Полный текст (257 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح وتلخيص
الْمُقدمَة
أَفِي تَنْزِيه الله
تَتَضَمَّن الرَّد على الْجَهْمِية والمعتزلة والمشبهة والحشوية فَهُوَ يَقُول الْحَمد لله الَّذِي مَا سبقه شَيْء فَيكون مُحدثا مخلوقا وَلَا بَقِي إِلَى أجل فَيكون فانيا موروثا فَاتَ الْمِقْدَار وَعلا عَن توهم الأذهان تاهت الْأَلْبَاب عَن تكييفه وتحيرت الْعُقُول عَن إِدْرَاكه فَلَا تَشْبِيه وَلَا تجسيم وَإِنَّمَا هُوَ تَنْزِيه مُطلق يتَّفق وجلال الألوهية
ويصل إِلَى خلق الْإِنْسَان فيذكر أَنه سُبْحَانَهُ خلقه لغير وَحْشَة فِي انْفِرَاد أزليته وَلَا استعانة بِهِ على مَا يُريدهُ من تَدْبيره فَلَا قيمَة لما يرويهِ الحشوية وينسبونه إِلَى الرَّسُول كنت كنزا مخفيا فَأَرَدْت أَن أعرف فخلقت الْخلق فَبِي عرفوني
ويفضي بِهِ القَوْل إِلَى آراء الْجَهْمِية فِي تَنْزِيه الله والمعتزلة فِي الذَّات وَالصِّفَات فَيرد عَلَيْهِم فِي سِيَاق الْمُقدمَة فَهُوَ سُبْحَانَهُ علم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَذَلِكَ لِتَفَرُّدِهِ بِعلم الغيوب فَلَا حَاجَة لِلْقَوْلِ بِصِفَات حَادِثَة وَلَا حَاجَة لنفي الصِّفَات بِحجَّة التَّنْزِيه مَا دَامَ الْعلم وَاحِدًا فِي كل حَال والمتغير تعلقه أَي الْمَعْلُوم إِذْ أَن الْعلم هُوَ انكشاف الْمَعْلُوم على مَا هُوَ عَلَيْهِ
стр. 2
ب فِي الْعقل
وَلَقَد استخص الله آدم وَذريته فَأخذ مِنْهُم الْمِيثَاق بِمَا فطرهم عَلَيْهِ من الْعُقُول الرضية والألباب والفهم ليدبروا بهَا شَوَاهِد التَّدْبِير وَأَحْكَام التَّقْدِير وَلنْ يَسْتَطِيع الْإِنْسَان أَن يقدر نعْمَة الله فِي هِبته الْعقل لَهُ حق قدرهَا إِلَّا إِذا عرف أَن الْعُقُول معادن الْحِكْمَة ومقتبس الآراء ومستنبط الْفَهم وَمَعْقِل الْعلم وَنور الْأَبْصَار إِلَيْهَا يأوي كل محصول
وَلِأَنَّهُ تفرد بِعلم الْغَيْب سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ لَا يعرف صِفَاته ومراضيه ومساخطه إِلَّا هُوَ لذا فقد أرسل الرُّسُل فَكَلَّمَهُمْ تكليما لَا بأداة أَو آلَة بل بِذَاتِهِ فخاطبوا الْعقل البشري بِأَمْر الله ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ ففضل الْعقل فِي أَنه الأداة الَّتِي تتلقى عَن الرُّسُل شرع الله وَهَذِه هِيَ وَظِيفَة الْعقل أَن يعقل الشَّرْع لَا أَن يشرع ويبتدع من عِنْده فَلم يكن مُمكنا أَن نعْبد الله حق الْعِبَادَة بِغَيْر رِسَالَة وباسم الْعقل لِأَن الْعقل متلق وَلَيْسَ صانعا
الْقسم الأول
لما كَانَ الْقُرْآن بِهَذِهِ المثابة من الأهمية إِذْ أَنه الْمُهَيْمِن على الْعقل فَلَا بُد من تَعْرِيف بِهِ وبحامله وَهُوَ مَا فعله المحاسبي فِي هَذَا الْفَصْل وَقد قسمه إِلَى عدَّة فقرات
أفضائل الْقُرْآن
فقد أَمرهم بالمكارم ونهاهم عَن الآثام والمحارم وَوَعدهمْ فِيهِ جزيل الثَّوَاب وَضرب لَهُم فِيهِ الْأَمْثَال وَفصل لَهُم فِيهِ الْمعَانِي الدَّالَّة على سَبِيل النجَاة وَأَبَان فِيهِ المشكلات وأوضح لَهُم فِيهِ الشواهد فَهُوَ بركَة لقَوْله
стр. 3
تَعَالَى ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك﴾ ليعلموا بذلك أَنه يدلهم على النجَاة وينالون باتباعه الزلفى والكرامة وَهُوَ أحسن الحَدِيث تَصْدِيقًا لقَوْله تَعَالَى ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم﴾ فَأخْبرهُم أَنه لَا حَدِيث يُشبههُ فِي حسنه وَأخْبر أَنه متشابه غير مُخْتَلف فِيهِ وَسَماهُ بِأَحْسَن الْأَسْمَاء فَقَالَ ﴿لكتاب عَزِيز﴾
وَقَالَ أَن مَا قبله من الْكتب مُصدق لَهُ وَشَاهد وَأخْبر أَنه مَحْفُوظ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه فَهُوَ نور اللَّيْل المظلم وضياء النَّهَار وَيجب الْعَمَل بِهِ على مَا كَانَ من جهد وفاقة
ب فَضَائِل الْقُرَّاء
أما الَّذين يَتلون الْقُرْآن ويتدبرونه فهم أَوْلِيَاء الله الَّذين نعتهم بقوله ﴿تقشعر مِنْهُ جُلُود﴾ وتبكي أَعينهم وتطمئن قُلُوبهم إِلَى ذكر الله وَقد ضمن الله لهَؤُلَاء أَن من اتبع مِنْهُم مَا فِي كِتَابه من الْهدى الْإِجَارَة من الضَّلَالَة فِي الدُّنْيَا والسعادة فِي الْآخِرَة والنجاة من الشَّقَاء قَالَ الله ﴿فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى﴾
ثمَّ روى أَحَادِيث كَثِيرَة فِي فضل حاملي الْقُرْآن وقراءته فَلَو ذاب أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض حِين يسمعُونَ كَلَام الله أَو مَاتُوا خمودا أَجْمَعُونَ لَكَانَ ذَلِك حق لَهُم وَلما كَانَ ذَلِك كثيرا إِذْ تكلم الله بِهِ تكليما من نَفسه من فَوق عَرْشه من فَوق سبع سمواته وَإِذا كَانَ كَلَام الْعَالم أولى بالاستماع من كَلَام الْجَاهِل وَكَلَام الوالدة الرؤوم أَحَق بالاستماع من كَلَام غَيرهَا وَالله أعلم الْعلمَاء وأرحم الرُّحَمَاء فَكَلَامه أولى كَلَام بالاستماع والتدبر والفهم فَإِذا اجْتمع هم الْقُرَّاء وَحضر زكتْ أذهانهم وَإِذا زكتْ قويت على طلب الْفَهم واستبانت الْيَقِين وصفت للذّكر
стр. 4
الْقسم الثَّانِي
فِي فقه الْقُرْآن
يَنْبَغِي لتالي الْقُرْآن أَن يعرف ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه وعامه وخاصه ومقدمه ومؤخره وموصوله ومفصوله وغريبه وَمَا لَا يعرف مَعْنَاهُ إِلَّا باللغة أَو بِالسنةِ أَو بِالْإِجْمَاع قَالَ ابْن عَبَّاس أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أوجه حَلَال وَحرَام وَلَا يسع جَهله وَتَفْسِير يُعلمهُ الْعلمَاء وعربية تعرفها الْعَرَب وَتَأْويل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله
الْقسم الثَّالِث
مَا يجوز فِيهِ النّسخ وَمَا لَا يجوز فِيهِ ذَلِك
بعد أَن ذكر أَن فِي الْقُرْآن نَاسِخا ومنسوخا وَرَأى أَن على قَارِئ الْقُرْآن المتدبر لَهُ معرفَة ذَلِك قَالَ إِن فِي الْقُرْآن مَعْنيين لَا يجوز فيهمَا النّسخ وَمن دَان بِأَنَّهُ يجوز فيهمَا النّسخ فقد كفر
١ - صِفَات الله وأسماؤه
فَلَا يحل لأحد أَن يعْتَقد أَن مدح الله جلّ شَأْنه وَلَا صِفَاته وَلَا أسماؤه يجوز أَن ينْسَخ جلّ وَعز وصف نَفسه بصفاته الْكَامِلَة فَمن أجَاز النّسخ فِيهَا أجَاز أَن يُبدل أسماءه الْحسنى فيبدلها قبيحة وَصِفَاته الْعليا فَتكون دنية نَاقِصَة سفلى ومدحه الظَّاهِر فَتكون مذمومة دنية جلّ وَتَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
٢ - وأخباره تَعَالَى عَمَّا كَانَ وَيكون
لِأَنَّهُ بذلك يكون منصرفا من الصدْق إِلَى الْكَذِب وَمن الْحق إِلَى الْهزْل
стр. 5
واللعب وَإِنَّمَا ينْسَخ أخباره الْكذَّاب أَو الْمخبر بِالظَّنِّ والمحاسبي ينْطَلق من الْمُقدمَة السَّابِقَة ليهاجم طوائف من الشِّيعَة والمعتزلة والحشوية
وَقد سبق أَن أوضحنا أَن الْقرن الأول من عصور الدولة العباسية ساده صراع عنيف بَين الْمُعْتَزلَة والشيعة من جَانب والمحدثين من جَانب آخر وتطرف كل من الْفَرِيقَيْنِ فِي موقفه فَكَانَ كتاب المحاسبي هَذَا لإعادة الْأَمر إِلَى نصابه بَعيدا عَن الغالين والمقصرين المفرطين والمفرطين وَقد رأى المحاسبي أَن القَوْل بالنسخ فِي الْأَخْبَار وَالْأَخْذ بالمتشابه فِي صِفَات الله يُؤَدِّي إِلَى نتائج لَيست من الْإِسْلَام فِي شَيْء
البدوات وحدوث الارادات
إِن النّسخ فِي الْأَخْبَار يُوجب بالْخبر الثَّانِي الْكَذِب فِي الْخَبَر الأول كَمَا يلْزم مِنْهُ البداء والبداء من الْجَهْل وَذُو البدوات جَاهِل بِمَا يكون فِيمَا يسْتَقْبل وَالله يَقُول لَا تَبْدِيل لكلماته وَقد أول بعض من يَدعِي السّنة وَبَعض أهل الْبدع ذَلِك على الْحُدُوث فَأَما من ادّعى السّنة فَأَرَادَ إِثْبَات الْقدر فَقَالَ إِرَادَة الله أحدث من تَقْدِيره فتقديره سَابق لإرادته
وَأما أهل الْبدع فزعموا أَن إِرَادَة الله بهَا كَون الْمَخْلُوق فَزَعَمت أَن الْخلق غير الْمَخْلُوق وَأَن الْخلق هُوَ الْإِرَادَة
وَيرد عَلَيْهِم المحاسبي ردا هُوَ رد الأشاعرة وَالْغَزالِيّ فِيمَا بعد أَن الْعلم هُوَ انكشاف الْمَعْلُوم على مَا هُوَ عَلَيْهِ مَاضِيا وحاضرا ومستقبلا والإرادة تَخْصِيص لزمان وُقُوع الْفِعْل وَأما قَوْله ﴿إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ وَقَوله ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ فَإِنَّهُ لم يزل يُرِيد قبل أَن يحدث الشَّيْء أَن يحدثه فِي وَقت إحداثه فَلم يزل يُرِيد إحداثه فِي الْوَقْت الْمُؤخر فَإِذا جَاءَ الْوَقْت فَهُوَ أَيْضا يُرِيد أَن يحدثه فِيهِ فبإرادته أحدثه فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي فِيهِ أحدثه فإرادته دائمة لِأَنَّهُ مُرِيد قبل
стр. 6
الْوَقْت وَفِي الْوَقْت الَّذِي أحدثه فِيهِ فَأَرَادَ بقوله ﴿إِذا أردناه﴾ إِذا جَاءَ الْوَقْت الَّذِي هُوَ فِيهِ وَهُوَ لَهُ قبل فِي الْوَقْت مُرِيد فأوقع إِذا على الْإِرَادَة وَإِنَّمَا أَرَادَ الْوَقْت وَهُوَ مُرِيد لَهُ أَيْضا فِي الْوَقْت وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة يَعْنِي الْوَقْت الَّذِي أردناه من قبل إِذا جَاءَ الْوَقْت أهلكناه فِيهِ لَا على البدء مِنْهُ بِإِرَادَة أُخْرَى
السّمع وَالْبَصَر
وَكَذَا السّمع وَالْبَصَر مَعْنَاهُمَا انكشاف المسموع والمبصر على مَا هما عَلَيْهِ لَا بِآلَة وَالْمرَاد من مثل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ أَن المسموع والمبصر لم يخف على أَن أدْركهُ سمعا وبصرا لَا بالحوادث فِي الله وَمن ذهب إِلَى أَنه يحدث لَهُ اسْتِمَاع مَعَ حُدُوث المسموع وإبصار مَعَ حُدُوث المبصر فقد ادّعى على الله مَا لم يقل
الْعُلُوّ
والْحَارث سلفي فِي مَسْأَلَة الْعُلُوّ والعرشية فَهُوَ يَقُول أَنه تَعَالَى على عَرْشه بَائِن عَن خلقه وَيرد على أُولَئِكَ الَّذِي يَقُولُونَ أَنه تَعَالَى فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ وهم الْجَهْمِية وَأهل الْحُلُول من المتصوفة وَقد عاصر الْحَارِث المنزهة المخطئين كَمَا عاصر جمَاعَة من الحلولية مِنْهُم أَبُو حَمْزَة الصُّوفِي الَّذِي كَانَ لَهُ وقائع مَعَه أما مَا ورد فِي الْقُرْآن من مثل قَوْله تَعَالَى ﴿مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَغَيرهَا فَذَلِك مَوْجُود فِي اللُّغَة إِذْ يَقُول
стр. 7
الْقَائِل من بخراسان فَيُقَال ابْن طَاهِر وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع فَجَائِز أَن يُقَال أَمِير فِي خُرَاسَان فَيكون أَمِيرا فِي بَلخ وسمرقند وكل مدنها هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع وَاحِد يخفى عَلَيْهِ مَا وَرَاء بَيته وَلَو كَانَ على ظَاهر اللَّفْظ مَا جَازَ أَن يُقَال أَمِير فِي الْبَلَد الَّذِي هُوَ فِيهِ وَلَا فِي بَيته كُله وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع مِنْهُ لَو كَانَ معنى هَذَا الْكَوْن فَكيف العالي فَوق كل شَيْء وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من الْأَشْيَاء يدبره فَهُوَ إِلَه أهل السَّمَاء وإله الأَرْض
الحشوية والنسخ فِي الْأَخْبَار
وَافق الحشوية بعض الروافض فِي القَوْل بنسخ الْأَخْبَار دون أَن يقصدوا إِلَى ذَلِك فَقَالَ الْكَلْبِيّ أَنه لما نزلت ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ نسخهَا بقوله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ وَمعنى ذَلِك أَن لَو لم يكن نسخهَا أَن الله قَالَ ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ أَنه أَرَادَ بِهِ أَن يعذب عُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَة والمسيح فَأوجب عَلَيْهِم الْعَذَاب ثمَّ نسخ ذَلِك بعد مَا أوجبه كَمَا أوجب قيام اللَّيْل ثمَّ نسخه ومعاذ الله أَن يكون الله أَرَادَ وَأحب تَعْذِيب أوليائه من الْمَلَائِكَة وَلَا الْمَسِيح وَلَا عُزَيْر وَقد تقدّمت فيهم أَخْبَار من الله بِالْولَايَةِ قبل أَن ينزل آيَة الْعَذَاب فَلَمَّا نزلت أَيَّة الْعَذَاب لم يرد بهَا من تقدم مِنْهُ القَوْل بولايتهم وَإِنَّمَا أَرَادَ من عبدُوا سوى أوليائه وَكَانَ خَبرا خَاصّا لَا عَاما
ثمَّ ذكر أَمْثِلَة أُخْرَى من الْأَخْبَار الَّتِي ظَاهرهَا الْعُمُوم وَهِي خَاصَّة فِي طَائِفَة مُعينَة أَو وَاقعَة مُعينَة
أَيْن يجوز النّسخ
فالناسخ والمنسوخ لَا يجوز أَن يَكُونَا إِلَّا فِي الْأَحْكَام فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَالْحُدُود والعقوبات فِي أَحْكَام الدُّنْيَا
стр. 8
وَلَا يَعْنِي ذَلِك البداء أَو التَّنَاقُض وَلكنه أَمر بِأَمْر وَحكم بِحكم وَهُوَ يُرِيد أَن يُوجِبهُ إِلَى وَقت وَيُرِيد أَن يَأْمر بِتَرْكِهِ بعد ذَلِك الْوَقْت فَلم يزل مرِيدا للْفِعْل الأول إِلَى الْوَقْت الَّذِي أَرَادَ نسخه وإيجاد بدله وَلَا ينْسَخ أمره وَلَكِن ينْسَخ الْمَأْمُور بِهِ بمأمور آخر وَذَلِكَ مَوْجُود بَين الْعباد على تقدم الْإِرَادَة مِنْهُم فِيمَا أمروا بِهِ أَولا ثمَّ نهوا عَنهُ وَأمرُوا بِغَيْرِهِ من غير بَدو وَلَا جهل وَذَلِكَ كَأَن يَأْمر الرجل غُلَامه ليعْمَل فِي أرضه وَهُوَ يُرِيد أَن يعْمل فِيهَا وَقت الزِّرَاعَة ثمَّ يصرفهُ بعد ذَلِك إِلَى خدمته فِي منزله وَكِلَاهُمَا قد تقدّمت بِهِ الْإِرَادَة مِنْهُ
ثمَّ ذكر أَن الْمُعْتَزلَة رغم ضلالهم وافقوا أهل السّنة فِي امْتنَاع نسخ الْأَخْبَار وَجَوَاز نسخ الْأَحْكَام لكِنهمْ أفضوا من هَذِه الْمُقدمَة السليمة إِلَى نتيجة فَاسِدَة هِيَ
القَوْل بِخلق الْقُرْآن
وَلَهُم على ذَلِك حجتان
أَن كَلَام الله مَخْلُوق لِأَنَّهُ ينْسَخ كَلَامه بِكَلَامِهِ فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَلَو لم يكن مخلوقا مَا جَازَ عَلَيْهِ النّسخ وَلَا التبديل
وَقد رد عَلَيْهِم الْحَارِث بِأَن هَذَا التَّفْسِير مِنْهُم للنسخ تمحل وَجَهل بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيّ إِذْ أَن الله لم ينْسَخ كَلَامه وَإِنَّمَا نسخ مَأْمُورا بِهِ بمأمور بِهِ فأبدل أَحدهمَا مَكَان الآخر وَكِلَاهُمَا كَلَامه وَإِنَّمَا ينْسَخ كَلَامه الأول بِكَلَام مِنْهُ ثَان الْكَاذِب الرَّاجِع عَمَّا قَالَ فَأَما إِذا كَانَا جَمِيعًا مِنْهُ حق وَصدق فَلَا نسخ إِلَّا فِي الْمَأْمُور وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿لَا مبدل لكلماته﴾ وَيَقُول ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ فَدلَّ الله بذلك أَن فِي تبدل كَلَام الله إِيجَاب الْكَذِب وَالله لَا يُبدل كَلَامه وَلَا ينْسَخ قَوْله وَإِنَّمَا ينْسَخ فَرْضه بِفَرْض آخر
стр. 9
ب ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَقَالُوا مَا جَازَ فِيهِ أَن يكون بعضه خيرا من بعض فَهُوَ مَخْلُوق لِأَنَّهُ إِذا كَانَ شَيْء هُوَ خير من شَيْء فقد فَضله وَالْآخر مَنْقُوص وَقَالَ أَو مثلهَا وَمَا كَانَ لَهُ فَهُوَ مَخْلُوق لِأَن الْمثل يشْتَبه بِمثلِهِ وَمَا جَازَ أَن يَأْتِي بِهِ الله فيحدثه فَهُوَ مَخْلُوق وكل مَخْلُوق فَمثله مَخْلُوق لِأَن حكم الْمثل حكم مثله وجهلوا التَّأْوِيل إِنَّمَا قَوْله جلّ وَعز ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ بِخَير مَأْمُور بِهِ خير مِنْهَا لَا يَعْنِي خيرا من التَّوْحِيد وَإِنَّمَا يَعْنِي لَهُ فِيهَا خير كَمَا يُقَال الدَّرَاهِم خير من المَال لَا يُرِيد أفضل من المَال وَإِنَّمَا يَعْنِي لَهُ فِيهَا خير أَي يُرِيد الدَّرَاهِم من المَال خير وَمن زعم أَن كَلَامه فِي ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ خير من قَوْله ﴿يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا﴾ كَانَ كَافِرًا بِاللَّه إِذْ ازدرى كَلَام الله وَزعم أَنه مَنْقُوص دني
الْقسم الرَّابِع مَعَ الْمُعْتَزلَة دفاع والتزامات
دَعْوَى الْمُعْتَزلَة
وَقد ادّعى علينا بعض أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة أَنا نزعم أَن الله ينْسَخ أخباره وَصِفَاته فَقَالُوا أَن الله أخبر أَنه يعذب الْقَاتِل وَالزَّانِي وشارب الْخمر وآكل مَال الْيَتِيم ظلما وَلم يسْتَثْن مِنْهُم أحدا فزعمتم أَنه جَائِز أَن يغْفر الله لبَعض أهل الْكَبَائِر وَأَنه لَا يغْفر لبَعْضهِم
ويصل الْأَمر إِلَى الصِّفَات فَيَقُول الْمُعْتَزلَة زعمتم أَن الله جلّ وَعز امتدح بِأَن الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ ثمَّ زعمتم أَن هَذِه المدحة تبدل فِي الْآخِرَة فتراه الْعُيُون وَهَذَا نسخ الْمَدْح لِأَنَّهُ امتدح بِأَن الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ وَلم يسْتَثْن فزعمتم أَنه تُدْرِكهُ فِي الْآخِرَة نظرا
стр. 10
وَلَو جَازَ أَن يغْفر الله لأهل الْكَبَائِر لجَاز أَن يغْفر للْكفَّار لِأَنَّهُ كَذَلِك قَالَ ﴿وَإِنِّي أعذبهم﴾
وَيرد الإِمَام المحاسبي عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أبعدوا فِي الْقيَاس وَإِنَّمَا أَتَوا من قبل الْجَهْل بخطاب الله وتأويله وغفلتهم عَن عُلُوم الْقُرْآن فأخبار الله ومدحه لَا تنسخ لَكِن من الْأَخْبَار عَاما وخاصا وان اتّفق ظَاهر تلاوتها فِي الْعُمُوم فَهُوَ مُخْتَلف فِي مَعَاني الْعُمُوم وَالْخُصُوص
فِي الْوَعْد والوعيد
فَأَما مَا ادعوا علينا فِي الْوَعيد فَهَذِهِ دَعْوَى بَاطِل إِذْ أَن الله جلّ عز أوجب لأهل الْكَبَائِر الْعَذَاب وَهُوَ يُرِيد أَن ذَلِك عَلَيْهِم وَأَنَّهُمْ لَهُ مستحقون وَلم يرد أَن يعذبهم أَجْمَعِينَ فَإِن أَرَادَ أَن يعذب بعض من اسْتوْجبَ فيعذبه بعدله وَيَعْفُو عَن بعض من وَجب عَلَيْهِ بفضله وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فأيسنا من عَفوه عَن الْمُشْركين ورجونا عَفوه عَن بعض أَصْحَاب الْكَبَائِر دونما تعْيين
وَرَأى المحاسبي بعد هَذَا أَن الْمُعْتَزلَة يُمكن أَن يلجأوا إِلَى ظواهر الْآيَات مَعَ أَنهم هم متطرفة المؤولة فتتبعهم فِي ذَلِك وسد عَلَيْهِم الطَّرِيق بحجج من كَلَامهم نَفسه وألزمهم عدَّة الزامات
الزام الْمُعْتَزلَة
يُوجب الْمُعْتَزلَة على الله عِقَاب الْكفَّار وَأَصْحَاب الْمعاصِي كَمَا يوجبون الْمَغْفِرَة لأَصْحَاب الصَّغَائِر غير المصرين وَهَذَا الْإِيجَاب يرى فِيهِ المحاسبي خُرُوجًا على الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة ويرتب عَلَيْهِ عدَّة نتائج
أامتناع الْخَوْف والرجاء
إِذْ أَن مرتكب الْكَبِيرَة مستيقن أَنه فِي النَّار ومجتنبها مستيقن أَنه
стр. 11
فِي الْجنَّة إِذا خَافَ أَحدهمَا أَو رجا يكون شاكا فِي وعد الله ووعيده فيكفر والموحدون لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون مجتنبا للكبائر أَو مصرا على بعض الْكَبَائِر أَو دون ذَلِك أَو كِلَاهُمَا فَحَرَام عَلَيْهِم على قَوْلكُم الْخَوْف والرجاء لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أحد مِنْهُم من أَن يكون من إِحْدَى المنزلتين وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأَوَّلين والآخرين
ب امْتنَاع الْعَفو
وَكَذَلِكَ الْعَفو فِي الْآخِرَة لَا يجوز أَن يكون من الله جلّ ذكره على مذهبكم لِأَنَّهُ لَا يلقى الله إِلَّا صَاحب كَبِيرَة قد أوجب فِي الدُّنْيَا أَلا يعْفُو عَنهُ وَذَلِكَ عنْدكُمْ إِن اعتقده لِأَن الله جلّ ذكره قد آيسه من ذَلِك أَو صَاحب صَغِيرَة غير مصر على كَبِيرَة يعد مجتنبا للكبائر كلهَا فقد عفى الله عَنهُ فِي الدُّنْيَا وَقد مَاتَ يَوْم مَاتَ وَهُوَ مغْفُور لَهُ من أهل الْجنَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى الْعَفو والصفح وَهَذَا الْخُرُوج من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْقُرُون من الْأَوَّلين والأخرين إمتناع شَفَاعَة النَّبِي ﷺ
لِأَن صَاحب الْكَبِيرَة معذب لَا محَالة فَلَا يَسْتَطِيع الرَّسُول ﷺ أَن يشفع لَهُ وَلَا تغني عَنهُ شَفَاعَته شَيْئا والمجتنب للكبائر مثاب لَا محَالة فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى الشَّفَاعَة وَهَذَا رد للآراء المستفيضة عَن النَّبِي ﷺ وَالْأمة كلهَا جاهلها وعالمها كلهم يرجون شَفَاعَة النَّبِي ﷺ
الْقسم الْخَامِس
فِي ذكر النَّاسِخ والمنسوخ من الْأَحْكَام
بَعْدَمَا خَاضَ المحاسبي معركة مَعَ المشبهة والمعتزلة وَالرَّوَافِض حول
стр. 12
النَّاسِخ والمنسوخ وَالْعَام وَالْخَاص فِي الْقُرْآن أَرَادَ أَن يرسم الطَّرِيق الصَّحِيح الَّذِي يَنْبَغِي أَن يتبع فِي فهم الْقُرْآن وَمَعْرِفَة مَعَانِيه فعقد هَذَا الْبَاب للناسخ والمنسوخ ثمَّ عرض بعد ذَلِك لدقائق ولطائف فِي التَّفْسِير
بَدَأَ المحاسبي هَذَا الْقسم بتقسيم الْقُرْآن إِلَى مكي ومدني ليعرف الْمُتَقَدّم من الْمُتَأَخر وَهُوَ الْأَمر الْقَاطِع فِي معرفَة النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ وَبعد أَن عدد أراء الْعلمَاء فِي عدد السُّور المكية والمدنية عرض لمميزات كل من الْمَكِّيّ وَالْمَدَنِي بإيجاز ثمَّ تحدث فِي النَّاسِخ والمنسوخ فَقَسمهُ إِلَى خَمْسَة عشر بَابا
١ - مَا رفع رسمه من الْكتاب وَلم يرفع حفظه من الْقُلُوب فَأثْبت حكمه بِسنة النَّبِي ﷺ كآية الرَّجْم وَغَيرهَا
٢ - مَا رفع حكمه من الْآيَة بِآيَة أُخْرَى وَبَقِي رسمه ثَابتا فِي كتاب الله مِنْهُ ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ﴾ الْآيَة
٣ - أَن يرفع رسمه من الْكتاب وَيرْفَع حفظه من الْقُلُوب وَحكمه حَدثنَا الْقَاسِم بن سَلام قَالَ حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن لَيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أبي أَمَامه أَن رجلا كَانَت مَعَه سُورَة فَقَامَ يقْرَأ من اللَّيْل فَلم يقدر عَلَيْهَا وَقَامَ آخر يقْرؤهَا فَلم يقدر عَلَيْهَا فَقَالَ النَّبِي ﵇ إِنَّهَا نسخت البارحة
٤ - أَن يرفع رسمه من الْكتاب وَيبقى حفظه فِي الْقُلُوب وَيرْفَع حكمه من ذَلِك مَا رَوَت عَائِشَة أَنه كَانَ فِيمَا أنزل الله أَلا يحرم إِلَّا عشر رَضعَات وَالْأمة مجمعة على أَن حكم الْعشْر رَضعَات غير لَازم فِي الْكتاب وَالسّنة وَإِنَّمَا اخْتلف الْعلمَاء فِي رضعة أَو خمس رَضعَات وَلم يقل أحد مَا فَوق الْخَمْسَة
٥ - أَن يرفع الرَّسْم وَيرْفَع الحكم لعِلَّة فانقضت تِلْكَ الْعلَّة وَذَلِكَ كَقَوْلِه ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾
стр. 13
٦ - أَن يفعل النَّبِي ﷺ أَو يَأْمر أمته بِفعل لَيْسَ بِنَصّ كتاب الله فينسخه الله بِحكم أنزلهُ فِي كِتَابه فَيثبت الحكم فِي الْكتاب من ذَلِك نسخ الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَنَهْيه عَن الاسْتِغْفَار لِعَمِّهِ
٧ - أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْآيَتَيْنِ ناسخة إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى أم غير ناسخة وَإِن أَجمعُوا أَن يستعملوا الَّتِي اخْتلفُوا فِيهَا أمنسوخة أم لَا على التَّجَوُّز وَالِاحْتِيَاط لَا على الْقطع من ذَلِك قَوْله ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ ثمَّ قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ فَقَالَ عَليّ وَعُثْمَان أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما أُخْرَى
٨ - أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْآيَتَيْنِ أناسخة إِحْدَاهمَا أم لَا ويجمعوا على إِثْبَات حكمهَا فِي مَعْنيين مُخْتَلفين من ذَلِك ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا﴾ لَا تخَافت عَن أَصْحَابك فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يَأْخُذُوا عَنْك وَلَا تجْهر حَتَّى لَا يسب الْمُشْركُونَ الْقُرْآن وَكَانَ ذَلِك بِمَكَّة
٩ - أَن أَصْحَاب مُحَمَّد ﵇ اخْتلفُوا فِي آيَتَيْنِ هَل نسخت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى وحكمهما جَمِيعًا ثابتان ثمَّ أَجمعت الْعلمَاء بعد عصرهم من التَّابِعين وَمن بعدهمْ أخذا عَن سنة النَّبِي ﵇ أَن إِحْدَاهمَا نسخت الْأُخْرَى وَأَنَّهَا معدلة لبَعض حكمهَا من ذَلِك قَوْله ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَقَوله ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ فَاخْتلف الصَّحَابَة فَقَالَ ابْن مَسْعُود إِن سُورَة النِّسَاء الْقصرى أنزلت بعد وَقَالَ غَيره تربص آخر الْأَجَليْنِ وَالْأمة مجمعة الْيَوْم أَن الْآيَة فِي الْحَامِل قد ثَبت حكمهَا وَأَنَّهَا لَا تَتَرَبَّص آخر الْأَجَليْنِ وَذَلِكَ أَنه ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر سبيعة أَن تتَزَوَّج بعد وَفَاة زَوجهَا بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا
١٠ - أَن يجمع الْعلمَاء على نسخ آيَة ثمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الناسخة مَاذَا أوجبت من الحكم فيجمعوا على حكم أَنَّهَا أوجبته وَنسخت مَا قبله ويختلفون فِي غَيره أثبت بالناسخة أم لَا
стр. 14
١١ - أَن يخْتَلف الصَّدْر الأول من أَصْحَاب النَّبِي (ص) فِي الْآيَتَيْنِ أَنْسَخْت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى أم لم تنسخها ثمَّ يجمع الْعلمَاء على أَن إِحْدَاهمَا هِيَ المحكمة من ذَلِك الْآيَتَانِ ﴿والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات﴾
١٢ - أَن تخْتَلف الْأمة فِي الْآيَة أَولهَا وَآخِرهَا فِي آيَتَيْنِ هَل نسخت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى ثمَّ لَا يجمعُونَ على وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ من ذَلِك قَوْله جلّ وَعز من قَائِل فِي أهل الذِّمَّة ﴿فَإِن جاؤوك فاحكم بَينهم أَو أعرض﴾
١٣ - الَّذِي أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة أَنه نَاسخ فمنسوخ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك
١٤ - أَن يخْتَلف الْعلمَاء فِي نسخ آيَة أَو عَدمه بِنَاء على الِاخْتِلَاف فِي تَفْسِيرهَا من ذَلِك ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ فَأَجْمعُوا أَنه أسقط الْفسق بِالتَّوْبَةِ فَقَالَ بَعضهم نسخه وَقَالَ بَعضهم لم يردهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ من لم يتب فَقَالَ بَعضهم لم يرد التائب فِي ترك الْقبُول الشَّهَادَة ثمَّ اخْتلفُوا فِي الشَّهَادَة
١٥ - مَا اخْتلفُوا أَنه مَنْسُوخ وَلَا يجوز عِنْد أهل النّظر أَن يكون فِي الْكتاب وَالسّنة من ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ وَقد سبق أَن ذكرنَا رَأْي الْحَارِث فِيمَا ذكره الْكَلْبِيّ حول نسخ هَذِه الْآيَة
ويلاحظ أَن أَكثر مَا ذكره الْحَارِث مِمَّا اخْتلف فِيهِ يُمكن إرجاعه إِلَى نوع وَاحِد وَتبقى أَنْوَاع ثَلَاثَة مَنْسُوخ حكما وتلاوة ومنسوخ حكما ثَابت تِلَاوَة ومنسوخ تِلَاوَة ثَابت حكما
стр. 15
الْقسم السَّادِس
من أساليب الْقُرْآن
وأفضى بالمحاسبي الحَدِيث إِلَى تنَاول بعض جَوَانِب التَّفْسِير مِمَّا يتَّصل بالنحو والبلاغة وَلَا شكّ أَن هَذَا أثر من آثَار بيئته الثقافية سِيمَا وَأَن من أساتذته أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام صَاحب كتاب غَرِيب الحَدِيث الَّذِي يعرض لموضوعات مشابهة والمخطوط نَاقص من آخِره سطورا أَو صفحات والأمور الَّتِي نبه إِلَيْهَا الْحَارِث الناظرين فِي الْقُرْآن بعد حَدِيثه المسهب فِي النَّاسِخ والمنسوخ هِيَ
التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
لِأَن الْعَرَب قد كَانَت تفعل ذَلِك فِي تراجعها بَينهَا ومخاطبتها قبل أَن ينزل الْكتاب على نبيه ﵇ من ذَلِك قَوْله ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ وَلَا شكّ أَن النّذر مُقَدّمَة على الْعَذَاب فِي الْوَاقِع وَقَوله ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ فَبَدَأَ بِالْوَصِيَّةِ وَسنة النَّبِي ﷺ البدء بِالدّينِ وَقَوله لَهُم غرف من فَوْقهم غرف مقدم ومؤخر وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَهُم غرف مَبْنِيَّة من فَوْقهَا غرف كَذَلِك وَكَذَلِكَ فَسرهَا أهل التَّفْسِير
الْإِضْمَار
من ذَلِك قَوْله ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ وَإِنَّمَا هُوَ حب الْعجل وَقَوله ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة واسأل ﴿العير﴾ أَي أَصْحَاب العير وَقَوله ﴿يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ وَمَعْنَاهُ ونقول ذوقوا
الْحُرُوف الزوائدة
من ذَلِك ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَلَا زَائِدَة وَقَوله ﴿خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ﴾
стр. 16
من زَائِدَة وَقَوله ﴿إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة﴾ مَا زَائِدَة وَهِي توكيد وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن يضْرب مثلا بعوضة فَزَاد قَوْله مَا توكيدا
الْفَصْل والوصل
وَفصل الْكَلِمَة عَن الْكَلِمَة إِذا انْفَرَدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِمَعْنى هُوَ الْمَعْنى الَّذِي فِي الْأُخْرَى وَكَانَ لَا يتم الْمَعْنى إِلَّا بتواصلهما جَمِيعًا فَهُوَ موصل ومفصل من هَذِه الْجِهَة وَهُوَ مفصل من معنى آخر إِن الله جلّ ذكره بَينه كُله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فصلناه تَفْصِيلًا﴾ وَقَالَ عز من قَائِل ﴿أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت﴾
وَمن الْفَصْل فصل يكون كفرا كالوقوف عِنْد لَا إِلَه من لَا إِلَه إِلَّا الله وَمن الْوَصْل وصل يكون خطأ وعَلى قَارِئ الْقُرْآن أَن يُرَاعِي ذَلِك كُله
وواضح كَمَا قُلْنَا أثر كتاب الْمجَاز لأبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَأثر شَيْخه أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام
стр. 17
= كتاب فهم الْقُرْآن ومعانيه
стр. 18
فهم الْقُرْآن
لأبي عبد الله الْحَارِث بن أَسد المحاسبي
فِي تَنْزِيه الله
عونك اللَّهُمَّ
الْحَمد لله الَّذِي مَا سبقه شَيْء فَيكون مُحدثا مخلوقا وَلَا بَقِي إِلَى أجل فَيكون فانيا موروثا
الأول الْقَدِيم الدايم الْكَرِيم فَاتَ الْمِقْدَار وَعلا عَن توهم الأذهان
تاهت الْأَلْبَاب عَن تكييفه وتحيرت الْعُقُول عَن إِدْرَاكه تفرد بِعلم الغيوب فَعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون
стр. 19
خلق الْخلق لغير وَحْشَة فِي انْفِرَاد أزليته وَلَا استعانة بهم على مَا يُرِيد من تَدْبيره
لَكِن أَرَادَ أَن ينشر رَحمته ويمن بفضله ويستخلص من يَشَاء من بريته فابتدأ آثَار الْقُدْرَة وَأحكم الصنع وأتقن التَّدْبِير وابتدأ بالطول وَبعد بالمن فَعم بِهِ عباده عدلا وأوسعهم فضلا فَلهُ الْحَمد وَالثنَاء شكرا
لم يخلق خلقه عَبَثا وَلَا تَركهم سدى وَلَكِن أَرَادَ أَن يتعرف إِلَى عباده بآياته الْبَيِّنَة ودلايله الْوَاضِحَة ليؤدوا وَاجِب حَقه ويجتنبوا مساخطه لغير حَاجَة إِلَى طاعتهم وَلَكِن ليستحق الثَّوَاب من أناب وَأجَاب وَيسْتَحق الْعقَاب من جحد وارتاب
فاستخص آدم وَذريته فَأخذ مِنْهُم الْمِيثَاق بِمَا فطرهم عَلَيْهِ من الْعُقُول الرضية والألباب والفهم ليدبروا بهَا شَوَاهِد التَّدْبِير وَأَحْكَام التَّقْدِير فألزمهم بذلك حجَّة من عُقُولهمْ بِمَا شاهدوا من إنشائه وإتقان صنعه فِي أنفسهم وَفِي جَمِيع خلقه ثمَّ أكد الْحجَّة عَلَيْهِم بإرسال الرُّسُل إِلَيْهِم فنبههم على النّظر بِمَا
стр. 20
شاهدوا من الْآيَات الظَّاهِرَة والدلايل الْبَيِّنَة لم يظْهر لَهُم سُبْحَانَهُ بِنَفسِهِ فيبدي لَهُم عَظمته ويخاطبهم دون رسله
وَلم تكن الرُّسُل لتعرف صِفَاته وَلَا مَا يحب وَيكرهُ فيعلموا غيبه كَمَا علم غيوبهم فَيَكُونُوا أَرْبَابًا مثله جلّ وَعلا عَن ذَلِك وَتَعَالَى وَلم يَكُونُوا ليعرفوا صِفَاته وَلَا مَا فِي نَفسه مِمَّا يحب وَيكرهُ وَمَا يُرِيد أَن يكرم بِهِ من أطاعه وَلَا مَا يهين بِهِ من عَصَاهُ أبدا
ثمَّ تكلم بذلك تكليما بِذَاتِهِ فأكد عَلَيْهِم الْحجَّة بِكَلَامِهِ وَاخْتَارَ إرْسَال الْأَنْبِيَاء من عباده فأرسلهم بِكَلَامِهِ وَوصف لَهُم صِفَاته الْكَامِلَة وأسماءه الْحسنى وَمَا يرضى بِهِ من الْمقَال والفعال وَمَا يسخطه من الْأَعْمَال وَمَا أعد لمن أطاعه من الثَّوَاب الجزيل والعيش السَّلِيم وَالنَّعِيم الْمُقِيم وَمَا أعد لأعدائه من أَلِيم الْعَذَاب وشديد الْعقَاب فِي الْيَوْم الَّذِي يعرض فِيهِ عباده وَيُحَاسب خلقه بأهواله وزلازله فَأرْسل بذلك الْأُمَنَاء من رسله فَقطع بهم الْعذر وأزاح بهم الْعِلَل وَقَالَ جلّ من قَائِل ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَقَالَ
стр. 21
﴿أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير فقد جَاءَكُم بشير ونذير وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ثمَّ أخبر عباده أَنه وَجه إِلَيْهِم النّذر بِكَلَامِهِ وَقَوله فَقَالَ ﴿وَمن أصدق من الله قيلا﴾
وَقَالَ ﴿لَا مبدل لكلماته﴾
فِي الْعقل
وَأَنه خاطبهم بِهِ من قبل ألبابهم فَقَالَ ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب﴾
وَقَالَ ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ و ﴿لقوم يتفكرون﴾ لِأَنَّهُ جعل الْعُقُول معادن الْحِكْمَة ومقتبس الآراء ومستنبط الْفَهم وَمَعْقِل الْعلم وَنور الْأَبْصَار إِلَيْهَا يأوي كل محصول وَبهَا يسْتَدلّ على مَا أخبر بِهِ من علم الغيوب فبها يقدرُونَ الْأَعْمَال قبل كَونهَا ويعرفون عواقبها قبل وجودهَا وعنها تصدر الْجَوَارِح بالفعال بأمرها فَتسَارع إِلَى طاعتها أَو تزجرها
стр. 22
فتمسك عَن مكروهها
فاستخلص من عباده خَالِصَة من خلقه فهمت عَنهُ قَوْله بعقولها فاتسع لَهَا مَا خَفِي عَن الْأَبْصَار
فآمنت بِهِ وَبِمَا غيبته حجب غيوبه من لدن عَرْشه إِلَى مُنْتَهى علمه ثمَّ عارضها هاجس الشَّك فأبته وَذَلِكَ بلطف الْبَصِير وَمَا وَصفه لَهَا وبفضله عَلَيْهَا
فَكَانَ عِنْدهَا مَا أخبر بِهِ عَمَّا غَابَ مِمَّا كَانَ وَمِمَّا هُوَ كَائِن كرأي الْعين فَكَانَت بذلك مصدقة غير مكذبة وَلَا مرتابة
ثمَّ استخص من الْخَالِصَة الأولى خَاصَّة ثَانِيَة من المقرين والمعترفين لَهُ بربوبيته المصدقين بقوله فَعَظمُوا قدره فأجلوه وهابوه واستحيوا مِنْهُ وخافوه وحذروا نقمته وبأسه فتطهروا من كل دنس وبذلوا لَهُ المجهود من قُلُوبهم وأبدانهم ووصفوه بصفاته الْكَامِلَة ونزهوه من كل مَا لَا يَلِيق وأفردوه فِي كل معنى وَلم يساووه بِشَيْء من خلقه
فأفردوه بالمخافة والرهبة والآمال وَالرَّغْبَة والثقة بِهِ وَحسن التَّوَكُّل عَلَيْهِ فأعتقوا من خدمَة الدُّنْيَا أبدانهم
стр. 23
وأفردوا مَوْلَاهُم بالمعاملة بإخلاص النِّيَّة لَهُ بِطَلَب مرضاته وَاجْتنَاب مساخطه وأيقنوا بِمَا وعد وتوعد بِهِ فَكَانَ عِنْدهم كرأي الْعين فخشعوا لذَلِك واستكانوا فدأبوا واجتهدوا فاشتغلوا بِهِ وانقطعوا عَن الْعباد إِلَيْهِ بهمومهم وَلم يكن فيهم فضل لغيره وَلَا تزين لسواه فسلكوا سَبِيل الرشاد بالبصائر النافذة على منهاج الْكتاب وَالسّنة وعلما بِمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَندب إِلَيْهِ وحض عَلَيْهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق وَحسن الْآدَاب فبانوا من عوام الْمُسلمين بِالْفَضْلِ وَالطَّهَارَة فَكَانُوا أَئِمَّة الْهدى وأعلام الْمُتَّقِينَ ومصابيح الْعلم ومفزع كل ملهوف فِي الدّين وطالب لسبيل النجَاة
فأحل عَلَيْهِم عَظِيم رضوانه وَأعد لَهُم جزيل ثَوَابه وَأجر أَعْمَالهم وأعمال المقتدين بهم وَكَانَ لَهُم كأجور أَعمال المتبعين لَهُم مَعَ أجور أَعْمَالهم وَلم وَلم يعطهم الله الْيَقِين بِهِ وَبِمَا قَالَ عَن رُؤْيَة مِنْهُم لرَبهم وَلَا مُعَاينَة مِنْهُم لما وعد وتوعد وَلَكِن عَن الْفَهم بِمَا قَالَ جلّ وَعز فِي كِتَابه بالتذكير والتفكير والتثبيت وَالتَّدْبِير
فرددوا النّظر وأجالوا الْفِكر وكرروا الذّكر
стр. 24
وتدبروا العواقب وطلبوا مَعَاني الدَّلَائِل فطالعوا الغيوب وشاهدوا بقلوبهم الْآخِرَة فصاروا فِي الدُّنْيَا بأبدانهم وَفِي الْآخِرَة بأرواحهم وأجسامهم فِيهَا كعواد وعقولهم معلقَة بالملكوت وَذَلِكَ بِغَيْر ابْتِدَاء مِنْهُم اجتنبوه وَلَا نالوه وَلَكِن بتفضل الله جلّ وَعز عَلَيْهِم وتعبده إيَّاهُم
فأقامنا الله وَإِيَّاك مقامهم وأسلكنا وَإِيَّاك سبيلهم حَتَّى يلحقنا بمنازلهم ويرافق بَيْننَا وَبينهمْ فِي جواره فَإِنَّهُم أَعقل خلق الله جلّ وَعز عَنهُ لما فَهموا من كَلَامه وتدبروا مَعَاني قَوْله وَبِذَلِك أَمنهم وَرَضي عَنْهُم وَأثْنى عَلَيْهِم وَرفع بِهِ قدرهم لأَنهم فَهموا مِنْهُ مَا أخْبرهُم عَنهُ بِكَلَامِهِ الَّذِي أنزلهُ فِي كِتَابه إِذْ يَقُول جلّ وَعز ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾
فَلَمَّا عقلوا ذَلِك عَن رَبهم ابْتَغوا مِنْهُ الشِّفَاء وَالْهدى وَالرَّحْمَة فداووا بِهِ قساوة قُلُوبهم وغسلوا بِهِ درن ذنوبهم وَوَضَعُوا دواءه على أدواء قُلُوبهم وَنَفَوْا بِهِ سوء النيات من ضمائرهم وأزالوا بِهِ وحر صُدُورهمْ ونظروا ببصائرهم إِلَى مَا يشبه الشُّبُهَات
стр. 25
من سوء الدلايل ومكايد الشَّيْطَان وزخرف المبطلين وكشفوا بمنار دلايله مَا وارته الظُّلُمَات وَغَطَّتْهُ الشَّهَوَات من خفيات الغيوب ومعالم الطَّرِيق الْمَضْرُوب على المحاج الواضحات والبرهان النير فنظروا بِنور هِدَايَة كَلَام الرب جلّ ذكره وواضح دلايله إِلَى مَا خَفِي عَن الغافلين المؤثرين لأهوائهم على استيضاح كتاب رَبهم جلّ مَوْلَانَا وَتَعَالَى فهتكوا بنوره حجاب كل ظلمَة وكشفوا بتبيانه غطاء كل ضَلَالَة وبدعة لِأَنَّهُ الدَّلِيل الْوَاضِح والصراط الْمُسْتَقيم الَّذِي جعله الله للنَّاس إِمَامًا وَرَضي بِهِ بَينهم حَاكما فأماتوا عِنْده كل شَهْوَة وانبعثوا بتأمله إِلَى كل رَغْبَة وحنوا بتشويقه إِلَى جوَار الْمولى الْكَرِيم وصبروا لأحكامه فِي كل عسر وَيسر وتأدبوا بأدبه فِي كل أَقْوَالهم وتزينوا بأخلاقه فِي كل أُمُورهم فصاروا للْقِيَام بِهِ وللمتعبدين أعلاما يرجع الحائرون عَن الْحق إِلَى سبيلهم ويتأدبون بمكارم أَخْلَاقهم ويتزينون بزينة هديهم ويستضيئون بِنور هدايتهم ٨٥ ويدينون بِمَا ألزموا من برهَان حجَّته فارغب إِلَى الله فِي طلب آثَارهم وسلوك طريقهم
стр. 26
الْقسم الأول
فَضَائِل الْقُرْآن
فَإِن الْعَاقِل عَن الله بدلائل الْكتاب مستبصر وبحبله من كل هلكة معتصم ولربه بتلاوته فِي الخلوات مناج لِأَنَّهُ بنجاة نَفسه مهتم فَفَزعَ إِلَى فهم كَلَام الرب جلّ وَعز ليحيي بِهِ قلبه وينجو بِهِ من عِقَابه فِي يَوْم ينْدَم فِيهِ الغافلون وينحسر فِيهِ المبطلون فَكفى بِكِتَاب الله عَن غيب الْآخِرَة مخبرا وببصائره للعوام موضحا لِأَن من فهم عَن الله ذاق طعم حلاوته وخالط فهمه لَذَّة مناجاته إِذْ عرف من تحاوره فعقل عَن الله مَا بِهِ خاطبه فاتخذه معَاذًا فسكن إِلَى الله جلّ وَعز وَأنس بِهِ من كل وَحْشَة فَلم يُؤثر شَيْئا عَلَيْهِ فَكَانَ لِلْمُتقين الماضين قبله فِي الدُّنْيَا خلفا وللآخرين المريدين من بعده سلفا فَتدبر الْقُرْآن أَيَّام حَيَاته فَصَارَ الله جلّ وَعز بِهِ مستفيدا لِأَنَّهُ الدَّلِيل الْهَادِي للعباد قبل نزُول الْمحل وحادي المشتاقين إِلَى جوَار الْكَرِيم
стр. 27
فبه نطق الْحُكَمَاء وَبِه أنس المنفردون إِلَى إدمان الْفِكر فِي مَعَانِيه
لَا يضل السالك بِاتِّبَاع دلايله لِأَنَّهُ النُّور الَّذِي استضاء بِهِ الموقنون والغاية الَّتِي يتسابق إِلَيْهَا المتسابقون والمنهج الَّذِي لَا يصل السالك إِلَّا بِاتِّبَاع دلايله وَلَا يعلم لَهُ طَرِيق النجَاة إِلَّا مَعَ الاستضاءة بنوره وَلَا يصاب الْحق إِلَّا فِي مُحكم آيَاته
شَفِيع فِي الْقِيَامَة لمن تقرب إِلَى الله جلّ وَعز برعايته وَحفظ حُدُوده وصبر لله جلّ وَعز على أَحْكَامه وَهُوَ الماحل لمن لم يكن فِي قلبه مِنْهُ إِلَّا حفظ حُرُوفه وَفِي جوارحه مِنْهُ إِلَّا تِلَاوَته
هُوَ القَوْل الَّذِي فصلت آيَاته وَالْفرْقَان الَّذِي يُمَيّز بَين الْحق والأباطيل بشواهد بيناته
حِكْمَة بَالِغَة منزلَة من حَكِيم الْحُكَمَاء وَعَلِيم الْعلمَاء أنزلهُ الله تَعَالَى دَوَاء للقلوب شافيا وَلمن حرم حرَامه وَأحل حَلَاله عَن النَّار عادلا وَلمن حذر مخاوفه فِي مقيل الْجنان نازلا
فَأهل الْعلم بِكَلَام رَبهم هم أهل الصفاء من
стр. 28
الأدناس وَأهل الْخَاصَّة من الله جلّ وَعز الَّذين أشعروا فهمه قُلُوبهم وتدبروا آيَاته عِنْد تِلَاوَته بألبابهم فتزودوا لبعد سفرهم إِلَى معادهم وفهموا مِنْهُ شدَّة إجهادهم يَوْم الْقِيَامَة ففزعوا وَذكروا بِهِ السُّؤَال من الله فَاسْتَعدوا للجواب عَمَّا عمِلُوا فتابوا إِلَى الله جلّ وَعز عَن كل ذَنْب وَتطَهرُوا لَهُ من كل دنس وَأَخْلصُوا لَهُ النيات فِي أَعْمَالهم ليجيبوه عَمَّا سلف من ذنوبهم بِالتَّوْبَةِ وَعَن إرادتهم فِي طَاعَته بِصدق النِّيَّة فَاسْتَعدوا بِالْقُرْآنِ للعرض وَالسُّؤَال منقادين لَهُ بذلتهم وخاشعين لَهُ باستكانتهم لأَنهم وقروه لإجلال الْمُتَكَلّم بِهِ غير مغيبين عَن تِلَاوَته لطلب حقائق مَعَانِيه وَلَا مستهينين بحرماته فانتعشوا بِهِ من كل صرعة وجبر الله لَهُم بِهِ من كل مُصِيبَة
فَمَا زَالَ ذَلِك دأب العاقلين عَن رَبهم عزل وَجل لِأَنَّهُ ربيع قُلُوب الموقنين وراحة الراجين ومستراح المحزونين لَا ينقص نوره لدوام تِلَاوَته وَلَا يدْرك غور فهمه وَلَا يبلغ لَهُ غَايَة نِهَايَة تاليه أبدا لِأَنَّهُ كَلَام الله جلّ ثَنَاؤُهُ الَّذِي تعلق
стр. 29
المتقون بعروته والملجأ الَّذِي أَوَى الراهبون إِلَى كنف رَحمته
قلت كَيفَ لي بفهم مَا قَالَ الله جلّ وَعز فِي كِتَابه لعَلي أدْرك مَنَازِلهمْ أَو أقَارِب مقامهم
قَالَ بِأَن يعظم عنْدك قدر مَا تنَال بفهمه من النجَاة وَمَا فِي الْإِعْرَاض عَن فهمه من الهلكة لِأَن الله جلّ وَعز أنزل فِي كِتَابه كَلَامه مَعَ الرّوح الْأمين إِلَى مُحَمَّد الْمُصْطَفى برسالته والمنتخب لإنذار عباده ﷺ فوصف تَعَالَى نَفسه بِأَحْسَن الصِّفَات وَدلّ خلقه ونبههم فِيهِ لمعرفته بِمَا وضع فِي سماواته وأرضه من آثَار صَنعته ونفاذ قدرته وَذكرهمْ فِيهِ أياديه عِنْدهم وَكَثْرَة نعمه وتعهده إيَّاهُم من ابْتِدَاء خلقهمْ وَحسن تقديرهم وإجراء أَرْزَاقهم ودفاع البلايا عَنْهُم والآفات الْمهْلكَة لَهُم وَحسن ستره عَلَيْهِم وإقالتهم وَالْعَفو عَمَّا ٨٦ استوجبوا من تَعْجِيل الْعُقُوبَات ونزول النقم بهم
فَأَمرهمْ فِيهِ بالمكارم ونهاهم عَن الآثام والمحارم وَوَعدهمْ فِيهِ جزيل الثَّوَاب وَضرب لَهُم فِيهِ الْأَمْثَال وَفصل لَهُم فِيهِ الْمعَانِي الدَّالَّة على سَبِيل النجَاة وَأَبَان فِيهِ المشكلات وأوضح
стр. 30
لَهُم فِيهِ الشواهد على علم الغيوب وَجعل فِيهِ حَيَاة قُلُوبهم وعزهم وشرفهم والغنى بِهِ عَن جَمِيع الْعباد
ثمَّ أخْبرهُم أَنه أنزل كِتَابه ليدبروا آيَاته بعقولهم ويتذكروا مَا قَالَ بألبابهم وَقَالَ ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك﴾ فَسَماهُ بِالْبركَةِ ليعلموا بذلك أَنه يدلهم على النجَاة وينالون باتباعه الزلفى والكرامة ثمَّ قَالَ ﴿ليدبروا آيَاته﴾ فَأخْبر أَنه أنزلهُ للتذكر والتفكر فِيهِ وَخص بالتفكير والتذكر أهل الْعُقُول أولي الْأَلْبَاب
قَالَ حَدثنَا سنيد بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ أَخْبرنِي معمر بن يحيى بن الْمُخْتَار عَن الْحسن
стр. 31
أَنه تَلا هَذِه الْآيَة ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فَقَالَ وَمَا تدبر آيَاته إِلَّا اتِّبَاعه بعقله أما وَالله مَا هَذَا بِحِفْظ حُرُوفه وإضاعة حُدُوده حَتَّى أَن أحدهم ليقول إِنِّي لأقرأ الْقُرْآن فَمَا أسقط مِنْهُ حرفا وَقد وَالله أسْقطه كُله فَمَا يرى لَهُ الْقُرْآن فِي خلق وَلَا عمل
ثمَّ أخْبرهُم أَن اتِّبَاع مَا فِيهِ سلوك للصراط الْمُسْتَقيم والنور الْمُبين والعصمة لمن تمسك بِهِ من كل هلكة وشفاء لما فِي الصُّدُور
قَالَ الرب جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فضمن الله لمتبعة الْهَدْي لطريق السَّلامَة والسلوك للطريق الْمُسْتَقيم وَوصف المتبعين لَهُ كَيفَ قُلُوبهم وَمَا ورثهم من خَشيته فَقَالَ جلّ وَعز ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم﴾ فَأخْبرهُم أَنه لَا حَدِيث يُشبههُ فِي حسنه وَأخْبر أَنه متشابه غير مُخْتَلف فِيهِ
стр. 32
ثمَّ أخبر أَن فِيهِ التّكْرَار عَن مَعَاني مَا قَالَ إِن تنحت قُلُوبهم عِنْد تِلَاوَة مَا فِي سوره عَن فهم مَعَانِيه تكَرر فِي سُورَة أُخْرَى ففهموه فَقَالَ مثاني
حَدثنَا سنيد قَالَ حَدثنَا سفين عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ فِي حَلَاله وَحَرَامه لَا يخْتَلف شَيْء مِنْهُ تشبه الْآيَة الْآيَة والحرف الْحَرْف
حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَن أبي رَجَاء عَن الْحسن ﴿كتابا متشابها مثاني﴾
стр. 33
قَالَ ثنى الله فِيهِ الْقَضَاء تكون السُّورَة فِيهَا الْآيَة وَفِي السُّورَة الْأُخْرَى آيَة مثلهَا
قَالَ أَبُو رَجَاء وَسُئِلَ عَنْهَا عِكْرِمَة فَقَالَ ثنى الله فِيهِ الْقَضَاء
قَالَ حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد فِي قَوْله متشابها قَالَ يصدق بعضه بَعْضًا قَالَ الْقُرْآن كُله مثاني أَبُو سعيد
فتثنية الْقُرْآن تعود للشَّيْء قد قَالَه
قَالَ حَدثنَا سفين عَن معمر عَن قَتَادَة مثاني قَالَ قد ثناه الله تَعَالَى
стр. 34
قَالَ حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن أبي مَالك قَالَ الْقُرْآن كُله مثاني
قَالَ حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج قَالَ ﴿تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم﴾ قَالَ إِذا سمعُوا ذكر النَّار والوعيد اقشعروا ثمَّ تلين جُلُودهمْ إِذا سمعُوا ذكر الْجنَّة
قَالَ حَدثنَا أَبُو سُفْيَان عَن معمر قَالَ تَلا قَتَادَة ﴿تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم﴾ الْآيَة فَقَالَ هَذَا نعت أَوْلِيَاء الله
نعتهم بِأَن تقشعر جُلُودهمْ وتبكي أَعينهم وتطمئن قُلُوبهم إِلَى ذكر الله هَذِه صفة الَّذين آمنُوا وَكَيف حزنهمْ ورجاؤهم
стр. 35
وَوصف الَّذين أُوتُوا الْعلم علم كِتَابه من قبل أَن ينزل الْقُرْآن فَقَالَ جلّ وَعز ﴿إِن الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبله إِذا يُتْلَى عَلَيْهِم يخرون للأذقان سجدا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا ويخرون للأذقان يَبْكُونَ ويزيدهم خشوعا﴾ ٨٧ وَقَالَ ﴿خروا سجدا وبكيا﴾
يخبر ﵎ أَن وَجل الَّذين أُوتُوا الْعلم من قبلنَا ومخافتهم كَانَت عَن فهم آيَاته فِي كِتَابه وتدبر قَوْله وَقد ضمن جلّ وَعز لأمة مُحَمَّد ﷺ أَن لمن اتبع مِنْهُم مَا فِي كِتَابه من الْهدى الْإِجَارَة من الضَّلَالَة فِي الدُّنْيَا والسعادة فِي الْآخِرَة والنجاة من الشَّقَاء وَقَالَ جلّ وَعز ﴿فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى﴾
قَالَ حَدثنَا أَبُو النَّضر قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن الْمسيب
стр. 36
البَجلِيّ قَاضِي خَالِد قَالَ حَدثنَا خَالِد بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس أجِير صَاحب الْقُرْآن من الضَّلَالَة فِي الدُّنْيَا والشقاء يَوْم الْحساب ثمَّ تَلا ﴿فَمن اتبع هُدَايَ فَلَا يضل وَلَا يشقى﴾
وعظمت الْعلمَاء بِاللَّه مَا أنزل فِي كِتَابه لتعظيمه لَهُ إِذْ سَمِعُوهُ يَقُول ﵎ ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض أَو كلم بِهِ الْمَوْتَى﴾
قَالَ حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا شَيبَان عَن
стр. 37
قَتَادَة فِي قَوْله ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال أَو قطعت بِهِ الأَرْض أَو كلم بِهِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَة
قَالَ ذكر لنا أَن قُريْشًا قَالَت للنَّبِي ﷺ إِن سرك أَن نتابعك فسير لنا جبال تهَامَة ووسع لنا فِي حرمنا نتَّخذ قطايع وبساتين وأحي لنا فلَانا وَفُلَانًا أُنَاسًا مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة فَإِن تابعوك وآمنوا بك تابعناك وآمنا بك فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَلَو فعل هَذَا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم هَذَا وكلم بِهِ الْمَوْتَى وَسَماهُ برهانا ونورا وَرَحْمَة وموعظة وبيانا وَحقا ومجيدا وبصائر وَهدى وفرقانا وشفاء لما فِي الصُّدُور
فَعَظمهُ عِنْد الْمُؤمنِينَ ليعظموا قدره ويفهموه لينالوا بِهِ شِفَاء قُلُوبهم
وَقَالَ جلّ وَعز ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون﴾ وَأخْبر جلّ وَعز بعظيم قدره وَضرب الْجَبَل مثلا لقلوب المستمعين لَهُ ليعقلوا فيتدبروا آيَاته
стр. 38
ويتفكروا فِي عجائبه فَضرب هَذَا الْمثل فَدلَّ بِهِ أَن من لم يفهم عَنهُ مَا أنزل فِي كِتَابه أَن قلبه أقسى من الْحجر الْأَصَم وَأَن مَا فِيهِ تتصدع الْجبَال لَو فهمته خشيَة للمتكلم بِهِ يعظم بذلك قدره وقدرنا فِيهِ وَيبين لنا أَن الْقُلُوب تخشع لفهمه وَتخَاف الله وَجل وَعز لعقلها مَا أخبر بِهِ وَأخْبرنَا أَن الْجبَال الرواسِي لَو أنزل عَلَيْهَا كَلَامه لتصدعت خاشعة لتعظيمه
وَأخْبرنَا أَنه أحسن من كل حَدِيث وَمن كل قصَص وَقَالَ ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص﴾
ثمَّ أخبرنَا جلّ وَعز أَنه قد انْتهى فِي الْحِكْمَة فَقَالَ ﴿حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر﴾
وَأخْبر أَنه لَا مبدل لكلماته وَأخْبر أَنه لَا يفنى وَلَا ينْفد فَقَالَ جلّ وَعز ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي﴾
وسمى الله نَفسه فَقَالَ ﴿عَليّ حَكِيم﴾
стр. 39
وسمى كَلَامه فَقَالَ ﴿وَإنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا لعَلي حَكِيم﴾
حَدثنَا سنيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن معمر عَن قَتَادَة قَالَ فَإِن اسخففتم بِهِ فَإِنَّهُ فِي أم الْكتاب لدينا لعَلي حَكِيم
وَسَماهُ بِأَحْسَن الْأَسْمَاء وأعلاها إِنَّمَا سمى بِهِ نَفسه فَقَالَ ﴿لكتاب عَزِيز﴾
ثمَّ أخبر أَن مَا قبله من الْكتب مُصدق لَهُ وَشَاهد لَهُ وَأَنه لَا يَأْتِي من عِنْده كتاب أبدا يُبدل حكمه وَلَا ينْسَخ أمره وَنَهْيه فَقَالَ من قَائِل ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فَأخْبر أَنه مَنعه من الْخَلَائق أَن ينتقصوا مِنْهُ أَو يزِيدُوا فِيهِ أَو يحرفوه كَمَا حرفت الْكتب من قبله
حَدثنَا سنيد قَالَ حَدثنَا سفين عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾
стр. 40
قَالَ الشَّيْطَان لَا يَسْتَطِيع أَن يُبدل مِنْهُ حَقًا وَلَا يحِق بِهِ بَاطِلا
قَالَ حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد قَالَ الْبَاطِل الشَّيْطَان
قَالَ ابْن جريج ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ﴾ قَالَ لَيْسَ فِيمَا قَصَصنَا ٨٨ على مُحَمَّد ﷺ فِيمَا كَانَ قبله بَاطِل وَلَا من خَلفه مِمَّا قَصَصنَا عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ كَائِن بعده من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
قَالَ حَدثنَا حجاج عَن حَمْزَة الزيات عَن أبي مُخْتَار الطَّائِي عَن ابْن أخي الْحَارِث عَن الْحَارِث قَالَ دخلت الْمَسْجِد
следующие страницы →