِّ كتكليفِ الإنسِ؟
قُلْنَا: إن ظاهرَ النصوصِ أَنَّهُمْ مساوون لهم؛ لِأَنَّ الرَّسولَ بُعِثَ إليهم جميعًا، ولم نعلمْ أن شريعةً تَخُصُّهم، ولَكِن مَن نظر إِلَى الحِكْمَة مِنَ التشريعِ وجدَ أن اللَّه يَشْرَعُ لكلِّ أحدٍ ما يُناسِبُهُ، فعلى هَذَا يَكُونُ تكليفُ الجنِّ يخالفُ تكليفَ الانسِ، ويُكَلَّفُون بما يَلِيق بهم، ويدل عَلَى هَذَا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لهم كلَّ عظمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه يَجِدُونه أوفرَ ما يَكُونُ لَحْمًا (٢)، مِمَّا يدلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُخالِفُونَ الإنسَ؛ لِأَنَّ الإنسَ لا يَحْصُل لهم ذلك. وأيضًا الإنسُ أنفسهم يختلفونَ فِي التكليفِ بِحَسَبِ الحالِ؛ فتكليفُ الغنيِّ بالزكاةِ لا يساويه تكليفُ الفقيرِ؛ لِأَنَّهُ لا مالَ عنده، وتكليف القادر عَلَى العِبَادَةِ لا يساويه تكليف العاجزِ عنها؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الوصف الَّذِي لَزِمَ فِيهِ التكليفُ.
فالظاهرُ -واللَّهُ أَعْلَمُ- أنْ يقالَ: أُصُولُ العِبَادَةِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مكلَّفون بِهَا، وَأَمَّا صفاتُ العِبَادَةِ، وفروع العِبَادَةِ، فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ أن يَكُونوا مُساوِينَ للإنسِ؛ لأَنَّهُمْ يَختلِفون عنهم فِي الحقيقةِ، والشريعة تَقتضِي أنْ يُشْرَعَ لكلِّ إنْسَانٍ ما يناسبه.
لَوْ قَالَ قَائِل: هَؤُلَاءِ الجنُّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لَقُوا النَّبيَّ ﷺ مرَّةً وَاحِدةً، فهل أعطاهم النَّبيُّ ﷺ تشريعاتٍ أمِ انقطعَ تكليفُهُمْ؟
стр. 284
الجواب: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الجماعَةُ الذينَ اتَّصلوا بِهِ انقطعَ تكليفُهُمْ، فقد يَكُونون مُلْزَمِينَ بما يَسْمَعُونه ويَعْلَمُونه مِنَ الشريعةِ، وإن كَانَ الرَّسولُ ما باشرهُ؛ لِأَنَّ قولَه : ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١ - ٢]، يَقتضي أنَّهم يَهتدون بالقُرْآنِ كلِّه؛ لِأَنَّهُ قال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، وهم لم يَسْمَعُوا القُرْآنَ كلَّه؛ لِأَنَّ السورةَ مكِّيَّة، والقُرْآن ما نَزَلَ كله فِي مَكَّة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الجنَّ مُخَاطَبُونَ بالتصديقِ فقطْ؟
نقول: لا، هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، هم مخاطَبون بالفروعِ بلَا شَكٍّ.
لكِن هل يَلْزَم من هَذَا أن يَكُونوا مساوينَ لنا؟
بعضُ العُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ النَّبيَّ ﵊ بُعِثَ إِلَى الجنِّ والإنسِ، ولم نَعْلَمْ أنَّ تَشْرِيعًا خاصًّا بالجنِّ قد جُعل لهم، فما دَامُوا مُكَلَّفِينَ بالرِّسَالةِ فإنها تَلْزَمُهُمْ عُمُومًا.
وبعضُ العلماءِ يقولُ: مَن نظرَ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ قَالَ: إنَّ كلَّ قومٍ يُشْرَعُ لهم ما يُناسِبُهم، فإذا كَانَ الإنسُ يَختلِفَ بعضهم عن بعضٍ بنوعٍ مِنَ التكليفِ خُصَّ بِهِ، فما بالُكَ بالجنس الآخَرِ، وهذا أقربُ إِلَى الحِكْمَةِ فِي التشريعِ أنَّ لهم شرائعَ خاصَّةً بهم، أمَّا أُصُولُ الدينِ فلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِثْلُنا، يَعْنِي مثل الصلاة وأصل الزكاة وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أفعالُ الصلاةِ والحجِّ بالنسبةِ للجنِّ هل تَختلِفُ عَنِ الإنسِ؟
الظاهر: أن هَذِهِ العبادات لا تَختلِفُ؛ لأَنَّهُمْ يُمْكِنُهم أنْ يُصَلُّوا، ويُمْكِنُهُم أنْ يَحُجُّوا، وهم مَخْلُوقُونَ من نارٍ، وأيضا هم لا يَرَوْنَ، وإلَّا فهم أجسامٌ، والعوامُّ يَقُولُونَ:
стр. 285
لَيْسَ لهم عظامٌ ولا عَصَبٌ، ولا ندري هل هَذَا صحيحٌ أو لا، المهمُّ أَنَّهُمْ أجسامٌ يأكلون ويشربون ويَبُولُون، والرَّسول ﵊ يقولُ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ" (١) وذكر ﵊ أَنَّه إذا لم يسمِّ الإِنْسَانُ عَلَى الطعامِ فإِنَّهُ يُشارِكه الشيطانُ: الجن (٢)، وأخبرَ بأن "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحَمًا" (٣).
ومَسْكَنُهم فِي ظاهرِ الْأَرْضِ، لكِن حَسَب ما نَعْرِفُ مِنَ التَّتَبُّعِ أَنَّهُمْ يَأْوُون دائمًا إِلَى الأماكنِ الخاليةِ فيَكُونون فِيهَا، وهذا من رحمةِ اللَّهِ بِنا وبهم؛ لأَنَّهُمْ لو كانوا فِي الأماكنِ المسكونةِ فيُمْكِن أنْ يَتَأَذَّوْا، أو نحن نَتَأَذَّى بهم، وأحيانًا إذا سَكَنَ أحدٌ فِي أماكنَ خاليةٍ يأتونه ويَقُولُونَ: اذْهَبْ عنَّا. وقيل: إِنَّهُ كان يوجد مَحَلٌّ مهجورٌ لا يُسْكَن، فجاء إنْسَانٌ وسَكَنَه، فثاروا عليه بالليلِ فقالوا: لا بدَّ أنْ ترحلَ عنَّا وإلَّا نقتل أولادك. فخرجَ وذهبَ وتركَه، وأنا -والحمد للَّه- سالمٌ مِنهم، ما عُمُري سَمِعْتُ منهم تهديدًا، لكِن هَذَا الشَيْء مَعروفٌ عندَ النَّاسِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهم؟
بعضُ العلماءِ يقولُ: إِنَّهُ يجوزُ، وبعضُ العلماءِ يقولُ: لا يجوزُ أن الْإِنْسَان يَتَزَوَّج منهم؛ لأنَّ من شرطِ الزواجِ مثلما قَالَ اللَّه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فهم أولًا لَيْسُوا من أنفسهم، وثانيًا: لا يُمْكِن أنْ يُسْكَنَ إليهم،
стр. 286
فبينهما غاية النفور، فكيف يمكن أنْ تكونَ زوجة له، لكِن صحيحٌ أن الجنَّ يتناكحون، والدليل قولُه : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، فهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَزَاوَجُونَ ويتوالدونَ، وهذا صريحُ القُرْآنِ، والواقعُ أَيْضًا يَشْهَدُ له، أمَّا كونُ الجنيِّ يَتَزَوَّج الإنسيَّة، أو الإنسيّ يَتَزَوَّج الجِنِّيَّة؛ فهذا فِيهِ نظر، فالصواب قولُ مَن يَمْنَع ذلكَ، ولهذا الفقهاء قالوا: لو قالتِ امرأةٌ: إِنَّ بِهَا جنِّيًّا يُجامِعُها كالرجل، وجب عَلَيْهَا أنْ تَغْتَسِلَ، ولَكِن هَذَا أولًا يُنْظَر فِي إمكانه ووُجُوده ثم يُنْظَر فِي حُكْمِه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يُقام عَلَيْهَا الحدُّ؟
نقول: لا، إِلَى هَذَا الحدّ لا أَظُنّه، ونقول للسائل: انْتَبِهْ لهم الليلةَ، فالظاهرُ أنَّ هَذَا البحثَ الدقيقَ قد يَجْعَلُهُم يَتَّصِلُونَ بِكَ الليلةَ!
والغالبُ أنَّهم يُكَلِّمون، وقد ذَكَرنا -كما تَقَدَّم- أنَّ الجِنِّيَّ يُكَلم شيخَ الإسلامِ ويخاطبه، ويأخذ عليه العهدَ، وأنه يَضْرِبه، لكِن يقول: إن الضربَ يَقَعُ عَلَى المصروعِ فِي الظاهرِ، وهو فِي الحقيقةِ عَلَى الصارعِ، فإذا أفاقَ المصروعُ لا يُحِسّ.
وأذكُرُ أن وَاحِدًا من الإخوانِ قُدِّمَ إليه رجل قالوا: إِنَّهُ مَصروعٌ، فَقَالَ: أَعْطُونِي الْعَصَا، وبدأ يَضْرِبُه حَتَّى ازْرَقَّ جِلْدُه، ولم يَسْتَفِدْ المصروع من هَذَا الشَيْءِ أبدًا، المْسكين يَصْرُخُ ويقولُ: آلمْتُمُونِي. ولمَّا قام إذا الضربُ واقعٌ عليه. فهو يريدُ أنْ يفعلَ مثلما فعلَ ابن تيميَّة، فظنَّ أن كلَّ إنْسَانٍ يَحصُل له مثلُ هَذَا الأمر يُفْعَل بِهِ هَذَا الفعلُ!
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ أيْ وَاحِدًا من هَذِهِ الثَّلاثَةِ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، قول المُفَسِّر ﵀: [أي وَاحِدًا من الثَّلاثَة] فِيهِ نظر؛ لأنَّ الأَصْلَ فِي الإشارَةٍ
стр. 287
أنْ تعودَ لمَا سبقَ كلّه، فيقتضي أنْ يَكُونَ: ومن يفعل ذلك المذكور من دعاءِ غيرِ اللَّهِ، وقتلِ النفسِ، والزنا، ثلاثة ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، وهذا الَّذِي قَرَّرناه من عَوْدِه عَلَى الجميعِ نَسْلَمُ بِهِ من إيرادٍ سيأتي عندَ قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ [الفرقان: ٦٩]، فإن الزِّنا لَيْسَ موجِبًا لِلْخُلُودِ فِي النارِ.
والقتلُ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى فِي سورة النساءِ أَنَّهُ مُوجِب للخلودِ فِي النار، وسيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ ذِكْرُه قَريبًا.
فعَوْدُ الكَلامِ عَلَى الثَّلاثَةِ نَسْلَمُ بِهِ من الإيرادِ الآتي إن شاء اللَّه، وَأَمَّا إذا فَعَلَ وَاحِدًا منها عَلَى الِانفرادِ فيُؤْخَذ حُكْمُه من دليلٍ آخرَ لَيْسَ بلازمٍ أنْ نَأْخُذَهُ من هَذِهِ الآيةِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي عقوبة] والأَثَام والنَّكال بِمَعْنًى وَاحِدٍ، والعقوبةُ والنَّكال بمعنًى وَاحِدٍ أَيْضًا، فالمرادُ بالأثام هنا العُقُوبة، وهو مفرَد وليسَ بِجَمْعٍ؛ لِأَنَّ الجمع (آثَام) جَمْع إثمٍ، وَأَمَّا قوله: ﴿أَثَامًا﴾ فمُفْرَد.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يُضَاعَفْ﴾ وِفي قراءة "يُضَعَّفُ" بالتَّشْدِيد (١)]، وَهِيَ سَبْعِيَّة "يُضَعَّفُ" و"يضاعَف"، والمضاعَفَةُ والتضعيفُ بمعنَى تَكريرِ الشَيْءِ، وإنَّما ضُوعِفَ له العذابُ لِأَنَّهُ فَعَلَ ثلاثةَ أسبابٍ للعذابِ، وَهِيَ الإشراكُ باللَّهِ، وقتلُ النفسِ، والزِّنا، ومعلومٌ أنَّ الأَسْبابَ إذا اجْتَمَعَتْ صارَ لكلِّ وَاحِدٍ منها أَثَرُه، فمَن فعلَ شَيْئًا وَاحِدًا من ثلاثةٍ فعليهِ إثمُه، ومن فعل اثنينِ فعليه إثمهما، ومَن فعلَ ثلاثةً فعليه إِثْمُهُنّ، فهذا وجهُ التضعيفِ.
قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ العذابُ والنَّكَال بمعنًى وَاحِدٍ، وهو العقوبةُ.
الأَصْلِ، لَكِنها جائزةٌ؛ لِأَنَّهَا مسموعة عن النَّبي ﷺ ، ولها نظيرٌ خارجٌ عن العادة أيضًا، وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وَفِي قراءةٍ أُخْرَى سبعيَّة (عَلَيْهِ اللَّهَ) (١)، يَعْنِي عَلَى الأَصْلِ، فهذانِ حرفانِ فِي القُرْآنِ خَرَجَا عن الأَصْلِ المتَّبَعِ فِي القراءةِ المشهورةِ فِي المصاحِفِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مُهَانًا﴾ حالٌ] هَذَا قُصُورٌ من المُفَسِّر حقيقةً، أعربَ ﴿مُهَانًا﴾ عَلَى أنَّها حالٌ منَ الضميرِ فِي قولِهِ: ﴿وَيَخْلُدْ﴾، أو منَ الضميرينِ فِي قولِه : ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾، لَكِنَّها للأقربِ أقربُ، إِلَّا أَنَّهُ لم يُفَسِّر ما معنى ﴿مُهَانًا﴾، ونحن إِلَى تفسيرِ الكلمةِ أحوجُ مِنَّا إِلَى إعرابِها؛ لِأَنَّنا سَنَقْرَؤُها كما هي لكِن لا نَفْهَم معناها، فما معنى ﴿مُهَانًا﴾؟ المُهَانُ المُحْتَقَرُ الذَّلِيلُ، يَعْنِي مُحْتَقَرًا ذَلِيلًا، لا يُقامُ له وَزْنٌ ولا إكرامٌ.
* * *
стр. 290
الآية (٧٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
* * *
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ هلْ هَذَا الاستثناءُ مُتَّصِلٌ أو مُنْقَطِعٌ؟
الاستثناءُ متَّصِلٌ، يَعْنِي: من تابَ من دعاءِ غيرِ اللَّهِ معَه، ومَن تابَ من قَتْلِ النفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بالحقِّ، ومَن تاب منَ الزِّنا، أمَّا الأول، وَهُوَ التوبةُ من دعاءِ غيرِ اللَّهِ معَه، فلا شُبْهَةَ فِيهِ ولا إشكال؛ لِأَنَّهُ حقٌّ للَّه، فإذا تابَ الْإِنْسَانُ منه إِلَى اللَّهِ قَبِلَهُ إذا كانتِ التوبةُ نَصُوحًا، ولا حاجةَ إِلَى أنْ يَسْتَأْذِنَ أحدًا، فلا شك أنَّه لا يحتاج أن يَستأذن ويَسْتَرْخِص مِنَ الصَّنَم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ منهم]، وقوله ﵀: [مِنهم] أيْ من فاعلِ هَذِهِ الأمورِ الثَّلاثَةِ: الشِّرك وقَتْل النَّفْس والزِّنا، وإنَّما قَيَّدها بذلك لقرينةِ السياقِ، ولِئَلَّا تَتكَرَّر معَ ما بعدَها.
وما هي التوبةُ؟ التوبةُ هي الرجوعُ إِلَى اللَّهِ ، وقد ثَبَتَ فِي الحديثِ الصحيحِ فِي قصةِ الرجلِ الَّذِي قتلَ تسعًا وتسعينَ نفسًا ثم سألَ عابدًا: هل له من توبةٍ؟ فَقَالَ العابدُ: لَيْسَ لكَ توبةٌ، فالعابدُ جاهلٌ، واستعظمَ تسعًا وتسعينَ نفسًا، قَالَ: لَيْسَ لكَ توبةٌ، فَقَالَ: نُكْمِل بكَ المئة، فَقَتَلَهُ، وهذا من الجرِيرَةِ الَّتِي يَجُرُّها الْإِنْسَانُ
стр. 291
عَلَى نفسِه إذا أَفتى بغيرِ علمٍ، ثم سألَ عالِمًا: هل له من توبةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ومَن يَحُولُ بينَكَ وبينَ التوبةِ؟ ! ولَكِنَّه أرشدَهُ إِلَى أنْ يَخْرُجَ من قريتِه هَذِهِ إِلَى قريةٍ أخرى يَكْثر فِيهَا الصالِحُون (١) إِلَى آخِرِ الحديثِ، فإذا كَانَ هَذَا فِي بني إسرائيلَ، فما بَالُكَ بهَذه الأُمَّةِ الذينَ وَضَعَ اللَّهُ عنهم الآصَارَ والأغلالَ، يقولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: ١١١]، والنَّبي ﵊ لم يَقُصَّها علينا مِنْ أجْلِ أنْ نَفْهَمَ القصةَ فقطْ، لَكِنْ لِنَعْتَبِرَ بِهَا، وإلَّا لكانتْ لَغْوًا، أمَّا كونُها فِي شريعةٍ منسوخةٍ فإنَّ مثلَ هَذِهِ الأمورِ لا يَدْخُلُها النسخُ، يَعْنِي كون اللَّه يتوب عَلَى مَن تاب هَذَا من صفاتِه الَّتِي لا تَتَخَلَّف، ثم إنَّ نَسْخَها لا يُمْكِن أنْ يُنْسَخَ إِلَى أسوأ فِي هَذِهِ الحالِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأُمَّة أكملُ مِن غَيْرِها، فقد رفعَ اللَّهُ عنها الآصارَ والأغلالَ، ولو كانتِ التوبةُ لا تُقْبَل مِنَ القاتلِ لكانَ هَذَا مِن أعظمِ الآصارِ والأغلالِ الَّتِي عَلَى هَذِهِ الأُمَّة، ولهذا بنو إسرائيلَ ما يَقُصُّ اللَّهُ علينا شيئًا من قَصَصِهِم، ولا كَذَلِك النَّبي ﷺ إِلَّا للتحذيرِ مما يُكرَه والترغيبِ فيما يُجَبّ.
والتوبةُ مِن قَتْلِ النفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ هل يَتَعَلَّقُ بِهَا حقٌّ آخَرُ لغيرِ اللَّهِ؟
الجواب: نعم يَتَعَلَّق بِهَا حقانِ آخرانِ، أَحَدُهما حقُّ المقتولِ: الميِّت، والثَّاني حقُّ أولياءِ المقتولِ، فلا تَصِحُّ التوبةُ إِلَّا بتمكينِ ذَوِي الحقوقِ أنْ يأخذوا بِحُقُوقِهِم. فنقولُ: الميِّت لا يُمْكِنُ الوصولُ إِلَى أَخْذ بحقِّه، لا يمكن لِأَنَّهُ مات ولا نعلم عنه وربما نعلم فِي الحقيقة أحيانًا إذا لم يَمُتْ حَتَّى أَبَاحَ صَاحِبَهُ، ربما نَعْلَمُ لَكِنْ فِي الغالبِ أَنَّهُ لا يعْلَم، وَأَمَّا أولياءُ المقتولِ فالتمكينُ مِن حَقِّهِم مُمْكِنٌ، فيذهب إليهم ويُسَلِّم
стр. 292
نفسَه لهم، ويقول: أنتُمُ الآنَ بالخيارِ: تُريدون الدِّيَة، تُرِيدون القَتْل، تُرِيدون العَفْوَ.
إذَنْ نقول: التوبةُ مِن قتلِ النفسِ يَتَعَلَّق بِهَا حقَّانِ آخرانِ غير حق اللَّه؛ حقٌّ مُمْكِنٌ تحقيقُه، وهو حقّ الوَرَثَة: أولياء المقتول، وحقٌّ يمكِن أو لا يمكِن، وهو حقُّ المقتولِ؛ فإنْ أمكنَ تحقيقُه فِي الدُّنْيا وأسقطه فذاك، وإلَّا فإن اللَّه إذا عَلِمَ من هَذَا القاتلِ أَنَّهُ تابَ إليه توبةً نصوحًا فإنَّ مِن تمامِ توبةِ اللَّهِ عليه أنْ يعطيَ المقتولَ حقَّه حَتَّى لا يأخذَ من حَسَنات القاتلِ شيئًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا لم يَتُبِ القاتلُ هل هو تحتَ المشيئةِ؟
نقول: إذا لم يَتُبِ القاتلُ فعليه الوَعِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه ، فالقتلُ من الكبائرِ، فَهُوَ تحتَ المشيئةِ، لَكِنْ لا نجزم أَنَّهُ سَيُغْفَرُ له.
ننتقل إلى الزِّنا فِي قولِهِ: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ هل يَتَعَلَّقُ بِهِ حقٌّ آخرُ سِوَى حقِّ اللَّهِ؟ وهل يَحتاجُ إذا تابَ أنْ يَستبيحَ أو أنْ يَسْتَحِلَّ المزنيّ بِهِ أو لا يَحْتَاجُ؟
إذا كَانَ باختيارِها وهي الَّتِي جَنَتْ عَلَى نَفْسِها، إذا كانتْ ذاتَ زوجٍ فنَعَمْ، لَكِنْ إذا لم يَكُنْ لها زوجٌ فإذا كَانَ باختيارِها فلا حقَّ لها؛ لِأَنَّهَا هي الَّتِي انتهكتْ عِرْضَها، وإذا كانتْ مُجْبَرَةً فلها حَقٌّ، فلا بدَّ مِنِ استحلالهِا. وقد يقالُ: إن التوبةَ إذا صارتْ نَصُوحًا وتابَ إِلَى اللَّهِ فلا حاجةَ إِلَى الاستحلالِ؛ فإن اللَّه تَعَالَى يتوبُ عليه كما ثَبَتَ فِي الحديثِ الصحيحِ؛ أنَّ الحدَّ يَكُونُ كفَّارةً للذَّنْبِ (١)، ولم يَذْكُرِ النَّبيُّ ﷺ شَيْئًا فوقَه بدونِ استحلالٍ، فمَن نظر إِلَى أن هَذَا فِيهِ حقّ انتهاك عِرْضِها وإكراهها عَلَى الفاحشةِ وسُوء سُمْعَتِها وسمعة أهلها قَالَ: لا بدَّ مِنِ اسْتِحْلَالَهَا من هَذَا الأمرِ؛
стр. 293
لِأَنَّهُ أمرٌ عظيم، ومَن نظرَ إِلَى عُمُوماتِ الأدلَّة الدالَّة عَلَى أنَّ الزانيَ إذا أُقيمَ عليه الحدُّ وإذا تابَ تابَ اللَّهُ عليه قُلْنَا: إنَّ اللَّه تَعَالَى يَتَحَمَّل عنه حقَّ هَذِهِ المرأةِ المزنيّ بها؛ وعلى هَذَا فاستحلالُه أَوْلَى وأحسنُ.
إذَن نقول: الأوَّل حقٌّ للَّه مَحْض، ولا إشكالَ فِيهِ، والثَّاني حقٌّ للَّه ولغيرِه، ولا إشكالَ فِيهِ، والثالث حقّ لغيرِ اللَّه، ولَكِن مَن نظرَ إِلَى عموماتِ الأَدلَّة الدالَّة عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بشرطٍ أنْ يَسْتَحِلَّ مَن زنا بِهَا قَالَ: لا حاجةَ إِلَى الاستحلالِ، ولَكِن الأَوْلَى والأحوط أنْ يَسْتَحِلَّ كما تَقَدَّمَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يُفَرَّق بَيْنَ البِكْر والثَّيِّب؟
نقول: كله وَاحِدٌ.
ولَوْ قَالَ قَائِلٌ: ذكر الفقهاءُ أن البِكر تُعْطَى بغِشاء البَكَارة؟
هَذَا من جهةِ المالِ، وليسَ من صحَّة التوبة، لكِن لا بدَّ أنْ يُبْذَلَ لها النقصُ الَّذِي حَصَلَ، مثل ما لو أتلفَ مالها، وإذا لم يَبْذُلْ تَصِحّ، ويَكُون ذنبًا آخرَ مستقِلًّا، وقد نقول: إِنَّهُ من تمامِ التوبةِ، ولا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الفعلَ ناشئٌ عن ذلكَ، إِنَّمَا عَلَى كل حالٍ هَذَا لا يَدْخُلُ فِي مسألةِ العِرض، إِنَّمَا يدخل فِي مسألة المالِ، فالبكارة من جهةِ المالِ، لا من جهةِ العِرضِ.
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ وشروط التوبة خمسة:
الأول: النَّدَم عَلَى الذنب، أي عَلَى فِعلِه.
الثَّاني: الإقلاع عن الذَّنب والإقلاع عن المعصيَةِ، ويَشْمَل إعادةَ الحقِّ؛ لِأَنَّهُ ما دام الحقّ عندك ما أَقْلَعْتَ، ولهذا نقول: لَيْسَ بشرطٍ إذا كَانَ الحق لآدميٍّ أن نزيدَ
стр. 294
لأنَّ هَذَا الشرطَ دخلَ فِي قولنا: الإقلاع.
الثالث: العَزْم عَلَى عدمِ العودةِ، لو قَالَ قائل: العَزْم عَلَى عدمِ العودةِ ألا يَدْخُلَ فِي الإقلال عن الذنبِ؟
الجواب: لا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قد يُقْلِع ويقول: أنا اليوم لن أفعلَ، لكِن غدًا أفعله.
الرابع: الإخلاصُ للَّه؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان قد يتوب رِياءً.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: العزم عَلَى عدم العودة ألا يدخُل أَيْضًا فِي الإخلاصِ؟
نقول: الكَلام عَلَى أنْ تكونَ التوبةُ للَّهِ هَذَا معنى الإخلاصِ، وإلَّا فَإِنَّهُ إذا أخلصَ سَيُقْلِع وسيَنْدَم، وهكذا فِي كل الشروطِ ما عدا أن تكونَ فِي الوقتِ، لكِن المراد أن يَكُون الحامِل لها الإخلاص، يَعْنِي أَنَّهُ ما تاب رِياءً ولا سُمعةً ولا خوفًا من سلطانٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قد يَكُون العَزْم عَلَى ألَّا يعودَ إخلاصًا؟
نقول: لا يَلْزَمُ، يُمْكِن أن يَعْزِمَ عَلَى ألَّا يعودَ نَظَرًا لأنَّ السُّلطة قويَّة ولا يستطيع، فلا بدَّ من الإخلاصِ، فكل عملٍ صالح لا بدَّ فِيهِ مِنَ الإخلاصِ.
الخامس: أن تكونَ التوبةُ فِي وقتِ قَبُولهِا، أمَّا كونها فِي مَحَلِّها فهي بالنسبةِ لكلِّ وَاحِدٍ أنْ يتوبَ قبلَ أنْ يُعَايِنَ المَوْتَ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وبالنسبةِ لِعُمُوم النَّاسِ أنْ تكونَ قبلَ طلوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، فإن بعد طلوعِ الشَّمْسِ من مغربِها لا تُقْبَل لو تابَ الْإِنْسَان.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيفَ يُجْمَعُ بَيْنَ قولِهِ: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ وبينَ آياتِ التوبةِ؟
стр. 295
نقول: الآيةُ الَّتِي ذَكَرْتَ فِي قولِه تَعَالَى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ هَذِهِ لغيرِ التائبينَ، وهَذِهِ الآيةُ معَ آياتِ التوبةِ لَيْسَ فِيهَا إشكالٌ.
فَلَوْ قِيلَ: كيف الجوابُ عن قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]؟
نقول: هَذَا جزاؤه، وقد قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]، ومعَ ذلكَ إذا أَسْلَمُوا وتابوا قُبِلَت تَوْبَتُهم، فنقول: حَتَّى الشرك وَرَدَ فِيهِ الخلودُ الأبديّ، ومعَ ذلكَ لو تابَ منه قُبِلَتْ توبتُه، هَذِهِ مثلها، لكِن الكَلام عَلَى أَنَّهُ إذا تابَ هل نقولُ: إن التوبةَ قُبلتْ مُطْلَقًا أو نقول كما قَالَ ابن القيِّم مثلما فَصَّلْنا: إن التوبةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا ثلاثةُ أشياءَ ولابد من تَحْقِيقِها.
فَلَوْ قِيلَ: كيف الجواب عن قول ابنِ عبَّاس ﵄ عمَّن سألَه: أَلِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا من توبةٍ؟ قال: لا (١)؟
الجواب: هَذَا يُحْمَلُ مثلما قَالَ ابن القَيِّم (٢) عَلَى أَنَّهُ لا يَجِدُ له توبةً بالنسبةِ لحقِّ
المقتولِ؛ لِأَنَّ اللَّه يقول: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وحقيقةً فَإِنَّهُ بالنسبةِ للميِّت ففِي الغالبِ لا يُمْكِنُ الوصولُ إِلَى تحقيقِ التوبةِ، والسَبَب لِأَنَّهُ فاتَ، ولا يُمْكِن استحلالُه، كما تَقَدَّم، وَأَمَّا بالنسبةِ لحقِّ اللَّهِ فلَا شَكَّ فِيهِ أبدًا.
стр. 296
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله فِي سُورَةِ طه: ﴿فَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ [طه: ١٦] وَفي سورة القَصَص ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ [القصص: ٨٧] ما الفرقُ بَيْنَهُما؟
نقول: آيةُ طه قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ ﴿مَنْ﴾ هَذَا الفاعل ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ﴾، إذَن هل الفعلُ مُفْرَد أو مجموعٌ؟ مفردٌ، وإذا كَانَ مفردًا يُبنى عَلَى الفتحِ لاتصالِهِ بنونِ التوكيدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بينه وبين التوكيدِ شَيْءٌ، وَأَمَّا قوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي قبلَها ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ يَعْنِي المجرمين، فَهُوَ عائد إِلَى جمعٍ، فيَكُون الفعل الآنَ غيرَ مباشرٍ لنونِ التوكيدِ، أصله يصدوننك، فحذفت النون للجازمِ، وبقِيت عندنا (الواو) ساكنة والنون المشدَّدة ساكن أَوَّلها، فحذفت الواو لالتقاء الساكنينِ، ثم بَقِيَت الدال عَلَى ما هي عليه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَلْزَمُ التائبَ مِنَ الزِّنا أنْ يَطْلُبَ إقامةَ الحدِّ عَلَى نفسِهِ مثلما فعلَ ماعزٌ والغَامِدِيَّة؟
نقول: لا يَلْزَمُ، بلِ الأَوْلَى أنْ يَسْتُرَ عَلَى نفسِهِ، وفِعْلُ هَؤُلَاءِ اجتهادٌ مِنهم، ولا مانعَ منه، والرَّسول ﷺ لاحِظ أَنَّهُ يراعي أشياءَ يَفْعَلُها الْإِنْسَان اجتهادًا ولا يُنْكِر عليه إذا كانتْ غيرَ مخالفةٍ للشرعِ، مثل الصدقة عن الميِّت، والحجّ عن الميتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ مِمَّا لم يَأْمُرْ بِهِ الرَّسول ﵊، فهَذَا جائزٌ وليس من المشروعِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ الذنبُ مثلًا غِيبَةً لأحدٍ، هل يَلْزَمُ أنْ نَطْرُق عليه بابَه ونقول له: واللَّهِ يا أخي قدِ اغتبناكَ ونريدُ أنْ نَسْتَحِلَّكَ؟ وإذا كَانَ مالًا: افرض أَنَّهُ مال، أخذ من إنْسَانٍ مالًا وتاب إِلَى اللَّهِ، هل يَلْزَمُ أنْ يَذْهَبَ ويقول: هَذَا مالك؟ يَلْزَمُه؛ لِأَنَّ من تمامِ التوبةِ أن يُعِيدَ المالَ، والرَّسول ﷺ يقول: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
стр. 297
وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" (١)، فإذا اغتابَه فليسَ هناكَ فَرْقٌ بَيْنَ المالِ والعِرض والرَّسولُ ﵊ جَمَعَ بينهما، إذَن نقول: اذْهَبْ إليه واسْتَحِلَّهُ. وإلى هَذَا ذهبَ الفقهاءُ ﵏، فالمذهَبُ أنَّهُ إذا تابَ مِنَ الغِيبة يَجِب عليه أن يُخْبِرَ المغتابَ ويقول له: أنا حَصَلَ مِنِّي كذا وكذا، فأَرْجُوكَ أنْ تَسْمَحَ لي.
القَوْل الثَّاني: لا؛ لأنَّ الغِيبة عبارةٌ عن قَدْحٍ فِيهِ وَرَدُّها بِمِثْلِها، وذلك بأنْ تُثْنِيَ عليه فِي المكانِ الَّذِي اغْتَبْتَهُ فِيهِ بما يُزِيلُ هَذِهِ الغِيبةَ، وهذا رَدُّه فِي الحقيقةِ؛ لأنَّ كَوْنَك تَذْهَب إليه وتقول له: حَلِّلني هَذَا لَيْسَ بِرَدِّ اعتبارهِ الَّذِي سَقَطَ حينما اغتبتَه فِي المجلِسِ، فلا يزول إذا حلَّله، بل يَبْقَى، فرَدُّ الغِيبة أنْ تُثْنِيَ عليه بالخيرِ فِي مقابلِ الثناءِ بالسُّوء، وهذا أصحُّ؛ لأنك فِي الحقيقةِ لو ذَهَبْتَ تُعْلِمُه يُمْكِن أنْ تأخُذَهُ العِزَّة بالإثم ويقول: لا، ثم إنَّك لو قلتَ له: إنِّي قلتُ: فلان بخيلٌ، قَالَ: لا، ما قَالَ: بخيل فقطْ، بلْ قَالَ: بخيل وشِرِّير وفاسِق وفاجِر؛ لِأَنَّ الشيطانَ يقولُ له هَذَا، فيَتَصَوَّر أنَّ الأمرَ أكْثَرُ من هَذَا، ولا يُسَامحِك، فما دام ما وَصَلَه العلمُ فلا حاجةَ لأنْ تُخْبِرَه، نعم لو وَصَلَهُ العلمُ وعَرَفْتَ أنَّ الرجلَ قد أُخْبِرَ عنك بأنَّك اغْتَبْتَه فهنا لا بدَّ أنْ تَسْتَحِلَّه.
فالخُلاصة أن يقالَ: إنَ المغتابَ إن كَانَ عالمًا بِغِيبَتِكَ فَهُوَ الآنَ قد صارَ فِي نفسِهِ عليك شَيْءٌ، فلا بدَّ أنْ تَسْتَحِلَّه لِيَزُولَ ما فِي نفسِهِ، وإنْ كانَتْ ما بَلَغَتْهُ، يَعْنِي أنَّك ما تَكَلَّمْتَ إِلَّا بِهَذَا المجلِسِ، وعَرَفْتَ أَنَّهُ ما وَصَلَهُ العلمُ، فهنا لا حاجةَ إِلَى أنْ تَذْهَبَ وتقول له، وإنما تُثْنِي عليه بالخيرِ مقابلَ ثنائِكَ عليه بالشرِّ، وهذا القَوْلُ هو الصحيحُ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيميَّة ﵀.
стр. 298
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ التوبةُ تَقَدَّم الكَلامُ عَلَيْهَا، والإيمانُ فِي اللغةِ: التصديقُ والإقرارُ، ولَكِنه فِي الشرعِ تصديقُ القلبِ المستلزِم للقَبول والإذعانِ، وليسَ مجرَّد التصديقِ، بل هو تصديقٌ مُسْتَلْزِمٌ لهذا، فإن لم يَسْتَلْزِمْهُ فليسَ بإيمانٍ، فيقبل ما جاء بِهِ الشرعُ ويُذْعِن له فيُصَدِّقه إنْ كَانَ خبرًا ويقوم بِهِ إن كَانَ طَلبًا.
وقوله: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ هنا ذَكَرَ العملَ ووَصَفَهُ بالصلاحِ؛ لِأَنَّ العملَ غيرُ الصالحِ لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ، والعمل الصالح ما جمع شرطينِ، وهما الإخلاصُ للَّه والمتابعةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فإنْ لم يَكُنْ فِيهِ الإخلاصُ فليسَ بمقبولٍ، وإنْ لم يَكُنْ فِيهِ المتابَعَةُ فليسَ بمقبولٍ، ففي الصحيحِ من حديثِ أبي هُريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكتُهُ وشِرْكَهُ" (١)، هَذا دليلٌ على أنَّ غيرَ المُخْلِص فِيهِ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا غيرُ المُتَابِع فِيهِ فلقولِ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢)، ويَجْمَعُهُمَا قولُ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قوُله ﵀: [منهم] أي من فاعلِ هَذِهِ الأمورِ الثَّلاثَةِ: الشَرك وقَتْل النفسِ والزِّنا، وإنما قَيَّدَها بذلكَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، ولئَلَّا تَتكَرَّرَ معَ ما بَعْدَهَا.
قوله : ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ هَذَا مُسْتَثْنًى من قولِهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، وما أُبدل منه، يَعْني ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ فَإِنَهُ لا يَلْقَى أثامًا، ولا يُضَاعَف
فَقَالَ عُمَرُ: أَرْجُمُ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَى؟ فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا، إِنَّهُ قَدْ تَابَ إِلَى اللَّهِ" (١).
هذا صحيحٌ، ففِي القُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، لا يُقامُ عليه الحدُّ إذا تابَ قبلَ القُدْرةِ عليه، إذا كَانَ هَذَا فِي قُطَّاع الطَّريقِ وذَنْبُهم من أعظمِ الذنوبِ، فهذا من باب أَوْلَى، إِلَّا حدّ القَذْف، فهو حقٌّ للآدميّ فلا يَسْقُط إِلَّا بإسقاطِ المقذوفِ، فاعترافُ الرجلِ علامةٌ عَلَى التوبةِ، أو أن الرَّسول ﷺ علِم منه ذلك، المهمُّ أَنَّهُ إذا تابَ قبلَ القُدْرَة فَإِنَّهُ لا يُقامُ عليه الحدُّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المذكورةَ ﴿حَسَنَاتٍ﴾ فِي الآخِرَةِ]، يُبَدِّلها، التبديلُ: جَعْلُ شَيْءٍ مكانَ شَيْءٍ، وهذا التبديلُ هل هو تبديلٌ قَدَريَ أو تبديل جَزائيّ؟
اختلف فِي ذلك أهلُ العلمِ؛ فمِنهم مَن قَالَ: إِنَّهُ تبديل قَدَريّ، ومنهم مَن قَالَ: إِنَّهُ تبديل جزائيٌّ، كيف ذلك؟ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ تبديل قَدَرِيّ يَقُولُونَ: إن معنى تبديلِ السيئاتِ حسناتٍ أَنَّهُ لمَّا آمنَ وعَمِلَ عملًا صالحًا صارَ بَدَل الشرك إيمانٌ، وصار بدل الزنا وقتل النفس عَمَل صالح، معناه أن هَذَا الإيمانَ والعملَ الصالحَ صار بدلًا عن الكفرِ والزنا وقتل النفس، فالمعنى أن إيمانَه وعَمَلَه الصالحَ الَّذِي فَعَلَه هو الحسناتُ الَّتِي أبدلَ اللَّهُ السيئاتِ بِهَا، فيَكُون هَذَا التبديل قَدَرِيًّا.
وقيل: بل هو جزائيٌّ، بمعنى أنَّ هَذِهِ المعاصيَ نفسَها تكون حسناتٍ، يبدِّل اللَّه السيئاتِ السابقةَ يَجْعَلُها حسناتٍ، بالإضافة إِلَى حسناتِه الأخيرة الَّتِي قُدِّرَتْ له
стр. 301
فَفَعَلَها، وكيف ذلك؟ يَقُولُونَ: لأنَّ هَذِهِ السيِّئاتِ لمَّا تابَ منها صارَ له بكلِّ توبةٍ من هَذه السيئاتِ حسنة، فأُبدِلَتِ السيئاتُ حسناتٍ بالتوبةِ منها، ولأنه كلَّما تَذَكَّر ما سبقَ من أعمالِه السيئةِ أحدثَ لها توبةً، فصارت هَذِهِ الأعمالُ السابقةُ حسناتٍ بالتوبةِ منها، والصحيحُ شُمُولُ الآيه لهذا وهذا، وأن الآيةَ شاملةٌ للأمرينِ، فإنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعمِل عملًا صالحًا تَبَدَّلَتْ سيئاتُه السابقةُ فصارتْ حسناتٍ، لَكِنَّها لَيْسَ هي الأُولَى نفسها، وكَذَلِك إذا تابَ منها جُوزِيَ عَلَى هَذِهِ التوبةِ بالثوابِ، فصارت السيئاتُ بالتوبةِ منها حسناتٍ.
وكَلامُ المُفَسِّر ﵀ يَميلُ إِلَى الثَّاني؛ إِلَى أن هَذَا التبديل تبديل جزائىٌّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ قَدَرِيًّا ما كَانَ فِي الآخرةِ؛ إذ التبديلُ القَدَرِيّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَمله، والصحيح شمولُ الآيةِ للأمرينِ، فبالإيمانِ والعَمَلِ الصالِحِ تبدَّلَتْ أعمالُهُ إِلَى أعمالِ صالحةٍ، وبالتوبةِ من السيئاتِ صارتِ السيئاتُ السابقةُ حسناتٍ؛ لِأَنَّهُ يَزدادُ بهَذهِ التوبةِ رِفْعَةً ومَقَامًا عند اللَّهِ .
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لَم يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ]، (كان) هنا -كما مرَّ- مجرَّدةٌ من الزمنِ، والمرادُ بِهَا اتصافُ اسْمِها بِخَبَرِها صفة لازمة، ولهذا قَالَ ﵀: [أي لم يَزَلْ متَّصِفًا بذلك] أي بالمغفرةِ والرَّحمةِ. والغَفُورُ صِيغةُ مبالغةٍ، أو صفة مُشَبَّهَة، وكلاهما يدلّ عَلَى الثُّبُوتِ والدوامِ والكثرةِ. والمَغْفِرَة: سَتْرُ الذنبِ معَ التجاوُزِ عنه، يَعْنِي ستر الذنبِ وإسقاط عُقُوبَتِه، وليسَ مجُرَّد الستر؛ لِأَنَّها مأخوذة مِنَ المِغْفَر، وبِالمغفرِ يَكُونُ السترُ والوِقَايَةُ.
وَأَمَّا الرَّحيمُ: فَهُوَ ذو الرَّحْمَةِ الواصلةٌ إِلَى المرحومينَ؛ لِأَنَّهَا تدل عَلَى الفعلِ معَ الصِّفةِ أيضًا، والرَّحمة صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ يَكُون بِسَبَبِها الإنعامُ والإحسانُ
стр. 302
إِلَى الخَلْقِ بجَلْب المنافعِ ودَفْعِ المضارِّ، وَأَمَّا مَن فسَّر الرَّحمةَ بالإحسانِ أو بإرادته فقولُه خطأٌ؛ لأنَّ إرادةَ الإحسانِ أَثَرٌ من آثارِ الرَّحمةِ، وكَذَلِك الإحسانُ، وليس هو الرَّحمةَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله: ﴿غَفُورًا﴾ صفة مُشَبَّهَةٌ، معَ أنها منصوبةٌ ولم تَعْمَلْ؟
نقول: لَيْسَ بلازمٍ أنْ تعملَ، وَأَمَّا نَصْبُها فللعامِلِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وَرَدَ حديثٌ ما معناه: ما يزال العبدُ يَرَى سَيِّئاتِه تُوضَع فِي كِفَّة موازين حسناته حَتَّى يَتمنَّى أنْ لو أكْثَرَ منَ السيِّئات؟
الجواب: لا أعرِف هَذَا الحديثَ، لكِن نظرًا إِلَى تبديلِ السيئاتِ بالحسناتِ يُمْكِن من هَذَا الوجهِ.
* * *
стр. 303
الآية (٧١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من ذُنُوبِه غيرَ مَن ذُكِرَ]، ولهذا قَالَ ﵀ فيمن سبق: [﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (منهم)]، من هَؤُلَاءِ، وإنما قَالَ: [غير مَن ذُكر]؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ التكرارُ، ولَكِن لا مانعَ من أنْ نقولَ: لا حاجة للاستثناءِ، وتكون الآيةُ الثَّانيةُ عامَّة، فيَكُون من باب ذكر العامِّ بعد الخاصِّ؛ لِأَنَّ إخراجَ مَن سبقَ من عمومِ الآيةِ هَذِهِ لا وجهَ له، فالأَولى أن يقال: إن الآيةَ الثَّانيةَ عامَّةٌ تَشمَلُ مَن سبقَ وغيرَهم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي يَرْجِع إليه رُجُوعًا فيُجازيه خيرًا].
قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: ﴿تَابَ﴾ رَجَعَ من ذَنْبِه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ استزادَ مِنَ العملِ الصالحِ، فيَكُون هَذَا الرجلُ استعتبَ مِمَّا فعلَ وازدادَ خيرًا، يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أيْ مَتابًا تامًّا، فالمصدرُ هنا لتعظيمِ هَذِهِ التوبةِ، أي مَتابًا عظيمًا؛ لكمالِ هَذِهِ التوبةِ، وإلَّا لو قَالَ قائل: هَذَا تحصيل حاصل، مَن تابَ فَإِنَّهُ يَكُونُ تائبًا؟ نقول: لا، المقصودُ أنَّ تَوْبَتَهُ هَذِهِ توبةٌ كاملةٌ عظيمةٌ، فالإتيانُ بالمصدرِ ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالةِ عَلَى أنَّ هَذِهِ التوبة وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا وأنها كاملةٌ، وهذا حقٌّ،
стр. 304
فإن الرجلَ إذا تابَ وازدادَ عَمَلًا صالحًا تبيَّنَ بذلك صِحَّة توبتِه وكَمَالها.
وقوله : ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ لَيْسَ كقولِ القائلِ: الْأَرْضُ تَحْتَنَا والسَّمَاءُ فوقنا، يَعْنِي تحصيل حاصل، بل إن المعنى أنَّ هَذِهِ هي التوبة الصادقة الحقيقيَّة الكامِلَة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يَعْنِي يَرْجع إِلَى اللَّهِ رُجُوعًا تامًّا كاملًا، كما قَالَ المُفَسِّر ﵀.
وقد اختلفَ العلماءُ ﵏ هل يُشْتَرَطُ للتوبةِ إصلاحُ العملِ، أو لا يُشْتَرَط؟
فمِنهم مَن قَالَ: إِنَّهُ يُشترط لها إصلاحُ العملِ، وعلى هَذَا فيَكُونُ ذلكَ شرطًا سادسًا زائدًا عَلَى الشروطِ الخمسةِ، وأن من تاب ولم يَصْلُحْ عَمَلُه فَإِنَّهُ لَيْسَ بتائبٍ.
وقالَ بعضُ العلماءِ: بل تَصِحُّ التوبةُ معَ عدمِ إصلاحِ العملِ، وَقَالَ بعضهم: إنْ كَانَ العملُ من جنسِ ما تابَ منه فلا بدَّ من إصلاحِهِ، وإلَّا فلا تَصِحُّ التوبةُ، مثال ذلك: رجلٌ تابَ مِنَ الزنا ولَكِنه يَسرِق، فعلى القَوْلِ الأوَّل لا تَصِحُّ توبتُه من الزنا؛ لِعَدَمِ إصلاحِ العملِ، وعلى القَوْل الثَّاني تَصِحُّ؛ لأنَّ السَّرِقَة ليستْ من جنسِ الزِّنا، وعلى القَوْلِ الثالثِ من باب أَولى أنَّهُ لا يُشترَط إصلاحُ العملِ مُطْلَقًا وأن مَن تابَ مِن ذَنبٍ قُبِلَتْ توبتُه، ورجلٌ آخرُ تابَ من الزِّنا ولَكِنه استمرَّ فِي النظرِ المحرَّمِ، فاستمرَّ ينظر إِلَى النساءِ نظرًا محرَّمًا، فهذا عَلَى القَوْلِ بأنه لا يُشترَطُ إصلاحُ العملِ تَصِحُّ توبته من الزنا، وعلى القَوْل بأنه لابدَّ من إصلاحِ العملِ لا تَصِحُّ توبتُه مِنَ الزِّنا، وعلى القَوْلِ الوَسَطِ الَّذِي يقولُ: إذا كَانَ من جِنْسِ ما تابَ منه لم تُقْبَلْ أَيْضًا لا تَصِحّ؛ لِأَنَّ هَذَا زِنا العينِ، كما قَالَ النَّبي ﷺ (١).
стр. 305
ولَكِن الصحيح أنْ يُقالَ: أمَّا إنْ أُريدَ بالتوبةِ وَصْف هَذَا الرجلِ بأنه مِنَ التائبينَ الَّذِينَ يَلْحَقُهُمُ الثناءُ، ويَصْدُقُ عليهم أَنَّهُمْ تائبونَ، فهذا لا يُمْكِن أنْ تَصِحَّ منه التوبةُ، أو أنْ يَسْتَحِقَّ وصفَ التوبةِ، إِلَّا بإصلاحِ العملِ، لِأنَّهُ لم يَتُبِ التوبةَ المطلَقَةَ، وإنما عنده مُطْلَق توبة، وَأَمَّا إنْ أُريدَ بالتوبةِ التوبةُ مِنَ العملِ المعيَّنِ، فالصوابُ الجزْمُ بأن توبتَه تُقبَل؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى عدلِ اللَّهِ ، مَن عَمِلَ خيرًا فله، ومَن عمِل شرًّا فعليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فكيف نقول: إن هَذَا الرجلَ لا تَصِحُّ توبتُه مِن عملٍ تابَ منه ورَجَعَ ونَدِمَ؛ لِأَنَّهُ مُصِرّ عَلَى غيرِه؟ ! لا يَصِحّ.
فالصوابُ فِي هَذَا أنْ يقالَ: أمَّا استحقاقُ وصفِ التائبينَ عَلَى وجهِ الإطلاقِ فهذا لا يَسْتَحِقُّهُ التائبُ إِلَّا لإصلاحِ العملِ؛ لِأنَّهُ كيف يَكُونُ تائبًا إِلَى اللَّهِ مَن هو مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ولو من غير جنسِ ما تابَ منه، أو من جِنْسِهِ، وَأَمَّا إذا كَانَ المقصودُ التوبة من هَذَا العملِ المعيَّن، يَعْنِي مطلَق توبةِ لا توبة مطلقة، فإن هَذِهِ تَصِحُّ جَزْمًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضى عدلِ اللَّهِ .
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وَرَدَ فِي الحديثِ: "أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ" (١)؟
стр. 306
نقول: هَذِهِ غيرُ مَسْأَلَتِنا، نحن نقولُ: هَذَا الرجلُ تابَ مِنَ الذنبِ، ولم يَرْجِعْ إليه، لَكِنَّه عاصٍ للَّهِ من جهةٍ أُخْرَى، هَذَا هو بَحْثُنا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا قُلْنَا بأنه جَزْمًا تَحْصُلُ له التوبةُ، فهناك أحكامٌ كثيرةٌ تَتَرَتَّب عَلَى التوبةِ، مثل قلب السيئات حسناتٍ؟
نقول: نعم، بالنسبة لهذا العملِ المعيَّن إذا تاب منه صارَ حسنةً.
وهل هو قلبٌ جزائيٌّ أو قلبٌ قَدَرِيٌّ؟
لَوْ قِيلَ: هَذَا إذا تابَ توبةً نَصُوحًا تامَّةً.
قُلْنَا: لا، تابَ من هَذِهِ الأشياءِ: الشرك والزنا وقتل النفس، المهمُّ أَنَّهُ حَتَّى مَن تابَ توبةً خاصَّةً مِن ذَنبٍ خَاصٍّ بُدِّلَتْ سيِّئاتُه حَسَناتٍ، فالسيئةُ الَّتِي تابَ مِنها تكونُ حَسَنَةً؛ لِأنَّهُ تَرَكَهَا للَّه، وقد ثَبَتَ عن النَّبي ﵊ أنَّ "مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كتبَهَا اللَّهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنةً" (١) لِأنَّهُ ترَكَها للَّهِ، فهذا مَثَلُه، ثمَّ إِنَّ مجُرَّد أنَّه يتوبُ إِلَى اللَّهِ ويَعرِف أنَّ له ربًّا يُؤَاخِذُهُ ويعاقبه ويَشْعُر بالخجلِ مِنَ اللَّهِ والحياءِ منه؛ هذا من الحسناتِ العظيمةِ.
فَلَوْ قِيلَ: لَكِنه وُصف بالعاصي والفاسِق.
نقول: عاصِ بالنسبةِ لكذا، تائب بالنسبةِ لكذا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الفرقُ بَيْنَ الزنا والسَّرِقَة؟ هل كلاهما من الكبائرِ؟ وهل كلاهما فِسْقٌ؟
стр. 307
الفرق بينهما هَذَا يُجلَد وهذا تُقطَع يدُه، وهذا يَكُونُ فاسقًا من وجهٍ، وذاك فاسقٌ من وجهٍ آخرَ، هَذَا باعتبارِ الأعراضِ، وهذا باعتبارِ الأموالِ، فبينهما فروق، لَيْسَ كل الذنوب عَلَى حدٍّ سواء، لا فِي النوعِ، ولا فِي القَدْر، ولا فِي الإثمِ.
وَلهِذَا قُلْنَا: إن الوصفَ المطلَقَ للتوبةِ لا يَسْتَحِقُّه؛ لِأنَّهُ حقيقةً لَيْسَ بتائبٍ؛ إذ إِنَّهُ عاصٍ للَّه من وجهٍ، لكِن كوننا نقولُ: لا تُقبَل توبتُك من الزنا لأنك تَسْرِق، فهَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، فالَّذِي تابَ مِنه يُغْفَر له، والَّذِي أصرَّ عليه يَبْقَى عليه، صغيرةً كانتْ أم كبيرةً؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى عدلِ اللَّهِ، أليس هَذَا عَمِلَ خيرًا بتوبتِه.
وَقُلْنَا: إن قلبَ السيئةِ حسنةً بالتوبةِ؛ لِأَنَّ مجرَّد رُجوعِه إِلَى اللَّه وتركه لها وتَوْبَته منه حَسَنَةٌ، هَذَا إذا قُلْنَا: إنَّ المرادَ بالحسنةِ الجزائي، يَعْنِي أَنَّهُ يُجازَى عَلَى نفسِ السيئةِ حسنةً. إذا قُلْنَا: إِنَّهُ قَدَرِيّ، بمعنى أن إقلاعَ هَذَا الرجلِ عن هَذَا الذنبِ واستقامته هَذَا منه، فالقدريُّ واضحٌ، والجزائيُّ أَيْضًا؛ لأنَّ كَرَمَ اللَّهِ أسرعُ وأسبقُ من عقوبتِه، وقولنا: قَدَرِيّ من القَدَرِ، بمعنى أَنَّهُ يُقَدّر له حَسَنات جديدة غير الأُولى، والجزائيّ أَيْضًا من القَدَر، لَكِنه ثواب بمعنى أَنَّهُ يُجْزَى عَلَى نفسِ السيئاتِ حسناتٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: (الواو) فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ﴾ هل هي عاطفةٌ؟
نقول: نعم عاطفة.
فَلَوْ قِيلَ: إذا كانت عاطفةً نَرجِع إِلَى الشرطِ السادسِ الَّذِي يقولُ: لابدَّ من صلاحِ العملِ؟
نَحْنُ قُلْنَا: إِنَّهُ لا يَسْتَحِقّ وصفَ التوبةِ المطلَق، إِلَّا بهذا: بالعملِ الصالحِ.
стр. 308
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هناك آيات من القُرْآنِ تَصِفُ الْإِنْسَانَ بالتوبةِ، ولو ما عَمِلَ عملًا صالحًا؟
نقول: نعمْ، مثل قولِه : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ مثلًا العاصي يَعرِف من نفسِهِ ضعفَ إيمانٍ وتسلُّط عدوِّه عليه، وأنه سوف يعودُ إِلَى هَذِهِ المعصيةِ، أيُّهما أَوْلَى، كلَّما يَعْمَل معصيةً يتوب أو يترك التوبةَ، لئلَّا تكونَ تَوْبَة كَذب؟
يتوب، ما يُدْرِيهِ، نقول: توبته هَذه لا تَصِحُّ، لكِن مجرَّد شُعُورهِ بأنه مخطِئٌ قد يَنْفَعُه هذا، أمَّا أنْ يقولَ: سَأَسْتَمِرُّ فهَذَا لا يجوزُ، هو مُعْتَرِفٌ أنَّهُ مُخْطِئٌ، لكِن هو يقول: أريدُ أنْ أَسْتَمِرَّ، لن أُقْلِعَ لا بِقَلْبِي ولا بِفِعلي، كلَّما سَنَحَتْ لي الفرصةُ سأفعلُ، فهَذَا شرٌّ، لكِن كونه يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ويَخْجَل ويَصْير عنده نوعٌ مِنَ التقرُّب إِلَى اللَّهِ أَحْسَن من عَدَمِه، ولو تَعَدَّدَتْ تَوْبَتُه، لكِن الواجب عَلَى المؤمنِ أنْ يتوبَ جَزْمًا، وإذَا قُدِّر فيما بعدُ أن أسباب المعصيةِ تَوَفَّرَتْ لديهِ وأن نفسَه غَلَبَتْه، فإن ذلك لا يَنْقُضُ توبتَه الأُولى، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذ من جديدٍ بالمعصيةِ الجديدةِ ثم يتوب.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قول: أَسْتَغْفِر اللَّهَ وأتوبُ إليه بعضهم يقولُ: إن قولَك: وأتوبُ إليه دائمًا توبة كذَّابين، واستغفارك أَيْضًا استغفارُ كذابينَ؟
عَلَى كلِّ حالٍ نسألُ اللَّهَ أنْ يتوبَ علينا، حَتَّى قول الْإِنْسَان إذا انْتَهَى مِنَ الأكلِ: الحمدُ للَّهِ، لا أحدَ يَشْعُر معنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ تمامًا، إِلَّا أنَّها رُوتينِيَّة، وباسْمِ اللَّهِ كَذَلِك، وأيضًا الصلاة عادة، وهذا الَّذِي فِي الحقيقة يُفسِدنا أن أعمالَ القلوبِ لا نشعُر بِهَا، تجد الكثيرَ مِنَّا يحافِظ عَلَى سنَّة رفعِ الإصبعِ عند الدعاءِ، لكِن رفع القلب عند الدعاء
стр. 309
لا أحدَ يهْتَمّ بِهِ، معَ أنَّ هَذَا أهمُّ، الحقيقة أنَّ اللَّهَ يتوبُ علينا إذا فكَّرنا فِي أنفسنا، وإذا بنا ظاهريُّون لا باطنيُّون.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي هَذِهِ الآيةِ فِي التوبةِ العامَّة قال: ﴿مَنْ تَابَ﴾، ولم يَذْكُرِ الإيمانَ، وَفي الآيةِ الَّتِي قبلَها فِي التوبةِ الخاصَّة ﴿مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، فذكر الإيمان، ما وجهُ ذلك؟
لِأَنَّهُ ذكرَ الشركَ هناك؛ فلابدَّ مِنَ الإيمانِ مُقابِلَ الشِّرْكِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ إنْسَانٍ ابتُلِيَ بذنبٍ فأخذَ يَستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، وظلَّ عَلَى هَذَا، وعَجَزَ أنْ يُقْلِعَ عنه؟
فالجواب: مسألةُ العجزِ هَذِهِ أمرٌ غيرُ وارِدٍ، إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الجَبْريَّة، لا أحد يَعْجِز عن التركِ، فالتروك أهون من الأفعالِ، ولهذا لا تَجِد التَّرك رُتِّبَ عليه مثلًا الثوابُ المطلَقُ، بخلافِ الفعلِ، فالفعلُ أشقُّ عَلَى النفسِ؛ لِأنَّهُ جِهادٌ للنفسِ من وجهينِ، لكِن الترك من وجهٍ وَاحِدٍ، فكلمةُ عَجَزْتُ ليستْ بصحيحةٍ، ولو أنَّ سَوْطَ السلطانِ فِي ظَهْرِهِ مرَّة وَفي بطنه مرَّة لا يَعْجِز.
لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يَشربون الدُّخَان إذا نَصحناهم يقولون: واللَّهِ عَجَزْنا؟
هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، أنا أَشْهَدُ أَنَّهُ يكذِب؛ لِأنَّهُ وُجِدَ أُناسٌ صَدَقُوا العَزيمة وتابوا وأَقلَعوا عنه، فالصَّحَابَةُ ﵃ قبلَ أنْ يَنزِلَ الخمرُ كانوا مُدْمِنِينَ عَلَى الخمرِ، وإمساك الخمر لِشَارِبِها أكْثَرُ من شُرْبِ الدخَانِ، ومع ذلك فِي يومٍ وَاحِدٍ كلهمُ امْتَثَلُوا، فالكَلام عَلَى صِدق العزيمة، الآن فِي غيرِ الصيامِ هَذَا الشارِبُ لا يَستطيعُ أنْ يَتَوَقَّفَ النهارَ كلَّه عَلَى زَعْمِهِ عن الدخانِ، وَفِي الصيامِ حيثُ إِنَّهُ عازِمٌ يَستطيعُ.
стр. 310
الآية (٧٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
* * *
قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ هَذهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، وسَبَقَ أنَّ الصحيحَ أنَّ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبرٌ وليستْ صِفَةً كما قَالَ المُفَسِّر.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي الكَذِبَ والبَاطِلَ]، معنى الزُّور مِنِ ازْوَرَّ، أي: مالَ وانْحَرَفَ، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف: ١٧]، فالزُّور كل مَيْل قَوليّ أو فِعليّ إنْ كَانَ قولًا وُصِفَ بالكَذِبِ، وإنْ كَانَ فِعْلًا وُصِفَ بالباطلِ، فكل قولٍ أو فعلٍ مائلٌ عنِ الطَّريقِ فَإِنَّهُ زُورٌ، فالكَذِبُ زُور، والشَتْمُ واللَّعْن والغِيبة زورٌ أيضًا، والغَصْب والسَّرِقَة والزِّنَا وغير ذلك زورٌ أَيْضًا، لكِن قد نُسَمِّيهِ باطِلًا إذا كَانَ فِعْلًا.
فالهمُّ أنَّهم لا يَشهَدون الزُور، وإذا كانوا لا يَشهَدون الزورَ فهل يفعلونه؟ من باب أَولَى؛ لأنَّهم إذا كانوا لا يَحْضرُونَهُ فإنهم لا يَفْعَلُونه قَطْعًا؛ إذ لوْ فَعَلوه لحَضَرُوه، كلُّ فاعلٍ حاضِر، وليس كل حاضرٍ فاعلًا عَلَى وجه الحقيقةِ، لَكِنه فاعلٌ حُكْمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]،
стр. 311
فدلَّ هَذَا عَلَى أنَّ المُشَاهِدَ لِلْعَاصِي -سواء كَانَ قاعدًا أو مُضْطَجِعًا أو واقفًا- مثل العاصي حُكْمًا عندَ اللَّهِ، وهذا فِي كلِّ المعاصي، إِلَّا مَن أُكْرِهَ عَلَى الحضورِ فهذا شَيْءٌ آخَرُ لا حُكْمَ له، كمَن أُكرِه عَلَى الفعلِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ مِنَ الكَلامِ القبيحِ وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ مُعْرِضِينَ عنه].
قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ اللغوُ الصوابُ أَنَّهُ لَيْسَ الكَلامَ القبيحَ؛ لأنَّ الكَلامَ القَبيحَ داخلٌ فِي الزُّور، لكِن المراد باللَّغْوِ ما لا فائدةَ فيه، فكلُّ ما لا فائدةَ فِيهِ فَهُوَ لَغْوٌ، وذلكَ لِأنَّهُ لا يُقْصَد، ومَا لَا يُقْصَدُ فَهُوَ لغوٌ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فاللَّغْوُ ما لا فائدةَ فِيهِ، سواءٌ كَانَ قولًا أو فِعْلًا.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ لم يَقُلْ مثلَما سَبَقَ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾؛ لِأَنَّ هناك خِطَابًا معيَّنًا مباشرًا، فلا بدَّ أنْ يقولوا قولًا يَسْلَمُونَ بِهِ، لكِن هنا يَمُرُّون بالشَيْءِ بدونِ أنْ يُخَاطَبُوا بِهِ، والمراد بِالُمُرورِ بِهِ سواء كانوا مارِّينَ فِي طَريقٍ أو جالِسِينَ، فجاء شَيْءٌ لَغْوٌ لا فائدةَ فِيهِ، فإنهم يَمُرُّونَ كِرَامًا، ومعنى مرّ الكِرَام هنا أي أَنَّهُمْ لا يَلْحَقُهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، بل يُحاوِلون الإصلاحَ؛ لأنَّ الكريمَ يُعْطِي غيرَه، يَنْفَعُ نفسَه وغيرَه، فهم إذا مَرُّوا باللَّغْوِ يَمُرُّونَ كِرامًا، يحاولونَ أنْ يُفيدُوا من وُجُودِهِمْ، وذلك بأنْ يَنْقُلُوا هَذَا اللغوَ إِلَى أمرٍ مفيدٍ، ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾، لم يَقُلْ: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾؛ لِأَنَّ هناك يخاطبون بما يُسِيءُ إليهم، فيَقُولُونَ قَوْلًا يَسْلَمُونَ بِهِ؛ لأنَّ المَقَامَ يَقْتَضِي أنْ تُسَلِّمَ فقطْ، لَكِنْ هنا لا يُؤْذَوْنَ إِنَّمَا يمرُّونَ بِلَغْوٍ لا فائدةَ منه، فيمرون كِرَامًا مُفِيدِينَ ومُسْتَفِيدِينَ.
стр. 312
قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مُعْرِضِينَ عنه] هَذَا غير صحيحٍ أَيْضًا، قد لا يُعرِضون عنه لكِن يفيدون ويَستفيدونَ، والْإِنْسَان الموفَّق يَستطيعُ أنْ يُفيد ويَستفيدَ، حَتَّى إذا كَانَ المجلسُ مَجْلِسَ لَغْوٍ، يَعْنِي كَلامًا مباحًا يَستطيعُ أنْ يحوِّلَهُ إِلَى كَلامٍ مطلوبٍ، وذلك بما يَستعرِضه مثلًا من كونِ هَذَا الشَيْءِ الَّذِي يَتَحَدَّثُونَ بِهِ دليلًا عَلَى قُدْر اللَّهِ، أو عَلَى رحمة اللَّهِ، أو عَلَى حِكمةِ اللَّهِ مثلًا، فيُفِيد ويَستفيد، لكِن هَذِهِ الأمور فِي الحقيقةِ تُرِيدُ رِجَالًا يَعْتَبِرُونَ أنفسَهم قادةً مُصْلِحِينَ، لا تُرِيد رجالًا يَعتبرونَ أنفسَهم مِن جِنْسِ مجُتمَعِهِم، يَمْشُونَ الهُوَيْنَى بدونِ إصلاحٍ؛ ولهذا يَفُوتُنا كثيرٌ فِي هَذِهِ الأمورِ، فنَجْلِسُ مجالسَ اللَّغْو لا نُفيد ولا نَستفِيد، غاية ما هُنالِكَ إنْ كَانَ الْإِنْسَانُ استحضرَ نيَّةَ التأليفِ وعدمِ الِانْزِوَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ، وهذا خيرٌ، لكِن ولو، الخيرُ والأكملُ أنْ تحاوِلَ الإفادةَ والاستفادةَ.
وبعضُ النَّاسِ أَيْضًا يريدُ مِنَ المجالِسِ التسلِّي فقطْ، لا يريدُ معنًى وراءَ ذلك، وهذا فاتَهُ خَيْرٌ كثيرٌ، وعلى كلِّ حالٍ النَّاسُ يَختلِفون، والمسائلُ تعودُ عَلَى النيَّاتِ، وكم من عملٍ عَمِلَهُ شخصٌ وعمِله آخرُ، فصار بينهما مثلُ ما بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ، فالسجودُ يَكُونُ شِرْكًا ويَكُونُ طاعةً، إن سَجَدْتَ لِصَنَمٍ كَانَ شِرْكًا، وإن سَجَدْتَ للَّهِ كَانَ طاعةً، وهكذا جميعِ الأعمالِ، فالنيَّةُ فِي الحقيقةِ لها تأثيرٌ كبيرٌ فِي إصلاحِها أوَ في إِفْسَادِها.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أنا أريدُ أنْ أُسافرَ معَ شبابٍ فِي بعضِ النوادي، وهَؤُلَاءِ الشبابُ لا يُريدونَ إِلَّا اللَّهْوَ، وأريدُ أنْ أَذهبَ معَهم إِلَى الأماكنِ الَّتِي يَذهَبون إليها، هم عَلَى قصدٍ وأنا عَلَى قصدٍ، وأنا لي هدفٌ، أنا قَصدي أريدُ إصلاحَهم، وأُحاولُ أنْ أُعالِجَهُم، وهم قَصْدُهم أني داخلٌ معهم؟
стр. 313
الجواب: لا بأسَ، فإذَا قَصَدْتَ الإصلاحَ فهذا طيِّب، لكِن نَخْشَى أنْ يَتَغَلَّبُوا عليكَ، لكِن لا تُحَوِّلهم قَفْزَةً، لكِن تستطيع رُوَيْدًا رُويدًا، الآن مثلًا عندما تحاولُ أنْ تمنعَ الماءَ الكثيرَ المنحدِرَ مرَّةً وَاحِدةً لا تستطيعُ، ضعْ أمامَهُ مَثَلًا نقطةَ طينٍ لا تَرُدّه، لكِن ضَعْها فِي الجوانبِ رُويدًا رويدًا يُمْكِن أنْ تَقْضِيَ عليه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هَذِهِ النوادي الَّتِي يَذْهَب إليها الشبابُ محرَّمة؟
النوادي ليستْ محرَّمةً، مَن يقولُ: إن النواديَ محرَّمة! بعضُ الأفعالِ فِيهَا قد تكونُ غيرَ مَرْضِيَّة، لَكِنَّنا لا نقولُ: إن هَذَا مُحَرَّم؛ لِأَنَّ تَرْكَهم وتركَ الاختلاطِ بهم مُشْكِلة أَيْضًا، معناه أَنَّهُمْ يُتْرَكُونَ والشياطين.
عَلَى كلِّ حالٍ لَيْسَ هناك شكّ أنَّ المرادَ منها -وهو أصل المؤسِّسِينَ لها-: صَدُّ النَّاسِ عن دينِ اللَّهِ، وهذا هو الواقِعُ؛ لَكِنْ معَ ذلكَ لا نقولُ: إنَّها مَعْدُومةُ الخيرِ مئةً بالمئةِ، فنحاولُ أنْ نَنْصَحَهُمْ، وليس إصلاحها إزالتها، نحن لا نُؤَيِّدهم عَلَى أَعمالهِم ولا عَلَى نواديهم فِي الحقيقةِ، ونرَى أَنَّهُ مِنَ المصلحةِ أنْ يُصْرَفَ الشبابُ إِلَى شَيْءٍ آخرَ؛ إِلَى تَعَلُّمِ الرِّمايةِ وإلى تعلُّمِ السِّباحة وإلى السباق وإلى الأشياءِ المفيدةِ، حَتَّى لو نجعلهم يَقْطَعون حصا، المهمُّ يفيدون النَّاسَ.
أمَّا أنا فلا أقولُ: إنِّي أُؤَيِّدُ النواديَ، بل أقولُ: إن ضَرَرَها أكْثر مِن نَفْعِها، وإن كَانَ مع ذلكَ لا نقولُ: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضَرَرُها أكْثَرُ من نفعِها، لكِن ألَا ترى هَؤُلَاءِ الشبابَ الكثيرَ لو بَقِيَ مُسَرَّحًا فِي الأسواقِ ألا يحصُل من ذلك مَفْسَدَةٌ؟ واللَّهِ أنا عِندي أنها كافَّة عن أشياءَ كثيرةٍ، وأن الشباب لو بَقُوا مسرَّحينَ فِي الأسواقِ لكانَ أفسدَ وأفسدَ، واتفقنا عَلَى هَذَا؛ عَلَى أنها تحتاج إِلَى توجيهٍ، وأن وجودَ النوادي ضررٌ، لكِن لا نقولُ: إنها ضررٌ مَحضٌ؛ لِأَنَّهَا كافَّة عن أشياءَ كثيرةٍ،
стр. 314
فلو أنَّ الشبابَ مثلًا قامَ يَتَجَوَّل فِي الأسواقِ ويتجمعون تَجَمُّعات كَانَ يَحْصُل شَيْءٌ عظيمٌ، نقول: إن هَذِهِ ليستْ بفكرةٍ جيِّدةٍ، وليست سليمةً أبدًا، وليسَ المقصودُ بِهَا الخيرَ للمسلمينَ أيضًا، أنا أَجْزِمُ -واللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ ما قُصد بِهَا الخيرُ للمسلمينَ، إِنَّمَا قُصِدَ بِهَا إلهاءُ النَّاسِ وصَدُّهم عن دينِ اللَّهِ، لكِن معَ ذلك لا نقولُ: إنها شرٌّ مَحضٌ، الكَلام الآنَ الَّذِي هو مَوْضِع نِقاشٍ هل هي شرٌّ مَحْضٌ أو فِيهَا خيرٌ، وأَقْصِد بالخيرِ لَيْسَ الخير الإيجابيّ، لكِن أقصد الخيرَ السلبيّ، بمعنى أنها تَكُفُّ عن مَفَاسِدَ -فِي ظنِّي- أكْثَرَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَحَدُهم يكتُب فِي الجرائدِ يَستدِلّ بقولِه تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، ويذكر أدلَّةً من القُرْآنِ عَلَى أنَّ الكُرَةَ السعودية غيرُ مُتَدَهْوِرَة، ويقول: مَن يقولُ: إن الكرةَ السعودية متدهورة أو ضعيفة، رغم أنَّ عَلَمَ السعودية (لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ)، وكذلك تجمعهم الكرةُ مع لاعبي الكرة الآخرين، ولو كَانَ مع يهوديٍّ؟ !
فهَذَا لَيْسَ فِيهِ شكٌّ، ولهذا تجدُ أنَّ بعضَهم يشجِّع أُناسًا من النصارى واليهودِ من هَؤُلَاءِ اللاعبين، وتجدهم إذا جاءتِ المباراةُ فِي التلفزيون لو أُقيمَتِ الصلاةُ يَسْمَع إقامةَ الصلاةِ ولا يقومُ للصلاةِ، هَذَا صحيحٌ، بل ربما يحبّون مَن يشجِّعون من هَؤُلَاءِ أشدَّ مِن حُبِّ اللَّهِ ورسولِهِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل تُعْتَبَرُ كرةُ القدمِ صَنَمًا، لأَنَّهُمْ قدَّموا طاعتها عَلَى طاعةِ اللَّهِ ؟
صحيحٌ، يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا عبدُ الدِّينار والدِّرهم؛ لأَنَّهُمْ إن أُعطوا رَضُوا، وإنْ لم يُعْطَوْا سَخِطُوا، إنْ نَجَحُوا رَضُوا، وإلا سَخِطُوا وقالوا: ما هَذَا الحظّ! ما هَذَا
стр. 315
النصيبُ! ما هَذَا التقديرُ؟ ! حَتَّى يقال: إنَّ أَحَدَهم فِي البدائعِ ماتَ فَرَحًا لانتصارِ فريقِه الَّذِي يراه، اللَّهُ أكبرُ، سبحانَ اللَّهِ العظيمِ!
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ إذا طَلَبُوا من أحدِ طُلَّاب العلمِ أنْ يُلْقِيَ عندهم محاضرةً، هل يذهب إليهم؟
نقول: يَذهَب إليهم، ولا يَكُونُ إِلَّا خيرًا، فإذا كانوا همُ الذينَ طَلَبُوه، وهم لم يَطْلُبُوه إِلَّا وهم يَظُنُّون أَنَّهُمْ سَيَسْتَفِيدُونَ منه.
لَوْ قِيلَ: هم ما طَلَبُوه إِلَّا مِنْ أجْلِ أنْ يُبَارِكَ هَذَا العملَ؟
أنا أَخْشَى أَيْضًا أن يَكُون هَذَا خطيرًا، فيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أنْ يُرَاعِيَ الَّذِي بينه وبين اللَّهِ، فإذا طلبوا منكَ ذلك وقالوا: تعالَ ذكِّرْنا، وهم مجتمعٌ.
فَلَوْ قِيلَ: يوجد فِي هَذِهِ الأماكنِ منكَرات كصُور مجسَّمة وغيرها.
نقول: لا نريد هَذَا المكان، نذهب إِلَى مكان آخرَ، ثم بعد ذلكَ تَنْصَحُهم.
* * *
стр. 316
الآية (٧٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣].
* * *
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ لم يُبَيّن مَنِ المُذَكِّر، لِيَشْمَل كلّ مذكّر، وليبيِّن أنَّ قبولَهم للتذكيرِ لَيْسَ مِنْ أجْلِ شخصِ المُذَكِّر؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَن لا يَقبَل الحقَّ إِلَّا من شخصٍ معيَّن، وإذا جاءَهُ من شخصٍ آخرَ لم يَقْبَلْهُ، مثلَما فعلَ أهلُ الكِتَابِ وغيرُهم بالنَّبيِّ ﷺ ، فلا يَقْبَلُون الحقَّ إِلَّا من طائفةٍ معيَّنةٍ أو شخصٍ معيَّن ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، فهنا قال: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ولم يُبَيِّنِ المُذَكِّرَ إشارةً إِلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَقْبَلُونَ الحقَّ لِأَنَّهُ حقٌّ، لا مِنْ أجْلِ مَن قَالَ بِهِ، فهم لا يَقبَلون التذكيرَ لأجلِ شخصِ المذكِّر، أو يَرُدُّونه مِنْ أجْلِ شخصِ المذكِّرِ، وإنما يَقبلونه لِأَنَّهُ تذكيرٌ، وهَذِهِ هي الْفَائِدَةُ فِي حذفِ الفاعِلِ.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي الْقُرْآنِ].
قوله: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ هل المرادُ (ذُكِّروا بها) أي أنها جُعِلَتْ وسيلةً للذِّكْرَى أو التذكير، أو (ذُكِّروا بها) أي بما حكمت بِهِ ليَعْمَلُوا به؟ شاملة للجميع، يَعْنِي سواء ذُكِّروا تذكيرًا بواسطةِ الآياتِ بأن قُرِئَتْ عليهم ليَذَّكَّروا، أو ذُكِّروا بِهَا أي قِيلَ لهمُ: اذكروا أحكامَ اللَّهِ واعْمَلُوا بِهَا، فَهُوَ شامِلٌ للأمرينِ.
стр. 317
وقوله ﵀: [﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي القُرْآن] الصوابُ العُمُومُ؛ القُرْآنُ وغيرُ القُرْآنِ، وأنه أَيْضًا أعمُّ من جهةِ كونِ الآياتِ كونيَّة أو شرعيَّة، فنحن نقول: بالقُرْآنِ وغيره من الكتبِ السابقةِ، ونقول أَيْضًا: بالقُرْآن والكتب أو بالآيات الكونيَّة؛ فإن الآيات الكونية مُذَكِّرة؛ لِقَوْلِ النَّبي ﵊ فِي الكُسُوف: "يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ" (١)، فالآياتُ الكونيَّة مخوِّفة ومذكِّرة باللَّهِ ؛ ولهذا دائمًا يَحُثُّ اللَّهُ عَلَى النظَرِ فِي هَذِهِ الآياتِ الكونيَّة؛ لمِا فِيهَا مِنَ الدلالةِ عَلَى الخالقِ، وعلى ما تَشتمِل عليه من صفاتِه من الحِكْمَة والرَّحمةِ وغيرِ ذلك، فالآنَ عندنا عمومانِ فِي التذكيرِ بالآياتِ:
العمومُ الأوَّل: أنها تَشمَل الآياتِ الكونيَّة والشرعيَّة.
العموم الثَّاني: أنها تَشمَل القُرْآن وغير القُرْآن من الكتب السابقةِ؛ لأنَّ المرادَ بقولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لَيْسَ خاصًّا بعبادِ الرَّحمنِ من هَذهِ الأمَّة، بل هو عامٌّ لكلِّ عبادِ الرَّحمنِ من كلِّ أُمَّة.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ يَسْقُطوا ﴿عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ بل خَرُّوا سامعينَ ناظرينَ مُنتفِعِينَ].
قوله: ﴿صُمًّا﴾ جمع أَصَمّ، وهو الَّذِي لم يَسْمَعْ، ﴿وَعُمْيَانًا﴾ جمع أَعْمَى، وهو الَّذِي لم يرَ، وإنما قَيَّده بهاتينِ الحاسَّتيْنِ لأنهما الوسيلة إِلَى وصولِ الشَيْءِ إِلَى القلبِ؛ إذ الأشياء إمَّا مرئيَّة فوسيلتها النظرُ، وإما مسموعة فوسيلتها السمعُ، فنفى أنْ يَكُونوا صُمًّا، ونفَى أن يَكُونوا عُميَانًا.
стр. 318
وقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ يقولُ المُفَسِّر ﵀: [لم يسقُطوا] وإنما يُقْبِلون عَلَيْهَا إقبالَ سامعٍ مُبْصِرٍ، لا أَنَّهُمْ يسقطون عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الوجهِ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الصِّفة سلبيةٌ، والصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّة أبلغُ فِي الثناءِ، فلماذا لم يَقُلْ: إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم أَقْبَلُوا عَلَيْهَا مُبْصِرِينَ سَامعينَ؟
نقول: حَتَّى إذا قُلْنَا: إن هَذَا النفيَ يَتَضَمَّن إثباتًا، والنفي -كما تَقَدَّم- لا يَكُون مَدْحًا إِلَّا إذا تَضمَّنَ إثباتًا، لَكِنَّنَا نقول: لمِاذا لم يُثْبِت أصلًا فلا يَرْتَفِع الإِشْكالُ؟ إِنَّمَا يقال: إِنَّهُ تَعْرِيض بهَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم خَرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وعُميانًا، فهم عَلَى نَقِيضِهم، لكِن نقول: لِماذا لم يَقُلْ: خَرُّوا عَلَيْهَا مُبْصِرِينَ سَامعينَ؟ مِنْ أجْلِ السَبَبِ الَّذِي ذكرتُ، ومن المعروفِ أنَّ هَذِهِ السُّورة من أَوَّلها إِلَى آخِرِها فِي مُجَادَلَةِ المنكِرِينَ لمِا جاءَ بِهِ الرَّسولُ ﷺ ، وهم إذا كانوا مُنْكِرِينَ يَخِرُّونَ عَلَى الآياتِ صُمًّا وعميانًا، فهذا -واللَّهُ أَعْلَمُ- وجهُ المناسبةِ فِي العدولِ عن ذكرِ الصِّفةِ الثبوتيَّة إِلَى ذِكرِ الصِّفةِ السلبيَّةِ، ولهذا قَالَ المُفَسِّر: [بلْ خرُّوا سامعينَ ناظرينَ منتفعينَ].
* * *
стр. 319
الآية (٧٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ بالجمعِ والإفرادِ]، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ جَمْعٌ، و (ذُرِّيتِنَا) إفراد. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نرَاهُمْ مُطِيعِينَ لكَ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فِي الخيرِ].
بعد أنْ ذكرَ اللَّه صلاحَ هَؤُلَاءِ فِي أنفسِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهم أَيْضًا يَسْعَوْنَ فِي إصلاحِ غيرِهِمْ مِمَّن يتَّصِلُ بهم من الأزواجِ والذرِّيَّة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾، وَفِي هَذَا دليلٌ واضحٌ عَلَى أنَّ دأبَ المؤمنينَ دُعَاء اللَّهِ، وَأَمَّا مَن قالَ: (عِلْمُه بحالِي يَكْفِي عن سُؤَالِي) فهذا قولٌ باطلٌ وليسَ بصحيحٍ؛ لأننا نقولُ: إن اللَّه وصفَ الرُّسُلَ وأتباعَهم بأَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ، وهم يعلمون علمَ اليقينِ بأنَّ اللَّه يعلمُ بحالِهم، ومَن قَالَ مثلَ هَذَا القَوْل فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى استكبارِهِ عن دعاءِ اللَّهِ وعَدَم خُضُوعِهِ لِرَبِّهِ، وإلَّا فمِنَ المعلومِ أن اللَّهَ عالمٌ بحالِ كلِّ أحدٍ، فلماذا لم تَقُلْ: يا ربِّ؟ ولَكِنَّ هَذَا -والعياذُ باللَّه- من الطرق الشيطانيَّة الَّتِي أَرْسَلَها الشيطانُ عَلَى مُتَّبِعِيهَا من الصُّوفيَّة وغيرهم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ الهِبَة بمعنى العَطِيَّة.
стр. 320
قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ هل (مِنْ) للتبعيضِ أو لبيانِ الجِنْسِ؟ لبيانِ الجنسِ، فهم لا يَقُولُونَ: بعض أزواجنا تهَب لنا منهم قُرَّةَ أَعْيُنٍ، بل الجميع، ولَكِنها للبيان، فـ (من) بيانيَّة وليستْ تَبْعِيضِيَّة.
وقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ جمع زوجٍ، فيَشمَل الذَّكَرَ والأُنثى، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الرجل يقوله؛ لأن (الذين) للمذكَّر، والمرأة تقوله أَيْضًا؛ لأن الخطاب أو التحدُّث بصيغةِ جمعِ المذكَّر يشمل المؤنَّث أَيْضًا، فالمرأة تقوله والرجل يقوله أيضًا.
قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قراءتانِ (١): "ذُرِّيَتِنَا" و ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، أمَّا عَلَى قراءة ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ فالوجهُ فِيهَا ظاهر لفظًا ومعنًى، أَمَّا لفظًا فلِمُنَاسَبَةِ الجمعِ قبلها: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، وَأَمَّا معنًى فلأنه أشملُ، فشموله ظاهِرٌ مِنْ أجْلِ الجمعِ، وَأَمَّا "ذُرِّيَّتِنا" فإنها لا تَتَلاقَى معَ ما قبلَها من حيثُ الصِّيغةُ؛ لِأَنَّهَا مفرَدةٌ، لَكِنَّها تُلاقيها من حيثُ المعنى؛ لِأَنَّهَا مفرد مضاف، والمفرد المضاف للعموم، ويَدُلُّ عَلَى أن المفردَ المضافَ للعمومِ من القُرْآنِ قولُه : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، يقينًا أن المرادَ بالنعمةِ هنا الجمعُ؛ لِأنَّهُ قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ والنعمة الوَاحِدةُ أوَّلًا: لا تُعَدُّ، والشَيْء الثَّاني: تُحْصَى، واللَّه يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ فهذا مثالٌ واضح جِدًّا عَلَى أن المفردَ المضافَ يَكُون للعمومِ والشمولِ، إذَن (ذُرِّيَّتنا) عَلَى قراءةِ الإفرادِ يلاقي ما قبله من حيثُ المعنى؛ لِأنَّهُ يشمل جميع الذُّرِّيَّة.
ومَنِ المرادُ بالذُّرِّيَّة؟