يقرأ في مثل هَذِهِ الكتب فَإِنَّهُ يَجِب علينا أن نتكلم معه، ليس أمام النَّاس، لا؛ لِأَنَّ العوامَّ كما هو معروف يَكُونون مع إمامهم، فيمكن أن تقوم بحقٍّ وهم يقومون عليك، لكِن من الممكن إذا انتهى تقول: يا أخي، فتأتي به بطمأنينة وتقول: أنت إمام يُقتدَى بك والعوامّ يقولون: (ما قيل في المِحْراب فَهُوَ صواب)، فيَجِبُ أن تعرفَ أن هَذَا خِلافُ الشرع. وتُبَيِّن له ما استطعتَ مِنَ البيان حتى يَكُون الأئمَّة الَّذِينَ يُقتدَى بهم الآن على صوابٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل حديثُ ضَغطةِ القبرِ صحيحٌ؟
الجواب: ضَغطة القبرِ لا أَعْرِف في صِحَّتها دليلًا، وَرَدَ في قِصَّة سَعْدِ بنِ مُعاذ (١)، ولكن لا يَحْضُرني الآن هل هو صحيح أم لا؟ هو قَطعًا ليس في الصحيحينِ، لكِن لا أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكِن مهما كان ضغطة القبر ليست بشَيْءٍ بالنسبة لما يقولون وما يصفونَ من حال الميتِ، وهم يركِّزون على مسألةِ الجسمِ، حتى إن النَّاسَ مهما كانت أعمالُهم الصالحةُ يَقَعُون في القُنوط.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل فَناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح؟
فالظاهر: أن بقاءَه يدل على الصلاح؛ لِأنَّهُ ما يَبْقَى إلا كَرامة؛ لِأَنَّ الأَصْل أن الأجسام تأكلها الأرض إلا الأنبياء؛ فإنهم لا تأكلهم الأرض (٢)، وفناؤه لا يدل عَلَى أَنَّ الإنْسَان ليس من أهلِ الخيرِ، لكِن بقاء الجسم قد يَقَعُ كرامةً لبعضِ أهلِ الخيرِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؟
стр. 72
قُلْنَا: الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط، وهو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، لكِن في شهداء أُحد مَن وُجد أن الأرض قد أكلتْ بعضَ جِسْمِه، ليس كل جِسْمه.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ هَذه الآية تدل عَلَى أَنَّ كل ما يشاءون فَهُوَ لهم، وفي سورة (ق) أن اللَّه قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، يعني عند اللَّه مَزيد على ما يشاؤه الإنْسَانُ؛ لِأَنَّ الإنْسَان مهما بلغَ فإن تصوُّره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياءَ ويَخفَى عليه من النعيم أشياء فيكملها اللَّه له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ حال لازمة]، الحال اللازمة (خالدين)، ما معنى حال لازمة؟ هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
فالجواب: نعمْ، إذا كانت الحال ليستْ لازمةً لصاحبها فهي حال عارضةٌ، تقول: أقبل الرجلُ راكبًا، هَذِهِ حالٌ عارضةٌ؛ لِأنَّهُ قد يُقبِل غيرَ راكبٍ، ماشيًا.
* * *
الآية (٢٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
* * *
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أمر اللَّه أن يذكرَ هَذَا اليومَ العظيمَ، وهو يوم تَشَقُّقِ السماءِ بالغَمام لِنُزُول اللَّه .
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ من كل سماء ﴿تَنْزِيلًا﴾ هو يوم القيامة، ونصبه بـ (اذْكُر) مقدَّر، وفي قراءة بتشديد شينِ تَشَّقَقُ بإدغام التاء الثَّانية في الأَصْل فيها، وفي أخرى: (نُنْزِلُ) بنونين، الثَّانية ساكنة وضم اللام ونصب (الملائكة)].
القراءات:
في ﴿تَشَقَّقُ﴾ قراءتان: أولًا: القراءة المشهورة ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، القراءة الثَّانية: "تَشَّقَقُ"، وأصلها تَتَشَقَّق، فأُدغمت التاء في الشين فصارت تَشَّقَقُ، وأيهما أبلغ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ أم "تَشَّقَقُ"؟ "تَشَّقَقُ" أبلغُ (١).
وأما ﴿وَنُزِّلَ﴾ ففيها قراءتانِ سَبعيَّتان: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ على أنها فعل ماضٍ، و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ نائب فاعل، والثَّانية "نُنْزِلُ المَلائكَةَ" على أنها فعل مضارع والملائكة مفعول به، والفاعل هو اللَّه (٢).
стр. 75
ومن بلاغة القُرْآن أن القراءات يُستفاد منها إما التفسير وإما زيادة المعنى، فقراءة "تَشَّقَقُ" فيها زيادة المعنى، وعلى قراءة: "نُنْرِلُ المَلائكةَ" فيها تفسير؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، وَأَمَّا قوله: "نُنْزِلُ المَلائكَةَ" فمبنيَّة للفاعل، فالفاعل فيها معلوم، وعلى هَذَا إذا سُئلت: مَنِ الَّذِي ينزل الملائكة؟ تقول: هو اللَّه، والدليل أمر مفهوم بالأذهانِ، ودليل آخر من لفظ الآية، القراءة الثَّانية: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.
قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ كل سماء أكْثَر ملائكة من السَّمَاء الَّتِي تحتها، كذلك أيضًا هَؤُلَاءِ الملائكة الَّذِينَ يُحيطون بالعالم، كل دائرة أكْثَر عددًا من الدائرة الَّتِي قبلَها، وإنما يُنزَّلُونَ بَيانًا لعظمةِ اللَّهِ وإحاطة بالخَلْق، وحينئذٍ يَصدُق قول اللَّه تَعَالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ لأَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ معَ إحاطةِ الملائكة بهم أن يهربوا من أهوالِ هَذَا اليومِ.
وقوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر نُزِّل، وهو كما أسلفنا يدل على أَنَّهُمْ ينزلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملةً، فتنزل ملائكة السَّمَاء الدُّنْيا أولًا، ثم الثَّانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وأشرنا إلى الآية الَّتِي في سورة الرَّحمن دفعًا لقولِ بعضِ النَّاسِ الَّذِينَ يفسِّرونها بهَذه الأقمار الصناعيَّة أو المراكب الفضائيَّة الَّتِي صعِد النَّاس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قولَ اللَّه : ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ إلا بعِلمٍ، وأن هَذَا العلم أَوصَلَهم إلى النفوذِ، وهذا لا شكَّ تحريفٌ للقرآنِ، ولا حاجةَ إلى أن نَتَكَلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القُرْآن له شاهد، لا حاجة إلى هَذَا التكلُّف؛ لِأَنَّ هَذِهِ الحوادث شواهدها حصولها، متى حَصَلَت فإننا نؤمنُ بها، سواء دلَّ عليها القُرْآنُ
стр. 76
أو سكت عنها القُرْآن، إلَّا إذا دل القُرْآن على نفيِها؛ فَإِنَّهُ لا يجوز لنا أن نُصَدِّقَها، وكل ما يحدث من هَذِهِ الاختراعات وهَذِهِ الصناعات فَإِنَّهُ داخلٌ في قوله تَعَالَى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ بعد أن قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، هَذِهِ الآية يدخل فيها كل ما حَدَثَ وكل ما يحدُث من مثل هَذِهِ الأمور، وَأَمَّا أن نحرِّف القُرْآن إلى ما يوافق هَذَا الواقع فهذا حرامٌ علينا، ولا يجوزُ، وأمَّا قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ فليس المراد به العلم، المراد به السُّلطة الَّتِي تتمكَّنون بها من النفوذ، لِأَنَّ السلطان في كل موضع بحسَبه، وأصله السلطة الَّتِي يتمكَّن بها الإنْسَان من الوصول إلى ما يريد، فمثلًا إذا كانت في دعوى مدَّعٍ نقول: لا سلطان لك بهذا، يعني لا حُجَّة لك، كما قال اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، يعني ما عندكم من حُجة؛ لِأَنَّ الحُجَّة السلطة يتمكن بها المدَّعي من إثباتِ دَعْوَاهُ، ثم إن الآية ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهَؤُلَاءِ لم ينفُذوا من أقطار السَّموات، حتى لو قُلْنا: إنهم نَفَذُوا من أقطار الأرض وخرجوا عن محيط الأرضِ، فإنهم لا يستطيعونَ أن ينفُذوا من أقطارِ السَّموات، ثم إن الآيةَ ظاهرةٌ في التحدِّي ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، والتحدي بما يُمكِن غير صحيحٍ، لِأنَّهُ يُبْطِل التحديَ، ثم إن قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرَّحمن: ٣٥]، يكذِّبه الواقع، يعني يكذب دَعْوَى هَؤُلَاءِ الواقع؛ لأَنَّهُمْ صعِدوا إلى الفضاءِ ووَصَلُوا إلى ما وصلوا إليه ولم يرسَل عليهم شُوَاظٌ من نار ولا نُحاس.
فالمهمُّ أنا قصدي بذلك أن بعض النَّاس من أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يُوجِدوا لكل حادثٍ دليلًا خاصًّا من القُرْآن، وهذا لا يجوز؛ لِأنَّهُ يَصرِف القُرْآنَ
стр. 77
عمَّا أراد اللَّه به، ويَقتضي أنْ يَتلاعَب النَّاس بالقُرْآن، ثم إنهم قد يَستدِلُّون بالآيات الكريمة على ما رأوْا من النظرياتِ، وتأتي بعد ذلك نظريات أخرى تُبطِلها، فيَكُون القُرْآن حينئذٍ باطلًا حسَب ما استدلَّ به الأوَّلون، ونحن -وللَّه الحمد- في غِنًى عن هَذَا الأمر، فهَذِهِ الأمور والحوادث الَّتِي تحدث من صنائع الإنْسَان أمرٌ لا حاجة إلى إقامةِ الدليلِ عليه من القُرْآنِ، لِأَنَّ واقعها يُثْبِتُها.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هم يريدون إثباتَ إعجازِ القُرْآنِ؟
فالجواب: إعجاز القُرْآنِ يَكفي أن نقولَ فيه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، وَأَمَّا الحقائق إذا دل عليها القُرْآن فلا بأسَ، لكنْ كوننا نُحرِّف القُرْآن مِنْ أجْل أن نُخضِعَه للدلالة على هَذَا الأمر فلا، فمثلًا لو استدلَّ أحد على تطوُّر الجنين وخِلقته بالآية الكريمة وبالحديث الصحيح فهذا لا بأسَ، فالشَيْء الَّذِي يدلُّ عليه القُرْآنُ لا بأس به، لكِن شَيْء يحرَّف القُرْآنُ مِنْ أجْلِه فلا.
المهمُّ أن اللَّه يخلُق الشَيْء ولا نعلمه في وقتنا نحنُ، وهذا يَجري على كل هَذِهِ الحوادث، فقبل أن تقعَ لا يعلمها الإنْسَانُ، وبعد وُقُوعها يعلمها؛ لِأنَّهُ قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وهذا شَيْء معلوم ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، يعني أشياء لا تعلمونها، وفعلًا خلق اللَّه أشياء ما كانوا يعلمونها في عهد الرَّسول ﵊ وسيخلق أشياءَ لا نعلمها نحن في وقتنا، ويخلق اللَّه إلى آخِر الدَّهر شيئًا لا يعلمه مَن سبق، لكِن يعلمه مَن أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ كونه يخلق معناه يُوجِد، والموجود لا بد أن يُعلم؛ فاللَّه يتحدث عن أمرٍ سيَكُونُ لنا ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فإذا كان يتحدث عن أمرٍ سيَكُون لنا فمعنى ذلك سنَعْلَمُه إذا خَلَقَه اللَّه جَلَّ وَعَلَا.
стр. 78
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: استدلَّ بعضهم بأن الأعصاب الخاصَّة بالإحساس موجودة في القشرة الرقيقة الَّتِي على العظم، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، هل يقالُ: هَذَا من بيان إعجازِ القُرْآنِ؟
هَذَا أيضًا غير صحيحٍ؛ لِأَنَّ أحوال الآخِرة لا تُقاس بأحوال الدُّنْيا، والإنْسَان مثلًا لو احترقَ الآنَ جلدُه وانكشطَ وأحرقنا اللحمَ يتعذب الإنْسَان بلا شكَّ، ولا يقال: نجربه، بل يتعذب الإنْسَان به يقينًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إذا دخلت إبرة في جسم الإنْسَان فَإِنَّهُ عند دخولها يُحِسّ، ثم بعد ذلك لا يُحِسّ؟
نقول: صحيح، هَذَا معقول، وكل الداخليّ في الغالب ليس فيه إشكال، ولهذا لا يحس الإنْسَان بنزول الطعام في بطنِه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: يقول اللَّه : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فهَذِهِ الأحداث لا بد أن تكون في القُرْآن؟
فالجواب: لا إشكال، لكِن قوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالكِتَابِ؟ المقصود اللوح المحفوظ، قال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، لكِن قوله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، أوضح إن أرادوا أن يستدلوا، قال : ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ لكننا نعلم أن التبيان إما مجمَل وإما مفصَّل، والقضية المشهورة عن الشيخ مُحَمَّد عبده ﵀ مع الرجل النصراني حينما سأله عن كيفية صنع الطعام الَّذِي قُدم لهم في المطعم، قال النصراني:
стр. 79
القُرْآن تبيان لكل شَيْء، أين يوجد في القُرْآن كيف يُصنع هَذَا الطعام؟ فقال: هَذَا موجود في القُرْآن. فدعا الطباخ وقال: كيف تصنع هَذَا الطعام؟ قال: أصنعه بكذا وكذا، فقال: هكذا الطَّريق في القُرْآن، فإن اللَّه يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وكل قومٍ ذِكْرُهم خاصٌّ بهم، فأنا سألتُ هَذَا الرجلَ لأني لا أعلم، فالقُرْآنُ قد يَدُلُّنا على الشَيْءِ مباشرةً أو بالوسيلةِ والطَّريقةِ، فكل شَيْءٍ لا تَعلمه فالطَّريق إلى الوصول إليه أن تسألَ أهلَ ذِكْره، فالمرادُ أهلُ العلمِ، لكِن هل المراد أهل العلم الشرعيّ أو كل علم بِحَسَبه؟ لنفرِضْ أننا خصصناه بالعلم الشرعيِّ أفلا يُقاس غيرُه عليه؟ فهي إما أن تدل على العمومِ وتكون شاملةً لمثل هَذِهِ القضية بدلالة التضمُّن، وإما بدلالة الشمول المعنويّ، لا اللفظيِّ، وهو القياس، يقول اللَّه : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤]، فهذا يدل عَلَى أَنَّ المرادَ العلمُ الشرعيُّ، والآية الثَّانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وهو عامٌّ، لم يَقُلْ: بالبيِّنات والزُّبُر. ومثلما قلت: إن كانتْ شاملة لكلِّ شَيْءٍ وأن أهل كل ذِكر بِحَسَبه فهي شاملةٌ، وإلا فهي شاملةٌ شمولًا معنويًّا، وهو القياس، فنقول: إذا كان اللَّه أحالَنا على أهل الذكر الشرعيّ لمعرفة الحُكْم الشرعيِّ، فكذلك نحن نتحوَّل إلى أهلِ العلمِ غيرِ الشرعيِّ لمعرفةِ هَذَا العلمِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، هَذِهِ الآية ذُكرت على العمومِ، وأوَّلها يبيِّن أن المراد العلمُ الشرعيُّ؟
لكِن مثلما ذكرنا الآن أن العموم قدْ يَكُون شمولًا لفظيًّا وقد يَكُون شمولًا، معنويًّا، فهم لا يَستوون، لكِن الَّذِي يُثنى عليه أهل العلم الشرعيّ، والشمول اللفظيُّ
стр. 80
معناه أن هَذَا اللفظَ يدُلّ على هَذَا بخصوصِه، يعني من جملة الأفراد الدالَّة، والعموم المعنويّ معناه أن هَذَا اللفظ لا يدخل فيه ما ذكر، لَكِنَّهُ يقاس على ما ذكر فيه، فيَكُون هَذَا عمومًا معنويًّا؛ لِأَنَّ العِلَّةَ في الجميعِ وَاحِدةٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: إثبات نُزولِ اللَّه ؛ لِأَنَّ هَذَا التشقُّق إِنَّمَا يَكُون لِنُزُولهِ، والغرض من ذِكره التحذيرُ منه، والاستعدادُ له؛ لِأنَّهُ كلَّما ذُكر الشَيْءُ حَذِرَهُ الإنْسَان واستعدَّ له.
الْفَائِدَة الثَّانية: استدلَّ شيخ الإسلامِ ابن تيميَّة وغيره من أهل العلم بهَذِهِ الآية على نزولِ اللَّهِ للقضاءِ بينَ عِبَادِهِ. ووجه الدلالةِ من الآيةِ في الحقيقةِ ليس في لفظِ الآيةِ ما يدل عليه، لكِن الآية مفسَّرة بالحديث أنها تَشَقَّق بالغَمام لنزولِ اللَّهِ ، فهي لا يَتمُّ الاستدلال بها بمجرَّد لفظها، إلا بالإضافة إلى ما صحَّ عن النَّبي ﷺ في ذلك في تفسيرِ الآية؛ أنها تَشَقَّق بالغمامِ لنُزول اللَّهِ ﵎ للفصلِ بين عبادِهِ (١).
الْفَائِدَة الثالثة: أن الملائكة في السماءِ؛ لقولِه: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
الْفَائِدَة الرابعة: عَظَمَة اللَّه ﵎، وكثرة مخلوقاتِه؛ لِأَنَّ الملائكةَ تنزِل وتُحيط بالخلْقِ؛ مما يَدُلّ على كثرتهم.
الْفَائِدَة الخامسة والسادسة: الاستعداد لهذا اليوم الَّذِي لا يجد الإنْسَان فيه مفرًّا؛ فمثلا -وللَّه المثل الأعلى- لو أحاطتْ بك جنود الملك من كلِّ جانبٍ وبأعدادٍ
стр. 81
كثيرةٍ وبصفوفٍ متعدِّدة، هل يمكِن أنْ تَفِرَّ من قَبْضَتِه؟
فافرِض مثلًا -وللَّه المثل الأعلى- أن النَّاس حشروا في مكان وجاءت الجنود -الشُّرَط- وأحاطت بهم صفوفا صفا من وراء صف، هل يمكن للناس أن يفروا من هذا؟
لا يمكن، فيوم القيامة كذلك لا يمكن أن يفر النَّاس من هَذَا اليوم وأهواله وأحكامه وفيه التحذير من هَذَا اليوم.
* * *
стр. 82
الآية (٢٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ لا يَشْرَكُه فيه أَحَدٌ].
قوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ الحق صفة للمُلْك، يعني الملك الثابت المؤكَّد المحقَّق في ذلك اليوم للَّه .
قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ والملك للرحمن في ذلك اليوم وفي غيرِه، لكِن ملكيته ﵎ في ذلك اليومِ أظهرُ وأبينُ؛ لِأَنَّ الدُّنْيا فيها مُلُوك، وفيها مَن يَمْلِكُ التصرُّفَ، وفيها مَن يقال له: مَلِك، لكِن في الآخِرة لا يوجد مَلِك، النَّاس على حدٍّ سواء، يقول اللَّه : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فالملك في ذلك اليومِ لا يَكُونُ لأحدٍ سِوَى اللَّه ﵎.
وفي قوله: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ ولم يقلْ: (للَّه) إشارة إلى كثرة رحمةِ اللَّهِ في ذلكَ اليومِ، كما جاء في الحديثِ الصحيحِ: "إِنَّ للَّهِ مئة رَحْمَةٍ، انزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١)، فيظهر من رحمة اللَّه
стр. 83
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ذلك اليومِ ما لا يَظْهَر في غيرِه؛ ولهذا عبَّر بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾، وقد سبق أنَّ الرَّحمنَ صِفة متضمِّنة للرحمةِ، ولكنَّها تدلُّ على عظمة هَذِهِ الرَّحمةِ، وعلى سَعَتِها؛ لِأَنَّ كلمةَ فَعْلَان تدلُّ على الوصفِ المالِئِ الَّذِي يَمْلَأُ موصوفَه، كما يقال: غَضبانُ، لِأنَّهُ ممتلِئ غَضَبًا، ومن ثَمَّ فسَّر بعضُ العلماءِ الرَّحمنَ بأنه ذو الرَّحمةِ الواسعة، والرَّحيم بأنه ذو الرَّحمة الخاصَّة بالمؤمنين، ولكن الصواب أن الرَّحمنَ باعتبارِ وصفِه، فلهذا جاءت فَعْلَان صفة مشبَّهة، والرَّحيم باعتبار فِعله، يعني إيصال الرَّحمة إلى مَن شاء.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكَانَ﴾ اليوم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ بخلاف المؤمنين]، هنا قيَّد اللَّه العُسْر على الكافرينَ، فقال: ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ يعني دون المؤمنينَ، وفي آية أخرى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩]، ولم يقيِّدْه، يقال: إن اليومَ نفسه عسيرٌ جِدًّا بالنظر إلى ذاتِ اليومِ، لكنْ هَذَا العُسر لا يتناول المؤمن، بدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، فمفهومه أَنَّهُ على المؤمنينَ يَسيرٌ، فبالنظرِ إلى ذاتِ اليومِ وأهوالِه نَصِفُهُ بالعُسر في حدِّ ذاته على الكافرين، ثم إن هَذَا العُسر لا يَسري إلى المؤمنينَ، بل ييسِّره اللَّه ﵎ عليهم، بدليل قوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، وبدليل قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾.
فالحاصِل: أَنَّهُ بالنظرِ إلى ذاتِ اليومِ فاليومُ عَسيرٌ وشديدٌ، ويجعل الوِلدانَ شِيبًا، وبالنظرِ إلى مَن يتأثَّر به أو بعُسره يَكُون هَذَا للكافرين فقطْ؛ لقولِهِ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، أمَّا على المؤمنِ فَإِنَّهُ يَسيرٌ.
وفي هَذَا دليل، أي: في كونِه عَسيرًا، ولكن عُسره يَكُون على الكافرينَ فقطْ، ففيه دليل على اختلافِ النَّاسِ في ذلك الموقفِ، وأن يُسْرَ ذلك اليومِ وعُسْره بحسَب
стр. 84
حالِ الإنْسَانِ، فكلَّما كان الإنْسَانُ أشدَّ إيمانًا وأشدَّ تَقوى للَّه كان ذلك اليومُ أيسرَ له، ولهذا ثَبَتَ في الحديث الصحيحِ: "سَبْعَة يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" (١)، وأن "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ" (٢) في يوم القيامة.
وعلى هَذَا نقول: كُلَّمَا كان الإنْسَانُ أَقوَى إيمانًا باللَّهِ، وأشدَّ تقوى للَّه، كان يُسْرُ ذلك اليومِ عليه بحسَبه، وكلَّما كان الإنْسَانُ أَعتَى وأكفرَ يَكُون أشدَّ وأعَظمَ. وقد أخبر النَّبي ﵊ أنَهُ رأى في النار عَمْرَو بنَ لُحَيٍّ يجر قُصْبَه وأمعاءَه (٣) مما يدلُّ على أَنَّهُ كلَّما زاد عُتُوُّ الإنْسَان وكُفْره زاد عُسْر ذلك اليومِ عليه.
ثم إن هناك أيضًا قاعِدَة في الأُصُولِ أَنَّهُ إذا عُلق الحُكم على وصفٍ كان أثر ذلك الحُكم بحسَب ذلك الوصفِ، يعني أن تأثير الوصفِ في الحكمِ بحسَب الوصفِ، فإذا كان العُسر معلَّقا بالكفرِ فكُلَّمَا كان الكفرُ أشدَّ كان العُسْر أشدَّ، وإذا عُلق اليُسر بالإيمانِ صارَ كلَّما كان الإيمان أقوى كان اليُسرُ أقوى.
فالحاصلُ: أن كلَّ حُكْيم عُلِّق على وصفٍ فَإِنَّهُ يَختلف أثرُ ذلك الحُكْم بحسَب ذلك الوصفِ، يعني أن تأثير الوصفِ في الحُكم بحسَب الوصفِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: في حديثِ الشفاعةِ الأنبياءُ كلُّ وَاحِدٍ منهم يقولُ: نفسي نفسي (٤)،
стр. 85
فهذا دليلٌ على أنَّ في هَذَا اليومِ عندهم شِدَّة وخوف؟
والجواب: لا شكَّ أن في هَذَا اليومِ يوجَدْ شِدَّة وخوف: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الزمل: ١٧]، لكِن هَذِهِ الشدة والخوف يتحملهما الإنْسَانُ بحسَب ما معه من الإيمانِ، يعني أَنَّهُ لا يَكُون شديدًا عليه بحسَب ما معه من الإيمان، فهم يخافون لكنَّه ليس شديدًا عليهم، يعني أَنَّهُمْ يَتوقَّعون أَنَّهُمْ يقعون في شَيْءٍ ولَكِنَّهُم لا يقعون.
الحاصِل: أن وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى يومَ القيامة بأنه عَسيرٌ وصْفٌ مقيَّد بالكافرين، وفي آية أخرى وصفه وصفًا مطلقًا بأنه عَسيرٌ، وذكرنا فيما سَبَقَ أَنَّهُ وإنْ كانَ عَسيرًا لَكِنَّهُ بالنسبة للمؤمنين يَكُون يسيرًا، فالوصف المطلَق لذلك اليوم أَنَّهُ عسير، ولكن الَّذِي يتأثَّر به ويَكُون عَسيرًا عليه هم الكافرون، أَمَّا المؤمنون فلا.
وتأمَّلْ قول اللَّه : ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، قد يقول قائل: أين الرَّحمة مع عُسْرِه على الكافرينَ، فيقالُ: إن عذاب الكافرين وشدته عليهم هو رحمة بالمؤمنينَ؛ لِأَنَّ المؤمن يرى عدوَّه الَّذِي كان يسخَر منه في الدُّنْيا وعَدْلُ اللَّه يَمضِي فيه، فلا شكَّ أن ذلك سرورٌ له ورحمةٌ؛ كما قال اللَّه : ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٥]، فهم على أرائكهم ينظرون إلى هَؤُلَاءِ يعذَّبون، فيُسَرُّون بهم ويضحكون بهم، مثلما أن أعداءهم في الدُّنْيا كانوا يضحكون منهم ويسخرون بهم.
ثم إننا نقول أيضًا: تنفيذ العدل يُعتبَر رحمةً، أمَّا في الدُّنْيا فظاهرٌ، فإننا إذا أقمنا الحدَّ على السارقِ أو أقمناه على الزاني، أو ما أشبهَ ذلك، فَهُوَ رحمة بالنَّاس عمومًا، وبه خصوصًا، حتى بهذا الَّذِي جُلِدَ أو قُطِعَتْ يده هو رحمة به، كيف ذلك؟ لأننا نَمْنَعُه من ممارسة العمل مرَّةً ثانيةً، كلَّما تذكر هَذَا الألمَ، ولأن الحدَّ يَكُون كفَّارة له،
стр. 86
فلا يعذَّب عليه في الآخِرة؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لا يَجمَع له بين عقوبتينِ.
فائدتان:
الْفَائِدَة الأولى: تخويف وتحذير من تسلُّط الملوك؛ فإنهم يَجِبُ أنْ يَذْكُرُوا هَذَا اليومَ الَّذِي تَزولُ فيه مِلْكِيَّتُهم، ولا يَبْقَى إلا مُلْكُ اللَّه .
الْفَائِدَة الثَّانية: تَبشير للناس عمومًا في قوله : ﴿الرَّحْمَنِ﴾، حيث يشيرُ إلى أنَّهُ يُظهِر من رحمته في ذلك اليوم ومن مُلكه ما لا يَظهَر في غيره.
* * *
стр. 87
الآية (٢٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧].
* * *
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ يعني واذكُر ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، ﴿يَعَضُّ﴾ من أيِّ بابٍ من أبوابِ الصرفِ؟ عندنا في الصرف الأبواب ستة، فهنا ﴿يَعَضُّ﴾ هل من باب (نَصَرَ، يَنْصُرُ)، أو (سَمِعَ، يَسْمَعُ) أو (فتحَ، يَفْتَحُ)، فَهُوَ من باب (فتحَ)، وعند العامَّة يجعلونه من باب (نَصَرَ) يقولون: يَعُضُّ (فلانٌ يَعُضُّ فلانًا)، والصواب: (فلانٌ يَعَضُّ فلانًا)، فهي من باب فتحَ، يعني يُفتح فيها المضارع، كما أن الماضيَ كذلك مفتوح لكِن الماضي مشدَّد.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المُفَسِّر ﵀ يقول: [المشرِك]، والآية قد نقول: إنها أعمُّ من المشرِكِ؛ لِأَنَّ الظُّلم يَشمَل الشّركَ فما دونَه، ولكن ننظر السياق الآن: هل يعيِّن أن يَكُونَ الظُّلمُ بمعنى الشركِ أو لا؟ ثم إن المُفَسِّر خَصَّصها تخصيصًا آخرَ فقَالَ ﵀: [عُقْبَة بن أبي مُعَيْط؛ كانَ نَطَقَ بالشهادتينِ ثم رَجَعَ إرضاءً لِأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ]، قوله ﵀: [عقبة] هَذَا تخصيصٌ لعمومٍ، فإنْ كان المُفَسِّر ﵀ يريد أن يجعلَه مثالًا مما تنطبِق عليه الآية فالأمر سهلٌ، وإنْ كان يريد المُفَسِّر ﵀ أن
стр. 88
يجعلَ الآيةَ من باب العامِّ الَّذِي أُريد به الخاصُّ، فهذا غير مسلَّم؛ لِأنَّهُ لا دليل على ذلك؛ فلا دليل عَلَى أَنَّ المراد به الخاصّ، بل الآيةُ عامَّة، لكِن تشمل عُقبةَ وغيرَه، فالصواب أنها عامَّة لكلِّ ظالمٍ؛ وذلك لأنَّ الأَصْل بقاء العموم على ما هو عليه حتى يقومَ دليلٌ عَلَى أَنَّ المراد به الخاصُّ، وهنا قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ عامٌّ لِعُقْبَة وغيره.
قَالَ المُفَسِّر: [﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ نَدمًا وتحَسُّرًا في يوم القيامةِ، ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي﴾] إلى آخره، ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ العَضُّ على اليد يدلّ على الندمِ والتحسُّر، ولهذا بعض النَّاس إذا فاته الأمرُ تراه يَعَضّ يده ثم يُصَفِّق بيدِه، يعني أَنَّهُ فاته، فَهُوَ دليلٌ على التحسّر والندَم، وما أعظمَ الحسرةَ والندمَ حينَ يرى المؤمنين في حال والظالمين في حال، وهذا أعظمُ ما يَكُون.
ففي هَذِهِ الآية أمَر اللَّه بأن تذكر حال المجرمين يومئذٍ من الندم والتحسُّر العظيم والعَضّ على الأيدي.
وقوله: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ زَعَمَ علماءُ البيانِ أنَّ في الآيه مجازًا؛ لِأَنَّ الإنْسَانَ لا يَعَضّ على يده كلِّها، ولو أراد أن يَعَضَّ على يدِه كلِّها ما استطاعَ، يقولون: المراد باليدينِ الأصابع، لِأَنَّهُ لا يمكِن أنْ يَعَضَّ على اليد كلِّها، ولكننا نقول: في الحقيقة لا مجاز في الآية؛ لِأَنَّهُ إذا دلَّ السياقُ على معنًى فَهُوَ المرادُ، كلٌّ يعرِف أن المرادَ: يَعَضّ الظالم على يديه يعني على أصابعِه، فهي لم تدلَّ على اليدِ كلِّها من الأَصْل بحسَب السياقِ حتى نقول: إنها نُزِّلت عن معناها إلى المعنى الثَّاني، وهذا الَّذِي قرَّرناه هو الَّذِي أوجبَ لشيخِ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ أن ينكِر وجودَ المجازِ في اللغةِ العربيَّة؛ لِأَنَّ شيخ الإسلام ﵀ لا يرى وجود المجاز في اللغة العربية إطلاقًا؛ لا في القُرْآنِ
стр. 89
ولا في غيرِه، لِأَنَّهُ يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليستْ ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبيِّن لك ذلك الألفاظ المشتركة الَّتِي تصلح لمعنيينِ فأكْثَر، يعيِّن العنى السياقُ، وهكذا غيرها أيضًا، فبناءً على ذلك يقول: لا يوجد مجازٌ في اللغةِ العربيةِ؛ لا في القُرْآن ولا في غيره، ولكن أكْثَر النَّاس يَرَوْنَ أَنَّهُ يوجد المجاز في القُرْآن وفي غيره من كَلام العرب، وبعضُ العلماءِ يرى أَنَّهُ لا مجازَ في القُرْآن، وفي اللغة العربية يوجد المجازُ.
والَّذِي أوجبَ لهؤلاءِ التوسُّطَ أَنَّهُمْ قالوا: إن ميزان المجاز الَّذِي لا أحدَ يمانِع فيه صِحَّة نفيه، أي صحة نفي المجازِ، وليس في القُرْآن ما يَصِحّ نفيُه، يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، المراد بالأسدِ الرجلُ الشجاعُ، كأنما قلتَ: رأيت شجاعًا يقرأ، لكنْ عبَّرتَ بالأسد لِأَنَّ الشجاعة فيه أظهرُ، هم يَقُولُونَ: إنك إذا قلتَ: رأيتُ أسدًا يقرأ فَإِنَّهُ يجوز للمخاطَب أن يقولَ: هَذَا ليس بأسدٍ، فينفيه، وهذا صحيحٌ، ليس بأسدٍ، فهم يَقُولُونَ: إذا كان المجاز علامته الكبرى أَنَّهُ يَصِحُّ نفيُه فليسَ في القُرْآنِ ما يَصِحُّ نفيُه، أمَّا غيرُه من كَلامِ العربِ فيُمْكِنُك أنْ تَنْفِيَه، ولا تُبالي.
وأمَّا الحديثُ النبويُّ فالظاهرُ أَنَّهُ لا يقالُ فيه هذا؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا فقط في القُرْآنِ؛ لِأَنَّ الحديث النبويَّ تجوز روايتُه بالمعنى، فيجوز أن الراويَ غَيَّر الكَلِمَة، ونفى هَذِهِ الكلمة، لا أصل المعنى.
ولكن إذا رَجَعنا إلى ما قالَه شيخ الإسلام ﵀، وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتيَّة حتى نقول: إنها إذا دلتْ على معنًى آخرَ في مكانٍ آخرَ فهي مجازيَّة، بل دلالتها على الألفاظ بحسَب السياقِ، فعلى هَذَا نقول في الآية الَّتِي معنا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ لا مجاز فيها؛ لِأنَّهُ لا يمكِن أن يفهمَ أحدٌ أن المرادَ بذلك
стр. 90
في الأَصْل أن يَعَضَّ على اليد كلّها، كلٌّ يعرف أن المراد بقولنا: يعض على يديه أي: ما يعض عليه عادةً، وهي الأصابع.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾؛ ﴿يَدَيْهِ﴾ يعني على بعض يديه واستفدنا البعضية من كلمة ﴿عَلَى﴾، ولم يقل: يعض يديه؟
فننظر: هل (عض) تتعدى بـ (على) أو بنفسها، ومثلها "وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ" (١)، عضَّ تتعدى بنفسها وبـ (على)، قال ﷺ : "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كما يَعَضُّ الفَحْلُ؟ ! " (٢) في الرجل الَّذِي عَضَّ يدَ إنْسَانٍ فانتزعها فسقطتْ أسنانُه. ويوجد احْتِمَالٌ أن نقولَ: إنها لا تدلُّ على الكلِّيَّة، حتى لفظ اليد لا يُرادُ بها الكلُّ هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئيَّة فلا يراد بها الكلُّ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل العض على اليدين أو على يد وَاحِدة؟
فالجواب: الظاهر كُلَّمَا قوِيَ الندم عضَّ على اليدين كلتيهما.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، ما معنى: لا نقيم لهم وزنًا؟
فالجواب: لا نقيم لهم وزنًا يعني لا يُعتبَر لهم وزنٌ، لكِن لا توزن سيئاتهم مثلما توزن سيئات المؤمنين؛ لِأَنَّ سيئات المؤمنينَ توزَن لأجلِ الموازنة بينها وبين الحسناتِ،
стр. 91
فما رَجَحَ اعتُبر، وَأَمَّا أولئك فلإقامةِ الحجَّة عليهم فقط، واللَّه جَلَّ وَعَلَا لو ناقشك في حسابِه هلَكتَ؛ لِأنَّهُ لو ناقشك على نعمةٍ وَاحِدةٍ من نِعَمِه لكانتْ جميعُ أعمالِكَ الصالحة لا تُقابِلها.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد ﴿سَبِيلًا﴾ طَريقًا إلى الهدى]، يقول المُفَسِّر ﵀: إن الجملة حالٌ من ﴿الظَّالِمُ﴾ يعني أنَّهُ يَعَض، وهذا دليل على الندم بالفعل.
قوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ من علامات الاسْمِ النداء، فـ (يا) لا تدخل إلَّا على اسْمٍ، وإذا دخلتْ على حرفٍ كما في هَذِهِ الآية أو على فعلٍ فإنها تفيد التنبيهَ فقطْ، هَذَا أحد القولينِ في إعرابها.
القول الثَّاني: أنها للنداء، وأن المنادى محذوف، والتقدير في مثل هَذِهِ الآية: يقول: يا رب ليتني أو يا قوم ليتني، ولكن نقول: إن الأَصْل عدم التقدير، وإذا كان الأَصْل عدم التقدير فالأَولى أن لا نقدِّر شيئًا هنا وأن نجعل (يا) لمجرَّد التنبيه، وإنما كانت لمجرد التنبيه لِأَنَّ أصل النداء للتنبيه، عندما تقول: يا فلان تنبِّهه لِيَنْتَبِهَ لك ويُقبِل إليك بوجهه، فهي للتنبيه، ولا حاجة إلى أن نقدِّر المنادى.
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾: (ليتَ) للتمنِّي، والتمني هو: طلب ما لا يمكِن حصوله أو ما يَعْثُر حصولُه، فالشَيْء الَّذِي يَتَعَذَّر أو يَتَعَثَّر حصوله يُسمَّى طلبه تمنيًا.
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ... فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ (١)
стр. 92
هذا متعذِّر.
ويقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدقَ به. هَذَا عَسيرٌ وليس متعذِّرًا.
قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ من أيِّ القسمين؟ هَذَا من المستحيل؛ لِأَنَ الأمرَ فات.
قوله: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ أي سلكتُ سبيلًا، وهو الطَّريق الموصِل إلى اللَّهِ .
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحَمَّد]، بناء عَلَى أَنَّ الآيةَ يُقْصَدُ بها عُقبة بن أبي مُعَيْط، فعلى هَذَا تكون (أل) للعهد الذِّهنيِّ، وإذا قُلْنا بالعموم -وهو الأرجحُ- فإن المرادَ بالرَّسول هنا من أُرسِلَ إلى قومِه، فتكون (أل) للجِنسِ، للعموم، لِأَنَّ المرادَ بها جِنْس الرَّسول الشامل لمُحَمَّد ﷺ وغيره.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: أَنَّهُ يَجِب على المرءِ أنْ يختارَ لنفسِه الأصحابَ: أهل العلم والدِّين، ويؤخَذ من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
الْفَائِدَة الثَّانية: بيان حال الظالِم يوم القيامةِ، وأنه يندَم ندمًا عظيمًا، ويظهر ندمُه بالقول وبالفعل. والدلالة على أَنَّهُ بالقول في قوله تَعَالَى: ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، وبالفعل في قوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾.
الْفَائِدَة الثالثة: التحذير من الظُّلْم الَّذِي يَصُدُّ به الإنْسَانُ عن دِينِ اللَّهِ، أو التحذير من الظُّلْم الَّذِي يُوجِب أو يُوقِع الإنْسَان في مخالفةِ الرسُلِ؛ لِقَوْلِه :
стр. 93
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾؛ لِأَنَّ الغرضَ من ذلكَ التحذيرُ، ليس مُجَرَّد القصة، بل الغرض أن يحذر الإنْسَان من هَذَا الأمرِ الَّذِي يَكُون مآلُ صاحبِه إلى هَذَا الحالِ.
* * *
стр. 94
الآية (٢٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاوَيْلَتَى﴾ ألفه عِوَضٌ عن ياء الإضافةِ، أي: ويلتي، ومعناه: هَلَكَتي ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ أي أُبيًّا ﴿خَلِيلًا﴾]، إلى آخِرِه.
قوله: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ (يا) حرف نداء، و ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ منادى، وأصله: ويلتي فقُلِبَتِ الياءُ ألفًا فصارتْ: يا ويلتى، وهذا جائزٌ لغةً، يعني يجوز لغةً أن تقولَ: يا ويلتي ويجوز أن تقول: يا ويلتى. والويلُ: الهَلاك، وكأنه يقول: يا هلاكي احْضُرْ، يا هلاكي احضُر، ليتني لم أتَّخِذْ، إلى آخره. في التمني الأول لم يَقُلْ: يا ويلتى، لكِن في التمني الثَّاني قال: يا ويلتى؛ لأَنَّهُ زاد تحسُّرُه، في الأول يُعَبِّر لأول مرَّةٍ عن تحسُّره، والثَّاني للمرة الثَّانية، فيَكُون ذلك أبلغَ في التحسُّر، فلهذا قال: يا ويلتى.
وقوله: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ﴾ لم أُصَيِّر ﴿فُلَانًا﴾ هَذِهِ اسْم جنس يُكْنَى به عن الوَاحِد من بني آدمَ، وفلانة يكنى بها عن الوَاحِدةِ من بني آدم، ولم يذكر هنا فلانًا باسْمه؛ لِأَنَّهُ كما أشرنا إليه للعمومِ، ففي عُقْبَة بن أَبي مُعَيْط يَكُون المراد بفلانٍ: أُبَيّ بن خَلَف، وفي غيره يَكُون المراد به مَن أضلَّه عن ذِكر اللَّه.
قوله : ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ الخَلِيل هو الحبيب الَّذِي بلغتْ محبَّتُه الغايةَ؛ لِأَنَّ الخِلَّة أعلى أنواعِ المحبَّة، وسُمِّيَتْ بذلك لِأَنَّ المحبَّة تَخَلَّلَتْ مسالِكَ البَدَنِ؛
стр. 95
كما قال الشاعر (١):
قَدْ تخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلَا
وعلى هَذَا فالخُلة أعلى من المحبَّة، وبه نعرِف خطأ من قال: مُحَمَّد حبيب اللَّه، وإِبْراهِيم خليل اللَّه، وموسى كَليم اللَّه؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ نَزَّلُوا مرتبة النَّبي ﵊ حيث وصفوه بأنه حبيب اللَّه وإِبْراهِيم خليل اللَّه؛ فإن الخُلة أعلى، والنَّبي ﷺ خليل اللَّه كما أن إِبْراهِيم خليل اللَّه، قال النَّبي ﵊: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" (٢). وأمَّا كونُ موسَى كَليمَ اللَّهِ فنقولُ أيضًا: مُحَمَّدٌ كَليم اللَّه، وإذا كان موسى كليم اللَّه في الأرض فإن مُحَمَّدًا ﷺ كَليم اللَّه في السَّمَاءِ.
* * *
стр. 96
الآية (٢٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي القُرْآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾].
قوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾ اللام مُوَطّئَة للقَسَم، و (قد) للتحقيقِ، فالجملة إذَن مؤكَّدة بثلاثةِ مؤكِّدات: القسم و (اللام) و (قد)، وهو يؤكد في هَذَا اليوم أن ذلك الخليل أضلَّه تأكيدًا يُراد به لومُ نفسه، ولكن ذلك لا ينفعه الآن، لو كان هَذَا التأكيد في الدُّنْيا لَنَفَعَه، أَمَّا الآن فلا ينفعه، ولكنَّه يزيد في تحسُّره.
قوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [أي القُرْآن]، وهو بناءً منه عَلَى أَنَّ المرادَ بالظالمِ كما سَبَقَ هو عُقْبَة بن أبي مُعَيْط، فيَكُون المراد بالذكر القُرْآن، وإذا قُلْنا بالعموم -وهو الراجح- يَكُون المراد بالذكر الكِتَاب المنزَّل على ذلك الرَّسولِ، ففي عهد موسى التوراة، وفي عهد عِيسى الإنجيل، وكذلك في العُهُود الأُخْرى الكُتُب المنزَّلة على الرُّسُل.
قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ هَذَا الظرف له فائدته العظيمة، يعني بعد أن حصل لي الذكر وعَلِمته وفهِمته؛ حَصَلَ الإضلالُ، وهذا أبلغ ممَّا لو أضلَّه عن أمرٍ متوقَّع
стр. 97
غير واقع، هَذَا أمر واقع أقرَّ بأن الذِّكر جاءه وقامتْ عليه الحجَّة وأضلَّه هَذَا الخليل بعد إذ جاءه.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بأنْ رَدَّني عنِ الإيمان به، قال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ﴾ الكافِر ﴿خَذُولًا﴾ بأنْ يَتْرُكَه ويَتَبَرَّأ منه عند البلاءِ].
قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ كأنَّ المُفَسِّر ﵀ مشَى عَلَى أَنَّ هَذِهِ الجملة ليستْ من قول الظالمِ، وأن قول الظالمِ انتهى عند قولِه تَعَالَى: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، وعلى هَذَا فيَنْبَغِي الوقفُ على قوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ فتقف ثم تستأنِف وتقول: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يُرادُ به الجِنْسُ؛ لِأَنَّ الشياطينَ كثيرونَ، قال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، وقال : ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، فالمراد به هنا الجِنس، وهم أنواع.
والظاهرُ -واللَّه أعلم- أنَّ لكلِّ نوعٍ من المعاصي شيطانًا؛ كشيطان الشركِ، وشيطانِ الجحودِ، وشيطان البخلِ، وغيرِ ذلك، فلكلِّ نوعٍ شيطانٌ هَذَا ما يَظْهَر، واللَّه أعلَمُ.
وقوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المراد به على كَلام المُفَسِّر ﵀ الكافِرُ، وهو عُقْبَةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، أو عامٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا الكَلام من كَلام اللَّه ليس من كَلام الظالم، فيَحتمِل أنْ يَكُونَ عامًّا للكافرِ والمؤمنِ؛ فإن الشيطان أيضًا يُغوِي المؤمنَ، ثم بعد ذلك يَتَخَلَّى عنه، فالظاهرُ أنَّ المرادَ بالإنْسَانِ هنا الجنس، يعني المؤمن أو الكافر، وإنَّما قُلْنا: إن ذلك هو الظاهِر لِأَنَّهُ كما يُغوِي الكافرينَ بالكفرِ كذلك يُغْوِي المؤمنينَ بالفِسْقِ.
стр. 98
وقوله: ﴿خَذُولًا﴾ هَذِهِ إمَّا أن تكون صفةً مشبَّهةً، وإما أن تكون صيغةَ مبالغةٍ، وعلى الأمرينِ يَكُون وصفُ الشيطانِ بالنسبةِ للإنْسَانِ الخِذلان، أو يَكُون خذلان الشيطان للإنْسَانِ دائمًا؛ لِأَنَّ المبالَغةَ تَقتضي الكثرةَ، والخِذلان معناه إذلال الإنْسَانِ في مَوْطِنٍ يَحتاج معَه إلى النصرِ، فهذا الخذلان أنك تتخلَّى عن إنْسَانٍ في موطِنٍ يحتاج فيه إلى النصرِ، والشيطانُ عندما نتأمَّل ما ذكر اللَّهُ عنه في القُرْآنِ نجِد أَنَّهُ يخذُل الإنْسَانَ في مواطن النصرِ، فزَيَّنَ لِقُرَيْشٍ أنْ يَخرجوا لقتالِ النَّبيِّ ﷺ فخرجوا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، زيَّن للإنْسَان الكفر، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، هَذَا في الدُّنيا، وفي الآخرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمُغيثِكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إِبْراهِيم: ٢٢]، هَذَا أيضًا خِذلان عظيمٌ، فالشيطان في مواطِنِ النصرِ يخذُل الإنْسَانَ ويتبرَّأ منه.
وهذا الوصف ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ نقول: هل كان في عِلم اللَّه، أو كان فيما مَضَى وانتهى؟ تقدَّم قريبًا نظيرها (كان) مجرَّدة عن الزمن، يعني أن (كان) تارَةً يُراد بها الدلالة على الزمنِ، وتارةً يُراد بها مجرَّد الحَدَث، يعني مجردة عن الزمنِ، فتقول مثلًا: (كان زيدٌ قائمًا) يعني فيما مضَى، ثم جلس، وأيضًا مثل قولِه : ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وقولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، ليس المعنى (كان) فيما مضَى، بل المعنى أنَّ هَذَا وصفٌ للَّهِ مستمِرٌّ.
стр. 99
وهو صفة المغفرة والرَّحمة والقُدرة، وكذلك هنا ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ليس المعنى أن الشيطان كان خذولًا للإنْسَانِ فيما مضَى وأصبحَ غيرَ خَذولٍ، بل المعنى أن هَذَا وصف ملازِمٌ للشيطانِ بالنسبة للإنْسَانِ، فالشيطان وَصْفُه الخِذلان لبني آدمَ دائمًا، ليس معناه فيما مضَى فقطْ، وإنما أخبرنا اللَّهُ ﵎ بأنَّ الشيطانَ خَذُولٌ للإنْسَانِ لأجلِ أنْ نتَّخِذَه عدوًّا، وألَّا نَغْتَرَّ به، فَإِنَّهُ سوف يخذُلنا في موطنٍ نحتاجُ فيه إلى نَصرِهِ فنَحْذَر منه.
فإذا قال إنْسَان: ما علامة كونِ هَذَا الفعلِ من أوامرِ الشيطانِ، وما الَّذِي يدرينا أن الشيطان أَمَرَنا بهذا، وأن هَذَا من عملِ الشيطانِ؟
الضابط قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فإذا رأيْنا أن النفسَ تُرِيد منَّا أنْ نقعَ في هَذَا العملِ إذا كان مخالفًا للشرعِ؛ علِمنا أنَّ هَذَا من أمر الشيطانِ، فوجبَ علينا الحَذَر منه؛ لأننا نَعْلَم أن هَذَا الشيطان سَيَخْذُلنا في موطنٍ نحتاج فيه إلى النصرِ، هَذِهِ هي العلامة الفارِقة بينَ ما يَكُون من أمر الشيطانِ وما يَكُون من أمر اللَّه ﵎.
وأيضًا النفسُ الأمَّارة بالسُّوء تَأْتَمِر بأمرِ الشيطانِ؛ لأنك لا تُحِسّ بأن الشيطانَ نزل بك وجاء بك، لكِن نفسك تأمرك بهذا، فهي تأتمِر بأمرِ الشيطانِ، فيجعلها كالوسيط بينَه وبين قلبِ المرءِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: التحذير من قُرَنَاء السّوء؛ لقولِه: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾.
الْفَائِدَة الثَّانية: أن الكافرَ، بل عموم الظالمينَ، في يوم القيامة يُؤمِنون بالحقِّ؛
стр. 100
لِقَوْلِهِ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾، فأقرَّ بأن الذكر قد جاءه، وأقرَّ بأن ما جاءه ذِكر يتذكَّر به المرءُ.
الْفَائِدَة الثالثة: أن الشيطان يأمر الإنْسَان ثم يَخْذُله أحوجَ ما يَكُون إليه؛ لقولِه : ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. ومن الأمثلة لخِذلان الشيطان لأصحابِه في الدُّنْيا من القُرْآنِ ما تقدَّم في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ومن أمثلة خِذلانه لهم في الآخرة قوله : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وَأَمَّا قوله تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، فربما يَكُون في الدُّنْيا والآخرة، فالآية ليست بصريحةٍ أنها في الآخرة.
الْفَائِدَة الرابعة: أن الغَرَضَ من إخبار اللَّه عن الشيطانِ بأنه خَذُول لبني آدمَ أو للإنْسَانِ التحذيرُ، والعلامة عَلَى أَنَّ هَذَا من أوامرِ الشيطانِ قولُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]، ومثل قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فقوله : ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ هَذَا مثال للتفريط في الأوامر، ومتى يَعِدُ الفقر؟
стр. 101
يعد الفقر عندما يريد الإنْسَانُ أن يَبْذُلَ المالَ يقول: لا تبذل المال؛ لأنك سَتَفْتَقِر، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي المنكر.
* * *
стр. 102
الآية (٣٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمَّدٌ ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قُريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾]، هنا المُفَسِّر أيضًا خَصَّها بالنَّبي ﷺ ، وهنا قد نوافق المُفَسِّر على أنها خاصَّة بالنَّبي ﷺ ؛ بدليل قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]؛ لِأَنَّ المراد بهَذِهِ الجملة التسليَة، وهذا هو الَّذِي يؤيِّد ما قاله المُفَسِّر ﵀، أمَّا مسألة القُرْآن فإن القُرْآنَ يُطلَق على المصدر فيشمل كل ما يُقرأ من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب، لكِن الَّذِي يجعله خاصًّا بهذا الَّذِي نزل على مُحَمَّد ﷺ ما بعدَه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: يقول اللَّه تَعَالَى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ والوحي ما زال ينزل؟
الجواب: لِأَنَّ الرَّسول يقوله والقُرْآن بين يديه، فمثلًا موسى إذا قال والتوراة بين يديه صحَّ أن يُشير إليها.
قوله: [﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا]، وأضافهم إلى نفسِه لِأَنَّهُ أبلغُ في توبيخهم؛ لِأَنَّ الأمر الواقع يَقتضي أن قومَه أسبقُ النَّاس إلى تصديقِه، وإلى قَبُول ما جاء به، ولكن الأمر كان بالعكسِ، وهذا نظير قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ
стр. 103
وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]، حيث أضافهم إليه، كأنه يقول: يَنْبَغِي أن تكونوا أنتم أوَّلَ من يصدِّق؛ لِأَنَّهُ صاحبُكم، كذلك قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، فالمهمُّ أن الإضافة هنا الغرضُ منها زيادة التوبيخ، يعني بدل أن يقول: إن قريشًا قال: إن قومي؛ للمبالغة في توبيخِهم، حيثُ إنَّ مُقْتَضَى كونِهم قومَه أن يصدِّقوا به ويَقبَلوا ما جاء به.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا]، مأخوذ من الهَجْر، والهجر تَرْك الشَيْء رغبةً عنه، فهم اتَّخذوه مهجورًا، يعني جعلوه شيئًا مهجورًا، يعني لا يلتفتون إليه، وهذا أبلغ من قولِه: إن قومي هَجَروا القُرْآنَ، ووجهُ ذلك أن (هجروا) فعل، والجملة الفعلية لا تدلُّ على الثُّبُوتِ والاستمرار، ولكن قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ جملة اسْميَّة؛ لِأَنَّ (الهاء) و (مهجورًا) أصلهما المبتدأ والخبر، فكأَنَّهُمْ جعلوا هَذَا القُرْآن الَّذِي تجب العناية به والإقبال إليه جعلوه أمرًا مهجورًا مرغوبًا عنه، كأنه ليس مستحقًّا للإقبال عليه إطلاقًا، فصيَّروه من الأمور المهجورة المتروكة الَّتِي ليس من شأنها أن يُقْبَلَ إليها، وهو أبلغ من كونهم هجروه؛ لأَنَّهُمْ قد يهجرونه وهو مستحِقّ لأن يُقْبَلَ، أمَّا إذا اتَّخذوه مهجورًا فإن اتِّخاذهم إيَّاه مهجورًا يَكُون معناه أَنَّهُمْ هَجَروه مع استحقاق أنْ يُهجَر.
وهَجْرُ القُرْآنِ ينقسِم إلى قسمينِ: هَجر لَفْظِيّ، وذلك بترك تلاوتِه رغبةً عنه، وهذا ما حذَّر منه النَّبي ﵊ في قوله: "بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ" (١)؛ لِأَنَّ نَسِيت تدل
стр. 104
على الرغبة والهَجر، ونُسِّيت تدلُّ على أَنَّهُ ليس باختيارِه، لكنَّه قد قُدِّر عليه هَذَا الهَجْر.
الهجر الثَّاني: هجر العمل به، يعني أن الإنْسَان يتلوه ولم يقصِّر في تلاوته، لكنَّه لا يعمل به.
ويمكن أن يتولَّد قسم ثالث: القسم الثالث: هَجْرٌ لفظيٌّ وعمليٌّ، يعني أَنَّهُ لا يَقْرَؤه ولا يعمل به.
فإذَنِ الأقسامُ ثلاثةٌ: هجر لفظيّ، وهو هجر تلاوتِه، وهجرٌ عمليّ، وهو هجر العمل به، وهجر لفظيّ عمليّ، وأيُّهم أشدُّ؟ اللفظيّ العمليّ، يليه الهجر العمليّ، والثالث اللفظيّ، وكل منها محرَّم، حتى الهجر اللفظيّ، فإذا ترك الإنْسَان تلاوتَه رغبةً عنه وزُهدًا به فَإِنَّهُ لا يجوز، نعم لو ترك تلاوتَه تشاغلًا بأمورٍ لا بد منها فهذا لا بأسَ به، فالهجر اللفظيّ موجودٌ في المؤمنينَ، ولكن لا يوجد الهجر المطلَق بالنسبة للمؤمنِ، يعني لا يمكن للإنْسَانِ أن يتركَ تلاوتَه تركًا مطلَقًا؛ لِأَنَّ عنده الصلاة، وقد فُرض عليه أن يقرأَ فيها سورة الفاتحة، فالهجر المطلَق لا يمكِن للمؤمنِ أبدًا؛ لِأَنَّ أهمَّ شَيْءٍ قِراءة الفاتحةِ في الصلاةِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْم هَجْر المصحَفِ، وذلك بأن يَكُونَ عنده عِدَّة نُسخ من القُرْآنِ في البيتِ، ويقرأ في وَاحِدةٍ فقطْ؟
ليس بحرامٍ، ولا يوجد مانعٌ، لكنَّه مع الحاجة لا يجوز للإنْسَانِ أنْ يَحتكِرَها والنَّاس محتاجون إليها، أمَّا الآن فلا توجد حاجة، والتحذير الَّذِي كان يوجد في كَلام بعضِ أهلِ العلمِ لمَّا كانت المصاحف قليلةً، حيث يَكُون الإنْسَان ليس عنده إلا نسخة ويحجزها لنفسِه ولا يَنتفِع بها ولا ينتفع بها غيرُه.
стр. 105
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل عدم تدبُّر القُرْآن يَكُون هجرًا له؟
هجر التدبُّر قد يَكُون هجرًا؛ لِأَنَّ التلاوةَ بدون تدبُّر لا شكَّ أنها تلاوة ناقصة؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أمَر بتدبُّره، وأخبر أَنَّهُ ما أُنزلَ إلا للتدبُّر والتذكُّر ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، والتدبُّر معناه أن الإنْسَانَ يتأمَّل معناه ويفكِّر فيه، ويَسعَى في الوصول إليه، وإذا كان قاصرًا عن فَهم المعنى يسأل، وإذا كان يمكِن أن يُراجِعَ هو بنفسِه كُتُبَ التفاسيرِ فلْيُرَاجِعْ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل استماع القُرْآن يُغني عن القراءةِ؟
فالجواب: ما أظنُّ أن الاستماع يُغنِي عن القراءة، لكِن على كلِّ حالٍ الاستماع فيه خيرٌ، ولكن القراءة أفضل، وبالنسبة للاستماعِ إذا كان مشغولًا فلا يَنبغي أنْ يستخدمه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى: ما وصلتْ إليه حال قريشٍ مِنَ العِناد والمكابَرة؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، فهم اتخذوه مهجورًا. وكونهم اتخذوه مهجورًا أبلغ من كونهم هَجَروه.
الْفَائِدَة الثَّانية: عِظَم هَذَا القُرْآن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾، لِأَنَّ الإشارة تفيد التعظيم، يعني هَذَا القُرْآن العظيم الَّذِي لا يَنبغي أنْ يُهْجَر هَؤُلَاءِ اتخذوه مهجورًا، فقولُه: اتخذوه مهجورًا أبلغُ من: هَجَروه، كيف ذلك؟ اتخذوه مهجورًا يعني جعلوه من الأمورِ الَّتِي تَستحِقّ أن تُهجَر، فاتخذوه أمرًا مهجورًا يعني مرغوبًا عنه ومتروكًا هو في حدِّ ذاته، على زعمهم، هَذَا وجهٌ، والوجه الثَّاني: يعني هم
стр. 106
صيَّروه مهجورًا، والهاء المفعول أول محل المبتدأ، ومهجورًا محل الخبر.
الْفَائِدَة الثالثة: بشاعة هَذَا العمل من قريش، وجه ذلك الإضافة في قوله: ﴿قَوْمِي﴾؛ فإن هَذَا يدلّ على بشاعة هَذَا العمل منهم؛ لِأَنَّ المفروض أن قومَه يَكُونون أَولى النَّاس بالعنايةِ به وقَبُول ما جاء به، ولكن الأمر مع الأسف صار بالعكسِ.
* * *
стр. 107
الآية (٣١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].
* * *
لمَّا قال الرَّسول ﵊: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وهذا من الرَّسول ﵊ شِكاية لقومِه؛ لِأَنَّهُ تضايَقَ بهم، فأنزل اللَّه عليه تسليةً له وجوابًا لِشِكايتِه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (الكاف) اسْم بمعنى (مثل)، وهي تأتي في القُرْآنِ كثيرًا، فكُلَّمَا جاءت فإننا نُعرِبها هَذَا الإعراب، على أنها اسْم بمعنى مثل، وَأَمَّا إعرابها فهي مفعول مطلَق، وعاملها الفعل الَّذِي بعدَها، أي: ومِثْل ذلك الَّذِي جعلناه جعلناه لكل نبي، فهَؤُلَاءِ المشركون الَّذِينَ جعلوا القُرْآن مهجورًا ونَبَذُوه وراءَ ظُهُورهم ودَعَوْا إلى هجره وسخِروا به لَيْسُوا بِدَعًا من غيرهم، فقد سبقَ لكلِّ نبيٍّ كذلك.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جَعَلْنَا لكَ عدوًّا من مُشْرِكِي قومِك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فاصبِرْ كما صَبَرُوا]، وفي هَذَا من تسليةِ النَّبي ﷺ ما هو ظاهرٌ؛ لِأَنَّ الإنْسَانَ يَتَسَلَّى إذا كان غيرُه قد أُصِيبَ بمثلِ مُصِيبَتِه، تقول الخَنْسَاءُ وهي تَرْثِي أخاها صَخْرًا (١):
стр. 108
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
فإذا عَلِمَ النَّبي ﵊ أن هَذَا دَأْبُ قومِ الأنبياءِ من قِبَلِه فَإِنَّهُ يَتَسَلَّى ويُهَوَّنُ عليه الأمرُ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ لك ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصرا لك على أعدائك].
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ (الباء) يَقُولُونَ: إنها زائدة إعرابًا فقطْ، ولها معنى، و (ربك) فاعل (كفى)، يعني: وكفى رَبُّكَ، و (هاديا) تمييز محوَّل عن الفاعلِ، يعني كفت هدايته ونصره، والتمييز قد يحول عن الفاعل، وقد يحول عن المفعول، فقوله : ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ محوَّل عن المفعولِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ: وَفَجَّرْنَا عيونَ الأرضِ، هنا ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ الأَصْل: وكفتْ هدايةُ ربِّك ونصرُه.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أي: ناصرًا لك على أعدائِك. ووجه المناسبةِ بين قولِه : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ أقول: المشركون الَّذِينَ يُنابِذون الرُّسُلَ يَقصدون بذلك أمرينِ؛ إضلالَ النَّاسِ للحيلولةِ دونَ وصولِ الهِدايَةِ إليهم، والعُدوان على الرُّسُلِ حتى بالحرب والقتال، فبيَّن اللَّه أن هَذِهِ المحاولة ليستْ بشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّه ﵎ كَفَى به هاديًا، فلا يستطيع هَؤُلَاءِ الأعداءُ أن يُضِلُّوا أحدًا، وكفى به نصيرًا، فلا يستطيع هَؤُلَاءِ الأعداءُ أن يَقضُوا على دعوةِ الرسُلِ.
* * *
стр. 109
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأولى والثَّانية: عناية اللَّه تَعَالَى بالرَّسول ﷺ ، ووجهُ ذلك أن كونَ اللَّهِ يَعتني بالرَّسولِ ويُسَلِّيه بما وَقَعَ لغيرِه، هَذَا دليلٌ على العنايةِ به، وكون الرَّسول ﷺ يحتاج إلى أن اللَّه يسلِّيه بِمَنْ سَبَقَه يدلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسول ﵊ بَشَرٌ يَنتابُه ما ينتابُ البشرَ مِنَ الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسليةِ، وأن مَن دون الرَّسول من باب أَولى، فعندما يأتي إلينا مثلًا أحد دُعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من النَّاس نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هَذَا قُصُور في حقّه، هَذَا لا بدَّ منه، فالطبيعة البشريَّة تَقتضي أن الأمر يهوَّن على النفس إذا أصاب الغيرَ مثلُ ما أصابَه.
ومناسبة قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لِذِكر أن اللَّه جعلَ لكل نبيٍّ عدوًّا من المجرمين، يعني: هَؤُلَاءِ المجرمون يحاولون القضاء على الرِّسَالة أو النبوَّة بوَاحِد من أمرينِ؛ إما بإضلال النَّاس وصدِّهم عَّما جاءت به الرُّسُل، وإمَّا بقتالهم وإهلاكهم، فيَعتدون على النَّاس بالقتالِ، فقال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ في مقابلة محاولة الإضلال، ﴿وَنَصِيرًا﴾ في مقابلة محاولة القضاء على الأنبياء وأُممهم.
وهَذِهِ العداوة الَّتِي تكون للأنبياء تكون لورثتهم؛ لأَنَّهُمْ يدعون لمِا يدعو له النَّبي، ونحن نعلمُ أن هَذِهِ العداوة ليستْ شخصيةً، وإنما هي معنويَّة بسَبَب النبوَّة، ودليلنا عَلَى أَنَّ العداوة ليستْ شخصيَّة، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرُّسُل، بل لِمَا جاءوا به من الحقِّ؛ دليلنا أن قريشًا ليستْ تعادي الرَّسول ﷺ قبلَ أن يُبعَث، بل هي ترى أَنَّهُ من أشدّ الرِّجال أمانةً وصدقًا.
الْفَائِدَة الثالثة: أَنَّهُمْ لا يستطيعون أن يُضِلّوا النَّاس إذا أراد اللَّهُ هدايتَهم،
стр. 110
ولا أن يقضوا عليك إذا أراد اللَّه نَصْرَك؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، هَذِهِ العداوة حسَب ما يقول اللَّه وما عرض من القُرْآنِ، هل تكون لأتباعِ الرُّسُلِ أو لا؟
الجواب: تكون لأتباعِ الرُّسُلِ؛ لأَنَّهُمْ عادَوُا الرُّسُلَ لدعائهم للحق، يعني ما عادَوا الرُّسُل لأشخاصهم، ولهذا كان الرَّسول ﵊ قبل البعثة عند قُريشٍ ليس عدوًّا، بل هم يسمُّونه الأمينَ، فما دامتِ العداوةُ مِنْ أجْلِ الدعوةِ إلى الدينِ فسوفَ تكونُ لكلِّ مَن دعا إلى الدينِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يدعو مثلًا إلى شريعةِ النَّبي ﷺ هو يدعو إلى ما دعا إليه النَّبي ﵊، فلا بدَّ أن يَكُونَ له أعداءٌ كما كان للأنبياء أعداء، وعليه فالواجبُ على مَن دعا إلى الهدى وأُوذي أنْ يَصبِر، وأن يَتَأَسَّى بما جَرَى للرسلِ من قبله، والرُّسُلُ أعظمُ منزِلةً عند اللَّه منه، ومع ذلك مَكَّنَ أعداءهم مما فعلوه.
فَلَوْ قِيلَ فِي الجَوَاب: إنهم عادوا الرُّسُلَ، وهم أفضلُ الخَلق، كيف لا يعادون من سواهم؟
فالجواب: قد يقال: إنهم عادوا الرُّسُل واشتدت عداوتهم لهم لِأَنَّ تأثيرهم أشد، فَعَادَوهم أشد.
الْفَائِدَة الرابعة: أن الحقَّ يَتبيَّن بضدِّه؛ لِأَنَّ اللَّه جعل عدوًّا من المجرمينَ يُنابِذ الدعوةَ، فمِنَ الحِكْمَةِ في ذلك أن تتبيَّن الدعوة؛ لِأَنَّهُ إذا لم يكنْ لها معارِضٌ ما تَبَيَّنَتْ، لكِن إذا كان لها معارِض، وكلَّما أُتي بشُبهةٍ رُدَّ عليها، صار ذلك أَبْيَنَ وأوضحَ.
الْفَائِدَة الخامسة: ابتلاء اللَّه للمؤمنِ؛ فَإِنَّهُ إذا كان الإيمانُ قويًّا فَإِنَّهُ يصمد أمام هَذِهِ الشُّبُهات، وأمام هَذِهِ العداوة، وإذا كان ضعيفًا فَإِنَّهُ يتأثَّر، فهذا من